صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَقَالَ فِى آخِرِهِ: قَالَ يَحْيَى: قَالَ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا فِى هَذَا الحَدِيثِ.
٦٤ - (...) وحدثنى أَبُو عَمَّارٍ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الحُسَيْنِ، عَنْ مَطَرٍ، حَدَّثَنِى قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرَّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، أخِى بَنِى مُجَاشِعٍ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَطيبًا. فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ أمَرَنِى " وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ. وَزَادَ فيه: " وَأَنَّ الله أَوْحَى إِلىَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلا يَبْغِى أَحَدٌ عَلَى أًحَدٍ ". وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ: " وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لا يَبْغُونَ أَهْلاً وَلا مَالاً ".
فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَاللهِ، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِى الجَاهِلِيَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الحَىِّ، مَا بِهِ إِلا وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُهَا.
ــ
قال القاضى: كذا نص ما علق عن الإمام، وفيه تغيير فى الأم من كلام المتكلم عليه بهذا، وهو الحافظ أبو على الجيانى ﵀ فإن مسلماً إنما خرجه أولاً من غير طريق يحيى عن هشام، ثم قال: وقال فى آخره: قال شعبة: قال قتادة: قال: سمعت مطرفًا فى هذا الحديث. وها هنا وقع الخلاف بين الروايات، ولذلك نقله الجيانى فى كتابه. ونقل المعلم يشعر أن الخلاف فيما بين سياق المسند (١) وحكاية يحيى، فانظره.
وسعيد هذا هو ابن أبى عروبة، وهو الذى رواه عند مسلم، فقيل من طريق ابن [أبى] (٢) عدى، فيحتمل أن يحيى سمعه من شعبة ومن سعيد، فكلاهما يروى عن قتادة، لكن فى قول يحيى: عمن قال منهما عن قتادة: سمعت مطرفًا، حجة قوية لمسلم، وذلك أن هذا الحديث له علة؛ ولذلك - والله أعلم - لم يخرجه البخارى، فإن ما (٣) رواه عن قتادة قال: حدثنى أربعة عن مطرف بن عبد الله، منهم يزيد بن عبد الله أخو مطرف، والعلاء بن زياد، ورواه عنهما عن همام بن أبى خيثمة وابن أبى شيبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، ويزيد أخى مطرف وعقبة بن عبد الغافر عن مطرف، إذ هما أعلا وأحفظ، ولم يبال بمن خالفهم، واستشهد بما حكاه يحيى عن شعبة أو سعيد من قول قتادة: سمعت مطرفًا. فأزال إشكال العنعنة.
وقوله فى آخر الحديث: " فقلت: ويكون ذلك يا أبا عبد الله؟ " يعنى قاله قتادة لمطرف " قال: نعم، والله لقد أدركتهم فى الجاهلية " الحديث: دل على صحة صحبة
стр. 4832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مطرف لإدراكه الجاهلية، وإن كان أبو عمر بن عبد البر لم يذكره فى كتابه (١)، ومن شرطه أن يذكره؛ لأنه ولد فى زمنه ﵇. وقد ذكر ابن أبى خيثمة عن أخيه يزيد بن عبد الله قال: أنا أكبر من الحسن بعشر سنين، وأخى مطرف أكبر منى بعشر سنين، وولد الحسن - فيما قاله الواقدى - لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب. وقد ذكر أن عمر ﵀ أغزاه مدداً للأحنف إلى نيسابور. وذكر ابن قتيبة: ولد مطرف فى حياة النبى ﵇ ومات عمر وهو ابن عشرين سنة وتوفى بعد سنة سبع وثمانين.
أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ الله أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ الَّذِى أَسْمَعُ مِنْهُ " ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: " تَعَوَّذُوا باللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ ". قَالُوا: نَعُوذُ باللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ. فَقَالَ: " تَعَوَّذُوا باللهِ مِنْ عَذَاب القَبْرِ ". قَالُوا: نَعُوذُ باللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. قَالَ: " تَعَوَذُوا باللهِ مِنْ الفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ". قَالُوا: نَعُوذُ باللهِ مِن الفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. قَالَ: " تَعَوَّذُوا بَاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ". قَالُوا: نَعُوذُ باللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.
٦٨ - (٢٨٦٨) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " لَوْلا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ الله أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ ".
ــ
لأنه يحتمل أن يريد به الموتة التى فيها جزع وغضض، وموتة القبر ليست كذلك. ويحتمل أيضاً أن يريد جنس الموت، ولم يرد موتة واحدة، فإذا احتمل لم يرد به ما قدمناه من الظواهر والأخبار.
قال القاضى: ذكر مسلم فى هذا الموضع أحاديث كثيرة فى عذاب القبر، وإسماع صوت من يعذب فيها، وسمع الموتى قرع نعال دافنيهم، وكلامه لأهل القليب، وقوله: " ما أتتم بأسمع منهم "، وسؤال الملكين للميت وإقعادهما إياه، وجوابه لهما، والفسح له فى قبره، وعرض مقعده عليه بالغداة والعشى. وهذا كله قد تقدم فيه لنا كلام فى كتاب الصلاة (١) والجنائز (٢)، وأن مذهب أهل السنة تصحيح هذه الأحاديث وإمرارها على وجهها؛ لصحة طرقها، وقبول السلف لها. خلافًا لجميع الخوارج، ومعظم المعتزلة، وبعض المرجئة؛ إذ لا استحالة فيها ولا رد للعقل، ولكن المعذب الجسد بعينه بعد صرف الروح إليه أو إلى جزء منه، خلافاً لمحمد بن جرير (٣) وعبد الله بن كرام (٤) ومن قال بقولهما؛ من أنه لا يشترط الحياة؛ إذ لا يصح الحس والألم واللذة إلا من حى، وإن شاهدنا الجسد نحن على هيئته غير معذب، فذلك لا يرد ما جاء كحال النائم، وشبه
стр. 4835
٦٩ - (٢٨٦٩) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنْى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، كُلُهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ. ح وحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى وابْنُ بَشَّار، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى القَطَّانِ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِى عَوْن بْنُ أَبِى جُحَيْفَةَ، عَنْ أبِيهِ عَنْ البَرَاءِ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: " يَهُودُ تُعَذَّبُ فِى قُبُورِهَا ".
٧٠ - (٢٨٧٠) حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ". قَالَ: " يَأتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ؟ " قَاَلَ: " فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّه عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ " قَالَ: " فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ ". قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " فَيَراهُمَا جَمِيعًا ".
قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أنَّهُ يُفْسحُ لَهُ فِى قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُمْلأُ عَلَيْهِ خَضِرًا إِلَى يَوْمِ
ــ
الأموات من المرضى، وأصحاب السكتات مع الجلوس بالتذاذه (١) وآلامه بمرائيه وأحلامه، ونحن لا نشاهد ذلك منه، إذ واجد اللذة والألم منه مكان الإدراك وكذلك إقعاده الوارد فى الحديث يحتمل أن يختص بالمقبور دون المنبوذ، وصفة إقعاده مغيبة عن العيون، وكذلك ضربه بالأرزبتين الوارد فى الحديث، فلا يبعد التوسع له فى لحده والإقعاد له، والمحاورة ثم تنعيمه [أو تعذيبه] (٢) فانظر تمام الكلام هناك، وبسطه هناك.
وأما قوله: " هذا مقعدك، حتى يبعثك الله إليه " فتنعيم المؤمن وتعذيب الكافر بمعاينة ما أعد الله لكل واحدٍ منهما، وانتظار ذلك إلى اليوم الموعود.
وأما قوله: " فينفسح له فى قبره " فيحتمل أن يكون على ظاهره وأنه ترتفع الحجب عن بصره مما يجاوره من الأجسام الكثيفة بمقدار ما أراد الله له من ذلك حتى لا تناله (٣) ظلمة القبر ولا ضيقه متى رد روحه إليه فيه وحصل له الحس، أو يكون على ضرب المثل والاستعارة للرحمة والنعيم، كما يقال: برد الله مضطجعه، وسقى قبره.
وقوله فيه: " ويملأ عليه خضرًا ": أى نعمًا غضة ناعمة. وأصله من خضر (٤)
٧٧ - (٢٨٧٤) حدثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ البنَانِىِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَرَكَ قَتْلَى بَدرٍ ثَلاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: " يَا أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، يَا أُميةَ بْنِ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، أَليْسَ قدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حقًّا؟ فَإنِّى قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِى رَبِّى حَقًّا ". فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِىِّ ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جيَّفُوا؟ قَالَ: " وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجيِبُوا " ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا فِى قَلِيبِ بَدْرٍ.
٧٨ - (٢٨٧٥) حدثنى يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ المَعْنِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِى طَلْحَةَ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِى طَلْحَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَظَهَرَ عَلَيِهِمْ نَبِىُّ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً - وَفِى
ــ
وقوله: " ترك رسول الله ﷺ قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم " الحديث، قال الإمام: ذهب بعض الناس إلى أن الميت يسمع؛ أخذًا بظاهر هذا. والذى عليه المحققون أن الله - تعالى - خرق العادة بأن أعاد الحياة إلى هؤلاء الموتى ليفزعهم (١) ﵇ وإلى هذا ذهب قتادة، وقد ذكر الحديث لعائشة فقالت لنا: قال النبى ﵇: " إنهم الآن ليعلمون أن الذى كنت أقول لهم حق " ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (٢) الآية (٣). فأنت ترى عائشة كيف أنكرت ظاهر الحديث، وحولته إلى لفظ آخر. والتشكك فى سماع الموتى وحبسهم يخرم (٤) الثقة بالعلوم الضرورية.
قال القاضى: والذى يحمل عليه سماع هؤلاء هو ما يحمل عليه سماع الموتى فى سائر أحاديث عذاب القبر وفتنته التى لامدفع فيها، وذلك بإحيائهم هاحياء جزء منهم يعقلون به ويسمعون، ويجيبون فى الوقت الذى يريده الله تعالى.
وقوله فى هذا الحديث: " قد جيفوا ": كذا ضبطناه بفتح الجيم، أى أنتنوا. يقال: جافت الجيفة واجتافت وأروحت بمعنى.
стр. 4839
حَدِيثِ رَوْحٍ: بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً - مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَأُلْقُوا فِى طَوِىٍّ مِنْ أَطْواءِ بَدْرٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ.
ــ
وقوله فيه: " فألقوا فى طوى من أطواء بدرٍ ": الطوى: البئر المطوية بالحجارة، وجمعها أطواء، وهى بمعنى القليب فى الحديث الآخر.
وقوله فيه: " فرد رسول الله ﷺ ريطة كانت على أنفه هكذا " قال الإمام: الريطة: كل ملاءة لم تكن لفقين، وجمعها ريط. وقال ابن السكيت: كل ثوب لين رقيق فهو ريطة.
قال القاضى: قوله: " انطلقوا به - يعنى روح المؤمن - إلى آخر الأجل ": يعنى - والله أعلم -: منتهى أرواح المؤمنين، كما جاء فى سدرة المنتهى. وذكر مثله فى روح الكافر، والمراد - والله أعلم - سجين، كما جاء فى الحديث الآخر (١).
وأما قوله فى روح الكافر، وذكر من نتنها، وذكر لعن كذا، هى فى جميع النسخ كان الوقشى يقول فيها: لعله، وذكر الخراء (٢)، كما قال أولاً فى روح المؤمن، وذكر المسك [قال] (٣): ويدل عليه رد النبى ﷺ الريطة على أنفه.
قال القاضى: وإنما ذهب لمقابلة المسك بما ذكر كما قابل الطيب بالنتن، وقد يكون هذا ترجيحًا لو ساعدته الرواية، وإلا فالرواية بما ذكرناه، ويكون هذا اللفظ لعنًا صحيحًا مقابلاً لقوله فى المؤمن: " صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه " وليس من شرط الكلام أن يتقابل كله، وليس بترجيح مقابلة المسك بهذه اللفظة التى ذكر، ولا تكون الصلاة على المؤمن فى الحديث مقابلة بأولى من مقابلة الصلاة [للمؤمن] (٤) باللعن للكافر، ولا يكون للمسك فيه مقابلة. ولا حجة فى رد النبى ﷺ الريطة على أنفه على إثبات تلك اللفظة، فإن فى الحديث ذكر النتن، ومحمل رد الريطة على الأنف بسببه، مع أن [أمثال] (٥) هذه الألفاظ قلما توجد فى لفظه ﵇ بل كان يكنى عنها كثيراً، ولم يكن فاحشاً ولا متفحشاً.
стр. 4840
(١٨) باب إثبات الحساب
٧٩ - (٢٨٧٦) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ القِيَامَة عُذِّبَ. فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللهُ : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (١)؟ فَقَالَ: " لَيْسَ ذَاكِ الحِسَابُ، إِنَّمَا ذَاكِ العَرْضُ، مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَوْمَ القِيَامَة عُذِّب ".
(...) حدثنى أَبُو الرَّبِيعِ العَتَكِىُّ وَأَبُو كَامِلٍ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٨٠ - (...) وحدثنى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الحَكَمِ العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ القَطَّانَ - حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ القُشَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا ابْن أَبِى مُلَيْكَةَ عَنِ القَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلا هَلَكَ " قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ألَيْسَ اللهُ يَقُولُ: ﴿حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قَالَ: " ذَاكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسَاب هَلَكَ ".
(...) وحدثنى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنِى يَحْيَى - وَهُوَ القَطَّانُ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ
ــ
وقوله: " من نوقش الحساب عُذِّب " أى مَنْ استقصى عليه، قال الهروى: يقال: انتقشت منه حقى: أى استقصيته منه (٢)، ومنه: نقش الشوكة، وهو استخراجها. ولقوله: " عذب " معنيان: أحدهما: أن نفس مناقشة الحساب، وعرض الذنوب، والتوقيف على قبيح ما سلف له - تعذيب وتوبيخ. والثانى: أنه مفض إلى استحقاق العذاب. إذ لا حسنة للعبد يعملها إلا من عند الله وتفضله، وإقراره له عليها، وهدايته لها، وأن الخالص لوجهه تعالى من الأعمال قليل. ويؤيد هذا التأويل [قوله] (٣) فى الرواية الأخرى: " هلك " (٤) مكان " عذب ". وهذا الحديث مما تتبَّعه الدارقطنى (٥) على
стр. 4841
الأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ نُوقِشَ الحِسَاب هَلَكَ " ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى يُونُسَ.
ــ
مسلم والبخارى، للاختلاف فيه عن ابن أبى مليكة (١)، فروى عنه عن عائشة، وروى ابن القاسم عنها فى أول إسناد حديث قتلى بدر: حدثنا إسحاق بن عمر بن سليط الهذلى، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.
قال الإمام: قال بعضهم فى نسخة ابن الحذاء: حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، حدثنا سليمان، وهو خطأ فاحش، وصوابه: شيبان بن فروخ [وهو الأيلى، من شيوخ مسلم] (٢) وأما شيبان بن عبد الرحمن فهو النحوى، يكنى أبا معاوية، وليس هو فى طبقة من يروى عنه مسلم، هو أعلى من ذلك.
قال القاضى: وعلى الصواب رويناه عن جماعة شيوخنا إلا من هذا الطريق.
وفى هذا الحديث إعلام من أعلام نبوة نبينا ﵇ بإعلامه ما ذكر فيه من مصارع القوم يوم بدر، وقول عمر: " فما أخطؤوا الحدود التى حدها رسول الله "، وإخباره عنهم بسماع توبيخه وإظهار ما أخبر عن الله أنه وعده به من نصره.
стр. 4842
(١٩) باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت
٨١ - (٢٨٧٧) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَاءَ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ. سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلاثٍ يَقُولُ: " لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ باللهِ الظَّنَّ ".
(...) وحدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٨٢ - (...) وحدثنى أَبُو دَاوُدَ، سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مَهْدِىُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثلاثةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: " لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله ".
٨٣ - (٢٨٧٨) وحدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ".
ــ
وقوله: " لا يموتن أحدكم إلا وهويحسن الظن بالله ": تحذير من القنوط المهلك، وحض على الرجاء عند الخاتمة؛ لئلا يغلب عليه الخوف حينئذ فيخشى غلبة اليأس والقنوط فيهلك.
وعبادة الله إنما هى من أصلين: الخوف والرجاء. فيستحب غلبة الخوف ما دام الإنسان فى خيرية (١) العمل، فإذا دنى الأجل وذهب المهل، وانقطع العمل، استحب حينئذ غلبة الرجاء؛ ليلقى الله - تعالى - على حالة هى أحب الأحوال إليه جل اسمه؛ إذ هو الرحمن الرحيم، ويحب الرجاء (٢) وأثنى على نبيه ﵇ بذلك.
ويؤيد ما قلناه قوله فى الحديث بعد هذا: " يبعث كل أحد على ما مات عليه "، فهذا جامع لهذا ولغيره، وأن العبد يبعث على الحالة التى مات عليها (٣). ونُبْه مسلم -
стр. 4843
(...) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: عَن النَّبِىِّ ﷺ . وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ.
٨٤ - (٢٨٧٩) وحدثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا، أَصَابَ العَذَابُ مِنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالَهِمْ ".
ــ
﵀ بذكره هذا الحديث بعقب الذى قبله يدل على سعة معرفته، وأنه أورده على معنى التفسير له - والله أعلم - ثم جاء بعده بالحديث الآخر بقوله: " ثم بعثوا على أعمالهم " ليرى أن ذلك الحديث [الذى] (١) قبله - وإن كان مفسراً لما تقدم - فليس مقصوراً عليه، وإنما هو عام فى ذلك وفى غيره؛ بدليل هذا الآخر، ثم وصل به ابتداء.
стр. 4844
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة
(١) باب اقتراب الفتن، وفتح ردم يأجوج ومأجوج
١ - (٢٨٨٠) حدَّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ استَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ يَقُولُ: " لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ " وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: " نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ ".
(...) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِىُّ وَزُهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادُوا فِى الإِسْنَادِ عَنْ سُفْيَانَ، فَقَالُوا: عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ حَبِيبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ.
ــ
كتاب الفتن
أحاديث الفتن: وقدم فيها حديث الجيش الذى يخسف به، ثم قال: " يبعثهم الله على نياتهم " (١)، وذكر مسلم حديث: " ويل للعرب من شر قد اقترب " وذكر فى سنده الأول: عن عمرو الناقد، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش. فذكر فيه ثلاث صحابيات وربيبة للنبى ﷺ وزوجتان، روى بعضهم عن بعض. وذكر بعد هذا من حديث حرملة بن يحيى مثله، وكذا ذكره البخارى (٢). ثم ذكره مسلم من حديث ابن أبى شيبة وغيره فقال: عن [زينب بنت أبى سلمة، عن حبيبة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش. فجاء بأربع: ربيبتان وزوجتان وحبيبة هذه هى] (٣) بنت عبد الله بن جحش، وهى بنت أم حبيبة ابنة أبى سفيان المذكورة فى هذا الحديث. وكذا ذكره الترمذى وغيره (٤). وكذا ذكره عبد الغنى الحافظ (٥) فى " كتاب الرباعيات " له.
стр. 4845
٢ - (...) حدَّثنى حَرْمَلَةُ بِنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ زَيْنَبَ بَنْتَ أَبِى سَلَمَةَ أَخْبَرَتهُ؛ أَنَّ أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِى سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا؛ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ - زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا فَزِعًا، مُحْمَرًّا وَجْهُهُ، يَقُولُ: " لا إِله إِلا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِثْلُ هَذهِ " وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الَإِبْهَامِ، وَالَّتِى تَلِيهَا.
قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: " نَعمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ ".
(...) وحدَّثنى عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ اَلزُّهْرِىِّ بِإِسْنَادِهِ.
٣ - (٢٨٨١) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ
ــ
قوله فيه: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم، إذا كثر الخَبَثُ " ويروى: " الخُبُثُ "، قال الإمام: إذا كثر الفسوق والفجور.
قال القاضى: العرب تسمى الزنا خبثاً وخبثة ومنه فى المخرج (١): أنه وجد مع أَمةٍ يخبث بها، أى يزنى بها، وهو أحد التأويلين فى قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية (٢)، وقيل: " إذا كثر الخبث ": أى أولاد الزنا. وقيل: إذا كثر الزنا. وقد جاء فى حديث آخر مفسراً: " ويكثر الزنا " (٣).
وقوله فى تفسير قوله: " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " وعقد سفيان عشرة، وفى حديث يونس: " وحلق بأصبعه الإبهام والتى يليها "، وفى حديث أبى هريرة: " وعقد وهيب بيده تسعين ". فأما حديث سفيان ويونس عن ابن شهاب فمتقاربا المعنى والتفسير. وأما عند وهيب فى حديث أبى هريرة: " تسعين " فلعله حديث آخر متقدم على حديث زينب، إذ التسعون أضيق من العشرة، فيكون بين الحديثين مقدار ما زاد
стр. 4846
رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ " وَعَقَدَ وُهَيْبٌ بِيَدِهِ تِسْعِينَ.
ــ
فتح العشرة على عقد التسعين، أو يكون هذا كله على التقريب والتمثيل لابتداء الفتح والله أعلم؛ لما روى فى الآثار (١) من نقبهم السد حتى يروا الضوء، فيقولون: غداً نفتحه. فيصبح على حالته الأولى، حتى إذا شاء الله بفتحه وبخروجهم قالوا: غداً نفتحه إن شاء الله. فيصبح كما تركوه فيفتحونه. والأظهر فى هذا الخبر أنه على وجهه، وقد قيل: إنه ضرب مثل لابتدائه.
стр. 4847
(٢) باب الخسف بالجيش الذى يؤم البيت
٤ - (٢٨٨٢) حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظ لِقُتَيْبَةَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ القِبْطِيَّةِ، قَالَ: دَخَلَ الحَارِثُ بْنُ أَبِى رَبِيعَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ، وَأَنَا مَعَهُمَا، عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، أُمِّ المُؤْمِنِينَ، فَسَأَلاهَا عَنِ الْجَيْشِ الَّذِى يَخْسِفُ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِى أَيَامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَعُوذُ عَاَئِذٌ بِالبَيْتِ فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: " يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ ".
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هِىَ بَيْدَاءُ المَدِينَةِ.
ــ
وذكر مسلم حديث قتيبة وابن أبى شيبة وإسحاق فى الجيش الذى يخسف به وفى أوله: دخل الحارث بن ربيعة وعبد الله بن صفوان على أم سلمة، أم المؤمنين، فسألاها، ثم قال: وذلك فى أيام ابن الزبير قال أبو الوليد الكنانى: هذا لا يصح؛ لأن أم سلمة ماتت أيام معاوية قبل موته بسنة، ولم تدرك أيام ابن الزبير.
قال القاضى: [قد قيل] (١): إنها ماتت أيام يزيد بن معاوية فى أولها، فعلى هذا يستقيم الخبر، فإن عبد الله نازع يزيد لأول ما بلغته البيعة له عند موت معاوية. وداجاه شيئًا، ووجه إليه يزيد أخاه عمرو بن الزبير ليجيئه به أو يقاتله، فظفر به عبد الله بن الزبير، ومات فى سجنه وصلبه. ذكر ذلك الطبرى وغيره، وذكر وفاة أم سلمة أيام يزيد أبو عمر بن عبد البر فى استيعابه (٢). وقد جاء الحديث بعد هذا من طريق عبد الله بن صفوان عن حفصة مكان " أم سلمة ". وجاء بعده أيضاً: عن عبد الله بن صفوان أيضاً وعن أم المؤمنين، ولم يسمها، وعن (٣) عائشة، قاله الدارقطنى (٤)، قال: وقد رواه سالم ابن أبى الجعد، عن عبد الله بن صفوان، عن حفصة أو أم سلمة، قال: والحديث معروف عن أم سلمة، وقال أيضاً: الحديث محفوظ عن حفصة.
стр. 4848
٥ - (...) حدَّثناه أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَفِى حَدِيثِهِ: قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّهَا إِنَّمَا قَالَتْ: بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ. فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَلاَّ. وَاللهِ، إِنَّهَا لَبيْدَاءُ المَدِينَةِ.
٦ - (٢٨٨٣) حدَّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أُمَّيَةَ بْنِ صَفْوَانَ، سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِى حَفْصَةُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " لَيَؤُمَّنَّ هَذَا البَيْتَ جَيْشٌ يَغْزُونَهُ، حَتَّى إِذا كَانوا بِبيداءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوْسَطِهِمْ، وَيُنَادِى أَوَّلُهُمْ آخِرَهُم، ثُمَّ يخْسَفُ بِهِمْ، فَلا يَبْقَى إِلاَّ الشَّرِيدُ الَّذِى يُخْبِرُ عَنْهُمْ ".
فَقَال رَجُلٌ: أَشْهَدُ عَلَيْكَ أَنَّكَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى حَفْصَةَ، وَأَشْهَدُ عَلَى حَفْصَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكْذِبُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ .
٧ - (...) وحدَّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِى أُنَيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ العَامِرِىِّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " سَيَعُوذُ بِهَذَا البَيْتِ - يَعْنِى الكَعْبَةَ - قَوْمٌ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلا عَدَدٌ وَلا عُدَّةٌ، يُبْعثُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ، حَتَّى إِذا كَانُوا
ــ
ذكره فى هذا الحديث البيداء وبيداء المدينة. البيداء: أرض ملساء لا شىء بها. وبيداء المدينة: الشرف الذى قدام ذى الحليفة فى طريق مكة، وهى أقرب إلى مكة من ذى الحليفة، وهى المختلف فى مهلّ النبى ﷺ منها.
وقوله: " ليس معهم (١) منعة " بفتع النون: أى ما يمنعهم ويحميهم.
وقوله: " يؤمون هذا البيت ": أى يقصدونه.
وقوله: " فمنهم المجبور " وصوابه: [المجبر] (٢)، وهى اللغة المشهورة. أجبرت الرجل: إذا (٣) أكرهته، وقيل: جبرت أيضاً، حكاها الفراء.
وقوله: " وفيه المستبصر ": أى المستبين لذلك، القاصد له عن عمد.
وقوله: " وفيهم ابن السبيل ": أى السالك الطريق معهم ليس منهم.
стр. 4849
بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ ".
قَالَ يُوسُفُ: وَأَهْلُ الشّأمِ يَوْمَئِذٍ يَسِيرُونَ إِلَى مَكّةَ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ: أَمَا وَاللهِ، مَا هُوَ بِهَذَا الجَيْشِ.
قَالَ زَيْدٌ: وَحَدَّثَنِى عَبْدُ المَلِكِ العَامِرِىُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِط، عَنِ الحَارِثِ ابْنِ أَبِى رَبِيعَةَ، عَنْ أُمِّ المُؤْمِنينَ. بِمِثْلِ حَدِيثِ يُوسُف بْنِ مَاهَكٍ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الجَيْشَ الَّذِى ذَكَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ.
٨ - (٢٨٨٤) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا القَاسِمُ ابْنُ الفَضْلِ الحُدَّانِىُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَاد، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: عَبِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى مَنَامِهِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَنَعْتَ شَيْئًا فِى مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ. فَقَالَ: " العَجَبُ إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِى يَؤُمُّونَ بِالبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ لَجَأَ بِالبَيْتِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ. قَالَ: " نَعَمْ، فِيهِمُ المُسْتَبْصِرُ وَالمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا، وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى، يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ ".
ــ
وقوله: " يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر شتَّى على نياتهم ": أى يبعثون على ذلك يوم القيامة من اختلاف نياتهم، فيجازى كل أحد على نيته. وأصل الصدر: الرجوع عن ورود الماء بعد الرى منه، والبعث بعد الموت رجوع إلى حالة الحياة.
وفى هذا الحديث من الفقه: تجنب أهل المعاصى والبعد عنهم، وتجنب مجالس الظلم وجموع البغى؛ لئلا يعم البلاء ويحيق بالجميع المكر. وفيه أن من كثر سواد قوم فهو منهم، وأن المعاصى إذا كثرت ولم تنكر ولم تغير، عمت العقوبة، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ (١)، وهو من معنى قوله فى الحديث المتقدم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم، إذا كثر الخبث " (٢).
وقوله فى هذا الحديث: " عبث رسول الله ﷺ فى منامه ": قيل: معناه: اضطرب بجسمه، ويحتمل أنه بحركة أطرافه كمن يأخذ شيئًا ويدفعه، ويحتمل أن يكون بحركة جسمه منزعجاً لهول ما رآه.
١١ - (...) حدَّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَالحَسَنُ الحُلْوانِىُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِى. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوَيةَ، مِثْلِ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ هَذَا، إِلاَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ يَزِيدُ: " مِنَ الصَّلاةِ صَلاةٌ، مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ ".
١٢ - (...) حدَّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيالِسىُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " تَكُونُ فِتْنَةٌ النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ اليَقْظَانِ، وَاليَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِى، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأ أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ ".
١٣ - (٢٨٨٧) حدَّثنى أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ الشَّحَّامُ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَفَرْقَدٌ السَّبَخِىُّ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ أَبِى بكْرَةَ، وَهُوَ فِى أَرْضِهِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا: هَلْ سَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ فِى الفِتَنِ حَدِيثًا؟ قَالَ: نَعَمْ. سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ
ــ
وقوله: " النائم فيها خيرٌ من اليقظان، والقاعد فيها خير من القائم ": الحديث تنبيه على عظم الخطر فى الدخول فيها، وحض على تحنبها، والإمساك عن التشبث بشىء منها [وأن بلاءها بقدر مبلغ الإنسان منها] (١)، وعلى قدر دخوله فيها؛ ولهذا حض ﵇ على الهروب عنها وطلب النفاد منها.
وقوله: " ويعمد إلى سيفه فيدقه بحجر ": أمر بترك القتال واتخاذ السلاح حينئذ، ويكون هذا استعارة. وقد يحتمل أن يكون على وجهه، حتى لا يجد إن نازعته نفسه للدخول فيها مُعِينًا عليها.
وقد احتج بهذا ومثله من ذهب من السلف إلى ترك الدخول فى الفتنة، وأنه لا يقاتل وإن دخل عليه وطلب قتله، وأنه غير جائز له المدافعة؛ إذ الطالب له غير متعمد لقتله، وإنما هو متأول، وهو مذهب أبى بكرة (٢) وغيره. وقال: " لو دخلوا على ما
стр. 4852
القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِى فِيهَا، وَالمَاشِى فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِى إِلَيْهَا، أَلا فَإِذا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غُنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ ". قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلا غَنَمٌ وَلا أَرْضٌ؟ قَالَ: " يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لينْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ. اللَّهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ ". قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولُ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِى إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، أَوْ إِحْدَى الفِئَتَيْنِ، فَضَرَبَنِى رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يَجِىءُ سَهْمٌ فَيقْتُلُنِى؟ قَالَ: " يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ".
(...) وحدَّثنا أَبُوبَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، كِلاهُمَا عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
ــ
بهشت بقصبة، فكيف أقاتلهم؟ ".
وكافة [من] (١) لم ير الدخول فى الفتنة من الصحابة والتابعين يرى المدافعة، وهو مذهب ابن عمر وعمران بن حصين وغيرهما.
فهذان مذهبان لمن رأى القعود فى جميع فتن الإسلام؛ لما ورد من النهى عن الدخول فيها.
وذهب معظم الصحابة والتابعين إلى نصر الحق فى فتن المسلمين، والقيام معه كما أمر الله به [فى البغاة] (٢) بقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية (٣). وقال آخرون: إنما القيام على البغاة للإمام، فأما كل فتنة بين المسلمين ولا إمام لجماعتهم، فلا يحل الدخول فيها كيف كانت.
وذهب أبو جعفر الطبرى إلى أن الفتنة التى قال النبى ﵇: " القاعد فيها خير من القائم " أنها [إذا] (٤) كانت بين حزبين وبطلين [معاً] (٥) وسائر المسلمين بينهما مغمورون، فهذه التى أمر فيها بالهرب وكسر السيوف، ولزوم البيوت. وأما فتنة من يشكل فيها المحق من المبطل، [فواجب عل كل من لم يتبين له المحق من المبطل] (٦) منهما الانعزال حتى يتضح الحق، فيقوم مع أهله، ويعين حزبه؛ ولهذا تأولوا على من
стр. 4853
حَدِيثُ ابْنِ أَبِى عَدِىٍّ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادٍ إِلَى آخِرِهِ. وَانْتَهَى حَدِيثُ وَكِيعٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ " ولَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
ــ
تخلف من جملة الصحابة فى حروب على، ويصح هذا التأويل قوله: " إن جئتنى بسيف له عينان "، قالوا: ولو أبيح الكف فى كل فتنة ولزوم البيوت لم يقم لله حق ولا أبطل باطل، ولوجد أهل البغى والاستطالة السبيل.
قال الطبرى: وقد يكون ما ورد من كسر السيوف ولزوم البيوت خاصًا لمن أمره النبى ﵇ بذلك.
وقوله: " من الصلاة صلاة من فاتته ... " الحديث تقدم شرحه (١).
стр. 4854
(٤) باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما
١٤ - (٢٨٨٨) حدّثنى أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أيُّوبَ وَيُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: خَرَجْتُ وَأنَا أرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْنَفُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَعْنِى عَلِيًّا. قَالَ: فَقَالَ لِى: يَا أحْنَفُ، ارْجِعْ، فَإنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيهِمَا، فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِى النَّارِ " قَالَ: فَقُلْتُ: أو
ــ
وذكر مسلم فى حديث: " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ": حدثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدرى، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب ويونس، قال الإمام: هكذا إسناد هذا الحديث، ووقع فى نسخة أبى العلاء بن ماهان: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد ابن سلمة والمحفوظ حماد بن زيد، [وكذلك خرجه أبو داود (١) عن أبى كامل عن حماد ابن زيد، وخرجه] (٢) البخارى (٣) عن عبد الرحمن بن المبارك عن حماد بن زيد عن أيوب ويونس.
وقوله: " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما "، قال القاضى: كذا الرواية المعروفة. والوجه فى الكلام: أى ضرب كل واحد منهما وجه صاحبه. وفى رواية العذرى: " توجه " له، وإن لم يكن تغيير وجهه، أى استقبل كل واحد منهما [وجه] (٤) صاحبه وجعله وجهه، أى قصده. وقيل فى قوله تعالى: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِى﴾ (٥) أى جعلت قصدى.
" فالقاتل والمقتول فى النار ": قال القاضى: فيه حجة للقاضى أبى بكر بن الطيب ومن قال بقوله: إن العزم على الذنب والعقد على عمله معصية، بخلاف الهم دون عزم. فإنه معفو عنه لقوله: قلت: فما بال المقتول؟ قال: " لأنه أراد قئل صاحبه "، خلافاً لغيره ومن خالفه يقول له: هذا قد فعل أكثر من العزم، وهو المواجهة والقتال. وقد تقدمت المسألة أول الكتاب (٦).
ويتوجه فى هذا الحديث الكلام فى دماء الصحابة وقتالهم. وللناس فى ذلك غلو وإسراف، واضطراب من المقالات واختلاف. والذى عليه جماعة أهل السنة والحق:
стр. 4855
قَيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: " إنَّهُ قَدْ أرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ ".
ــ
حسن الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم، وطلب أحسن التأويل لفعلهم، وأنهم مجتهدون غير قاصدين للمعصية [والمجاهرة] (١) بذلك، وطلب سحق (٢) للدنيا، بل كل عمل على شاكلته، وبحسب ما أداه إليه اجتهاده، لكن منهم المخطئ فى اجتهاده ومنهم المصيب، وقد رفع الله [الححر] (٣) الحرج عن المجتهد المخطئ فى فروع الدين، وضعف الأجر للمصيب. وقد وقف الطبرى وغيره عن تعيين المحق منهم.
وعند الجمهور أن علياً وأتباعه مصيبون فى ذبهم عن الإمامة، وقتالهم من نازعهم فيها، إذ كان أحق الناس بها وأفضل من على وجه الدنيا حينئذ وغيره تأول وجوب القيام بتغيير المنكر فى طلبه قتلة عثمان الذين فى عسكر على، وأنهم لا يقطعون (٤) بيعة ولا يعتقدون (٥) إمامة، نقضوا ذلك ولم يطلبوا سوى ذلك، ولم ير هو دفعهم، إذ الحكم فيهم للإمام وكانت الأمور لم تستقر استقرارها، ولا اجتمعت الكلمة بعد وفيهم عدد، ولهم شوكة ومنعة، ولو أظهروا تسليمهم أولاً والقصاص منهم لاضطرب الأمر، وانبت الحبل، ومنهم جماعة لم يروا الدخول فى شىء من ذلك، محتجين بنهى النبي ﷺ عن التلبس بالفتن، والنهى عن قتال أهل الدعوة، كما احتج به أبو بكرة فى كتاب مسلم فى هذا الحديث على الأحنف، وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فيقاتلوها. وأما غير أهل الحق فلهم فى ذلك مقالات بشعة شنيعة يستغنى عن ذكرها.
وقوله: أرأيت إن أكرهت - إلى قوله - فيقتلنى قال ﵇: " يبوء بإثمك وإثمه " (٦)، أى يلزمه ويرجع بذلك. وأصل البوء: اللزوم أى تبوء بإثمه فيما دخل فيه ومنعه من الدخول فى الفتنة، وبإثمك لقتله إياك، وبإثمك لإكراهه إياك على ما أكرهك.
وفيه رفع الحرج عن المكره على مثل هذا فى هذه المسألة، وهو المحمول الذى لا يملك نفسه لقوله: أكرهت حتى ينطلق بى، ولم يختر أنه انطلق من قتل نفسه.
ولم يختلفوا أن الإكراه على القتل لا يعذر به أحد ولا على ظلم غيره، وإنما العذر فيما تعلق بالقلب، أو ما لا يملك فيه الإنسان نفسه.
стр. 4856
١٥ - (...) وحدّثناه أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أيُّوبَ وَيُونُسَ وَالمُعَلَّى بْنِ زِيادٍ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أبِى بَكْرَة. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِى النَّارِ ".
(...) وحدّثنى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أيُّوبَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أبِى كَامِلٍ عَنْ حَمَّادٍ. إلى آخِرِهِ.
١٦ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أبِى بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إذَا المُسْلِمانِ، حَمَلَ أحَدُهُمَا عَلَى أخِيهِ السِّلاحَ، فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ، فَإذَا قَتَلَ أحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، دَخَلاهَا جَمِيعًا ".
١٧ - (١٥٧) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَدَعْوَاهمَا وَاحِدَةٌ ".
ــ
واختلف فى الإكراه على المعاصى التى بين الله وعبده، هل يعذر المكره فيها فى أحكام الدنيا والآخرة أم لا؟.
وقوله فى الحديث: " فالقاتل والمقتول فى النار " ومعناه: إن جازاهما الله وعاقبهما على ماتقدم من مذهب أهل السنة، ويكون هذأ فى غير أهل التأويل.
وقوله فى الحديث الآخر: " إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما فى حر جهنم " كذا لابن ماهان، وللطبرى والعذرى: " فهما على حرف جهنم " وللسمرقندى: " على جرف " بالجيم فيهما، وعند بعضهم: " فى (١) حرف " بالحاء. وكل هذا متقارب، إلا أن معنى رواية " جرف " كالحديث الأول وعلى الرواية الأخرى: أن حالهما مفضية إلى قتل أحدهما الآخر، فهما كمن هو على جرف أو حرف جهنم، لا يِأمنِ السقوط فيه وانهياره فى النار، كما قال تعالى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (٢) وهذه الرواية أولى؛ لقوله: " فإذا قتل أحدهما الآخر دخلاها جميعاً ". وهذا الحديث ذكره
стр. 4857
١٨ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ سُهَيْل، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الهَرْجُ ". قَالُوا: وَمَا الهَرْجُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " القَتْلُ، القَتْلُ ".
ــ
مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة، عن غندر، وعن محمد بن بشار وابن المثنى عنه، عن شعبة، عن منصور بسنده، رفعه. وقد تعقبه الدارقطنى (١)، وقال: خرجه مسلم، وعلقه البخارى (٢)، ولم يرفعه الثورى عن منصور.
стр. 4858
(٥) باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض
١٩ - (٢٨٨٩) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ العَتَكِىُّ وَقَتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ أبِى قِلابَةَ، عَنْ أبِى أسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَاَنَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إنَّ اللهَ زَوَى لِى الأرْضَ، فَرَأيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإنَّ أمَّتِى سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِى مِنْهَا، وَأعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ وَالأبْيَضَ، وَإنِّى سَألْتُ رَبِّى لأمَّتِى ألا يُهْلِكُهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَألا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوا مِنْ سِوَى أنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإنَّ رَبِّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إنِّى إذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإنَّهُ لا يُرَدُّ، وَإنِّى أعْطَيْتُكَ لأمَّتِكَ ألا أهْلِكَهُمْ بسَنةٍ عَامَّةٍ. وَألا أسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوا مِنْ سِوَى أنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَو اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأقْطَارِهَا - أوْ قَالَ: مَنْ بَيْن أقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِى بَعْضُهُمْ بَعْضًا ".
ــ
قوله: " إن الله زوى لى الأرض " الحديث، قال الإمام: " زويت لى الأرض ": أى جمعت، يقال: انزوى القوم وتدانوا وتضاموا.
قال القاضى: إنما وقع فى الأم ما تقدم. وهذا الحديث علم من أعلام نبوته ﷺ لظهوره كما قال، وأن ملك أمته اتسع فى المشارق والمغارب كما أخبرمن أقصى بحر طنجة (١)، ومنتهى عمارة المغرب إلى أقصى المشرق مما وراء خراسان والنهر وكثير من بلاد الهند والسند والصغد (٢)، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال الذى لم يذكر ﵇ أنه أريه وأن ملك أمته سيبلغه.
وقوله: وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض: ظاهره الذهب والفضة، والأشبه أنه أراد كنز كسرى وقيصر، وقصورهما وبلادهما، يدل على ذلك قوله فى الحديث الآخر عنهما فى هلاكهما: " ولتنفق كنوزهما فى سبيل الله " (٣) وقوله فى حديث جابر بن سمرة
стр. 4859
(...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ - قَالَ إسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أبِى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أبِى قِلابَةَ، عَنْ أبِى أسْمَاء الرَّحَبِىِّ، عَنْ ثَوْبَانَ؛ أنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ قال: " إنَّ اللهَ تَعالَى زَوَى لِىَ الأرْضَ، حَتَّى رَأيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَأعْطَانِىَ الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ وَالأبْيَضَ ". ثُم ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أيُّوبَ عَنْ أبِى قِلابَةَ.
٢٠ - (٢٨٩٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أبِى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، أخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ العَالِيَةِ، حَتَّى إذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِى مُعَاوِيَةَ، دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَينِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلاً، ثُمَّ انْصَرفَ إلَيْنَاَ. فَقَالَ ﷺ : " سَألتُ رَبِّى ثَلاثًا، فَأعْطَانِى ثِنْتَينِ وَمَنَعَنِى وَاحِدَةً. سَألتُ رَبِّى ألا يُهْلِكَ أمَّتِى بِالسَّنَةِ فَأعْطَانِيها، وَسَألتُهُ ألا يُهْلِكَ أمَّتِى بِالغَرَقِ فَأعْطَانِيها، وَسَألْتُهُ ألا يَجْعَلَ بَأسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيها ".
ــ
المخرج بعد -: " لتفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذى بالأبيض " (١)، فقد بان أن الكنز الأبيض هو كنز كسرى، ويكون الأحمر كنز قيصر.
ويدل عليه ما جاء فى حديث آخر فى ذكر الشام " إنى لأبصر قصورهما الحمر " (٢)، وقوله: " إنى لأبصر قصر المدائن الأبيض " (٣).
ويدل على ذلك أيضاً قوله ﵇: " إذا منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشأم مديها ودينارها " (٤) فقد أضاف الفضة البيضاء إلى العراق وهى مملكة كسرى، والدينار الأحمر إلى الشام وهى مملكة قيصر. وقد يدل هذا أيضاً إلى ما ذكرناه أولاً من المراد به الذهب والفضة. وقيل. هو المراد بالحديث.
وقوله فى تفسير الهرج بالقتل، وأصله: الاختلاط، هرج القوم: إذا اختلطوا.
وقد جاء فى البخارى تفسيره القتل بلغة الحبشة (٥)، وإنما هذا من بعض رواة الحديث، وإلا فهو القتل كما ذكرنا معلوم فى لغة العرب. وقال ابن دريد (٦): الهرج: الفتن فى آخر
стр. 4860
٢١ - (...) وحدّثناه ابْنُ أبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنَ حَكِيمٍ الأنْصَارِىُّ، أخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ أقْبَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى طَائِفَةٍ منْ أصْحَابِهِ، فَمَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِى مُعَاوِيَةَ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.
ــ
الزمان. والهرج أيضاً: الاختلاط، ومنه قيل: فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة. والهرج أيضاً: كثرة النكاح، هرجها: نكحها، وفى الحديث: " يتهارجون تهارج الحمر " يحتمل للمعنيين معاً.
وقوله: " لا يهلكها الله بعامة ": أى بشدة تجتاحهم وتعم جميعهم بالهلاك.
وقوله: " تستبيح بيضتهم ": أى جماعتهم وأصلهم، وهو مأخوذ من بيضة الطائر لتحصينها ما فيها، واجتماعها عليه. والبيضة أيضاً: العز. والبيضة أيضاً: الملك.
стр. 4861
(٦) باب إخبار النبّى ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة
٢٢ - (٢٨٩١) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجبِيبِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا إِدْرِيس الْخولانىَّ كَانَ يَقُولُ: قَالَ حُذَيْفَةُ بنُ الْيَمَانِ: وَاللهِ، إِنِّى لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِىَ كَائِنَةٌ، فِيمَا بَيْنِى وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَمَا بِى إِلاَّ أَنَ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَىَّ فِى ذَلِك شَيْئًا، لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِى، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ عَنِ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَعُدّ الْفِتنَ: " مِنْهُنَّ ثَلاَثٌ لاَ يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيْئًا، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيْفِ، مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ ".
قَالَ حُذَيْفَةُ: فَذَهَبَ أُوَلئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيْرِى.
٢٣ - (...) وحدّثنا عُثْمَانٌ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ - قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا - جَرِيرُ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ
ــ
وقول حذيفة: " والله، إنى لأعلم الناس بكل فتنة هى كائنة بينى وبين الساعة، وما بى إلا أن يكون رسول الله ﷺ أسر إلى فى ذلك شيئًا لم يحدثه غيرى " كذا هى الرواية عند جميع شيوخنا. وقال بعضهم: وجه الكلام: " وما بى أن يكون رسول الله ﷺ " بإسقاط " إلا "، وكأنه رأى أن الكلام يختل بإثباتها لدلالة الكلام بها على إثبات السِّرِّ له (١). وقد أخبر متصلاً أن النبى ﷺ أخبر بذلك فى مجلس فيه ناس فتناقض عنده الكلام ويكون مراده: ما بى أنى اختصصت بعلم ما أسر إلى، بل قد شاركنى غيرى فى كثير من علمها من قبلها بدليل آخر الحديث أيضاً، وبقوله فى الحديث الآخر: " نسيه من نسيه وحفظه من حفظه "، لكن لهذا ولقوله فى ذلك المجلس الذى حدث فيه ﷺ بما حدث فذهب أولئك القوم غيرى، فانفرد هو بمعرفة ذلك دون غيره، وليس عندى فى ذلك تناقض، ولا فى إثبات إلا ما يختل به الكلام.
وإيداع النبى ﷺ لحذيفة من سر الفتن ما أودع، مشهور فى الأحاديث الصحاح، وهو كان صاحب سرها، والاهتبال بالسؤال عنها. ويكون معنى كلامه: وما بى من عذر فى الإعلام بجميعها والحديث عنها إلا ما أسر إلى النبى ﷺ مما لم يحدث به غيرى، ولعله حد له ألا يذيعه، أو رأى من الصلاح ألا يذيعه، إذا لم يكن عند غيره وأما ما لم
стр. 4862
اللهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِى مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلا حَدَّثَ بِهِ. حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِى هَؤُلاَءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُوَنُ مِنْهُ الشَّىْء قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رآهُ عَرَفَهُ.
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَنَسِيهُ مَنْ نَسِيَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٢٤ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِى بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا هُوَ كَائنٌ إِلى أَن تَقُومَ السَّاعَةُ، فَمَا مِنْهُ شَىْءٌ إِلا قَدْ سَألْتُهُ، إِلاَّ أَنِّى لَمْ أَسْأَلهُ: مَا يُخْرِجُ أَهْلَ المَدِينَةِ مِنَ المَدِينَةِ؟
(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، حَدَّثَنِى وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوهُ.
٢٥ - (٢٨٩٢) وحدّثنى يَعقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِىُّ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى عَاصِمٍ. قَالَ حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخْبَرنَا عِلْباءُ بْنُ أَحْمَرَ، حَدَّثَنِى أَبُو زَيْد - يَعْنِى عَمْرُو بْنَ أَخْطَبَ - قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
يسره إليه ولا خصه به، فهو الذى يحدث به كما جاء متصلاً بقوله: لكن النبى ﷺ قال وهو يحدث فى مجلس أنا فيهم عن الفتن.
وقوله بعد فى الحديث الآخر: وإنه ليكون منه الشىء قد نسيته فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه. قال بعضهم: فى هذا الكلام اختلال، يعنى من الرواة. وصوابه: كما ينسى، أو كما لا يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، وبه يصح تمثيله. وفى البخارى (١) فيه تلفيق أيضاً.
وقوله فى حديث يعقوب الدورقى: أنبأنا علباء بن أحمر، حدثنا أبو زيد قال: صلى بنا رسول الله ﷺ . أبو زيد هذا هو عمرو بن أخطب بالخاء المعجمة، وكذا وقع مبيناً فى رواية السمرقندى، والشنتجالى عن السجزى: حدثنا أبو زيد - يعنى عمرو بن أخطب - قال: صلى بنا رسول الله ﷺ . وهو عمرو بن أخطب الأنصارى من بنى الحارث بن
стр. 4863
الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى. ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى؛ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوُ كَائِنٌ، فَأعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا.
ــ
الخزرج، صحب النبى ﷺ وقال: غزوت معه ست غزوات أو سبعاً (١). انتهى. والكلام على حديث حذيفة مع عمر بن الخطاب فى الفتنة تقدم (٢) فى كتاب الإيمان.