بِمِثْلِ حَدِيثِ الرَّبِيعِ.
٣٦٩ - (...) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ؛ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " يَدْخُلُ مِنْ أمَّتِى زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ ألْفًا، تُضِىءُ وَجُوهُهُمْ إضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ".
قال أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِىُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ، اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ". ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
تأوله قبل لما اختص هؤلاء بهذه المزيَّة؛ لأن تلك هى عقيدة المؤمنين ومن اعتقد خلاف ذلك كفر، وقد تكلم العلماء وأصحابُ المعانى على هذا، فذهب أبو سليمان الخطابى وغيرُه أنّ وجه هذا أن يكون تركها على جهة التوكل على الله والرّضى بما يقضيه من قضاء ويُنزِله من بلاءٍ، قال: وهذه من أرفع درجات المتحققين بالإيمان، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف سمَّاهُمْ. قال القاضى: وهذا هو ظاهر الحديث، ألا ترى قوله: " وعلى ربهم يتوكلون ".
ومضمون كلامهم: لا فرق بين ما ذكر من الكى والرقى وبين سائر أبواب الطب، وإن لم يذكر منها إلا ما ذكر، وقال الداودى (١): المراد بذلك الذين يفعلونه فى الصحّة، فإنه يُكرَه لمن ليست به علّةً أن يتخذ التمائم ويستعمل الرقى، وأما من يستعمل ذلك مِمَّن به مرض فهو جائز، وقد ذهب غيرُه إلى أن تخصيص الرقى والكى ها هنا من بين سائر أنواع علاج الطب المعنى، وأن الطب غير قادح فى التوكل، إذ تَطبَّبَ النبىُّ ﷺ وتَطبَّبَ عِلْيَةُ الفُضَلاءِ، إذ كل سببٍ مقطوع به كالأكل للغذاء والشرب للرِىّ لا يقدَحُ فى التوكل، وكذلك المظنون كالطِّبِّ للبرءِ، ولُبس الدِّرع للتَحصُن من العَدو غيرُ قادح فى التوكل، وباب الرُقى والطيرةِ والكى بابُ مَوْهومٌ، والموهومُ قادحٌ فى التوكل عند المتكلمين فى هذا الباب؛ فلهذا لم ينف عنهم التطبُب، ولهذا لم يجعلوا (٢) الاكتساب للقوت وعلى العيال
стр. 597
" سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ ".
٣٧٠ - (٢١٧) وحدّثنى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو يُونُسَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أمَّتِى سَبْعُونَ ألْفًا، زُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ، عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ ".
٣٧١ - (٢١٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْبَاهِلِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّان، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ سِيرينَ - قَالَ: حَدَّثَنِى عِمْرَانُ قَالَ: قَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أمَّتِى سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ". قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتَوُونَ، وَلا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ". فَقَامَ عُكَّاشَةُ فَقَاَلَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قَالَ: " أَنْتَ مِنْهُمْ ". قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ
ــ
قادحًا فى التوكل، إذا لم تكن ثقتهُ فى رزقه باكتسابه [وكان مُفَوِّضًا فى كل ذلك] (١) لربه على ما حَدَّه علماء هذا الفنِّ، والكلام فى التفريق بين الطب والكى، وكلٌّ قد أباحه النبى ﷺ وأثنى عليه يطول، لكنا نذكُرُ منه - نُكتةً - تكفى، وهو أنه ﷺ تَطبَّب فى نفسه وطبَّ غيره، ولم يكتو وكوى غيرَه، ونهى فى الصحيح أمتَه عن الكى وقال: " وما أحب أن أكتوى " (٢).
وقوله: " وعلى ربهم يتوكلون ": قال الطبرىُّ وغيرُه: اختلف الناس فى التوكل ما هو؟ فذهبت طائفةٌ إلى أنه لا يستحق اسمه إلا من لم يخالط قلبه غيرُ الله من سَبُع أو عدو، حتى يترك السعى فى طلب الرزق فيما لابد منه من مطعم ومشرب لضمان الله رزقه، واحتجوا بما جاء فى ذلك من الآثار (٣)، وقالت طائِفةٌ: حَدُّة الثقةُ بالله والإيقان بأن
стр. 598
يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. قَالَ: " سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ ".
٣٧٢ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَاجِبُ ابْنُ عُمَرَ أَبُو خُشَيْنَةَ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَم بْنُ الأعْرَجِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أمَّتِى سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ " قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " هُمُ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ".
ــ
قضاءه ماض، واتباعُ سُنة نبيه فى السّعى فيما لابُدَّ منه من مَطْعَم ومشرب والتحرز من العدو، كما فعل ﷺ ، وفعَله الأنبياء. فقد نصَّ (١) الله تعالى عنهم الخوف والكسبَ والتحرز عن عداهم، وعن نبينا مثله فى ادّخارِ قوت سنته (٢) وتطبُّبه (٣)، وفعل ذلك جَلةُّ أصحابه، وهذا اختيار الطبرى وعامة الفقهاء، والأول مذهب بعض المتصوِّفة وأصحاب علم القلوب والإرشادات، وذهب (٤) المحققون منهم إلى نحو مذهب الجمهور، ولكن لا يصح عندهم اسم التوكل مع الالتفات والطمأنينة إلى الأسباب، بل فعل الأسباب سنةُ الله وحكمته، والثقة أنه لا يجلبُ نفعًا ولا يدفع ضرًا سبب ولا أحَدٌ والكل من الله وحده.
وقوله فى عُكاشة: " يَرْفَعُ نَمِرةً عليه " (٥): النمرة: كساء فيه مواضعُ سود وحُمْرٌ وبيض يشبه لون جلد النَمِر.
وقوله: " سبقَك بها عُكَّاشة ": هو مشدَّد الكاف، قيل: إن السَّائل للنبى ﷺ أن يدعو له أن يكون منهم بعد عكَّاشة لم يكن عند النبى ﷺ ممن يستحق ذلك، ولا من أهل تلك الدرجة والصفة الموصوفة كما كان عكاشة، وقيل: بل كان منافقًا فأجابه النبى ﷺ بما (٦) كان عليه من حسن العشرة وجميل الصُحْبة بكلام مُحتملٍ ولفظ مشتركٍ، فهو من باب المعاريض الجائزة، ولم يرَ التصريح له بأنك لست منهم ولا مستحقًا لتلك المنزلة،
стр. 599
٣٧٣ - (٢١٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ أَبِى حَازِمٍ - عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أمَّتِى سَبْعُونَ ألْفًا، أَوْ سَبْعُمِائَةِ ألْفٍ - لا يَدْرِى أَبُو حَازِمٍ أيَّهُمَا قَالَ - مُتَمَاسِكُونَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لا يَدْخُلُ أوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ".
٣٧٤ - (٢٢٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أيُّكُمْ رَأى الْكَوْكَبَ الَّذِى انْقَصَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلْتُ: أمَا إنِّى لَمْ أكُنْ فِى صَلاةٍ، وَلكِنِّى لُدِغْتُ. قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْترْقَيْتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِىُّ. فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِىُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الأَسْلَمِىِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: لا رُقْيَةَ إلا
ــ
وجاء بقول يحتمل (١) أن سَبْق عكاشة بالسؤال منَعه من إجابته وعرَّض بذلك عن سَبْقهِ لتحصيل الصفة والمنزلة دون هذا، وستَر بقوله هذا حال السائل ولم يهتك ستره (٢)، وقيل: قد يكون سبق عُكَّاشة بوحىٍ أنه يجاب دعوته فيه ولم يكن ذلك للآخر.
وقوله: " متماسكُون (٣) لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم ": أى بعضهم أخذٌ بيد بعض، ممسِكٌ له، كما قال: أخذ بعضهم بعضًا، وهذا يدل على عِظم الجنة وسَعة بابها، وقد يكون معنى متماسكين بالوقار والثبات، أى لا يخف بعضهم عن بعضٍ، ولا يُسابقه حتى يكون دخولهم جميعًا.
وقوله: " ومع هؤلاء سبعون ألفًا ": ظاهره أنهم زائد إلى أمته، والصحيح أنهم من أمته؛ لأن البخارى رواه: " هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا " (٤) وفى الأحاديث الأخر فى الأم: " أدخِلْ من أمَّتِك من لا حساب عليه " وذكر نحوه، وفى الحديث الآخر: " يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفًا " وذكر مثله.
стр. 600
مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ. فَقَالَ: قَدْ أحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إلَى مَا سَمِعَ، وَلكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " عُرِضَتْ عَلَىَّ الأمَمُ، فَرَأيْتُ النَّبِىَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِىَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ، وَالنَّبِىَّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ، إذْ رُفِعَ لِى سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أنَّهُمْ أمَّتِى، فَقَيلَ لِى: هَذَا مُوسَى ﷺ وَقَوْمُهُ، وَلكِن انْظُرْ إلَى الأفُق، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِى: انْظُرْ إلَى الأفُقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِى: هَذِهِ أمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ ألْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ ".
ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. فَخَاضَ النَّاسُ فىِ أولئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ صَحِبُوا رسُولَ الله ﷺ . وَقَالَ بَعْضَهُمْ:
ــ
وقوله: " [لا رقية] (١) إلا من عين أو حُمَّةٍ " (٢): العين: إصابة العاين، والحُمة بضم الحاء وفتح الميم مخففة: [مجموعة] (٣) السم نفسهُ، والمراد ها هنا اللذغ من العقرب والحيَّة وشبهها، قال الخطابى: ومعنى ذلك لا رقية أشفى وأولى من رُقية العين والحُمَة، وكان ﷺ قد رَقى ورُقِى، وأمر بها، وأجاز الرقية، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى فهى مُباحة، وإنما جاءت الكراهيةُ منها مما كان بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفراً أو قولاً يدخله الشرك، قال: ويحتمل أن يكون الذى ذكره من الرقية ما كان منها على مذاهب أهل الجاهلية فى العُوذِ التى كانوا يتعاطونَها، وأنها تدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أن ذلك من قبل الجِنِّ ومعونتهم، وقد اختلفت الرواية عن مالك فى إجازة رُقيةِ أهل الكتاب للمُسْلم، فأجازه مرةً إذا رقى بكتاب الله، ومنعه أخرى؛ وذلك لأنَّا لا ندرى أن الذى رقى به ما هو، وسيأتى الكلام على الرقية والعين والطيرة فى كتاب الطب بأشبع
شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض
المُسَمَّى
إِكمَالُ المعلِم بفَوَائِدِ مُسْلِم
لِلإِمَام الحَافظ أبى الفضل عيَاض بن مُوسَى بن عيَاض اليَحْصَبِى
ت ٥٤٤هـ
تحْقِيق
الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل
الجزءُ الثّانِى
стр. 606
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤١٩هـ - ١٩٩٨م
دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - ج. م. ع - المنصورة
الإدارة: ش الإمام محمد عبده المواجه لكلية الآداب ص. ب. ٢٣٠
ت: ٣٤٢٧٢١/ ٣٥٦٢٢٠/ ٣٥٦٢٣٠ فاكس ٣٥٩٧٧٨
المكتبة: أمام كلية الطب ت ٣٤٧٤٢٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢ - كتاب الطهارة
(١) باب فضل الوضوء
١ - (٢٢٣) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلالٍ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، حَدَّثَنَا
ــ
قوله ﷺ : " شطر الإيمان "، قال القاضى: يُقالُ: الطَّهورُ والطُّهورُ، بفتح الطاء وضمها، وكذلك الوَضوء والوُضوء، والغَسْلُ والغُسْل. فبالضم الفعل، وبالفتح الماء، حكى عن الخليل الفتح فيهما فى الوضوء ولم يعرف الضَّم. قال ابن الأنبارى: والأول هو المعروف والذى عليه أهل اللغة، وقال الأصمعى (١): غُسلاً وغَسلاً (٢). واشتقاق الطُّهر من الطهارة وهى النظافة من المذامِّ والقبائح، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٣) ومنه: امرأةٌ طاهرٌ من الحيض وطاهرةٌ من الذنوب، وكذلك الوُضوء من الوضاءة وهى النظافة والحسن؛ لأنه يُحسِّنُ الإنسانَ وينظِّفه بإزالة درنه وشعَثِه، قال بعضُهم: والمراد بهذه النظافة: النورُ الذى يكون لصاحبه يوم القيامة، والأول أظْهَرُ وهو المعروف به.
وقوله: " شطر الإيمان "، قال الإمام: يحتمل هذا [الحديث] (٤) وجهين:
أحدُهما: أن [يكون] (٥) المراد بقولة: " شطر الإيمان ": [أى] (٦) أنه ينتهى تضعيف الأجر فيه إلى نصف أجر الإيمان من غير تضعيف، وهذا كأحد التأويلات فى قوله ﷺ : " [أن] (٧) ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن " (٨) وسنذكره بعد إن شاء الله.
стр. 610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوجه الثانى: أن يكون معنى " شطر الإيمان ": أَنَّ الإيمان يجُبُّ ما قبلَه من الآثام، وقد أخبر ﷺ أن الوضوء - أيضاً - تذهب من (١) الإنسان الخطايا، إِلَّا أنه قد قام الدليل أن الوضوءَ لا يَصح الانتفاع به إِلَّا مع مُضامَّة الإيمان لَه، فكأنَّه لم يحصل به رفع الإثم إِلَّا مع شىءٍ ثانٍ، ولما كان الإيمان يمحُو الآثام المتقدمة عليه بانفرادِه، صار الطُّهورُ فى التشبيه كأنه على الشطر منه.
وفى هذا الحديثِ أيضاً حجةٌ على من يرى [أن] (٢) الوضوء لا يفتقر إلى نيَّةٍ (٣). وهذه المسألة مما اختلف الناس فيها على ثلاث مقالاتٍ، فقال الأوزاعى وغيره: الوضوء والتيمم جميعاً لا يفتقر إلى نية، وقال مالك فى المشهور عنه: إنهما يفتقران إلى نيَّةٍ (٤). وروى عن مالك قوله تارة (٥) أن الوضوء يُجزئ بغير نيَّةٍ (٦)، وقال أبو حنيفة: أما التيمُّم فلا بد فيه من نيةٍ، وأما الوضوء فلا (٧). فأما الأوزاعى ومن وافقه فيحتج بالأوامر التى وقعت بالوضوء ولم تُذكر فيها النية، ويحتج أيضاً بأن الوضوء ليس من العبادات كالصلاة وشبهها، وإنما وجب لغيره، وكان شرطاً (٨) فى صحته، فَحَلَّ مَحل غسل النجاسة وستر العورة، وشبه ذلك من شروط الصلاة المجزئة بغير نيةٍ، ويحتج مالك عليه بحديث: " الأعمال بالنيات " (٩) وبهذا الحديث المتقدم، وأنه لو لم يكن من أكبر العبادات لم يجعَلْه شطر الإيمان، فإذا أوجب ذلك كونه عبادةً افتقر إلى نيةٍ عند المخالف وعندنا، وعليه من الحجاج كثير، وأما تفرقة أبى حنيفة بين الوضوء والتيمم فضعيفةٌ؛ لأن البدل إذا افتقر إلى نيةٍ فأحرى أن يفتقر المبدلُ منه (١٠)، وأشبه ما وجه له به قول الله
стр. 611
يَحْيَىَ؛ أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا سَلامٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْعَرِىِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الطُّهُور شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ -
ــ
تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١)، والتيممُ القصدُ، والمقصود منوىٌ.
قال القاضى: ذهب بعض المتكلمين على معانى الحديث أن معنى قوله: " شطر الإيمان ": أن الإيمان شطران: تطهير السِّر عن الشرك وأنجاس الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ (٢). قال أهل التفسير: قلبك ونفسك (٣)، وتطهير الجوارح عن عبادة غير الله، فمن طهَّر باطنه فقد استكمل الإيمان، ومن تطهَّر لله فقد طهَّرَ ظاهره، فجاء بنصف الإيمان لأنه تطهير من الحدث والأنجاس للوقوف بين يدى الله، فإذا طهّر سِرَّه من الخواطر والأنجاس للمناجاة لله كمل إيمانُه، والإيمان ظاهِرٌ وباطِنٌ، فظاهِرهُ إقرارٌ وتسليمٌ، وباطنه إخلاصٌ وتصديق. وقد يقال: المرادُ بالإيمان هنا الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ (٤)، ولما كانت الصلاة مفتقرةٌ إلى هذه العبادة الأخرى التى هى الطهارة، ولا يتم إِلَّا بها كانت كالشرط (٥) لها.
وقوله: " والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض ": بيانُ أجر الحمد إذا أضيف إلى التسبيح وقُرن به على إفراده؛ لأنه ملأ الميزان - أى من الأجر - وإذا قُرِن بالتسبيح كان أجره بقدر ملء ما بين السماوات والأرض، وذهب بعضهم إلى أن ثناء العبودية على شيئين: المعرفة بالله، والافتقار إلى الله، فصفاء معرفة الله بتنزيهه، وكمال الافتقار إليه: أن ترى نفسك فى تصريفه كيف شاء، فغاية التنزيه سبحان الله، وفى الحمد لله الافتقار إلى الله، وأنه رأى أقواله وأفعاله بالله، ولم يرها من نفسه، وقد روينا هذا الحديث من غير هذا الطريق: " التسبيح نصف الميزان [والحمدُ ملاؤه] (٦) والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض " (٧) ومعناه يرجع إلى ما ذكرناه. ولأصحاب الإشارات فى معانى هذا أغراض أخر يُنبِّه عليه بعض ما ذكرناه.
стр. 612
أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ. كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا ".
ــ
وقوله: " الصلاة نور ": يحتمل أن المراد أن يكون أجرُها نوراً لصاحبها يوم القيامة، أو أَنَّ الصلاة سببٌ لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق لتفرغ القلب فيها، والإقبال بالجسم والقلب على الله وشغل الجوارح بها عما سواه؛ كما قال ﷺ : " وجعلت قرة عينى فى الصلاة " (١)، وهو مثل قوله فى هذا الحديث: " والصوم ضياء "، وهى رواية بعض الشيوخ (٢)، وروايتنا فيه عن أكثرهم: " والصبر ضياء "، وقد يكون قوله: " والصلاة نور " على وجهه إشارة إلى الغُرَّةِ كما ورد فى حديث عبد الله بن بُسْرٍ عنه ﷺ أنه قال: " أمتى يوم القيامة غرٌّ من السجود مُحَجَّلون من الوضوء " (٣)، ويكون بمعنى قوله: " من صلى بالليل ضاء وجهه بالنهار " وإن كان لم يصح حديثاً فقد صح معنى، وذلك أن من لم يُصلِّ الصبح ولا توضأ للصلاة أصبح شَعِث الشعر، أقذى العينين، غير نظيف الأنف والفم، وإذا توضأ تنظف، وزال عنه الشعث، وأضاء وجهه بالنظافة.
وقوله: "والصَّدقةُ برهان " مثل قوله: " والقرآن حجة "، وقد يحتمل أن يكون برهان الصدقة على إيمان المؤمنين، ودليلٌ على الفرق بينهم وبين المنافقين الذين يلمزون (٤) المطوعين من المؤمنين فى الصدقات، إِلَّا ترى ما كان ممن ضعُفَ إيمانه فى الردة من منعها.
وقوله: " كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو مُوبقها ": يحتمل أن يكون بائع نفسه هنا بمعنى مُشترٍ وبمعنى بائع، فجاء بلفظٍ مشترك بين المعنيين؛ لأن اللفظة فى اللغة تقع على المعنيين، ثم جاء بالجواب على المعنيين جميعاً، أى من اشتراها أَعتقها، ومن باعها أوبقها، أى أهلكها، ومثل هذا قول ابن مسعود: " الناس غاديان، فبائع نفسه فموبقُها، أو مفاديها فمعتقها " (٥)، وهذا نوع من الإيجاز بديع عند أهل البلاغة، ويحتمل أن يكون البيع على الوجه (٦) المعروف وحده، أى فبائع (٧) نفسه من الله، فأعتقها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة﴾ (٨)، أو باعها من غيره فأوبقها، كما قال فى السحرة: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَروْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ (٩). وهذا
стр. 613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحديث قد اختُلِفَ فى سنده، قال الدارقطنى: أدخل بعضهم (١) فيه بين أبى سلام وأبى مالك عبد الرحمن بن غنْمٍ، وكذا ذكره النسائى (٢).
стр. 614
(٢) باب وجوب الطهارة للصلاة
(٢٢٤) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ - وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَقَالَ: أَلا تَدْعُو اللهَ لِى يَا ابْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ "
ــ
وقوله: " لا يقبل الله صلاةً بغير طهورٍ، ولا صدقةٍ من غلول ": الغلولُ: الخيانة.
وهذا الحديث نصٌّ وأصلٌ فى وجوب الطهارة من السنة مع أمثاله من الآثار (١)، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمة، وأن الصلاة من شرطها الطهارة بإيجاب الله تعالى فى كتابه، وعلى لسان نبيه، وإجماع أهل القبلة على ذلك.
واختلف متى فُرضت الطهارة للصلاة، وهل كانت فى أوّل الإسلام فرضاً أو سنةً؟ وهل هى فرض على كل قائم للصلاة أو على كل محدث؟ وفى الوضوء لغير الفرائض هل هو فرض أو له حكم ما تُوضِّئ من أجله؟ فقال ابن الجهم: إن الوضوء أولاً كان سُنةً، وإن فرضه نزل فى آيةِ التيمم، وقال غيره: إن قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) غير مشترط فيه طهارة، وأنَّ آيةَ الوضوء ناسخةً لذلك (٣)، وقال غيره - وهو قول الجمهور -: بل كان قبل فرضاً، ولا تُسْتباحُ الصلاة إِلَّا بطهارةٍ من الوضوء والغسل، قال بعضهم: وذلك بسنة النبى ﷺ وأمره (٤) وآية الوضوء (٥) إنما نزلت بحكم التيمم،
стр. 615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولذلك سميت آيةُ التيمم ولم تسم آية الوضوء، وحجة الآخر أنها جاءت بحكم التيمم ورخصته فسميت به، والوضوء قد كان مشروعاً قبل لكن غير فرض (١)، فلم يُحدِث فيه حكماً مؤتنفاً إنما أكَدتْ حكمه من السنة إلى الفرض، وقد روى أن جبريل همز للنبى ﷺ صبيحة الإسراء بعقبه فتوضأ وعلَّمه الوضوء (٢)، وكذلك ذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ (٣): أى أردتم القيام، وذهب قومٌ إلى أن ذلك قد نسخ بفعل النبى ﷺ (٤)، وقيل: الأمرُ بذلك لكل صلاة على الندب، ويُذكَرُ مثله عن على بن أبى طالبٍ، ولأنه لو كان الوضوءُ واجباً على كل قائمٍ للصلاة لم يكن لذكر الأحداث فى الآية معنى، وقيل: بل لم يُشرع إِلَّا لمن أحدث ولكن تجديده لكل صلاةٍ مستحب، وعلى هذا اجتمع رأى أئمة الفتوى بعد بغير خلاف. ومعنى قوله عندها أوَّلاً: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾: أى مُحدثين أو من النوم (٥). وقيل: بل كان النبى ﷺ يلتزم تجديد الوضوء لكل صلاة، ثم جمع بين صلاتين بوضوء واحدٍ ليُرىَ الرُّخصة فى ذلك للناس، وأما الوضوء لغير الفرائض فذهب بعضُهم [إلى] (٦) أن الوضوء [يُحكم له] (٧) بحكم ما يفعلُ له من نافلةٍ أو سنةٍ، وذهب بعضهم إلى أنه فرض على كل حال ولكل عبادةٍ، لا تستباح إِلَّا به؛ لأنه إذا عزم على فعلها فالمجىء بها بغير طهارةٍ معصية واستخفاف بالعبادة، فلزم المجىء بشرطها فرضاً، كما إذا دخل فى عبادة نفلاً، ووجب عليه تمامُها لهذا الوجه.
стр. 616
وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ.
(...) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَوَكِيعٌ: عَنْ إِسْرَائِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
٢ - (٢٢٥) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَخِى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تُقْبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ، حَتَّى يَتَوَضَّأَ ".
ــ
وذكر ابن عمَر لابن عامر وقد قال له: " ادعُ لى " هذا الحديث على طريق الوعظ والتذكرة له بقوله: " ولا صدقة من غلول "، وجاء بذكر الفصل الثانى كما سمعه - والله أعلم. وفيه حجةٌ لرواية الأحاديث على نصِّها، وحجةٌ لمن لا يرى الحديث يُفصَل من الحديث دون جملته - وقد تقدم الكلام فيه (١). أو يكون المعنى: كيف تطمع فى الدعاء وأنت لم تتنصَّل من تبعات العباد، ويكون ذكره للحديث كله على وجه التمثيل والاستشهاد بأنه لا يصح شىء إِلَّا مع وجود شرطه، فكما لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول، كذلك لا يُرَجى قبول دعاءٍ بغير توبةٍ وإقلاع (٢).
[واحتج بصيغة الحديث من يجيز لمن عدم الماء والتيمم إِلَّا صلاة عليه، وهو قول مالك، لقوله ﷺ : " لا يقبل الله صلاةً بغير طهور "، وفى المسألة لنا ولغيرنا خلافٌ نذكره فى التيمم إن شاء الله تعالى] (٣).
وقوله: " وكنت على البصْرَة ": أى أميراً، يُعرِّض له بالغَلولِ لمال الله، ويُعرِّفه ما عليه فيه، ليخافَ ذنبه ولا يغترّ.
وقال فى سند محمد بن مثنى لهذا الحديث بعدُ: قال أبو بكر: وثنا وكيع، كذا للسمرقندى، ولغيره: قال أبو بكر ووكيع عن إسرائيل، وهما بمعنى، أى وثنا وكيع عن إسرائيل.
стр. 617
(٣) باب صفة الوضوء وكماله
٣ - (٢٢٦) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْح، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِىُّ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عَطَاءَ ابْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِىَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ حُمْرَانَ (١) - مَوْلَى عُثْمَانَ - أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رضى الله عنه - دَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَر، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلى الْمِرْفَقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئى هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئى هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ".
ــ
قال الإمام أبو عبد الله: اتفقت أحاديث كثيرة على تكرار غسْل الوجه واليدين فى الوضوء، واختلفت فى تكرار مسح الرأس وغسل الرجلين، والأظهر أَنَّ ذلك لتأكيد أمر الوجه واليدين، إِلَّا ترى أنهما يثبتان فى التيمم ويسقط غيرهما، ووجه القول بأن مسح الرأس لا يُكرَّر: أَنَّ المسح تخفيفٌ، والتكرير تثقيلٌ، ويتنافى الجمع بين التخفيف والتثقيل، ووجه نفى التحديد عن غسل الرجلين أنهما ينالُهما من الأوساخ فى الغالب ما لا ينال غيرهما وقد لا يحصل الإنقاء فى المرتين والثلاث لهما، فكان الأحوط أن يوكل الأمر إلى الإنقاء من غير حدٍّ، ومُرادنا لذكر الإنقاء ما يلزم إزالتهُ فى الوضوء.
قال القاضى: وعلى هذا يتأول - أيضاً - اختلاف الأحاديث فى ذكر المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما سُنَنٌ، والأمر فيهما على التسهيل والتخفيف، فمالك وأبو حنيفة لا يريان تكرار مسح الرأس، وعند الشافعى أنه يكرر وذِكرُ الإقبال والإدبار المذكورُ فى الحديث
стр. 618
قَالَ ابن شِهَابٍ: وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: هَذَا الْوضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ للِصَّلاةِ.
٤ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ حُمْرَانَ - مَوْلَى عُثْمَانَ - أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاثُ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِى الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لا يحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ".
ــ
ليسا بحقيقة تكرار، وإنما هو لاستيعاب المسح بقلب الشعر، إِلَّا تراه بماءٍ واحدٍ، وليستْ سنة التكرار، ولا خلاف أَنَّ ما زادَ على الواحدةِ إذا أسبَغَتْ ليس بواجب، واختلفت عبارةُ شيوخنا فى الزائد على واحدةٍ هل هو سُنة أوَ فضيلة؟ أو الثانيةُ سنةٌ والثالثةُ فضيلة؟ ولم يُحبَّ مالك الاقتصارَ على واحدة إِلَّا للعالِمِ مخافَةَ إِلَّا يُحسِن الاستيعابَ بها (١)، قال علماؤنا: وإنما الاختلافُ من فعل النبى ﷺ فى الوضوء مرةً أو مرتين أو ثلاثاً ليُرى الرُّخصةَ لأمته والتسهيل، وبيان الفرض من الزيادة عليه، وأما ما جاء فى ذلك من الاختلاف فى حديث عثمان وعبد الله بن زيد فى ذكر ترك الثلاث فى بعض واستيعابها فى بعض، أن ذلك من الرواة، فمرةً ذكر بعضُهم العدَدَ ومَرَّةً تركه، ومنهم من نسى ذلك فى بعض، إذ قد وجدنا هذا الخلاف فى الحديث الواحد وفى القصة المعينة التى إنما فُعِلَتْ مرَّةً، فَدَلَّ أَنَّ الاختلاف من الرواة، ويصح التأويل المتقدم فيما جاء منها فى غير الحديث الواحد كحديث ابن عباس مع حديث عثمان وعبد الله بن زيد، فأمَّا إذا وجدنا الخلاف فى حديث عثمان بعينه وحديث عبد الله بن زيد ولم يكونا إِلَّا فى مرةٍ واحدةٍ وصفةٍ واحدةٍ، علمنا أنه من الرواة، وأثبتنا ما زاد ثقاتُهم، والأظهرُ فيما فعله ﷺ وما حُكى عنه من ذلك من قولهم: " فغسل وجهَه ثلاثاً "، ومثلُه أنها أعدادُ الغَسَلات لا أعداد الغرفاتِ، كما ذهب إليه بعضُهم، وأنه أتى بما بَعْدَ الأولى للكمال والتمام، وهذا احتمال بعيد، لقولهم غَسَل ولم يقولوا: غرف، ولعدَم الزيادةِ على الثلاث، ولو كان التمامُ (٢) لم يقف على حدٍّ، ولأنه موضعُ بيانٍ وتعليم لا يمكن إغفالُه بتَّة.
стр. 619
(٤) باب فضل الوضوء والصلاة عقبه
٥ - (٢٢٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمْرَانَ - مَولَى عُثْمَانُ - قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانُ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ بِفنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ، لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، لَوْلا آيَةٌ فِى كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ، إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، فَيُصَلِّى صَلَاةً، إِلا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاةِ الَّتِى تَلِيهَا ".
ــ
وقوله: " جلس على المقاعد " (١): قيل: هى دكاكين حول دار عثمان، وقيل: الدَّرج، وقيل: موضع قرب المسجد، ولفظها يقتضى أنها مواضعُ جرت العادةُ بالقعود فيها، لكنها قرب المسجد؛ بدليل قوله فى الحديث الآخر: " وهو بفناء المسجد ".
وقوله: " فيُحْسِنُ وضُوءَه ": أى يأتى به على أكمل الهيئات والفضائل. قال الباجى: تقديره: فيحسن فى وضوئه، وقد تقدم فى حديث جبريل تفسير الإحسان. وما ذكر فى حديث عثمان من كفَّارة الذنوب بالطهارة والصلاة ما اجتُنبَت الكبائر، هو مذهب أهل السنة، ودليل كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَار﴾ الآية (٢)، وإن الكبائر إنما يكفِّرها التوبَةُ أو رحمة الله وفضله، وفى بعضِها: " ثمَّ ركع ركعتين لا يُحَدِّثُ فيهما نفسَه "، وفى بعضِها: " ويصلى الصلوات الخمس "، وفى بعضها: " ثُمَّ يُصلى صلاةً "، وفى بعضها: " الصلاةُ " وفى بعضها: " ثم يمشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس "، وفى بعضها ذكر غفران الذنوب بمجرد الطهارة وخروج الخطايا مَعها، وكانت صلاتهُ ومشيه نافِلةً، وفى بعضها غفران الذنوب بمجرد الصلوات وإنَّ " الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما " (٣)، وفى بعضها: " غُفِر له ما بينه وبين الصلاة التى تليها "، وفى رواية السمرقندى وبعضُهم: " التى يُصليها "، وفى الموطأ: " وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها " (٤)، فدل أن التى تليها هى الآتيةُ لا الماضيةُ، وكذلك وقع فى رواية السمرقندى: " التى يصليها ".
стр. 620
(...) وحدّثناه أَبُو كَرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قاَلا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ: " فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ".
٦ - (...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ؛ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: وَاللهِ، لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، وَاللهِ، لَولا آيَةٌ فِى كِتَابِ الله مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّى الصَّلاةَ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاةِ الَّتِى تَلِيهَا ".
ــ
قال الإمام: ذكره خروج الخطايا مع الوضوء، ومعناه: أن الخطايا تغفر عند ذلك، لا أَنَّ الخطايا فى الحقيقة شىء يُحلُّ فى الماء، وإنما ذلك على وجه الاستعارة الجارية فى لسان العرب.
[قال الإمام: وذكر النبى ﷺ فى حديث آخر: " أن من توضأ نحو وضوئه، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه ... " الحديث] (١).
فإن قيل: فما (٢) هذا الذى يغفرُ له بالركعتين، وقد ذكر أن الخطايا تخرج مع الماء؟ قيل: يحتمل أن يُريدَ ما يحدثُ من الإثم ما بين وضوئه وصلاة الركعتين، ويحتمل - أيضاً - أن يُغفَر له ما اكتسب بقلبه وبغير أعضاء الوضوء.
قال القاضى: قد قال فى الأمّ: حتى يخرج نقيًّا من الذنوب، وهذا يَعُمّ كل ذنبٍ، وكذلك حديث: " الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما "، قد يكون مراده الصلاةُ بشروطها من الطهارة وغيرها، أو يكون تكفير ركعتى الصلاة لما لم يُكَفِّره الوضوء مما ذكره، أو بوضوء لم يُحسنُه صاحِبُه، إذ شرَط فى ذلك الإحْسَانَ، أو يكون غفران بعض ذلك للصغائر وباقيها للكبائر برحمة الله، والله أعلم.
وقوله: " لولا آيةٌ فى كتاب الله ما حدثتكموه ": كذا هذا فى الأم فى الحديثين، إِلَّا أَنَّ للباجى فى الحديث الأول أنه بالنون (٣)، وقد اختلف رواة الموطأ عن مالك فى هذين اللفظين، واختلف تأويل العلماء فى ذلك، ففى الأم قول عُروة: الآية قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا﴾ (٤)، وعلى هذا لا تصح الرواية إِلَّا آيةً بالياء، يريد: لولا الآيةُ التى
وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، أَبِى صَخْرَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ، قَالَ: كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ. فَمَا أَتِى عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلا وَهُوَ يُفِيضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا رسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ انْصِرَافِنَا منْ صَلاتِنَا هَذِهِ - قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهَا العَصْرَ - فَقَالَ: " مَا أَدْرِى، أُحَدِّثُكُمْ بِشَىءٍ أَوْ أَسْكُتُ؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَحَدِّثْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُتِمُّ الطُّهُورَ الَّذِى كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلا كَانَتْ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا ".
١١ - (...) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مَحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ. قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ أَبَا بُرْدَةَ فِى هَذَا الْمَسْجِدِ، فِى إِمَارَة بِشْرٍ؛ أَنَّ عُثْمَانُ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهنَّ ".
هَذَا حدِيثُ ابْنِ مُعَاذٍ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ غُنْدَر: فِى إِمَارَةِ بِشْرٍ. وَلا ذِكْرُ الْمَكْتُوبَاتِ.
ــ
فى حديثه المشهور فى وعيد: " من كتم علماً ألجَمَه الله بلجام من نارٍ يوم القيامة " (١).
وقوله: " وهو يُفيضُ عليه نُطفةً ": هو الماء، وأصله من القطر، نطفَ الماءَ إذا قطر.
وقوله: " لا يُنْهزُهُ إِلَّا الصَّلاةُ ": أى لا يُحركه ويُنهِضُه، يقال: نهزَ الرجُلُ بالزاى: إذا نهَضَ، والنَّهْزُ التحريك، [يُقَال: نهْزتُ الشىءَ: دفعتُ له، ونهز الرجلُ: نهض. وضبطه بعضهم بضم الياء، وهو خطأ، وقيل: هى لغة] (٢).
وقوله: " وكانت صلاتُه نافِلةً له ": أى أن الوضوء لما كفر ذنوبه كانت صلاته وإن كانت فريضةً نافلةً، أى زائدة له فى الأجر على كفارة الذنوب، والنافلةُ الزيادةُ فى كلام العرب، أى لم يبق له ما تكِفرُ، فإما أن تكون مُدَّخرةً تكفِّرُ ما بَعْدَها أو تُرفع له بها درجات، كما قال فى الحديث الآخر: " إِلَّا أدُلُّكُم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفَعُ به الدرجات " (٣).
وقوله: " غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ": ظاهِرُه عموم كل ذنب، ويؤكده قوله بعده: " وكانت
стр. 623
١٢ - (٢٣٢) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمْرَانَ - مَوْلَى عُثْمَانُ - قَالَ. تَوَضَّأَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَوْمًا وُضُوءاً حَسَنًا. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ. ثُمَّ قَالَ: " مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يَنْهَزُهُ إِلا الصَّلاةُ، غُفِرَ لَهُ مَا خَلا مِنْ ذَنْبِهِ ".
١٣ - (...) وحدَّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ الْحُكَيْمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْقُرَشِىَّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنَ أَبِى سَلَمَةَ حَدَّثَاهُ؛ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثهُمَا عَنْ حُمْرَانَ - مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - عَنْ عُثْمَانُ بْنِ عَفَّانَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ تَوَضَّأ للصَّلاةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلى الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلاهَا مَعَ النَّاسِ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِى الْمَسْجِدِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ ".
ــ
صلاتُه نافلةً "، ويرد تأويل من تأول لأن (١) معناه: ما تقدم قبل صلاته وبعد وضوئه، واعتضد بقوله: " ما بينه وبين الصلاة التى يصليها ".
وقوله: " لا يُحدِّثُ فيها نفسه ": [قال الإمام: يريدُ الحديث المجتَلبَ والمُكْتَسبَ، وأما ما يقع فى الخاطر غالباً فليس هو المرادُ - والله أعلم] (٢).
وقوله: " يحدث فيهما نفسه ": إشارة إلى [أن] (٣) ذلك الحديث مما يكتسب؛ لأنه أضافه إليه فقال: يُحدِّثُ.
قال القاضى: قال بعضُ المفسِّرين: إن هذا الذى يكونُ من غير قصدٍ يُرجَى أن تقبلَ به الصلاة ولا تَبْطُل، وتكون دونَ صلاةِ الذى لم يُحدِّث نفسه بشىء فيها، بدليل ما ضَمِنَه النبى ﷺ لمُراعى ذلك من الغفران؛ لأنه قلَّ من يَسْلم فى صلاتِه من حديث نفسٍ، أى إنما حَصَلت له هذه المزية لمجاهدته نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه، ومحافظته على صلاته، حتى لم (٤) يشتغل عنها طرفَةَ عينٍ، وسَلِم من الشيطان باجتهاده وتفريغه قلبه.
وخرج مسلم فى حديث عثمان حديث (٥) وكيع عن سفيان عن أبى النضر عن [أبى] (٦) [أنسٍ] (٧) عن (٨) عثمان -[رضى الله عنه -: " توضأ بالقاعد ... " الحديث] (٩)(١٠).
стр. 624
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الإمام: قال بعضهم: قيل: وَهِم وكيعٌ فى قوله عن أبى أنسٍ (١)، وإنما هو أبو النضر عن بُسْر بن سعيدٍ عن عثمان، هكذا قال أحمد بن حنبل، قال الدارقطنى: هذا مما وهم فيه وكيع عن الثورى، وخالفه بقية أصحاب الثورى الحفاظ، ورووه عن الثورى، عن أبى النضر، عن بُسْر بن سعيد (٢)، عن عثمان (٣).
(٦) باب ما يقال بعد الوضوء (١)
١٧ - (٢٣٤) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ - يَعْنِى ابْنَ يَزِيدَ - عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلانِىِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْر بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الإِبِلِ، فَجَاءَتْ نَوْبَتِى، فَرَوَّحْتُهَا بعَشِىٍّ، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ". قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدَ هَذِهِ! فَإِذَا قَائِلٌ بَيْنَ يَدَىَّ يقُولُ: الَّتِى قَبْلَهَا أَجْوَدُ. فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ. قَالَ: إِنِّى قَدْ رَأَيْتُكَ جِئتَ آنَفًا. قَالَ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحِدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِلا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ ".
ــ
قال القاضى: وقوله فى حديث عقبة بن عامر: " فروَّحتها بعشىٍّ " يعنى: الإبل، أى جئت بها للمبيت، والمُراحُ موضع مبيت الماشية، بضم الميم.
قال الإمام: وذكر مسلم [أيضاً فى باب ما يقال بعد الوضوء] (٢) [فى سند هذا الحديث] (٣): ثنا محمد بن حاتم، ثنا ابن مهدى، ثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد، عن أبى إدريس، عن عقبة بن عامر، قال: وحدَّثنى أبو عثمان عن جُبير بن نفير عن عُقبة [ابن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل] (٤). قال بعضهم: القائل [فى هذا الإسناد] (٥): وحدثنى أبو عثمان هو معاوية بن صالح. وكتب ابن الحذَّاء فى نسخته: قال ربيعةُ بن يزيد: وحدَّثنى أبو عثمان عن جُبير، والذى أتى فى النسخ المروية عن مسلم كما ذكرناه أوَّلاً وهو الصواب، والذى كتب ابن الحذاء وهم.
قال القاضى: هذا كلام أبى على الجيانى، وغيرهُ نصرَ رواية ابن الحذَّاء، وقال: ما بعده يُصحِّحُه، يريد قولَه بعد هذا: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبى إدريس الخولانى وأبى عثمان، عن جبير
стр. 627
(...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلانِىِّ وَأَبِى عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِىِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ تَوَضَّأَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحُدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ".
ــ
ابن نفير، عن عقبة، وغيره على ظاهر هذا السياق، قال الجيانى: معاوية يقول هنا: وعن أبى عثمان، ومعاوية رواه عن ربيعة بطريقه وعن أبى عثمان بطريقه، وقد بُيِّن ذلك فى غير كتاب مسلم (١)، وعليه خرَّجه أبو مسعود الدمشقى.
стр. 628
(٧) باب فى وضوء النبى ﷺ
١٨ - (٢٣٥) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ابْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الأَنْصَارِىِّ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَدَعَا بِإِنَاء. فَأكْفَأَ مِنْهَا عَلَى يَدَيْه، فَغَسَلَهُمَا
ــ
وقوله فى حديث عبد الله بن زيد (١): " توضأ لنا وضوءَ رسول الله ﷺ ": المُعَلِّمُ للوضوء والمتَعلِّمُ إذا نوى بذلك رفعَ الحدث أجزأهُ، فإن لم ينوه لم يُجزئه عند كل من يشترط النيَّة، وكذلك التيممُ على الأصل من اختلافهم فى النية فيه. [قوله] (٢): " فدعا بإناءٍ فأكفأ منها على يديه ": أى أمالَه.
وقوله: " فغسلهما ثلاثًا ": حجةٌ لابن القاسم فى اختياره فى غسل اليدين الإفراغ عليهما جميعاً، وبيانٌ لرواية مالك فى الموطأ فى قوله: " فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين مرتين " (٣) ورَدٌّ لتأويل من تأوَّل بقوله: مرتين مرتين، إفراد كل يدٍ بالإفراغ، وهى رواية أشهب عن مالك (٤) أنه استحب أن يُفرغ على يده اليمنى فيغسلها ثم يدخلها، ويَصبُّ بها على يُسْرَاه ولا حجة بهذه الرواية التى فى الموطأ لهذا المذهب، لأنه قال فيها: " فأفرغ على يديه "، ولم يقل على يده اليُمنى وحدَها، وقد اختلفت فيه رواية البخارى والرواية عنه، فروى عنه: " على يده " (٥)، وروى: " على يديه " (٦) وذكر ثلاثاً وذكر مرتين.
قال الإمامُ: اختُلف فى غسل اليد قبل إدخالها [فى] (٧) الإناء عند الوضوء، هل ذلك عبادةٌ أو مُعَلَّلٌ بالنظافة؟ فاحتج من قال: عبادةٌ بقوله: " ثلاثًا " قالوا: ولو كانت علته النظافة ما احتج إلى التكرار إذ [ذلك] (٨) يحصل فى مرةٍ واحدة. وهذا الذى قالوه مثل ما احتج به أصحابُنا على الشافعى فى غسل الإناء من ولوغ الكلب، وأنه لو كان من النجاسة لأجزأت المرَّة (٩)، واحتج من قال: إنهُ مُعَلَّلٌ بالنظافةِ بقوله:
стр. 629
ثَلاثًا. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا،
ــ
[ ﷺ ] (١): " أن أحدكم لا يدرى أين باتت يدُه " (٢)، فإذا (٣) كان الجسدُ طاهراً فأكثر ما فى ذلك أن تنال أوساخُ بَدَنه (٤) يديه (٥). وفائدة الخلاف فى [هذه] (٦) المسألة: هل يؤمَرُ المتوضئ بغسل يده وإن كانت نقيَّة؟ أو كان قد عرض له أثناء وضوئه (٧) ما نقض طهارته هل يغسلها ثانيةً (٨)؟ فمن جعل ذلك عبادةً أمرَ بالغسل فى الوجهين، ومن علل بالنظافةِ لم يرَ ذلك مأموراً به.
قال القاضى: وعلى هذا أختلفت الرواية عن مالك فيمن أحدث بعد غسل يديه للوضوء، هل يعيدُ غسلهما أو لا؟ (٩).
وقوله: " ثم أدخل يَدَه فاستخرجها فمضمض واستنشق ": قيل: الحكمة فى تقديم
стр. 630
ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(...) وحدّثنى الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاء، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ - هُوَ ابْنُ
ــ
هاتين السَّنتين على فرضِ الوجه وهى منه اختبار رائحةُ الماء وطعمه مما عَسَاهُ يُغيِّره، إذ لونُه مُشاهَد بالعين، فجعل هذا أوَّلَ الوضوء لئلا يُبتدأ بما لا يجوز به.
وقوله: " من كفٍّ واحدٍ، فعل ذلك ثلاثًا ": أى جمع بين الاستنشاق والمضمضةِ فى كفٍ واحد، وفعل ذلك ثلاثاً من ثلاث غرفاتٍ لا من كف واحد، كما بينه فى رواية ابن وهب بعد قوله: " فمضمض واستنشق واستنثَر (١) من ثلاث غرفات. وقد اختلف التأويل عن مالك (٢) فى هذا، فقيل: إن استحبابه جمعُهما فى غرفَةٍ والإتيان بهما كذلك فى ثلاث غرفات، وقيل: بل الأولى عنده إفرادُها والإتيان بالمضمضة على النسق فى ثلاث غرفات، ثم الاستنشاق مثل ذلك لأنهما عضوان، فيأتى بهما فى ست غرفات، وفى كتاب أبى داود: " فرأيته يفصِلُ بين المضمضة والاستنشاق " (٣)، وهذا يُبَيّن أنه لم يجمعهما فى غرفة، والقولان للشافعى (٤)، وقيل: بل يغسلان معاً ثلاث مرات من غرفةٍ واحدةٍ، وقد روى الحديث البخارى من رواية سليمان [بن بلال] (٥) قال: فمضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدةٍ (٦)، وهو محتمل لأن يكون جمعهما من غرفةٍ، لا أن فصلهُما ثلاثاً من غرفة، وعلى ظاهره فعل ذلك ثلاث مرات من غرفة واحدة فى المضمضة والاستنشاق.
وقوله: " ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ": ظاهره أنه أدخل يده الواحدة فى الماء فأفرغ بها على اليسرى فغسل وجهَه، وهو أحد القولين عندنا، وأنه كذلك يفعل فى
стр. 631
بِلالٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ.
(...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا. وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ كَفٍّ وَاحدَةٍ. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلهِ: فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ: بَدَأَ بِمُقَدِّمِ رَأسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.
(...) حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو ابْنُ يَحْيَى، بِمِثْلِ إِسْنَادهِمْ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِيهِ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلاثِ غَرَفَاتٍ. وَقَالَ أَيْضًا: فَمَسَحَ بِرَأسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
قَالَ بَهْزٌ: أَمْلَى عَلَىَّ وُهَيْبٌ هَذَا الْحَدِيثَ - وَقَالَ وُهَيْبٌ: أَمْلَى عَلَىَّ عَمْرُو بْنُ يَحيَى
ــ
جميع وضوئه. وقد ذكر البخارى هذا الحديث أيضاً هكذا (١) وزاد: " فاغترف بها "، وجاء فى بعض الروايات عنه: " يديه فاعترف بهما "، وهذه حجة لاختيار مالك فى هذه المسألة فى غسل وجهه، وكذلك الاختلاف عندنا، كذلك فى أخذ الماء لمسح الرأس، وفى مسلم: " ثم أدخل يديه فاستخرجهما فمسح برأسه "، وفى البخارى مثلُه فيه أيضاً: " يديه "، وفى رواية: " ثم أخذ بيديه ماءً فمسح برأسه " ففى كل رواية حجة لكل قول منهما.
وقوله فى روايةِ وهيب: " فمسحَ برأسِه فأقبل به وأدبَر مرةً واحدةً ": يرفع الإشكال ويقطع التأَويل والخلاف فى تكرار المسح للرأس، ولم يأت تكرار مسح الرأس فى الصحيحين، وحكم الإقبال والإدبار عندنا حكم المسحة الواحدة ليُلاقى فى رَدّ يديه ما لم يلاقه من الشعر، وليباشِر من شعر الرأس ما لم يلاقِه فى الذهاب بهما أوَّلاً، والإقبال هنا معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار رجوعُه، كما فسَّره فى الحديث بقوله: " بداء (٢) من مقدم رأسه حتى يذهب بهما إلى قفاه ثم ردَّهما "، وقيل: المُراد أدبر وأقبل، والواو لا تعطى رُتبةً، ويُعضدها رواية وهيب فيه فى صحيح البخارى: " فأدبر بهما وأقبل " (٣)، وهذا أولى مع [ثباته] (٤) فى جميع الروايات بقوله: " بداء بمقدمة رأسه "، وقيل: معناه:
стр. 632
هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ.
١٩ - (٢٣٦) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. ح وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمَرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ حَبَّانَ بْن وَاسِعٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِىَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَضْمَضَ ثُمَّ اسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلاثًا، وَالأُخْرَى ثَلاثًا، وَمَسَحَ بِرَأسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا.
قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.
ــ
ابتدأ من الناصية مقبلاً إلى الوجه، ثم ردَّها إلى القفا، ثم رجع إلى الناصية. وهذه الأحاديث كلها فى مسح الرأس ظاهرها مسح عموم الرأس، وهو مفسِّرٌ للآية، وأن الفرض عمومه، وهو قول مالك ﵀ (١) - وفيها حجةٌ على من خالفه من أصحابه وغيرهم فى جواز تبعيضه على تشعّب مذاهبهم فى ذلك (٢)، ولم يأت فى الحديث الصحيح ما يخالف هذا، ولإجماع الكل على فرض الاستيعاب فى بقيَّة الأعضاء المفروضة، وفيها دليل على أن الترتيب مشروع على ما جاء فى الآية، وفى فعل النبى ﷺ دون خلاف فى ذلك من الرواة والعلماءِ. ثم اختلفوا هل ذلك فرض أم لا؟ واختلفت الرواية عن مالك فى ذلك، والمشهور عنه أنه سنةٌ (٣).
وقوله: " ومسح بماءٍ " غير فضل يديه، هو السنة فى تجديد الماء لمسحِه، خلافاً للأوزاعى والحسن وعُروة فى تجويزهم ابتداءً بماء فضل يديه (٤). ولم يأت فى شىء من هذه
стр. 633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأحاديث التسمية أوَّل الوضوء، لكن ذكر أبو داود والترمذى وأصحاب المصنفات حديث: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله " (١)، واختلف العلماء والمذهب فى ذلك، فمعظم أهل العلم أن التسمية غيرُ واجبةٍ، لا شىء على تاركها لكنها فضيلةٌ مستحبة، وهو مشهور قول مالك وقول الشافعى والثورى وأصحاب الرأى، وتأول بعضهم الحديث على نفى الكمال والفضيلة، وبعضهم على أن معناه ذكر القلب والنيَّة، وقال أحمد بن حنبل: لا أعلم فى هذا الباب حديثاً له إسناد جيّد، وذهب إسحاق إلى وجوبها وإعادة الوضوء على تاركه عمداً دونَ الساهى، وروى عن مالك إنكارُه، وقال: أيُريد أن يذبح؟!! وروى عنه أيضاً: من شاء قاله ومن شاء لم يقله، فحمله بعضهم على التخيير.
стр. 634
(٨) باب الإيتار فى الاستنثار والاستجمار
٢٠ - (٢٣٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَمُحَمَّدُ بْن عُبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَبُلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا، وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِى أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ ".
٢١ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ ليَنْتَثِرْ ".
ــ
وقوله: " من استجمر فليوتر "، قال الإمام: قال الهروى فى قوله: " فإذا استجمرت فأوتر ": الاستجمار هو التمسح بالجمار، وهى الأحجار الصغار، ومنه سميت جمارُ مكة، وجمرتُ: رميت الجِمارَ (١).
قال القاضى: قال ابن القصار (٢) يجوز أن يقال: إنه أخذ من الاستجمار بالبخور والذى يُطيَّبُ به الرائحة، وهذا يزيل الرائحة القبيحة، وقد اختلف قول مالك وغيره فى معنى الاستجمار المذكور فى الحديث، فقيل هذا وقيل: هو فى البخور أن يجعل منه ثلاث قطع، أو يأخذ منه ثلاث مرات، يستعمل واحدةً بعد أخرى، والأوَّل أظهر (٣).
وقوله: " إذا توضأ أحدُكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر ": يدُل أنهما مشروعان كما تقدم، وهما عندنا سُنَّتان، وقد عدَّهما بعض شيوخنا سنةً واحدةً، وقال ابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار سواء، مأخوذ من النثرة وهو طرف الأنف، ولم يقل شيئاً، بل الاستنشاق من التنشّق وهو جذب الماء إلى الأنف بالنفس، والنشوق الدواء الذى يُصبُّ فى الأنف، والاستنثار من النثَرة وهو الطرحُ، وهو هنا طرح الماء الذى تَنَشّق قبل ليُخرجَ
стр. 635
٢٢ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى إِدْرِيس الْخَوْلانِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " منْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ".
(...) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يونَسُ عَنِ ابْنِ شِهَاب، أَخْبَرَنِى أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلانِىُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولان: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ.
٢٣ - (٢٣٨) حدّثنى بشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مَنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ،
ــ
[ما تعلق به] (١) من قذر الأنف، وقد فرَّق بينهُما النبى ﷺ بقوله: " فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر "، وقد احتج بعضهم بأمره ﷺ بهما على وجوبهما على المتوضى، وذلك عند أكثر العلماء على الندب، وإلى أنهما سنتان فى الوضوء والغسل ذهب مالك، وربيعةُ والأوزاعى، والشافعى (٢)، وذهب الكوفيون إلى وجوبهما فى الغسل دون الوضوء، وذهب ابن أبى ليلى وغيره إلى وجوبهما فيهما، وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق فيهما دون المضمضة بدليل هذا الحديث (٣).
وقوله: " فإن الشيطان يبيت على خياشيمه ": الخيشوم أعلى الأنف، وقيل: الأنف كلُّه، يحتمل أن يكون هذا على الحقيقة؛ لأن الأنف أحدُ منافذ الجسم الذى يتوصل إلى القلب منها، لاسيَّما وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق سواه وسوى الأذنين، وفى الحديث: " إن الشيطان لا يفتح غلقاً " (٤)، وجاء فى التثاؤب الأمر بكظمه (٥) من