← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٢٨٩ - (...) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِى. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ عُائِشَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله! لَقَدْ قَفَّ شَعْرِى لِمَا قُلْتَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَحَدِيثُ دَاوُدَ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ. ٢٩٠ - (...) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوعَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: قُلْتُ لِعَائشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (١) قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ ﷺ . كَانَ يَأْتِيِهِ فِى صُورَةِ الرِّجَالِ. وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِى هَذِهِ الْمَرَّةِ فِى صُوَرتِهِ الَّتِى هِىَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ. ــ زيد لها وتزويج النبى ﷺ بَعْدُ لها (٢) ونحوه عن الزهرى وغيره، والذى خشيه إرجافَ المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج زوجة ابنه، وألفاظ الآية تدلُ على صحة هذا الوجه لقوله (٣): ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (٤)، ولو كان ما ذكر أولئك لكان فيه أعظم الحرج، وبقوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرَا﴾ (٥)، وإلى ما قلناه نحا القاضى بكر بن العلاء القشيرى وغيره من المحققين، وأنكروا سواه. وكتم النبى ﷺ لهذه الآية لو كتمها وقد نزهه الله عن ذلك - كما قالت عائشة لما اشتملت عليه من عتبه وإبداء ما أسَرَّه من زواجها وأمره زيدًا بإمساكها، وقد أعلمه الله أنه سيطلقها، وخشيته تشنيع المنافقين عليه - كما تقدم - لا لغير ذلك.

стр. 527

(٧٨) باب فى قوله ﵇: " نور أنى أراه " وفى قوله: " رأيت نورًا " ٢٩١ - (١٧٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَة، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٌ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ. " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ ". ٢٩٢ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنِى حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، كِلَاهُمَا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِى ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَسأَلْتُهُ. فَقَالَ: عَنْ أَىِّ شَىءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْألُهُ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ، فَقَالَ: " رَأَيْتُ نُوراً ". ــ وقوله ﷺ حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربَّك؟ قال: " نورٌ أَنّى أراه "، قال الإمام: وفى نسخة: " نُورانىُّ "، وفى طريق آخر: أنهُ قال له: " رأيت نوراً " قال الإمام: إن قيل: ظاهر الخبرين متناقضٌ لأن الأول فيه أن النور يمنع رؤيته والثانى أن النورَ مرئىّ، قلنا: يصح أن يكون الضمير فى قوله: " أراه " عائداً على الله - سبحانه - وقوله: " أنَّى أراه " يعنى أن النور أغشى بصرى ومنعنى من الرؤية، كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائى وبينه، فيكون انتهاءُ رؤيته ﷺ إلى النور خاصة، وهو الذى أدرك. فإذا أمكن هذا التأويل لم يكن ذلك مناقضاً للخبر الأول بل هو مطابق له؛ لأنه أخبر فيه أنه رأى نوراً، وكذلك فى الأول، والرواية التى فيها نورَانِىُّ أشكلُ، يحتمل أن يكون معناه راجعاً إلى ما قلنا، أى خالق النور المانع من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال. قال القاضى: هذه الرواية لم تقع إلينا ولا رأيتُها فى شىء من الأصول إلا ما حكاهُ الإمام أبو عبد الله، ومن المستحيل أن تكون ذات الله نوراً، إذ النور من جملة الأجسَام والله تعالى يتعالى عن الاتصاف بذلك، هذا مذهب جميع أئمة المسلمين خلافاً لبعض المجّسمة هشام الجُوالقى ولَمَّتِه (١) ممن قال: نورٌ لا كالأنوار، ومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ

стр. 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ (١) وما جاء فى الحديث المأثور من تسميته بالنور فمعناه: ذُو نُورِهما وربُّه وخالِقُه، وقيل: هادى السماوات والأرض، وقيل: مُنَوِّرُ قلوُب عباده المؤمنين، وقيل: معناه: ذو البهجة والجمال، وهذا يرجع إلى المعنى الأول، أى مالكهما وربُّهما، أو لنفى النقائص والغِير والحوادث.

стр. 529

(٧٩) باب فى قوله ﵇: " إن الله لا ينام "، وفى قوله: " حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ٢٩٣ - (١٧٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، حَدَّثَنَا الأَعمشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: " إنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَملُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلَ، حِجَابُهُ النُّورُ - وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ: النَّارُ - لَوْ كَشْفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ ". وَفِى رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ عَنِ الأَعْمَشِ وَلَمْ يَقُلْ: حَدَّثَنَا. ٢٩٤ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعَمْشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، ــ وقوله: " حجابه النور - وفى رواية أخرى النار - لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه " (١)، قال الإمام: الهاء فى " وجهه " تعود على المخلوق لا على الخالق، إذ الحجاب بمعنى السَّتر إنما يكون على الأجسام المحدودة، والبارى - جلت قدرتُه - ليس بجسم ولا محدود، والحجاب فى اللغة: المنع، ومنه سمى المانع من الأمير حاجباً؛ لمنعه الناس عنه، ومنه الحاجب فى الوجه؛ لأنه ممنع الأذى عن العين، والإنسان ممنوع من رؤية الخالق فى الدنيا فسُمى منعه حجاباً، ولما كان النور والنار مانعين فى العادة من الإدراك - وهما من أشرف الأشياء المانعة - أخبر ﷺ أنه لو كشف عن النار والنور المانعين من الإدراك فى العادة لأحرقت وجوه المخلوقين، وإن البارى - سبحانه - لا تقابله الأنوار وتقابل المخلوقين وتمنعهم من الرؤية. وأما تفسير السُبُحات، فقال الهروى: سبُحات وجهه: نور وجهه، وفى كتاب العين: سُبْحَةُ وجهه هى نور وجهه وجلاله، وإنما نقلنا هذا لتعلم قول أهل اللغة فى هذا اللفظ لا على اتّباعه فيما يرجع الضميرُ إليه، وإطلاق هذا اللفظ الذى قالوه. قال القاضى: ما قاله الإمامُ ﵀ صحيح، لكنه يضيق حمله على وجه

стр. 530

قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ " مِنْ خَلْقِهِ " وَقَالَ: " حِجَابُهُ النُّورُ ". ــ المخلوق مع اتفاق الرواية على رفع السبُحات، وأنها المحرقة لما انتهى إليها البصرُ، كما قال: " ما انتهى إليه بصرُه من خلقه " فالخلقُ هنا هُوَ المحروق (١) وسُبحات الوجه هى المُحرقَة، والسُبُحات، بضم السين والباء، جمعُ سبحة، وهى النور والجلال - كما قالوا - وما فى معناها من البهاء والجمال والكبرياء والعظمة ونعوتِ التعالى، وبمعنى (٢) ذلك قوله فى الحديث الآخر: " وما منَعهُم أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه " (٣)، فإضافتها إلى الله تعالى وعود الضمير إليه هو مقتضى نظم الكلام ووجه اللفظ العربى، وإلا اختل الكلام وتناقض مفهوم اللفظ، وإذا كان هذا نظرنا إلى تأويل ذلك، فإذا جعلنا معنى " وجه الله " ذاته ووجوده، على ما اختاره الجوينى وغيره من أئمتنا، كانت إضافة السُبُحات إليها على معنى إضافة النور إليه فى الآية (٤)، وفى قوله: " أعوذ بنور وجهك (٥) إِمَّا على المِلْكِ أو الاختصاص (٦) وتكون هذه السبحات هى تلك الحجبُ التى ذُكر من النور و (٧) النار وجلال الملكوت وعظيم القدرة لو كشفها لأحرقت كل من رآها وأدركها، وهو معنى قوله إن شاء الله تعالى: " ما انتهى إليه بصرُه من خلقه ". الهاء فى بصره عائدة على خلقِه، أى لأحرقت من خلقه كل من انتهى إليه بصرهُ منهم ورأى ذلك، ويُتأوّل فى ذلك ما يتأول فى قوله: ﴿نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾ (٨) وفى تسميته نوراً ويستقيم المعنى الحقيقى وينطبق على اللفظ العربى، وعلى تفسير أهل اللغة التى لابد لنا من الرجوع إليهم فى معانى هذه الألفاظ، ومن سلك من مشايخنا فى الوجه أنه صفة (٩) - وهو قول شيخنا أبى الحسين - كانت إضافة السُبُحات إليها، والمراد الذات، لاسيما على القول بتقسيم القول فى الصفات، وأن منها ما يقال: هو نفس الذات، وإذا جعلنا الوجه بمعنى الجهة حسُن - أيضاً - أن يقال: لأحرقت السُبُحات والأنوار أو النار التى فى الجهة التى ينظرُ إليها الناظِرُ، إذا كشفها الله له وأراه إياها كلَّ من نَظَرَ إليها. وهذه وجوهٌ كلها بينة حسنةٌ ظهَرَت بعون الله وتوفيقه. وقد قال بعض المشايخ - فى تصحيح كون الضمير فى بصره عائداً على الله تعالى -: إن الكلام إشارة إلى العموم لقوله:

стр. 531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ " ما انتهى إليه بصرُه من خلقِه " ولا شىء من خلقه إلا ورؤية الله تنتهى إليه (١)، فكأنه قال: لو كشفها لاحترق جميع الخلق. وقال النضر بن شُمَيْلِ: معنى " سُبُحاتِ وجهه " كأنه ينزهِهُ يقول: سبحان وجهه، وقد يقال على مذهب من تأوَّل من المتصوفة: حُجُبُ النور تحجُبُ العُلومَ التى لم تبلغ الحقيقة، وصدَّها عن المعرفة الحقيقية لشغل الفكر وتشويش العقل بها، فلو كشفها عن المخلوقين وأزاحها عنهم وظهرت المعارف والأنوار التى من وجه الحقيقة وجهَة الحقّ لأَحرَقتهم ولأهلكتهم، ولم يحتملها ضَعْفُ تركيبهم، كما قال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٢)، ولكنه يقال: إنما يكشف منها اليسير بقدر احتمال قواهم الضعيفة، حتى إذا شاء الله وقواها وربط على قلوبهم احتملوا رؤيته، ومشاهدة عجائب ملكوته، وعظيم عظمته، وقدرته، وجلال سُلطانه وبهائه، ويدل على صحته ما أشرنا إليه قوله فى الحديث الآخر: " فلا يسمع حسن ذلك أحد لا يربط على قلبه إلا خلع أفئدته " وفى الحديث الآخر: " إلا زهقت نفسه ". وأعلم أن فى ذكر الحجاب هنا والحجب، وتكثيرها فى غير هذا الحديث من النور والنار والظلمة والماء مما جاء فى أحاديث أخر، تنبيه لأولى الألباب على أن الحُجُبَ ليست حجباً لأنفسها ووجودها، وإنما حجبت الخلق عن ذلك فِعلُ الله وإرادتُه ومشيئته وقدَرُه، لأنه حجَب بالأشياء (٣) وأضدادها من النور والظلمة والماء والنار، وهذا مذهب أهل الحق؛ أن الرؤية والإدراك فعلُ الله وخلقُه فى المدرِك للشىء ولا يشترطون فى المرئى والمدْرك سوى وجوده إلا من حيث مجرى العادة، خلافاً للفلاسفة ومن اقتفى آثارها من ضُلال المعتزلة؛ لاشتراطهم فى الرؤية رفع الموانع من الحجب الثخينة والقرب والبُعْدِ المفرطين واشتراطِهِم اتصال الأشعَّةِ ومقابلة المرئى، وافتقار الإدراك لبنية مخصوصة - وهى العين - وهذه الدعاوى حَمَلتْهم على نفى رؤية العباد لله أصلاً وساقت بعضهم إلى أن الله تعالى لا يرى ولا يُرى، تعالى الله عن قولهم، فأبان ﷺ أن حَجْبَ الله لأبصار خلقه بمشيئته وخلقه، لا أنه يحجُبه شىءٌ وأن النور الذى هو فى العادة سبب الإدراك والموجب للرؤية يحجُب بمشيئته عنه العباد كما يحجُبهم ضدّه من الظلمة، وكذلك الماء بشفوفه ورقته، والنار بضوئها. وقد أشار بعضهم أن قوله: " حجابه النور " إشارة إلى معرفة العارفين بأنه لا كيفية له ولا مثل، وأنه ليس كمثله شىء، فحَجَبَتْ هذه المعرفةُ - وهى النور - قلوبَ العارفين

стр. 532

٢٩٥ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفر، قَالَ: حَدَّثَنِى شُعْبَةُ عَنْ عَمْرو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى؛ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعٍ: " إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُهُ، ويُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بَاللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ ". ــ عن تخييله وتمثيله، وأعلمتهم أن العجز عن إدراكه إدراكٌ - كما قال الصِدّيق - قال اللهُ تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ (١)، وقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة﴾ (٢) الآية. وقوله: " يخفض القسط ويرفعُه، يُرفَع إليه عمل النهار بالليل وعملُ الليل بالنهار " وفى الرواية الأخرى: " عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار " قال الهروى: قال ابن قتيبة: القِسط الميزان، وسمى به لأن القسط العدل، وبالميزان يقع العدل فى القسمة فلذلك سمى به. والمراد أن الله يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة إليه ويوزن من أرزاقهم النازلة إليهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُوم﴾ (٣)، والقسط أراد الوزن خفض يده ورفعها، فهذا تمثيل لما يقدر، ثم يُنْزله، فشبَّه بوزن الوزَّان (٤). والقُسْطاس بضم القاف وكسرها: أقوم الموازين، وقال بعضهم: أراد بالقسْط الرزق الذى هو قسْطُ كل مخلوق، يخفضه فيقتّرهُ ويرفَعَهُ فيوسعه.

стр. 533

(٨٠) باب إثبات رؤية المؤمنين فى الآخرة ربهم ٢٩٦ - (١٨٠) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ - وَاللَّفْظُ لأَبِى غَسَّانَ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجوْنِىُّ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ قَالَ: " جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ، فِى جَنَّةِ عَدْنٍ ". ــ وقوله: " وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه " قال الإمام: كان ﷺ يخاطبُ العرب بما تفهم ويخرج لهم الأشياء إلى الحِسّ حتى يقرب تناولهم لها، فعبَّر عن زوال الموانع ورفعِه عن الأبصار بذلك. قال القاضى: كانت العرب تستعمل فى كلامها الاستعارة كثيراً، وهو أحد أنواع مجازات كلامها وأرفع أبواب بديع فصاحتها وإيجازها، وهو التجوز باللفظة ونقلها عن أصل موضوعها واستعمالها فى غيره مما له به شَبه استعمال الموضوع. ونحا الرُّمانى (١) إلى أنها نوع من التشبيه، إلا أنه بغير أداة، فالعرب تستعملها فى كلامها استعمال غيرها وتفهم المقصد بها، كما قال تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ (٢)، فمخاطبة النبى ﷺ لهم برداء الكبرياء على الوجه وشبهه من المشكلات من هذا المعنى، ومن لم يفهم مقاصد العرب وكلامهم ممن غلبت عليه العُجَمةُ تاه فى هذه الْمهمة، فمن بليد محضٍ أجرى الأمر على ظاهره، فقال بالتجسيم والتشبيه، وممن خضرَم فى النباهَة استهول ظواهرَها ولم تتضح له وجوهها لجهله بكلام العرب ومنازعهم (٣) فإمَّا كَذَّب بالأصل كالمُعَطِّلة، أو كذب بهذه الآثار وأطرَحها وجهَّل نقلتها كالمعتزلة، فاستعار ﷺ لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانع من إدراك أبصار البشر ذاته لضعفها عن ذلك، حتى إذا شاء ذلك قوَّى أبصارهم، وثبَّت عقولهم، وشجَّعَ أنفسهم، وربط على قلوبهم، وكشف عنهم حجب هيبته وموانع عظمته، فاحتملوا رؤيته واستقروا لمشاهدته. فعبَّر عن ذلك برداء الكبرياء كما عبَّر الشارع عن أشياء كثيرة من قوله: " فليخفف الرداء يعنى الدّين ".

стр. 534

٢٩٧ - (١٨١) حدّثنا عُبَيْد اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا حَمَادُ بْنُ سَلَمَة، عَنْ ثَابتٍ الْبُنَانِىّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الجَنَّةَ " قَالَ: " يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟ " قَالَ: " فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ من النَظرِ إِلَى رَبِّهِمْ ". ــ وقوله: " فى جنة عدن ": معناه راجع إلى الناظرين، أى وهم فى جنة عدن لا إلى المرئى وهو الله، فإنه لا تحويه الأمكنة، تعالى الله عن ذلك (١). وذكر مسلم حديث عبيد الله بن عُمَر بن ميْسَرةَ عن ابن مهدى [قال ثنا] (٢) حماد بن سلمة عن ثابت البُنانى عن ابن أبى ليلى عن صهيب عن النبى ﷺ : " إذا دخل أهل الجنة الجنة ... ". قال أبو عيسى الترمذى: هذا الحديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورواه سليمان بن المغيرة وحماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قوله (٣). قال القاضى: ذكر فى هذا الحديث نظر أهل الجنة إلى ربهم، مذهب أهل السنة بأجمعهم جواز رؤية الله عقلاً ووجوبها (٤) فى الآخرة للمؤمنين سمعاً، نطق بذلك الكتاب العزيز

стр. 535

٢٩٨ - (...) حدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة﴾ (١). ــ وأجمع عليه سلف الأمَّةِ ورواه بضعَة عشر من الصحابة بألفاظ مختلفةٍ عن النبى ﷺ خلافاً للمعتزلة والخوارج وبعض المرجئة، إذ نفوا ذلك عقلاً بناءً على شروط يشترطونها من البنية والمقابلة واتصال الأشعة، وزوال الموانع فى تخليط لهم طويل، وأهل الحق لا يشترطون شيئاً من ذلك سوى وجود المرئى، وأن الرؤية إدراك يخلقها الله للرائى فيرى المرئى، لكن مجرى (٢) العادة تكون على صفاتٍ وليست بشروط.

стр. 536

(٨١) باب معرفة طريق الرؤية ٢٩٩ - (١٨٢) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزيِدَ اللَّيْثِىِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ نَاساً قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَة؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَلْ تُضَارُّونَ فِى رُؤيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ " قَالُوا: لا، يَا رسُولَ اللهِ. قَالَ: " هَلْ تُضَارُّونَ فِى الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا ــ وقوله: " هل تضارون فى الشمس ": وفى الحديث الآخر: " تضامون "، قال الإمام: فيه ردٌ على المعتزله فى إحالتهم رؤية الله تعالى. ويُروى بتشديد الراء وبتخفيفها، فالتخفيف مأخوذ من الضير، والأصل فيه تضرون (١). والمعنى: لا يخالف بعضكم بعضاً ولا تتنازعون، يقال: ضاره يضيره ويَضوره، وأمَّا تُضَارون، بالتشديد، فمعناه ومعنى التخفيف واحد، فيكون على معنى: لا تُضَارَرُون، فُتسَكّنُ (٢) الراء الأولى وتُدغَم فى التى بعدها، ويُحذَفُ المفعول لبيان معناه. وقيل: لا يحجب بعضُكم بعضاً عن رؤيته فيضره بذلك. ويجوز أن يكون على معنى: لا تُضارَرُون (٣)، بفتح الراء الأولى، أى [لا] (٤) تتنازعون ولا تجادلون، فتكونون أحزاباً يضر بعضكم بعضاً فى الجدل، ويقال: ضاررته مضارة إذا خالفته. وأما مَنْ روى لا تُضامّون، بالميم وتشديدها، فمعناه: لا ينضم بعضكم لبعض فى وقت النظر كما تفعلون بالهلال، ومن رواه بتخفيف الميم فمعناه: لا ينالكم ضيمٌ فى رؤيته فيراه بعض دون بعض، بل يستوون فى الرؤية. وأصله (٥): تُضْيَمون على وزن تُفْعلُونَ وَألقِيت فتحة الياء على الضاد فصارت الياء ألفاً لانفتاح ما قبلها، والضَيْم: الذُّل. قال القاضى: وقال فيه بعض أهل اللغة: تَضَامُّونَ وتضارون (٦) بفتح التاء وتشديد الراء والميم، ومعناه: تتضاررونَ وتتضامَمُون (٧)، قال بعضُهم: ومعناه فى اللغة: يُضَارُّ

стр. 537

سَحَابٌ؟ ". قَالُوا: لا، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبعْهُ، فَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كاَنَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوِاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأتِيهِمُ اللهُ، ﵎، فِى صُورَة غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِى يَعْرِفُون. فَيقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأتيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِى صُورَتِهِ الَّتِى يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبَعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَىْ جَهَنَّمَ، فَأَكَونُ أَنَا وَأُمَّتِى أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئذٍ إِلَّا الرسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللهُمَّ، سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِى جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ. هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعدْانَ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكَ السَّعْدانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلا اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِىَ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْعَبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحَمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مَنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ ــ بعضكم بعضاً. قال الزجاج: الذى جاء فى الحديث: تضارونَ وتضامون بالتخفيف، أى لا ينالكم ضيمٌ ولا ضيرٌ فى رؤيته، أى تستوون فى الرؤية. وقد ذكر البخارى هذا الحرف فى بعض رواياته " ولا تُضامُون أو لا تُضَاهون " على الشك (١)، ومعناه بالهاء قريبٌ من معنى الأول، أى لا يعارض بعضكم بعضاً فى الارتياب برؤيته أو نفيها، وقد يكون معناه: لا تشبهونه فى رؤيته بغيره من المرئيات . وقوله: " كما ترون القمرَ " وقوله بعد ذكر الشمس والقمر: " إنكم ترونه كذلك " تشبيه الرؤية بالرؤية والإدراك بالإدراك فى الوضوح ورفع الشك واتساع مسرح النظر، لا تشبيه المرئى بالمرئى (٢) والمدرَك بالمدرَك (٣)، ألا تراه كيف قال: " كما ترون القمر " ولم يقل كالقمر. وتأولت المعتزلة (٤) أن معنى الرؤية هنا العلم، وأن المؤمنين يعرفون الله يوم القيامة ضرورة، وهذا خطأ؛ لأن رؤية العلم تتعدى إلى مفعولين ورؤية العين إلى واحد وكذا

стр. 538

النَّارِ مَنْ كَانَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِى النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ منَ النَّارِ وَقَدِ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ منْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِى حَمِيلِ السّيلِ ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِى رِيحُهَا وَأَحَرَقَنِى ذَكَاؤُها، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ. ثُمَّ يَقُولُ اللهُ ﵎: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ: لا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِى رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاء اللهُ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ. ثُمَّ يَقُولُ: أَىْ رَبِّ، قَدِّمْنِى إلى بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لا تَسْأَلُنِى غَيْرَ الَّذِى أَعْطَيْتُكَ، وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ؛ فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ! فَيَقُولُ: لا، وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِى ــ هاهنا؛ ولأن تمثيلها برؤية القمر وهى رؤية عين تدل [على] (١) أنها رؤية عين، ولأن اختصاص المؤمنين بها وأهل الجنة يدل أنها غيرُ العلم، وأما الكفار يومئذ فهم يشاركون المؤمنين فى العلم؛ ولأن الأثبات قد رَوَوْه: " ترون رَبُّكم عياناً ". وقوله: " فَيَتَّبِعُ من كان يعبدُ الشمس الشمس " وذكر مثله فى القمر والطواغيت تمام هذا الفصل فى الحديث الآخر: " ثم يتساقطون فى النار " (٢). وقوله: " وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها " لتَستُّرهم (٣) فى الدنيا بدخولهم فى جملتهم ونفاقهم بذلك ظنوا تجويز ذلك لهم فى الآخرة، إذا اتبع كل معبود من عبده، جهلاً منهم بالله واطلاعه على أسرارهم كما جهل المشركون ذلك وقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين﴾ (٤) وظنوا أن ذلك يجوز لهم، كذلك المنافقون تستروا بجماعة المؤمنين فاتبعوهم ومشوا فى نورهم، حتى ضرب بينهم بسورٍ له باب باطنهُ فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، وانقطعت عنهم أضواؤهم وذهب الله بنورهم وتركهم فى ظلمات لا يُبصرون. واستدل بعضهم بأن هؤلاء هم المطرودون عن الحوض، والذين يقال لهم: " سُحقاً سُحقاً "، فالله أعلم. وقوله: " فيأتيهم الله فى صورة لا يعرفونها " وفى رواية أخرى: " فى صورة غير

стр. 539

رَبَّهُ مَا شَاء اللهُ منْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَىْ رَبِّ أَدْخِلْنِى الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: أَليْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ، وَيْلَكَ يَابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، لا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ فَلا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ ﵎ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مَنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِىُّ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ". قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ مَعَ أَبِى هُرَيرَةَ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا. حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: " وَمِثْلُهُ مَعَهُ ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلا قَوْلَهُ: " ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ أَشْهَدُ أَنِّى حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلَهُ: " ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ ــ صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم "، قال الإمام: يحتمل أن تأتيهم صورةٌ مخلوقة فيقول: أنا ربكم، على سبيل الاختبار والامتحان، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيأتيهم الله فى صورته التى يعرفونها. الإتيان هنا عبارة عن رؤيتهم الله تعالى، وقد جرت العادة فى المحدثين أن من كان غائباً عن غيره فلا يمكنه التوصل إلى رؤيته إلا بإتيانٍ أو مَجىء، فعبَّر بالإتيان هاهنا والمجىء عن الرؤية على [سبيل] (١) المجاز. وقوله: " فى صورته التى تعرفونها ": أحسن ما يتأول فيه أنها صورة اعتقاد، كما يقال: صورة اعتقادى فى هذا الأمر، والاعتقاد ليس بصورة مُركبةٍ، فيكون المعنى: يرون الله على ما كانوا يعتقدونه [فى الجائز] (٢) عليه من الصفات [التى هو عليها] (٣). قال القاضى: وقيل: إن الإتيان هنا فعل من فعل الله، سماه إتياناً وصف نفسه به، قيل: ويحتمل أن يكون الإتيان المعهود فيما بيننا، جعله تعالى لغيره من ملائكتهِ فأضافه إلى نفسه كما يقول القائل: قطع الأمير اللص، وهو لم يَلِ ذلك بنفسه إنما أقر به، وهذا أشبه الوجوه عندى بالحديث مع ما يأتى بعده، ويكون هذا الملك هو الذى جاءهم فى الصورة التى أنكروها من سماتِ الحدث الظاهرة على الملك والمخلوق، أو يكون: " يأتيهم الله فى صورة "، أى يأتيهم بصورةٍ ويظهرها لهم من صور ملائكته أو مخلوقاته التى لا

стр. 540

أَمْثَالِهِ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ. ٣٠٠ - (...) حدّثنا عبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرىِّ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِىُّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَخْبَرَهُمَا؛ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا لِلنَّبِىِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. ٣٠١ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبَّهٍ؛ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَة عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ: فَيَتَمَنّى وَيَتَمنّى. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ لهُ: فَإِنَّ لكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ". ٣٠٢ - (١٨٣) وحدّثنى سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالَ: حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّ نَاساً فِى زَمَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَعَمْ ". قَالَ: " هَلْ تُضَارُّونَ فِى رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحواً لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِى رُؤْية الْقَمَر لَيْلَةَ الْبَدْر صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ " قَالُوا: لا، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " مَا تُضَارُّونَ فِى رُؤْيَةِ اللهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِى رُؤْيَةِ أَحَدِهِمِا، إِذَا كَانَ يَوْمَ ــ تشبه صفات الإله والخالق، ليمتحنهم ويختبر صحة إيمانهم، وهذه آخر امتحان المؤمنين (١) ليميز الله الخبيث من الطيب، وليثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة كما ضمن لهم فى كتابه (٢)، وإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة التى عرضها عليهم: أنا ربكم، رأوا عليه من دليل الحدَثِ وسيما الخلقة ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس بربهم، ويستعيذون بالله منه، كما جاء فى الحديث: " ويقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه " (٣)، وكما جاء فى حديث آخر: " وكيف تعرفونه؟ قالوا: إنه لا شبيه له ".

стр. 541

الْقِيَامةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. فَلا يَبْقَى أَحَدٌ، كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الأَصْنَامِ والأَنْصَابِ إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِى النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَغُبَّرِ أَهْلِ الْكِتَاب. فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ، فَيُقَالُ: كَذبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشْنَا. يَا رَبَّنا، فَاسْقنَا. فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ: أَلا تَرِدُونَ؟ فَيحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّها سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِى النَّارِ. ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَيَقولُونَ: عَطِشْنَا. يَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا ". قَالَ " فَيُشَارُ إِلَيْهَمْ: أَلا تَرِدُون؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، كَأَنَّها سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً، فَيَتَسَاقَطُونَ فِى النَّار، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِى أَدْنى صُورةٍ مِنَ الَّتِى رَأَوْهُ فِيهَا. قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا، فَارَقْنَا النَّاسَ فِى الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، لا نُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا - حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ. فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. ــ وقوله: فى الحديث الآخر فى هذا الموضع: " قالوا: [يا] (١) ربنا فارقنا الناسِ فى الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم " قال بعضهم: لعلَّهم (٢) قالوا: [يا] (٣) ربنا لأنَّهم بعْدُ لم يروا ربهم فيخاطبونه، وعندى أنه يصح على وجه أنهم تضرعوا إلى الله فى كشف حالهم، ألا ترى كيف قال بعد هذا: " فيقول - يعنى الصورة التى ظهرت لهم -: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك " وقوله: " فارقنا الناس فى الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم " فيه تقديم وتأخير وتغيير لأنه وقع هذا الموضع فى البخارى " فارقاهم ونحن أحوج مِنَّا إليه اليوم "، وهو أشبه بالصواب وأبين، أى فارقناهم فى معبوداتهم ولم نصاحبهم ونحن اليوم أحوج لربنا أى محتاجُون كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أهْوَن﴾ (٤) أى هين، والهاء فى إليه عائدة على الله تعالى، ويكون قوله: " غير صورته التى يعرفون " وقوله: " فيأتيهم فى صورته التى يعرفون مقابلة لفظة الصورة هنا التى المراد بها فى حق الله الصفةِ على ما تقدم للفظة الصورة الحقيقية الواردة فى صفة الملك والمخلوق، وتجنيس اللفظ باللفظ، كما قال تعالى: ﴿مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ

стр. 542

فَيُكشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلا جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةٌ وَاحِدَةً، كلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفعُونَ رُؤوسَهمْ، وَقَدْ تَحَوّلَ فِى صُورَتِهِ الَّتِى رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. ــ يَسْتَهْزِئُ بِهِم﴾ (١)، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه﴾ (٢) وقد جاءت هذه اللفظة فى البخارى: " فيأتيهم فى الصورة التى لا يعرفونها وفى الصورة التى يعرفون " (٣) من غير إضافةٍ، وهى أبين وأقرب لتأويل الصفة. والصورة قد ترجع فى اللّسان إلى معنى الصفة ومعنى الحقيقه، كقولهم: صُورَةُ هذا الأمرِ وصورة الحديث كذا، أى حقيقته وصفته، وإليه يرجعُ قولهُ: " الصورة التى رأوه فيها أولاً " أى علموه من تنزيهِهِ وتقديسه، واعتقدوه من أنه لا يشبُههُ شىء. وقد زلَّ من لم يُحَصِّل كلامه مِمِّن تقدم فى هذا الباب فأثبت صورةٌ لا كالصُّور، وهذا تناقضٌ وتجسيم محض، نعوذ بالله. وكذلك يرجعُ معنى قوله فى الحديث الآخر (٤) فى أدنى صورةٍ من التى رأوه فيها أولاً. قال الخطابى: ويحتمل أن يكون إنما حجبهم فى المرة الأولى لأجل من كان معهم من المنافقين [حتى يُميَّزوا عنهم، قال: ويحتمل أن يكون الاستعاذةُ من المنافقين] (٥) وهم المُراد، وإن كان اللفظُ عموماً كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٦)، وإنما قاله المنافقون. قال: وفحوى الكلام يدُلُّ أنَّه قول المنافقين، يعنى فى الحديث. قال القاضى: لا يصح أن يكون من قول المنافقين، ولا يستقيم الكلامُ به فتأمَّله وعوِّل على ما ذكرناه. وقوله: " فيرفعون رؤوسهم وقد تحول فى صُورته التى رأوه (٧) فيها أولاً: " فيقولون أنت ربُّنا " كله إن شاء الله راجع إلى عظيم ما أراهم من عجائب قدرته وباهر سلطانِه، فأراهم أولاً ما امتحنهم به حتى ظهر صحةُ إيمانهم ويقينهم ومعرفَتِهم، ثم قلب لهم ذلك وحوَّل محنتهم بأمانِهِم وفتنتهُم بتثبيتهم، وأظهر لهم من حقيقة سلطانه وباهر آياته وعظيم ملكوتهِ ما لا يشكون فى صحتِه، ويستدلُون على أن ذلك الذى عرفوه وحققوه قبل له ولا يليق بغيره، فيتجلى لهم عند ذلك فيقولُ: أنا ربُّكُم، فيقولون: أنت ربنا. وفى الحديث إيمانُ المؤمنين حينئذ برؤية الله تعالى، كما آمنوا بذلك قبلُ، لانتظارِهم

стр. 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إيَّاها، فإذا أراهم نفسهُ وكشف عن أبصارهم حجبُها رأوه، وشاهدوا ذاته المقدسة عن التشبيه، وصفاتهِ المنزهَةَ عن التكييف، وجلاله وكبرياءه وعظيمَ سلطانه، تحققوا لا محالة أَنَّهُ ربُّهُم فيقولون: أنت ربُّنا. وقوله: " فيتَّبعُونَهُ ": أى يتبعون رُسُلَه وأمرَه وملائكته الذين وكّلهُمْ بهم كما وَكل من تقدَّم ومن كانوا يعبدُوُن من يقذف بهم فى النار. وقوله فى الحديث الآخر: "هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، فيكشفُ عن ساقٍ " قيل: معناه: الشِدَّةُ التى يُظهِرُها تعالى حينئذ على الخلائق، ونحوه عن ابن عباس فى قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاق﴾ (١) وقالوا: قامت الحربُ على ساق، وقيل نحوه فى قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاق﴾ (٢)، قيل: هو نورٌ عظيم، ورد ذلك فى حديث عن النبى ﷺ (٣)، قال ابن فورَك: ومعنى ذلك: ما يتجدد للمؤمنين عند رؤية الله تعالى من الفوائد والألطاف، وقيل: قد تكون الساق علامةً بية وبين المؤمنين من ظهور جماعة من الملائكة على خلقة عظيمةٍ شنيعةٍ؛ لأنه يقال: ساقَ من الناس وقدم كما قيل: رجْلٌ من جراد، وقيل: قد يكون ساقاً مخلوقةً جعلها الله علامةً للمؤمنين خارجةً عن السوق المعتادة، وقيل: هو مثلٌ يُضربُ للعزم على المراد كما يقال: شمَّر فلانٌ فى كذا عن ساقِهِ، وقيل: معناه: كشفُ الخوف وإزالةُ الرعب عنهم وما كان غلبت على عقولهم من هول الحال، فتطمئن حينئذ نفوسُهم عند ذلك ويتجلى لهم فيخرون سُجداً، وقيل: هى عبارة عن التجلى. وقال الخطابى: وهذه الرؤية التى فى [هذا] (٤) المقام يوم القيامة غير الرؤية التى فى الجنة لكرامة أوليائه وإنما هذه للامتحان. وقوله: " فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أَذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجُدُ اتقاء ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقاً، فكلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه " الطبق: فقار الظهر تقول (٥): صارَ فقارةً واحدةً فلا يقدرون على السجود. قاله الهروى. وقيل: هو عظم رقيق بين الفقارين. بين فى هذا الحديث أنهم المنافقون بقوله: اتقاءً وفى حديث آخر: رياءً وسُمعة (٦).

стр. 544

فَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ، سَلِّمِ سَلِّمْ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: " دَحْضٌ مَزَلَّةٌ فيه خَطَاطِفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكٌ، تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ. فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاخ ــ ويَستدِلُّ بعضُهم من هذا مع قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ على جواز تكليف ما لا يُطاق؛ لأنهم دُعوا إلى السجود ومُنعوا من التَّمكُّن منه، فجعل ظهورهم طبقاً واحداً. وأجاب عن هذا من مَنَع تكليفَ ما لا يُطاق: بأن هذا الدعاء دُعَاءُ تبكيتٍ وتعجيز، لا دعاء تكليف، كما قال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فالْتمِسُوا نُورًا﴾ (١) و ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (٢) وقد شُبَّه على قومٍ من منتحلى الحديث والسُنَّةِ بظاهر هذا الحديث، وهو قول السَّالميَّة، على أن المنافقين وبقايا من أهل الكتاب يرون الله مع المؤمنين لذكرهم فى هذه الجملة بقوله: " وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله " وفى الحديث الآخر: " حتى إذا لم يبق إلا من كان يعُبدُ الله من بَرٍّ وفاجر وغير أهل الكتاب " كذا للسمرقندى ولغيره: " غابر " (٣) أى بقايا، ولا جلاءَ فيما قالوه، وهذا الظاهر يصرفُهُ ما هو أجلى منه مما أجمع أهل السنة عليه - قبل مقالة هذا القائل - وعلى حَمْلِهِ على ظاهره من حَجْب الكفار عن الرؤية لله وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (٤) ثُمَّ يَرُد عليه ما وقعُ مُفَسَّراً فى هذا الحديث، وأن رؤيتهم لربهم إنما كانت بعد رفع المؤمنين رؤوسهم من السجود الذى مُنعه غيرهم، وحينئذ يقول لهم: " أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا " فهو فى هذه الرواية بيِّنٌ وخاصٌ بمن كان يسجُدُ لله من تلقاء نفسه، كما قال فى الحديث، ولِصحَّةِ إيمانهِ دون غيرهم، ولذكره تساقط اليهود والنصارى فى النار قبل هذا. وقوله: " ثم يُضرَبُ الصِراطُ على ظهرانى جهنَّم " ويُروى: " ظهْرَى جهنم " وهما لُغتان، قاله الأصمعى، وقال الخليل: هو بين ظهْرَى القومِ وظَهْرانَيْهم، أى بينهم. وفيه صحة أمر الصراط والإيمان به، والسلفُ مجمِعُونَ على حمله على ظاهره دون تأويل، والله أعلم بحقيقة صفته، وهو الجِسْر، كما جاء فى الحديث الآخر، ويُقالُ

стр. 545

مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مَنَ النَّارِ، فَوَالَّذِى، نَفْسِى بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً للهِ، فِى اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ، مِنَ الْمُؤمِنِينَ للهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِى النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنا، كَانُوا يَصُومُون مَعَنَا وَيُصَلَّونَ وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً قَدْ أخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، ــ بكسر الجيم وفتحِها، ويجوز أن يُجدِعَهُ الله حينئذٍ، ويجوز أن يكون الله قد خلقه قبل هذا حين خلق جهنم، قال بعضهم: فيكون قوله عَلى هذا " يضرب " أى يؤذن بالمرور عليه كما يقال: ضرب الأميرُ البعثَ، وضُربت عليهم الجزية، أى جعلت. وقوله: فى صفته: " دَحْضٌ مَزَلَّةٌ ": أى زَلِقٌ تزِل فيه الأقدام. والكلاليبُ والخطاطيفُ جمع كُلوب وكُلابٍ وخُطَّاف. وقوله: " فأكون أنا وأمتى أوَّلَ من يُجيزُ ": أى يمضى عليه ويقطعهُ، يُقال: أجزتُ الوادى وجُزتُه لغتان صحيحتان، وحكى عن الأصمعى الفرقُ بينهما قال: أجزتهُ قطعتهُ، وجُزْتُه مشيت فيه. وقوله: " ولا يتكلَّمُ يومئذ إلا الرسُلُ ": يعنى فى حين الإجازة، وإلا ففى يوم القيامة تجادلُ كلُّ نفسٍ عن نفسها. وقوله: " فمنهم المُوبَق ": [يعنى] (١) بعمله، كذا للعذرى بالباء الواحدةِ، وللطبرى الموثق بالثاء مثلثة، وللسمرقندى: المؤمن بقى بعمله، وأصحُها الوجه الأول ومعناه المُهلك الذى أهلكه عملهُ السىء. وقوله: " ومنهم المُخَردَلُ " بالخاء المعجمة لأبى سعيد، وللعُذرى وغيره المُجازى، وقد رواه بعضُهم (٢) فى البخارى: المُجَرْدَل - بالجيم - فبالخاء معناه: المُقَطَّعُ، يعنى بالكلاليب، يقال: خردَلْتُ اللحم، أى قطعته [وفصلته] (٣)، وقيل: خردَلتُ، بمعنى صَرَعْتُ، والمخردلُ: المصروعُ (٤)، والخردَلة: قطعة من اللحم، ويُقال بالذال المعجمة أيضاً، حكاه يعقوب (٥)، وقيل: الجردلةُ بالجيم الإشرافُ على الهلاك والسقوط. وقوله فى الحديث الآخر: " ومكدوس [فى النار] (٦) بالسين المهملة لأكثر الرواة

стр. 546

٧٢ - (٢٠٠٢) حدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَردِىَّ - عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابَرٍ؛ أَنَّ رَجُلاً قَدِمَ منْ جَيْشَانَ - وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ - فَسَأَلَ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : " أَو مُسْكِرٌ هُوَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ عَهْدًا، لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ، أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: " عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ ". ــ بذهاب الثلثين وليس فى كل شراب ولا كل عصير، وأما الوضع المعروف فلا بأس بذلك. وجواب النبى ﵇ عن هذا بقوله: " كل ما أسكر " يعضد هذا كله. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه شرب ما ذهب منه ثلثاه وإن أسكر، وجعلوا ذهاب الثلثين حدًا للحل، وروى عن جماعة من السلف أن ذهاب النصف بالطبخ حد يبيح شربها، وروى - أيضاً - عن أبى حنيفة وأبى يوسف. والمراعاة فى ذلك ما ذهب إليه أصحابنا، وهى حقيقة قول مالك: مراعاة عدم الإسكار، وأن حديث عمر: أن عصير عنبهم كان إذا ذهب ثلثاه بالطبخ أمن منه ذلك (١). قال ابن حبيب: ومن تحفظ التزم الشرطين: عدم الإسكار، وذهاب الثلثين، كأنه احتاط لرفعه واختزانه، وحديث [أبى] (٢) موسى ومعاذ هذا له علة، فذكره مسلم عن شعبة، عن أبى بردة، عن أبيه، [عن جده] (٣) [عن أبى موسى. وذكره - أيضًا - عن محمد بن عباد، عن سفيان بن عمر - وهو ابن كيثار - عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن جده، (٤) وذكره - أيضًا - عن زيد بن أبى أنَيْسَة، عن سعيد بن أبى بردة، حدثنا أبو بردة، عن أبيه. قال الدارقطنى: اختلف فيه على شعبة، فأخرجه البخارى عنه، عن سعيد بن أبى بردة، عن أبيه: " بعث النبى ﵇ جده (٥) أبا موسى ومعاذ " الحديث. كذا قاله البخارى (٦) من رواية مسلم عن شعبة، وتابعه العبدى ووهيب عنه، وقال وكيع والنضر وأبو داود: عن أبيه، عن جده. كما ذكر مسلم هنا. وأما رواية ابن عباد، فقال الدارقطنى: لم يتابع ابن عباد عليه، ولا يصح هذا عن عمرو بن دينار، وقد روى عن ابن عيينة عن ابن مسعود، ولا يثبت، ولم يخرجه البخارى من حديث عيينة، وهذا مما استدركه الدارقطنى على مسلم (٧).

стр. 547

ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ. فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا، أَعطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِى أَفْضَلُ مِنْ هذَا. فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، أَىُّ شَىءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَاىَ، فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ". قَالَ مُسْلِمٌ: قَرَأتُ عَلَى عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ الْمِصْرِىِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِى الشَّفَاعَةِ وَقُلْتُ لَهُ: أُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْكَ؟ أَنَّكَ سَمِعْتَ مِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لِعِيسَى بْنِ حَمّادٍ: أَخْبَرَكُمُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَلْ تُضَارُّونَ فِى رُؤْيَةِ الشَّمْسِ إِذَا كَانَ يَوْمٌ صَحْوٌ؟ " قلْنَا: لا. وَسُقْتُ الْحَدِيثَ حَتَّى آخِرُهُ وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلا قَدَمٍ قَدَّمُوهُ: " فَيُقَالُ لَهُمْ لَكُمْ مَا رَأَيتمُ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغنِى أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعَرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ اللَّيْثِ: " فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَمَا بَعْدَهُ ". فَأَقَرَّ بِهِ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ. ٣٠٣ - (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَونٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْن أَسْلَمَ، بِإِسْنَادِهِمَا، نَحْوَ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ إِلَى آخِرِهِ. وَقَدْ زَادَ ونَقَصَ شَيْئًا. ــ وفى هذه الجملة تفصيل صور الناجين فى السرعة والسلامة، ثم من يُصيبهُ الخُدسُ وتسفعه النار، ثم الموبق فيها، والمكردَسُ المُلقى فى قعرها، نعوذ بالله منها.

стр. 548

(٨٢) باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار ٣٠٤ - (١٨٤) وحدثنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ؛ قَال: أَخْبَرَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَال: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: " يُدْخِلُ الله أهْلَ الجَنَّة الجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيِمَانٍ فَأَخْرِجُوه، فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا حُمْمًا قَدِ امْتَحَشُوا فَيُلقَوْنَ فِى نَهَرِ الحَيَاةِ أَوِ الحَيَا، فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ إِلى جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلتَوِيَةً ". ٣٠٥ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. ح وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ. أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، كِلاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالا: " فَيُلقَوْنَ فِى نَهَر يُقَال لَهُ الحَيَاةُ " وَلمْ يَشُكَّا. وَفِى حَدِيثِ خَالِدٍ: " كَمَا تَنْبُتُ الغُثَاءَةُ (١) فِى جَانِبِ السَّيْلِ " وَفِى حَدِيثِ وهُيْبٍ: " كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِى ــ وقوله: " فيخرجون من النار قد امتحشوا " كذا ضبطناه بفتح التاء [والحاء] (٢) عن متقنى شيوخنا، وهو وجه الكلام، وكذا ذكره الهروى والخطابى (٣) قالا فى معناه: أى احترقوا، والمحش: لهيب من النار يحرقُ الجلد ويبدى العظم، قال غيرهُ: امتحش الخُبزُ: احترق. قال أبو على والقتبى: محَشتْه النارُ، أى أحرقته، وقال غيرهم: المعروف أمحَشَتْهُ، وقال صاحب العين: محَشَتْهُ لغة، والمعروف أمحَشَتْه، وقد رواه لنا بعضُ شيوخنا: امتُحِشُوا. قال الإمام: الحُمَمُ الفحمُ، واحدتُها حُمَمةٌ، قال طرفة: أشجَاكَ الرَّبعُ أمْ قِدَمَه ... أم رمادٌ دارسُ حُمَمهُ وقوله: " كما تنبت الحِبَّةُ فى حميل السيل " بكسر الحاء. قال الإمام: قال الهروى: قال ابن شُميل: الحِبَّةُ، بكسر الحاء، اسمٌ جامِعٌ لحِبوب البقول التى تنتثرُ إذا هاجت الريح، ثم إذا مُطِرت من قابلِ نبتت (٤) وقال أبو عُمر: الحِبَّةُ

стр. 549

حَمِئَةٍ (١) أَوْ حَمِيلةِ السَّيْلِ ". ٣٠٦ - (١٨٥) وَحَدَّثَنِى نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الجَهْضَمِىُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِى ابْنُ المُفَضَّلِ - عَنْ أَبِى مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ؛ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : " أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ، وَلكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَال بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحَمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِىءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِر، فَبُثُّوا عَلى أَنْهَارِ الجَنَّةِ، ثُمَّ قِيل: يَا أَهْل الجَنَّةِ أَفِيضُوا عَليْهِمْ. فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الحِبَّةِ تَكُونُ فِى حَمِيل السَّيْلِ ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: كَأَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَدْ كَانَ بَالبَادِيَةِ. ٣٠٧ - (...) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى مَسْلمَةَ؛ قَال: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، إِلى قَوْلِهِ: " فِى حَمِيلِ السَّيْلِ " وَلمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ. ــ نبْتٌ ينبتُ فى الحشيش صغاراً، قال غيره: قال ابن دُريد فى الجمهرة: كل [ما كان] (٢) من نزر العُشْبِ فهو حِبَّة والجمع حِبَبٌ. قال القاضى: وقال الكسائى: هو حَبُّ الرياحين، الواحدة حِبَّة، فأما الحِنطةُ فهو الحبُّ لا غير. وقال ابن شُميل: والحُبَّةُ، بضم الحاء وتخفيف الباء، القضيبُ من الكرم يغرس والحبَةُ من العنب، وحَبُّ الحَبَّة يُسمى حُبة بالتخفيف. وقال الأصمعى: ما كان من النبت له حب فاسم ذلك الحب حِبَّةٌ وأما الحنطة فالحَبُّ لا غير. وقوله. " فى حميل السَّيْل "، قال الإمام: قال أبو سعيد الضريرُ: حمِيلُ السيل ما جاء به من طين أو غثاء، فإذا اتفق فيه الحِبَّةُ واستقرت على شط مجرى السَّيْلَ فإنها تنبت فى يوم وليلة، وهى أسْرَعُ نابِتة نباتاً، وإنما أخبر ﷺ عن سُرْعةِ نباتِهم. قال القاضى: وجاء فى الحديث الآخر بعد هذا: " كما تنبت الغُثَاةُ فى جانب السيْل " وهو بمعنى الحبة، وفى رواية السمرقندى: " القثاءة " وهى تصحيف، وفى رواية وُهيب: " فى حَمَأة السَّيل " وهذه رواية الشاشى، ورواهُ العُذرىُّ هنا وغيرُه: حِمئة، وكله من الحمأة، وهو ما تغيَّر لونه من الطين، وهو معنى ما تقدم.

стр. 550

(٨٣) باب آخر أهل النار خروجا ٣٠٨ - (١٨٦) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ؛ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ؛ قَال عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبيدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله ابْنِ مَسْعُودٍ؛ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : " إِنِّى لأَعْلمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ. رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فَيَقُول الله ﵎ لهُ: اذْهَبْ فَادْخلٌ الجَنَّةَ، فَيَأَتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِليْهِ أَنَّهَا مَلأَى فَيَرْجِعُ فَيَقُول: يَارَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلأَى. فَيَقُولُ الله ﵎ لهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ ". قَال: " فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِليْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُول: يَارَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ الله لهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا ". قَال: " فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِى - أَوْ أَتَضْحَكُ بِى - وَأَنْتَ المَلِكُ؟ ". قَال: لقَدْ رَأَيْتُ رَسُول الله ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. قَال: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلةً. ــ وقوله: " آخر أهل الجنة دُخُولاً وآخر أهل النار خروجاً رجلٌ يخرُج منها زحفاً " وجاء مثله: " فى آخر من يجُوز على الصراط "، قال القاضى: فيحتمل أنهما اثنان، إما شخصان أو نوعان وجنسان، وعُبِّرَ بالواحد فيه عن الجماعة، وقد يحتمل أن المراد بآخر أهل النار خروجاً يعنى من الورود والجواز على الصراط، لا فيمن أوبق ودخلها فيكون بمعنى واحد [إما فى شخصٍ واحدٍ] (١) أو جماعة، كما قلناه، والله أعلم. وقوله: " قشبنى ريحُها " (٢)، قال الإمام: قال الهروىُ: كُلُّ مشموم قشيب ومُقَشَّب، وقال الليث: القَشْبُ اسمُ الشم، وقال عُمَرُ - رضى الله عنه - لبعض بنيه: قشبَك المالُ؟ أى ذهب بعقلك، والقشبُ: خلطُ السُمِّ بالطعام، وروى عن عمر أنه وجَدَ من معاويَةَ ريحًا طيبةً وهو مُحرمٌ، فقال: من قشبنا؟ (٣) أراد أن ريحَ الطيب على هذه الحال قشَبُ، كما أن ريح النتن قشَبُ، يقال: ما أقشَب بيتهُم؟! أى ما أقذره. قال القاضى: قال الخطابى: يقال: قشَبَهُ الدُخان إذا ملأ خياشيمه وأخذ يَكظمهُ، وهذا بين فى معنى حديث النبى ﷺ وحديث عمر مما قاله الهروى، ووقع فى روايتى فى

стр. 551

٣٠٩ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللفْظُ لأَبِى كُرَيْبٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيدَةَ، عَنْ عَبْدِ الله؛ قَال: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِنِّى لأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا زَحْفًا. فَيُقَال لهُ: انْطَلِقْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ. قَال: فَيَذْهَبُ فَيَدْخُل الجَنَّةَ، فَيجِدُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا المَنَازِلَ. فَيُقَال لهُ: أَتَذْكُرُ الزَّمَانَ الذِى كُنْتَ فِيهِ؟ فَيَقُول: نَعَمْ. فَيُقَال لهُ: تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى. فَيُقَال لهُ: لكَ الذِى تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا. قَال فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ بِى وَأَنْتَ المَلكُ؟ ". قَال: فَلقَد رَأَيْتُ رَسُول الله ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. ــ كتاب الهروى فيما حكاه عن الليث: القَشْبُ: السُمُّ، والذى رأيت فى كتاب الليث: القِشْبُ بكسر القاف، وكذا ذكره غيرُه، ووقع فى المُعْلِم بفتح القاف، وقال أبو عبيد فى تفسير حديث عمر [المتقدم] (١): قَشَبَكَ المالُ، أى أهلك، مأخوذ من القَشْب وهو السُمُّ، فعلى هذا يتفسَّر قشبنى بأهلكنى، وقال الداودى (٢): قشبنى: غيَّر جلدى وصورتى وسوَّدنى وأحزننى. وقوله: " وأحرقنى ذكاؤها ": روايتنا فيه فى الأم بالمد والمشهور القصر، وحكى أبو حنيفة فيه المدُّ وخطأه على بن حمزة. قال الإمام: أى تَلهُّبُها، وقال ابن قتيبة فى تفسيره: اشتعالها، قال ابن ولاد: الذَّكا تلهبُ النار مقصور. وقوله: " لا وعزتك " قال القاضى: فيه دليل على جواز الحلف بصفات الله وكذلك فى الحديث الآخر بعده فى قوله: " وعزتى وكبريائى "، وسؤاله بعد أن حلف وأعطى من العهود والمواثيق ما أعطى. قال بعضهم: فيه دليلٌ على جواز حلِّ اليمين وفعل ما حلفَ عليه، كما قال ﷺ : " إلا أتيت الذى هو خير " (٣)، ولكن دليل الحديث عندى غير هذا، إذ ذكر أن الله عذره وبعد أن عتَبه على غدره إذ بانَ له عذرُه لعظيم ما رأى مما لا صبر له عليه، كما قال فى الحديث - ولا فى قوته الثبات عنده. وقوله: " أنفقَهتْ له الجنَّةُ " (٤)، قال الإمام: أى اتسعت وانفتحت. وقوله: " فيرى فيها من الخير والسرور "، قال القاضى: وروايتنا فيه من طريق

стр. 552

٣١٠ - (١٨٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: " آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهُوَ يَمْشِى مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا التَفَتَ إِليْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الذِى نَجَّانِى مِنْك، لقَدْ أَعْطَانِىَ الله شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الأَوَلِينَ والآخِرِينَ. ــ الغسَّانى " الخبر " بالباء بواحدةٍ مفتوحةٍ وهو بمعنى السرور (١). وقوله: " لا يزال يدعو حتى يضحك الله منه فإذا ضحك منه قال ادخل الجنة "، قال الإمام: الضحك من الله - سُبحانه - محمولٌ على إظهار الرضى والقبول، إذ هو فى البشر علامة على ذلك، ويقال: ضحكت الأرض إذا ظهر نباتُها، وفى بعض الحديث: " فيبعث الله سحاباً فيضحك أحسن الضحك " فجعل انجلاءه عن البرق ضحكاً على الاستعارة، كأنه تعالى لما أظهر له رحمَته استعير له اسم الضحك مجازاً. قال القاضى: الضحك فى البشر أمْرٌ اختصوا به وحالة تغيُّر أوجبها سرور القلب، فتنبسط له عُروق القلب، فيجرق الدم فيها، فيقبض إلى سائر عروق الجسد، فيثور لذلك حرارة يبسط لها الوجه ويضيق عنها الفم فينفتح، وهو التجسم، فإذا زاد السرور وتمادى ولم يضبط الإنسان نفسه واستخفه سرورُه قهقَه، والتغيُّرات وأوصافُ الحدث منفيَّةٌ عن الله تعالى، وجاءت الآثار الصحيحة بإضافة الضَحِك إليه، فحمل العلماء ذلك على الرضى بفعْلِ عبْده ومحبَّته للقائه وإظهار نِعمِهِ وفَضلِه عليه وإيجابها له. وقد حملوهُ - أيضاً - على التجلّى للعبد، وكشف الحجاب عن بصره حتى يراه، والضحك يُعَبَّرُ به عن الظهور، ومنه: ضحك المشيبُ برأسه فبكا وقال فى صفة طعنه: تضحك عن نجيع قائم وفى الحديث الآخر: قول الله تعالى للرجل: " اذهب فادخل الجنة، فيُخيَّلُ إليه أنها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة "، فيقول: " أتسخرُ بى - أو أتضحك بى - وأنت الملك " (٢)، قال الإمام: ويتعلق بهذا الحديث سؤالان، فيُقال: ما معنى قوله: " تسْخرُ بى أو أتضحك وأنت الملك "، وهبكُم أنكم تأوَّلتم الضحك على ما ذكرتم من الرضى وغيره وهذا غيرُ متأت هُنا، والسؤال الثانى أن يُقال: كيف يُقال للبارى - سبحانه - ابتداء أتسخر منى؟ وإنما جاز ذلك فى الشرع على طريق المقابلة كقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ (٣) و ﴿مُسْتَهْزِئُونَ (٤). اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم﴾. فالجواب عن السؤال الأول

стр. 553

فَتُرْفَعُ لهُ شَجَرَةٌ، فَيَقُولُ: أَى رَبِّ أَدْنِنِى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فلأسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا. فَيَقُولُ الله : يَا ابْنَ آدَمَ، لعَلِّى إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلتَنِى غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: لا، يَارَبُّ، وَيُعَاهِدُهُ ألا يَسْأَلهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ، لأنَّهُ يَرَى مَا لا صَبْرَ لهُ عَليْهِ. فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لهُ شَجَرَةٌ هِىَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولى. فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، أَدْنِنِى مِنْ هَذِهِ لأشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلُّ بِظِلهَا، لا أَسْألكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلمْ تُعَاهِدْنِى أَلا تَسْألَنِى غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّى إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلنِى غَيَرَهَا؟ ــ أن يقال: من عادة المستهزئ من المخلوقين والسَّاخِر أن يضحك، فيوضع ها هنا يضحك موضع يستهزئ ويسخر لما كانت حالةُ الساخِر. وأما الجواب عن السؤال الثانى: فإن هذا هاهنا لم يقع إلا على جهة المقابلة، وهى وإن لم تكن موجودةً فى اللفظ فهى موجودةٌ فى معنى الحديث؛ لأنه ذكر فيه أنه عاهدَ الله مراراً ألا يسأله غير ما سأل، ثم غدر فحل غدرهُ محل الاستهزاء والسخرية، فقدَّر أن قولَ الله تعالى له: " ادخل الجنَّة " وتردُّده إليها وتخيله أنها ملأى (١) ضرب من الإطماع له أو السخرية به، جزاءً على ما تقدَّم من غدره، وعقوبة له فسمَّى الجزاء على السخرية سخرية فقال: " أتسخر منى؟ ": أى تُعاقبنى بالإطْماع. قال القاضى: ذهب أبو بكر الصوفى أن قوله: " أتهزأ مِنِّى أو تسخرُ منى " نفى للاستهزاء والسخرية التى لا تجوز على الله، قال: كأنَّه قال: أعلم أنك لا تهزأ منى لأنك رب العالمين، وما أعطيتنى من جزيل العطاء وأضعاف مثل الدنيا حق، لكن العَجبَ أن فعلت لى هذا وأنا غير مستأهل له، قال: فالألف فى أتستهزئ وتسْخَر ألف نفى على هذا التأويل، كما قال تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (٢) معناه: لا تهلكنا بفعلهم، وهذا كلامُ مُنبسط مُتدلل قد علم مكانه من ربِّه وبَسْطَهُ له بأن جعل يسأل ويتمنى، وهو يُعطيه ويَعرض عليه ما أعَدَّ له ويُشهيه ويُحبُّ أن يلحف فى سؤاله ليُعلى منزلتُه ويدنيه ويُردِّده بالبسط والقبض، تدلل الابن الحبيب على أبيه، ثم يجعله يتمنى حتى تنقطع أمانيه، فسبحانه ما أعظم بِرَّه، وأوسع خيرَه، وأكثر لطفَه بعبده المؤمن وتَحفِّيهِ [به] (٣). قال القاضى: وقد يكون قول هذا الرجل، لما قال، من هذا اللفظ الشنيع (٤) وهو غير ضابط لما قاله وبما وله عقله من السرور، وبلوغ ما لم يخطر بباله، إذ كان أولاً عاهد الله ألَّا يسأل غير ما رغب فيه، ثم أعطى من غير مسألة ما لم يتوهمه فيكون قوله هذا لما قاله وهو لا يضبط لسانه دهشاً وسروراً فرحًا و [هو] (٥) لا يعتقده (٦) قلبه فى حق بارئه، ظن أنه على عادته يخاطب غيره كما أخبر ﷺ عن الآخر فى الحديث الصحيح: " أنه لم

стр. 554

فَيُعَاهِدُهُ ألا يَسْأَلهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ، لأَنَّهُ يَرَى مَا لا صَبْرَ لهُ عَليْهِ. فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ هِىَ أَحْسَنُ مِنَ الأوليَيْنِ، فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، أَدْنِنِى مِنْ هَذِه لأَسْتَظِلَّ بِظِلهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائهَا، لا أَسْألكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلمْ تُعَاهِدْنِى ألا تَسْألَنِى غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلى، يَارَبِّ، هَذِهِ لا أَسْألكَ ــ يضبط نفسه من الفرح، فقال: " أنت عبدى وأنا ربك " (١). وقوله: فى الحديث الآخر: " عطشنا " (٢)، وقوله لهم: " هل تردون " (٣) وذكر تساقطهم فى النار، هذا من مكر الله بالكافرين. وقوله: فى جهنم: " يُحطم بعضُها بعضاً "، قال القاضى: يحطم: أى يأكُل، والحُطَمة اسم النار؛ لأنها تأكل ما ألقى فيها، والحُطَمُ الذى يأكلُ ولا يشبع. قال الإمام: قال الهروى: سُميت الحُطمة لأنها تحطم كل شىء أى تكسِرهُ وتأتى عليه. وقال القاضى: والصَحْوُ صفاء الجَوّ من الغيْم والسحاب، وهو بمعنى قوله: " ليس دونها سحاب ". وقوله: " فما منكم من أحَدٍ بأشدَّ مُناشدةً لله فى استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين فى النار ": كذا هى الرواية، وكذا فى جميع النسخ، وفيه تغييرٌ ووَهْم، وصوابُه ما وقع فى كتاب البخارى عن ابن بُكير: " بأشد مناشدة لى فى استقصاء الحق " (٤) يعنى فى الدنيا من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم وبه يَتمُّ الكلام ويتوجَّه. وذكر فى هذه الأحاديث فى المعذبين من المؤمنين: " أن النار لا تأكل أثر السجود " وفى الحديث الآخر: " تُحرَّم صُوَرُهم على النار ": دليل على أن عذاب المؤمنين المذنبين بالنار خلاف عذاب الكافرين، وأنها لا تأتى على جميعهم، ألا تراه كيفَ قال: " امتحشوا " وذكر أنها لا تأكُل منهم ما ذكر، إما إكراماً لمواضع السجود ولعظم (٥) مكانه من الإيمان والخضوع إلى غايته لله تعالى، أو لكرامة تلك الصورة التى خلق آدم والبشر عليها وفضَّلهم بها من [بين] (٦) سائر خلقه، وخصَّ أهل الإيمان بهذه الفضيلة، وذكره الصُورَ ودارات الوجوه فى الأحاديث الأُخَر يدلُّ بأن المرادَ بأثر السجود فى الوجه خلاف ما ذهب إليه

стр. 555

غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذرُهُ، لأنَّهُ يَرَى مَا لا صَبْرَ لهُ عَليْها، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَى رَبِّ، أَدْخِلنِيهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا يَصْرِينِى مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيكَ الدُّنْيَا وَمِثْلهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَارَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّى وَأَنْتَ رَبُّ العَالمِينَ ". ــ بعضهم أنه فى سبعة أعضاء السجود، وقد ذكر فى الحديث: " أن منهم من تأخذُه النارُ إلى نِصْفِ ساقيه وإلى رُكْبتيه " فدلَّ أن عذاب المؤمنين فيها بخلاف عذاب غيرهم. وقوله فى أهل الذنوب: " فأماتهم الله إماتةً، حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة وأن أهلها هم الذين لا يمُوتون ولا يحيُون " (١)، وقال بعض المتكلمين يحتملُ معنيين: أحدهما: أن المذنبين يُميتهم الله موتاً حقاً حتى لا يُحِسُّون النار، فيكون عقابهم حبسهم فى النار عن دخول الجنة كالمسجونين، وأما أهل النار الذين هم أهلها فهم أحياء حقيقةٌ، ولقوله: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا﴾ أى فيستريح ﴿وَلا يَحْيَى﴾ (٢) حياة ينتفع بها، وهى فى الكفار لقوله: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ (٣). الوجه الثانى: أن الإماتة لأهل الذنوب ليس على الحقيقة لكن غيّب عنهم إحساسهم [للآلام] (٤) بِلطف منه، ويجوز أن تكون آلامُهُم أخف كالنوَّام، وقد سمى الله النومَ لإعدامه الحسَّ وفاةً، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (٥)، لكن قد قال: " حتى إذا كانوا فحماً " فدل أن النار مع هذا تعمل فى أجسادهم أو بعْضها، وقد جاء فى حديث أبى هريرة: " إذا أدخل الله الموحدين النار أماتهم فيها، فإذا أراد أن يُخرجهم منها أمَسَّهُم ألم العذاب تلك الساعة " (٦) وفى حديث آخر: " أنها تنزوى منهم وتقول: " ما لى ولأهل بسم الله ". وقوله: فى الذى هو آخر دخولاً الجنة: " فيكبو مرةً " أى يسقط لوجهه ويمشى مرة، وتسفعه مرة أى تضرب وجهه أو تسوده على أحد التأويلات فى قوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَة﴾ (٧). وقوله فيه: " يخرج منها زحفاً ": أى مشياً على إليتيه، كما يفعل الصبىُ قبل أن يمشى، وهو مثل قوله فى الحديث الآخر: " حبواً ".

стр. 556

فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلا تَسْأَلونِّى مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ . فَقَالوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: " مِنْ ضِحْكِ رَبِّ العَالمِينَ حِينَ قَال: أَتسْتَهْزِئُ مِنِّى وَأَنْتَ رَبُّ العَالمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّى لا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلكِنِّى عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ ". ــ وقوله: " يا ابن آدم، ما يَصْرِينى منك ": قال الحربى: إنما هو ما يَصريك عنى، أى ما يقطعك عن مسألتى، والصَّرْىُ القطع، ثلاثى، وكذا قاله الهروى: يصْرِيَك منى، وفسَّره بما تقدم، قال: يقال: صَرَيْتُ الشىء إذا قطعتَهُ. وقوله: " فجىء بهم ضبائر ضبائر " (١)، قال الإمام: قال الهروى: ضبائر جمع ضِبارة، بكسر الضَّاد، مثل عمارة وعماير، والضبائرُ جماعاتُ الناس، يقالُ: رأيتهم ضباير، أى جماعة فى تفرقة. قال القاضى: قال الكنانىُ: والصواب: أضابر جمع إضبارة، وما حكاه الهروى قبل يردُّ قوله؛ لأنه لم يَعْرف ضِبارةً فلذلك أنكر جمْعهَا ضباير، يقال: ضِبارةٌ وضبارةٌ معاً. كذا قيدناهُ على أبى الحسينَ الحافظ، ﵀.

стр. 557

(٨٤) باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ٣١١ - (١٨٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيِرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ ابْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِى عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدِرىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: " إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ صَرَفَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ قِبَلَ الجَنَّةَ، وَمَثَّلَ لهُ شَجَرَةً ذَاتَ ظِلٍّ. فَقَالَ: أَىْ رَبِّ، قَدِّمْنِى إِلى هَذِهِ الشَّجَرَةِ أَكُونُ فِى ظِلهَا ". وَسَاقَ الحَدِيثَ بنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَلمْ يَذْكُرْ " فَيَقُول: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا يَصْرِينِى مِنْكَ " إلى آخِرِ الحَدِيثِ. وَزَادَ فِيهِ: " وَيُذَكِّرَهُ الله، سَلْ كَذَا وَكَذَا. فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِىُّ قَالَ الله: هُوَ لكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ " قَال: " ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الحُورِ العِينِ. فَتَقُولانِ: الحَمْدُ لله الذِى أَحْيَاكَ لنَا وَأَحْيَانَا لكَ. قَال: فَيَقُولُ: مَا أُعْطِىَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ ". ٣١٢ - (١٨٩) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُطَرفٍ وَابْنِ أَبْجَرَ، عَنْ الشَّعْبِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، رِوَايَةً إِنْ شَاءَ الله. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُطَرِّف بْنُ طَرِيفٍ وَعَبْدُ المَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ، سَمِعَا الشَّعْبِىَّ يُخْبِرُ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: قَال: سَمِعْتُهُ عَلى المِنْبَرِ، يَرْفَعُهُ إِلى رَسُولِ الله ﷺ قَال: وَحَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ وَابْنُ أَبْجَرَ، سَمِعَا الشَّعْبِىَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ عَلى المِنْبَرِ. قَال سُفْيَانٌ: رَفَعَهُ أَحَدُهُمَا - أَرَاهُ ابْنُ أَبْجَرَ - قَال: " سَأَل مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلةً؟ قَال: هُوَ رَجُلٌ يَجِىءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَال لهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، كَيْفَ؟ وَقَدْ نَزَل النَّاسُ مَنَازِلهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَال لهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ. فَيَقُولُ: لكَ ذَلِكَ وَمِثْلهُ وَمِثْلهُ وَمِثْلهُ وَمِثْلَهُ. فَقَالَ فِى الخَامِسَةِ: رَضِيتُ، رَبِّ. فَيَقُولُ: هَذَا لكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالَهِ، ــ وقوله: " نزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم " بفتح الهمزة والخاء جمع أخذة وهو ما أخذوا من كرامة مولاهم وحصلوه، أو يكون قصدوا مقاصدَهم وصاروا بسبُلهم إلى منازلهم، كما ذكر أول اللفظ. وذكره ثعلب بكسر الهمزة: ما أخَذَ إخْذَه، أى ما قصد قصْده، وإخْذ القوم: طريقهم وسبيلهُم.

стр. 558

وَلكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُول: رَضِيتُ، رَبِّ. قَالَ: رَبِّ، فَأَعْلاهُمْ مَنْزِلةً؟ قَال: أولئِكَ الذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِى، وَخَتَمْتُ عَليْهَا، فَلمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلمْ تسمع أُذُنٌ، وَلمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ ". قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِى كِتَابِ الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآيَةَ (١). ٣١٣ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كَرِيبٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِىُّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ عَلى المِنْبَرِ: إِنَّ مُوسَى ﵇ سَأَلَ اللهَ عَنْ أَخَسِّ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنْهَا حَظًا. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِنَحْوِهِ. ٣١٤ - (١٩٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ المَعْرُورِ بْن سُويْدٍ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّى لأَعْلمُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنُّةَ. وآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَليْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَليْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ. فَيُقَالُ: عَمِلتَ يَوْمَ كَذَاَ وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَليْهِ. فَيُقَالُ لهُ: فَإِنَّ لكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلتُ أَشْيَاءَ لا أَرَاهَا هَاهُنَا ". فَلقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. ٣١٥ - (...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَة، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثنَا أَبُو كَرِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ؛ كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ٣١٦ - (١٩١) حَدَّثَنِى عُبَيْدِ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ؛ كِلاهُمَا عَنْ رَوْحٍ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ بْنُ عَبَادَةَ القَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ ــ وقول أبى هريرة: " ذلك لك ومثله مَعهُ " وقول أبى سعيد: " وعشرةُ أمثاله مَعه " وكلاهما ذكر أنه الذى حفظ عن النبى ﷺ ، قيل فى الجمع بين الحديثين: لعل أبا هريرة سمع ذلك أولاً ثم زيد: " وعشرةُ أمثاله فضلاً من الله "، فسمعه أَبُو سعيد ولم يسمعه أبو هريرة، وظاهره: أن المثل والعشرة أمثال زائد على قوله: " هذا لك " وقيل: يحتمل أن يكون العشرة الأمثال (٢) فقط، أى وتمام عشرة أمثاله، والأول أظهرُ.

стр. 559

أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُسْأَلُ عَنِ الوُرُودِ. فَقَالَ: نَجِىءُ نَحْنُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ أَىْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ قَالَ: فَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ، الأوَّلُ فَالأَوَّل. ثُمَّ يَأتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِليْكَ. فَيَتَجَلى لهُمْ يَضْحَكُ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ، نُورًا، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ، وَعَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلالِيبُ وَحَسَكٌ، تَأخُذُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَطْفَأُ نُورُ المُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو المُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالقَمَرِ ليْلةَ البَدْرِ، سَبْعُونَ أَلفًا لا يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ الذِينَ يَلونَهُمْ كَأَضْوَأ نَجْمٍ فِى السَّمَاءِ، ثُمَّ كَذَلِكَ. تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَكَانَ فِى قَلبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةٌ؛ فَيُجْعَلونَ بِفَنَاءِ الجَنَّةِ، وَيَجْعَلُ أَهْلُ الجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَليْهِمُ المَاءَ حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّىْءِ فِى السَّيْلِ. وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لهُ الدُّنْيَا وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا. ٣١٧ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعَهُ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ بِأُذُنِهِ يَقُولُ: " إِنَّ الله يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّارِ فَيُدْخِلهُمُ الجَنَّةَ ". ــ وقوله: " كلاليب ": قال الإمام: هو جمع كَلُّوب على وزن فعُّول، مثل سَفّود، والحسك: جمع حسَكةٍ، وهى شوكةٌ حديدة صُلبَةٌ. قال القاضى: والخطاطيف مثل الكلاليب، إلا أن واحدها خُطَّافٌ بضم الخاء. وقوله فى الحديث: " وتحل الشفاعة " (١)، قال القاضى: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلاً ووجوبها بصريح قوله تعالى: ﴿لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن﴾ (٢) ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٣) وأمثالها، وبخبر الصادق سَمْعاً، وقد جاءت الآثار التى بلغَت بمجموعها التواتُر بصحتها فى الآخرة لمذنبى المؤمنين، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة عليها، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتأولت الأحاديث الواردة فيها واعتصموا بمذاهبهم فى تخليد المذنبين فى النار واحتجوا بقوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٤) وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاع﴾ (٥)، وهذه الآيات فى الكفار، وتأولوا أحاديث الشفاعة فى زيادة الدرجات وإجزال الثواب، وألفاظ الأحاديث التى فى الكتاب وغيره تدل على خلاف ما ذهبوا إليه، وأنها فى المذنبين وفى إخراج من استوجَبَ. لكن الشفاعة بمجموعها على خمسة أقسام:

стр. 560

٣١٨ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَال: قُلْتُ لعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ؟ " قَالَ: نَعَمْ. ٣١٩ - (...) حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِىُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سُليْمٍ العَنْبَرِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى يَزِيدُ الفَقِيرُ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلا دَارَاتِ وجُوهِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلونَ الجَنَّةَ ". ــ أولها: مختصةٌ بنبينا ﷺ وهى الإراحةُ من هول الموقف وتعجيل الحساب، كما سيأتى بيانها عند ذكرها من الكتاب بعد هذا. الثانية: فى إدخال قوم الجنة دون حساب، وهذه أيضاً وردت لنبينا ﷺ ، وقد ذكرها مسلم وسَنُنَبَّه عليها فى موضعها. الثالثة: قومٌ استوجبوا النارَ فيشفعُ فيهم نبينا ومن شاء الله له أن يشفع، و [سَنُنَبِّه] (١) على موضعها من الكتاب أيضاً. الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين، فقد جاء فى مجموع هذه الأحاديث إخراجهم من النار بشفاعة نبينا ﷺ وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم من المؤمنين، ثم يخرج الله كل من قال: لا إله إلا الله، كما جاء فى الحديث، حتى لا يبقى فيها إلا الكافرون ومن حبسه (٢) القرآنُ ووجَب عليه الخلود، كما جاء فى الحديث. والشفاعة الخامسة: هى فى زيادة الدرجات فى الجنة لأهلها، وهذه لا ينكرها المعتزلة، ولا تنكر شفاعة الحشر الأولى، وعُرِف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح لشفاعة النبى ﷺ ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يُلتفَتُ لقول من قال: إنه يُكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبى ﷺ ؛ لأنها لا تكونُ إلا للمذنبين، فإنها قد تكون - كما قدمنا - لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات، ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غيرُ معتدٍّ بعمله مشفقٌ أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنها لأصحاب الذنوب، وهذا كله خلاف ما عُرِفَ من دعاء السلف والخلف. وقوله: " من وجدتُم فى قلبه مثقال ذرة من إيمان ومن خير " (٣) وأدنا أدنا، على ما وردت فى ألفاظ الأحاديث: قيل: من اليقين، والصحيح: أن معناه: شىء زائد على مجرد الإيمان؛ [لأن مجرد الإيمان] (٤) - الذى هو التصديق - لا يتجزأ، وإنما يكون هذا التجزؤ، لشىء زائد عليه من عمل صالح، أو ذكر خفىٍ، أو عمل من أعمال القلب، من

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شفقة على مسكين، وخوف من الله، ونيَّة صادقة فى عمل فاتَهُ، ويدلُ عليه قولهُ فى الكتاب فى حديث محمد بن المنهال الضرير وحديث المسْمَعى وابن المثنى (١) بأسانيدهم عن أنس: " يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان فى قلبه من الخير ما يزنُ كذا وكذا "، وكذلك فى حديث أبى الزبير عن جابر، وكذلك دليلُ حديث أبى سعيد الخدرى الحديث الطويل يقول الله تعالى: " شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضةً من النارِ فَيُخرِجُ منها قوماً لم يعملوا خيراً قط "، وقوله بعدُ فى حديث الحسن عن أنس وغيره: " لأخرجن من قال: لا إله إلا الله " فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان، وهم الذين لم يؤذن فى الشفاعة فيهم، وإنما دَلَّت الآثار أنه أذن لمن عنده شىء زايدٌ من العمل على مجرد الإيمان، "، وَجَعَل للشافعين من الملائكة والنبيِّين دليلاً عليه، وتفرُّد الله ﷻ بعلم ما تُكنّه القلوب والرحمة لمن ليس عنده سوى الإيمان ومجرد شهادة أن لا إله إلا الله، وضرب بمثقال الذرة وأدناها المثل لأقل الخير والشرّ، إذ تلك أقل المقادير. وقوله: " من كان فى قلبه كذا (٢) وكذا ": دليلٌ على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر (٣) له القلبُ وصحبته النيِّةُ، وفيه كله دليلٌ على القول بزيادة الإيمان ونقصه، وهو ما اختلف فيه السلفُ والخلفُ، ومذهب أهل السنة: [القول] (٤) بأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتوقف مالك مرَّة فى نقصانه، وقال مرَّة (٥): أما الكلمة فلا يعنى أنَّه ليس فيها زيادةٌ ولا نقصٌ، يعنى - والله أعلم - مجرد الإيمان والمعرفة، وإلى هذا ذهب من لم يقُل فيه بالنقص والزيادة. وقوله: " فيقبض قبضة ": أى يجمعُ جماعةً. وقوله: " غرَسْتُ كرامَتَهم بيدى ": هذا ومثله مما لا يجب حمله على الجارحة؛ لأنها لا تليق إلا لمخلوق محدود، والله [جل اسمه] (٦) متعال عن ذلك. وقد اختلف أهل التأويل فى ذلك، فذهب بعضهم إلى أن اليد واليدين صفتان من صفات الله تعالى، علمناها من طريق السمع، ونَكِلُ علم تفسيرها إلى الله تعالى، وذهب بعضهم إلى تحميل اللفظ ما يحتمله من لغة العرب، فإن اليد تقع على القدرة وعلى النعمة وعلى الملك، لكن حملها على القدرة هنا بعيدٌ عند كثير منهم، إذ كل شىء،

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقدرته لا يختصُ منه شىءٌ دون شىء، لكن لا يبعد أن يرد هذا ومثله فى كلام العرب على طريق التأكيد والبيان، أو يكون اختصاص هذا بالقدرة؛ لأنه خلقها ابتداءً دون وساطة بقدرته، وأوجدها دون معاناة غراسة بإرادته، وأنشأها بقوله: كن، بخلاف غيرها من الجنات التى فى الدنيا التى خلقها وأظهرها بوسائط ومقدِّمات وجعل لها غارساً وأسباباً ومَثاقِلَ، وكل بقدرته وإرادته، فخصَّ هذه بالقدرة لإبرازها بها دون واسطة، واستعار لذلك اسم الغراسة وأضافها إلى نفسه، إذ لم [يعلم] (١) لها غارسٌ سوى قدرته، ومثله يتأوَّل فى قوله فى آدم: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢)، وقوله فى الحديث: " خلقك الله بيده " (٣) أى ابتداء دون أب ولا أم، كما أجرى العادة فى خلق غيره، ونحوه قوله: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُون﴾ (٤)، وقوله هنا: " خلقك الله بيده " يُبين أنه بمعنى قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وأن اليَد واليدين هنا بمعنى واحد، فإن العرب تأتى بالجمع والتثنية كثيراً بمعنى الواحد. وأمَّا النعمة فقد أبعدها بعضهم فى مثل هذا - أيضاً - لا على تأويل أن يكون الباء بمعنى اللام أى لنعمتى، وهو هاهنا بين المعنى، أى لنعمتى التى أعددتها لهم وادّخرتها، ألا تراهُ كيف قال: " وختمت عليها ". وقوله من رواية أبى كُريبٍ فى حديث المغيرة: " أن موسى سأل الله تعالى عن أخسّ أهل الجنة حظاً " كذا للرواة، ولأبى العباس الدلائى: " أحسن " وهو تصحيف والصواب الأول، كما قيل فى رواية قيس بن الحكم: " عن أدنى أهل الجنة منزلة " ثم قال آخر الحديث: " قال: ربّ، فأعلاهُم منزلةً ". وقوله فى الذى تُعرض عليه صغارُ ذنوبه (٥)، ويقال: " لك بكل سيئة حسنةً " هو حجةٌ لمن قال: مثله فى الإيمان قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٦)، فضلاً منه وَطوْلاً، وأكثر القول أن معنى الآية: تبديل أعمالهم السيئة [فى] (٧) الكفر بحسناتِ الإيمان.

стр. 563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: " يارب، قد عملتُ أشياءٌ لا أراها ها هنا " استكثاراً منه لفضل الله ولكثير حسناته، إذ علم أنه لا يؤاخذ بسيئةٍ، وأنها تُبَدل له حسنات. وقوله: " فضحك حتى بدت نواجذُه "، قال الإمام: أى ضواحكه، والنواجذُ هنا الضواحك وليست بالنواجذ التى هى الأضراس لأن ضحك النبى ﷺ إنما كان تبسُّمًا، قال الأصمعى: هى الأضراس، وفى حديث آخر: " إن الملكين قاعدان على ناجذى العبد يكتبان ". قال أبو العباس: النواجذ الأنياب، وهو أحسن ما قيل فى النواجذ؛ لأن فى الخبر أنه ﷺ كان جُل ضحكه التبسُّم. قال القاضى: هذا إن شاء الله هو الصواب، لأنه عبَّر عن أكثر ضحكه بالمبالغة فى كَشْر أسنانه حتى تبدو أنيابُهُ، إذ لا تبدو عند التبسم الخفيف الذى كان جل ضحكه، وإنما تبدُو منه الثنايا، وقد قال القاضى أبو عبد الله فى شرحه: إنه انفتح قُوة من الضحك حتى رأى آخر أضراسه من استقبله، وحمل النواجذَ هُنا على أسنان العقل، وهذا خلاف المعروف من ضحكه ﷺ (١). وقوله فى حديث جابر، وقد سُئل عن الورود، فقال: " نجىء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظُره - أى فوق الناس - قال: فتدعى الأمم بأوثانها ... " الحديث. هذا صُورة الحديث فى جميع النسخ، وفيه تغيير كثيرٌ وتصحيفٌ، وصوابُه: " نحن يوم القيامة على كوم " هكذا رَواهُ بعض أهل الحديث وفى كتاب ابن أبى خيثمة من طريق كعب بن مالك: " يُحشر الناس يوم القيامة على تل وأمتى على تل ". وذكر الطبرى فى التفسير من حديث ابن عُمَر: " فيرقى هو - يعنى محمداً - وأمته على كوم فوق الناس " وذكر من حديث كعب بن مالك: " يُحشرُ الناسُ يوم القيامة، فأكون أنا وأمتى على تل " (٢)، فهذا كله يبينُ ما تغير من الحديث وأنه كأنه أظلم هذا الحرف على الراوى أو امحى عليه (٣) فَعَبَّر عنه بكذا وكذا، وفَسَّره بقوله، أى فوق الناس وكتب عليه انظر - تنبيهاً - فجمع النقلةُ الكُل ونسقُوه على أنه من متن الحديث كما تراه. وقوله: " فيتجلى لهم يضحك "، قال الإمام: التجلى فى لسان العرب: الظهور، فيكون المعنى ها هنا: يظهر لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ للْجَبَلِ﴾ (٤) معناه: ظهر، والضحك ذكرنا أنه يُعبَّرُ به عن الرضى وإظهار الرحمة، فيكوَن المعنى على هذا يظهر لهم وهو راضٍ، ويكون ذلك مجازاً خاطب به ﷺ [العرب] (٥) على ما اعتادت من لغتها. قال القاضى: وقيل معنى " يضحك ": يُبَيّنُ ويبْدى لهم ما (٦) أخفى لهم من فضله ورحمته.

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: فى هذا الحديث: " ويُعطى كل إنسان منهم مؤمن أو منافق نوراً "، قال القاضى: ذاك بظاهر إيمانهم ودخولهم فى جملتهم كما كانوا فى الدنيا، وكما حُشِروا غُرًا محجلين معهم، حتى فضحهم الله بإطفاء نورهم على الصراط، وسقوطهم فى نار جهنم، وصدهم عن الحوض وتصييرهم ذات الشمال. وقوله: " فيتبعون " تقدم الكلامُ فيه قبل. وقوله: " وينبتون نبات الشىء فى السيل " (١) على ما تقدم من قوله: " كالحبَّة فى حميل السيل " واختصره هنا، وعند ابن سعيد عن السجزى: " نبات الدمْن فى السيل ". وقوله: " ويذهب حُرَاقُهُ " الهاء عائدة فيه على المخرَج من النار، يعنى أثر النار، والمحرق منه يذهبُ بما رش عليهم أهل الجنة من مائها، كما قال فى الحديث الآخر: " فيُلقون فى نهر الحياة " وفى الحديث الآخر: " فيُصبُ عليهم من ماء [الجنة] (٢) "، وكله راجعٌ إلى معنى واحدٍ، وهو مضاف إلى الجنة ومائها. وهذا الحديث جاء فى " الأم " كله من كلام جابر موقوقًا عليه، وهذا ليس من شرط مسلم ليس فيه ذكر النبى ﷺ ، وإنما دخل فى المسند وصار من شرطِه؛ لأنه رُوى مُسندًا من غير هذا الطريق، فذكر ابن أبى خيثمة يرفعه عن ابن جريج بعد قوله: " يضحك " قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " فينطلق بهم ". وقد نبّه على هذا " مسلم " بعدُ فى حديث ابن أبى شيبة وغيره فى الشفاعة وإخراج من يخرج من النار، وذكر إسناده وسماعه من النبى ﷺ بمعنى بعض ما فى هذا الحديث. وذكر " مسلم " من حديث جابر المقام المحمود: أنه الذى يُخرِجُ الله به من يُخرجَ من النار، ومثله عن أبى هريرة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، وقد روى فى الصحيح عن ابن عمر ما ظاهره أنها شفاعةُ المحشر، قال: فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود، وعن حذيفة وذكر المحشر وكون الناس فيه سكوت لا تكلم نفسٌ إلا بإذنه، فينادى محمداً فيقول: لبيك وسَعْديك والخير فى يديك .. إلى آخر كلامه، قال: فذلك المقام المحمود. وعن كعب بن مالك: " يُحشر الناس على تلّ فيكسونى ربى حُلةً خضراء ثم نودى بى، فأقول ما شاء اللهُ أن أقول، فذلك المقام المحمود " (٣).

стр. 565

٣٢٠ - (...) وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ - يَعْنِى مُحَمَّدَ بْنَ أَبِى أَيُّوبَ - قَالَ: حَدَّثَنِى يَزِيدُ الفَقِيرُ؛ قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِى رَأىٌ مِنْ رَأَىْ الخَوَارِجِ. فخَرَجْنَا فِى عِصَابَةٍ ذَوِى عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلى النَّاسِ. قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلى المَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدَّثُ القَوْمَ، جَالِسٌ إِلى سَارِيَةٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الجَهَنَّمِيِّينَ. قَالَ فَقُلْتُ لهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ ــ وعن عبد الله بن سلام " محمد ﵇ على كرسى الرب بين يدى الله " (١) وقد روى عن مجاهد فى ذلك قولاً منكراً لا يصح، ولو صَحَّ لكان له تأويلٌ على ظاهره، ويقرب بالتأويل من قول عبد الله بن سلام. والذى يُستخرج من جملة الأحاديث أن مقامه المحمود هو كون آدم ومَن ولد تحت لوائه يوم القيامة من أول عَرصاتها إلى دخولهم الجنة، وإخراج من يخرج من النار، فأول مقاماته إجابة المنادى وتحميده ربه وثناؤه عليه بما ذكر وبما ألهمه من محامده، ثم الشفاعة من إراحة العَرْض وكَرْب المحشر، وهذا مقامه الذى حَمَده فيه الأولون والآخرون، ثم شَفَاعته لمن لا حساب عليه من أمته، ثم لمن يخرجُ من النار، حتى لا يبقى فيها من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان، ثم يتفضَّل الله بإخراج من قال: لا إله إلا الله ومن لم يُشرك به، ولا يبقى فى النار إلا المخلدون. وهذه آخر عَرصَاتِ القيامة ومناقل المحشر، فهو فى جميعها له المقام المحمود، وبيده فيها لواء الحمد. وقول يزيد فى هذا الحديث: " شغفنى رأى من رأى الخوارج (٢) أى لصق بشغاف قلبى وهو غلافه، وقيل: سويداؤه، قال الله فى مثله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ (٣) وروى أيضاً شعفنى - بالعين المهملة - وهو بمعناه، وقد قرئ - أيضاً -: " شعفها "، وحقيقة معناه: بَرَّح بها، وقيل: معناه: أخذ قلبها حبه من أعلاه، وشغف كل شىء أعلاه، وقيل: بلغ داخل قلبها (٤). وقوله بعد: " فرجعنا، فوالله ما خرج منا غيرُ رجُل واحدٍ " أو كما قال، يعنى: أن الله نفعهم بما حدثهم به جابر، وصرفهم عن الخروج مع الخوارج، لما كان خامرهم من محبة رأيهم.
следующие страницы →