← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بِلالٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْكَعْبَيْنِ. (...) وحدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا. وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ كَفٍّ وَاحدَةٍ. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلهِ: فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ: بَدَأَ بِمُقَدِّمِ رَأسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. (...) حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو ابْنُ يَحْيَى، بِمِثْلِ إِسْنَادهِمْ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِيهِ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلاثِ غَرَفَاتٍ. وَقَالَ أَيْضًا: فَمَسَحَ بِرَأسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً. قَالَ بَهْزٌ: أَمْلَى عَلَىَّ وُهَيْبٌ هَذَا الْحَدِيثَ - وَقَالَ وُهَيْبٌ: أَمْلَى عَلَىَّ عَمْرُو بْنُ يَحيَى ــ جميع وضوئه. وقد ذكر البخارى هذا الحديث أيضاً هكذا (١) وزاد: " فاغترف بها "، وجاء فى بعض الروايات عنه: " يديه فاعترف بهما "، وهذه حجة لاختيار مالك فى هذه المسألة فى غسل وجهه، وكذلك الاختلاف عندنا، كذلك فى أخذ الماء لمسح الرأس، وفى مسلم: " ثم أدخل يديه فاستخرجهما فمسح برأسه "، وفى البخارى مثلُه فيه أيضاً: " يديه "، وفى رواية: " ثم أخذ بيديه ماءً فمسح برأسه " ففى كل رواية حجة لكل قول منهما. وقوله فى روايةِ وهيب: " فمسحَ برأسِه فأقبل به وأدبَر مرةً واحدةً ": يرفع الإشكال ويقطع التأَويل والخلاف فى تكرار المسح للرأس، ولم يأت تكرار مسح الرأس فى الصحيحين، وحكم الإقبال والإدبار عندنا حكم المسحة الواحدة ليُلاقى فى رَدّ يديه ما لم يلاقه من الشعر، وليباشِر من شعر الرأس ما لم يلاقِه فى الذهاب بهما أوَّلاً، والإقبال هنا معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار رجوعُه، كما فسَّره فى الحديث بقوله: " بداء (٢) من مقدم رأسه حتى يذهب بهما إلى قفاه ثم ردَّهما "، وقيل: المُراد أدبر وأقبل، والواو لا تعطى رُتبةً، ويُعضدها رواية وهيب فيه فى صحيح البخارى: " فأدبر بهما وأقبل " (٣)، وهذا أولى مع [ثباته] (٤) فى جميع الروايات بقوله: " بداء بمقدمة رأسه "، وقيل: معناه:

стр. 632

هَذَا الْحَدِيثَ مَرَّتَيْنِ. ١٩ - (٢٣٦) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. ح وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمَرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ حَبَّانَ بْن وَاسِعٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِىَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَضْمَضَ ثُمَّ اسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلاثًا، وَالأُخْرَى ثَلاثًا، وَمَسَحَ بِرَأسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا. قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. ــ ابتدأ من الناصية مقبلاً إلى الوجه، ثم ردَّها إلى القفا، ثم رجع إلى الناصية. وهذه الأحاديث كلها فى مسح الرأس ظاهرها مسح عموم الرأس، وهو مفسِّرٌ للآية، وأن الفرض عمومه، وهو قول مالك ﵀ (١) - وفيها حجةٌ على من خالفه من أصحابه وغيرهم فى جواز تبعيضه على تشعّب مذاهبهم فى ذلك (٢)، ولم يأت فى الحديث الصحيح ما يخالف هذا، ولإجماع الكل على فرض الاستيعاب فى بقيَّة الأعضاء المفروضة، وفيها دليل على أن الترتيب مشروع على ما جاء فى الآية، وفى فعل النبى ﷺ دون خلاف فى ذلك من الرواة والعلماءِ. ثم اختلفوا هل ذلك فرض أم لا؟ واختلفت الرواية عن مالك فى ذلك، والمشهور عنه أنه سنةٌ (٣). وقوله: " ومسح بماءٍ " غير فضل يديه، هو السنة فى تجديد الماء لمسحِه، خلافاً للأوزاعى والحسن وعُروة فى تجويزهم ابتداءً بماء فضل يديه (٤). ولم يأت فى شىء من هذه

стр. 633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأحاديث التسمية أوَّل الوضوء، لكن ذكر أبو داود والترمذى وأصحاب المصنفات حديث: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله " (١)، واختلف العلماء والمذهب فى ذلك، فمعظم أهل العلم أن التسمية غيرُ واجبةٍ، لا شىء على تاركها لكنها فضيلةٌ مستحبة، وهو مشهور قول مالك وقول الشافعى والثورى وأصحاب الرأى، وتأول بعضهم الحديث على نفى الكمال والفضيلة، وبعضهم على أن معناه ذكر القلب والنيَّة، وقال أحمد بن حنبل: لا أعلم فى هذا الباب حديثاً له إسناد جيّد، وذهب إسحاق إلى وجوبها وإعادة الوضوء على تاركه عمداً دونَ الساهى، وروى عن مالك إنكارُه، وقال: أيُريد أن يذبح؟!! وروى عنه أيضاً: من شاء قاله ومن شاء لم يقله، فحمله بعضهم على التخيير.

стр. 634

(٨) باب الإيتار فى الاستنثار والاستجمار ٢٠ - (٢٣٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَمُحَمَّدُ بْن عُبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ يَبُلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا، وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِى أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ ". ٢١ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ ليَنْتَثِرْ ". ــ وقوله: " من استجمر فليوتر "، قال الإمام: قال الهروى فى قوله: " فإذا استجمرت فأوتر ": الاستجمار هو التمسح بالجمار، وهى الأحجار الصغار، ومنه سميت جمارُ مكة، وجمرتُ: رميت الجِمارَ (١). قال القاضى: قال ابن القصار (٢) يجوز أن يقال: إنه أخذ من الاستجمار بالبخور والذى يُطيَّبُ به الرائحة، وهذا يزيل الرائحة القبيحة، وقد اختلف قول مالك وغيره فى معنى الاستجمار المذكور فى الحديث، فقيل هذا وقيل: هو فى البخور أن يجعل منه ثلاث قطع، أو يأخذ منه ثلاث مرات، يستعمل واحدةً بعد أخرى، والأوَّل أظهر (٣). وقوله: " إذا توضأ أحدُكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر ": يدُل أنهما مشروعان كما تقدم، وهما عندنا سُنَّتان، وقد عدَّهما بعض شيوخنا سنةً واحدةً، وقال ابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار سواء، مأخوذ من النثرة وهو طرف الأنف، ولم يقل شيئاً، بل الاستنشاق من التنشّق وهو جذب الماء إلى الأنف بالنفس، والنشوق الدواء الذى يُصبُّ فى الأنف، والاستنثار من النثَرة وهو الطرحُ، وهو هنا طرح الماء الذى تَنَشّق قبل ليُخرجَ

стр. 635

٢٢ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى إِدْرِيس الْخَوْلانِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " منْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ". (...) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يونَسُ عَنِ ابْنِ شِهَاب، أَخْبَرَنِى أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلانِىُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولان: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ. ٢٣ - (٢٣٨) حدّثنى بشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ - عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مَنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ــ [ما تعلق به] (١) من قذر الأنف، وقد فرَّق بينهُما النبى ﷺ بقوله: " فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر "، وقد احتج بعضهم بأمره ﷺ بهما على وجوبهما على المتوضى، وذلك عند أكثر العلماء على الندب، وإلى أنهما سنتان فى الوضوء والغسل ذهب مالك، وربيعةُ والأوزاعى، والشافعى (٢)، وذهب الكوفيون إلى وجوبهما فى الغسل دون الوضوء، وذهب ابن أبى ليلى وغيره إلى وجوبهما فيهما، وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق فيهما دون المضمضة بدليل هذا الحديث (٣). وقوله: " فإن الشيطان يبيت على خياشيمه ": الخيشوم أعلى الأنف، وقيل: الأنف كلُّه، يحتمل أن يكون هذا على الحقيقة؛ لأن الأنف أحدُ منافذ الجسم الذى يتوصل إلى القلب منها، لاسيَّما وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق سواه وسوى الأذنين، وفى الحديث: " إن الشيطان لا يفتح غلقاً " (٤)، وجاء فى التثاؤب الأمر بكظمه (٥) من

стр. 636

فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ ". ٢٤ - (٢٣٩) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْد اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ ". ــ أجل دخول الشيطان فى الفم حينئذ، أو يكون على طريق الاستعارة، فإن ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم من القذارة وضد النظافة التى توافق الشيطان - وهى منه - وأمره بذلك إشارة إلى القيام للوضوء للصلاة، كما جاء فى الآية، وكما جاء فى غسل اليد قبل إدخالها الإناء، وقد جاء مبينًا فى غير كتاب مسلم: " فليتوضأ وليستنثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خياشيمه " (١). وقوله: " من استجمر فليوتر: استدل به من يراعى فى المسأله العدد مع الإنقاء، وهى ثلاثة أحجار، وهو قول أبى الفرج وابن شعبان من أصحابنا، وقول الشافعى وأصحابِه، قالوا: وإذا لم يُعقل أنه أراد من الحديث الواحدة التى هى أول عدد الوتر فالمقصود ما زاد على ذلك، وأقلُّه بعدَه من الأوتار ثلاث مع قوله: " أوَ لا يجد أحدُكم ثلاثة أحجار " (٢)، ومالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة لا يراعون العدَد، وإنما يراعُونَ الإنقاء وحدَه، وحجتُهم أقلُ ما يقع عليه اسم وترٍ، فإذا حصل بواحدةٍ كفى، فإن حصل باثنتين فما زاد أوتر استحباباً، ومعنى ذكر الثلاث على ما جرت به العادة فى الانقاءِ أو على الاستحباب، وإن حصل الإنقاء بدونها، أو على أن واحدةٍ لكل جهةٍ، والثالثةُ للوسط (٣)، وسيأتى الكلام على الاستجمار بعد هذا.

стр. 637

(٩) باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما ٢٥ - (٢٤٠) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ يَوْمَ تُوُفِّىَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَبِى بَكْرٍ فَتَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: يَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " وَيْلٌ للأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ ". (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ: أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ. فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةَ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَوْ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ ــ وقوله: " ويلٌ للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء " (١)، وأنَّ رَجُلاً لم يغسل عقبه فقال النبى ﷺ له ذلك، وأن رجلاً ترك موضع ظُفرٍ على قدميه فقال له: " ارجع فأحسن وضوءك ": كله دليلٌ على أَنَّ فرض الرجلين الغسل دون غيره، وهو مذهب أئمة الفتوى، وذهب ابن جرير وداود إلى التخيير لاختلاف القرائتين فى الآية، والوعيد لا يتعلق إِلا بترك فرض، وشأن المسح التخفيف، وقراءة النصب مفسِّرةً لقراءة الخفض، إذ الخفض على الجوارِ (٢)، ولأن فعل النبى ﷺ فيها الغسل فى جميع أحاديث وضوئه؛ ولأن الإسباغ معناه تمام الوضوء وتبليغه حدوده، والثوب السابغ الكامل.

стр. 638

عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِى سَالِمٌ مَوْلَى الْمَهْرِىِّ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ فِى جَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، فَمَرَرنَا عَلَى بَابِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ عَنْهَا، عَن النَّبِىِّ ﷺ . مِثْلَهُ. (...) حدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنِى نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ؛ قَالَ: كُنْتُ أَنَا مَعَ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا. فَذَكَرَ عَنْهَا، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ٢٦ - (٢٤١) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ أَبِى يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ، تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَتَوَضَّؤُوا وَهُمْ عِجَالٌ. فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهَمْ، وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ. فَقَالَ ــ وقوله فى بعض طرق هذا الحديث: " ونحن نمسح على أرجُلنا " بمعنى ما فى الآية المراد به الغسل بدليل سائر الروايات (١). وقوله: " لم يغسل عقبه ". لا على ما أشار إليه بعضُهم أنه دليلٌ على أنهم كانوا يمسحون فنهاهم النبى ﷺ عن ذلك وأمرهم بالغسل، قال: ولأنه لو كان غُسلاً لأمرهم بالإعادة لما صلوا، وهذا لا حجة فيه لقائِلِه لأن النبى ﷺ قد أعلَمهم أنهم مستوجبون النار على فعلهَم بقوله: " ويل للأعقاب من النار "، ولا يكون هذا [إِلَّا] (٢) فى الواجب، وقد أمرهم بالغسل بقوله: " أسبغوا الوضوء " ولم يأت أنهم صلوا بهذا الوضوء، ولا أنها كانت عادتهم قبل فيلزم (٣) أمرهم بالإعادة (٤). وقوله: " ويلٌ للأعقاب من النار " أى أنها المُعذَّبةُ التى تُصيبها النار، أو أن بسبب تركها يُعذَّبُ صاحُبها، أو تُعذَّبُ هى من جملة الرجل المغسولة، وأن مواضع الوضوء لا يمسَّهُ النار كما جاء فى أثر السجود أنه يحرم على النار. وإلى هذا ذهب أحمد بن نصر (٥).

стр. 639

رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَيْلٌ للأَعْقَابِ منَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ ". (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بَهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ شُعْبَةَ: " أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ " وَفِى حَدِيثِهِ، عَنْ أَبِى يَحْيَى الأَعْرَجِ. ٢٧ - (...) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى عَوَانَةَ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفْ بْنِ مَاهكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَال: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِىُّ ﷺ فِى سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ حَضَرَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى: " وَيْلٌ للأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ ". ــ والأعقاب مؤخر الأقدام واحدها عقِب، وعقب بكسر القاف وسكونها، وعقب كل شىء آخره، وجاء فى الحديث الآخر: " العراقب " وهو فى معناه (١)، والعُرقوب: العصَبةُ فى مؤخر الرجل فوق العقب وأعلاه. وقوله: " وقد حضرت العصرُ ": أى حان وقت صلاتها، يقال بفتح الصاد، وجاء بكسرها أيضاً. وقوله: " ويلٌ ": هى كلمة تقال لمن وقع فى هلكة (٢)، وقيل لمن يستحقها، [وقيل: هى المهلكة، وقيل: المشقةُ من العذاب، وقيل: الحُزن] (٣) وقيل: ويل وادٍ فى جهنم. وجاء فى هذه الأحاديث ذكرُ الغسْل للأعضاء وهو يشعر بمرِّ اليد مع الماء. وقد فرقت العرب بين الغسل والغمس والمسح والصب والنضح [والنضخ] (٤)، [وذلك] (٥) شرط

стр. 640

٢٨ - (٢٤٢) حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلامٍ الجُمَحِىُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ - يَعْنِى ابْنُ مُسْلِمٍ - عَنْ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ فَقَالَ: " وَيْلٌ للأَعْقَابِ مِنْ النَّار ". ٢٩ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْن زِيَادٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّؤُونَ مِنْ الْمِطْهَرَةِ، فَقَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنِّى سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: " وَيْلٌ لِلعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ ". ٣٠ - (...) حدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَيْلٌ للأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ ". ــ عندنا فى مشهور مذهبنا خلاف ما ذهب إليه أبو الفرج (١) ومحمد بن عبد الحكم ورواه الطَاطِرى عن مالك فى سقوط وجوب الدلك، وحكى الطبرى أن الغسل يقع على ما لم تَمُرّ عليه اليد، وهو مذهب الشافعى وغيره (٢). وفى صفة فعله ﷺ البداءة بالوجه وترتيب الأعضاء على نسق القرآن، ولم يُروَ خلاف هذا عنه فاستدل به من يرى الترتيب واجباً، وهو مذهب الشافعى وأهل الحديث، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٣)، و ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة﴾ (٤)، وقول

стр. 641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبى ﷺ : " نبدأ بما بدأ الله به " (١) وأن الواو أتت هاهنا للترتيب، وإلى هذا ذهب من أصحابنا محمد بن سلمة وأبو مصعب (٢)، وحكاه عن أهل المدينة، وهو ظاهر إحدى روايتى علىِّ بن زيادٍ عن مالكٍ، وذهب معظم الصحابة والسلف: أن ذلك ليس بفرض، وهو مشهور قول مالك وهو قول الكوفيين وجماعة من العلماء، ومذهب مالك أن الترتيب سنة، وأصل الواو أنها لا تقتضى ترتيباً إِلَّا بقرينة من غيرها ودليلٍ سواها، فالواو لو كانت تقتضى الرتبة لا احتاج النبى ﷺ أن يُبيِّن البداية بالصفا، وأنَّ علتها التبرك بما بدأ الله به، وفعل النبى يدلُّ أنَّه سنة، لكن إنما يُرى عند (٣) مالك فى المفروض لا المسنون، فيجعله يُكرِّرُ ما قدَّم من الفروض دون المسنون ويغسل ما بعدَه فى القرب (٤). واختلف فى البعد عندنا فى العامِدِ لذلك هل يُعيد الوضوءَ أو لا شىء عليه؟ وهل يُعيدُ ما صَلَّى أو لا؟ وفى الناسى هل يعيدُ ما قدَّم لا غير أم يعيده وما بعده؟ وكذلك لم يُذكر فى هذه الأحاديث مسح الأذنين، وفى طىِّ ذكرها دليلٌ لمالك أنهما من الرأس (٥)،

стр. 642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنه ذكَر مسح الرأس من مقدمِه إلى مُؤخِرِه فحصلت الأذنان فى جملته، ولم يأت فى هذه الأحاديث تخليل اللحية، كما جاء تخليل شعر الرأس فى الغسل فدل أنه غير مشروع، وبهذا احتج مالك على عيْب التخليل فى الوضوء، وهو مشهور قوله (١)، وقوله الآخر قاله ابن عبد الحكم، ويرى تخليلها فى الوضوء كالغُسل. ذكر فى حديث محمد بن حاتم وأبى معن الرقاشى عن عمر بن يونس ثنا عكرمة بن عمَّارٍ ثنا يحيى بن أبى كثير حدثنى أو حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن ثنا سالم مولى المهرِى قال: خرجت أنا وعبد الرحمن بن أبى بكر فى جنازة سعد بن أبى وقاص ... الحديث. قال البخارى: قول عكرمة: سالم مولى المهْرِى خطأ، والصواب سالم مولى شداد ابن الهادِ (٢)، وكذا ذكره مسلمٌ فى الحديثين قبل هذا، وفى حديث سلمة بن شبيب بعْدُ.

стр. 643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله فيه: " كُنْتُ أنا مع عائشة .. " الحديث، كذا صوابه، وكذا عند أبى بحر والقاضى أبى علىٍّ من شيوخنا، ووقع عند ابن أبى جعفر عن الطبرى وفى كتاب أبى عبد الله بن عيسى: " كنت أتابع عائشة " (١).

стр. 644

(١٠) باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة ٣١ - (٢٤٣) حدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدُ بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ أَنَّ رَجُلاً تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ. فَأَبْصَرَهُ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: " ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ " فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى. ــ وقوله فى الذى ترك موضع ظفر قَدمِه: " ارجع فأحسن وضوءك ": دليلٌ على استيعاب الأعضاء وغسل الرجلين، وأن تارك بعض وضوئه جهلاً أو عمداً يستأنفه، لقوله: " فتوضأ "، ولم يقل: فغَسل ما نسى. وقوله له: " أحسن وضوءك " ولم يقل: اغسل ذلك الموضع، وفيه حجة للموالاة.

стр. 645

(١١) باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء ٣٢ - (٢٤٤) حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ بْنِ أَنَس، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبى صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوْ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيهِ مَعَ المَاءِ (١) - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاء - فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطْشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاء - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ ". ــ وقوله: " إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن ": هو - والله أعلم - شكٌّ من الراوى وفيه دليل على تحرى المجىء بلفظ الحديث لتحريه هذا، وإن كانا متقاربين فى المعنى، لا سيما هُنا. وقوله: " فغسل وجهَه خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر بعينه مع الماء ": تقدَّم، وأنه على جهة الاستعارة، لغفرانِها معَه لأنها ليست بأجسامٍ فتخرج ولا هى كامنةٌ فى الجسم فتخرج. وذكر هنا من حديث [أبى صالح] (٢) عن أبى هريرة من رواية مالك خروج خطايا الوجه وسائر خطايا الأعضاء منها ولم يذكر من حيث تخرج، من مسامِّها، إِلَّا قوله فى حديث عثمان: " حتى تخرج من تحت أظفاره "، وقد وقع فى الموطأ مفسراً خروجها عند المضمضة من فيه، وعند الاستنشاق خروجها من أنفه، وإذا غسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، وفى يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، وفى رأسه حتى تخرج من أذنيه، وفى رجليه حتى تخرج من أظفار رجليه "، فعلى ما فى كتاب مسلم يتأول أن المغفور له بالوضوء الخطايا المختصة بأعضاء الوضوء، ولكن قوله فى أخرى: " حتى يخرج نقياً من الذنوب " ظاهره العموم،

стр. 646

٣٣ - (٢٤٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِىٍّ الْقَيْسِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِىُّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ - وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى نَخْرُج مِنْ تَحْتِ أَظَفَارِهِ ". ــ ويحتمل الخصوص لما ذكرنا، أو يكون العُموم بقرائن من الإخلاص والإحْسَان، واستدل بعضُهم من هذا الحديث على ترك الوضوء بالماء المستعمل، وسُمى المستعملُ ماء الذنوب لهذا الحديث (١)، وهذا ضعيف لما تقدَّمَ، وأطلق أبو حنيفة عليه النجاسة، وعندنا فى استعماله وجهان، واختلف فى التأويل عن مالك فى النهى عن الوضوء به هل هو على الكراهة أو عدم الإجزاء؟ وقد وقع له يتيمم من لم يجد سواه (٢) وتأويل هذا - أيضاً - على ظاهره أو على الجمع بينهُ وبين التيمُّم، وفى حديث الموطأ حجةً لنا أن الأذنين من الرأس لتخْصيصه إضافة خروج خطاياه إليها ولم يضفه إلى الوجه كما خَصَّ خطاياه كُلِّ عضو ببعضِه، وردٌّ على من ذهب إلى أنهما يغسلان مع الوجه. وقال مُسلِم: " ثنا محمد بن معمرُ بن ربعى القيسى، ثنا أبو هشام (٣) المخزومى عن عبد الواحد [بن زيادٍ] (٤) " كذا لابن عيسى والشنتجالى، وعند سائر شيوخنا والرواة: أبو هاشم (٥)، [والأول الصوابُ] (٦)، وقال البخارى فى تاريخه: أبو هشام المخزومى اسمه المغيرة بن سلمة البصرى (٧) سمِع عبد الواحد بن زياد، وكذا كنَّاه عبد الغنى بن سعيد، وفى كتاب القاضى أبى الوليد الباجى: أبو هاشم مصلح.

стр. 647

(١٢) باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل فى الوضوء ٣٤ - (٢٤٦) حدّثنى أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ وَالقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنُ بِلالٍ، حَدَّثَنِى عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الأَنْصَارِىُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ؛ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى العَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ ". ٣٥ - (...) وحدّثنى هَارْوَنُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو ــ وقوله: " أنتم الغُرُّ المحجَّلوُن يوم القيامة "، وقوله: " تردون علىَّ غُراً محجلين من أثر الوضوء "، قال الإمام: قد استوفى ﷺ فى قوله: " غُراً محجلين " جميع أعضاء الوضوء؛ لأن الغُرَّة بياضٌ فى جبهة الفرس، والتحجيل بياض فى يديه ورجليه، فاستعار للنور الذى يكون بأعضاء الوضوء يوم القيامةِ اسم الغُرَّةِ، والتحجيل على جهة التشبيه. قال الهروى: روى عن أبى عمرو بن العلاء فى تفسير غُرَّة الجنين أنه لا يكون إِلَّا الأبيض من الرقيق (١)، قال: وأما الأيامُ الغُرّ التى روى عن رسول الله ﷺ صومُها فهى البيض. قال القاضى: وقوله: " ليست لأحدٍ غيركم " قال غير واحدٍ من أهل العلم: إن الغُرَّة والتحجيل مما اختصت به هذه الأمة، وهذا الحديث يدل على ذلك، ولقول النبى ﷺ : " إِنَّ بها يعرفُ أمَّته من غيرها ". وقوله: " لو كانت لرجُلٍ خيلٌ غرٌّ محجَّلةٌ فى خيل دُهْمٍ بهْمٍ، إِلَّا يعرف خيلَهُ؟ " قال: الأصيلى وغيره: هذا الحديث يدلُّ أن الوضوء مما اختصت به هذه الأمة (٢)،

стр. 648

(٥٧) باب صلاة الخوف ٣٠٥ - (٨٣٩) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَن سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى مُوَاجِهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِى مَقَامِ ــ أحاديث صلاة الخوف قال الإمام: اختلفت الأحاديث فى هيئة صلاة الخوف، فذكر ابن عمر - رضى الله عنهما - هذه الهيئة المذكورة هنا، وروى صالح بن خوَّات غيرها، وروى جابر هيئة أخرى، وأحسن ما ثبتت عليه هذه الأحاديث المختلفة أن تحمل على اختلاف أحوال أدى الاجتهاد فى كل حالة إلى إيقاع الصلاة على تلك الهيئة، أحصن وأكثر تحرزاً وأمناً من العدو، ولو وقعت على هيئة أخرى لكان فيها تفريط وإضاعة للحزم، وقد أنكر أبو يوسف أن يعمل بصلاة الخوف بعد النبى ﷺ ، ورآها من خصائصه واعتدَّ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاة﴾ (١)، فعلَّق فعلها بكون النبى ﷺ فيهم، فإذا لم يكن فيهم لم تكن، ورأى غيره من أهل العلم أن الآية خرجت مخرج التعليم لهيئة الصلاة، ولم يقصد بها قصرها على النبى ﷺ ، وإنما افتتحت بخطاب المواجهة؛ لأنه هو المبّلغ عن الله تعالى ما يقول، قد قال ﷺ : " صلو كما رأيتمونى أصلى " (٢)، وعموم هذا الخبر يرد على أبى يوسف (٣)، وقد صُليت فى الصحابة بعد النبى ﷺ . واختلف فقهاء الأمصار فى المختار من الهيئات الواردة فى الآثار، فأخذ مالك برواية صالح بن خَوَّات التى رواها عنه فى موطئه (٤)، وأخذ الشافعى وأشهب من أصحاب مالك

стр. 649

النَّاسُ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ مِنْ الأمَمِ، تَرِدُونَ عَلَىَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ ". ٣٧ - (...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى - وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ - قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ فَضَيْلٍ عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ أَبى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَرِدُ عَلَىَّ أُمَّتِى الْحَوْضَ. وَأَنَا أَذودُ النَّاسَ عَنْهُ. كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِبِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِهِ ". قَالُوا: يَا نَبِىَّ اللهِ، أَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: " نَعَمْ. لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ غَيْرِكُم. تَردُونَ عَلَىَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. وَلَيُصَدَّنَ عنِّى طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلا يَصِلُونَ، فَأَقُولُ: يَارَبِّ، هَؤُلاءِ مِنْ أَصْحَابِى. فَيُجِيبُنِى مَلَكٌ فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ ". ٣٨ - (٢٤٨) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ حَوْضِى لأَبْعَدُ ــ إلى أن المراد بالغُرةِ الحجلَة إذ لم يجد سبيلاً إلى الزيادة فى الوجه. وقوله: " ليست سيما لأحدٍ غيركم ": السيما مقصورةٌ وممدودة، والسيما ممدودة (١) العلامة، قال الله تعالى: ﴿سِيمَاهمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ (٢) ومعنى قوله: " حتى أشرع فى العضد وحتى أشرع فى الساق ": أى أجلَّ الغسل فيهما (٣) وأدخل بعضِهما (٤) فى مغسوله مثل ما يُشرع الرجُلُ ناقته إذا أوردها الماء، يقال منه: شرع الرجلُ إذا ورد الماء، - ثلاثى - وأشرع إبله إذا أوردها، وقيل: إذا ساقها إلى الماء وتركَها ترِدُ بنفسها، وشريعة الماء من حيث يُتَوصَّل من حافة النهر [إليه] (٥)، ومنه: شريعة الدين لأن منها يتوصل إليه، وقيل معناها هنا البيان والظهور. وقوله: " أصدُّ الناس ": أى أرُدّ. وقوله: " أذود الناس ": أى أطرد.

стр. 650

مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدْنٍ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، إِنِّى لأَذودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، تَرِدُونَ عَلَىَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، لَيْسَتْ لأَحَدٍ غَيْرِكُمْ ". ٣٩ - (٢٤٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِى الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم ــ وقوله: " كما يذود الرجلُ الإبل الغريبة عن حوضه ": الإبلُ الغريبةُ التى لا يُعرف صاحِبُها، كما قال فى الحديث الآخر: " كما يذادُ البعيرُ الضال "، فهى ترعى مع الإبل وتزاحم وارِدَتها على حوضِها، فصاحبُ الإبل يضربُها جُهْدَه ويطردُها حتى يسقى إبلَه، وهى تترامى بالعطش وهو يصُدُّها، ولذلك ضرب المثل بضربها، وقال الحجاج: لأضربنكم ضرب غرائب الإبل. وقوله فى الحديث: " إنه أتى المقبرة "، حجةً فى جواز زيارة القبور، ولا خلاف فى جوازها للرِّجال، وأن النهى قد نسخ، واختلف فيه للنساء (١). وقوله: " السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين [وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون] (٢) ". المراد

стр. 651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ به أهل تلك الدار، ويحتمل أن يَحْيوا له حتى يسمعُوا سلامَه، كما سمعه أهل القليب، ويحتمل أن يفعل ذلك مع موتهم ليُبيِّن ذلك لأمته، وسيأتى هذا وشبهه فى الجنائز. قال أبو عمر ﵀: قد روى تسليم النبى ﷺ على القبور من وجوهٍ بألفاظ مختلفة ذكرها (١)، وجاء عن الصحابة والسلف الصالح فى ذلك آثار كثيرة (٢). قال الإمام: سلامه ﷺ يصح أن يكون حجةً لمن يقول: إن الأرواح باقيةٌ لا تفنى بفناء الأجسام، وفى غير هذا الكتاب من الأحاديث أَنَّ الأرواح تزور القبور. وقوله: " وإنا إن شاء الله، بكم لاحقون ": إن كان المراد: لاحقون فى الموت، فهذا أمرٌ معلوم، ويكون الاستثناء هاهنا من شىء موجَبٍ على سبيل التبرى من الاستبداد وعلى التفويض إلى الله، ومثله قوله (٣): ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ (٤)، وهو خبر صدق، وإن كاد أراد: بكم لاحقون فى الممات على الإيمان، فيكون الاستثناء على حقيقته؛ إذ لا يدرى الإنسان على ما [ذا] (٥) يُوافى إِلَّا أنه ﷺ ومن شُهِد له بالجنة من أصحابه معصوم من الموافاة على الكفر، فيكون الكلام عائداً على من يجوز ذلك عليه من أصحابه، أو يكون قبل أن يوحى إليه بالعصمة لمن ثبَتتْ له العصمة من الموافاة على الكفر. قال القاضى: قد قيل: إن هذا يكون امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّه﴾ (٦)، أو يكون الاستثناء راجعاً على اللحاق بالموتى لتسميتهم مؤمنين على الظاهر من حالهم، ثم رجاء لحاقه بهم، فاسْتثنى لمغيب حالهم فى علم الله وعاقبة أمرهم ومشيئة الله تعالى برحمتهم، وقد يحتمل أن يكون الاستثناء راجعاً إلى

стр. 652

مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ، بِكُمْ لاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ". قَالُوا: ــ اللحاق بهم فى مقبرتهم وموته بالمدينة، وقيل: هو على مساق الكلام فى مجىء الاستثناء فى الواجِبِ ليس على طريق الشك، ومثله قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (١) على ما تقدم، أو على طريق التأدب والامتثال لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّه﴾ (٢)، وقيل: " إن " هنا بمعنى " إذا ". [وقيل: قالها من أجل من كان معه ممن يتهم بالنفاق] (٣). وقوله: " وددتُ أنى رأيت إخواننا ": فيه جواز التمنى، لا سيما فى باب الخير ولقاء الفضلاء والأخيار الأولياء فى الله، وقيل: إن المراد تمنيه لقائهم بعد الموت. وقوله: " إخواننا " لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَة﴾ (٤). وقوله: " ألسنا بإخوانِك؟ قال: بل أنتم أصحابى ": قال الباجى: لم ينف بذلك أخوَّتَهم، ولكنه ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة واختصاصهم بها، ولم تحصُل لأولئك بعد، فوصفهم بالأخوة (٥)، وقال أبو عُمر: فيه دليلٌ على أن أهل الدين والإيمان كلُهم أخوةٌ فى دينهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾، وأما الأصحاب فمن صحِبَك وصحبتَه (٦)، وذهب أبو عمر من هذا الحديث وغيره فى فضل من يأتى ومن فى آخر الزمان، إلى أنه قد يكون فيمن يأتى بعد الصحابة من هو أفضل مِمن كان فى جملةِ الصحابة (٧)، وأن قوله ﷺ : " خيركم قرنى " (٨) على الخصوص، وإن كان مخرجه العموم، وإن قرنه على الجملة خير القرون، أو معناه: خير الناس فى قرنى، يعنى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن سلك مسلكهم، فهؤلاء أفضل الأمة، والمراد بالحديث (٩)، وأما من خلط فى زمانه وإن رآه وصحبه ولم تكن له سابقةٌ ولا أثرٌ فى

стр. 653

أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " أَنْتُمْ أَصْحَابِى، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ". فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: " أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ، بَيْنَ ظَهْرَىْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ " قَالُوا: بَلَى، ــ الدين، فقد يكون فى القرون التى تأتى بعد القرن الأول من يفضُلهم على ما دلت عليه عنده (١) الآثار، وذهب إلى هذا غيره من المتكلمين على المعانى، وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبى ﷺ مرةً من عمره وحصلت له مزيَّةُ الصحبة أفضل من كل من يأتى بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عملٌ، قالوا: وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واحتجوا بقوله ﷺ : " لو أنفق أحدُكم مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفه " (٢) وحجة الآخر عن هذا أن النبى ﷺ قال لبعضهم عن بعضٍ، فدلّ أن ذلك للخصوص لا للعموم. وقوله [ ﷺ ] (٣) " بين ظهرى (٤) خيلٍ دُهم بُهْمٍ "، قال القاضى: قال الأصمعى: العربُ تقول: نحن بين ظهريهم وظهرانيْهم على لفظ الاثنين، أى بينهُمْ، قال: والعرب تضع الاثنين موضع الجمع. وقوله: " دُهمٌ "، قال الإمام: قال الهروى فى قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ (٥) قال بعضهم: الدُهمةُ عند العرب السَّوادُ، قال مجاهد: ﴿مُدْهَامَّتَان﴾: مسْودتان. وقوله: " بُهم ": قال الهروى فى حديث النبى ﷺ : " يُحشر الناس يوم القيامة عُراةً حُفَاةً بُهْماً ": البُهْم واحدها بَهِيمٌ، وهو الذى لا يخالط لونه [لون] (٦) سواه. قال القاضى: كذا قال أبو حاتم، سواداً كان أو بياضاً أو حمرةً، يقال: أسود بهيمٌ وأبيض بهيمٌ ونحوه، قال يعقوب وغيره: وقال غيره: البهيمُ الأسود، وليلٌ بهيمٌ، وكذلك من الخيل الذى لاشِيَةَ فيه، وقاله أبو زيد (٧)، وأما قول الهروى فى تفسير الحديث فى حشر الناس فيحتاج إلى بيان. قال صاحب الدلائل: يُريدُ متشابهى الألوان.

стр. 654

يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوء، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، إِلَّا لَيُذَادَنَّ رِجَالاً عَنْ حَوْضِى كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: أَلا هَلُمَّ. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا ". ــ وقوله [ ﷺ ] (١): " وأنا فرطُهم على الحوض "، قال الإمام: قال الهروى: يقول: أنا أتقدّمهم إليه (٢)، يقالُ: فرطتُ القوم إذا تقدمتهم لترتاد لهم الماء وتهيئَ لهم الدِّلاء والرشاء، وافترط فلانٌ ابناً له، أى تقدم له ابنٌ، وفى الحديث: " أنا والنبيون فراط القاصفين " [أى متقدمون فى الشفاعة، قال ابن الأنبارى فى قوله: " لقاصفين "] (٣) يعنى: لقوم كثير متدافعين مُزدَحمين، وقيل: فُرَّاط إلى الحوض، ويقال: فرَط إلىَّ منه (٤) كلامٌ قبيح، أى تقدم، ومنه قوله [سبحانه] (٥) وتعالى: ﴿أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ (٦) وفى حديث أم سلمة: قالت لعائشة: إن رسول الله ﷺ نهاك (٧) عن الفرَطَ فى الدين (٨)، قال القتبى: الفرَطُ السبق والتقدَّم. وقوله: " إِلَّا ليُذادَنَّ رجالٌ عن حوضِى "، قال القاضى: كذا رويناه فى كتاب مسلم بغير خلافٍ فى حديث إسماعيل بن جعفر، وفى حديث مالك: " فليُذَادّنَ "، وفى الموطأ وغيره من حديث مالك: " فليُذَادَنَّ " (٩) و: " فلا يُذادَنَّ " (١٠)، والروايتان معاً صحيحتان، واختلف رواة مالك عنه فى هذا الحرف وأكثرهم يقولُ عنه: " فلا يُذادَنَ ". قال الإمام: وقع فى بعض طرق هذا الحديث: " فلا يُذادَنَّ " على جهة النهى، ومعناه على هذا: [لا يفعلون فعلاً يكون] (١١) سبباً لذودِهم عن حوض (١٢) وأكثر الروايات: " فليُذادَنَّ " (١٣) بلام التأكيد. قال القاضى: ويصحح رواية: " فلا يُذادنَّ " حديث

стр. 655

(...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى الدَّرَاوَرْدِىَّ. ح وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، جَمِيعًا، عَنْ الْعَلاء بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ " بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ. غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ: " فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِى ". ــ سهل بن سعد عن النبى ﷺ بمعناه، وفيه: " فلا يرِدَنَّ علىَّ أقوامٌ أعرِفُهم ويعرفوننى، ثم يحال بينى وبينهم ". وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (١): أى لا تفعلا فعلاً يخرَجنَّكما. وقوله: " أناديهم: إِلَّا هَلُمَ، فيقال: إنهم قد بدَّلوا ": قال الباجى: يحتمل أَنَّ المنافقين والمرتدّين وكل من توضأ [منهم مسلماً] (٢)، أنه يُحشرُ بالغُرَّةِ والتحجيل فلأجلها دعاهم، ولو لم يكن [السيما إِلَّا للمؤمنين لما دعاهم] (٣)، ولما ظنَّ أنهم منهم، قال: ويحتمل أن يكون ذلك لمن رأى النبى ﷺ فبدَّل بعدَه وارتد، فدعاهُم النبى ﷺ لعلمِه بِهمْ أيام حياته وإظهارهم الإسلام، وإن لم يكن لهم يومئذ غرة ولا تحجيل، لكن لكونهم عنده ﷺ أيام حياته وصحبته باسم الإسلام وظاهره. والأول أظهر، فقد دلَّت الآثار عند غير هذا بتستر المنافقين ومن كان فى غمار المؤمنين بجملتهم، ودخولهم فيهم فى العرض والحشر حتى يميَّز الله الخبيث من الطيب، وأن نور المنافقين يُطفأ عند الحاجة، فكما جعل الله لهم نوراً بظاهر إيمانهم ليغترّوا به حتى يطفأ عند حاجتهم على الصِراط، كذلك لا يبعد أن يكون لهم هنا غرَّةٌ وتحجيل حتى يُذادوا عد حاجتهم إلى الورود، نكالاً من الله ومكراً بهم ليزدادوا خَسيفةً ويحققوا مقدار ما فاتهم حين ذُهب بهم عنهم، وحين قال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (٤) ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُون﴾ (٥). قال الداودى ليس [فى هذا ما يُحتَم] (٦) به للمذادين بدخول النار، فيحتمل (٧) أن يذادوا وقتاً فتلحقهم شدةٌ ثم يتلافاهم (٨) الله برحمته، ويقول لهم النبى ﷺ هذا (٩) ثم يشفع لهم، كأنه جعلهم فى

стр. 656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أهل الكبائر من المؤمنين أو من بدَّل ببدعةٍ (١) لا يخرجُه عن الإسلام. قال غيره: وعلى هذا لا يبُعد أن يكونوا أهل غُرَّة وتحجيل بكونهم من جملة المؤمنين، قال غيره: ويحتمل أن يكون هؤلاء فيمن كان فى زمان النبى ﷺ ورآه وفيمن يأتى بعده، وقيل: هم أهل الردَّةِ، وقال أبو عمر بن عبد البر: كلُ من أحدث فى الدين [ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله] (٢) فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء، وكذلك الظلمة المترفون فى الجور وطمس الحق (٣) [وقتل أهله وإذلالهم] (٤) والمعلنون بالكبائر [المستخفون بالمعاصى، وجميع أهل الزيغ والأهواء والبدع] (٥) فكُلّ هؤلاء يخافُ عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الخبر (٦). ويشْهد على صحة تأويل من قال: إنهم أهل الردةِ، ما جاء فى رواية سهل بن سعدٍ: " أعرفهم ويعرفوننى، ثم يحال بينى وبينهم ". وقوله: " سحقاً سحقاً ": أى بُعداً، والسحيق البعيد. وقوله: " فيجيبنى مالك ": كذا لجميعهم بالباء بواحدة، من الجواب، وعند جعفر: " فيجيئنى مالك " (٧) مهموز من المجى.

стр. 657

(١٣) باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء ٤٠ - (٢٥٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ - يَعْنِى ابْنَ خَلِيفَةَ - عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ؛ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِى هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لَلِصَّلاةِ، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إبْطَهُ. فقُلْتُ لَهُ: يا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِى فَرُّوخَ، أَنْتُمْ هَاهُنَا؟ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأتُ هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِى ﷺ يَقُولُ: " تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ ". ــ وقول أبى هريرة - رضى الله عنه -: " يا بنى فرُّوخ، أنتم هاهنا؟ لو علمتُ أنكم هاهنا ما توضَّأتُ هذا الوضوء ". فرُّوخ بفتح الفاء والخاء المعجمة فى كتاب العين: بلغنا أَنَّ فروخ من ولد إبراهيم، وكان بعد إسماعيل وإسحاق ﵉ كثر نسله، فالعجم الذى فى وسط البلاد من ولده، وأراد أبو هريرة هاهنا الموالى، وكان خطابه لأبى حازم، وأبو حازم هذا أبو حازم الأعرج ليس بسلمة بن دينار (١) الفقيه الزائد المدينى (٢) مولى بنى مخزوم، وقيل: مولى بنى ليثٍ، ولكنه أبو حازم سلمان الأشجعى الكوفى مولى عزَّة الأشجعية (٣)، وكلاهُما خُرِّج عنه فى الصحيح. وقوله: ما قاله له لأنه لا ينبغى لمن يُقتَدى به إذا ترخص فى أمرٍ لضرورةٍ، أو تشدد فيه لوسوسة، أو لاعتقاده فى ذلك مذهبًا شذَّ به عن الناس أن يفعله بحضرة العامة الجهلة،

стр. 658

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لئلا يترخّصوا بترخصه لغير ضرورة، أو يعتقدوا أن ما يُشدَّد فيه هو الفرض واللازم (١)، ومثله قول عمر: أيها الرهط، إنكم يقتدى بكم. وفى هذا الحديث من علامات نبوته ﷺ وإعلامه بما يكون من علم الغيب أربعة أعلام: أولها: صفة أمَّته فى الآخرة، الثانى: تبديل بعضهم بعده، كما كان، الثالث: ما لهم فى الآخرة وتفريق الحكم فيهم، الرابع: أن له حوضًا فى الآخرة، وسيأتى ذكره فى موضعه.

стр. 659

(١٤) باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره ٤١ - (٢٥١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِى الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِلَّا أدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ ". قَالُوا: بَلَى (١)، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ " إسْبَاغُ الْوُضُوءَ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ (٢). وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ". ــ وقوله: " إِلَّا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات ": محوُ الخطايا كنايةٌ عن غفرانها، ويحتمل محوُها من كتاب الحفظة، ويكون دليلاً على غفرانها، ورفع الدرجات إعلاء المنازل فى الجنة. وقوله: " إسباغ الوضوء على (٣) المكاره ": أى إيعابُه، والمكارِه يكون من شدة ألم جسمٍ ونحوه (٤)، وكثرة الخطا (٥) تكون ببعْدِ الدار أو بكثرة التكرار. وقوله: " انتظار الصلاة بعد الصلاة ": قال القاضى أبو الوليد الباجى: وهذا فى المشتركتين من الصلوات فى الوقت وأما غيرُها فلم يكن من عمل الناس (٦). وقوله: " فذلكم الرباطُ ": يعنى المرغَّبُ فيه، وأصله الحبسُ على الشىء، كأنَّه حبسَ نفسه على هذه الطاعة، قيل: ويحتمل أنه أفضل الرباط كما قيل: الجهاد جهاد

стр. 660

(...) حدّثنى إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعًا عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيث شُعْبَة ذِكْرُ الرِّباط. وَفِى حَدِيثِ مَالِكٍ ثِنْتَيْنِ: " فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ". ــ النفس، ويحتمل أنه الرباطُ المتيسر الممكن، أى: أنه من أنواع الرباط، وقد ذهب الشيرازى (١) إلى أن ذلك من حروف الحصر، وتكرار النبى ﷺ له تعظيم لشأنه أو لعادته ليفهم عنه، وتنبيه على ما يقول.

стр. 661

(١٥) باب السواك ٤٢ - (٢٥٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرِ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ قَالَ: " لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ - وَفِى حَدِيثِ زُهَيْرٍ: عَلَى أُمَّتِى - لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ ". ٤٣ - (٢٥٣) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مسْعَرٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، قُلْتُ: بِأىِّ شَىْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. ٤٤ - (...) وحدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأ بِالسِّوَاكِ. ــ قوله ﷺ : " لولا أن أشق على أمتى لأمرتُهم بالسِّواك ": لا خلاف أنه مشروعٌ عند الوضوء والصلاة، مستحبٌ فيهما، وأنهُ غيرُ واجبٍ، لنصه ﷺ ، أنه لم يأمر به، إِلَّا ما ذكر عن داود أنه واجب بظاهر قوله ﷺ : " عليكم بالسواك "، وقوله: "استاكوا " (١) وهذا الحديث يفسرُ بظاهره. وفيه دليل لمن يرى أن أمره ﷺ على الوجوب، وهو قول أكثر الفقهاء وبعض المتكلمين، إذ المشقة إنما تلحق بالواجبات، وأنه لو أمر لوجَبَ امتثال أمره فشق ذلك على المسلمين، فلذلك لم يأمر. وفيه حجةً لمن يرى المندوُب غير مأمور به، وهى مسألة اختلف فيها أصحاب الأصول من شيوخنا وغيرهم (٢)، وفيه حجةً لمن قال من العلماء بجواز اجتهاد النبى ﷺ فى الأحكام وشرعها باجتهاده على ظاهر

стр. 662

٤٥ - (٢٥٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلانَ - وهُوَ ابْنُ جَرِيرٍ الْمَعْوَلِىُّ - عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ. ٤٦ - (٢٥٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنَّ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. ــ قوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّه﴾ (١)، وهى مسألة اختلف فيها أرباب الأصول أيضاً (٢). وقوله: " يشوصُ فاهُ بالسواك إذا قام يتهجد " (٣)، قال الإمام: الشوص أن يستاك عرضًا، وكذلك المَوْصُ، قال: وقد قال قائل لأعرابيةٍ: اغسلى ثوبى، قالت: نعم

стр. 663

(...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى وأبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ. بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَقُولُوا: لِيَتَهَجَّدَ. ٤٧ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بِشَّارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ، وَحُصَيْنٌ والأعْمَشُ عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. ٤٨ - (٢٥٦) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ. فَقَامَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِى السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلا هَذَهِ الآيَةَ فِى آلِ عِمْرَان: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١) ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَتَلا ــ وأموصُهُ، تريدُ: أغسلُه ثانيةً برفقٍ، قال الهروى فى الحديث: " كان يشوصُ فاه بالسواك ": أى يغسله، وكل شىء غسلته فقد شصتهُ ومُصته، وقال أبو عبيد: شصت الشىء نقيّتُه (٢)، وقال أبو بكر بن الأعرابى: الشوص: الدلك، والموص: الغسل. قال القاضى: ذكر ثابت بن قاسم عن وكيع: الشوص بالطول، والسواك بالعرض، وقال ابن حبيب: يشوص فاه، أى يحكه. قال أبو عمر: تأوله بعضهم أنه بأصبعه، وأن يغنى ذلك عن السواك. وقال الداودى: يشوص فاه ينقيه، كما قال فيه: " مطهرة للفم ومرضاةٌ للرب "، قال ابن دريد: الشَوص الاستياك من سُفلٍ إلى عُلوٍ، ومنه: الشوصَةُ ريح ترفع القلب عن موضعه، والذى قال الخطابى (٣) والحربى مثل ما حكاه الإمامُ فى الشوص وكونه عرضًا، وقيل: يشوص معناه: يغسل، قال أبو عبيد: شصت الشىء نقيتُه، وقيل شصت ومُصتُ: غسلتُ. وقوله: " يتهجد ": أى يُصلى من الليل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ

стр. 664

هَذِهِ الآيَةَ. ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ــ نَافِلَةً لَّكَ﴾ (١)، وهذا الحرفُ من الأضدادِ، تهجد نام، وتهجد إذا قام من الليل. قال أهل العلم: يستحب السواك عند كل حالةٍ تُغَيِّرُ ريح الفم، نحو القيام من النوم ونحوه. وقوله: " إذا دخل بيته بدأ بالسواك ": معناه: تكراره لذلك ومثابرته عليه، وأنه كان لا يقتصر فيه فى نهاره وليله على المرة الواحدة، بل على المرار المتكررة، كما جاء فى الحديث الآخر، وخص بذلك دخوله بيته لأنه مما لا يفعله ذوو المروءات بحضرة الناس (٢)، ولا يحبُ عمله فى المسجد ولا فى مجالس الجماعات (٣).

стр. 665

(١٦) باب خصال الفطرة ٤٩ - (٢٥٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْر، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَة عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَال: " الْفِطْرَةُ خَمْسٌ - أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ - الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ". ٥٠ - (...) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الاخْتِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ ". ٥١ - (٢٥٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ جَعْفَرٍ، قَالَ ــ وقوله: " خمس من الفطرة " وفى الحديث الآخر: " عشر " الفطرة هاهنا: السنة، قاله الخطابى، قال: ومعناه: إن هذه الخصال من سنن الأنبياء، وقد قيل عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَاَتمَّهُنَّ﴾ (١) قال: أمره بعشر خصالٍ ثم عدَّهنَّ نحو ما فى الحديث، فلما فعلهُن قال: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (٢) ليُقتَدى بك، ويقال: كانت عليه فرضًا ولنا سُنةً، وجاء بعد هذا عشر من الفطرة، فلعل قوله هذا بعد الأول، فكانت السُنن تزيد شيئًا بعد شىء، وكذلك الفرائض، ولم يذكر فى حديث العشر هنا الختان من جملة الخمس المذكورة فى الحديث الآخر، قال زكريا بن أبى زائدة راوى الحديث: " ونسيتُ العاشرة إِلَّا أن يكون المضمضة ". قال القاضى: ولعلها الختان المذكور مع الخمس وهو أولى، وفى رواية عمار بن ياسر نحوها فى الأم، ولم يذكر فيها إعفاء اللحى، وزاد الاختتان، وذكر المضمضة والاستنشاق، فيكون على هذا إعفاء اللحية وقص الشارب كالسنة الواحدة إذ هو كالعضو الواحد. وذكر الانتضاح مكان انتقاص الماء وهو بمعنى غسْله.

стр. 666

يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: وُقِّتَ لَنَا فِى قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإبِطِ، وَحَلْقَ الْعَانَةِ إِلَّا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أرْبَعِينَ لَيْلَةً. ٥٢ - (٢٥٩) حدّثنا مَحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ قَالَ: " أحْفُوا الشَّوَارِب، وَأعْفُوا اللِّحَى ". ــ وقول أنسٍ: " وقَّتَ لنا فى قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة إِلَّا نترك ذلك أكثر من أربعين يوماً " قال العُقَيلى: فى حديث جعفر نظر، قال أبو عمر: لم يروه إِلَّا جعفر بن سليمان (١)، وليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه. قال القاضى: وما فى الحديث إنما هو حد فى أكثر (٢) ذلك، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة وإلا فلا تحديد فيه عند العلماءِ، إِلَّا أنه إذا كثر ذلك وطال من شارب أو شعر إبط قصَّه وأزاله. وقوله: " أحفوا الشوارب " بألفٍ مهموزةٍ (٣)، وأمر بإحفاء الشوارب، قال الهروى: أى يلزق جَزَّها، قال الخطابى: ويكون بمعنى الاستقصاء يقال: أحفى شاربه ورأسه (٤)، قال ابنُ دريد: يقال: حفا شاربة يحفوه حفوًا إذا استأصل أخذ شعره، ومنه قوله: " أحفوا الشوارب ". ذكر مسلم فى حديث أبى هريرة: " جُزوا الشوارب "، كذا عند شيوخنا، ووقع عند بعضهم: " خذوا الشوارب " ومعنى ذلك عند مالك: قصُّهُ، كم جاء فى الحديث الآخر:

стр. 667

٥٣ - (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ. ٥٤ - (...) حدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأوْفُو اللِّحَى ". ٥٥ - (٢٦٨) حدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِى الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ - مَوْلَى الْحُرَقَةِ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وأرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوس ". ــ "وقصُ الشارب"، وفى البخارى: " أنهكوا الشوارب " (١)، وقد تأول على الوجهين على المبالغة وترك المبالغة. وقوله: " واعفوا اللحى " (٢) وفى رواية: " أوفوا اللحى " وهما بمعنى، أى اتركوها حتى تكثر وتطول. قال القاضى: وذكر مسلم فى حديث أبى هريرة: " أرخوا اللحى "، كذا عند أكثر شيوخنا، ولابن ماهان: " أرجوا " بالجيم، قيل: معناه: أخِروا، وأصله أرْجؤوا، فَسُهِّلَت الهمزةُ بالحذف، وكان معناه: اتركوا فيها فعلكم بالشوارب، وكله من معنى ما تقدم، وفى البخارى: " وفّرُوا اللحى " (٣). قال الإمام: قال أبو عُبيد فى إعفاء اللِّحى: هو أن تُوفَّرَ وتُكْثَر، يقال: عفا الشىء إذا كثر وزاد، وأعفيته أنا وعفا إذا درسَ، وهو من الأضداد، ومنه الحديث: " فعلى الدنيا العفاء " (٤): أى الدروس ويقال: التراب. قال القاضى: يقال: عفوتُ الشَّعْرَ وأعفيتُه لغتان، وكُرِه قَصُّها وحلقُها وتحريقُها، وقد جاء الحديث بذم فاعل ذلك، وسُنَّةُ بعض الأعاجم حلقُها وجزُها وتوفير الشوارب،

стр. 668

٥٦ - (٢٦١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِى زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ ". قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَب: وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ إِلا أَنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ. ــ وهى كانت سبرةُ الفرس (١)، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، ويكره الشهرةُ فى تعظيمها وتحليتها كما تُكره فى قصِّها وجزّها، وقد اختلف السلف هل لذلك حَدٌّ؟ فمنهم من لم يُحدِّد إِلَّا أنه لم يتركها لحدِّ الشهرة ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدًا، ومنهم من حدَّد، فما زاد على القبضةِ فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إِلَّا فى حجٍّ أو عُمرةٍ، وأمَّا الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه بظاهر قوله: " احفوا "، و " انهكوا "، وهو قول الكوفيين، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصالِ، وقاله مالك، وكان يرى حلقَه مُثَلةً ويأمُرُ بأدب فاعله، وكان يكرَه أن يأخُذَ من أعلاه، ويذهب هؤلاء إلى أن الإحفاء والجزَّ والقصَ بمعنى واحد، وأنه الأخذ منه حتى يبدُو الإطارُ، وهو طرفُ الشفةِ، وذهب بعض العلماء إلى التخيير فى الفعلين (٢). والبراجم مفاصل الأصابع، وقد تقدَّم أنه ﷺ أمر بغسل ما يجتمع على الجلد المتُشنّج هنالك من الأوساخ لتغَضُنِها، وفسَّر وكيع انتقاص الماء بالاستنجاء، وقال أبو عبيدٍ فى معناه: انتقاص البول بالماء إذا غَسَلَ مذاكيره به وقيل: هو الانتضاح به. قال الإمام: قال الهروى: الاستحداد حلق العانة بالحديد (٣). قال القاضى: جاء فى الرواية الأخرى مفسَّرًا.

стр. 669

زَادَ قُتَيْبَةُ: قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِى الاسْتِنْجَاءَ. (...) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُصْعَب بْنِ شَيْبَةَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أبُوهُ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ. ــ وقوله: " والاختتان " هو عند مالك وعامة الفقهاء سنةٌ (١)، وقِرانِه مع هذه السُنن وعدّه فى الفطرة (٢) حجةً لنا على من يحتج بالقرائن، وهو هنا أجرى، لنصِّه عليها أنها من الفطرة أجمع، وفيه حجةً - أيضاً - لمن لا يرى المضمضة والاستنشاق واجبتين لما ذكرنا، وقد ذكر عنه ﷺ : " الختان سنةً "، وذهب الشافعى إلى وجوب ذلك، وهو مقتضى قول سُحنون (٣)، واحتج ابن سريج عليه بالإجماع على ستر العورة وتحريم النظر إليها، قال: فلولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إلى عورة المختون ولا انتُهك هذا المحرَّم. وقد يجاب عن هذا بأن مثل (٤) هذا يُباح لمصلحة الجسم ونظر الطَبيب ومعاناة ذلك الموضع، وليس الطبُّ بواجب إجماعًا فما فيه مصلحة دينه وتمام فطرته وشعار ملته أولى بذلك.

стр. 670

(١٧) باب الاستطابة ٧ - (٢٦٢) حدّثنا أبو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - واللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ؛ قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَىْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ، فَقَالَ: أجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْل، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتنْجِىَ بِأقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ. ــ وقوله: " علمكم كلَّ شىء حتى الخراءة " بكسر الخاء، ممدودٌ، وهو اسم فعل الحدث، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدود وبفتح الخاء وكسرها، وبفتحها وسكون الراء أيضاً، وضم الراء فى هذا أيضاً. وفى حديث سلمان هذا: " نهانا أن نستقبل القبلة لغائطٍ أو بولٍ، وأن نستنجى باليمين وأن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستنجى برجيع أو عظمٍ "، قال الإمام: اتفق المذهبُ على النهى عن استقبال القبلة أو استدبارها عند الغائط أو البول فى الفلوات واختلف فى جواز ذلك فى القرى والمدائن إذا لم تكن مراحيض مبنية على ذلك، وظاهر المذهب أن المراحيض إذا كانت مبنيةً على شكل يقتضى استقبال القبلة واستدبارها أنه لا يُكلف الانحراف (١)، وقول أبى أيوب فى الحديث: " فينحرف عنها ويستغفر الله " (٢) يدل على أنه يرى الانحراف ولو كانت مبنيةً، ووجه الخلاف الذى قدمناه عندنا فى استقبالها فى المدائن معارضة قوله ﷺ : " لا تستقبل القبلة " بفعله حين رآه ابن عمر على لبنتين، فمن أنزل فعله منزلةَ قوله خصَّص عموم قوله بفعلِه، ومن رأى أن الأقوال تقدّم على الأفعال لم يخص ويمنع (٣) ذلك فى المدائن، وقد يتأول أيضاً حديث ابن عمر أن اللبنتين كانتا مبنيتين، وذلك من القسم الذى أشرنا إلى الاتفاق عليه من أصحابنا، ويصح أن يبنى الخلاف من جهة المعنى على اختلافهم فى تعليل منع استقبال القبلة للبول فى الفلوات هل هو لحرمة القبلة أو للمصلين إليها من الملائكة؟ فمن جعله لحرمة القبلة منعه فى المدائن على السطوح وفى الشوارع وإن كان مستتراً بالحيطان؛ لأن قبلتهُ إلى الحيطان، ومن علله بالمصلين لم يمنع لوجود السواتر. واختلف عندنا فى كشف الفرج عند الجماع
следующие страницы →