عَلَى بَعِيرىَ الَّذِى كُنْتُ أرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنِّى فِيهِ.
قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاء إذْ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلْنَ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يَأكُلنَ العُلقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِى بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِى الَّذِى كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أنَّ الَقَوْمَ
ــ
قال ابن السّكيت: جدوا بها وذكروها.
وقولها: " معرسين فى نحر الظهيرة " وعرس من وراء الجيش، التعرس النزول، ونحر الظهرية: أول القائلة، وأصل التعريس [النزول آخر الليل عند الخليل وغيره؛ وقال أبو زيد] (١): أى وقت كان. وقد ذكر مسلم اختلاف الرواة [عن] (٢) " موغرين " بالغين المعجمة والراء، وفسرها فى الأم عبد الرازق نحو ما تقدم. قال: الوغرة: شدة الحر فى الهاجرة. وذكر - أيضاً - مسلم فيه " موعرين " بالعين المهملة، والراوى فى حديث يعقوب وإبراهيم بن سعد، كذا روايتنا فيه وفى بعض النسخ بالعين والراء المهملتين، وقال أبو مروان بن سراج (٣): لا وجه له هنا. قال القاضى: وكذلك بالراء والوجه ما تقدم.
وتفسير قولها: " [العلقة من الطعام " بأنه القليل منه، وأصله من الأكل والعلوقة والعلوق: الأكل والرعى] (٤).
وقولها: " فحبسنى ابتغاؤه ": أى طلبه، يعنى عقدها. وتيممت منزلى: قصدته.
стр. 4727
سَيَفْقِدُونِى فَيَرْجِعُونَ إلىَّ، فَبَيْنَا أنَا جَالِسَةٌ فِى مَنْزِلِى غَلَبَتْنِى عَيْنِى فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ ابْنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِىُّ، ثُمَّ الذَّكْوَانِىُّ، قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاء الجَيْشِ فَدَّلَجَ، فَأصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِى، فَرَأى سَوَادَ إنْسَانٍ نَائمٍ، فَأتَانِى فَعَرفَنى حِينَ رَآنِى، وَقَدْ كَانَ يَرَانِى قَبْلَ أنْ يُضْرَبَ الحِجَابُ عَلَىَّ، فَاسْتَيْقَظتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِى، فَخَمَّرْتُ وَجْهِى بِجِلْبَابِى. وَوَاللهِ، مَا يُكَلِّمُنِى كَلِمَةً وَلا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْر اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِى الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أتَيْنَا الجَيْشَ، بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِى نَحرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِى شَأنِى، وَكَانَ الَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْن سَلُولَ. فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا المَدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِى قَوْلِ أهلِ
ــ
وقوله: " فأدلج ": أى مشى بليل، يقال منه: أدلج وادَّلج. وقيل: لا يشدد إلا فى سير آخر الليل، وقد تقدم مستوفى الكلام فيه.
وقوله: " فاستمر الجيش ": أى ذهب، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (١) أى ذاهب وهو استفعل من مر.
وقوله: " فرأى سواد إنسان ": أى شخصه، وكل شخص سواد.
وقولها: " فاستيقظت باسترجاعه ": أى بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا من صفوان لمعنيين: أحدهما: أنها مصيبة يجب الاسترجاع فيها؛ لنسيان امرأة عورة، وبقائها منفردة فى قفر وليل مظلم. والثانى: ليقيمها استرجاعه من نومها إذ صان حرمة النبى عن أن يناديها ويكلمها، وقد كان كما قالت: نزل الحجاب كما فعل عمر بتكبيره لينتبه النبى ﵇ ولم يناده إكباراً له، وحرجاً من عموم النهى عن ذلك؛ ولأنه ﵇ كان يوحى إليه فى نومه.
وقولها: " وظننت أن القوم سيفقدوننى فيرجعون إلى " الظن هنا بمعنى العلم، قال الله تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ (٢).
وقوله: " فخمرت وجهى بجلبابى " أى سترته والجلباب كالمقنعة، تغطى به المرأة رأسها يكون أعرض من الخمار، قاله النضر وقال غيره: هو ثوب واسع دون الرداء، تغطى به المرأة ظهرها وصدرها وقال ابن الأعرابى: هو الإزار، وقيل: الخمار. وقيل: هو كالملاة والملحفة وبعض هذا قريب من بعض.
وقولها: " والناس يفيضون فى حديث أهل الإفك " أى يأخذون فيه.
стр. 4728
الإفْكِ، وَلا أشْعُرُ بِشَىْء مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يُريبُنِى فِى وَجَعِى أنِّى لا أعْرِفُ منْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَلُّطْفَ الَّذِى كُنْتُ أرَى مِنْهُ حِينَ أشْتَكِى، إنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: " كَيْفَ تِيكُمْ؟ " فَذَاكَ يُرِيبُنِى. وَلا أشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِى أَمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ - وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا - وَلا نَخْرُجُ إلا لَيْلاً إلى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أمْرُ العَرَبِ الأوَلِ فِى التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأذَّى بِالكُنُفِ أنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا. فَانْطَلَقْتُ أنَا وَأُمُّ مسْطَحٍ - وَهِىَ بِنْتُ أبِى رُهْمِ بْن المُطَّلِب بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ ابْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ المُطَّلِبِ - فَأقْبَلْتُ أنَا وَبِنْتُ أبِى رهْمٍ قِبَلَ بَيْتِى حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأنِنا، فَعَثَرَتْ أمُّ مِسْطَحٍ فِى مِرْطِها. فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أتَسبَّينَ
ــ
وقولها: " يريبنى فى وجع (١) " أى أنكرنى مرضى، العرب تسمى كل مرض وجعاً، ومعنى " يريبنى ": يوهمنى ويشككنى حتى أنكر ذلك من اختلاف حاله، يقال: أرابنى (٢) الأمر يريبنى: إذا توهمته وشككت فيه، فإذا استيقنته قلت: رابنى منه كذا يريبنى، وقال الفراء وأبو زيد: هما بمعنى واحد فى الشك.
وقولها: " لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف " بفتح اللام والطاء، أى البر والتحفى. زاد بعضهم: إذ كان ذلك برفق، ويقال فيه اللطف بالضم وسكون الطاء أيضاً.
وقوله: " كيف تيكم؟ " هى إشارة تنبيه للمؤنث مثل " ذاكم " للمذكر.
وقولها: " بعدما نقهت " بفتح القاف، أى أفقت من المرض.
وقولها: " وخرجت قبل المناصع وهو متبرزنا ": قال الأزهرى: أراها مواضع خارج المدينة، وعليه يدل قوله فى الحديث نفسه فى غير كتاب مسلم، وهى صعيد أفيح خارج المدينة. وقال غيره: هى مواضع التخلى للحدث، وهو معنى قولها: " متبرزنا " والبراز، بالفتح الحدث، وأصله الفضاء من الأرض، وسمى الحدث به لقصدهم قضاه فيه، كما قالوا فيه: الغائط لذلك.
وقولها: " وأمرنا أمر العرب الأول فى التنزه " كذا لجمهور الرواة، أى فى البعد بذلك عن المنازل. وعند ابن ماهان: فى التبرز بمعناه، أى فى الخروج للبراز.
وقولها: " تعس مسطح " بكسر العين، معناه: هلك، وقيل: سقط، والتعس
стр. 4729
رَجُلاً قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. قَالَتْ: أىْ هَنْتَاهُ، أوَلَمْ تَسْمَعِى مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ: فأخْبَرَتْنِى بِقَوْلِ أهلِ الإفْك، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إلى مَرَضِى، فَلمَّا رَجَعْتُ إلى بَيْتِى، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: " كَيْفَ تِيكُمْ؟ ". قُلْتُ: أتأذَنُ لِى أنْ آتِىَ أبَوَىَّ؟ قَالَتْ - وَأنَا حِينَئِذٍ أُريدُ أنْ أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِنْ قبَلِهِمَا - فأذِنَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجِئْتُ أبَوَىَّ فَقُلْتُ لأمِّى: يَا أمَّتَاهْ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنى عَلَيْكِ. فَوَاللهِ، لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائرُ، إلا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ، فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أصْبَحْتُ لا يَرْقَأ لِى دَمْعٌ وَلاَ أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. ثمَّ أصْبَحْتُ أبْكِى، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِىَّ بْنَ أبِى طَالِبٍ وَأسَامَة بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْىُ، يَسْتَشِيرُهُمَا فِى فِرَاقِ أهْلِهِ. قَالَتْ: فأمَّا أسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالَّذى يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءةِ أهْلِهِ، وَبِالَّذِى يَعْلَمُ فِى نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الوُدِّ. فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ، هُمْ أهْلُكَ وَلا نَعْلَمُ إلا خَيْرًا. وَأمَّا عَلِىُّ بْنُ أبِى طَالِبٍ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاء سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإنْ تَسْأل الجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: " أىْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأيْتِ مِنْ شَىْء يَريبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ ". قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إنْ رَأيْتُ عَلَيْهَا أمْرًا قَطُّ أغْمِصُهُ عَلَيْهَا، أكْثَرَ مِنْ أنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أهْلِهَا، فَتَأتِى الدَّاجِنُ فَتَأكُلُهُ. قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبرَ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَىٍّ ابْنَ سَلُولَ: قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنْبَر -: " يَا مَعْشَرَ المُسْلِمينَ، مَنْ يَعْذُرنِى مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ
ــ
السقوط على وجهه خاصة، وقيل: لزمه الشىء، وقيل: بعد.
وقولها: " يا هنتاه ": أى يا امرأة أو يا هذه، وهى كلمة يعبر بها عن كل شىء، وقد تقدم شرحها ولا يقال: هنتاه، إلا فى النداء. ومن العرب من يسكن نون " هن " فى كل حال، مثل " منْ " ومنهم من ينونها فى الوصل. وكذلك الأنثى " هنة " فى الوصل " وهنة " فى الوقف، وحكى الهروى عن بعضهم أن: " هن، وهنة " مشددة النون، وأنكره الأزهرى، والمعروف تخفيف النون. وحكى الخليل أنهم إذا أدرجوها فى المؤنث سكنوا التاء فقالوا: هذه هنتْ جاءت.
وقولها: " ما كانت قط امرأة (١) وضيئة " ممدوداً أى جميلة، والوضاءة: الحسن
стр. 4730
أذَاهُ فِى أهلِ بَيْتِى. فَوَاللهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِى إلا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أهْلِى إلا مَعِى ". فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأنْصَارِىُّ فَقَالَ: أنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ كَانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإنْ كَانَ مِنْ إخْوَانِنَا الخَزْرَجَ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجَ، وَكَانَ رَجُلاً صَالِحًا، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الحَمِيَّةُ - فَقَالَ لِسْعدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ اللهِ، لا تَقْتُلُهُ وَلا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِه. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْر - وَهُوَ ابْنُ عمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ اللهِ، لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عن المُنَافِقِينَ. فَثَارَ الحَيَّانِ الأوْسُ والخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائمٌ عَلى المِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَفِضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمِى ذَلِكَ، لا يَرْقَأ لِى دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. ثمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِى المُقْبِلَةَ، لا يَرْقَأ لِى دَمْعٌ وَلا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَأبَوَاىَ يَظُنَّانِ أنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِى. فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عَنْدِى، وَأنَا أبْكِى، اسْتأذَنَتْ عَلَىَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصَارِ فَأذنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِى قَالَت: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ. قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِى مُنْذُ قِيلَ لِى مَا قِيلَ. وَقَدْ لَبِثَ شَهرًا لاَ يُوحَى إليْهِ فِى شَأنِى بِشَىْءٍ. قَالَت: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: " أمَّا بَعْدُ، يَا عَائِشَةُ، فَإنَّهُ قَدْ بَلَغَنِى عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإنْ كُنْتِ بَريئَةً فَسَيُبَرَئُكِ اللهُ، وَإنْ كُنْتِ
ــ
ممدود. وفى رواية ابن ماهان: " حظية " من الحظوة ورفعة المكانة وبُعده " عند رجل يحبها ولها ضرائر " أى شرائك وزوجات لزوجها، سُمين بذلك لاستضرار كل واحدة بالأخرى؛ لأجل الغيرة التى بينهن على الزوج، ومقاسمتهن (١) أموره. والاسم منه الضر بالكسر، وحكى الضم كغيره.
وقولها: " إلا كثرن عليها " يعنى القول بعيبها.
وقولها: " من شىء أغمصه " بكسر الميم، أى أعيبه وأنتقصه والغمص العيب، وأصله: الطعن والقول السيئ.
وقولها: " ولكن اجتهلته الحمية ": كذا رواية الجلودى بالجيم والهاء فى حديث معمر عن ابن شهاب، وفى حديث فليح عنه وعند ابن ماهان وفى رواية معمر: " احتملته " بالحاء والميم، وهى رواية البخارى (٢). وكذا ذكره مسلم عن يونس وصالح، وصوب
стр. 4731
ألْمَمتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرى اللهَ وَتُوبِى إلَيْهِ، فَإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ ". قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِى حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأبِى أجب عَنِّى رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ. فَقَالَ: وَاللهِ، مَا أدْرِى مَا أقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَلْتُ لأمِى أَجِيبى عَنِّى رَسُولَ اللَّه ﷺ فَقَالَتْ: والَلَّه ما أَدْرِى مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهَ ﷺ . فَقُلْتُ - وَأنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ - لا أقْرَأ كَثيرًا مِنَ القُرْآنِ: إنِّى وَاللهِ، لَقَدْ عَرَفْتُ أنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُم بِهَذا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِى نُفُوسِكمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَإنْ قُلْتُ لَكُمْ إنِّى بَريئَةٌ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّى بَريئَةٌ لا تُصَدِّقُونِى بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اْعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأمْرٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ أنِّى بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُونَنِى. وَإنِّى، وَاللهِ، مَا أجِدُ لِى وَلَكُمْ مَثَلاً إلا كَمَا قَاَلَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١).
ــ
بعضهم الرواية الأولى، ومعناها: استخفته. قال فى الجمهرة: كل شىء استخففته فقد استجهلته، واستجهلت الريح الغصن: إذا حركته فاضطرب، وقيل: أغضبته. قال الهروى: من استجهل مؤمناً فعليه إثمه، أى من حمله على ما يغضبه، وهو من هذا، أى من [حملته] (٢) الحمية على الجهل والغضب، وهو معنى الرواية الأخرى. قيل: احتملته: أغضبته، أو احتمل، كما قال: " حتى هموا أن يقتتلوا ".
وقوله: " فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال ": فيه الابتداء بذكر الله وحمده بالشهادتين فى الكلام فى الأمور المهمة.
وقوله: " ألممت بذنب ": أى أتيته [به] (٣) وليس لك بعادة، وهو أصل اللمم، وقد فسرناه قبل (٤). قال الداودى فى قوله هذا: لا دليل على الفرق بين أزواج النبى ﷺ وغيرهن؛ من وجوب اعتراضهن بما يكون منهن من ذلك [ولا يكتمه] (٥)؛ إذ لا يحل لنبى إمساك من يفعل ذلك، وأمر غيرهن بالستر. وليس كما قال، ولا فى الحديث أمرها بالاعتراف، إنما قال لها: " استغفرى الله وتوبى "، وهذا فيما بينها وبين الله وكذلك قوله: " فإن العبد إذا اعترف " ليس فيه تصريح بأمرها بالاعتراف له، وإنما هو بالاعتراف لله، كما قال.
وقوله: " فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه ": قد مضى الكلام على التوبة، وقوله: " تاب الله عليه ": توبة الله على عباده: الرجوع بهم من المعصية
стр. 4732
قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِى. قَالَتْ وَأنَا، وَاللهِ، حِينَئِذٍ أعْلَمُ أنِّى بَرِيْئَةٌ، وَأنَّ اللهَ مُبَرِّئى بِبَرَاءَتِى. وَلَكِنْ، وَاللهِ، مَا كنْتُ أَظُنُّ أنْ يُنّزَلَ فِى شَأنِى وَحْىٌ يُتْلى، وَلَشأنِى كَانَ أحْقَرَ فِى نَفْسِى مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِىَّ بِأمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّى كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِى الله بِهَا. قَالَتْ: فَوَاللهِ، مَارَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَجْلِسَه، وَلا خَرَجَ مِنْ أهلِ البَيْتِ أحَدٌ، حَتَّى أنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّه ﷺ ، فَأخَذَهُ مَا كَانَ يَأخُذُهُ مِن البُرحَاء، عِنْدَ الوَحْىِ، حَتَّى إنَّهُ لَيَتَحَدّر مِنْهُ مِثلُ الجُمَانِ مِنَ العَرَقِ فِى اليَوْمِ الشَّاتِ، مِن ثِقَلِ القَوْلِ الَّذِى أُنَزِلَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّى عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ - فَكَانَ أوَّلَ كَلِمَة تَكَلَّمَ بِهَا أنْ قَالَ: " أبْشِرِى يَا عَائِشَةُ، أمَّا اللهُ فَقَدْ بَرَّأكِ ". فَقَالَتْ لِى أمِّى: قَومِى إلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاللهِ، لا أقُومُ إلَيْهِ، وَلا أحْمَدُ إلا اللهَ، هُوَ الَّذِى أنْزَلَ بَرَاءَتِى. قَالَتْ: فَأنْزَلَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ
ــ
إلى الطاعة، وهو بمعنى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ (١)، ويكون قبول توبتهم ورضاه بها كما جاء فى الحديث، وبمعنى ثبتها وأخلصها لهم. وقد يأتى بمعنى الرجوع بهم من التشديد إلى التخفيف، ومن الحظر إلى الإباحة لقوله: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُم﴾ (٢)، أى خفف. ومعنى " قلص دمعى ": أى ارتفع.
وقولها لأبيها وأمها: " أجب عنى رسول الله ﷺ ": فيه تقديم الكبير للكلام على الصغير فى المهمات، وفى مخاطبة أهل الأمر والموقرين. وقولهما: " ما ندرى " إذا كان الأمر الذى سألتهما ما لا يقفان منه على زائد على ما عند رسول الله ﷺ قبل أن يأتيه الوحى، من حسن الظن بها والسير إلى الله تعالى. وفيه أنه لا يجب [لأحد أن يعترف] (٣) على نفسه بما لم يفعله، وإن علم أنه فى إنكاره يكذب وفى اعترافه يصدق لقرينة تدل على ذلك، بل لا يجب أن يقول إلا الحق.
وقولها: حين تلت: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [قيل: هو خبر عن مبتدأ محذوف دل عليه الكلام، أى فصبرى صبر جميل] (٤).
وقولها: " فما رام رسول الله ﷺ مجلسه ": أى ما برحه وما فارقه، والريم: البراح والنزول، يقال منه رام يريم، فأما من طلب الشىء فرام يروم.
стр. 4733
مِّنكُمْ﴾ (١) عَشْرَ آيَات، فَأنزَلَ اللهُ هَؤلاء الآياتِ بَرَاءَتِى. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللهِ، لا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أبَدًا بَعْدَ الَّذِى قَالَ لِعائشَةَ. فَأنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِى الْقُرْبَى﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم﴾ (٢).
قَالَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ: هَذِهِ أرْجَى آيةٍ فِى كِتَابِ اللهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ، إنِّى لأحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِى. فَرَجَعَ إلى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِى كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: لا أنْزِعُها مِنْهُ أَبَدًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَألَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ - زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ عَنْ أمْرِى: " مَاعَلِمْتِ؟ أوْ مَا رَأيْتِ؟ " فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أحْمِى سَمْعِى وَبَصَرِى.
ــ
وقولها فى زينب: " وهى التى كانت تسامينى ": أى تعاندنى وتضاهينى بجمالها أيضاً ومكانتها عند النبى ﷺ وأصله من السمو وهو الارتفاع.
ورأيت بعض الشارحين فسره من سوم الخسف، وهو تجشيم الإنسان ما (٣) يكرهه ويشق عليه، كأنه ذهب إلى أن معناه: تغيظنى وتؤذينى، ولا يصح هذا من جهة العربية أن يقال فى فاعل منه سامى، إنما يقال فيه: ساوم.
وقولها: " وطفقت أختها حمنة تحازب لها " [بالزاى] (٤)، أى تتعصب.
وقوله: " ما كشفت عن كنف أنثى قط " بفتح النون، أى ثوبها الذى يسترها، كناية عن الجماع. الكنف الستر.
وقوله عن بريرة: " حتى أسقطوا لها به " كذا رواية الجلودى، وعن ابن ماهان: لهاتها بتاء باثنتين فوقها، وهو عندْ أكثرهم خطأ وتصحيف، وأن الصواب الأول. قيل: معناه: أى بينوا لها به، أى بالأمر، وصرحوا. وإلى هذا ذهب الوقشى وابن بطال قال: من قولهم: سقط على الخبر؛ إذا علمه، أو من قولهم: فلان يساقط الحديث أى يرويه ولها (٥) لما صرحوا لها به قالت: سبحان الله. وقال أبو مروان بن سراج: معناه: أتوا بسقط من القول فى كثرة سؤالها وانتهارها، يقال: أسقط الرجل: إذا أتى بسقط من القول.
стр. 4734
وَاللهِ، مَا عَلِمْتُ إلا خَيْرًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِىَ الَّتِى كَانَتْ تُسَامِينِى مِنْ أزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ.
قَالَ الزُّهْرِىُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إلَيْنَا مِنْ أمْرِ هَؤلاءِ الرَّهْطِ.
وَقَالَ فِى حَدِيثِ يُونُسَ: احْتَمَلتْهُ الحَمِيَّةُ.
٥٧ - (...) وحدّثنى أَبُو الرَّبِيع العَتَكِىُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا الحَسَنُ ابْنُ عَلِىٍّ الحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أبِى
ــ
قال غيره: ويقال سقط وأسقط فى كلامه، أى أخطأ. قال: وعلى رواية " أسقطوا لهاتها " أى أسكتوها.
وقولها: " وكان الذى تولى كبره عبد الله بن أبى ": قيل " كبره " معظم القصة، وقيل: الكبر: الإثم، وقيل: هو الكبيرة كالخطى والخطيئة.
وقوله: " فلما سرى عنى (١) " أى كشف وأزيل.
وفى هذا الحديث موضع كبير الإشكال لم يتكلم عليه الناس، نبهنا عنه (٢) بعض شيوخنا المعنيين بهذا الشأن، وباحثنا عنه غيره وهو قولها: فقام سعد بن معاذ وقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله. وغزوة المريسيع التى وقعت فيها هذه القصة - وهى غزوة بنى المصطلق - سنة ست فيما ذكر ابن إسحاق، وسعد بن معاذ توفى بإثر غزوة الخندق من الرمية التى رمى بها فيه، وذلك سنة أربع بإجماع من أصحاب الخبر إلا شيئاً [روى] (٣)، قاله الواقدى مما نذكره، قال وكيف يصح على هذا ذكر سعد بن معاذ فى الخبر؟ قال: وذكره عندى وهم، والأشبه أنه غيره، ولهذا لم يقله ابن إسحاق فى السير، وإنما قال: إنَّ المتكلم أولاً وآخراً أسيد بن حضير.
وباحثت غيره [عن ذلك] (٤) من شيوخنا عن ذلك فقال لى: لم يصح ذكر سعد بن معاذ للاختلاف فى تاريخ غزاة المريسيع، فإن ابن عتبة يقول: إنها سنة أربع فى سنة غزوة الخندق. وقد ذكر البخارى (٥) اختلاف ابن إسحاق وابن عتبة فى ذلك، وإن كان هذا فيحمل على غزوة المريسيع وحديث الإفك كان فى سنة أربع قبل قصة الخندق وموت سعد بن معاذ.
رَسُولُ اللهِ قَامَ رَسُولَ ﷺ بَيْتى فَسَأَلَ جَارِيَتِى. فَقَالَتْ: وَاللهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلاَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأكُلَ عَجِينَهَا. أَوْ قَالَتْ خَمِيرَهَا - شَكَّ هِشَامٌ - فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اصْدُقِى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ. فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! وَاللهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلاَّ مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمرِ.
وَقَدْ بَلَغَ الأمرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِى قِيلَ لَهُ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالله مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيداً فِى سَبِيلِ اللهِ.
وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الزِّياَدِةِ: وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمَوا بِهِ مِسْطَحٌ وَحِمْنَةٌ وَحَسَّانُ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَىٍّ فَهُوَ الَّذِى كَانَ يسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَحَمِنَةُ.
ــ
قال: فيه سعد بن معاذ وهو الذى فى الصحيحين إن شاء الله تعالى، ويكون قول غير ابن إسحاق أصح من قول ابن إسحاق لا سيما وقد كرر فى الصحيح ذكر سعد بن معاذ فى مراجعة أسيد بن حضير، فقال: وهو ابن عم سعد لينبه على نصرته لقوله قبل.
стр. 4737
(١١) باب براءة حرم النبىّ ﷺ من الريبة
٥٩ - (٢٧٧١) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِىٍّ: " اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ " فَأَتَاهُ عَلِىٌّ فَإِذَا هُوَ فِى رَكِىٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا. فَقَالَ لَهُ عَلِىٌّ: اخْرُجْ. فَنَاوَلهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ، فَإذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلىُّ عَنْهُ. ثُمَّ أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ. مَا لَهُ ذَكَرٌ.
ــ
وقوله: إن رجلاً كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ فقال لعلى: " اذهب فاضرب عنقه " الحديث، قال الإمام: الظاهر أن هذا الحديث فيه حذف بسط السبب، فلعله ثبت عنده بالبينة ما أوجب قتله، فلما رأى علىّ كونه مجبوباً أبقاه ليراجع النبى ﵇ فيه، ولم يذكر ما قال النبى ﷺ لعلى، ولو ذكر السبب الموجب لقتله وجواب النبى ﷺ لعلى لعلم منه وجه الفقه، ولعل الرجل - ايضاً - كان منافقاً ممن يحل قتله، فيكون هذا السبب محركاً على قتله.
قال القاضى: قد نزه الله حرمة النبى ﷺ أن يثبت شىء من ذلك فى جهتها، والخبر معلوم أنه كان قبطياً، وكان يتحدث إليها بحكم الجنسية (١) فتكلم فى ذلك، ولم يأت أنه أسلم، وأن النبى نهاه عن التحدث إليها، فلما خالفه استحق بذلك القتل؛ إما للمخالفة أو لتأذى النبى ﷺ بسببه، ومن آذى النبى ﷺ بشىء ملعون كافر استحق (٢) القتل.
ويحتمل أن النبى ﷺ علم براءته، وكونه مجبوباً، وأمر علياً بما أمره به لما ذكر له هو أو غيره خلوه ليتجلى أمره وترتفع تهمته.
ويحتمل أنه كان قد أوحى إليه أنه لا يقتله، وينكشف له من حاله ما يبين أمره، وأنه فى الركى (٣) متجردًا، إلا أنه أمره بقتله حقيقة، بل قال له ذلك وهو يعلم أنه لا يقتله لما تبين له من براءته كما قال فى الحديث الآخر: " احثُ فى أفواههم التراب " (٤) وقد قالت عائشة له: ما أنت بفاعل، ففهمت أن النبى ﷺ لم يرد ما قاله، بل على طريق
стр. 4738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التعجيز له، أى أنك لا تقدر على إسكاتهن ولا بذلك ولا يمكنك فعله. وقد ذكر أصحاب الأخبار أن المتنوقس صاحب مصر أهدى للنبى مع مارية وأختها سيرين، أى خصيًا اسمه [تابوا] (١)، وأنه أسلم، كذا سماه محمد بن سعد، وقال غيره: " ماتوا "، والأول أثبت، فهو - والله أعلم - ذلك، وقد تقدم تفسير الركى، وهى البئر.
стр. 4739
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم
١ - (٢٧٧٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أِبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ ابْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إسْحَاقَ؛ أنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى سَفَرٍ، أصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَىٍّ لأصْحَابِهِ: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ.
قَالَ زُهَيْرٌ: وَهِىَ قِرَاءَةُ مَنْ خَفَضَ حَوْلَهُ.
وَقَالَ: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَل﴾ (١). قَالَ: فَأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَأخْبَرْتَهُ بِذَلِكَ. فَأرْسَلَ إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَىٍّ فَسَألَهُ فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ. فَقَالَ: كَذَبَ زَيْدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَوَقَعَ فِى نَفْسِى مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ. حَتَّى أنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون﴾ (٢).
قَالَ: ثُمَّ دَعَاهُمُ النَّبِىُّ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ. قَالَ: فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ. وَقَولُه: ﴿كَأَنَّهُمْ
ــ
وقوله: " لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله " أى يتفرقوا عنه، قال: وفى قراءة عبد الله بن حفص: " حوله " كذا فى نسخ مسلم [وكذا قيدناه من طريق العذرى عن الصدفى والأسدى بتنوين حفص، وخفض " حوله "] (٣)، وكذا ذكره ابن أبى شيبة شيخ مسلم فيه فى مصنفه (٤) بنحوٍ منه. قال: وهى فى قراءة من خفض " من حوله " نبه ابن أبى شيبة على أن روايته فيه وكذا من بالخفض لرفع الإشكال، ويرى مخالفة من رواه بالفتح، وكذا قيده بعض شيوخنا فى الترمذى (٥): " من كان حوله "، وليست " كان " فى روايتنا، وفى رواية ابن ماهان: " حوله " بالفتح.
قال بعض المتكلمين: معنى قوله: " من خفض " أى من انعطاف عليه وتحف به، كذا تقيدت عندى بخطى رواية ابن ماهان عن أبى بحر بالخاء، كما تقدم، وكان هذا التفسير له من قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ (٦) وقيده غيرى عنه بالحاء
١٤ - (٢٧٨١) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - وَهُوَ ابْنُ المُغِيرَةَ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِى النَّجَّارِ، قَدْ قَرَأ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرَانَ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى لَحِقَ بِأهْلِ الكِتَابِ. قَالَ: فَرَفَعُوهُ. قَالُوا: هَذَا قَدْ كَانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ، فَأعْجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أنْ قَصَمَ اللهُ عُنُقَهُ فِيهِمْ، فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوْهُ، فَأصْبَحَتِ الأرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا. ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ، فَوَارَوْهُ، فَأصْبَحَتِ الأرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا. ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ، فَوَارَوْهُ، فَأصْبَحَتِ الأرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ عَلَى وَجْهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا.
١٥ - (٢٧٨٢) حدّثنى أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاء، حَدَّثَنَا حَفْصُ - يَعْنِى ابْنَ غِيَاثٍ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ. فَلَمْا كَانَ قُرْبَ المَدِينَةِ هَاجَتْ ريحٌ شَدِيدَةٌ تَكَادُ أنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ. فَزَعَمَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " بُعِثَتْ هذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ " فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، فَإذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ المُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ.
ــ
علاها، كما قال فى الروايات الأخرى: " صعد " (١).
والقائل: " لأن أجد ضالتى أحب إلىّ من أن يستغفر لى صاحبكم ": قيل: هو الجد بن قيس المنافق. و " ينشد ضالته " يطلبها ويرفع صوته بذلك.
وقوله: " نبذته الأرض على وجهها " أى طرحته. و " تركوه منبوذاً " أى مطروحاً.
وقوله: " فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم " أى أهلكه، قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ (٢) أى أهلكناها.
وقوله: " هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب " كذا الرواية فيه فى جميع نسخ مسلم بالنون. قال بعض المتقنين: لعله " تدفق " بالقاف، أى تصبه وتلقيه. والدفق: الصب. وهذا تكلف فى التفسير مع تفسير (٣) الرواية، والرواية صحيحة المعنى. وكذا ذكرهما ابن أبى شيبة فى كتابه كما قال مسلم، ويكون معناها: تذهب به وتغيبه عن
стр. 4746
١٦ - (٢٧٨٣) حدّثنى عَبَّاس بْنُ عَبْدِ العَظِيمِ العَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى اليَمَامِىُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنَا إيَاسٌ، حَدَّثَنِى أبِى، قَالَ: عُدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلاً مَوْعُوكًا. قَالَ: فَوَضَعْتُ يدِى عَلَيْهِ فَقُلْتُ: وَاللهِ، مَا رَأيْتُ كَاليَوْمِ رَجُلاً أشَدَّ حَرًّا. فَقَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " ألا أخْبِرُكُمْ بِأشَدَّ حَرًّا مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ هَذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ الرَّاكِبَيْنِ المُقَفَّيَيْنِ " لِرَجُلَيْنِ حِينَئِذٍ مِنْ أصْحَابِهِ.
١٧ - (٢٧٨٤) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أبِى. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ - يَعْنِى الثَّقَفِىَّ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العَائرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإلَى هَذِهِ مَرَّةً ".
ــ
الناس لقوتها، ومنه قوله: ناقة دفون: إذا كان (١) تغيب عن الأكل (٢)، وعبد دفون: إذا كان يتغيب عن المصر ويأبق فيه.
وقوله: " المتنفيين ": أى المنصرفين المولين [أقفيتهما] (٣).
وقوله ذلك لرجلين من أصحابه، كما ذكر فى الحديث، وقد وصف عذابهما يوم القيامة فسماهما من أصحابه لإظهارهما ذلك، وكونهما فى جملة من يظهر الإيمان ويصحبه، كما قال فى ابن أُبى: " لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه " لا أنه كان من أصحابه بالحقيقة من المهاجرين والأنصار. وقد روى مكان " المتنفيين " هذا " المنافقين ".
وقوله: " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين "، قال الإمام: يريد: المترددة بينهما، لا تدرى لأيهما تتبع.
قال القاضى: ومعنى: " بين الغنمين ": أى القطيعين من الغنم.
وقوله: " تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ": أى تتردد وتذهب، وعارت الدابة تعير: إذا انفلتت وذهبت. وقوله فى الحديث الآخر: " تكر فى هذه مرة " كذا فى بعض الروايات، وعند العذرى: " تكر " بكسر الكاف، [وعند الفارسى: " تكير " بزيادة ياء باثنتين تحتها، وعند ابن ماهان: " تَكْبن " بسكون الكاف] (٤) وباء بواحدة مرفوعة وآخره
стр. 4747
(...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَارِىَّ - عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: " تَكِرُّ فِى هَذِهِ مَرَّةً، وَفِى هَذِهِ مَرَّةً ".
ــ
نون، وهذا الوجه هو الصواب فى هذا الحرف إن شاء الله، وهو بمعنى " تعير " فى الحديث الأول. قال صاحب العين: الكبن: عدو ليّن، كبنَ يكبن كبوناً. ولرواية العذرى وجه بمعنى تعير (١) أيضًا يقال: كر على الشىء وإليه: عطف عليه، وكر عنه: ذهب، والكسر فى مستقبله أصل المضاعف غير المعدى. ولرواية الفارسى أيضًا وجه بمعناه، يقال: كار الفرس [إذا] (٢) جرى ورفع ذنبه عند جريه.
стр. 4748
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
١٨ - (٢٧٨٥) حدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْحَاقَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنِى المُغِيرَةُ - يَعْنِى الحزَامِىَّ - عَنْ أبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: " إنَّهُ لَيأتِى الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمَينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. اقْرَؤُوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (١).
١٩ - (٢٧٨٦) حدّثنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ - يَعْنِى ابْنَ عِيَاضٍ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبيدَةَ السَّلْمَانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أوْ يَا أَبَا القَاسِمِ، إنَّ اللهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى إصْبَعٍ، والأرضِينَ عَلَى إصْبَعٍ وَالَجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى علَى إصْبَع، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أنَا المَلِكُ، أنَا المَلِكُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الحَبْرُ، تَصْدِيقًا لَهُ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ (٢).
ــ
وقوله: " لا يزن عند الله جناح بعوضة ": أى لا يعدلها فى القدر والمنزلة، أى لا قدر له.
وقوله: " جاء حبر إلى رسول الله ﷺ " هو العالم، وكان إنما يستعمل حينئذ فى علماء اليهود، يقال فيه بفتح الحاء وكسرها، وفيه: كعب الحبر، وكعب الأحبار. قال أبو عبيد (٣): ولا أراه سمى إلا من الحبر الذى يكتب به؛ لأنه كان صاحب كتب، وكان أبو الهيثم ينكر فيه الكسر ويقول: هو حبر بفتح الحاء لا غير. ونحوه لابن قتيبة. [قال ابن الأنبارى: العرب تقول: حَبر وحِبر، إذا كان عالماً] (٤).
وقوله: " إن الله يمسك السماوات على إصبعين (٥) والأرضين على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك. وضحك النبى ﷺ تعجباً من قول الحبر، ويروى: " فعجبنا مما قال الحبر ". ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية. زاد فى الرواية الأخرى: " تعجباً لما
стр. 4749
٢٠ - (...) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أبِى شَيْبَةَ وإسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذا الإسْنَادِ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ فضَيْلٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ.
وَقَالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ رَسوُلَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ. تَصْدِيقًا لَهُ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ " وَتَلا الآيَةَ (١).
٢١ - (...) حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاث، حَدَّثَنَا أبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ إلىَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، إنَّ اللهَ يُمْسَكُ السَّماوَاتِ عَلَى إصْبَعٍ، والأرَضِينَ عَلَى إصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلى إصْبَعٍ، وَالخَلائِقَ عَلَى إصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أنَا المَلكُ، أنَا المَلِكُ. قَالَ: فَرأيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
ــ
قال تصديقًا له ".
قال الإمام: تقدم القول فى بيان المراد بالإصبع فى حديث سبق (٢)، وأنه يراد به معنى الاقتدار، وأنه قد يراد به معنى الغمة (٣). وهذا الحديث قد يراد به أن الله خلق السماوات على عظمها مقتدرًا عليها من غير أن يمسه تعب ولغوب، وكما أن الإنسان مما لا يشق عليه ولا يتعبه ما يصرفه على أصبعه، والناس يذكرون الإصبع فى مثل هذه المعانى احتقارًا ويقولون: بإصبع واحد قتلتك، أو أفعل كذا وكذا. وقد يراد هاهنا هذا المعنى: أن الله - سبحانه - لم يتعبه (٤) خلق ما ذكر ولا شق عليه على عظم مخلوقاته هذه. [وقد قال بعض خلق ما ذكر ولا سبق عليه الناس] (٥) قد يكون بعض المخلوقات اسمه أصبع. وقال بعضهم: يحتمل أن يراد أصبع بعض خلقه، وهذا غير مستنكر فى قدرة الله - سبحانه - والغرض إبطال أن يكون لله - سبحانه - أصبع الجارحة لإحالة العقل له، ثم بعد هذا يتأول على ما يجوز وقد رأينا طرفاً من التأويل (٦).
قال القاضى: ذهب بعض المتكلمين أن ضحك النبى ﷺ وتعجبه وتلاوته الآية ليس
стр. 4750
٢٢ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أبِى شَيْبَةَ وَأبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمَ، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإسْنَادِ. غَيْرَ أنَّ فِى حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: وَالشَّجَرَ عَلَى إصْبَعٍ، والثَّرَى عَلَى إصْبَعٍ، وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ جَرِيرٍ: والَخَلائِقَ عَلَى إصْبَعِ. وَلَكِنْ فِى حَدِيثِهِ: وَالجِبَالَ عَلَى إصْبَعٍ. وَزَادَ فِى حَدِيثٍ جَرِيرٍ: تَصْدِيقًا لَهُ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ.
٢٣ - (٢٧٨٧) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى ابْنُ المُسَيَّبِ؛ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَقْبِضُ اللهُ ﵎ الأرْضَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِى السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنَا المَلِكُ، أيْنَ
ــ
على معنى تصديق قول الحبر، بل رد عليه إنكار وتعجب من سوء اعتقاده أن مذهب اليهود التجسيم، وأنه فهم منه ذلك، وأن الأرضين والسماوات احتاجت لما يعتمد عليه من هذه الأصابع التى ذكر الحبر، واستقصى النبى ﷺ ذلك منه، وأنها كانت قبل بغير عمد، كما قال الله تعالى، وكما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا﴾ (١)، ثم جاءت الآية التى ظاهرها خلاف ما قال الحبر من ذكر الأصابع وتفضيل المخلوقات فى الاعتماد عليها بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢)، وأن مفهوم هذه الآية أعظم فى القدرة وأليق بالتنزيه مما ذكر الحبر.
وقوله: " تصديقًا " ليس من كلام النبى ﷺ إنما هو من كلام الراوى، وقد يكون تصديقه الذى فهم الراوى فى عظيم (٣) قدرة الله على ذلك.
وقوله: " أنا الملك، [أنا الجبار] (٤) أين [المتكبرين] (٥) " ورد عليه بقية قوله بتلاوة الآية، قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه﴾ وإلى نحو من هذا نحا المهلب، ولعمرى أن ترجمة البخارى على الحديث (٦): ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أن تَزُولا﴾ تشير إليه.
وقوله: " يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوى السماوات بيمينه "، وفى الحديث الآخر: " يطوى الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيمينه " إلى قوله: " ثم يطوى
стр. 4751
مُلُوكِ الأرْضِ؟ ".
٢٤ - (٢٧٨٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَطوِى اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ القِيَامَة، ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى. ثُمَّ يَقُولُ: أنَا المَلِكُ، أيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطوِى الأرَضِينَ بِشِمَالِهِ. ثُمَّ يَقُولُ: أنَا المَلِكُ، أيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أيْنَ المُتَكبِّرُونَ؟ ".
٢٥ - (...) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ؛ أنَّه نَظَرَ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: " يأخُذُ اللهُ سَمَاوَاتِهِ وَأرَضِيهِ بِيَدَيْهِ فَيَقُولُ: أنَا اللهُ -
ــ
الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك " الحديث.
وقوله: " [كأنى] (١) أنظر إلى عبد الله بن عمر يحكى النبى ﷺ ، قال: يأخذ الله سمواته وأرضه بيديه، ويقول: أنا الملك - ويقبض أصابعه ويبسطها - أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شىء منه " الحديث. يجب أولاً [أن يُعلم] (٢) أن المراد بقوله هنا: " ويقبض أصابعه ويبسطها " النبى ﵇ ويرتفع أكثر الإشكال وهو بين. ألا تراه كيف قال: عن ابن عمر يحكى النبى ﷺ ، يعنى فى فعله هنا، لكن يبقى فى معنى هذا القبض والبسط والإشارة بذلك إشكال سنذكره.
قال الإمام: تقدم القول (٣) فى ذكر اليد، واختلاف الأصوليين فى إثباتها بمعنى الصفة لا بمعنى الجارحة، وتنازعهم فى مقتضى قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ (٤)، وذكر تأويل ما وقع فى ذكر اليد فى حديث قبل هذا (٥)، ولكن لما ذكر هاهنا اليمين والشمال كان آكد فى إبهام الجارحة فإذا أثبت استحالة يد الجارحة عليه ووصفه باليمين والشمال، فلا بد من حمل هذا على ما يجوز. وأمثل ما يتأول عليه عندى أن الله -
стр. 4752
وَيَقْبِض أصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أنَا المَلِكُ " حَتَّى نَظَرْتُ إلى المنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أسْفَلِ شَىْءٍ مِنْهُ حَتَّى إنِّى لأقُولُ: أسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؟.
ــ
سبحانه - أراد أنه يطوى السماوات والأرض بقدرته وكنى عن ذلك بذكر اليد لأن بها فعلنا نحن وبها تصرفنا، فخاطب بما يفهم وبما خرج إلى الحس والوجود؛ ليكون المعنى أوكد وأرسخ فى نفس السامع وذكر اليمين والشمال حتى يورد المثال على كماله ولما علم أنا نحن نتناول ما يكرم باليمين وما دونه بالشمال، وأنا نقوى بأيماننا على أشياء لا نقوى عليها بشمائلنا، وكانت السماوات أعظم بما لا يتقارب ولا يتدانى من الأرضين، أضاف فعله فيها إلى اليمين، وفعله فى الأرضين إلى الشمال على حسب ما قلناه من أنا نحاول الأصعب باليمين والأخف بالشمال وإن كان - سبحانه - ليس شىء أخف عليه من شىء ولا شىء أصعب من شىء ولكنه تعالى خاطبنا بما نفهم. ولما ذكر اليد تمثيلاً أتم المعنى على التمثيل بعينه، ولا يبعد أن يكون فى السماوات ما هو أفضل من الأرض وكل ما فيها، لا سيما إذا قلنا بتفضيل الملائكة على ما تقدم [و] (١) ذكر الخلاف فيه أن يكون البارى - سبحانه - يفضل السماوات لأمور تخفى عنا، فيكون أضافها إلى اليمين لما قلناه من اختصاص اليمين بالأشرف والشمال بما دونها، وجرى فى ذلك على حكم التمثيل الذى به افتتح فختم عليه، وهو الذى ظهر لى من هذا الحديث.
قال القاضى: اعلم أنه جاء فى هذا الحديث باختلاف رواياته ثلاثة ألفاظ: " يقبض " و " يطوى " و " يأخذ " والطى والقبض راجعان إلى معنى الجمع، وكلها بمعنى الجمع؟ لأن السماوات مبسوطة والأرض مدحوة ممدودة، وهما راجعان إلى معنى اللفظ الآخر، ثم يرجع ذلك إلى معنى الرفع والزوال، وتبديل الأرض غير الأرض والسماوات، فعاد كل ذلك إلى ضمها بعضها إلى البعض ورفعها وإبادتها وتبديلها بغيرها.
وقبض النبى ﷺ أصابعه بعد وبسطها، تمثيلاً لصفة قبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها، وحكاية للمقبوض والمبسوط التى هى السماوات والأرض لا عن [القبض والبسط] (٢) الذى هو صفة [القابض الباسط] (٣) لا إله غيره، ولا تمثيلاً لصفة الله السمعية المسماة باليد، التى ليست بجارحة ولا عضو ولا لها كيفية.
قيل: وقد يكون بسط النبى ﷺ لأصابعه وقبضها إشارة إلى الاستيعاب والكلية لجميع السماوات والأرضين ببسط اليد كلها وجمعها، كما يشير الإنسان بذلك إلى نفسه لجمع الشىء.
стр. 4753
٢٦ - (...) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِى حَازِمٍ، حَدَّثَنِى أبِى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ، " يَأخُذُ الجَبَّارُ، ، سَماواتِهِ وَأرَضِيهِ بِيَدَيْهِ " ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ.
ــ
وقوله فى المنبر: " يتحرك من أسفل شىء منه ": أى من أسفله إلى أعلاه، إذ بحركة الأسفل يتحرك الأعلى. وأما حركة المنبر تحته فيحتمل أن تكون لحركة النبى ﷺ فوقه بهذه الإشارة، ويحتمل أن يكون تحرك من ذاته لحركته ﵇ مساعداً للنبى ﷺ فى حركته عليه [السلام] (١) وهيبته لما يسمع من عظمة الله - تعالى - كما حنَّ له الجذع (٢)، فيكون من جملة علامات نبوته وآياته، والله أعلم بمراد نبيه فيما ورد من هذه الأحاديث من مشكل. نؤمن بالله وصفاته ولا يشبه شىء به، ولا يشبه هو شىء سواه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣)، وما قاله رسول الله ﷺ من ذلك وثبت عنه حق وصدق، فما أدركنا علمه فبفضل الله، وما عمى علينا من ذلك آمنا به، ووكلنا علمه إليه وإلى رسوله، وحملنا لفظه ما احتمل فى اللسان الذى بعثه الله به ليبين للناس ما أنزل إليهم، ولم نقطع على مغيبه بعد تنزيهه تعالى عما لا يليق به من ظاهره.
стр. 4754
(١) باب ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇
٢٧ - (٢٧٨٩) حدّثنى سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالا. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ ابْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْج: أخْبَرَنِى إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ - مَوْلَى أمِّ سَلَمَةَ - عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: أخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِى فَقَالَ: خَلَقَ اللهُ التُرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الجِبَالَ يَوْمَ الأحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الإثْنَيْنِ، وَخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثَّلاثَاءِ، وَخَلَقَ الُنّورَ يَوْمَ الأربِعَاءَ، وَبَثَّ فِيها الدَّوَابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ العَصْرِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فِى آخِرِ الخَلْقِ، فِى آخِرِ سَاعَة مِنْ سَاعَاتِ الجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ العَصْرِ إلَى اللَّيْلِ ".
قَالَ إبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا البِسْطَامِىُّ - وَهُوَ الحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى - وَسَهلُ بْنُ عَمَّارٍ، وَإبْرَاهِيمُ بْنُ بِنْتِ حَفْصٍ، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ حَجَّاجٍ، بِهَذَا الحَدِيثِ.
ــ
وقوله: " خلق الله التربة يوم السبت " الحديث، وفيه: " وخلق النور يوم الأربعاء " كذا رويناه فى كتاب أبى عبد الله الحاكم (١)، وعند بعض رواة مسلم فيه فى الكتاب " النون " بالنون مكان الراء، يعنى: الحوت. رويناه أيضاً فى كتاب ثابت عن النسائى (٢) وفى رواية أخرى: " البحور " مكان النون، وفى هذا الحديث أيضاً فى الأم: " وخلق المكروه يوم الثلاثاء "، والذى فى كتاب ثابت من رواية النسائى: " وخلق التقن يوم الثلاثاء "، قال ثابت: وهو ما يقوم به المعاش ويصلح به التدبير كالحديد وغيره (٣) من جواهر الأرض، وكل شىء يقوم به صلاح شىء فهو تقنة، ومنه: إتقان الشىء: إحكامه.
стр. 4755
(٢) باب فى البعث والنشور، وصفة الأرض يوم القيامة
٢٨ - (٢٧٩٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْن أبِى كَثِير، حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَهْل بْنِ سَعْد، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى أرْضِ بَيْضَاءَ، عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِى، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لأحَدٍ ".
٢٩ - (٢٧٩١) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِر، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (١) فأيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَال: " عَلَى الصِّرَاطِ ".
ــ
وقوله: " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء، عفراء " ممدودان: أى بيضاء إلى حمرة. والعفر: بياض يضرب إلى الحمرة قليلاً، ومنه سمى عفر الأرض، وهو وجهها، لأنه بذلك اللون.
وقوله: " كقرصة النقى " بكسر القاف، يعنى: الحوارى، وهو الدرمك، ويكون تشبيه لونها بها وهى عفراء، لما غيرت النار من بياض وجهها إلى الحمرة، والله أعلم. وقوله: " ليس فيها علم لأحد ": أى علامة سكنى أو بناء أو أثر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن " النون " هو الحوت، على وفاق ما فسر فى الحديث، وأن " بالام " يدل جواب اليهودى على أنه اسم للثور. قال: ولعل اليهودى أراد التعمية، فقطع الهجاء وقدم أحد الحرفين، وإنما الرتبة لام ياء هجاء لأى على وزن لعاى، أى ثور، ويقال للثور الوحشى: اللأى، فصحف الراوى فقال: بالام، وإنما هو بياء لام بحرف العلة. هذا أقرب ما يقع لى فيه، إلا أن يكون إنما عبر عنه بلسانه، ويكون ذلك فى لسانهم يلا، وأكثر العبرانية فيما يقولون مقلوب على لسان العرب بتقديم الحروف وتأخيرها، وقد قيل: إن العبران هو العربان، فقدموا الياء وأخروا الراء.
قال القاضى: وجدت أبا عبد الله بن أبى نصر الحافظ (١) ذكر هذا الحديث فى اختصاره الصحيح، وقال فيه: باللأى والنون بباء الإلزاق مكسورة ولام مشددة على وزن الرحى، واللأى: الثور الوحشى فى لسان العرب، ولم أر أحدًا رواه كذا، ولعله إصلاح ممن ظنه مصحفاً، وإذا كان هذا فقد بقيت لنا الميم زائدة من بلام، إلا أن يقول أيضاً: إنها تصحيف، صحفت من الياء المقصورة. وهذا إن لم يصح رواية. وما قاله الخطابى مع ما فيه من التحكم والتكلف غير مُسَلَّم، لأن هجاء اللأى لام ألف وياء لا لام باء كما قال، وأولى ما يقال فى ذلك: أن نُقِرّ الكلمة على وجهها، وتكون كلمة عبرانية، ألا ترى كيف سألوا اليهودى عن تفسيرها، ولو كانت كما رواها ذاك باللأى لكان من لغة العرب ولعرفه الصحابة، ولم يحتاجوا إلى تفسير اليهودى.
وزيادة الكبد وزائدته: القطعة المنفردة المتعلقة منه، وهى أطيبه، لهذا - والله أعلم - خص السبعين ألفاً بأكلها من بين سائر أهل الجنة، ولعلهم السبعون ألفاً الذين ورد فى الحديث (٢) أنهم أول من يدخل الجنة، ففضلوا بأطيب النزول، ويحتمل أنه عبر بالسبعين ألفاً عن العدد الكثير ولم يرد حصر العدد، كما قيل فى قوله: ﴿إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿(٣)، وكما يقول القائل: جئتك ألف مرة لتكثير مجيئه إليه.
стр. 4758
(٤) باب سؤال اليهود النبى ﷺ عن الروح وقوله: عالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية
٣٢ - (٢٧٩٤) حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِى إبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَيْنمَا أنَا أمْشِى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى حَرْثٍ، وَهُوَ مُتَّكِئ عَلَى عَسِيبٍ إذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. فَقَالُوا: مَارَابَكُمْ إلَيهِ؟ لا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَىْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالُوا: سَلُوهُ. فَقَامَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَسَألَهُ عَنِ الرُّوح قَالَ: فَأسكَتَ النَّبِىُّ ﷺ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ. قَالَ: فَقُمْتُ مَكَانِى، فَلَمَّا نَزَلَ الوَحْىُ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (١).
٣٣ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ وَأبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمَ، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
ــ
وقوله: " سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه؟ لا يستقبلكم بشىء تكرهونه " كذا الرواية. قال الوقشى: وجه الكلام: ما أربكم إليه، أى ما حاجتكم.
قال القاضى: الرواية إن شاء الله صحيحة، أى ما دعاكم إلى [غير] (٢) ذلك وخوفكم أو شككم فى أمره، حتى تحتاجوا (٣) إليه وإلى سؤاله، أو ما دعاكم إلى ما تكرهونه. والريب ما رابك وأوهمك من شىء تتخوف عقباه، ومنه قوله فى فاطمة: " يريبنى ما رابها " (٤). يقال: رابنى الرجل إذا تحققت ريبته، وأرابنى: إذا توهمت ريبته. وقال ثعلب: أراب الرجل: إذا جاء بريبة، ورد ذلك عليه عَلىّ بن حمزة بما تقدم وهو مذهب أبى زيد. وأما الفراء فقال: هما بمعنى لغتان صحيحتان فى التهمة.
وقوله: " [وهو] (٥) متكئ على عسيب ": معتمداً على جريدة نخل كالاعتماد على العصا ونحوه.
وقوله: فلما نزل الوحى، قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية. رواية السمرقندى
стр. 4759
كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنْتُ أمْشِى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فى حَرْثٍ بِالمدِينَةِ. بِنَحْوِ حَدِيثِ حَفْصٍ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ وَكِيعٍ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيَلاً﴾ وَفِى حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ: وَمَا أوتُوا، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ خَشْرَمٍ.
٣٤ - (...) حدّثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ إدْرِيسَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الأعْمَشَ يَرْوِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ فِى نَخْلٍ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيب. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ عَنِ الأَعْمَشِ. وَقَالَ فِى رِوَايَتِهِ: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيَلاً﴾.
٣٥ - (٢٧٩٥) حدّثنا أَبُو بُكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَشَجُّ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ اللهِ - قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أبِى الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ
ــ
﴿وَمَا أُوتِيتُم﴾ على نص التلاوة. وللعذرى والطبرى والسجزى: " وما أوتوا " كذا فى حديث ابن غياث، وقد ذكر مسلم الاختلاف فى ذلك فى حديث ابن أبى شيبة وإسحاق، ولم يقرأ بهذه القراءة فى السبع. وكذا جاء فى هذا الكتاب: فلما نزل الوحى قال. وكذا فى البخارى (١) فى أكثر أبوابه قيل: وهو وهمٌ وصوابه ما تقدم قبل من رواية ابن ماهان فى باب صفة نزول الوحى: " فلما انجلى عنه " وكذا رواه البخارى (٢) فى موضع، وفى موضع: " فلما صعد الوحى " وهذا كله وجه الكلام لأنه قد ذكر قبل نزول الوحى عليه، وقد ذكرنا الخلاف فى هذا اللفظ ومعانيه هناك.
قال الإمام: الكلام فى النفس والروح مما يغمض ويدق، ولكنه مع هذا أكثر الناس الكلام فيه حتى ألف بعضهم فيه التواليف، ولكن مشاهير المقالات فى الروح قول أبى الحسن الأشعرى: إنه النفس الداخل والخارج، والقاضى أبو بكر بن الطيب يراه مما يتردد بين هذا الذى قاله أبو الحسن الأشعرى وبين الحياة، وبعض الناس يرى أنه جسم مشارك للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة، وذهب بعض المتحملين (٣) من أئمتنا إلى أن الأظهر فيه أنه جسم لطيف، خلقه الله - سبحانه - وأجريت العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده، وإذا شاء موت إنسان أعدم هذا الجسم منه عند إعدام الحياة، وهذا الجسم إن كان حياً فلا يحيا إلا بحياة يختص به أيضاً وهو مما يصح القبض إليه والبلوغ إلى مكان ما من الجسم.
стр. 4760
خَبَّابٍ قَالَ: كَانَ لِى عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأتَيْتُهُ أتَقَاضَاهُ. فَقَالَ لِى: لَنْ أقْضِيَكَ حَتَّى تَكْفُر بِمُحَمَّدٍ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إنِّى لَنْ اكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ وَإنِّى لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعَدِ المَوْتِ؟ فَسَوْفَ أقَضِيكَ إذَا رَجَعْتُ إلَى مَالٍ وَوَلَدٍ.
قَالَ وَكِيعٌ: كَذَا قَالَ الأَعْمَشُ. قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (١).
٣٦ - (...) حدّثنا أبْو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أبِى. ح وَحدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَان، كلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ وَكِيعٍ. وَفِى حَدِيثِ جَرِير: قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِى الجَاهِلِيَّةِ، فَعَمِلْتُ لِلعاصِ بْنِ وَائِلٍ عَمَلاً، فَأتَيْتُهُ أتَقَاضَاهُ.
ــ
وكونه فى مكان فى العالم أو حواصل الطير إلى غير ذلك مما وقع فى الظواهر، ويصح فى العقل صرف ما أشرنا إليه من الظواهر إلى غيره من جواهر القلب أو الجسم الحية، والمسألة تحتمل الاتساع الكثير، وإنما ذكرنا فى هذا الموضع ما يليق به.
وأما قوله: " فأسكت النبى ﷺ ": يقال سكت سكوتاً وأسكت عنه: أعرض عنه.
وقد تكلمنا فى النفس والروح قبل هذا. وقد اختلف المفسرون فى معنى الروح المذكور فى الأم، فقيل: إنهم إنما سألوه عن عيسى، فقال لهم: الروح من أمر الله، أى إنما هو شىء أمر الله به وخلقه، لا كما تقول النصارى. وكان ابن عباس يكتم تفسير الروح، وعن ابن عباس وعلى: هو ملك من الملائكة، وقيل هو جبريل، وقيل: الروح: القرآن، وقيل: خلق كخلق بنى آدم، وقال بعض العلماء: علم الله أن الأصلح لهم ألا يخبرهم ما هو؛ لأن اليهود قالوا: إن فسر الروح فليس بنبى.