← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

(٧) باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله ٥١ - (٢٩٨٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأبوُ بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَإسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَأبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأبِى كُرَيْبٍ - قَالَ يَحْيَى وَإسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا - أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: ألا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ أتَرُوْنَ أنِّى لا أكُلِّمُهُ إلا أسْمِعُكُمْ؟ وَاللهِ، لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِى وَبَيْنَهُ، ما دُونَ أنْ أفْتَتِح أمْرًا لا أحِبُّ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلا أقُولُ لأحَدٍ، يَكُونُ عَلَىَّ أمِيرًا: إنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُلْقَى فِى النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أقتَابُ بَطْنِهِ، فَيُدورُ ــ وقوله: فى حديث أسامة بن زيد: " أترون أنى لا أكلمه إلا بسمعكم " ويروى: " سمعكم "، [ويروى: " أسمعكم "] (١) وكله بمعنى. وقوله بعد: " دون أن أفتح باباً لا [أحب أن] (٢) أكون أول مَنْ فتحه ": يعنى فى المجاهرة (٣) بالنكير والقيام بذلك على الأمراء، وما يُخشى من سوء عقباه كما تولد من إنكارهم جهارًا على عثمان بعد هذا، وما أدى إلى سفك دمه واضطراب الأمور بعده. وفيه التلطف مع الأمراء، وعرض ما ينكر عليهم سراً، وكذلك يلزم مع غيرهم من المسلمين ما أمكن ذلك، فإنه أولى بالقبول وأجدر بالنفع، وأبعد لهتك الستر وتحريك الأنفة. وقوله: " لا أقول لأحد يكون علىّ أميرًا: إنه خير الناس " إلى آخره: الحديث حجة كله على ذم المداهنة فى الحق والمواجهة بما يبطن خلافه، والملق بالباطل، وهذا هو المذموم. والحال الأولى هى المداراة المحمودة؛ لأنه ليس فيها قدح فى الدين ولا حظ منه، إنما هى ملاطفة فى الكلام، أو هى مجاملة بأسباب الدنيا ومعاطاة بها لصلاح دين أو دنيا. والمداهنة: إنما هى إعطاء بالدين ومصانعة بالكذب، والتزيين للقبيح، وتصويب الباطل للوصول إلى أسباب الدنيا وصلاحها. وقوله: " فتندلق أقتاب بطنه "، قال الإمام: قال أبو عبيد (٤): الأقتاب: الأمعاء، قال الكسائى: واحدها قتب، وقال الأصمعى: واحدها قتبة، قال: وبها سمى الرجل قتيبة، وهو تصغيرها، فقال أبو عبيد: القتب: ما تحوى من البطن، يعنى استدار،

стр. 4972

بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ. فَيَقُولُونَ: يَا فُلانُ، مَالَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ تَأمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ، وَأنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ ". (...) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبِى وَائِلٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَمْنَعُكَ أنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ؟ وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمِثْلِهِ. ــ وهو (١) الحوايا. وأمّا الأمعاء فهى الأقصاب، واحدها قصب. قال أبو عبيد: وأمّا قوله: " فتندلق " قال: الاندلاق: خروج الشىء من مكانه، وكل شىء ندر (٢) خارجاً فقد اندلق، ومنه قيل للسيف: قد اندلق من جفنه: إذا شقه حتى يخرج منه. ويقال للخيل: قد اندلقت: إذا خرجت فأسرعت السير.

стр. 4973

(٨) باب النهى عن هتك الإنسان ستر نفسه ٥٢ - (٢٩٩٠) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِى. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا - يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أخِى ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: قَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُل أمَّتِى مُعَافَاةٌ إلا المُجَاهِرِينَ، وَإنَّ مِنْ الإجْهَارِ أنْ يَعْمَلَ العَبْدُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحُ قَدْ سَتَرهُ رَبُّهُ، فَيَقُولُ: يَا فُلانُ، قَدْ عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، فَيَبِيتُ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ ". قَالَ زُهَيْرٌ: " وَإنَّ مِنَ الهِجَارِ ". ــ وقوله: " كل أمتى معافى إلا المجاهرين. فإن من الإجهار " [عند الفارسى: الإهجار، وكذلك فى آخر الحديث قال زهير: " وأنّ من الهجار "] (١) وعند ابن ماهان: من الهجار، والصواب - والله أعلم - تقديم الجيم على الهاء فيهما؛ لأنه من معنى قوله: " المجاهرين " فى أول الحديث، وقد فسره فى الحديث، وهو المشتهر بالذنوب الذى لا يتستر بها، ويكشف من ستر الله عنه، ويجهر بالتحدث بمعاصيه. فقد استثناه الله فيمن يعاقبه، إلا أنّ فضله ورحمته وسعت كل شىء. والجهار والإجهار والمجاهرة: الظهور والإعلان، جهر وأجهر بقوله وقراءته: إذا أعلنها، لكن قد يخرج قول من قال: " الإهجار " على الفحش والخنا وكثرة الكلام. يقال منه: أهجر فى كلامه وفعل هذا. وأما الهجار فلا معنى له هنا، وهو تصحيف، إنما هو الحبل أو الوتد الذى يشد به البعير، أو الحلقة التى يتعلم فيها الطعن.

стр. 4974

(٩) باب تشميت العاطس، وكراهة التثاؤب ٥٣ - (٢٩٩١) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حفْصٌ - وَهُوَ ابْنُ غِيَاثٍ - عَنْ سُلَيْمَانَ التَيْمِىِّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: عَطَسَ عِنْدَ النَّبِى ﷺ رَجُلانِ، فَشَمَّتَ أحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ. فَقَالَ الَّذِى لَمْ يُشَمِّتْهُ: عَطَسَ فُلانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَسْتُ أنَا فَلَمْ تُشَمِّتْنِى. قَالَ: " إنَّ هَذَا حَمِدَ اللهَ، وَإنَّكَ لَمْ تَحْمَدِ اللهِ ". ــ وذكر تشميت العاطس، قال أبو عبيد (١): يقال: شمت العاطس سمته بالسين والشين: أى دعوت له بالخير، والشين أعلى اللغتين. قال ثعلب: معنى التشميت بالشين: أبعد الله عنك الشماته. قال: وأصله السين من السمت، وهو القصد والهوى (٢). وقال ابن الأنبارى: كل داعٍ بالخير مسمت (٣). قال القاضى: اختلف العلماء فى تشميت العاطس، بعد اجتماعهم على أن تشميته إذا حمد الله مشروع. فمنهم من أوجبه على كل من يسمع حمده، وإلى هذا ذهب أهل الظاهر لقوله ﵇: " إذا عطس فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته " وهو الذى ذكره ابن مزين (٤) عن مالك، وهو مشهور مذهب مالك ومَنْ اتبعه فى جماعة من العلماء، إلى أنه فرض لكن على الكفاية يجزئ فيه دعاء بعض عن بعض كرد السلام. وحكى الشيخ أبو محمد بن أبى زيد (٥) هذين القولين. وذهبت فرقة إلى أنه على الندب والاستحباب، وإليه ذهب القاضى أبو محمد بن نصر وأنّ قوله: " حق " أى فى حكم الأدب وكرم الأخلاق، كقوله: " حق الإبل أن يحلب على الماء " (٦).

стр. 4975

(...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِى الأحْمَرَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيمِىِّ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ٥٤ - (٢٩٩٢) حدّثنى زهُيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - واللفظ لزهير - قَالا: حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أبِى بُرْدَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلى أبِى مُوسَى، وَهُوَ فِى بَيْتِ بِنْتِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ. فَعَطَسْتُ فَلَمْ يُشَمِّتْنِى، وَعَطَسَتْ فَشَمَّتَهَا، فَرَجَعْتُ إلَى أُمِّى فَأخْبَرْتُها. فَلَمَّا جَاءَهَا قَالَتْ: عَطَسَ عِنْدَكَ ابْنِى فَلَمْ تُشَمِّتْهُ، وَعَطَسَتْ فَشَمَتَّهَا، فَقَالَ: إنَّ ابْنَكِ عَطَسَ، فَلَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلَمْ أشَمِّتْهُ، ــ ثم اختلف العلماء فى كيفية الحمد والرد، واختلفت فى ذلك الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله، وقيل: الحمد لله رب العالمين (١)، وقيل: الحمد لله على كل حال. وخيّره الطبرى فيما شاء من ذلك. ولا خلاف أنه مأمور بالحمد، وأما المشمت (٢) فيقول: يرحمك الله. وقيل: يقول: الحمد لله، يرحمك الله. وقيل: يرحمنا الله وإياكم. واختلفوا أيضاً فى رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. وقيل: يقول: [يرحمنا الله وإياكم] (٣)، يغفر الله لنا ولكم. وقال مالك والشافعى: إن شاء قال: يغفر الله لنا ولكم، أو يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. ومَنْ تكرر منه العطاس فالذى ياخذ به مالك أن يشمته ثلاثاً ثم يمسك، للحديث الذى رواه فى الموطأ. لكنه فى الموطأ على الشك: " لا أدرى فى الثانية أو الثالثة " (٤) وجاء فى كتاب أبى داود وغيره مبيناً: " شمت أخاك ثلاثاً، فما زاد فهو زكام " (٥) ووقع فى كتاب مسلم: ثم عطس أخرى، فقال له النبى ﷺ : " الرجل مزكوم " وهذا لم يذكر أنه تكرر منه، وظاهره أنه مَنْ عرف أن عطاسه من زكام فلا يرد عليه، أو يكون قد تكرر العطاس من هذا الرجل. وقيل: وكانت هذه بعد الثالثة، فتتفق الأحاديث. ولعل الراوى لم يحضر إلا بعد الثالثة، أو لم يجعل باله إلا حينئذٍ - والله أعلم.

стр. 4976

وَعَطَسَتْ، فَحَمِدت الله، فَشَمَّتُهَا. سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إذَا عَطَسَ أحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ، فَشَمِّتُوهُ، فَإنْ لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، فَلا تُشَمِّتُوهُ ". ٥٥ - (٢٩٩٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إياسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، عَنْ أبِيهِ. ح وَحَدَّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا عكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارِ، حَدَّثنى إيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ؛ أنَّ أبَاهُ حَدَّثَهُ، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ ، وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: " يَرْحَمُكَ اللهُ "، ثُمَّ عَطَسَ أخْرَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الرَّجُلُ مَزْكُومٌ ". ٥٦ - (٢٩٩٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ وَقَتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ العَلاء، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَإذَا تَثَاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيَكظمْ مَا اسْتَطَاعَ ". ٥٧ - (٢٩٩٥) حدّثنى أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أبِى صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنًا لأبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ يُحَدِّثُ أبِى عَنْ أبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إذَا تَثَاوَبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدخُلُ ". ٥٨ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ــ وقوله: " إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه وإن لم يحمد فلا تشمتوه ": دليل أن هذا الحق إنما هو إذا حمد. قال مالك: لا يشمته حتى يُسمع حمده وإن بعد عنك، فإن رأيت مَنْ يَلِيَهُ [فشمته. واستحب له العلماء أن يسمع بالحمد من يليه] (١) قال بعض شيوخنا: وأمر العاطس بالحمد لما فيه من المنفعة؛ لخروج ما اختنق من الأبخرة بدماغه. وقوله: " دخلت على أبى موسى وهو فى بيت ابنة الفضل بن عباس " كذا لكافة الرواة، وفى نسخ شيوخنا وسمعناه من القاضى أبى على: وهو فى بيت ابنة ابن الفضل ابن عباس، وهو وهم، والصواب ما للكافة. وهى أم كلثوم بنت الفضل زوج أبى موسى المذكور، خلف عليها بعد فراق الحسن بن على لها، وعنها مات أبو موسى وولدت له ابنه

стр. 4977

ابْنِ أبِى سَعِيدٍ، عَنْ أبِيهِ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إذَا تَثاوَب أحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدخُلُ ". ٥٩ - (...) حدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبِى صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ أبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، عَنْ أبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إذَا تَثَاوَبَ أحَدُكُمْ فِى الصَّلاةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ ". (...) حدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عن أِبِيهِ، وَعَنِ ابْنِ أبِى سَعِيدٍ، عَنْ أبِى سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ وعَبدِ العَزِيزِ. ــ موسى، وتزوجها بعده عمران بن طلحة ففارقها وماتت بالكوفة، وقبرها بظاهرها. وقوله: " التثاؤب من الشيطان ": أى من تكسيله وسببه. وقيل: أضيف إليه لأنه يرضيه، كذا جاء للرواة " التثاؤب " من تثاءب، ممدودة. قال ثابت: لا يقال: تثاءب، وإنما يقال: تثائب بشد الهمزة، وهى الثوباء بالمد. وقال ابن دريد: أصله من ثاب الرجل فهو مثوب: إذا استرخى وكسل. وقوله: " فليكظم ما استطاع "، قال الإمام: قال ابن عرفة: فى قوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ (١): الكاظم: الممسك على ما فى قلبه. وأصله فى الكظم للبعير، وهو أن يردد (٢) فى حلقة. وكظم فلان غيظه: إذا تجرعه، وكظم خصمه: إذا أجابه بالمسكت فأفحمه، وكظه كذلك أيضاً. قال القاضى: أمر النبى ﷺ بكظم التثاؤب ورده، ووضع اليد على الفم؛ لئلا يبلغ الشيطان العدو أمله فى المسلم بكل ما يسوءه ويكره منه، من تشويه صورته، ودخوله فى فمه، وضحكه منه، وتفله فيه. ولهذا - والله أعلم - أمر المتثائب بالتفل لطرح ما عسى أن يكون ألقاه الشيطان فى فيه، أو لما مسه من ريقه إن كان دخل.

стр. 4978

(١٠) باب فى أحاديث متفرقة ٦٠ - (٢٩٩٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خُلِقَتِ الملائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ ممَّا وُصِفَ لَكُمْ ". ــ وقوله: " وخلق الجان من مارج من نار "، قال الإمام: المارج: اللهيب المختلط بسواد النار. وقال الفراء: المارج: نار دون الحجاب، ومنها هذه الصواعق، وترى جلد السماء منها.

стр. 4979

(١١) باب فى الفأر وأنه مسخ ٦١ - (٢٩٩٧) حدّثنا إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى العَنَزِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّىُّ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِىِّ - وَاللَّفْظُ لابْنِ المُثَنَّى - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالَدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فُقِدَتْ أمَّةٌ مِنْ بَنِى إسْرَائيلَ، لا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ، وَلا أرَاهَا إلا الفَأرَ، ألا تَرَوْنَهَا إذَا وَضِعَ لَهَا ألْبَانُ الإبِلِ لَمْ تَشْرَبْهُ، وَإذَا وُضِعَ لَهَا ألبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْهُ؟ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الحَدِيثَ كَعْبًا فَقَالَ: آنْتَ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا. قُلْتُ: أأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟ قَالَ إسْحَاقُ فِى رِوَايَتِهِ: " لا نَدْرِى مَا فَعَلَتْ ". ٦٢ - (...) وحدّثنى أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: " الفَأرَةُ مَسْخٌ، وآيَةُ ذَلِكَ أنَّهُ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الغَنَمِ فَتَشْرَبُهُ، وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الإبِل فَلا تَذُوقُهُ " فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: أسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: أفأنْزِلَتْ عَلَىَّ التَّوْرَاةُ؟. ــ وقوله: " فقدت أمة من بنى إسرائيل " وذكر الفأر، وذكر أنها لا تشرب ألبان الإبل، وتشرب ألبان الشاة، قال القاضى: استدل ﵇ بهذا على أنها من بنى إسرائيل؛ لتحريم الإبل عليهم وألبانها. وقول أبى هريرة لما قال له كعب فى هذا الحديث: أسمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ " أأنزلت علىّ التوراة؟ " يريد أبو هريرة: أنه لا علم عنده إلا من جهة ما سمع من النبى ﷺ ، وأنه لا يحدث عن غيره من الكتب، كما يحدّث كعب الذى سأله ويخبر عن التوراة والكتب المتقدمة. وفى الحديث الآخر قبله قلت: " أأقرأ التوراة؟ " كذا هو بمد همزة التقرير، مثل: آقرأت التوراة؟ بمعنى ما تقدم، وهو صحيح - والله أعلم.

стр. 4980

(١٢) باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ٦٣ - (٢٩٩٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، قال: " لا يُلْدَغُ المؤمِنُ، مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ، مَرَّتَيْنِ ". (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أخِى ابْن شِهِابٍ عَنْ عَمِّهِ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ــ وقوله: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ": هذا يروى على وجهين: أحدهما: بضم الغين على الخبر، ومعناه: المؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذى لا يستغفل فيخدع مرة بعد أخرى، وهو لا يفطن بذلك. وقيل: إنه إنما أراد الخداع فى آمر الآخرة دون الدنيا. والوجه الآخر: كون الرواية بكسر الغين لالتقاء الساكنين على جهة النهى، على أن يؤتى من ناحية الغفلة، وهذا يصح إذ يتوجه أيضاً؛ لأنه من كلامه المخترع البديع الجامع الذى لم يسبق إليه، وسببه معروف حين أسر أبا عزة (١) بن عمير الشاعر أخا مصعب بن عمير يوم أحد، فساله أن يمن عليه وقد كان أسره يوم بدر، فسأله ذلك، فمنّ عليه وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه. فلما لحق بقومه رجع إلى ما كان عليه، فلما أسر هذه الثانية وسأله المن، قال ﷺ هذا الكلام. ومعرفة هذا السبب مخرجة عن معنى من ذهب فيه إلى النهى، وإنما هو على الخبر منه ﷺ . وفيه تنبيه عظيم للغافل وتأديب العاقل، وأن المراد إذا جرب الأذى من موضع أو وجه ما تنبه حتى لا يعود إليه ثانية منه.

стр. 4981

(١٣) باب المؤمن أمره كله خير (١) ٦٤ - (٢٩٩٩) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِىُّ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ - وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَجبًا لِأَمْرِ الْمؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا للِمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ. وَإِنْ أَصَابتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ". ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4982

(١٤) باب النهى عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح ٦٥ - (٣٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ خَالِد الْحذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنَ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلاً عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ، فَقَالَ: " وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ " مِرَارًا " إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا صَاحِبَهُ لا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلانًا، وَالله حَسِيبُهُ، وَلا أُزَكِّى عَلَى اللهِ أحَدًا. أَحْسِبُهُ، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَاكَ، كَذَا وَكَذَا ". ٦٦ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَفْضَلُ مِنْهُ فِى كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ النَّبىُّ ﷺ : " وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ " مِرَارًا يَقُولُ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ كَانَ أَحدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ، لاَ مَحَالَةَ، فلَيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلانًا - إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلكَ - وَلا أُزَكِّى عَلَى الله أَحَدًا ". ــ وذكر أحاديث المدح وقول النبى ﷺ : " قطعت عنق أخيك ": قال أهل العلم: هذا كله فى التفاوت فى المدح ووصف الإنسان مما ليس فيه، أو لمن يخشى عليه العجب والفساد بسماع المدح وإلا فقد مدح ﵇ ومدح بحضرته غيره بالنظم والنثر فلم ينكر، بل قد حض كعب بن زهير. قال بعض: هذا المتقدم من المقتصد فى المدح، فى الحديث أنه كان ﷺ لا يقبل الثناء إلا من مكافئ، أى من مقتصد فى المدح على أحد التأويلات. احتج أيضاً لهذا بقوله: " لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح " (١). وأما قوله: " احثوا التراب فى وجوه المدّاحين " فقد حمله المقداد وغيره - ممن جاء بعد - على ظاهره، وقال: خيبوهم ولا تعطوهم شيئاً لأجل مدحهم من قولهم. تربت يداه. وقيل: إذا مدحتم فتذكروا أنكم من تراب وتواضعوا، ولا تعجبوا بالمدح. وكان

стр. 4983

(...) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهِمَا: فَقَالَ رَجُلٌ: مَا مِنْ رَجُلٍ، بَعْدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، أفْضَلُ مِنْهُ. ٦٧ - (٣٠٠١) حدّثنى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ رَجُلاً يُثْنِى عَلَى رَجُلٍ، وَيُطرِيهِ فِى المِدْحَةِ فَقَالَ: " لَقَدْ أَهْلَكْتمْ - أَوْ قَطَعْتُمْ - ظَهْرَ الرَّجُلِ ". ٦٨ - (٣٠٠٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنى، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَهْدِىٍّ - وَاللَّفْظُ لاِبْنِ المُثَنّى - قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِى عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ. فَجَعَل المِقْدادُ يَحْثِى عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ نَحْثِىَ فِى وُجُوهِ المَدَّاحِينَ التُّرَابَ. ٦٩ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لاِبنِ المُثَنى - قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ رَجُلاً جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ. فَعَمِدَ المِقْدَادُ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ - وَكَانَ رَجُلاً ضَخْمًا - ــ بعض من لقيناه يحكى أنّ معناه: قوموا عنهم وأثيروا بقيامكم النقع عليهم والتراب، وهو أبعد التأويلات. وقوله: " أحسب، ولا أزكى على الله أحداً " فى هذا أنه لا يقطع على عاقبة أحد ولا على ضميره؛ وإذ ذلك مغيب عنا، وإنما يقول بحسب الظاهر. ومعنى قطع العنق هنا وقطع الظهر: الهلاك، وأصله القتل، وهذا استعارة له من ذلك بهلاكه من جهة الدين، وربما كان من جهة الدنيا أيضاً، وما يسببه عليه عجبه. قال الإمام: خرج مسلم فى حديث: قام رجل يثنى على أمير، فجعل المقداد يحثى عليه التراب: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وابن المثنى، جميعًا عن ابن مهدى عن سفيان، عن حبيب، عن مجاهد عن أبى معمر، الحديث. هكذا إسناده عن حببب، عن مجاهد، عن أبى معمر. وفى نسخة ابن ماهان؛ عن حميد، عن مجاهد. جعل " حميداً " مكان " حبيب " وهو تصحيف، والصواب: حبيب، وهو ابن أبى ثابت. قال القاضى: وذكر بعده: حدثنا ابن مثنى وابن بشار قالا: حدثنا عبد الرحمن،

стр. 4984

فَجَعَل يَحْثُو فِى وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فاحْثُوا فِى وُجُوهِهِمُ التُّرابَ ". (...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الأَشْجَعِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْياَن الثَّوْرِىِّ، عَنِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن هَمَّام، عن المِقْدَاد عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ــ عن سفيان، عن منصور. وحدثنا عثمان بن أبى شيبة. حدثنا الأشجعى عبيد الله بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سفيان. كذا لجميعهم، وعند السمرقندى وبعضهم: عبيد الله بن عبيد الرحمن مصغراً. وكذا [ذكره البخارى (١). وكذا وجدته فى حاشية صحيح مسلم بخط شيخنا التميمى] (٢). وكذا قيدناه عن أصحاب العذرى.

стр. 4985

(١٥) باب مناولة الأكبر (١) ٧٠ - (٣٠٠٣) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا صَخْرٌ - يَعْنِى ابْنَ جُوَيْرِيَةَ - عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَرَانِى فِى الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ فَجَذَبَنِى رَجُلاَنِ؛ أحدهما أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا. فَقِيلَ لِى: كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ ". ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4986

(١٦) باب التثبت فى الحديث، وحكم كتابة العلم ٧١ - (٢٤٩٣) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: اسْمَعِىَ يَارَبَّةَ الحُجْرَةِ، اسْمَعِى يَارَبَّةَ الحُجْرَةِ، وَعَائِشَةُ تُصَلِّى. فَلَمَّا قَضَتْ صَلاَتَهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: أَلا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا وَمَقَالَتِهِ آنِفًا؟ إِنَّمَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ. ٧٢ - (٣٠٠٤) حدّثنا هَدَابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ " لاَ تَكْتُبُوا عَنِّى، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّى غَيْرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحدِّثُوا عَنِّى وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ - قَالَ هَمَّام: أَحْسِبُهُ قَالَ - مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ". ــ وقوله ﵇: " لا تكتبوا عنى، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه "، قال الإمام: روى عن زيد بن ثابت أنه دخل على معاوية فسأله عن حديث، فأمر إنساناً فكتبه. فقال له زيد: إن النبى ﷺ أمر ألا نكتب [شيئاً] (١) من حديثه فمحاه (٢). وهذا النهى قال فيه بعض العلماء: إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن فى صحيفة واحدة لئلا يختلط به، فيشتبه على القارئ. ويحتمل أن يكون النهى منسوخاً، وقد قال ﷺ فى خطبته: " اكتبوا لأبى شاه " (٣) لما استكتبه، وقال ﷺ لرجل شكا إليه سوء الحفظ: " استعن بيمينك " (٤)، وكتب ﵇ كتاباً فى الصدقات والديات (٥)، أو كتب عنه فعمل به الأمة ولم ينكرها أحد، وقد أمر ﷺ أمته بالتبليغ، فإذا لم يكتب ذهب العلم. قال القاضى: بين السلف اختلاف كبير فى كتابة العلم من الصحابة والتابعين، فكرهه كثير منهم، وأجازه الأكثر. فمنعه لما جاء من النهى عنه، ومخافة الاتكال على الكتاب وترك الحفظ، ولئلا يكتب شئ مع القرآن. ومنهم من كان يكتب، فإذا حفظ محا. ثم

стр. 4987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقع بعد الإتفاق على جوازه لما جاء عنه ﵇ من إذنه لعبد الله بن عمرو فى الكتاب (١). قوله: " حدثوا عنى ولا حرج "، قال القاضى: فيه إباحة الحديث عنه، وتبليغ ما سمع منه، بل قد جاءت الآثار (٢) بالحض على التبليغ والأمر به. لكنه قرن هذا بقوله بعد: " ومن كذب على " الحديث. قال: أحسبه قال: " متعمداً " تحذيراً من التساهل بالحديث عنه مما لم يتحقق، وتنبيهاً على التحرز فى ذلك لئلا يقع فى الكذب، لا سيما على الرواية التى ليست بقول " متعمداً "، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث أول الكتاب. وقول أبى هريرة حين حدث: " اسمعى ياربة الحجرة " يريد عائشة، ذلك - والله أعلم - ليكون قوة فى حديثه لإقرارها له ما يحدث به، ولم تنكر شيئاً منه سوى إكثاره كما قالت فى الحديث: " كان ﷺ يحدث حديثاً لوعدّه العاد لأحصاه ". وفيه إكرام الحرم، وأنه لم ينادها باسمها ولا بلقبها المعلوم من أم المؤمنين، بل بالكتابة، بلفظ تشترك فيه مع سواها من النساء.

стр. 4988

(١٧) باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام ٧٣ - (٣٠٠٥) حدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِد، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِثٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ للِمَلِكِ: إِنِّى قَدْ كَبِرتُ، فَابْعَثْ إِلَىَّ غُلاَمًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ. فَبْعَثَ إِلَيْهِ غُلاَمًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِى طَرِيقِهِ، إِذَا سَلَكَ، رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلاَمَهُ فَأَعْجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِر ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِك إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنى أَهْلِى، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِى السَّاحِرُ. فَبَيْنمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّة عَظِيمةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ. فَقَالَ: الْيَومَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأخَذَ حَجَراً فَقَالَ: اللهُمّ، إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ، حَتَّى يَمْضِىَ النَّاسُ. فَرَماهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ. فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَىْ بُنَى، أَنْتَ اليَوْمَ أَفْضَلُ مِنَى، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَىَّ. وَكَانَ الغُلامُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ، وَيُدَاوِى النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الأَدْواءِ. فَسَمِعَ جَلِيسٌ للمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِىَ، فَأَتاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ. فَقَال: مَا هَهُنَا لَكَ أَجْمَعُ، إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِى. فَقَالَ: إِنِّى لا أَشْفِى أَحَداً، إِنَّمَا يَشْفِى اللهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ دَعَوَتُ اللهَ فَشَفَاكَ. فَآمَنَ بِاللهِ فَشَفَاه الله. فَأتَى المَلِكَ فَجَلسَ إِلَيْهِ كَمَا كَان يَجلِسُ. فَقَالَ لَهُ الملكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّى. قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِى؟ قَالَ: رَبِّى وَرَبُّكَ اللهُ. فَأَخَذهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الغُلامِ، فَجِىءَ بِالغُلامِ. فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: أَىْ بُنَىَّ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ. فَقَالَ: إِنِّى لاَ أَشْفِى أَحَداً، إِنَّمَا يَشْفِى اللهُ. فَأخَذَهُ فَلمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِىءَ بِالرَّاهِبِ. فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ ــ وقوله فى حديث صاحب الأخدود: " إذا خشيت أهلك فقل: حبسنى الساحر ": جواز الكذب للضرورة لا سيما فى الله، وفى المدافعة عن الإيمان، ومن يصدع عنه. قوله: " دعا بالمئشار ": كذا هو مهموز، وعند السمرقندى: " المنشار " بالنون، وهما لغتان صحيحتان؛ بالنون والهمز. ويسهّل فيقال بالياء ولا يهمز.

стр. 4989

دِينِكَ. فَأَبَى. فَدَعَا بِالمِئْشَارِ، فَوَضَعَ المِئشَارَ فِى مَفْرِقِ رَأسِهِ، فَشَقّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ. ثُمَّ جِىءَ بِجَلِيسِ المَلِكِ فَقِيلَ له: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى. فَوَضَعَ المِئْشَارَ فِى مَفْرِقِ رَأسِهِ، فَشَقّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ. ثُمَّ جِىءَ بِالغُلاَمِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ. فَأَبَى. فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعدُوا بِهِ الجَبَلَ، فإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلا فَاطْرَحُوُه. فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الجَبَلَ. فَقَالَ. اللهُمَّ، اكْفِنِيهِم بِمَا شِئتَ. فَرَجَفَ بِهِمُ الجَبَلُ فَسَقَطُوا. وَجَاءَ يَمْشِى إِلَى المَلِكِ. فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ الله. فَدَفَعَهُ إِلى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِى قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَاقْذِفُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ. فَقَاَل: اللهُمَّ، اكفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرقُوا، وَجَاءَ يَمْشِى إِلَى المَلِكِ. فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ. فَقالَ لِلْمَلِك: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلَى حَتَّى تَفعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِى عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِى، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِى كَبِدِ القَوْسِ ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ ارْمِنِى. فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِى. فَجَمَعَ النَّاسَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ ــ قوله: [" فرجف بهم الجبل "، قال الإمام: " أى تحرك حركة شديدة، ومنه قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ (١)] (٢) أى: تتزلزل. قال القاضى: روى هذا الحرف لنا الخشنى عن الطبرى: " فزحف " بالحاء والزاى. والرواية الأولى عليها جماعة شيوخنا، وهى أصح، وإن كان قد يكون الزحف بمعنى الحركة والتقدم، يقال: زحف القوم إلى عدوهم: إذا نهضوا. وقوله: " فإذا بلغتم ذروته ": قال الإمام: أى أعلاه. وذروة كل شىء: أعلاه. وقوله: " اذهبوا به فاحملوه فى قُرقُور " بَضم القافين، القرقور: أعظم السفن، وجمعه قراقير. قال القاضى: الذى عرفناه فى هذا أن القرقور صغير السفن [وفى العين: هو ضرب من السفن، وفى الهروى: القرقور: صغير السفن] (٣)، كذا رويناه عن شيخنا الحافظ أبى الحسين بن سراج اللغوى، وقرأناه عليه فيه ووقع فى بعض الروايات عن الهروى فيه: أعظم السفن، كما ذكره الإمام. وكذا كان عند شيخنا القاضى الشهيد فيه. وكذا فى

стр. 4990

عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِى كَبِدِ القَوْسِ ثُمَّ قَالَ: باسمِ اللهِ رَبِّ الغُلاَمِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِى صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِى صُدْغِهِ فِى مَوْضِعِ السَّهْمِ، فَمَاتَ. فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ. فَأُتِى المَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ، وَاللهِ، نَزَل بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِى أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ. وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأحْمُوهُ فِيهَا. أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ. فَفَعَلُوا. حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِىٌ، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا. فَقَالَ لَهَا الغُلامُ: يَا أُمَّه، اصْبِرِى، فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ ". ــ كتاب الحربى. وأرى هذه الرواية رأى الإمام، وأنكرها لنا أبو الحسين وقال: إنما هو الصغير على ما وقع فى أكثر نسخ الهروى، وهو الذى يدل عليه معنى الحديث؛ لأن السفن الكبار لا تستعمل فى مثل هذا، وإنما يستعمل فيه ما صغر منها، وكذلك فى حديث موسى ﵇: " فلما رأوا التابوت " يريد فى اليم "ركبوا القراقير حتى أتوا به ". وقال ابن دريد فى الجمهرة: القرقور ضرب من السفن، عربى معروف. والمعروف عند الناس فيه استعماله فيما صغر منها وخف للتصرف فيه. وعظام السفن إنما يستعمل لعظيم الأشغال وحمل الأثقال لا للتصرف فى الحوائج. ووقع فى رواية العذرى: " قرقورة " على معنى السفينة، والكل بضم القاف. وقوله: " فى صعيد واحد "، قال الإمام: الصعيد: الطريق الذى لا نبات فيه، وكذلك الزلق الصعيد أيضاً: وجه الأرض كالتراب. قال القاضى: المراد فى هذا الحديث بالصعيد الأرض نفسها، لا الطريق. وقول الغلام هذا، وفعله ما فعل بنفسه، ودل عليه الملك من قتله ليشتهر فى الناس أمر الإيمان ويروا برهانه كما كان. وقوله: " فأمر بالأخدود "، قال الإمام: هو الشق العظيم فى الأرض، وجمعه أخاديد، وقد تقدم ذكر السكك. وقوله: " فمن لم يرجع عن دينه فاحمه فيه أو قيل له: اقتحم "، قال القاضى: كذا هو فى جميع النسخ، وقال بعضهم: لعل صوابه: " فأحموه فيها، أو قولوا له: اقتحم " ولا يبعد عندى صحة معنى " أحموه " على ما روى من أحميت الحديدة والشىء فى النار. وفى هذا الحديث صبر الصالحين على الابتلاء فى ذات الله، وما يلزمهم من إظهار دينه والدعاء لتوحيده، واستقتالهم أنفسهم فى ذلك، وهو مراد الغلام بقوله للملك: " لست

стр. 4991

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقاتلى حتى تصلبنى وتجمع الناس وتضع السهم فى كبد القوس وتقول: بسم الله رب الغلام ليرى الناس ذلك فيؤمنوا بالله كما كان. وفيه إثبات كرامات الأولياء وإجابة دعواتهم باختبارهم كما أظهر الله فى قصة هذا الغلام، وكفاية الله له من تلك المهالك. وكبد القوس: مقبضها عند الرمى.

стр. 4992

(١٨) باب حديث جابر الطويل، وقصة أبى اليسر ٧٤ - (٣٠٠٦) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوف وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - وَتَقَارَبَا فِى لفْظِ الحَدِيثِ - وَالسِّيَاق لِهَارُونَ - قَالا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَعْقُوب بْنِ مُجَاهِدٍ أبِى حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: خَرَجْتُ أنَا وَأبِى نَطْلُبُ العِلْم فِى هَذَا الحَىِّ مِنَ الأنْصَارِ، قَبْلَ أنْ يَهلِكُوا فَكَانَ أوَّلُ مَنْ لَقَينَا أَبَا اليَسَرِ - صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ غُلامٌ لَهُ، مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ، وَعَلَى أبِى اليَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعافِرِىٌّ، وَعَلَى غلامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعافِرىٌّ. فَقَالَ لَهُ أبِى: يَا عَمِّ، إنِّى أرَى فِى وجْهِكَ سَفُعةً مِنْ غَضَبٍ قَالَ: أجَلْ، كَانَ لِى عَلَى فُلانِ بْنِ فُلانٍ الحَرَامِىِّ مَالٌ، فأَتَيْتُ أهْلَهُ فَسَلَّمْتُ. فَقَلْتُ: ثَمَّ ــ وقوله: " خرجنا نطلب العلم ": فيه الرحلة فى طلبه. وقوله: " معه ضمامة من صحف "، قال الإمام: أى رزمة ضم بعضها إلى بعض. قال القاضى: كذا رويناه " ضِمامة " كما قال بكسر الضاد، وكذا هو فى جميع النسخ. وكتبنا فيه عن بعض شيوخنا: " ضمامة ". قال الهروى (١) فى حديث الرجم: الأضاميم: الحجارة، واحدتها أضمامة؛ لأن بعضها ضم إلى بعض. وكذلك فى جماعات الكتب والناس ولا يبعد عندى صحة ما جاءت به الرواية من ذلك، كما قالوا: ضبارة وإضبارة لجماعة الكتب، ولفافة لما يلف من الشىء - والله أعلم. وقوله: " وعلى أبى اليسر بردة ومعافرى "، قال الإمام: البردة تقدم ذكرها، والمعافرى، بفتح الميم، منسوب إلى معافر (٢)، اسم قرية. وقوله: هى قرية تعمل فيها الثياب تسمى المعافرية باسمها. وأصل هذا قبيل من العرب من اليمن، سموا به باسم جبل ببلادهم يقال له: معافر. وحكى لنا أبو الحسين فى القبيل: معافر أيضاً بالضم، وأنكر يعقوب الضم. " وأبو اليسر " بفتح الياء باثنتين تحتها وفتح السين المهملة. وقوله: " فى وجهك سفعة من غضب "، قال الإمام: أى علامة. قال أبو بكر: يقال: سفعت الشىء إذا أعلمته، ومنه قول الشاعر:

стр. 4993

هُوَ؟ قَالُوا: لا. فَخَرَجَ عَلىَّ ابنٌ لَهُ جَفْرٌ. فَقُلْتُ لَهُ: أيْنَ أبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أرِيكَةَ أمِّى. فَقُلْتُ: اخْرُجْ إلَىَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أيْنَ أنْتَ. فَخَرَجَ. فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أن اخْتَبأتَ مِنِّى؟ قَالَ: أنَا، وَاللهِ، أحدِّثُكَ، ثُمَّ لا أكْذِبُكَ. خَشِيتُ، وَاللهِ، أنْ أحَدِّثَكَ فَأكْذِبَكَ، وَأنْ أعِدَكَ فَأخْلِفَكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُوَلِ اللهِ ﷺ ، وَكُنْتُ، وَاللهِ، مُعْسِرًا. قَالَ: قُلتُ: آللهِ! قَالَ: اللهِ. قُلْتُ آللهِ! قَال: اللهِ. قُلْتُ: آللهِ! قَالَ: اللهِ. قَالَ: فأتى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ. فَقَالَ: إنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِى، وَإلا أنْتَ فِى حِلٍّ. فَأشْهَدُ بَصَرُ عَينىَّ هَاتَيْنِ - وَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ - وَسَمْعُ أُذُنَىَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِى هَذَا - وَأشَارَ إلى مَنَاطِ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: " مَنْ أنْظَرَ مُعْسِرًا، أوْ وَضَعَ عَنْهُ، أظَلَّهُ اللهُ فِى ظِلِّهِ ". ــ وكنت إذا نفس الجبان نزت له ... سفعت على العرنين منه بميسم قال القاضى: يقال سفعة وسُفعة بفتح السين وضمها، وكذا رويناهما معاً. وأصل ذلك من السواد، وهو الارتداد الذى يظهر على وجه الغضبان. وقوله: " على فلان بن فلان الجذامى " كذا لابن ماهان بضم الجيم وذال معجمة، وعند أكثر الرواة: " الحرامى " بحاء مهلمة مفتوحة وراء، وعند الطبرى: " الحزامى " بكسرها وبالزاى، وهى أحد روايات ابن عيسى. وقوله: " فخرج ابن له جفر "، قال الإمام: قال الهروى (١): فى حديث حليمة التى أرضعت النبى ﷺ : فبلغ ستاً وهو جفر. يقال: استجفر الصبى: إذا قوى على الأكل فهو جفر. وأصله فى أولاد الغنم، فإذا أتى على أولادها المعز أربعة أشهر، وفُصل عن أمه، وأُخذ فى الرعى قيل له: جفر، والأنثى: جفرة. ومنه حديث أم زرع: " يكفيه ذراع الجفرة " (٢). قال القاضى: قال غيره: الجفر: الذى قارب البلوغ ابن أربعة عشرة سنة ونحوها. وقوله: " دخل أريكة أمى "، قال الإمام: قال أحمد بن يحيى: الأريكة: السرير فى الحجلة، ولا يسمى مفردًا أريكة. وقال الأزهرى: كل ما اتكئ عليه فهو أريكة. قال القاضى: وقوله: " قلت: آلله. قال: الله ": كذا ضبطناه بالكسر هنا ممدود وعلى القسم والتقرير عليه، ورويناه فى غيره عن بعض شيوخنا بالفتح والكسر معاً،

стр. 4994

(٣٠٠٧) قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أنَا: يَا عَمِّ، لَوْ أنَّكَ أخَذْتَ بُرْدَةَ غُلامِكَ وَأعْطَيتَهُ مَعَافِريَّكَ، وأخَذْتَ مَعَافِريَّهُ وَأعْطَيْتُه بُرْدَتَكَ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ. فَمَسَحَ رَأسِى وَقَالَ: اللَّهُمَّ، بَارِكْ فِيهِ. يَا ابْنَ أخِى، بَصَرُ عَينىَّ هَاتَيْنِ، وَسَمْعُ أذُنىَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِى هَذَا - وَأشَارَ إلى مَنَاطِ قَلْبِهِ - رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُو يَقُولُ: " أطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأكُلُونَ، وَألبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ". وَكانَ أنْ أعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أهْوَنَ عَلَىَّ مِنْ أنْ يَأخُذَ مِنْ حَسَنَاتِى يَوْمَ القِيَامَةِ. ــ وأكثر أهل العربية لا يجيزون فيه غير الكسر. وحكى أبو عبيد عن الكسائى: كل يمين ليس فيها واو قسم - يعنى أو أخواتها - فهى نصب، إلا فى قولهم: الله لا آتيك، فإنه خفض. وذلك أن القسم فيه عندهم معنى الفعل، أى أقسم وأحلف والله أو بالله، فإذا حذفوا حرفه عمل الفعل عمله. وقوله: " فأشهد بصر عينى "، قال القاضى: كذا رواه الرواة بفتح الصاد وضم الراء، وكذا [" سمع أذنى " بسكون الميم. قال سيبويه: العرب تقول] (١): سمع أذنى زَيدًا، ورأى عينى يقول ذلك ويفعل ذلك، وأنشدوا: ورأى عينى الفتى أخاك ... يعطى الجزيل فعليك ذاك وعند العذرى: " بصَر عينى " بفتح الصاد وفتح الراء و " عيناى " بالرفع. وكذا " سمع أذناى " بكسر الميم على الفعل، لكن قوله: " ووعاه قلبى " تحول بين الفعل ومفعوله، وهو قوله بعد: " رسول الله ". وقوله: " وأشار إلى نياط قلبه " هذه رواية العذرى، ولغيره " مياط " بالميم. ونياط القلب: عرق معلق منه، قاله صاحب العين. وقوله: " ولو أخذت بردة غلامك وأعطيته معافيرك، وأخذت معافرته وأعطيته برديك فكانت عليك حلة وعليه حلة ": كذا رويناه عن الجميع، وكذا هو فى سائر النسخ والأصول التى رأيت، والروايات الواقعة لنا، وقد نبهنا على اختلال (٢) الرواية فيه بعض شيوخنا وقال: لعله: " لو أخذت معافرته وأعطيته برديك لأن مفهوم الكلام إنما أراد أن يكون على كل واحد بردتان أو معافرتان وهذا إنما يستقيم بأو كما قال. وأما بواو العطف فيقتضى أن بيدك كل واحد ما عليه من برد ومعافرى بما على الآخر ولا ثمرة لهذا ولا فائدة.

стр. 4995

(٣٠٠٨) ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فِى مَسْجِدِهِ، وَهُوَ يُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلاً بِهِ فَتَخَطَّيْتُ القَوْمَ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ. فَقلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، أتُصَلِّى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَردَاؤُكَ إلى جَنْبِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِى صَدْرِى هَكَذَا، وَفَرَّقَ بَيْنَ أصَابِعِهِ وَقَوَّسَهَا: أردْتُ أنْ يَدْخُلَ عَلَىّ الأحْمَقُ مِثْلُكَ، فَيَرَانِى كَيْفَ أصْنَعُ، فَيَصْنَعُ مِثْلهُ. ــ وقوله: " فكانت عليك حلة وعليه حلة ": قال أبو عبيد (١): الحلة: إزار ورداء، ولا يسمى حلة حتى يكونا ثوبين، ومنه فى الحديث أنه " رأى رجلاً عليه حلة قد ائتزر بإحداهما وارتدى بالأخر " قيل: سميت حلة لحلولها أحدهما على الآخر. وقيل: لا يقال الحلة إلا للثوب الجديد الذى يحل من طيه. وقوله: " فتخطيت القوم حتى جلست بينه وبين القبلة ": كل ذلك حرصاً على القرب منه والسماع والمزاحمة فى طلب العلم. وقوله: " يصلى مشتملاً فى ثوب واحد " لعله غير اشتمال الصماء، والمنهى عنه إنما هى الشملة الصماء، وقد مضى تفسيرها (٢)، وما عداها من أنواع الاشتمال من الاعتطاف والاصطناع (٣) وغيره فليس بمنهى عنه. وفى هذا الحديث دليل على صلاة الرجل فى ثوب واحد ليس عليه غيره. وقول جابر: " ليرانى الأحمق مثلك فيصنع مثله ": لئلا يلتزم الناس الرداء أبدًا فى الصلاة، فيظنه من لا علم عنده أنه لباس الرداء أبدًا فيها من حدودها اللازمة. ولا خلاف أنه من مستحبات الصلاة وفضائلها، لا سيما للأئمة وفى المساجد. وقد قيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤). وقيل: المراد بالآية: لبس الثياب وستر العورة. وقيل: لبس الثياب فى الطواف بالبيت. وفيه أن قول هذا اللفظ ومثله لمغير المنكر فالمؤدب والحاكم والزاجر لا حرج فيه، إذا قاله لمن يستوجبه؛ لأنه ليس بهتك عرض ولا كشف سريرة، إذ كل أحد فيه نوع من الحمق والغفلة عن مصالحه، والنظر، فيما ينجيه، ومنه قول ابن عباس: الناس كلهم حمقى، ولولا ذلك [ما عاشوا. ومثل ذلك: الشتم بظالم إذ كل] (٥) أحد ظالم لنفسه، فيمثل هذه الألفاظ زجرًا ولو التقى من استحق الزجر والتغيير فى الأغلاط لا بغيرها من الألفاظ السفهة والقزع. ولعله سماه أحمق لما لم يوافقه من فعله، وترك توقيره، لما فى تخطيه إليه الناس وجلوسه بينه وبين القبلة.

стр. 4996

أتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى مَسْجِدِنَا هَذَا، وَفِى يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَاب، فَرَأى فِى قبْلَةِ المَسْجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِالعُرْجُونِ. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: " أيُّكُمْ يُحِبُّ أنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟ " قَالَ: فَخَشَعْنَا. ثمَّ قَالَ: " أيُّكُمْ يُحِبُّ أنْ يُعْرِضَ اللهُ عَنْهُ؟ " قال: فخشعنا. ثم قال: " أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ " قُلْنَا: لاَ أيُّنَا، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " فإنَّ أحَدَكُمْ إذَا قَامَ يُصَلِّى، فَإنَّ اللهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلا ــ وقوله: " وفى يده عرجون ابن طاب "، قال الإمام: العرجون: عود الكباسة. والكباسة والعذق بكسر العين والعثكال والعثكول كله واحد. وكل غصن من أغصان الكباسة فيه شمراخ، والشمراخ هو الذى عليه البسر، من خمس تمرات إلى ثمان. و" ابن طاب ": نوع من التمر. قال ابن حمزة: " ابن طاب ": عذق بالمدينة. والعذق، بفتح العين، هو النخل نفسه. وقوله: " فخشعنا ": الخشوع: السكون والتذلل، وأيضاً الخضوع، وأيضاً الخوف، وأيضاً غض البصر فى الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ (١) أى انخفضت وسكنت وقوله: ﴿فِى صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢) أى خاضعون. وقيل: خائفون. قال ابن سيرين: كان المسلمون يلتفتون فى صلاتهم فنزلت هذه الآية، فغضوا أبصارهم، فكان أحدهم ينظر إلى موضع سجوده. ويقال: خشع له ويخشع: إذا تذلل. قال ابن سلام: الخشوع: الخوف الثابت فى القلب. قال الليث: الخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع [فى البدن، والخشوع] (٣) يكون فى البدن والبصر والصوت. قال القاضى: كذا رويناه: " فخشعنا " بالخاء المعجمة عن الأسدى والخشنى وغيرهما من شيوخنا، كما رواه الإمام أبو عبد الله. ورويناه عن القاضى الشهيد: " فجشعنا " بالجيم وكسر الشين، وكذا هو فى كتاب القاضى التميمى بخطه بالجيم، ومعناها صحيح. فبالخاء من الخشوع، على ما فسره وبالجيم بمعنى القرع، ومنه الحديث الآخر: " فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله ﷺ " (٤). قال الهروى: أى جزعاً لفراقه. والجشع الحرص على الأكل وغيره. وقوله: " فإن الله قبل وجهه ": [أى قبلة الله المعظمة. وقوله: " فلا يبصقن قبل وجهه] (٥) ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى ": تعظيم أيضاً لجهة اليمين، ولأنها منزهة أبدًا عن الأقذار وعن استعمالها فى الأقذار فاستعمل فيها جهة اليسار وتحت الرجل؛ لئلا يؤذى من على يساره، إلا إذا دعته الضرورة فيباح له أن يبصق حيث أمكنه ويدفن.

стр. 4997

عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ رِجْلِهِ اليُسْرَى. فَإنْ عَجِلتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِه هَكَذَا " ثُمَّ طَوَى ثَوْبهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: " أرُونِى عَبِيرًا " فَقَامَ فَتًى مِنَ الحَىِّ يَشْتَدُّ إلَى أهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِى رَاحَتِهِ. فَأخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأسِ العُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ على أثَرِ النُّخَامَةِ. فَقَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الخَلُوقَ فِى مَسَاجِدِكُمْ. (٣٠٠٩) سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِى غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ، وَهُوَ يَطْلُبُ المَجْدِىَّ بْنَ عمرٍو الجُهَنِىَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْقُبُهُ منَّا الخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ. فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ ــ وقوله: " فإن عجلت به بادرة ": أى غلبته بصقة أو نخامة بدرت منه فلم يقدر على حبسها. وقوله: أرونى عبيرًا، قال الإمام: قال أبو عبيد: العبير عند العرب الزعفران وحده. وقال الأصمعى: هو أخلاط تجمع بالزعفران. قال ابن قتيبة: ولا أدرى القول إلا ما قاله الأصمعى لقوله ﵇: " أتعجز إحداكن أن تتخذ تومتين ثم تخلطهما بعبير وزعفران ". والتومة حبة تعمل من فضة كالدرة. قال القاضى: وقوله: " فأتى بخلوق ": هو طيب يخلط بزعفران وهو العنبر (١) على ما تقدم تصحيحه قبل، ويدل عليه قوله: " أرونى عنبرًا " ثم قال: " فجاء بخلوق ". وإمساك النبى ﷺ العرجون فى يده على عادة العرب من إمساك المخاصر فى أيديها، وكان ﷺ يفعل هذا. وفى حديث قبله: " وفى يده عسيب نخلة ". وفى الحديث تعظيم المساجد وتنزيهها عن الأقذار، وقد تقدم هذا فى الصلاة، وجواز تطييبها وتجميرها، إلا أنّ مالكاً رأى أنّ الصدقة أفضل، لا أنه كره التجمير، وكفى فى ذلك بإجزائه عمل المسلمين على مر الأعصار فى المسجد الحرام، ومسجد النبى ﷺ فى ذلك. وقوله: " فثار فتى من الحى يجهد ": أى قام يجرى، كما جاء فى الرواية الأخرى. وقوله: " بطن بُواط ": هكذا ضبطه أهل اللغة بضم الباء وتخفيف الواو، هى أكثر روايات المحدثين، كذا قيده البكرى. وهو جبل من جبال جهينة. وهو عند العذرى بفتح الباء، وصحح لنا هذا الوجه ابن سراج. وقوله: " وهو يطلب المجدى بن عمرو " بالميم، كذا لعامة الرواة والنسخ، وفى بعضها: " النجدى بن عمرو " بالنون، وكذا فى كتاب القاضى التميمى. والمعروف

стр. 4998

الأنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ، فَأنَاخَهُ فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَلَدُّنِ. فَقَالَ لَهُ: شَأ. لَعَنَكَ اللهُ. فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ هَذا اللاعِنُ بَعِيرَهُ؟ " قَالَ: أنَا، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " انْزِلْ عَنْهُ، فَلا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ. لا تَدْعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْألُ فِيها عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ ". (٣٠١٠) سِرْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ حَتَّى إذَا كَانَتْ عُشَيْشيَةٌ، وَدَنَوْنَا مَاءً مِنْ مِياهِ العَرَبِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا فَيَمْدُرُ الحَوْضَ فَيَشْرَبُ وَيَسْقينَا؟ " قَالَ جَابِر: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أىُّ رَجُلٍ مَعَ ــ بالميم، وهو الذى ذكره الخطابى (١) فى هذا الحديث، وهو المجدى بن عمرو الجهنى. وقوله: " كان الناضح يعتقبه منا الخمسة "، قال الإمام: الناضح: جمل السقى، " ويعتقبه " أى يتدارك ركوبه. وقال صاحب الأفعال: اعتقبت الرجل: ركبت عقبه وركب أخرى، وعقبت بعده: أى جئت بعده. قال القاضى: قال صاحب العين فى العقبة: مقدار فرسخين. وقد جاء هذا الحرف فى رواية الفارسى: " يعقبه منا الخمسة " وهو بمعنى، يقال فى هذا وغيره عقبه يعقبه. وكذلك فى كل ما ذهب وخلفه آخر مكانه، ويقال فيه: اعتقبا وتعاقبا. قال الإمام: وقوله: " فركبه " يقال: ركبته بكسر الكاف أركبه ركوباً، أى علقته، وركبته بفتح الكاف أركبه ركباً، ضربته بركبتك وضربت ركبته. وقوله " فتلدن عليه بعض التلدّن ": أى تلكأ ولم ينبعث. وقوله: " شأ. لعنك الله "، قال القاضى: كذا رواه بعضهم بالشين المعجمة، وعند العذرى " سر " بالسين المهملة والراء، وعند بعضهم، وكذا فى أصل ابن عيسى: " سأ " بسين مهملة مهموز، وخرجه عليه " سر " وكتب عليه بخطه " جأ وشأ " زجر للبعير. وفى كتاب العين " سأ " بالسين المهملة زجر الحمار ليحتبس وشأشأت بالحمار: إذا قلت له تشؤتشؤ؛ لزجره للسير. وقوله: " عشيشية ": كذا الرواية لأكثرهم على التصغير. قال سيبويه: صغروها على غير مكبرها. وقوله: " فيمدر الحوض "، قال الإمام: يقال: مدرت الحوض مدرًا: إذا طينته لئلا يتسرب منه الماء.

стр. 4999

جَابِرٍ؟ " فَقَام جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ. فَانْطَلَقْنَا إلى البِئرِ، فَنَزَعْنَا فِى الحَوْضِ سَجْلاً أوْ سَجْلَيْنِ. ثُمَّ مَدَرْنَاهُ. ثُمَّ نَزَعْنَا فِيهِ حَتَّى أفْهَقْنَاهُ. فَكَانَ أوَّلَ طَالِعٍ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: " أتَأذَنَانِ؟ " قُلْنَا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَأشْرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَتْ. شَنَقَ لَهَا فَشَجَتْ فَبَالَتْ، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا فَأنَاخَهَا. ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى الحَوْضِ فَتَوَضَّأ مِنْهُ ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضأتُ مِنْ مُتَوَضَّأ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِى حَاجَتَهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ وقوله: " فنزعنا فى الحوض سجلاً أو سجلين ": قال صاحب الأفعال: نزعت الدلو: جريتها، ونزعت بالسهم: رميت به، ونزعت بآية من القرآن: أى تلوتها محتجاً بها. قال الهروى (١): والسجل: الدلو ملأى. وقوله: " أفهقناه ": أى ملأناه. والفهق: الامتلاء، يقال: أفهقت الإناء ففهق، وبئر مفهاق: أى كبيرة. قال القاضى: وقع فى رواية السمرقندى: " حتى أضففناه " وهو صحيح المعنى. قيل: معناه: ملأناه، كأنه - والله أعلم - بلغنا بالماء ضفتيه وهما جانباه، أو جمعنا فيه الماء. وضفة الناس: جماعتهم بفتح الضاد. وقول النبى ﷺ لهما: " أتاذنان " قلنا: نعم، هو - والله أعلم - لأنهما كانا أحق بالماء أولاً لأنفسهما وظهرهما لسبقهما إلى الماء، واستقائهما إياه، وعملهما الحوض لقوله ﷺ : " من يتقدمنا فيمدر الحوض فيشرب ويسقينا " فلما كان هو أول طالع عليهما احتاج إلى إذنهما فى تقديمه، وإن كان ﵇ تقديمه واجباً فى كل شىء، ولكن هذه الحقوق المالية حائزها بالملك أو بالسبق أحق بها، مع علمه ﵇ بتقديمها له وإيثاره على أنفسهما، لكنه أخذ بأفضل الأخلاق واستعمل من الآداب الشرعية والنفيسة ما يقتدى به فيها. وقوله: " فأشرع ناقته "، قال الإمام: يقال: شرعت الدواب فى الماء: إذا شربت منه وأشرعتها أنا [منه] (٢). وقوله: " فشنق لها ": يقال: شنقت الناقة وأشنفتها: كففتها بزمامها. قال القاضى: شرع الرجل الماء: ورده، ويختص الشروع بالشرب بالفم من الماء بغير آنية ولا آلة. وشنقت البعير: إذا جذبت خطامه إليك وأنت راكبه. وقال فى الجمهرة (٣): شنقت الناقة: إذا جذبت رأسها بذمامها حتى تقارب قفاها قادمة الرحل.

стр. 5000

ليُصَلِّىَ، وَكَانَتْ عَلَىَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أنْ أخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِى، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكّسْتُها ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْها، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَأخَذَ بِيدِى فَأدَارَنِى حَتَّى أقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ جَاء جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أقَامَنَا خَلْفَهُ. فَجَعلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْمُقُنِى وَأنَا لا أشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ. ــ وقوله: " فثجت وبالت ": كذا بالثاء والجيم عند العذرى، وعند غيره: " فشجت " بالشين المعجمة. وصوبه بعض الشيوخ وضبطناه هنا بتخفيف الجيم والفاء فيه أصلية، ومعناه على هذا: باعدت بين رجليها وتفاجت لتبول. وإلى هذا نحى الجيانى فى تصويب الحرف، وروايته عن العذرى ما تقدم، وقال: صوابه: " وفشجت "، وإن كان بعضهم روى هذه الرواية " فشجت " بتشديد الجيم، ولا معنى لها ولا لرواية العذرى هنا. وأنكر بعضهم الجيم مع الشين وقال: إنما هو " فشحت " بالحاء المهملة، كأنه من قولهم: شحى فاه: إذا فتحه، من معنى " تفاجت " المتقدم. ووجدت معلقاً عن بعضهم: صوابه: " فشجت ". قيل: لعل معناه: أمسكت عن الشىء (١) من قولهم: الحديث ذو شجون، أى يمسك بعضه بعضاً. وقد ذكر الخطابى (٢) هذا الحديث ورواه: " ففسحت " كما اختاره الجيانى وفسره: تفاحت وفرجت ما بين رجليها لتبول، وكذا ذكره الهروى (٣). وقوله: " لها ذباذب " قال الإمام: الذباذب: أسافل الثوب. قال الهروى: قال ابن عرفة: المذبذب: المضطرب الذى لا يبقى على حالة مستقيمة، يقال: تذبذب الشىء إذا اضطرب، ومنه قيل لأسافل الثوب: ذباذب. قال القاضى: الذباذب هنا: الأطراف والأهداب، والذلاذل مثله. وقوله: " ثم تواقصت عليها "، فال الإمام: يقول: أمسكت عليها بعنقى، وهو أن يحنى عليها عنقه. والأوقص (٤): الذى قصرت عنقه. والوقص، بفتح القاف: قصر العنق، وبإسكانها: دق العنق، قاله ابن السكيت وغيره. وقوله: " فجعل يرمقنى وأنا لا أشعر ": يقال: رمقت الشىء رمقاً: أتبعت النظر إليه. وقوله: " فقال هكذا بيده ": يعنى شد وسطك. قال القاضى: فيه جواز الإشارة فى الصلاة، لا سيما بما يعود على مَنْ معه فيها،

стр. 5001

فَقَالَ هَكَذَا، بِيَدِهِ. يَعْنِى شُدَّ وَسَطَكَ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَا جَابِرُ " قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " إذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْه. وإذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حِقْوِكَ ". (٣٠١١) سرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ قَوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، فِى كُلِّ يَوْمٍ، تَمْرةً. فَكَانَ يَمَصُّها ثُمَّ يَصُرُّهَا فِى ثَوْبِهِ، وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأكُلُ، حَتَّى قَرِحَتْ أشْدَاقُنَا. فأقْسِمُ أخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا. فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ، فَشَهِدْنَا أنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا، فَأعْطِيهَا فَقَامَ فَأخَذَهَا. ــ وكذلك العمل الخفيف فيها، كرده عليه [لجابر من على] (١) شماله إلى يمينه، كما فعل بابن عباس فى الحديث الآخر (٢)، ورده له ولجبار خلفه، وأنّ هذا حكم المصلين خلف الإمام؛ إذا كان واحداً فعن يمينه، وإن كانا اثنين خلفه. وقد يفسر هذا ويقدر فى الصلاة، وتقدم هناك (٣) ذكر العمل فى الصلاة وما فيه من خلاف. وقوله: " اشدده على حقوك ": هو شد الإزار من الجسد وهو الخصر، وقد يسمى به الإزار لكونه هناك، ومنه الحديث: " فأعطانا حقوه " (٤). وفيه أن الصلاة بما يشغل الإنسان من لباس أو غيره ممنوعة وإن لم يكن عليه سواه عند الضرورة وأنه أولى من تغطية الجسد به، ومنه النهى عن صلاة الحازق وهو الضيق الخف، وفيه جواز الصلاة فى المئزر [وإن لم يكن عليه سواه عند الضرورة، وأنه أولى من تغطية الجسد به] (٥) وحبسه (٦). وقوله: " نختبط بقسينا "، قال الإمام: أى نضرب بها الشجر ليتحات ورقه، واسم الورق المخبوط: خبط بفتح الباء، وهو من علف الإبل. والخبط: العصا التى يخبط بها أوراق الشجر. وقوله: " ينعشه ": قال صاحب الأفعال: نعش الله فلانًا نعشاً: أى جبره، والرجل غيره كذلك، وأنعشه لغة. وقال غيره: النعش: الارتفاع، ومنه سمى نعش الجنازة لارتفاعه. ونعشت الرجل: أى رفعت منزلته. قال الهروى: وقالت عائشة فى أبيها: " فانتاش الدين ينعشه إياه " أي: استدركه بإقامته إياه من مصرعه. وانتعش العليل: إذا أفاق.

стр. 5002

(٣٠١٢) سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزلْنَا وَادِيًا أفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْضِى حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئ الوَادِى. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى إحْدَاهُمَا فَأخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أغْصَانِهَا. فَقَالَ: " انْقَادَى عَلَىَّ بإذْنِ اللهِ " فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالبَعِيرِ المَخْشُوشِ، الَّذِى يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أتَى الشَّجَرَةَ الأخْرَى، فَأخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أغْصَانِهَا، فَقَالَ: " انْقَادِىَ عَلَىَّ بإذْنِ اللهِ " فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إذا كَانَ بالمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا، لأمَ بَيْنَهُمَا - يَعْنِى جَمَعَهُما - فَقَالَ: " التَئِمَا عَلَىَّ بإذْنِ اللهِ " فَالتأمَتَا. قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أحْضِرُ مَخَافَةَ أنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُرْبِى فَيَبْتَعِدَ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: فَيَتَبعَّدَ - فَجَلَسْتُ أحَدِّثُ نَفْسِى، فَحَانَتْ مِنِّى لَفْتَةٌ، فَإذَا أنا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مُقْبِلاً، وَإذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا. فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ. فَرَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ وَقْفَةً. فَقَالَ بِرَأِسهِ هَكَذَا - وَأشَارَ أبُو إسْمَاعِيلَ بِرأسِهِ يَمِينًا وَشِمالاً - ثُمَّ أقْبَلَ. فَلَمَّا انْتَهَى إلىَّ قَالَ: " يَا جَابِرُ، هَلْ رَأيْتَ مَقَامِى؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " فَانْطلَقْ إلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأقْبِلْ بِهِمَا، حَتَّى إذَا قُمْتَ مَقَامِى فَأرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يَمِينِكَ وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ ". ــ قال القاضى: قال بعضهم: معناه هنا: يرفعه ويقيمه - والله أعلم - من شدة الضعف والجهد، وهو من نحو ما تقدم من التفسير. والأشبه عندى هنا أن يكون معنى "ننعشه ": أى يشد منه ويشهد له، كما قال فى الحديث: " فشهدنا له أنه لم يعطها " يعنى الثمرة " فأعطيها ". وقوله: " وادياً أفيح ": أى واسعاً. وقوله فى الشجرة: " فانقادت عليه كالبعير المخشوش ": هو الذى يجعل فى أنفه خشاش، وهو عود يعرض فى أنفه إذا كان صعباً، ويشد فيه حبل لينقاد ويذل، وهو مع ذلك يتمانع لصعوبته، فإذا شُدَّ عليه وألمه نزع العود انقاد شيئاً؛ ولذا قال: " الذى يصانع قائده ". وقوله: " بالمنصف ": أى نصف المسافة. وقوله: " فلأم بينهما ": كذا لابن عيسى مهموز مقصور بغير مد، ولغيره: "لاءم " بالمد - والهمز، وكلاهما صحيح، أى جمع بينهما، كما قال: " التئما علىّ بإذن الله "

стр. 5003

قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَأخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ، فَانْذَلَقَ لِى. فَأتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أقْبَلتُ أجُرُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِى وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِى، ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: " إنِّى مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَأحْبَبْتُ، بِشَفَاعَتِى، أنْ يَرفَّهَ عَنْهُمَا، مَا دَامَ الغُصْنَانِ رَطْبَيْنِ ". ــ فالتأمتا. وعند العذرى: " فالام " بغير همز رباعى، وليس بشىء وهو تغيير. وقوله: " فخرجت أحضر "، قال الإمام: أى أجرى. قال فى الأفعال: أحضر: جرى جرياً شديدًا. والحضر: المطلق. قال الهروى: أحضر إذا عدى، واستحضر دابته: إذا حملها على الحضر وهو العدو. قال القاضى: وقوله: " فحانت منى لفتة " بفتح اللام، أى نظرة والتفاتة. وعند الصدفى: " حالت " باللام، وهما بمعنى الحين، والحال: الوقت، أى اتفقت وكانت. وقوله: " فأخذت حجراً فكسرته فحسرته "، قال الإمام: يعنى غصنًا من أغصان الشجرة، يريد قشرتها، ومنه يقال: حصرت الدابة: إذا أتعبتها فى السير حتى تتجرد من بدانتها. قال القاضى: هذا تفسير الهروى لهذا الحرف فى هذا الحديث، [(١) ولا يعطى مساق الكلام ولا صحته أن يريد بحسرته قشرة الغصن كما قال، فإنه بعد لم يصل إليه وبعد ذلك قال: " ثم أتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنًا " فكيف وقد قال: " فحسرته فانزلق "؟ وهذا يدل أنه إنما أراد الحجر نفسه وأنه كسره، كما قال: ثم أزال عنه كل ما تشظى وتكسر منه، حتى اندلق وبقى حاداً يمكن به القطع. وإلى هذا نحا الخطابى، وكذا رويناه عنه فى كتابه (٢) بالسين المهملة. وأما روايتنا عن جميع شيوخنا فى هذا الحرف فى الأم فإنما هى بالشين المعجمة، وهو أصح، ومعناه: حشر: أى خفيف. وقوله: " فاندلق " بذال معجمة، أى انحد. وذلق كل شىء حده. وسنان مزلق: أى محدد. وقوله ﵇: " فأحببت بشفاعتى أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين " يفسر مشكل قوله فى الحديث الآخر: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا (٣) "، وأن ذلك بدعوته لهما بذلك، لا كما قال بعضهم مما ذكرناه أول الكتاب فى الطهارة.

стр. 5004

(٣٠١٣) قَالَ: فَأتَيْنَا العَسْكَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا جَابِرُ، نَادِ بِوَضُوءٍ " فَقُلْتُ: ألا وَضُوءَ؟ ألا وَضُوءَ؟ ألا وَضُوءَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ فِى الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةٍ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ المَاءَ، فِى أشْجَابٍ لَهُ، عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ. قَالَ: فَقَالَ لِىَ: " انْطَلِقْ إلَى فُلانِ بْنِ فُلانٍ الأنْصَارىِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِى أشْجَابِهِ مِنْ شَىْءٍ؟ " قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إلَيْهِ فَنَظَرْتُ فِيهَا فَلَمْ أجِدْ فِيها إلا قَطْرَةً فِى عَزْلاءِ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أنِّى أفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. فَأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ ــ وقوله: " يبرد الماء فى أشجاب له ": فيل: أعواد تعلق عليها قرب الماء وأوانيه، مأخوذة من مشجب الثياب. قوله: " على حمارة من جريد ": كذا الرواية الصحيحة عند شيوخنا، وعند ابن عيسى: " حمار " كلاهما بالحاء، وهى مثل الأشجاب. ومنه سميت الأعواد التى يوضع عليها السرج حماراً. ووقع عند السمرقندى: " على جمارة " بجيم مضمومة وميم مشدودة، وليس بشىء لقوله بعد ذلك: " من جريد ". قال القاضى: بهذا فسر فى الحديث الأشجاب شيوخنا، وهو صحيح فى العربية. قال ابن دريد: الشجاب والمشجب واحد، ويقال لها: الشجب أيضاً، ويسمون الثلاث الخشبات التى يعلق عليها الراعى سقاءه ودلوه: الشجب، وقد يسمى الحمارة. قال القاضى: ولكنه مع قوله: " على حمارة له " لا يستقيم أن يقال: " فى أشجاب على حمار " وإنما الأشجاب هنا الأسقية الخليقة، ويدل عليه الحديث بقوله: " يبرد الماء فى أشجاب له على حمارة من جريد ". وقوله: " فانظر هل فى أشجابه من شىء "، وقوله: " إلا قطرة فى عزلاء شجب " فهذا كله يدل أنها السقاء. ومنه فى حديث ابن عباس: " فقام إلى شجب فاصطب منه الماء " (١). فهذا هو تفسير الشجب فى هذا الحديث وما قالوه. قال الهروى: الشجب من الأسقية ما استشن وأخلق. وقال بعضهم: سقاء شاجب، أى يابس. وقوله: " عزلاء شجب ": أى فمه ومخرج الماء منه. وقوله: " لو أنى أفرغه لشربه يابسه ": أى لقلة ما كان فيه من الماء وفرط يبس الشجب، لو فرغ هذا الماء منه لاشتفه الشجب. وهذا كله يدل على أن الأشجاب هنا الأسقية. وقوله: " يغمزه بيده " أى يحركه ويعصره.

стр. 5005

اللهِ، إنِّى لَمْ أجَدْ فِيهَا إلا قَطْرَةً فِى عَزْلاء شَجْبٍ مِنْهَا. لَوْ أنِّى أفْرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. قَالَ: " اذْهَبْ فَأتِنى بِهِ " فَأتَيْتُهُ بِهِ فَأخَذَهُ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَىْءٍ لا أدْرِى مَا هُو، ويَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ. ثُمَّ أعْطَانِيهِ فَقَاَلَ: " يَا جَابِرُ، نَادِ بِجَفْنَةٍ " فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ، فَأتَيتُ بِهَا تُحْمَلُ، فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ فِى الجَفْنَةِ هَكَذَا. فَبَسَطَهَا وَفَرَّقَ بَيْنَ أصَابِعِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِى قَعْرِ الجفْنَةِ. وَقَالَ: " خُذْ يَا جَابِرُ، فَصُبَّ عَلَىَّ وَقُلْ: بِاسمِ اللهِ " فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ وقلت: باسم الله. فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله ﷺ ثم فارت الجفنة ودارت حَتَّى امْتَلأتْ. فَقَالَ: " يَا جَابِرُ، نَادِ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِماءٍ " قَالَ: فأتَى النَّاسُ فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوُوا. قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ بَقِىَ أحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الجَفْنَةِ وَهِىَ مَلأى. (٣٠١٤) وَشَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الجُوعَ. فَقَالَ: " عَسَى اللهُ أنْ يُطْعِمَكُمْ " فَأتَيْنَا سِيفَ البَحْرِ، فَزخَرَ البَحْرُ زَخْرَةً، فَألْقَى دَابَّةً. فأوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ. فَاطَّبَخْنَا واشْتَوَيْنَا وَأكَلْنَا حتَّى شَبِعْنَا. قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلْتُ أنَا وَفُلانٌ وَفُلانٌ، حَتّى عَدَّ خَمْسَةً، فِى ــ وقوله: " فاتينا سيف البحر ": هو ساحله بكسر السين. وقوله: " فزخر البحر زخرة ": كذا رواية أكثرهم بالخاء المعجمة، ووقع للعذرى وابن ماهان " زجز " والأول الصواب. وقالوا: زخر البحر يزخر زخوراً: إذا طما موجه. وحجاج العين بفتح الحاء وكسرها: عظمها المستدير بها. وقوله: " أعظم كفل فى الركب ": الكفل، بكسر الكاف وإسكان الفاء: الكساء الذى يحويه راكب البعير على سنامه إذا ارتدفه لئلا يسقط، فيحفظ الكفل الراكب. قال الهروى (١): قال أبو منصور: ومنه اشتق ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ (٢)، أى نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصى، كما يحفظ الكفل الراكب. قال القاضى: الكفل هنا: النصيب، وزيادة أبو منصور تحكم منه، ويرد عليه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ (٣)، أترى هذه تحفظه؟ ووقعت فى رواية التميمى والصدفى فى هذا الحرف] (٤): " كفل " بفتح الكاف والفاء، والصحيح ما تقدم. وكذا روى الجيانى وغيره عن العذرى فى الحرف الآخر قبيل هذا: " أعظم رحل "

стр. 5006

حِجَاجِ عَيْنهَا، مَا يَرَانَا أحَدٌ، حتَّى خَرَجْنَا فَأخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أضْلاعِهِ فَقَوَّسْنَاهُ، ثُمَّ دَعَوْنَا بِأعْظَمِ رَجُلٍ فِى الرَّكْبِ، وَأعْظَم جَمَلٍ فِى الرَّكْبِ، وَأعْظَم كِفْلٍ فِى الرَّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأطِئُ رَأسَهُ. ــ ولغيره: " رجل " وهو أصوب وأشبه بمساق الكلام. وكذلك اختلف فيه رواة البخارى (١) أيضاً. وفى هذا الحديث غرائب من معجزاته الباهرة وعجائب من علامات نبوته الظاهرة؛ من طاعة الشجرتين له وانقيادهما والتئامهما ثم افتراقهما، وتكثير الماء ونبعه من بين أصابعه، وهذه فى ذاتها قد رويت عنه فى مواطن بروايات متفقة المعنى (٢). ومن بركته فى بيوتهم بالثمرة، ومن الكلام فى خبر هذه الدابة التى ألقاها البحر فى غزوة أبى عبيدة فى الجهاد، ويظهر أنها قصة أخرى لسياق الحديث. وظاهره أن ذلك لمحضر النبى ﷺ وفى هذه الغزوة. وقد يحتمل أنها تلك وأوردها جابر هنا بعد ذكره ما شاهده مع رسول الله ﷺ مما ذكر، وعطف هذه القصة عليه.

стр. 5007

(١٩) باب فى حديث الهجرة. ويقال له: حديث الرَّحْل ٧٥ - (٢٠٠٩) حدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ أعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إلَى أبِى فِى مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلاً، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِىَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِىَ إلَى مَنْزِلىِ. فَقَالَ لِى أبِى: احْمِلْهُ. فَحَمَلْتُهُ، وَخَرَجَ أبِى مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ. فَقَالَ لَهُ أبِى: يَا أَبَا بَكْر، حَدِّثْنِى كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: نَعَمْ. أسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلا الطَّرِيقُ فَلا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَها ظِلٌ، لَمْ تَأتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا، فَأتَيْتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيْتُ بِيَدِى مَكَانًا، يَنَامُ فِيهِ النَّبِىُّ ــ وقوله فى حديث الهجرة: " حتى قام قائم الظهيرة ": الظهيرة: هى الهاجرة، وهى ساعة الزوال وانتصاف النهار، ومنه سميت صلاة الظهر. قال يعقوب: الظهيرة: نصف النهار فى القيظ حتى تكون الشمس بحيال رأسك وتركد، وركودها أن تدوم حيال رأسك، كأنها لا تبرح. وهذا معنى قوله: " قام قائم الظهيرة "، كأنه وقف ولم يبرح، إما كناية عن الشمس أو الظل لوقوفه عن الزيادة حينئذ، حتى يستبين زوال الشمس. وقوله: " فرفعت لنا صخرة طويلة ": أى ظهرت وارتفعت لأبصارنا. وقوله: " لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد ": يريد ظل أول النهار، أى لم يف عليه. والظل: ما كان من غدوة إلى الزوال ما لم يصبه شمس، وهو أبرد وأطيب. والفىء: ما كان بعد الزوال ورجوعه من المشرق إلى الغرب، مما كانت عليه الشمس وأصابت أرضه. وقوله: " فبسطت عليه فروة، ثم قلت: نم " قيل: أراد بالفروة هنا حشيشة من النبات، لكنه ورد فى صحيح البخارى: " فروة معى " (١)، وهذا يبعد هذا التأويل - والله أعلم. وفى حديث الخضر: أنه جلس على فروة بيضاء وحصير تحته خضراً. وقال عبد الرزاق: أراد بالفروة الأرض اليابسة. وقال الهروى: قال غيره: يعنى الهشيم اليابس، شبه بالفروة. وقال الخطابى (٢): هى الأرض البيضاء.

стр. 5008

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِى ظِلِّهَا، ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً. ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأنَا أنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ. فَنَامَ، وخَرَجْتُ أنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإذَا أنَا بِرَاعِى غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغنمِهِ إلى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذى أرَدْنَا. فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أنْتَ يَا غُلامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ. قُلْتُ: أفِى غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أفَتَحْلُبُ لِى؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأخَذَ شَاةً فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرَعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ والقَذَى - قَالَ: فَرَأيْتُ البَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأخْرَى يَنفُضُ - فَحَلَبَ لِى، فِى قَعْبٍ مَعَهُ، كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ. قَالَ: وَمَعِى إدَاوَةٌ أرْتَوى فِيهَا لِلنَّبِىِّ ﷺ ، لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأ. قَالَ: فأتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، وَكَرِهْتُ أنْ أوْقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ. فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ المَاء حَتَّى بَرَدَ أسْفَلُهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَن. قَالَ: فَشَرِبَ حَتى رضِيتُ. ثمَّ قَالَ: " ألَمْ يأنِ لِلرَحِيلِ؟ " قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فاَرْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتّبَعَنا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ. قَالَ: وَنَحْنُ فِى ــ وقوله: " وأنا أنفض لك ما حولك ": أى أفتش وأبحث لئلا يفجأك من يغتالك. والنفيضة: الجماعة تتقدم العسكر فتنفض ما أمامه، قال ابن دريد: كالطليعة. وقوله فى الراعى: " رجل من أهل المدينة ": قيل: هو وهم، وصوابه: من أهل مكة. وكذا وقع فى البخارى (١) من رواية إسرائيل: " لرجل من قريش " وفى رواية غيره: " لرجل من المدينة أو مكة " (٢). وقوله: " أفى غنمك لبن ": ضبطناه كذا بفتح اللام والباء، و " لُبْن " بضم اللام وسكون الباء على وصف جماعة الشياه، أى ذوات ألبان، ويقال: شاة لبنة، وشاة لبن، وقد تسكن مثل هذا. والقعب: إناء من خشب مقعر معروف. " وكثبة من لبن " بضم الكاف، وهى قدر الحلبة، قاله يعقوب. وقيل: القليل منه، قاله ابن الأعرابى. وفيه جواز الشرب من الغنم التى عند الرعاة إذا كانت بالبوادى، وحيث يعرف أنّ أربابها لا يطلبون لبنها، وأنه مباح للرعاة أو حيث العادة أنّ ذلك لا يمنع ويباح لشاربه. وقد سئل مالك عن المسألة على الجملة فقال: لا يعجبنى، وقد تقدم الكلام على هذا.

стр. 5009

جَلَدٍ مِنَ الأرْضِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُتِينَا. فَقَالَ: " لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا "، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إلى بَطْنِها. أُرَى فَقَالَ: إنِّى قَدْ عَلِمْتُ أنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَى، فَادْعُوا لِى، فَاللهُ لَكُمَا أنْ أرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ. فَدَعَا اللهَ، فَنَجَى، فَرَجَعَ لا يَلقَى أحَدًا إلا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَهُنا. فَلا يَلْقَى أحدًا إلا رَدَّهُ. قَالَ: وَوَفَى لَنَا. (...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَاه إسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، كِلاهُمَا عَنْ إسْرَائيلَ، عَنْ أبِى إسحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ. قَالَ: اشْتَرى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أبِى رَحْلاً بِثلاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَسَاقَ الحَدِيثَ، بِمَعْنى حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ أبِى إسْحَاقَ. وَقَالَ فِى حَدِيثِهِ، مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِى الأَرْضِ إلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ. وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ عَلِمْتُ أنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللهَ أنْ يُخَلَّصَنِى مِمَّا أنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَىَّ لأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِى. وَهَذِهِ كِنَانَتِى، فَخُذَ سَهْمًا مِنْهَا فَإنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إبِلِى وَغِلْمَانِى بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ. قَالَ: " لا حَاجَةَ لِى فِى إبِلِكَ ". فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ لَيْلاً، فَتَنَازَعُوا أيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " أنْزِلُ عَلَى بَنِى النَّجَّارِ، أخْوَالِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ــ " وجدد الأرض " بفتح الجيم: الخشن منها، قاله لنا ابن سراج. وفى الجمهرة والغريبين: هو المستوى، كذا رواه العذرى. ولغيره: " جلد " باللام بمعنى الأول، أى صلب خشن غليظ. واحتاج لذكر " جدد الأرض " هاهنا ارتطام فرس سراقة فيها، وتسوخها (١) لتبين المعجزة وتظهر الآية، إذ لو كانت الأرض سبخة ورخواً دهنية لم يستغرب مثل ذلك فيها. وقوله: " لأعمين على من ورائى ": أى أخفى أمركم وألبسه عليهم، حتى لا يتبعوكم. وقوله: " ارتطمت فرسه إلى بطنها "، قال الإمام: أى ذهبت وساخت. قال القاضى: وقوله ﵇: " أنزل على بنى النجار، أخوال عبد المطلب، أكرمهم [بذلك] (٢): فيه صلة القرابة وبرهم وإيثارهم.

стр. 5010

أكْرِمُهُم بِذَلِكَ " فَصَعَدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ البُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الغِلْمَانُ وَالخَدَمُ فِى الطُّرُقِ. يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ. ــ وقوله: " فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتنرق الخدم والغلمان فى الطريق ينادون يا محمد، يا رسول الله ": فيه ما كان أتى الله نبيه ﵇ من المحبة فى القلوب ما خص الله به هذا الحى من الأنصار؛ لما أراده الله بهم من الخير، وما قضاه من إظهار دينه على أيديهم.
следующие страницы →