(٥) باب فى سوق الجنة، وما ينالون فيها من النعيم والجمال
١٣ - (٢٨٣٣) حدثنا أَبُو عُثْمَانَ، سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَصْرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِت الْبُنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ فِى الْجَنَّةِ لَسُوقًا، يَأتُونَهَا كُلَّ جُمْعَةً، فَتهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِى وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْداَدُونَ حُسْنًا وَجَمَالاً، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالاً. فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً. فَيَقُولُونَ: وَأنْتُمْ، وَاللهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالاً ".
ــ
وقوله: " إنّ فى الجنة لسوقاً " الحديث، يريد: مجتمعاً لأهل الجنة، كما تجتمع إلى السوق فى الدنيا، وهذا يوم المزار (١) وهو يوم الجمعة، ويوم المزيد، كما قال فى الحديث. وسُمى (٢) السوق سوقاً؛ لسوق من يأتيها من الناس ببضائعهم إليها. والسوق يذكر ويؤنث.
وقوله: " فتهب ريح الشمال ": بفتح الشين والميم، قال صاحب العين: الشمال والشمأل ساكنة الميم [مهموز] (٣) والشأمل بتقديم الهمزة، والشمل بفتح الميم بغير ألف، والشمول بفتح الشين وضم الميم: الريح، وهى التى تأتى من دبر القبلة. وخص ريح الجنة بالشمال - والله أعلم - بأنها ريح المطر عند العرب، كانت (٤) تهب من الشام، وبها يأتى سحاب المطر، وكانت ترجى السحاب الشامية؛ ولذلك أيضاً سمى (٥) هذه الريح فى الحديث الآخر: " المثيرة "، أى المجداة (٦) كما قال: " فتحثو فى وجوههم " يعنى ما يثيره من مسك أرض الجنة وغير ذلك من نعيمها وهو مقابلة الجنوب.
стр. 4798
(٦) باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم
١٤ - (٢٨٣٤) حدثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقىُّ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ - وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ - قَالا: حَدَّثَنَاَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: إِمَّا تَفَاخرُوا وَإمَّا تَذَاكَرُوا: الرِّجَالُ فِى الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوَلَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِم ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّة عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدِرِ، وَالَّتِى تَلِيها عَلِى أَضْوَأِ كَوْكَبٍ دُرِّىٍّ فِى السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِىٍّ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِى الْجَنَّةِ أَعْزَبُ"؟.
(...) حدثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: اخْتَصَمَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ: أَيُّهُمْ فِى الْجَنَّةِ أَكْثَرُ؟ فَسَأَلُوا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِم ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ.
١٥ - (...) وحدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ - يَعْنِى ابْنَ زِيَادٍ - عَنْ عُمَارةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُوَلُ. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ". حِ وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلوُنَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدرِ، وَالَّذينَ يَلُونَهُمْ عَلى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّىٍّ فِى السَّمَاء إِضَاءَةً، لا يَبُولُوَنَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا يَتْفُلُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ. أَخْلاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا، فِى السَّمَاءِ ".
ــ
وقوله: إما تفاخروا وإما تذاكروا: الرجال أكثر فى الجنة أم النساء، وقول أبى هريرة: أو لم يقل ﵇: " أول زمرة تدخل الجنة " إلى قوله: " لكل واحد منهم زوجتان " إلى قوله: " وما فى الجنة عزب " أى من لا زوجة له، قال الإمام العزب: البعيد عن النساء، والعازب: البعيد [عن] (١) المرعى.
стр. 4799
١٦ - (...) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أَوَّلَ زُمْرَةٍ تدْخُلُ الْجَنَّة مِنْ أُمَّتِى عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدرِ، ثُمَّ الَّذينَ يَلُونَهُمْ عَلى أَشَدِّ نَجْم فِى السَّمَاءِ إِضَاءَةً، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ لا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَبُولُونَ ولا يَمْتَخِطُونَ ولا يَبْزقُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، أَخْلاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى طُولِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا ".
قَالَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ: عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ. وَقَالَ أَبُوكُرَيْبٍ: عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ: عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ.
ــ
قال القاضى: كان عند العذرى: " أعزب " وليس بشىء، وظاهر احتجاجه على أنّ النساء أكثر فى الجنة؛ لأنّه إذا كانت هذه الزمرة والنساء مثلاهم ومن عداهم أقلة أن يكون النساء مثلهم، دل على كثرتهم، وأنهم أكثر من الرجال فى الجنة، وجاء فى أهل النار أن أكثرهم النساء (١)، فخرج من جملة هذا أن أكثر بنى آدم النساء، إذ هم أكثر أهل الجنة وأهل النار وهذا كله فى الآدميات، وإلا فقد جاء أن للواحد من أهل الجنة من الحوريات العدد الكثير.
стр. 4800
(٧) باب فى صفات الجنة وأهلها، وتسبيحهم فيها بكرة وعشياً
١٧ - (...) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُول الله ﷺ . فَذَكَرَ أَحَاديثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أَوَلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ، صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لا يَبْصُقُونَ فِيَهَا وَلا يَمْتَخِطُونَ وَلا يَتَغوَّطُونَ فِيهَا، آنِيَتُهُمْ وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سَاقِهمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ وَلا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشيًّا ".
١٨ - (٢٨٣٥) حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لعُثْمَانَ - قَالَ عُثْمَان: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلا يَتْفُلُونَ، ولا يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ ". قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: " جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ ".
ــ
وقوله: " أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ": هذا مذهب أهل السنة وكافة المسلمين: أنّ نعيم أهل الجنة وملاذها بالمحسوسات وغيرها من الملاذ العقليات كأجناس نعيم أهل الدنيا، إلا ما بينهما من الفرق الذى لا يكاد يتناسب، وأنّ ذلك على الدوام لا آخر له، خلافاً للفلاسفة وغلا (١) الباطنية من أنّ نعيم الجنة (٢) إنما هو لذات عقلية، وانفصال من هذا العالم إلى الملأ الأعلى، وهو عندهم المعبر به عن الجنة، وهو مذهب كافة النصارى. وخلافاً لبعض المعتزلة فى أنّ نعيم أهل الجنة غير دائم، وإنما هو إلى أمد، ثم يُسْألُون (٣). وقال مثله جهم، إلا أنهم يفنون عندهم. وهذا كله خلاف ملة الإسلام وسخف العقول والأحلام. والآثار الصحيحة وكتاب الله يدل على خلاف هذا كله. وقد ذكر مسلم فى ذلك، وفى دوام حالهم، وأنه لا يتغير ولا يغنى ما فيه كفاية.
стр. 4801
(...) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِه: " كَرَشْح الْمِسْكِ ".
١٩ - (...) وحدثنى الْحَسَنُ بْنُ عَلِىًّ الْحُلوَانِىُّ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى عَاصِمٍ. قَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْد اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " يَأكُلُ أَهْل الجَنَّةِ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ، وَلا يَبُولُونَ، وَلَكِنْ طَعَامُهُمْ ذَاكَ جُشَاءٌ كَرَشْح الْمِسْكِ، يُلْهَمُوْنَ التَّسْبِيحَ والحَمْد، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ ".
قَالَ: وَفِى حَدِيْثِ حَجَّاجٍ: " طَعَامُهُمْ ذَلِكَ ".
ــ
ومعنى: " تشبُّوا ولا تهرموا " (١): أى يدوم شبابكم.
وقوله: " ولا تبأسوا " (٢): أى لا يصيبكم بأس، وفى (٣) الشدة فى الحال وتغيره وهو البأس والبأساء والبؤس [والبؤساء] (٤).
وقوله: " ولا يمتخطون ولا يتفلون " بكسر الفاء، أى لا يبصقون، كما جاء فى الحديث الآخر مفسرًا. والتفل والتفال: البصاق. والتفل: رميك الشىء من فيك، يقال من هذا: تفل يتفل، فأما تفل بالكسر يَتَفَلُ بالفتح فمن نتن الرائحة، ولو روى هنا بالفتح لصح معناه.
وقوله: " ورشحهم المسك ": أى عرقهم. ورواه السمرقندى فى حديث ابن أبى شيبة وأبى كريب: " ريحهم المسك " وهو وهم، والمعروف الأول.
وقوله: " ومجامرهم الألوة ": هو العود الهندى، وقد تقدم الكلام فى هذا الحرف.
وقوله: " على خلق رجل واحد " (٥): بيَّن مسلم اختلاف الرواة فيه، وأن ابن أبى شيبة قاله بضم الخاء واللام، وأبو كريب بفتح الخاء وسكون اللام. وقد اختلف فى ضبطه الرواة عن البخارى أيضاً، وكلاهما صحيحان، وقد ترجح رواية الضم بقوله فى الحديث الآخر: " لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب [رجل] (٦) واحد " وقد يترجح
стр. 4802
٢٠ - (...) وحدثنى سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِىَّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَيُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَكْبِيرَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ ".
ــ
رواية الفتح لقوله: " على طول أبيهم آدم ستون ذراعاً " (١)، وحكى مسلم عن ابن أبى شيبة أنه قال هنا: " على صورة آدم " وكلاهما صحيح، وقد جاء فى الحديث الآخر: " على صورة آدم وطوله ستون ذراعاً " (٢). وضبطنا هذا الحرف على أبى بحر: " وطوله " بالرفع، ولا يصح سواه؛ لأن بعده: " فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ".
(٩) باب فى صفة خيام الجنة، وما للمؤمنين فيها من الأهلين
٢٣ - (٢٨٣٨) حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى قُدَامَةَ - وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ - عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِى الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَة مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا سِتُّونَ مِيلاً، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ، فَلا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا ".
٢٤ - (...) وحدّثنى أَبو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِىُّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " فِى الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَة، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلاً، فِى كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ، مَا يرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ ".
٢٥ - (...) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامُ، عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى مُوسَى بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ، طُولُهَا فِى السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلاً، فِى كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ، لا يَرَاهُمُ الآخَرُونَ ".
ــ
وقوله: " إنّ للمؤمن فى الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ": كذا لهم بالفاء، وعند السمرقندى: [مجوبة] (١) بالباء فى حديث سعيد بن منصور، والمعنى متقارب. ومعنى رواية الباء: مثقوبة مفرغ داخلها، وهو مثل مجوفة، قال الله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِين جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ (٢) [أى] (٣) نقبوه ومزجوه، وجعلوا فيه بيوتًا ومنازل، كما قال: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ (٤)، والخيمة: بيت مستدير من بيوت الأعراب معروف.
وقوله: " فى كل زاوية منها أهل للمؤمن، لا يراهم الآخرون ": أى ناحية، يعنى لسعته (٥) وبعد أقطاره. وإذا كان طوله فى السماء ستين ميلاً، أى فى الارتفاع [كما ذكر فى الحديث] (٦)، فما ظنك بطوله فى الأرض وعرضه! وذكر مسلم فى الباب: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا همام عن أبى عمران الجهنى. وسقط من رواية ابن الحذاء " يزيد بن هارون " وإثباته الصواب.
стр. 4805
(١٠) باب ما فى الدنيا من أنهار الجنة
٢٦ - (٢٨٣٩) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَعَلىُّ بْنُ مُسْهرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ، وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ، كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ".
ــ
وقوله: " سيحان وجيحان والفرات والنيل، [كل] (١) من أنهار الجنة ": هذه الأنهار الأربعة أكبر أنهار بلاد الإسلام النيل ببلاد مصر والفرات بالعراق، وسيحان وجيحان - ويقال سيحون وجيحون - ببلاد خراسان. وقيل يحتمل أن المراد بذلك أنّ الإيمان عم بلادها وفاض عليها، وأنّ الأجسام المتغذية بهذه المياه صائرة إلى الجنة، ويحتمل أنه على ظاهره، وأنّ لها مادة من الجنة، إذ الجنة موجودة مخلوقة عند أهل السنة، وأنها التى أُنزل منها آدم. وقد ذكر مسلم أول الكتاب فى حديث الإسراء: أنّ النيل والفرات يخرجان من أصلها، وبينه فى البخارى، فقال: " من أصل سدرة المنتهى " (٢).
стр. 4806
(١١) باب يدخل الجنة أقوام، أفئدتهم مثل أفئدة الطير
٢٧ - (٢٨٤٠) حدثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعرِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ اللَّيْثِىُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ الْجَنَّة أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْل أَفئِدَةِ الطَّيْرِ ".
٢٨ - (٢٨٤١) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنْبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا
ــ
وقوله: " يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ": يحتمل أنه أراد: فى رقتها وضعفها، كما قال لأهل اليمن: " أرق قلوباً، وأضعف أفئدة "، وقد تقدم الكلام على معناه (١). ويحتمل أنه أراد: فى الخوف والهيبة. والطير أكثر الحيوان ذعراً وفزعاً؛ ولهذا قالوا: أحذر من غراب، وكالطائر الحذر، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢)، فكأنه يريد بذلك قوماً غلب عليهم الخوف، كما قد روى عن جماعة من السلف وغيرهم ممن أماتهم الخوف، وصدع قلوبهم الوعظ، وفاضت أنفسهم عند سماع الوعد والوعيد، وتذهلت عقولهم عند مشاهدة الهول والحادث الشديد.
قال الإمام: ذكر مسلم فى الباب: حدثنا حجاج بن الشاعر، حدثنا أبو النضر، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا أبى عن أبى سلمة عن أبى هريرة. هكذا إسناد هذا الحديث عن أبى العلاء، وفى نسخة السجزى عن أبى أحمد مثله، ووقع فى نسخة الرازى والكسائى: حدثنى أبى عن الزهرى عن أبى سلمة بزيادة رجل فى السند وهو الزهرى، قال بعضهم: والصواب رواية أبى العلاء ومن تابعه، ولذلك خرجه أبو مسعود من طريق مسلم من حديث إبراهيم عن أبيه عن أبى سلمة قال: ولا أعلم لسعد بن إبراهيم رواية عن الزهرى، والله أعلم. وقال الدارقطنى (٣) فى كتاب العلل: لم يتابع أبو النضر على وصله عن أبى هريرة، والمحفوظ عن إبراهيم عن أبيه عن أبى سلمة مرسلاً. كذا رواه يعقوب وسعد ابنا إبراهيم بن سعد، قال: والمرسل الصواب.
قال القاضى: وقوله: " خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا " الحديث، تقدم الكلام فى هذا بوجوه مستوعبة.
стр. 4807
خَلَقَه قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ - وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلائِكَة جُلُوسٌ - فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذرِّيَتِكَ ". قَالَ: " فَذَهَبَ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ ". قَالَ: " فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ ". قَالَ: " فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلق يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الآنَ ".
ــ
وقوله هنا: " طوله ستون ذراعًا " يبين الإشكال، ويزيح التشابه، ويوضح أنّ الضمير راجع إلى آدم نفسه، وأنّ المراد على هيئته التى خلقه عليها، لم ينتقل فى النشأة أحوالاً ولا تردد فى الأرحام أطوارًا. وقد مرّ من هذا، ويكون معناه: على الصورة التى كان بها فى الأرض وأنه لم يكن فى الجنة على صورة أخرى، ولا اختلفت صفاته وتصوراته اختلاف تصورات الملائكة فى أصول صورهم. وفى الصور التى يتراءون فيها [غالباً] (١) للخلق.
وقوله: " اذهب فسلم على أولئك النفر - وهم نفر من الملائكة جلوس ": فيه تسليم الواحد على الجميع، والماشى على الجالس، وقد مرّ منه.
وقوله: "واستمع ما يحيونك به من التحية "، ويروى: " يجيبونك " من الجواب. فيه رد السلام، والتعليم بالفعل.
стр. 4808
(١٢) باب فى شدة حرّ نار جهنم، وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين
٢٩ - (٢٨٤٢) حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْص بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ الْكَاهِلِىِّ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُّرُونَهَا ".
٣٠ - (٢٨٤٣) حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " نَارُكُمْ هَذِهِ، الَّتِى يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ، جُزْءٌ منْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمْ ". قَالُوا: وَاللهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَاَفِيَةً يَا رسُولَ اللهِ! قَالَ: " فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا ".
(...) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى الزِّنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " كلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا ".
٣١ - (٢٨٤٤) حدثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنَا يزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازم، عَنْ أَبِى هُرَيْرةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ إِذْ سَمِعَ وَجِبَةً. فَقَالَ النَّبِىِّ ﷺ : " تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ ". قَالَ: قُلنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " هَذَا حَجَرٌ
ــ
قال الإمام: وخرج مسلم فى أول باب صفة النار: حدثنا عمر بن حفص قال: حدثنى أبى عن أبى العلاء بن خالد الكاهلى، عن شقيق. ووقع فى نسخة أبى العلاء بن ماهان بدل " الكاهلى ": " الباهلى "، وهو وهم، وصوابه: الكاهلى. وكاهل من بنى أسد بن خزيمة.
قال القاضى: وهذا الحديث مما أستدرك على مسلم، وتبعه عليه الدارقطنى (١)، قال: ورفعه وهم، رواه الثورى ومروان وغيرهما عن العلاء مرفوعاً.
وقوله: إذ سمع وجبة فقال: " هذا حجر رمى به فى النار ": أى وقعة وهزة، يريد: صوت سقوطه، ومنه: " فسمعتم وجبتها "، قال الإمام: أى سقطتها، يقال: وجب الشىء وجباً: سقط، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢).
стр. 4809
رُمَى بِهِ فِى النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِى فِى النَّارِ الآنْ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا ".
(...) وحدثناه مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، بِهَذَا الإسْنَاد. وَقَالَ: " هَذَا وَقَعَ فِى أَسْفَلِهَا، فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتَهَا ".
٣٢ - (٢٨٤٥) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ قَتَادَةُ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَمُرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ نَبِىَّ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ منْهُمْ مَنْ تَأخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأخُذُه إِلَى عُنُقِهِ ".
٣٣ - (...) حدثنى عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِى ابْنَ عَطَاء - عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَب؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " مِنْهُمْ مَنْ تَأخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيه، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ، ومِنْهُمْ مَنْ تَأخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ ".
(...) حدثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَجَعَلَ مَكَانَ " حُجْزَتِهِ ": " حَقْوَيْهِ ".
ــ
قال القاضى فى رواية ابن عباد فى هذا الحديث: " وقال هذا وقع فى أسفلها " كذا فى عامة النسخ، قيل: وجهه: هذا حجر وقع. وقد جاء هذا الحديث فى كتاب القاضى التميمى: " الآن وقع فى أسفلها " وهو يبين مدى اختلاف الرواية؛ لأن فى الحديث قبله: " الآن انتهى إلى قعرها ".
وقوله: " ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته ": هى معقد السراويل والإزار.
وقوله: " ومنهم من تأخذه إلى ترقوته " بفتح التاء وضم القاف، هو العظم الذى بين ثغرة النحر والعاتق.
стр. 4810
(١٣) باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء
٣٤ - (٢٨٤٦) حدثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزنَاد، عَنْ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " احْتَجَّت الْنَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتْ هَذهِ: يَدْخُلُنِى الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ. وَقَالَتْ هَذِهِ: يَدْخُلُنِى الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكينُ. فَقَالَ اللهُ لِهَذِهِ: أَنْتِ عَذَابِى، أُعَذِّبُ بِكَ مَنْ أَشَاءُ - وَرُبَّمَا قَالَ: أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ - وَقَالَ لِهَذِهِ: أَنْتِ رَحْمَتِى أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَنْكُمَا مِلْؤُهَا ".
٣٥ - (...) وحدثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِى وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِى الزِّنَاد، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " تَحَاجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرتُ بِالْمُتَكَبِّرين وَالْمُتَجَبرينَ. وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: فَمَالِى لا يَدْخُلُنِى إلا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ؟ فَقَالَ اللهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِى أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِى. وَقَالَ للنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِى، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاء مِنْ عِبَادِى. وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ منْكُم مِلْؤهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلا تَمْتَلِئُ، فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهنَالِكَ تَمْتَلِئُ. وَيُزْوِى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ".
ــ
وقول الجنة: " لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم " ويروى: " وسقاطهم وعجزهم ": سقطهم، بفتح السين والقاف، السقط من كل شىء: ما لا يعتد به. وسقط المتاع: رديئه. وكذلك كل شىء سقاطته مثله، والساقط والساقطة من الناس السفلة واللئيم.
وقوله: " وعجزهم " بفتح، العين والجيم، جمع عاجز، وهو العيى الضعيف، قيل: العجاز فى طلب الدنيا. كذا فى حديث ابن رافع عن شبابة، ولبعض الرواة فى حديث ابن رافع عن عبد الرزاق مثله، إلا أنه قال: " وعجزتهم "، وعند أكثر شيوخنا: " وغرثهم " بفتح الغين المعجمة وفتح الراء وثاء بعدها مثلثة، ومعناه قريب من قوله: " ضعفاؤهم وسقطهم "، أى مجاويعهم. والغرث: الجوع. ورواه الطبرى: " غرّتهم " بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء وتاء باثنتين فوقها، ومعناه قريب مما تقدم، أى بلههم وغافلوهم، كما قال فى الحديث الآخر: " أكثر أهل الجنة البله " (١). سماه بالمصدر، أى ذوو الغرة، والبله منهم، ومعناه: سواد الناس وعامتهم من أهل الإيمان بالله، الذين لا يتفطنون للشبه فيدخل عليهم الاختلافات ويلقيهم فى الأهواء، وهم صحاح العقائد، ثابتو الإيمان، وهم أكثر المؤمنين.
стр. 4811
(...) حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلالِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ - يَعْنِى مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْد - عَنْ مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " احْتَّجْتِ الْجَنَّةُ وَالْنَّارُ ". وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِى الزِّنَادِ.
٣٦ - (...) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَاِفِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام ابْنِ مُنَّبهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيث مِنْهَا: وَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " تَحَاجَّت الْجَنَّةُ وَالْنَّارُ. فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرتُ بِالْمُتَكَبِّرين وَالْمُتَجَبِرينَ. وَقَالَت الْجَنَّةُ: فَمَالِى لا يَدْخُلُنِى إلا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقطُهمْ وَغِرَّتُهُمْ؟ فَقَالَ اللهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِى أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِى. وَقَالَ للنَّارِ: إنَّمَا أَنْتِ عَذَابِى، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاء مِنْ عِبَادِى. وَلكُلِّ وَاحِدَةٍ مَنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلا تَمْتَلِئ حَتَّى يَضَعَ اللهُ ﵎ رِجْلَهُ. فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ. فَهنَالِكَ تَمْتَلِئُ. وَيُزْوِى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلا يَظْلِمُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا. وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا ".
ــ
وأمّا العارفون والعلماء والحكماء فالأقل، وهم أصحاب الدرجات العلى، وقيل: البله فى أمر دنياهم، وقيل: معنى الضعفاء هنا وفى الحديث الآخر: " أهل الجنة كل ضعيف متضعف " (١) أنه الخاضع لله، المذل نفسه لله تعالى. ضد المتجبرين المستكبرين. قال أبو بكر بن خزيمة: الضعيف هنا: الذى يبرى نفسه من الحول والقوة فى اليوم عشرين مرة إلى خمسين. ولم يرد الشيخ - والله أعلم - التحذير من حول وقوة، إنما أراد اتصافه بالتبرى من الحول والقوة واللجأ إلى الله متى يذكر.
وقوله: " فلا تمتلئ حتى يضع رب العزة فيها قدمه "، وفى رواية " عليها قدمه " وفى رواية: " رجله، فتقول قط قط " بالسكون، و" قط قط " بالكسر غير منون وبالتنوين، قال الإمام: أى حسبى، " وقطنى " بمعنى " حسبى "، ومنه قول الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطى
أى: حسبى.
قال القاضى: ومعنى " تنزوى ": تنقبض ويجتمع على أهلها ومن ألقى فيها، وتشتعل بعذابهم، أى تنقبض عن سؤال: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (٢) لملئها.
قال الإمام: هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التى وقعت موهمة للتشبيه ولما نقله الأثبات، واشتهر عند الرواة، كلف العلماء قديماً وحديثاً الكلام عليه والنظر فى تأويله، فمنهم من حمل القدم على السابق المتقدم، ويقال للمتقدم: قدم، فيكون تقدير الحديث: حتى يضع الجبار فيها من قدم لها من أهل العذاب، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ
стр. 4812
(٢٨٤٧) وحدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " احْتَّجتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ". فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ إِلَى قَوْلِهِ: " وَلِكِلَيْكُمَا عَلَىَّ مِلْؤُهَا " وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ.
٣٧ - (٢٨٤٨) حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ نبِىَّ الله ﷺ قَالَ: " لا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العِزَّةِ ﵎ قَدَمَهُ. فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَعِزَّتِكَ. وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ".
ــ
عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (١)، معناه: التقدم والسبق، لا قدم الرجل. فإذا وقع مثل هذا (٢) فى القرآن حملنا ما وقع فى السنة عليه، وإلى هذا مال النضر بن شميل. وقد أشار ابن الأعرابى إلى أن القدم يعبر به عن هذا المعنى، ولكن فى الشرف والجلالة.
ويحتمل أن يكون المراد ها هنا بالحديث: قدم بعض خلقه، وتكون الإضافة هنا إلى الله - سبحانه - إضافة فعل لا إضافة جارحة.
وقد قال بعضهم: يحتمل أن يريد أن الله - سبحانه - يخلق فى الآخرة خلقاً يسمى بهذه التسمية، فلا تمتلئ النار إلا به.
ويحتمل وجهاً آخر على رواية من رواه: " حتى يضع الجبار " أنْ يريد به الشيطان؛ لأنه أصل الجبارين، أو يريد به أحد الكفرة من الجبابرة، فيكون المعنى: لا تمتلئ حتى يضع إبليس فيها قدمه، أو هذا المشار إليه.
وأمّا ما خرّجه مسلم فى بعض طرقه: " حتى يضع الله رجله " فقد أنكر هذه اللفظة بعض أهل العلم، وزعم ابن فورك أنها غير ثابتة عند أهل النقل، ولكن لابد من تأويلها لأجل تخريج مسلم لها وهو كما وصفناه فى كتابنا هذا أولاً، ووصفنا أحاديثه، فيصح أن يكون المراد ها هنا: رجل بعض خليقته، وأضاف ذلك إليه إضافة فعل لا إضافة جارحة، كما قدمناه فى القدم.
ويصح فيه تأويل آخر أيضاً وهو: أن يكون المراد ها هنا بالرجل: الجماعة من الناس، كما يقال: رجل من جراد، أى جماعة من جراد. وقد وقع ذلك فى أشعار كثيرة.
وإذا أمكن حمل الحديث على هذه التأويلات الصحيحة الجائزة على الله - سبحانه -
стр. 4813
(...) وحدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ شَيْبَانَ.
ــ
لم يصح حمله على ما يقوله المجسمة، من إفادته إثبات الجارحة لله - تعالى الله عن قولهم. وقد قام الدليل القاطع العقلى على استحالة ذلك عليه جلّ وعلا، وهذا واضح.
قال القاضى: وقد قيل: إنها عبارة عن شدة القدرة والقهر للنار، ومنه قولهم: وطئ الجيش بنى فلان، وقال الشاعر:
فوطئن وطئًا على خنق
وقيل: القدم هنا مستعار للذلة فى قولهم: وضعت رجلى على قفاه.
وأظهر التأويلات فيها عندى ما تقدم؛ من أنهم قوم يقدم علم الله وقضاؤه كونهم من أهلها، أو خلقهم لها، كما قال فى الحديث نفسه فى الجنة: " ولا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة ". وقوله: ولكل واحدة منكما ملؤها ". وقوله فى النار: " فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ " فالحديث يفسر بعضه بعضًا، ويرفع مفسره الإشكال عن مجمله ومتشابهه.
وفى هذا الحديث حجة لأهل السنة أن الثواب والعقاب غير مستحق بالأعمال، وقمع للمعتزلة والقدرية فى إثباتهم الثواب والعقاب على جهة العقل، وأنه بحسب الأعمال ولا يصح إلا عليها. وانظر كيف قال هنا للجنة: " فينشئ الله لها خلقًا مما يشاء " يدل أنهم ممن لم يوجد، وكان هذا ظاهره وعلى هذا يحمل أمر أولاد المؤمنين، وإيلام الأطفال والبهائم، وغير ذلك مما يفعل منه ما شاء. ولهم فى هذا اختلاط واختلاف وروغان لم يخلصهم، والكلام فيه تطويل.
وقوله فى آخر الحديث: " ولا يظلم الله من خلفه أحدًا ": يحتمل أنه راجع إلى ما قلناه، وأنه - تعالى - يعذب من يشاء ابتداء ويخلقه لذلك، غير ظالم له، كما قال: " أعذب بك مَنْ أشاء مِنْ عبادى "، ويحتمل أنّه راجع إلى ذكر محاجة الجنة والنار، وأنّ الذى جعل لكل واحدٍ منهما عدل منه وحكمة، باستحقاق كل طائفة منهم لذلك، ولم يظلم أحدًا منهم.
وفى جملة هذا الحديث، وأنّ النار تحتاج إلى مزيد، وأن الجنة يبقى فيها فضل حتى تمتلئ أى ممن ذكره: دليل على عظمها، وسعة أقطارها، مع ما جاء أنه يعطى للواحد مثل الدنيا وعشرة أمثاله. فسبحان القادر على ما يشاء، الواسع الرحمة والعطاء، العظيم الملك الفعال لما يشاء.
стр. 4814
٣٨ - (...) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَطَاء، فِى قَوْلِهِ : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (١). فَأَخْبَرَنَا عَنْ سَعيَدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، عَن النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " لا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزيدٍ، حَتَّى يَضَعِ رَبُّ العِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَينْزَوىَ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطِ قَطِ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ. ولا يَزَالُ فِى الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللهُ لَهَا خَلْقًا، فَيُسِكنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ ".
٣٩ - (...) حدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْن سَلَمَةَ - أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ - عَنِ النَّبِى ﷺ قَالَ: " يَبْقَى مِنَ الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَبْقَى، ثُمَّ يُنْشِئَ اللهُ تَعَالَى لَهَا خَلْقًا مِمَّا يَشَاءُ ".
٤٠ - (٢٨٤٩) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَتَقَارَبَا فِى اللَّفْظِ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " يُجَاءُ بالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ - زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ - فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالْنَّار - وَاتَّفَقَا فِى بَاقَى الْحَدِيثِ - فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، هَلْ تَعْرَفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ ". قَالَ: " وُيقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، هَلْ تَعْرفُونَ هَذَا؟ " قَالَ: " فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ ". قَالَ: " فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ". قَال: " ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ. وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ " قَالَ:
ــ
وقوله: " يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح " وذكر: " يوقف بين الجنة والنار" إلى قوله: " فيؤتى به فيذبح، ثم قال: خلود فلا موت "، قال الإمام: الموت عرض من الأعراض عندنا يضاد الحياة. وقال بعض المعتزلة: ليس بمعناه، وهو يرجع إلى عدم الحياة.
وعلى المذهبين، وإن كان الثانى منهما خطأ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (٢)، فأثبت الموت مخلوقًا، ولغير ذلك من الأدلة - لا يصح أن يكون الموت كبشًا ولا جسمًا من الأجسام، وإنما المراد بهذا التشبيه والتمثيل. وقد يخلق البارى - تعالى - هذا الجسم ثم يذبح، ويجعل هذا مثالاً؛ لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة.
وأما قوله ﷺ : " فيشرئبون ": قال الهروى (٣): من حديث عائشة - رضى الله عنها. واشرأب النفاق: أى ظهر وعلا، وكل رافع رأسه فهو مشرئب، ومنه. فيشرئبون لصوته.
٤٦ - (٢٨٥٣) حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِى مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ حَارِثَةَ بْن وَهْبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النّبِىَّ ﷺ قَالَ: " أَلا أُخْبركمْ بأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ " قَالُوا: بَلَى. قَالَ ﷺ : " كلُّ ضَعِيفٍ مُتَضعف، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ". ثُمَّ قَالَ، " أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ " قَالُوا: بَلَى. قَالَ: " كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ ".
(...) وحدثنا مُحَمَّدُ بْنِ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. غَيْر أَنَّهُ قَالَ: " أَلا أَدُلُّكُمْ ".
٤٧ - (...) وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْر، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِىَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أَلا أُخْبرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كلُّ ضَعِيفٍ مُتَضعِفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأبَرَّهُ. أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكبِرٍ ".
٤٨ - (٢٨٥٤) حدثنى سُويْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْعَلاء بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " رُبَّ أَشْعَث مَدْفُوعٍ
ــ
قال القاضى: ومعنى: " أملح ": النقى البياض، قاله ابن الأعرابى. وقال الكسائى: هو الذى فيه بياض وسواد، والبياض أكثر. وقد تقدم الكلام فيه فى الضحايا. قال بعض أصحاب المعانى: يحتمل أن اختلاف اللونين على هذا - فى هذا المثال - لاختلاف الحالين. فالبياض لجهة أهل الجنة، الذين ابيضت وجوههم. والسواد لجهة أهل النار، الذين اسودت وجوههم.
وقوله: فى أهل الجنة: " كل ضعيف متضعف "، وفى الرواية الأخرى: " أشعث مدفوع بالأبواب ": هو صفة نفى الكبرياء والجبروت التى هى صفة أهل النار، ومدح التواضع والخمول والتذلل لله وحضّ عليه. وقد يكون الضعف هنا رقة القلوب ولينها، وإجابتها للإيمان، كما قال: " أتاكم أهل اليمن، أضعف قلوباً " ويروى " ألين، وأرق أفئدة " (١). وقد يكون المراد: أنّها لأكثر أهل الجنة، أى ضعف الناس عامتهم، والمستضعفون: المحتقرون فى الدنيا عند أهلها منهم، وهو الأظهر بالحديث، كما قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذلُونَ﴾ (٢)، وكقولهم: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا﴾ (٣)، وهم سواد المؤمنين وجمهورهم كما قدمناه؛ ولأن أهل الظهور فى الدنيا والرياسة يحجبهم ذلك عن الإيمان؛ لقساوة قلوبهم، وشموخ نفوسهم، واستكبارهم ورغبتهم فى الاتباع، ولأن أكثر الكفار والعتاة والمترفين بخلاف هذه الصفة التى وصف بها أهل
стр. 4817
بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ".
٤٩ - (٢٨٥٥) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ الله ﷺ . فَذَكَرَ النَّاقَةَ وَذَكَرَ الَّذِى عَقَرَهَا. فَقَال: " ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ (١): انْبَعَثَ بِهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارمٌ مَنِيعٌ فِى رَهْطِهِ، مِثْلُ أَبِى زَمْعَةَ " ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ فَوَعَظَ فِيهِنَ ثُمَّ قَالَ: " إِلامَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ؟ " فِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ: " جَلْدَ الأَمَةِ " وَفِى رِوَايَةِ أَبِى كُرَيْبٍ: " جَلْدَ الْعَبْدِ، وَلَعَلَّهُ يضاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ "، ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِى ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ فَقَالَ: " إِلامَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَل؟ ".
ــ
الجنة، وبالصفة التى وصف بها أهل النار. فالحال راجعة فى الوجهين إلى الأكثر والأغلب.
ومعنى الأشعث: الملبد الشعر المغبر منه، ذلك الذى لا يهتبل بترجيله ولا غسله ولا دهنه. ومعنى " مدفوع بالأبواب " أى: لا يؤذن له، ويحجب لحقارته عند الناس وخموله.
وقوله: " لو أقسم على الله لأبره ": قيل: لو دعاه لأجابه، وقيل: أمضى يمينه على البر وصدقها ونفذ قضاؤه بما خرجت عليه يمينه، وقد سبق ذلك فى علمه. يقال: أبررت القسم: إذا لم تخالفها وأمضيتها على البرّ. ويقال فيه: برزت القسم أيضاً.
وقوله فى أهل النار: " كل عتل جواظ متكبر "، وفى الرواية الأخرى: " كل جواظ زنيم متكبر "، قال الإمام: قال الهروى (٢): قال أحمد بن عبيد: الجواظ: الجموع المنوع. قال غيره: الكثير اللحم، المختال فى مشيته. وقد جاظ يجوظ جوظاناً، ويقال للقصير البطن، كل قد قيل. وأما العتل، فقيل: هو الجافى الشديد الخصوِمة بالباطل. وأما الزنيم، فهوالملصق بالقوم الدعى. ذكر هذا فى تفسير قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (٣)، وعن ابن عباس (٤) قول آخر فى الزنيم المذكور فى الآية: أنه رجل من قريش، كان له زنمة كزنمة الشاة. وروى عنه ابن جبير (٥): أَنه الذى يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
قال القاضى: وفى كتاب العين: العتل: الأذل (٦)، وكذلك الجواظ. وقال ابن دريد: الجواظ: الجافى القلب. وقال غيره: الفاجر، وقيل: التكبر مع عظم الجسم.
وقوله فى الذى عقر الناقة: " عزيز عارم (٧) منيع فى رهطه ": العارم: الجرىء
стр. 4818
٥٠ - (٢٨٥٦) حدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَىِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ، أَبَا بَنِى كَعْبٍ هؤُلاءِ يَجُرُّ قُصْبهُ فِى النَّارِ ".
٥١ - (...) حدثنى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِى. وَقَالَ الآخَرانِ: حَدَّثَنَا - يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: إِنَّ الْبَحِيرَةَ الَّتِى يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. وَأَمَّا السَّائِبَةُ الَّتِى كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ، فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَىْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَّيبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ
ــ
الحاذر، وقد عرم عرمة بالفتح وعُراما بالضم، ورجل عرم بغير ألف أيضاً. وفى هذا الحديث: النهى عن ضرب النساء، وعن الضحك مما يكون من الإنسان، وأن ذلك كله ليس من مكارم الأخلاق، ولا سيما أهل الفضل والدين.
وقوله: " رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف ". كذا ضبطناه بفتح القاف والميم وتخفيفهما، وهى الرواية عن أكثرهم. ومن طريق الباجى عن ابن ماهان: " قمعة " بكسر القاف والميم معاً وتشديد الميم، وقد ضبطناه عن بعض شيوخنا فى غير هذا الكتاب: " قَمعَة " بالفتح وسكون الميم.
قال القاضى: وقوله فى الرواية الأخرى: " رأيت عمرو بن عامر " فالمعروف فى نسب أبى خزاعة عمرو بن لحى بن قمعة، كما قال فى الحديث. وهو قمعة بن إلياس بن مضر، وإنما عامر ابن عم أبيه أخى قمعة وهو مدركة بن إلياس. وهذا قول نساب الحجازيين. ومن الناس من يقول: إنهم من اليمن من ولد عمرو بن عامر، وأنه عمرو بن لحى، واسمه: ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر. وقد يحتج قائل هذا بهذه الرواية الأخرى.
وقوله: " ابن خندف ". هى أمهم من اليمن، وقيل: هى ليلى ابنة عمران بن الحاف [بن قضاعة. ولتسميتهم بهذه الألقاب خبر معروف] (١) ذكره أهل الخبر.
وقوله: " أخا بنى كعب هؤلاء " كذا رواية العذرى وأكثر رواة الجلودى وعند ابن ماهان: " أبا بنى كعب " وكذلك للطبرى، وهو الصواب. وكذا ذكر الحديث ابن أبى خيثمة ومصعب الزبيرى (٢) وغيرهما؛ لأنّ كعبًا هو أحد بطون خزاعة وابنه.
стр. 4819
الْخُزَاعىَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِى النَّارِ، وَكَانَ أوَّلَ مِنْ سَيَّبَ السُّيُوبَ ".
٥٢ - (٢١٢٨) حدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْل، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأذْنَاب البَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ. وَنَسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُؤُسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةَ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتوجَدُ
ــ
وقوله: " يجر قصبه فى النار "، قال الإمام: قال أبو عبيد (١): الأقصاب: الأمعاء، واحدها قصب.
قوله: " وكان أول من سيب السوائب " وفى الرواية الأخرى: " السيوب "، قال الإمام: ذكر سعيد بن المسيب فى كتاب مسلم: أن السائبة: التى كانوا يسيبُونها لآلهتهم، فلا يحمل عليها شىء. والبحيرة: التى يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس.
قال الإمام: والبحيرة - فيما ذكره المفسرون -: الناقة كانت فى الجاهلية إذا أنتجت خمسة أبطن، فكان آخرها ذكراً أبحروا أذنها، أى شقوها ولم يذبحوها، ولم يركبوها، ولم تطرد عن ماء، ولم تمنع مرعى، ولم يركبها أحد. قال الكلبى: كانوا إذا أنتجت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكراً أكله الرجال دون النساء. وإن كانت أنثى اشترك فيها الرجال والنساء. وسميت بحيرة لشقهم أذنها. بحرت: إذا شقت شقاً واسعاً. والناقة بحيرة ومبحورة.
وأما السائبة، فقيل: هو ما كان أحدهم يفعله إذا مرض، فينذر إن شفى أن يسيب ناقته، فإذا فعل ذلك لم تمنع من ماء ولا كلأ. وقد يسيبون غير الناقة. كانوا إذا سيبوا العبد لم يكن عليه ولاء. وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتى عشرة أنثى ليس فيها ذكر سيبت، ولم تركب، ولم يُجزّ وبرها. وما أنتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها، وخليت مع أمها، فهى البحيرة بنت السائبة.
قوله ﵇: " نساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة "، قال الإمام: فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: كاسيات من نعم الله - تعالى - عاريات من الشكر.
الثانى: كاسيات يكشفن بعض جسدهن، ويسبلن الخُمر من ورائهن، فتنكشف صدورهن، فهن كاسيات بمنزلة العاريات، إذا كان لا يستر لباسهن جميع أجسادهن.
والثالث: يلبسن ثياباً رقاقًا يصف ما تحتها، فهن كاسيات فى ظاهر الأمر عاريات (٢) فى الحقيقة.
وقوله: " مائلات مميلات ": أى زائغات عن استعمال طاعة الله - تعالى - وما
стр. 4820
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يلزمهن من حفظ الفروج. و " مميلات ": يُعَلِّمن غيرهن الدخول فى مثل فعلهن. وقيل: " مائلات ": متبخترات فى مشيهن، " مميلات ": يملن أكتافهن وأعطافهن. وقيل: [مائلات] (١) يمتشطن المشطة الميلاء، وهى مشطة البغايا، وجاءت كراهتها فى الحديث. والمميلات: اللواتى يمشطن غيرهن المشطة الميلاء. ويجوز أن تكون المائلات المميلات بمعنى واحد، كما قالوا: جاد مجد.
وقوله: " رؤوسهن [كأسنمة البخت ": معناه: أى يعظمن رؤوسهن] (٢) بالخمر والعمائم حتى يشبه أسنمة البخت، ويجوز أن يكون معناه: أنهن يطمحن إلى الرجال كأسنمة البخت. معناه: أنه يقطمن رؤوسهن ولا ينكشن رؤوسهن. قال القاضى: الرواية فى الحديث كما ذكر: " المايلة " بياء بثنتين من أسفل. وقال [الكسائى] (٣): صوابه: " الماثلة " بثاء المثلثة، أى قائمة، لما كان الأمر عنده فى التفسير على تعظيم رؤوسهن. والصواب عندى ما جاءت به الرواية، وهو الذى تعضده اللغة والحديث نفسه. وتفسير من فسر المائلات أنهن يمتشطن المشطة الميلاء، وهى مشطة البغايا، وقد استشهد عليها [ابن] (٤) الأنبارى بقول امرئ القيس:
غدائره مستشزرات إلى العلا
فدل أن المشطة الميلاء هى ضفر الغذائر (٥)، وشدها إلى فوق وجمعها أعلا الرأس، فيأتى كأسنمة البخت وهذا يدل أن يشبهه بأسنمة البخت، وإنما ذلك لارتفاع الغدائر فوق رؤوسهن، وجمع الشعر والعقائص إلى أعلاه للتفسيرين المتقدمين وأولهما لابن الأنبارى، والآخر لغيره. ذكرهما الهروى. ثم إنها لجمعها هناك وتكبيرها بما تضفر به قد تميل كما تميل أسنمة البخت إلى بعض الجهات. قال ابن دريد: ناقة ميلاء: إذا كان سنامها يميل إلى أحد شقيها، فهذا يعضد بعضه، بعضاً، ويؤكد أن الرواية مائلة كما جاءت وأن معنى: " مائلات " يمتشطن المشطة الميلاء وهى التى تشبه أسنمة البخت. وقد يكون معنى " مائلات ": منحطات إلى الرجال، ومميلات لهم (٦) بانكشافهن أو تبخترهن، وما يبدين من زينتهن أو بدعائهن. وقد روى أبو إسحاق الحربى هذا الحديث، وقال فيه: " كاسيات عاريات " [على رؤوسهن كأسنمة البخت من الخمر الرقاق. وفسر " كاسيات عاريات "] (٧): بالتفسير الثانى التقدم من التفاسير الأول. واحتج عليه بقوله: من الخمر الرقاق، وفسر بقوله: على رؤوسهن كأسنمة البخت مما وصلن به شعورهن. وقد روى البخارى فى تاريخه
(١٤) باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة
٥٥ - (٢٨٥٨) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّد بْنِ حَاتمٍ وَاللَّفظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُسْتَوْرِداً، أَخَا بَنِى فِهْرٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَاللهِ، مَا الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ إلا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحدُكُمْ إِصْبعَهُ هَذِهِ - وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ - فِىَ الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟ "
وَفِى حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا، غَيْرَ يَحْيَى: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَفى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ: عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، أَخِى بَنِى فِهْرٍ.
وَفِى حَدِيثِهِ أَيْضًا: قَالَ: وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِالإِبْهَامِ.
٥٦ - (٢٨٥٩) وحدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَاتِمٍ بْنِ أَبِى صَغِيرَةَ، حَدَّثَنِى ابْنُ أبِى مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
ــ
وقوله: " ما الدنيا فى الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار يحيى بالسبابة - فى اليم، فلينظر بما يرجع "، ثم قال فى الرواية الأخرى: وأشار إسماعيل بالإبهام. كذا عند جميعهم، وعند السمرقندى: بالإبهام (١). اليم: البحر، وأصله اسم البحر الذى غرق فيه فرعون، وهو المسمى آساف، قاله الهروى (٢). وقال ابن دريد زعم قوم أن اليم لغة سريانية، وقد قال السدى فى تفسير اليم: إنه النيل. وقوله فى الرواية الواحدة: " السبابة " خلاف قوله فى الأخرى: " الإبهام "، وهو أوجه وأشبه بالتمثيل بما تكون به الإشارة. وأما من قال: البهام، فخطأ، إنما البهام جمع بهمة، وهى صغار الضأن والمعز.
стр. 4823
النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ ﷺ : " يَا عَائِشَةُ، الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظرَ بَعْضُهمْ إِلَى بَعْضٍ ".
(...) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِى صَغِيرَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِى حَدِيثِهِ: " غُرْلاً ".
٥٧ - (٢٨٦٠) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاس. سَمَعَ النَّبىَّ ﷺ يَخْطبُ وَهْوَ يَقُولُ: " إِنَّكُمْ مُلاقُوا اللهِ مُشَاةً حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً " وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ فِى حَدِيثِهِ: يَخْطُبُ.
٥٨ - (...) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطِيبًا بِمَوْعِظَةٍ، فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّه حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (١) أَلا وِإنَّ أَوَّلَ الْخَلائِقِ يُكْسَى، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِبْرَاهِيمُ ﵇ أَلا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِى فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أَصْحَابِى. فَيُقَالُ: إِنَكَ لا تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدكَ. فَأقُولُ. كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ
ــ
ومعنى الحديث: ما قدر الدنيا من الآخرة فى المساحة والقدر والقلة فى جنب الآخرة وكثرة خيرها؛ إذ قد يعطى الواحد من أهل الجنة - وهو أدناهم منزلة - مثل الدنيا وعشرة أمثالها إلى ما ورد من غير هذا. وقد يكون ذلك تمثيلاً لزوال الدنيا وفنائها الدائم ولذاتها الباقية.
وقوله: " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً "، قال الإمام: الغرل: جمع أغرل، وهو الأقلف. والغرلة: القلفة.
وقوله فى هذا الحديث: " وإنه سيجاء برجال من أمتى فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب، أصحابى. فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ " الآية (٢) - الحديث، قال القاضى: قد تقدم
стр. 4824
شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). قَالَ: فَيُقَالُ لِى: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ ".
وَفِى حَدِيثِ وَكِيعٍ وَمُعَاذٍ: " فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدكَ ".
٥٩ - (٢٨٦١) حدثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إسْحاقَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرةَ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِير، وَثَلاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقَيَّتَهُمُ النَّارُ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا: وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِى مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا ".
ــ
الكلام على معناه فى كتاب الطهارة، لكن هنا هذه الآية للزيادة. وفيها حجة على صحة تأويل من ذهب إلى أن الحديث فيمن ارتد بعد النبى ﵇ ممن رآه لتلاوته هذه الآية، ولقوله: " لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم ".
وقوله: " يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير. وتحشر بقيتهم النار، تبيت معهم حيث باتوا " الحديث: هذا الحشر هو فى الدنيا قبيل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها كما ذكره مسلم بعد هذا فى آيات الساعة، قال فيه: " وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس " (٢)، وفى رواية: " تطرد الناس إلى محشرهم " وفى حديث آخر: " لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز " (٣)، ويدل أنها قبل القيامة.
قوله: " فتقيل معهم حيث قالوا، وتمسى معهم حيث أمسوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا " على ما ورد فى اختلاف رواية الحديث، وفى بعض الروايات فى غير مسلم: " فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام " (٤) كما أمر بسبقها إليه قبل إزعاجها لهم. وقد قال الأزهرى فى قوله: ﴿لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ (٥): أنه الحشر الأول إلى الشام، إجلاء بنى النضير عن بلادهم إليها، والثانى: للقيامة.
وقوله: " ثلاث طرائق ": أى ثلاث فرق. قال الله تعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (٦) أى فرقًا مختلفة الأهواء.
٦٢ - (٢٨٦٤) حَدَّثَنَا الحَكْمُ بْنُ مُوسَى أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِى سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِى المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " تُدْنى الشَّمْسُ - يَوْمَ القِيَامَةِ - مِنْ الخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقدَارِ مِيلٍ ".
قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللهِ، ما أَدْرِى مَا يَعْنِى بِالمِيلِ؟ أَمَسَافَةَ الأَرْضِ، أَم المِيلَ الَّذى تُكْتَحَلُ بِهِ العَيْنُ.
قَالَ: " فَيَكُونُ النَّاسُ عَلى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِى العَرَقِ، فِمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيه، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتيه، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيه، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجَامًا ".
قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ.
ــ
على آخرين بحسب أعمالهم كما قال، وهذا كله بتزاحم الناس، وانضمام بعضهم لبعض، حتى صار العرق بينهم سائحًا فى وجه الأرض، كالماء فى الأوانى، بعد أن شربت منه الأرض، وغاص فيها سبعين عامًا أو باعًا أو ذراعًا، كما جاء فى الحديث نفسه. وتقدم تفسير " الحقو " أنه معقد الإزار، وقيل: الحقوان: طرفا الوركين.
стр. 4827
(١٦) باب الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة وأهل النار
٦٣ - (٢٨٦٥) حدثنى أَبُو غَسَانَ المِسمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ - وَاللَّفْظُ لأَبِى غَسَّانَ وَابْنِ المُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّير، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ - ذَاتَ يَوْمٍ فِى خُطْبَتِهِ -: " أَلا إِنَّ رَبى أَمَرَنِى أَنْ أُعَلِمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَمَنِى، يَوْمِى هَذَا. كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداً حَلالٌ، وَإِنِّى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ
ــ
وقوله فى خطبته: " إن ربى أمرنى أن أعلمكم ما جهلتم مما علمنى يومى هذا، كل مالٍ نحلته عبدًا حلال، ديانى خلقت عبادى حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم " الحديث، وفيه: " فإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب " وفيه: " وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرأه نائماً ويقظان "، قال الإمام: أما قوله: " كل مال نحلته عبدًا حلال " فالراد به ما لا حق فيه لأحد ولا سبب يحرمه، والقصد: أن ما خلقه الله - سبحانه - فى الأرض وغيرها مما ينتفع الناس به فإنه حلال، ولم يرد أنه لا يرزق الحرام كما قالت المعتزلة، ولا يغتر بظاهر هذا إن كل مال نحله حلال. وهذا يدل على أنه لا يحل الحرام، لأن القصد بالحديث ما قلناه، وقد قام الدليل على أن الله - سبحانه - يرزق الحلال والحرام، لأن الرزق عندنا هو ما ينتفع به، وكل منفعة فالله خالقها.
وأما قوله: " فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب " فالأظهر أنه أراد قبل بعثة النبى ﷺ ؛ لأن العرب كانت حينئذٍ ضلالاً، والعجم إلا بقايا من أهل الكتاب، كما قال ﵇.
قال القاضى: المقت: أشد البغض.
وقوله: " خلقت عبادى حنفاء "، بمعنى قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١)، وقد استوعب القول [قبل فيه] (٢) فى موضعه. وقوله: " فاجتالتهم الشياطين " كذا روايتنا فيه بالجيم عند أكثر شيوخنا: الأسدى والخشنى وغيرهما، وضبطناه عن الحافظ أبى على: " فاختالتهم " بالخاء. ومعنى رواية الجيم - وهى أوضح
стр. 4828
يُشْرِكُوا بِى مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ الله نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَربَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلا بَقَايا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ. وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِىَ بِكَ، وَأَنْزَلتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لا يَغْسِلُهُ الماءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِى أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا. فَقُلْتُ:
ــ
وأبين -: أى استخفوهم فذهبوا بهم، وجالوا معهم، وساقوهم إلى ما أرادوه بهم أو بمثله، فسره الهروى (١) وغيره. وقال شمر: اجتال الرجل الشىء: ذهب به وساقه، واجتال أموالهم واستجالها: أى ساقها وذهب بها. ومن رواه: " اختالتهم " بالخاء فقد يصح عندى أيضًا، ويكون معناه: يحبسونهم عن دينهم ويصدونهم عنه، ويتعاهدونهم ويلازمونهم فى ذلك.
وقد قيل فى قوله: " يتخولهم بالموعظة ": أى يحبسهم عليها، كما يحبس خوله ويتعهدهم، قاله ابن الصابونى (٢). وقال الفراء: الخائل: الراعى للشىء الحافظ له، وقد خال يخول واختال، افتعل من هذا - والله أعلم.
وقوله: " إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك ": البلاء: المحنة والاختبار والتجربة. واستعمل فى الخير والشر، يقال: بلوته وابتليته، يقال: اللهم لا تبلنا إلا بالتى هى أحسن، قال الله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ (٣). وأكثر ما يستعمل مطلقًا فى المكروه ومنه فى الدعاء: " نعوذ بك من جهد البلاء " (٤). ومعناه: أمتحنك بما تلاقيه من الصبر على أذى المشركين، وأمتحنهم بما لقوا منك من القتل والجلاء.
وأما قوله: " وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظان "، قال الإمام: فيحتمل أن يشير إلى أنه أودعه قلبه، وسهل عليه حفظه، وما فى القلوب لا يخشى عليه الذهاب بالغسل. ويحتمل أن يريد الإشارة إلى حفظه وبقائه على مر الدهر، فكنى عن هذا بهذا اللفظ.
وقوله: " تقرؤه نائمًا ويقظان " يحتمل أن يريد أنه ﷺ يوحى إليه فى منامه كما يوحى إليه فى يقظته، وأنّ ما يراه فى منامه من ذلك حق موثوق به كما يوثق باليقظة، ولا يبعد أن البارى - سبحانه - يريد فى المنام آية من القرآن يقرؤها تقدم إنزالها، أو يكون أعلم بصحتها يقظان. ويحتمل أنه يقرؤه مضطجعًا كما يقرؤه قائمًا. وسمى المضطجع
стр. 4829
رَبِّ، إِذًا يَثْلَغُوا رَأسِى فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً. قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِق عَلَيْكَ، وَابْعَث جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ. قَالَ: وَأَهْلُ الجَنَّةِ ثَلاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِى قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفيِفٌ مُتَعَفِّفٌ ذو عِيَالٍ. قَالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِى لا زَبْرَ لَهُ، الَّذينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، لا يتْبَعُونَ أَهْلاً وَلا مَالاً، والخَائِنُ الَّذِى
ــ
نائماً مجازاً؛ لأن المضطجع يصلى كذلك إذا عجز عن القيام أو لعذر، لكن قوله: " يقظان " لا يكون فيه مقابلة لقوله: " نائماً " إذا تأولناه على المضطجع، فيكون التأويل الأول ترجح بما فى لفظه حين المماثلة.
هذا الذى يظهر لى فى تأويل هذه الألفاظ، ولم أقف فيها لأهل العلم على شىء، غير أن الشيخ أبا بكر بن فورك تكلم على قوله ﵇: " لو جعل القرآن فى إهاب ما احترق " (١). وذكر فيه تأويلات [كثيرة] (٢)، منها: أن المراد به أنّ الإنسان الواعى للقرآن لا يحترق. ومنها: أنّ ذلك مخصوص بعصر النبى ﵇ علامة لنبوته. ومنها: أنّ المراد به أنّ القرآن فى نفسه لا يحترق، وإن احترق الإهاب والمداد، قال: وهذا كقوله: " كتاباً لا يغسله الماء " يعنى أنه لا يفنى ولا يدرس. وتأويله هذا نحو ما تأولناه. وكنت تأولت الحديث على ما قدمته قبل أن أقف للشيخ أبى بكر على هذا الفضل.
وقوله: " وإنّ الله أمرنى أنْ أحرق قريشاً "، وقوله: " إذاً يثلغوا رأسى فيدعوه خُبزة "، قال القاضى: كذا هو بالثاء والغين المعجمة، ومعناه: يشدخوا. قال الهروى (٣): الثلغ: الشدخ. قال شمر: الثلغ: فضخك الشىء الرطب بالشىء اليابس، الثلغ، والفضخ، والشدخ بمعنى. وفى رواية العذرى: " يقلعوا " بالقاف والعين المهملة، ولا يصح مع قوله: " فيدعوه خُبْزةً " أو كما يثلغ الخبزة كما روى فى غير الأم (٤)، شبه الرأس إذا شدخ بالخبزة إذا شدخت لتثرد (٥) وتسقى بالدهن والمرق. ووجدته عند بعضهم: " يفلغوا " بالفاء والغين المعجمة. ووقع فى غير كتاب مسلم: " تفلعوا " بالفاء والعين المهملة، ومعناه: يشقوا. وكذا رواه الخطابى (٦)، وذكره أيضاً الهروى وفسره، وقال لى شيخنا أبو الحسين: أنه بالمعجمة قال: ويقال بالمهملة، وبها حكاه الخليل، قال: ومنه: تفلعت البطيخة.
وقوله: " الضعيف الذى لا زبر له "، قال الإمام: معناه: الذى لا عقل له. وقوله هذا قول الهروى. وقال غيره: معناه: الذى ليس عنده ما يعتمد عليه وقد ذكر الإمام ما
стр. 4830
لا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقَّ إِلا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لا يُصْبِحُ وَلا يُمْسِى إِلاَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ ". وَذَكَرَ البُخْلَ أَوْ الكَذِبَ " والشِّنْظِيرُ الفَحَّاشُ " وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِى حَدِيثِهِ: " وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ ".
(...) وحدثناه مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى العَنَزِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، ولَمْ يَذْكُرْ فِى حَدِيثِهِ: " كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداً حَلاَلٌ ".
(...) حدثنى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ - صَاحِبِ الدَّسْتَوائِىِّ - حَدَّثَنَا قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
ــ
فسره به فى الأم مسلم، ولا معنى لذكره فى الشرح؛ إذ هو فى الأم. وقيل: الذى لا مال له.
وقوله: [" الشنظير الفحاش "، قال الإمام: الشنظير: السيِّئ الخلق.
قال القاضى] (١): هذا تفسير الهروى. والشنظير: هو الفحاش. قال فى حديث: قال صاحب العين: شنظر بالقوم شتم أعراضهم، والشنظير: الفحاش من الرجال القَلق، وكذلك من الإبل.
وقوله " وذكر البخل والكذب " هكذا روايتنا فيه عن جماعة بواو العطف، ووقع فى بعض النسخ: " أو الكذب " على الشك، وهى روايتنا عن أبى جعفر عن الطبرى. قال بعض الشيوخ: ولعله الصواب، وبه تصح القسمة؛ لأنه ذكر أن أصحاب النار خمسة: الضعيف الذى وصف، والخائن الذى وصف، والرجل المخادع الذى وصف. قال: وذكر البخل أو الكذب، ثم ذكر الشنظير الفحاش، فيحمل هذا القائل أن الرابع هو صاحب أحد الوصفين. وقد يحتمل أن يكون الرابع من جميعهما، على رواية واو العطف كما جمعها فى " الشنظير الفحاش " على تفسير الهروى ومن وافقه - والله أعلم.
وكذلك قوله قبل: " أهل الجنة ثلاثة؛ ذو سلطان متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذى قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال " كذا قيدناه بخفض مسلم عطفاً على ما قبله. وفى رواية أخرى: " ومسلم عفيف " بالرفع، وحذف الواو بعده وفى بعضها تخليط يفسد به القسمة والعدد.
قال الإمام: خرج مسلم هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، صت شعبة، عن قتادة، سمعت مطرفاً يقول - الحديث. هكذا يروى عن الجلودى والكسائى وفى نسخة ابن ماهان: قال يحيى، قال سعيد عن قتادة: سمعت مطرفاً بهذا الحديث. جعل " سعيداً " بدل " شعبة ".
стр. 4831
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَقَالَ فِى آخِرِهِ: قَالَ يَحْيَى: قَالَ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا فِى هَذَا الحَدِيثِ.
٦٤ - (...) وحدثنى أَبُو عَمَّارٍ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الحُسَيْنِ، عَنْ مَطَرٍ، حَدَّثَنِى قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرَّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، أخِى بَنِى مُجَاشِعٍ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَطيبًا. فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ أمَرَنِى " وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ. وَزَادَ فيه: " وَأَنَّ الله أَوْحَى إِلىَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلا يَبْغِى أَحَدٌ عَلَى أًحَدٍ ". وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: " وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لا يَبْغُونَ أَهْلاً وَلا مَالاً ".
فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَاللهِ، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِى الجَاهِلِيَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الحَىِّ، مَا بِهِ إِلا وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُهَا.
ــ
قال القاضى: كذا نص ما علق عن الإمام، وفيه تغيير فى الأم من كلام المتكلم عليه بهذا، وهو الحافظ أبو على الجيانى ﵀ فإن مسلماً إنما خرجه أولاً من غير طريق يحيى عن هشام، ثم قال: وقال فى آخره: قال شعبة: قال قتادة: قال: سمعت مطرفًا فى هذا الحديث. وها هنا وقع الخلاف بين الروايات، ولذلك نقله الجيانى فى كتابه. ونقل المعلم يشعر أن الخلاف فيما بين سياق المسند (١) وحكاية يحيى، فانظره.
وسعيد هذا هو ابن أبى عروبة، وهو الذى رواه عند مسلم، فقيل من طريق ابن [أبى] (٢) عدى، فيحتمل أن يحيى سمعه من شعبة ومن سعيد، فكلاهما يروى عن قتادة، لكن فى قول يحيى: عمن قال منهما عن قتادة: سمعت مطرفًا، حجة قوية لمسلم، وذلك أن هذا الحديث له علة؛ ولذلك - والله أعلم - لم يخرجه البخارى، فإن ما (٣) رواه عن قتادة قال: حدثنى أربعة عن مطرف بن عبد الله، منهم يزيد بن عبد الله أخو مطرف، والعلاء بن زياد، ورواه عنهما عن همام بن أبى خيثمة وابن أبى شيبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، ويزيد أخى مطرف وعقبة بن عبد الغافر عن مطرف، إذ هما أعلا وأحفظ، ولم يبال بمن خالفهم، واستشهد بما حكاه يحيى عن شعبة أو سعيد من قول قتادة: سمعت مطرفًا. فأزال إشكال العنعنة.
وقوله فى آخر الحديث: " فقلت: ويكون ذلك يا أبا عبد الله؟ " يعنى قاله قتادة لمطرف " قال: نعم، والله لقد أدركتهم فى الجاهلية " الحديث: دل على صحة صحبة
стр. 4832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مطرف لإدراكه الجاهلية، وإن كان أبو عمر بن عبد البر لم يذكره فى كتابه (١)، ومن شرطه أن يذكره؛ لأنه ولد فى زمنه ﵇. وقد ذكر ابن أبى خيثمة عن أخيه يزيد بن عبد الله قال: أنا أكبر من الحسن بعشر سنين، وأخى مطرف أكبر منى بعشر سنين، وولد الحسن - فيما قاله الواقدى - لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب. وقد ذكر أن عمر ﵀ أغزاه مدداً للأحنف إلى نيسابور. وذكر ابن قتيبة: ولد مطرف فى حياة النبى ﵇ ومات عمر وهو ابن عشرين سنة وتوفى بعد سنة سبع وثمانين.
أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ الله أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ الَّذِى أَسْمَعُ مِنْهُ " ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: " تَعَوَّذُوا باللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ ". قَالُوا: نَعُوذُ باللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. فَقَالَ: " تَعَوَّذُوا باللهِ مِنْ عَذَاب القَبْرِ ". قَالُوا: نَعُوذُ باللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. قَالَ: " تَعَوَذُوا باللهِ مِنْ الفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ". قَالُوا: نَعُوذُ باللهِ مِن الفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. قَالَ: " تَعَوَّذُوا بَاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ". قَالُوا: نَعُوذُ باللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.
٦٨ - (٢٨٦٨) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لَوْلا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ الله أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ ".
ــ
لأنه يحتمل أن يريد به الموتة التى فيها جزع وغضض، وموتة القبر ليست كذلك. ويحتمل أيضاً أن يريد جنس الموت، ولم يرد موتة واحدة، فإذا احتمل لم يرد به ما قدمناه من الظواهر والأخبار.
قال القاضى: ذكر مسلم فى هذا الموضع أحاديث كثيرة فى عذاب القبر، وإسماع صوت من يعذب فيها، وسمع الموتى قرع نعال دافنيهم، وكلامه لأهل القليب، وقوله: " ما أتتم بأسمع منهم "، وسؤال الملكين للميت وإقعادهما إياه، وجوابه لهما، والفسح له فى قبره، وعرض مقعده عليه بالغداة والعشى. وهذا كله قد تقدم فيه لنا كلام فى كتاب الصلاة (١) والجنائز (٢)، وأن مذهب أهل السنة تصحيح هذه الأحاديث وإمرارها على وجهها؛ لصحة طرقها، وقبول السلف لها. خلافًا لجميع الخوارج، ومعظم المعتزلة، وبعض المرجئة؛ إذ لا استحالة فيها ولا رد للعقل، ولكن المعذب الجسد بعينه بعد صرف الروح إليه أو إلى جزء منه، خلافاً لمحمد بن جرير (٣) وعبد الله بن كرام (٤) ومن قال بقولهما؛ من أنه لا يشترط الحياة؛ إذ لا يصح الحس والألم واللذة إلا من حى، وإن شاهدنا الجسد نحن على هيئته غير معذب، فذلك لا يرد ما جاء كحال النائم، وشبه
стр. 4835
٦٩ - (٢٨٦٩) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنْى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، كُلُهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ. ح وحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى وابْنُ بَشَّار، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى القَطَّانِ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِى عَوْن بْنُ أَبِى جُحَيْفَةَ، عَنْ أبِيهِ عَنْ البَرَاءِ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: " يَهُودُ تُعَذَّبُ فِى قُبُورِهَا ".
٧٠ - (٢٨٧٠) حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ". قَالَ: " يَأتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ؟ " قَاَلَ: " فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّه عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ " قَالَ: " فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ ". قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " فَيَراهُمَا جَمِيعًا ".
قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أنَّهُ يُفْسحُ لَهُ فِى قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُمْلأُ عَلَيْهِ خَضِرًا إِلَى يَوْمِ
ــ
الأموات من المرضى، وأصحاب السكتات مع الجلوس بالتذاذه (١) وآلامه بمرائيه وأحلامه، ونحن لا نشاهد ذلك منه، إذ واجد اللذة والألم منه مكان الإدراك وكذلك إقعاده الوارد فى الحديث يحتمل أن يختص بالمقبور دون المنبوذ، وصفة إقعاده مغيبة عن العيون، وكذلك ضربه بالأرزبتين الوارد فى الحديث، فلا يبعد التوسع له فى لحده والإقعاد له، والمحاورة ثم تنعيمه [أو تعذيبه] (٢) فانظر تمام الكلام هناك، وبسطه هناك.
وأما قوله: " هذا مقعدك، حتى يبعثك الله إليه " فتنعيم المؤمن وتعذيب الكافر بمعاينة ما أعد الله لكل واحدٍ منهما، وانتظار ذلك إلى اليوم الموعود.
وأما قوله: " فينفسح له فى قبره " فيحتمل أن يكون على ظاهره وأنه ترتفع الحجب عن بصره مما يجاوره من الأجسام الكثيفة بمقدار ما أراد الله له من ذلك حتى لا تناله (٣) ظلمة القبر ولا ضيقه متى رد روحه إليه فيه وحصل له الحس، أو يكون على ضرب المثل والاستعارة للرحمة والنعيم، كما يقال: برد الله مضطجعه، وسقى قبره.
وقوله فيه: " ويملأ عليه خضرًا ": أى نعمًا غضة ناعمة. وأصله من خضر (٤)