. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شفقة على مسكين، وخوف من الله، ونيَّة صادقة فى عمل فاتَهُ، ويدلُ عليه قولهُ فى الكتاب فى حديث محمد بن المنهال الضرير وحديث المسْمَعى وابن المثنى (١) بأسانيدهم عن أنس: " يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان فى قلبه من الخير ما يزنُ كذا وكذا "، وكذلك فى حديث أبى الزبير عن جابر، وكذلك دليلُ حديث أبى سعيد الخدرى الحديث الطويل يقول الله تعالى: " شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضةً من النارِ فَيُخرِجُ منها قوماً لم يعملوا خيراً قط "، وقوله بعدُ فى حديث الحسن عن أنس وغيره: " لأخرجن من قال: لا إله إلا الله " فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان، وهم الذين لم يؤذن فى الشفاعة فيهم، وإنما دَلَّت الآثار أنه أذن لمن عنده شىء زايدٌ من العمل على مجرد الإيمان، "، وَجَعَل للشافعين من الملائكة والنبيِّين دليلاً عليه، وتفرُّد الله ﷻ بعلم ما تُكنّه القلوب والرحمة لمن ليس عنده سوى الإيمان ومجرد شهادة أن لا إله إلا الله، وضرب بمثقال الذرة وأدناها المثل لأقل الخير والشرّ، إذ تلك أقل المقادير.
وقوله: " من كان فى قلبه كذا (٢) وكذا ": دليلٌ على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر (٣) له القلبُ وصحبته النيِّةُ، وفيه كله دليلٌ على القول بزيادة الإيمان ونقصه، وهو ما اختلف فيه السلفُ والخلفُ، ومذهب أهل السنة: [القول] (٤) بأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتوقف مالك مرَّة فى نقصانه، وقال مرَّة (٥): أما الكلمة فلا يعنى أنَّه ليس فيها زيادةٌ ولا نقصٌ، يعنى - والله أعلم - مجرد الإيمان والمعرفة، وإلى هذا ذهب من لم يقُل فيه بالنقص والزيادة.
وقوله: " فيقبض قبضة ": أى يجمعُ جماعةً.
وقوله: " غرَسْتُ كرامَتَهم بيدى ": هذا ومثله مما لا يجب حمله على الجارحة؛ لأنها لا تليق إلا لمخلوق محدود، والله [جل اسمه] (٦) متعال عن ذلك.
وقد اختلف أهل التأويل فى ذلك، فذهب بعضهم إلى أن اليد واليدين صفتان من صفات الله تعالى، علمناها من طريق السمع، ونَكِلُ علم تفسيرها إلى الله تعالى، وذهب بعضهم إلى تحميل اللفظ ما يحتمله من لغة العرب، فإن اليد تقع على القدرة وعلى النعمة وعلى الملك، لكن حملها على القدرة هنا بعيدٌ عند كثير منهم، إذ كل شىء،
стр. 562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بقدرته لا يختصُ منه شىءٌ دون شىء، لكن لا يبعد أن يرد هذا ومثله فى كلام العرب على طريق التأكيد والبيان، أو يكون اختصاص هذا بالقدرة؛ لأنه خلقها ابتداءً دون وساطة بقدرته، وأوجدها دون معاناة غراسة بإرادته، وأنشأها بقوله: كن، بخلاف غيرها من الجنات التى فى الدنيا التى خلقها وأظهرها بوسائط ومقدِّمات وجعل لها غارساً وأسباباً ومَثاقِلَ، وكل بقدرته وإرادته، فخصَّ هذه بالقدرة لإبرازها بها دون واسطة، واستعار لذلك اسم الغراسة وأضافها إلى نفسه، إذ لم [يعلم] (١) لها غارسٌ سوى قدرته، ومثله يتأوَّل فى قوله فى آدم: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢)، وقوله فى الحديث: " خلقك الله بيده " (٣) أى ابتداء دون أب ولا أم، كما أجرى العادة فى خلق غيره، ونحوه قوله: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُون﴾ (٤)، وقوله هنا: " خلقك الله بيده " يُبين أنه بمعنى قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وأن اليَد واليدين هنا بمعنى واحد، فإن العرب تأتى بالجمع والتثنية كثيراً بمعنى الواحد. وأمَّا النعمة فقد أبعدها بعضهم فى مثل هذا - أيضاً - لا على تأويل أن يكون الباء بمعنى اللام أى لنعمتى، وهو هاهنا بين المعنى، أى لنعمتى التى أعددتها لهم وادّخرتها، ألا تراهُ كيف قال: " وختمت عليها ".
وقوله من رواية أبى كُريبٍ فى حديث المغيرة: " أن موسى سأل الله تعالى عن أخسّ أهل الجنة حظاً " كذا للرواة، ولأبى العباس الدلائى: " أحسن " وهو تصحيف والصواب الأول، كما قيل فى رواية قيس بن الحكم: " عن أدنى أهل الجنة منزلة " ثم قال آخر الحديث: " قال: ربّ، فأعلاهُم منزلةً ".
وقوله فى الذى تُعرض عليه صغارُ ذنوبه (٥)، ويقال: " لك بكل سيئة حسنةً " هو حجةٌ لمن قال: مثله فى الإيمان قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٦)، فضلاً منه وَطوْلاً، وأكثر القول أن معنى الآية: تبديل أعمالهم السيئة [فى] (٧) الكفر بحسناتِ الإيمان.
стр. 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: " يارب، قد عملتُ أشياءٌ لا أراها ها هنا " استكثاراً منه لفضل الله ولكثير حسناته، إذ علم أنه لا يؤاخذ بسيئةٍ، وأنها تُبَدل له حسنات.
وقوله: " فضحك حتى بدت نواجذُه "، قال الإمام: أى ضواحكه، والنواجذُ هنا الضواحك وليست بالنواجذ التى هى الأضراس لأن ضحك النبى ﷺ إنما كان تبسُّمًا، قال الأصمعى: هى الأضراس، وفى حديث آخر: " إن الملكين قاعدان على ناجذى العبد يكتبان ". قال أبو العباس: النواجذ الأنياب، وهو أحسن ما قيل فى النواجذ؛ لأن فى الخبر أنه ﷺ كان جُل ضحكه التبسُّم.
قال القاضى: هذا إن شاء الله هو الصواب، لأنه عبَّر عن أكثر ضحكه بالمبالغة فى كَشْر أسنانه حتى تبدو أنيابُهُ، إذ لا تبدو عند التبسم الخفيف الذى كان جل ضحكه، وإنما تبدُو منه الثنايا، وقد قال القاضى أبو عبد الله فى شرحه: إنه انفتح قُوة من الضحك حتى رأى آخر أضراسه من استقبله، وحمل النواجذَ هُنا على أسنان العقل، وهذا خلاف المعروف من ضحكه ﷺ (١).
وقوله فى حديث جابر، وقد سُئل عن الورود، فقال: " نجىء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظُره - أى فوق الناس - قال: فتدعى الأمم بأوثانها ... " الحديث. هذا صُورة الحديث فى جميع النسخ، وفيه تغيير كثيرٌ وتصحيفٌ، وصوابُه: " نحن يوم القيامة على كوم " هكذا رَواهُ بعض أهل الحديث وفى كتاب ابن أبى خيثمة من طريق كعب بن مالك: " يُحشر الناس يوم القيامة على تل وأمتى على تل ". وذكر الطبرى فى التفسير من حديث ابن عُمَر: " فيرقى هو - يعنى محمداً - وأمته على كوم فوق الناس " وذكر من حديث كعب بن مالك: " يُحشرُ الناسُ يوم القيامة، فأكون أنا وأمتى على تل " (٢)، فهذا كله يبينُ ما تغير من الحديث وأنه كأنه أظلم هذا الحرف على الراوى أو امحى عليه (٣) فَعَبَّر عنه بكذا وكذا، وفَسَّره بقوله، أى فوق الناس وكتب عليه انظر - تنبيهاً - فجمع النقلةُ الكُل ونسقُوه على أنه من متن الحديث كما تراه.
وقوله: " فيتجلى لهم يضحك "، قال الإمام: التجلى فى لسان العرب: الظهور، فيكون المعنى ها هنا: يظهر لهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ للْجَبَلِ﴾ (٤) معناه: ظهر، والضحك ذكرنا أنه يُعبَّرُ به عن الرضى وإظهار الرحمة، فيكوَن المعنى على هذا يظهر لهم وهو راضٍ، ويكون ذلك مجازاً خاطب به ﷺ [العرب] (٥) على ما اعتادت من لغتها.
قال القاضى: وقيل معنى " يضحك ": يُبَيّنُ ويبْدى لهم ما (٦) أخفى لهم من فضله ورحمته.
стр. 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: فى هذا الحديث: " ويُعطى كل إنسان منهم مؤمن أو منافق نوراً "، قال القاضى: ذاك بظاهر إيمانهم ودخولهم فى جملتهم كما كانوا فى الدنيا، وكما حُشِروا غُرًا محجلين معهم، حتى فضحهم الله بإطفاء نورهم على الصراط، وسقوطهم فى نار جهنم، وصدهم عن الحوض وتصييرهم ذات الشمال.
وقوله: " فيتبعون " تقدم الكلامُ فيه قبل.
وقوله: " وينبتون نبات الشىء فى السيل " (١) على ما تقدم من قوله: " كالحبَّة فى حميل السيل " واختصره هنا، وعند ابن سعيد عن السجزى: " نبات الدمْن فى السيل ".
وقوله: " ويذهب حُرَاقُهُ " الهاء عائدة فيه على المخرَج من النار، يعنى أثر النار، والمحرق منه يذهبُ بما رش عليهم أهل الجنة من مائها، كما قال فى الحديث الآخر: " فيُلقون فى نهر الحياة " وفى الحديث الآخر: " فيُصبُ عليهم من ماء [الجنة] (٢) "، وكله راجعٌ إلى معنى واحدٍ، وهو مضاف إلى الجنة ومائها. وهذا الحديث جاء فى " الأم " كله من كلام جابر موقوقًا عليه، وهذا ليس من شرط مسلم ليس فيه ذكر النبى ﷺ ، وإنما دخل فى المسند وصار من شرطِه؛ لأنه رُوى مُسندًا من غير هذا الطريق، فذكر ابن أبى خيثمة يرفعه عن ابن جريج بعد قوله: " يضحك " قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " فينطلق بهم ". وقد نبّه على هذا " مسلم " بعدُ فى حديث ابن أبى شيبة وغيره فى الشفاعة وإخراج من يخرج من النار، وذكر إسناده وسماعه من النبى ﷺ بمعنى بعض ما فى هذا الحديث.
وذكر " مسلم " من حديث جابر المقام المحمود: أنه الذى يُخرِجُ الله به من يُخرجَ من النار، ومثله عن أبى هريرة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، وقد روى فى الصحيح عن ابن عمر ما ظاهره أنها شفاعةُ المحشر، قال: فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود، وعن حذيفة وذكر المحشر وكون الناس فيه سكوت لا تكلم نفسٌ إلا بإذنه، فينادى محمداً فيقول: لبيك وسَعْديك والخير فى يديك .. إلى آخر كلامه، قال: فذلك المقام المحمود. وعن كعب بن مالك: " يُحشر الناس على تلّ فيكسونى ربى حُلةً خضراء ثم نودى بى، فأقول ما شاء اللهُ أن أقول، فذلك المقام المحمود " (٣).
стр. 565
٣٢٠ - (...) وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ دُكيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ - يَعْنِى مُحَمَّدَ بْنَ أَبِى أَيُّوبَ - قَالَ: حَدَّثَنِى يَزِيدُ الفَقِيرُ؛ قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِى رَأىٌ مِنْ رَأَىْ الخَوَارِجِ. فخَرَجْنَا فِى عِصَابَةٍ ذَوِى عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلى النَّاسِ. قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلى المَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدَّثُ القَوْمَ، جَالِسٌ إِلى سَارِيَةٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الجَهَنَّمِيِّينَ. قَالَ فَقُلْتُ لهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ
ــ
وعن عبد الله بن سلام " محمد ﵇ على كرسى الرب بين يدى الله " (١) وقد روى عن مجاهد فى ذلك قولاً منكراً لا يصح، ولو صَحَّ لكان له تأويلٌ على ظاهره، ويقرب بالتأويل من قول عبد الله بن سلام. والذى يُستخرج من جملة الأحاديث أن مقامه المحمود هو كون آدم ومَن ولد تحت لوائه يوم القيامة من أول عَرصاتها إلى دخولهم الجنة، وإخراج من يخرج من النار، فأول مقاماته إجابة المنادى وتحميده ربه وثناؤه عليه بما ذكر وبما ألهمه من محامده، ثم الشفاعة من إراحة العَرْض وكَرْب المحشر، وهذا مقامه الذى حَمَده فيه الأولون والآخرون، ثم شَفَاعته لمن لا حساب عليه من أمته، ثم لمن يخرجُ من النار، حتى لا يبقى فيها من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان، ثم يتفضَّل الله بإخراج من قال: لا إله إلا الله ومن لم يُشرك به، ولا يبقى فى النار إلا المخلدون. وهذه آخر عَرصَاتِ القيامة ومناقل المحشر، فهو فى جميعها له المقام المحمود، وبيده فيها لواء الحمد.
وقول يزيد فى هذا الحديث: " شغفنى رأى من رأى الخوارج (٢) أى لصق بشغاف قلبى وهو غلافه، وقيل: سويداؤه، قال الله فى مثله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ (٣) وروى أيضاً شعفنى - بالعين المهملة - وهو بمعناه، وقد قرئ - أيضاً -: " شعفها "، وحقيقة معناه: بَرَّح بها، وقيل: معناه: أخذ قلبها حبه من أعلاه، وشغف كل شىء أعلاه، وقيل: بلغ داخل قلبها (٤).
وقوله بعد: " فرجعنا، فوالله ما خرج منا غيرُ رجُل واحدٍ " أو كما قال، يعنى: أن الله نفعهم بما حدثهم به جابر، وصرفهم عن الخروج مع الخوارج، لما كان خامرهم من محبة رأيهم.
стр. 566
اللهِ، مَا هَذَا الذِى تُحَدِّثُونَ؟ وَاللهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَه﴾ (١) ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (٢) فَمَا هَذَا الذِى تَقُولونَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَتَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ ﵇ يَعْنِى الذِى يَبْعَثُهُ اللهُ فِيهِ؟ - قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ ﷺ المَحْمُودُ الذِى يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِج. قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاطِ وَمَرَّ النَّاسِ عَليْهِ. قَالَ: وَأَخَافُ أَلَّا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ. قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا. قَالَ: يَعْنِى فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ. قَالَ: فَيَدْخُلونَ نَهْرًا مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ، كَأَنَّهُم القَرَاطِيسُ، فَرجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ! أَتَرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَرَجَعْنَا. فَلا وَاللهِ، مَا خَرَجَ مِنَّا غَيرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ. أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نَعِيمٍ.
٣٢١ - (١٩٢) حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلمَةَ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ وَثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ فَيُعْرَضُونَ عَلى اللهِ، فَيَلتَفِتُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ، إِذْ أَخْرَجْتَنِى مِنْهَا فَلا تُعْدِنِى فِيهَا. فَيُنَجِيهِ اللهُ مِنْهَا ".
ــ
وقوله فى هذا الحديث فى الجهنميين: " كعيدان السماسم ": كذا فى جميع النسخ ولا يعرف له معنى ها هُنا، ولعل صوابه: عيدان الساسِمْ (٣)، وهو أشبهُ، وهو عود أسود، وقيل: هو الأبنوس، وقد قال بعضهم فى وصف البياض والسواد:
فجاءت بلونين مستحسنين ... أبها من العاج والسَّاسِم
وبه يُشبَّه من صار حُممةً، وأما السماسم فنمل حُمْرٌ صغار أو جمع الحبِّ المأكول (٤) والأخفَّاءُ السِّراعُ. هذا جُلةُ ما فسَّر هذه الكلمة بها أهلُ اللغة ولا مَدْخل لها ها هُنا، ودليلُ أنه أراد تشبيهَهُم بهذه الأعواد لسواده، قوله بعد: " فيغتسلون فيه " يعنى نهر الجنة، " فيخرجون كأنهم القراطيس ".
стр. 567
٣٢٢ - (١٩٣) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الجَحْدَرِىُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الغُبَرِىُّ - وَاللفْظُ لأَبِى كَامِلٍ - قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لِذَلِكَ - وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: فَيُلهَمُونَ لِذَلِكَ - فَيَقُولونَ: لوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا! قَالَ: فَيَأتُونَ آدَمَ ﷺ فَيَقُولونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو الخَلقِ، خَلقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. فَيَقُولُ: لسْتُ هُنَاكُمْ فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ التِى أَصَابَ، فَيَسْتَحْى رَبَّهُ مِنْهَا، وَلكِنِ ائْتُوا نُوحًا، أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ. قَالَ: فَيَأتُونَ نُوحًا ﷺ . فَيَقُولُ: لسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ التى أَصَابَ فَيسْتَحْى رَبَّهُ مِنْهَا، وَلكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ ﷺ الذِى اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلاً. فَيَأتُونَ إِبْرَاهِيمَ ﷺ فَيَقُولُ: لسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ التى أَصَابَ فَيَسْتَحْيى رَبَّهُ مِنْهَا، وَلكِنِ ائْتُوا مُوسَى ﷺ ، الذِى كَلَّمَهُ اللهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ. قَالَ: فَيَأتُونَ مُوسَى ﵇. فَيَقُولُ: لسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ التى أَصَابَ فَيَسْتَحْيى رَبَّهُ مِنْهَا، وَلكَنِ ائْتُوا عِيسَى رُوحَ اللهِ
ــ
وقوله فى حديث أنس الطويل فى الشفاعة تقدَّم معنى قوله: " خلقك بيده ". وقوله: " ونفخ فيك من روحه ": إضافة مِلكٍ وتخصيصٍ وتشريف، وذكر آدَم وغيره فى الحديث خطاياهُم.
قال الإمام: احتج بها من أجاز الصغائر على الأنبياء. قال القاضى: ولا خلاف أن الكفر عليهم من بعد النبوة غير جائز عليهم، وأنهم معصومون منه، واختلف فيه قبل النبوة، والصحيح: أنه لا يجوز - كما قدمناه قبل هذا، واحتججنا عليه.
ثم اختلف فى المعاصى، فلا خلاف أن كل كبيرة من الذنوب لا تجوز عليهم، وأنهم معصومون منها. واختلف مشايخنا وغيرهم هل ذلك من طريق العقل أو الشرع؟ فذهب الأستاذ أبو إسحاق (١) ومن تبعه: أن ذلك ممتنع، من مقتضى دليل المعجزة. وذهب القاضى أبو بكر (٢) فيمن وافقه: أن ذلك من طريق الإجماع. وذهبت المعتزلة إلى أن ذلك من طريق العقل ونفور الناس عنهم لذلك.
стр. 568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذلك اتفقوا على أن كل ما كان طريقه البلاغ فى القول (١) فإنهم معصومون فيه على كل حال، وما كان طريقه البلاغ فى الفعل فذهب بعضهم إلى العصمة فيه رأساً، وأن السهو والنسيان لا يجوز عليهم فيه، وتأولوا أحاديث السهو وغيرها بما سنذكره فى موضعه، وهو مذهب الأستاذ أبى المظُفَّر الإسفرايينى (٢) من شيوخنا الخراسانيين من أئمة المتكلمين وغيره من مشايخ المتصوفة، وذهب معظم المحققين وجماهير العلماء إلى جواز ذلك ووقوعه منهم، وهذا هو الحق، ثم لابُدَّ من تنبيههم عليه وذكرهم إياه، إما فى الحين على رأى جمهور المتكلمين، أو قبل وفاتهم على رأى بعضهم، ليسنوا حُكم ذلك ويُبيِّنوه قبل انخرام مُدَّتهم، وليصِحَّ تبليغُهُم ما أنزل إليهم، كما قال ﷺ : " إنى لأنسى أو أُنَسَّى لأسُن " (٣).
وكذلك لا خِلاف أنهم معصومون من الصغائر التى تزرى بفاعلها وتحط منزلته وتُسقط مروءته. واختلفوا فى وقوع غيرها من الصغائر منهم، فمعظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف على جواز وقوعها منهم، وحجتهم ظواهر القرآن والأخبار. وذهب جماعة من أهل التحقيق والنظر - من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا - إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر، وأنَّ منصب النبوَّةِ يَجلُّ عن مواقعتها جملة ومخالفة الله عمداً، وتكلموا على الأحاديث (٤) الواردة فى ذلك وتأولوها، وأنَّ ما ذُكر عنهم من ذلك إنما هو ما كان منهم على تأويل أو سهوٍ أو غير إذن من الله فى أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها، وأشياء كانت منهم قبل النبوة.
وهذا هو الحق، لما قدَّمناه؛ ولأنه لو صح ذلك منهم لم يلزمنا الاقتداء بأفعالهم وإقرارهم (٥) وكثير من أقوالهم، ولا خلاف فى الاقتداء بذلك، وإنما اختلاف العلماء: هل ذلك على الوجوب أو على الندب أو الإباحة أو التفريق فيما كان من باب القُرَبِ أو غيرها؟ وقد بَسَطنا الكلام على هذا الباب فى كتاب الشفا، وبلغنا فيه المبلغ الذى لا يوجد فى غيره، وتكلمنا على الظواهر فى ذلك بما فيه كفاية (٦).
ولا يهُولنَّك أن ينسب (٧) قومٌ هذا المذهب إلى الخوارج والمعتزلة وطوائف من المبتدعة،
стр. 569
وَكَلِمَتَهُ. فَيَأتُونَ عِيسَى رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتَهُ. فَيَقُولُ: لسْتُ هُنَاكُمْ، وَلكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ ، عَبْدًا قَدْ غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَيَأتُونِى، فَأَسْتَأذِنُ عَلى رَبِّى فَيُؤَذَنُ لِى، فَإِذَا أَنَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللهُ. فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأسَكَ، قُل تُسْمَعْ، سَل تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِى، فَأَحْمَدُ رَبِّى بِتَحْمِيدٍ يُعَلمُنِيهِ رَبِّى، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِى حَدًّا فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِى ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأسَكَ يَا مُحَمَّدُ، قُل تُسْمَعْ، سَل تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأسِى، فَأَحْمَدُ رَبِّى بِتَحْمِيدٍ يُعَلمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِى حَدًّا فَأُخْرِجُهُم مِنَ النَّارِ، وأُدْخِلهُمُ الجَنَّةَ - قَالَ: فَلا أَدْرِى فِى الثَّالثَةِ أَوْ فِى الرَّابِعَةِ قَالَ - فَأَقُولُ: يَا ربِّ، مَا بَقِىَ فِى النَّارِ إِلا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ أَىْ وَجَبَ عَليْهِ الخُلودُ " قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فِى رِوَايَتِهِ: قَالَ قَتَادَةُ: أَىْ وَجَبَ عَليْهِ الخُلودُ.
ــ
إذ منزعُهُم فيه هو منزعٌ آخر من التكفير بالصغير، ونحن نتبرَّأ إلى الله من هذا المذهب. وانظر هذه الخطايا التى ذكرت للأنبياء من أكل آدم من شجرة نهى عنها ناسياً، ومن دعوة نوح على قوم كفار، وقتل موسى لكافِرٍ لم يؤمر بقتله، ومدافعة إبراهيم الكفار بقول عَرَّض به هو فيه من وجه صادق، وهذه كلها فى حق غيرهم ليست بذنوب، لكنهم أشفقوا منها إذ لم يكن عن أمر الله وعَتَبَ على بعضهم فيها بقدر منزلتهم من معرفة الله، وانظر هناك تجد منه مزيداً وشرْحاً إن شاء الله.
وقوله عن نبينا ﷺ فى الحديث: " ايتوا محمداً عبداً غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبه وما تأخر ": اختلفوا (١) فى معنى هذا فى قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَّكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ (٢): فقيل: ما كان قبلَ النبوة، والمتأخر عصمك بعدها، وقيل: المراد به ذنوب أمته ﷺ ، وقيل: المراد ما وقع منه عن سهوٍ وغفلةٍ وتأويل، حكاه الطبرى واختاره القشيرى، وقيل: ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك، وقيل: المراد أنك مغفور لك غير مؤاخذٍ بذنب أن لو كان، وقيل: هو تنزيه له من الذنوب.
وقوله [عن آدم] (٣): " ايتوا نوحاً فهو أول رسول بعثه الله "، قال الإمام: قد ذكر المؤرخون أن إدريس جدُّ نوح ﵉ فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضاً لم يصح قول النسابين: أنه قبل نوح؛ لما أخبر ﷺ من قول آدم: إن نوحاً أول رسول بُعثَ، وإن لم يقم دليلٌ جاز ما قالوا، وصح أن يُحمل أن إدريس كان نبياً غير مرسل قال القاضى: قد يُجمعُ بين هذا بأن يُقال: اختص بعثُ نوحٍ لأهل الأرض، كما
стр. 570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال فى الحديث: " كافَّةً " كنبيِّنا ﷺ ، ويكون إدريس لقومه كموسى وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وغيرهم، وقد استدل بعضهم على هذا بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١) وقد قيل: إن إلياس هو إدريسُ (٢)، وقد قرئ: " سلام على إدرَاسَين " (٣) وكذلك إن قيل: إن إدريس هو إلياس، وأنه كان نبياً من بنى إسرائيل، كما جاء فى بعض الأخبار مع يوشَع بن نونٍ (٤).
وإذا كان هذا فقد سقط الاعتراض. وبمثل هذا - أيضاً - يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما (٥) وإن كانا رسولين، فإنَّ آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفاراً، بل أمِرَ بتعليمهم الإيمان والتوحيد وطاعة الله، وكذلك خَلفَهُ شيثٌ بعدَه فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض. وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ليسْلمَ من هذا الاعتراض، وحديث أبى ذرّ الطويل ينُص على أن آدم وإدريس رسولان.
وقوله: " ايتوا إبراهيم الذى اتخذه الله خليلاً ": أصل الخُلة الاختصاصُ والاستصفاء، وقيل: أصلها الانقطاع إلى من يخالِك، مأخوذ من الخلةِ وهى الحاجة فسُمّى، إبراهيمُ بذلك؛ لأنه قصر حاجته على ربه حين أتاه الملك وهو فى المنجنيق ليُرمى فى النار، فقال: لك حاجةٌ؟ قال: أمَّا إليك فلا (٦)، وقيل: الخُلة: صفاء المودة التى توجب تخلل الأسرار، وقيل: معناها: المحبةُ والإلطاف. وقال الشاعر:
قد تخللت موضعَ الرُوح منى ... ولذا سُمى الخليلُ خليلا
وقوله فى الحديث الآخر: " إنما كنتُ خليلاً من وراء وراء " (٧) إشارةٌ إلى تفضيل محمدٍ ﷺ ، وفيه حجةٌ على زيادة منزلة محمد ﷺ فى القرب على إبراهيم، وليس ذلك إلا بالرؤية والمناجاة - والله أعلم بقوله: " من وراء وراء" (٨). وذكر كذباته، وكانت كلها تعريضاً فى جنب الله، فتسميتُها كذبات دليلٌ لأهل السنة ومتكلميهم فى أنه لا يُشترطُ فى
стр. 571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكذب العمدُ، وهذه وإن لم تكن كذبات حقيقةٌ فهى فى صورة الكذبات، وهى عند المخبَر بها خلاف ما اعتقده المخبر، ألا ترى الحديث الآخر: " لا يحلُ الكذبُ إلا فى ثلاث ". فسُمى ذلك كذباً، وإنما هو من باب المعاريض، ألا ترى الحديث الآخر: " كان النبى ﷺ إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها "، فهذا ومثله كذبات (١) الحرب، وكذلك أخواتُها والمعاريض جائزة عند الضرورات، وفيها مندوحةٌ عن الكذب، وقد فعلها كثير من السلف وأجازها، لكن أشفق إبراهيمُ ﵇ من المؤاخذة بها على ما قدمناه، وقد يضطر إلى الكذب بالحقيقة ولا تتفق فيه معاريض عند دفع مظلمة عظيمة أو رفع مَضَرَّةٍ أو معصيةٍ بذلك، فالكاذب هنا - وإن كان كاذباً - فغير آثم ولا مؤاخَذٍ، بل مأجور محمود، وقصة إبراهيم وسارة من هذا الباب، وكذلك قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٢) على أحد التأويلات، على ما سنذكره فى موضعه (٣).
وقوله فى موسى: " الذى كلمه الله تكليماً ": لا خلاف بين أهل السنة فى حَمْل هذا على ظاهره وحقيقته (٤) لتأكيده بالمصدر (٥)، وأن لله كلاماً هو صفة من صفاته لا يُشبه كلامَ غيره.
وقوله فى عيسى: " روح الله وكلمته ": تقدم الكلام عليه أول الكتاب. وقول كل واحد: " لستُ بصاحب ذلك، ولستُ لها، ولستُ هناكم ": تواضعاً وإكباراً لما سُئلهُ، وقد يكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له، بل لغيره، ودلَّ كل واحد منهم على الآخر حتى انتهى الأمرُ إلى صاحبه بدليل قوله: " أنا لها "، ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد ﷺ مُعَيَّناً، ويكون إحالة كل واحدٍ منهم على الآخر على تدريج الشفاعة فى ذلك إلى محمد ﷺ . وفيه تقديم ذوى الأسنان والآباء على الأبناء فى الأمور التى لها بالٌ، وعلى هذا جاء تدريج سؤال الأنبياء فى هذا الحديث ومبادَرةِ النبى ﷺ لذلك وإجابته لرغبتهم لما حققه ﵇ من أن هذه الكرامةِ والمقاولة خاصة كما وعَدهُ بها ربُّه.
وما ذُكِر فى هذا الحديث من غضب الله وشدته فى هذا الموقف، وأنه لم يغضب غضباً قبله مثله - فهو فى حق الله تعالى ما يظهر من انتقامه ممن عصاهُ وخالف أمرَه، ويُريهم من أليم عذابِه، لا أنه ﵎ تتغيَّرُ له حال فى الغضب ولا فى الرضى (٦).
стр. 572
٣٢٣ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ يوْمَ القِيَامَةِ، فَيَهْتَفُونَ بِذَلِكَ - أَوْ يَلهَمُونَ ذَلِكَ - " بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى عَوَانَةَ. وَقَالَ فِى الحَدِيثِ: " ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ - أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ - فَأَقُول: يَارَبِّ، مَا بَقِىَ إِلا مَنْ حَبَسَهُ القُرآنُ ".
٣٢٤ - (...) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَجْمَعُ اللهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُلهَمُونَ لِذَلِكَ " بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا. وَذَكَرَ فِى الرَّابِعَةِ: " فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِىَ فِى النَّارِ إِلا مَنْ حَبَسَهُ القُرآنُ - أىْ وَجَبَ عَليْهِ الخُلودُ ".
٣٢٥ - (...) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِى عَرُوبَةَ وَهِشَامٌ صَاحِبُ الدَّسْتَوَائِىِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ
ــ
وقوله ﷺ : " فأستأذنُ على ربى فيؤذن لى ": معناه - والله أعلم - فى الشفاعة التى وعَدَهُ بها والمقام المحمود الذى ادخره له وأعلمه أنه يبعثه فيه، وجاء فى حديث أنس وحديث أبى هريرة ابتداء النبى ﷺ بعد سجوده وحمده والإذن له فى الشفاعة بقوله: " أمتى أمتى " وجاء فى حديث حذيفة بعد هذا وذكر الحديث نفسه فقال: " فيأتون محمداً فيقوم ويؤذن له، وتُرسل الأمانةُ والرحم، فيقومان جَنْبَتى الصراط يميناً وشمالاً، فيمُر أولهم كالبرق " وساق الحديث، وبهذا يتصل الحديث (١)؛ لأن هذه هى الشفاعة التى لجأ الناس إليه فيها، وهى الإراحةُ من الموقف، والفصل بين العباد، ثم بعد ذلك حلت الشفاعة فى أمته وفى المذنبين، وحلت شفاعةُ الأنبياء وغيرهم والملائكة (٢) كما جاء فى الأحاديث الأخر، وجاء فى الأحاديث المتقدمة فى الرؤية، وحشرِ الناس، [و] (٣) اتِّباع كُلِ أمةٍ ما كانت تعبُدُ، ثم تمييز المؤمنين من المنافقين ثم حُلول الشفاعة ووضع الصراط، فيحتمل أنه الأمر باتباع الأُمم ما كانت تعبُدُ هو أول الفصل والإراحَةُ من هول الموقف أول المقام المحمود، وأن الشفاعة التى ذكر حلولها هى الشفاعة فى المذنبين على الصِراط، وهو ظاهر الأحاديث، واْنها لمحمد نبينا وغيره كما نص فى الأحاديث، ثم ذكر بعدها الشفاعة فيمن دخل النار، وبهذا تجتمع متون الأحاديث، وتترتب معانيها، ولا تتنافر ولا تختلف، إن شاء الله تعالى.
وقوله: " لم يبق فى النار إلا من حبسه القرآن ": أى وجب عليه الخلودُ، وفى الرواية الأخرى: " من وجب عليه الخلود " حجةٌ لما أجمَع عليه المسلمون، إلا من تَبِع
стр. 573
رَسُولُ اللهِ ﷺ . ح وَحَدَّثَنِى أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَكَانَ فِى قَلبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَكَانَ فِى قَلبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَكَانَ فِى قَلبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةٌ ".
زَادَ ابْنُ مِنْهَالٍ فِى رِوَايَتِهِ: قَالَ يَزِيدُ: فَلقِيتُ شُعْبَةَ فَحَدَّثْتُهُ بِالحَدِيثِ. فَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا بِهِ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِالحَدِيثِ، إِلا أَنَّ شُعْبَةَ جَعَلَ مَكَانَ الذَّرَّةِ، ذُرَّةً. قَالَ يَزِيدُ: صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بَسْطَامٍ.
٣٢٦ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ العَتَكِىُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلالٍ العَنْزِىُّ. ح وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ ابْنُ هِلالٍ العَنْزِىُّ، قَالَ: انْطَلقْنَا إِلى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَتَشَفَّعْنَا بِثَابِتٍ، فَانْتَهَيْنَا إِليْهِ وَهُوَ يُصَلِى الضُّحَى، فَاسْتَأذَنَ لنَا ثَابِتٌ، فَدَخَلنَا عَليْهِ، وَأَجْلسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلى سَرِيرِهِ. فَقَالَ لهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ إِخْوَانَكَ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ يَسْأَلونَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ حَدِيثَ الشَّفَاعَة. قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ، فَيَأتُونَ آدَمَ فَيَقُولونَ لهُ: اشْفَعْ لِذُرِّيَّتَكَ. فَيَقُولُ: لسْتُ لَهَا، وَلكِنْ عَليْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللهِ. فَيَأتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لسْتُ لهَا، وَلكِنْ عَليْكُمْ بِمُوسَى ﵇ فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ. فَيُؤْتَى مُوسَى. فَيَقُولُ: لسْتُ لهَا، وَلكِنْ عَليْكُمْ بِعِيسَى ﵇ فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ. فَيُؤْتَى عِيسَى. فَيَقُولُ: لسْتُ لهَا، وَلكِنْ عَليْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . فَأُوتَى فَأَقُولُ: أَنَا لهَا، فَأَنْطَلقُ فَأَسْتَأذِنُ عَلى رَبِّى، فَيُؤَذَنُ لِى، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْمَدُهُ
ــ
هواه من الخوارج والمعتزلة بقولهم بتخليد المذنبين، إذ قد ذكر إخراج من فى قلبه أدْنى مثقال ذرَّة من إيمانٍ ومن قال: لا إله إلا الله.
وقوله: " ايذن لى فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك إليك، لكن وعزتى وكبريائى وعظمتى وجبريائى، لأخرجن من قال: لا إله إلا الله ": أى أتفضل بإخراجهم دون شفاعة شافعٍ كما قال فى الحديث المتقدم: " تشفع الملائكةُ ويشفع النبيون ولم يبق إلا أرحمُ الراحمين ".
قَالَ: فَأَشْهَدُ عَلى الحَسَنِ أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أَرَاهُ قَالَ: قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ جَمِيعٌ.
٣٢٧ - (١٩٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاتَّفَقَا فِى سِيَاقِ الحَدِيثِ، إلا مَا يَزِيدُ أَحَدُهُمَا مِنَ الحَرْفِ بَعْدَ الحَرْفِ - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: أُتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بِلحْمٍ، فَرُفِعَ إِليْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ. فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً فَقَالَ: " أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ،
ــ
ورحموت ورهبُوت من الرحمة والرهبة، وجاء " جبريائى " هنا لمطابقة كبريائى كما قالوا: الغدايا والعشايا. وقال - أيضاً - فى معنى اسمه جبارٌ: أى مُصْلحٌ، من قولهم: جَبَرْتُ العظم، وقيل: الذى جبر فقرَ عبادِه ورحمهم، فيكون بمعنى المحسن.
وقوله فى هذا الحديث بعدُ: " ما يزن ذَرَّة " إلا أن شعبة جعل مكان الذرَّة ذُرةً [كذا عند أبى على الصدفى والسمرقندى بذال مرفوعة وراء مخففة، وكذا قاله شُعْبة صحفه من الذرَّة] (١)، وهو مما نُقِم عليه، وذكره أبو الحسن الدارقطنى عنه فى كتابه فى تصحيف المحدثين، وإنما أوقعه فى هذا - والله أعلم - قوله فى هذا الحديث أولاً: " مثقال شعيرة " ثم قال: مثقال ذرَّة فقرأه هو ذُرة لموافقته (٢) الحبوب قبلُ فى الجنس، والله أعلم.
وقد وقع هذا عن شعبة عند العذرى والسنتجالى والخُشَنى دُرَّة، بدال مهملة وراء مُشَدَّدَة وهذا تصحيف من التصحيف، والصوابُ فى هذا كله ذَرَّة بفتح الذال المعجمة، ومعنى " يزنُ ": يعدلُ ويثقُلُ.
قال مسلم: حدَّثنا أبو الربيع العَتكى ثنا حماد بن زيد، وهو الربيع (٣) سليمان بن داود الزهرانى مشهور، ونسَبه مسلم مرَّة زهرانياً، ومرة عتكياً، ومرةً جمع له النسبين، ولا يجتمعان بوجه، وكلاهما يرجع إلى الأزد (٤)، إلا أن يكون للجمع بينهُما سبب من جوارٍ أو حِلفٍ، والله أعلم.
وقوله فى أنس: " وهو يومئذٍ جميع ": أى مجتمع الذكر والقوة لم يأخذ منه السن والكبر. وقوله فى الذراع: " فنهس منها نهسة ": كذا لأكثر الرواة بسين مُهْملة، ووقع لابن
стр. 576
وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِى، وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لا يُطِيقُونَ، وَمَا لا يَحْتَمِلونَ. فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَلا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلغَكُمْ؟ أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لكُمْ إِلى رَبَّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ائْتُوا آدَمَ. فَيَأتُونَ آدَمَ. فَيَقُولونَ: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لكَ، اشْفَعْ لنَا إِلى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى إِلى مَا قَدْ بَلغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّى غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلهُ، وَلنْ يغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِى عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ. نَفْسِى، نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى، اذْهَبُوا إِلى نُوحٍ. فَيَأتُونَ نُوحًا فَيَقُولونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلى الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لنَا إِلى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلغَنَا؟ فَيَقُولُ لهُمْ: إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لمْ يَغْضَبْ قَبْلهُ مِثْلَهُ، وَلنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِى دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلى قَوْمِى. نَفْسِى، نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلى إِبْرَاهِيمَ ﷺ .
ــ
ماهان بالمعجمة، وكلاهما صحيح بمعنى. قال الإمام: أى أخذ بأطراف أسنانه، قال الهروى: قال أبو العباس: النهسُ بالسين غير معجمة بأطراف الأسنان، وبالشين هو بالأضراس.
قال القاضى: قال غيره: هو نثْر اللحم، قال النَّضر: نُهِشَت عضُداه: أى دقتا، وقال القتبى فى تفسير لعنه ﷺ المنتهشة والحالقة، قال: هى التى تخمش وجهها (١)، فتأخذ لحمه (٢) بأظفارها، ومنه: نهشته الكلاب (٣).
وقوله فى الحديث: " أنا سَيِّدُ ولد آدم يوم القيامة ": قيل: السيد الذى يفوق قومه، والذى يُفزعَ إليه فى الشدائد هو سيّدهم ﷺ فى الدنيا والآخرة، لكن خصَّص القيامة لارتفاع دعوى السؤدد فيها، وتسليم الكل له ذلك، وكون آدم ومن ولد تحت لوائه، كما قال تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٤)، أى انقطعت دعاوى الدُعاة فى الملك
стр. 577
فَيأتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولونَ: أَنْتَ نَبِىُّ اللهِ وَخَلِيلهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لنَا إِلى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى إِلى مَا قَدْ بَلغَنَا؟ فَيَقُولُ لهُمْ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لمْ يَغْضَبْ قَبْلهُ مِثْلهُ، وَلا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلهُ، وَذَكَرَ كَذِبَاتِهِ. نَفْسِى، نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلى غَيْرِى، اذْهَبُوا إِلى مُوسَى. فَيَأتُونَ مُوسَى ﷺ فَيَقُولونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلكَ اللهُ، بِرِسَالاتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ، عَلى النَّاسِ، اشْفَعْ لنَا إلى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَدْ بَلغَنَا؟ فَيَقُولُ لهُمْ مُوسَى ﷺ : إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لمْ يَغْضَبْ قَبْلهُ مِثْلهُ، ولنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلهُ، وَإِنِّى قَتَلتُ نَفْسًا لمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا. نَفْسِى، نَفْسِى، اذْهَبُوا إِلى عيِسَى ﷺ . فَيَأتُونَ عِيسَى فيَقُولونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ الله، وَكَلمْتَ النَّاسَ فِى المَهْدِ، وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلقَاهَا إِلى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، فَاشْفَعْ لنَا إِلى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى إِلى مَا قَدْ بَلغَنَا؟ فَيَقُولُ لهُمْ عِيسَى ﷺ : إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لمْ يَغْضَبْ قَبْلهُ مِثْلهُ، ولنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلهُ، وَلمْ يَذْكُرْ لهُ ذَنْبًا.
ــ
ذلك اليوم، وبقى الملك الحق لله وحده، الذى قهر جميع الجبابرة والمدَّعين الملك وأفناهم، ثم أعادهم وحشرهم عراةً فقراء إليه.
ومحبته ﷺ فى الذراع وإعجابه بها لنُضج لحمها وسرعة استمرائه، مع زيادة لذته وحلاوة مذاقه على سائر لحم الشاة، وبعده من مواقع الأذى الذى كان يتقيه ﷺ .
وقوله لأصحابه حين لم يسألوه حين قال: " أنا سَيّد ولد آدم، ألا تقولون: كيف هو؟ " وعند العذرى: " كيْفَهْ "، هذه الهاء هاء السكت عند أهل العربية الملحقة فى الوقف، وهى تلحقُ الأسماء والحروف والأفعال لثلاث علل، لصحَّة الحركة التى قبلها آخر الكلمة كقولهم: غُلاميه وكتابيه (١)، ولم يتسنَّه - على قول بعضهم - وأينَهْ وكيفَهْ، أو لتمام الكلام المنقوص كقوله: وعمه ولمه وقه، أو للحاجة عند مَدّ الصوت فى النداء والنُدبَة. فيه تنبيهُ العالم للطالب على موضع السؤال وبَسْطه للسؤال إذا انقبض، وتعظيمُ القوم العالِمَ أن يسألوه عن كل شىء ولعل هذا كان بعد نهيهم عن السؤال إلا فيما أذن لهم فيه.
(٨٨) باب بيان من مات على الكفر فهو فى النار ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين
٣٤٧ - (٢٠٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رسُولَ اللهِ، أيْنَ أَبِى؟ قَالَ: " فِى النَّارِ "، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاةُ فَقَالَ: " إن أَبِى وَأبَاكَ فِى النّارِ ".
ــ
وقوله ﷺ للذى سأله: أين أبى، فقال: " فى النار "، فلما قفَا دَعاهُ فقال: " إنَّ أبى وأباكَ فى النار " من أعظم حُسْن الخلق والمعاشرة والتسليةِ؛ لأنه لما أخبرَه بما أخبرَه بما أُخبِر ورآهُ عظُم عليه أخبَرَه أن مصيبته بذلك كمصيبته، ليتأسى به (١)، ومعنى " قفَّا ": ولَّى قَفَاهُ مُنصَرفاً (٢).
بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِى أسَامَة وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الآيَةِ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾.
ــ
الرواية عن مالك فى تكنية الذمى بالجواز والكراهة، وقال بعضهم: إنما يجوز من ذلك ما جاء فى ذلك عن النبى ﷺ ما كان على وجه التأليف وإلا فلا، إذ فى التكنية تعظيم وتكبيرٌ، وتكنية الله لأبى لهب ليس من هذا ولا حُجة فيه، إذ كان اسمُه عبدُ العزى، ولا يسميَه اللهُ بعبد لغيره فلذلك كنى، وقيل: بل كنيته الغالبة عليه فصار كالاسم لهُ، وقيل: بَلْ أبوُ لهبٍ لقبٌ له ليس بكنيةٍ، وكنيته أبو عُتْبَة، فجرى مجرى اللقب والاسم لا مجرى الكنية، وقيل: بل جاء ذكر أبى لهبٍ لمجانسته [نارًا] (١) ذات لهبٍ فى السورة من باب البلاغة وتحسين العبارة.
وقوله: " اشْتَرُوا أنْفُسكم من الله ": قد يكون بمعنى بيعوا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ (٢)، وقد يكون على وجهه، أى انقذُوها من عذاب الله.
стр. 590
(٩٠) باب شفاعة النبى ﷺ لأبى طالب والتخفيف عنه بسببه
٣٥٧ - (٢٠٩) وحدثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأمَوِىُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَل نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَىءٍ، فَإنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ ويَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ هُوَ فِى ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلا أَنَا لَكَانَ فِى الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ ".
٣٥٨ - (...) حدّثنا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ، فَهَلْ نَفَعهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِى غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ، فَأخْرَجْتُهُ إلَى ضَحْضَاحٍ ".
ــ
قال الإمام: وقوله فى أبى طالب: " وجدتُه فى غُبَرَاتٍ من النار ": الغبرات: البقايا، وفى رواية أخرى: " غمرات منها ": أى شىء كثير.
قال القاضى: لم يروه إلا " غمرات "، وهو الذى يصحُ به المعنى ولا وجْه هنا للبقايا، والغَمْر كل شىء كثير، والغَمْر الماء الكثير، وفرسٌ غمرٌ كثير، ورجلٌ غمر كثير الجود، ويبين صحته ذكره بعد الضحضاح، وأنه أخرجه من الغمرات إليه وهو الماء القليل وحديث عمرو بن العاص الذى ذكره بعد هذا، وغمارُ الناس: جماعَتُهم.
وقوله: " فاخرجته إلى ضحضاح "، قال الإمام: الضحضاح: ما رقَّ من الماء على وجه الأرض، ومنه وصف عمرو بن العاص يذكرُ عُمَر - رضى الله عنهما -: " [لم يتعلق من الدنيا بشىء] (١)، جانب غمرَتَها ومشى ضحضاحها وما ابتلت قدماه " يقول: لم يتعلق من الدنيا بشىء.
قال القاضى: وقوله فيه: " هل نفعته بشىء " ثم ذكر هذا، وقوله بعدُ فى الحديث الآخر: " لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة " وقد قال الله تعالى فى الكفار: ﴿فَمَا تَنفعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٢) وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ (٣) فالجواب: أنه ليس فيه نص على أن النبى ﷺ شفع فيه، وإنما أخبر أنه نفعه قربُه منه وذبُّهُ عنه كما سُقى أبو لهب بعتقه ثويْبة مرْضعَتَهُ ﷺ ، بركةً منه فاضت
стр. 591
٣٥٩ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ، قَال: أَخْبَرَنِى الْعَبَّاسُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِى عَوَانَةَ.
٣٦٠ - (٢١٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: " لَعَلَّهُ تَنْفَعْهُ شَفَاعَتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِى ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، يَبْلُغُ كَعْبيْهِ، يَغْلِى مِنْهُ دِماغُهُ ".
ــ
عليهم فخفف بذلك من عذابهم، وكانت هذه الحالة هى الشافعة لهم لا رغبته وسؤاله ﷺ كما قال:
فى وجهه شافِعٌ يمحو إساءته ... إلى القلوب وجيه حيث ما شفعا
ومع هذا فما يرى أن أحدًا أشدَّ منه عذاباً لشدة ما يلقاه، كما جاء فى الحديث نفسه، وعلى هذا يحملُ قوله: " هل نفعه ذلك " يعنى ذبَّهُ ونصرَهُ للنبى ﷺ ، إلا أنه جوزِىَ على ذلك وعوِض عنه بتخفيف العذاب، خلافًا لمن قال (١) هذا من الشارحين، للإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا بتخفيف عذابٍ، لكنهم بإضافة بعضهم للكفر كبائر المعاصى، وأعمال الشر، وأذى المؤمنين، وقتل الأنبياء والصالحين، يزدادون عذابًا، كما قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (٢) الآيات، وكذلك الكافِر يُعذَّبُ بكفره، ثم يزداد إجرامه وإفساده فى الأرض وعُتوه، وكثير إحداثه فى العباد والبلاد، فذاك يُعذَّبُ أشدَّ العذاب كما قيل فى فرعون، ومن لم يكن بهذه السبيل عُذِّب بقدر كفره، فكان أخف عذابًا ممِّن عُذِّب أشد العذاب، فليس إذًا عذابُ أبى طالب كعذاب أبى جهل وإن اجتمعا فى الكفر، ولا عذاب عاقِر الناقة من قوم ثمود كعذاب غيره من قومه، ولا عذاب قتلة عيسى (٣) ويحيى وزكريا وغيرهم من الأنبياء كغيرهم من الكفار، فبهذا تتوجه خِفَّةُ العذاب، لا أنه على المجازاة على أفعال الخير (٤).
وقوله: " ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار ": قيل: الطبقة السفلى من طباق جهنم، وقيل: توابيت من نارٍ تُطبق عليهم.
(٩٣) باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم
٣٦٦ - (٢١٥) حدّثنى أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَاَثنَا شُعْبَةُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ، يَقُولُ: " ألا إِنَّ آلَ أَبِى - يَعْنِى فُلانًا - لَيْسُوا لِى بِأوْلِيَاءَ، إنَّمَا وَليِّىَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤمِنِينَ ".
ــ
وقوله: " ألا إِنَّ آل أبى فلان ليسوا لى بأولياء ": كذا للسمرقندى ولغيره: آل أبى، يعنى فلانًا، هى كناية عن قوم كره الراوى تسْمِيتَهم لما يقع فى نفوس ذراريهم.
وبقى فقه الحديث وحكمته فى قوله: " إنما ولى الله وصالح المؤمنين " فأفاد أنَّ أولياءه صالح المؤمنين وإن بَعُدَ نسبهم منه، وأنَّ من ليس بمؤمنٍ ولا صالح ليس له بولى وإن قرُبَ نسبه منه، ودل الحديث أن الولاية فى الإسلام إنما هى بالموافقة فيه بخصال الديانة وزمام الشريعة، لا بامتشاج (١) النسب وشجنةِ الرحم، وقيل: إن المُكنى عنه الحكمُ بن العاص.
стр. 595
(٩٤) باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب
٣٦٧ - (٢١٦) حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلامِ بْنِ عُبيْدِ اللهِ الْجُمَحِىُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ مِنْ أمَّتِى الْجَنَّةَ سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْع الله أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ " ثُمَّ قَامَ آخَرُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قال: " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ ".
٣٦٨ - (...) وحدّثنا مُحْمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ،
ــ
وقوله فى الحديث: " يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفًا بغير حساب " وذكر أنهم: " الذين لا يَسْترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون "، قال الإمام: احتج بعض الناس بهذا الحديث على أن التداوى مكروه، وجلُّ مذاهب العلماء على خلاف ذلك، واحتجوا بما وقع فى أحاديث كثيرة من ذكره ﷺ لمنافع الأدوية والأطعمة كالحبَّةِ السوداء والقُسْط والصبر وغير ذلك، وبأنه ﷺ تداوى، وبأخبار عائشة - رضى الله عنها - بكثرة تداويه وبما عُلم من الاستشفاء بُرقاه، وبالحديث الذى فيه أن بعض أصحابه أخذوا على الرُقيةِ أجرًا، فإذا ثبت هذا صح أن يُحمَلَ - ما فى الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعةً بطباعها كما يقول بعض الطبائعيين، لا أنهم يفوضون الأمر إلى الله تعالى، وهذا على نحو التأويل المتقدم فى حديث الاستمطار بالنجوم.
قال القاضى: لهذا التأويل ذهب غير واحدٍ ممن تكلم على الحديث، ولا يستقيم على مساق الحديث؛ لأن النبى ﷺ لم يَذُم هنا من قال بالكى والرُقى ولا كفرهم كما جاء فى حديث الاستمطار بالنجوم، ولا ذكر سِواهُما، فيستقيم أن يتأول بذلك ما ذكروه، وإنما أخبر أن هؤلاء لهم مَزيَّة وفضيْلة بدخولهم الجنة بغير حساب، وبأن وجوههم تضىء إضاءة البدر، فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ فقال: " الذين لا يكتوون ... " الحديث، فأخبر أن لهؤلاء مزيد خصوص على سائر المؤمنين وصفات تميَّزوا بها، ولو كان على ما
стр. 596
بِمِثْلِ حَدِيثِ الرَّبِيعِ.
٣٦٩ - (...) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " يَدْخُلُ مِنْ أمَّتِى زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ ألْفًا، تُضِىءُ وَجُوهُهُمْ إضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ".
قال أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِىُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ، اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ". ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
تأوله قبل لما اختص هؤلاء بهذه المزيَّة؛ لأن تلك هى عقيدة المؤمنين ومن اعتقد خلاف ذلك كفر، وقد تكلم العلماء وأصحابُ المعانى على هذا، فذهب أبو سليمان الخطابى وغيرُه أنّ وجه هذا أن يكون تركها على جهة التوكل على الله والرّضى بما يقضيه من قضاء ويُنزِله من بلاءٍ، قال: وهذه من أرفع درجات المتحققين بالإيمان، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف سمَّاهُمْ. قال القاضى: وهذا هو ظاهر الحديث، ألا ترى قوله: " وعلى ربهم يتوكلون ".
ومضمون كلامهم: لا فرق بين ما ذكر من الكى والرقى وبين سائر أبواب الطب، وإن لم يذكر منها إلا ما ذكر، وقال الداودى (١): المراد بذلك الذين يفعلونه فى الصحّة، فإنه يُكرَه لمن ليست به علّةً أن يتخذ التمائم ويستعمل الرقى، وأما من يستعمل ذلك مِمَّن به مرض فهو جائز، وقد ذهب غيرُه إلى أن تخصيص الرقى والكى ها هنا من بين سائر أنواع علاج الطب المعنى، وأن الطب غير قادح فى التوكل، إذ تَطبَّبَ النبىُّ ﷺ وتَطبَّبَ عِلْيَةُ الفُضَلاءِ، إذ كل سببٍ مقطوع به كالأكل للغذاء والشرب للرِىّ لا يقدَحُ فى التوكل، وكذلك المظنون كالطِّبِّ للبرءِ، ولُبس الدِّرع للتَحصُن من العَدو غيرُ قادح فى التوكل، وباب الرُقى والطيرةِ والكى بابُ مَوْهومٌ، والموهومُ قادحٌ فى التوكل عند المتكلمين فى هذا الباب؛ فلهذا لم ينف عنهم التطبُب، ولهذا لم يجعلوا (٢) الاكتساب للقوت وعلى العيال
стр. 597
" سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ ".
٣٧٠ - (٢١٧) وحدّثنى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو يُونُسَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أمَّتِى سَبْعُونَ ألْفًا، زُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ، عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ ".
٣٧١ - (٢١٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْبَاهِلِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّان، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ سِيرينَ - قَالَ: حَدَّثَنِى عِمْرَانُ قَالَ: قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أمَّتِى سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ". قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ، وَلا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ". فَقَامَ عُكَّاشَةُ فَقَاَلَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قَالَ: " أَنْتَ مِنْهُمْ ". قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ
ــ
قادحًا فى التوكل، إذا لم تكن ثقتهُ فى رزقه باكتسابه [وكان مُفَوِّضًا فى كل ذلك] (١) لربه على ما حَدَّه علماء هذا الفنِّ، والكلام فى التفريق بين الطب والكى، وكلٌّ قد أباحه النبى ﷺ وأثنى عليه يطول، لكنا نذكُرُ منه - نُكتةً - تكفى، وهو أنه ﷺ تَطبَّب فى نفسه وطبَّ غيره، ولم يكتو وكوى غيرَه، ونهى فى الصحيح أمتَه عن الكى وقال: " وما أحب أن أكتوى " (٢).
وقوله: " وعلى ربهم يتوكلون ": قال الطبرىُّ وغيرُه: اختلف الناس فى التوكل ما هو؟ فذهبت طائفةٌ إلى أنه لا يستحق اسمه إلا من لم يخالط قلبه غيرُ الله من سَبُع أو عدو، حتى يترك السعى فى طلب الرزق فيما لابد منه من مطعم ومشرب لضمان الله رزقه، واحتجوا بما جاء فى ذلك من الآثار (٣)، وقالت طائِفةٌ: حَدُّة الثقةُ بالله والإيقان بأن
стр. 598
يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قَالَ: " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ ".
٣٧٢ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَاجِبُ ابْنُ عُمَرَ أَبُو خُشَيْنَةَ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَم بْنُ الأعْرَجِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أمَّتِى سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ " قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " هُمُ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ".
ــ
قضاءه ماض، واتباعُ سُنة نبيه فى السّعى فيما لابُدَّ منه من مَطْعَم ومشرب والتحرز من العدو، كما فعل ﷺ ، وفعَله الأنبياء. فقد نصَّ (١) الله تعالى عنهم الخوف والكسبَ والتحرز عن عداهم، وعن نبينا مثله فى ادّخارِ قوت سنته (٢) وتطبُّبه (٣)، وفعل ذلك جَلةُّ أصحابه، وهذا اختيار الطبرى وعامة الفقهاء، والأول مذهب بعض المتصوِّفة وأصحاب علم القلوب والإرشادات، وذهب (٤) المحققون منهم إلى نحو مذهب الجمهور، ولكن لا يصح عندهم اسم التوكل مع الالتفات والطمأنينة إلى الأسباب، بل فعل الأسباب سنةُ الله وحكمته، والثقة أنه لا يجلبُ نفعًا ولا يدفع ضرًا سبب ولا أحَدٌ والكل من الله وحده.
وقوله فى عُكاشة: " يَرْفَعُ نَمِرةً عليه " (٥): النمرة: كساء فيه مواضعُ سود وحُمْرٌ وبيض يشبه لون جلد النَمِر.
وقوله: " سبقَك بها عُكَّاشة ": هو مشدَّد الكاف، قيل: إن السَّائل للنبى ﷺ أن يدعو له أن يكون منهم بعد عكَّاشة لم يكن عند النبى ﷺ ممن يستحق ذلك، ولا من أهل تلك الدرجة والصفة الموصوفة كما كان عكاشة، وقيل: بل كان منافقًا فأجابه النبى ﷺ بما (٦) كان عليه من حسن العشرة وجميل الصُحْبة بكلام مُحتملٍ ولفظ مشتركٍ، فهو من باب المعاريض الجائزة، ولم يرَ التصريح له بأنك لست منهم ولا مستحقًا لتلك المنزلة،
стр. 599
٣٧٣ - (٢١٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى حَازِمٍ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أمَّتِى سَبْعُونَ ألْفًا، أَوْ سَبْعُمِائَةِ ألْفٍ - لا يَدْرِى أَبُو حَازِمٍ أيَّهُمَا قَالَ - مُتَمَاسِكُونَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لا يَدْخُلُ أوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ".
٣٧٤ - (٢٢٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أيُّكُمْ رَأى الْكَوْكَبَ الَّذِى انْقَصَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلْتُ: أمَا إنِّى لَمْ أكُنْ فِى صَلاةٍ، وَلكِنِّى لُدِغْتُ. قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْترْقَيْتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِىُّ. فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِىُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الأَسْلَمِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: لا رُقْيَةَ إلا
ــ
وجاء بقول يحتمل (١) أن سَبْق عكاشة بالسؤال منَعه من إجابته وعرَّض بذلك عن سَبْقهِ لتحصيل الصفة والمنزلة دون هذا، وستَر بقوله هذا حال السائل ولم يهتك ستره (٢)، وقيل: قد يكون سبق عُكَّاشة بوحىٍ أنه يجاب دعوته فيه ولم يكن ذلك للآخر.
وقوله: " متماسكُون (٣) لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم ": أى بعضهم أخذٌ بيد بعض، ممسِكٌ له، كما قال: أخذ بعضهم بعضًا، وهذا يدل على عِظم الجنة وسَعة بابها، وقد يكون معنى متماسكين بالوقار والثبات، أى لا يخف بعضهم عن بعضٍ، ولا يُسابقه حتى يكون دخولهم جميعًا.
وقوله: " ومع هؤلاء سبعون ألفًا ": ظاهره أنهم زائد إلى أمته، والصحيح أنهم من أمته؛ لأن البخارى رواه: " هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا " (٤) وفى الأحاديث الأخر فى الأم: " أدخِلْ من أمَّتِك من لا حساب عليه " وذكر نحوه، وفى الحديث الآخر: " يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفًا " وذكر مثله.
стр. 600
مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ. فَقَالَ: قَدْ أحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إلَى مَا سَمِعَ، وَلكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " عُرِضَتْ عَلَىَّ الأمَمُ، فَرَأيْتُ النَّبِىَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِىَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ، وَالنَّبِىَّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ، إذْ رُفِعَ لِى سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أنَّهُمْ أمَّتِى، فَقَيلَ لِى: هَذَا مُوسَى ﷺ وَقَوْمُهُ، وَلكِن انْظُرْ إلَى الأفُق، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِى: انْظُرْ إلَى الأفُقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِى: هَذِهِ أمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ ألْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ ".
ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. فَخَاضَ النَّاسُ فىِ أولئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ صَحِبُوا رسُولَ الله ﷺ . وَقَالَ بَعْضَهُمْ:
ــ
وقوله: " [لا رقية] (١) إلا من عين أو حُمَّةٍ " (٢): العين: إصابة العاين، والحُمة بضم الحاء وفتح الميم مخففة: [مجموعة] (٣) السم نفسهُ، والمراد ها هنا اللذغ من العقرب والحيَّة وشبهها، قال الخطابى: ومعنى ذلك لا رقية أشفى وأولى من رُقية العين والحُمَة، وكان ﷺ قد رَقى ورُقِى، وأمر بها، وأجاز الرقية، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى فهى مُباحة، وإنما جاءت الكراهيةُ منها مما كان بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفراً أو قولاً يدخله الشرك، قال: ويحتمل أن يكون الذى ذكره من الرقية ما كان منها على مذاهب أهل الجاهلية فى العُوذِ التى كانوا يتعاطونَها، وأنها تدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أن ذلك من قبل الجِنِّ ومعونتهم، وقد اختلفت الرواية عن مالك فى إجازة رُقيةِ أهل الكتاب للمُسْلم، فأجازه مرةً إذا رقى بكتاب الله، ومنعه أخرى؛ وذلك لأنَّا لا ندرى أن الذى رقى به ما هو، وسيأتى الكلام على الرقية والعين والطيرة فى كتاب الطب بأشبع