يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِىِّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: وُقِّتَ لَنَا فِى قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإبِطِ، وَحَلْقَ الْعَانَةِ إِلَّا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أرْبَعِينَ لَيْلَةً.
٥٢ - (٢٥٩) حدّثنا مَحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ قَالَ: " أحْفُوا الشَّوَارِب، وَأعْفُوا اللِّحَى ".
ــ
وقول أنسٍ: " وقَّتَ لنا فى قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة إِلَّا نترك ذلك أكثر من أربعين يوماً " قال العُقَيلى: فى حديث جعفر نظر، قال أبو عمر: لم يروه إِلَّا جعفر بن سليمان (١)، وليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه.
قال القاضى: وما فى الحديث إنما هو حد فى أكثر (٢) ذلك، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة وإلا فلا تحديد فيه عند العلماءِ، إِلَّا أنه إذا كثر ذلك وطال من شارب أو شعر إبط قصَّه وأزاله.
وقوله: " أحفوا الشوارب " بألفٍ مهموزةٍ (٣)، وأمر بإحفاء الشوارب، قال الهروى: أى يلزق جَزَّها، قال الخطابى: ويكون بمعنى الاستقصاء يقال: أحفى شاربه ورأسه (٤)، قال ابنُ دريد: يقال: حفا شاربة يحفوه حفوًا إذا استأصل أخذ شعره، ومنه قوله: " أحفوا الشوارب ".
ذكر مسلم فى حديث أبى هريرة: " جُزوا الشوارب "، كذا عند شيوخنا، ووقع عند بعضهم: " خذوا الشوارب " ومعنى ذلك عند مالك: قصُّهُ، كم جاء فى الحديث الآخر:
стр. 667
٥٣ - (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ.
٥٤ - (...) حدّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأوْفُو اللِّحَى ".
٥٥ - (٢٦٨) حدّثنى أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِى الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ - مَوْلَى الْحُرَقَةِ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وأرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوس ".
ــ
"وقصُ الشارب"، وفى البخارى: " أنهكوا الشوارب " (١)، وقد تأول على الوجهين على المبالغة وترك المبالغة.
وقوله: " واعفوا اللحى " (٢) وفى رواية: " أوفوا اللحى " وهما بمعنى، أى اتركوها حتى تكثر وتطول.
قال القاضى: وذكر مسلم فى حديث أبى هريرة: " أرخوا اللحى "، كذا عند أكثر شيوخنا، ولابن ماهان: " أرجوا " بالجيم، قيل: معناه: أخِروا، وأصله أرْجؤوا، فَسُهِّلَت الهمزةُ بالحذف، وكان معناه: اتركوا فيها فعلكم بالشوارب، وكله من معنى ما تقدم، وفى البخارى: " وفّرُوا اللحى " (٣).
قال الإمام: قال أبو عُبيد فى إعفاء اللِّحى: هو أن تُوفَّرَ وتُكْثَر، يقال: عفا الشىء إذا كثر وزاد، وأعفيته أنا وعفا إذا درسَ، وهو من الأضداد، ومنه الحديث: " فعلى الدنيا العفاء " (٤): أى الدروس ويقال: التراب.
قال القاضى: يقال: عفوتُ الشَّعْرَ وأعفيتُه لغتان، وكُرِه قَصُّها وحلقُها وتحريقُها، وقد جاء الحديث بذم فاعل ذلك، وسُنَّةُ بعض الأعاجم حلقُها وجزُها وتوفير الشوارب،
стр. 668
٥٦ - (٢٦١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِى زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ ". قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَب: وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ إِلا أَنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ.
ــ
وهى كانت سبرةُ الفرس (١)، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، ويكره الشهرةُ فى تعظيمها وتحليتها كما تُكره فى قصِّها وجزّها، وقد اختلف السلف هل لذلك حَدٌّ؟ فمنهم من لم يُحدِّد إِلَّا أنه لم يتركها لحدِّ الشهرة ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدًا، ومنهم من حدَّد، فما زاد على القبضةِ فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إِلَّا فى حجٍّ أو عُمرةٍ، وأمَّا الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه بظاهر قوله: " احفوا "، و " انهكوا "، وهو قول الكوفيين، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصالِ، وقاله مالك، وكان يرى حلقَه مُثَلةً ويأمُرُ بأدب فاعله، وكان يكرَه أن يأخُذَ من أعلاه، ويذهب هؤلاء إلى أن الإحفاء والجزَّ والقصَ بمعنى واحد، وأنه الأخذ منه حتى يبدُو الإطارُ، وهو طرفُ الشفةِ، وذهب بعض العلماء إلى التخيير فى الفعلين (٢).
والبراجم مفاصل الأصابع، وقد تقدَّم أنه ﷺ أمر بغسل ما يجتمع على الجلد المتُشنّج هنالك من الأوساخ لتغَضُنِها، وفسَّر وكيع انتقاص الماء بالاستنجاء، وقال أبو عبيدٍ فى معناه: انتقاص البول بالماء إذا غَسَلَ مذاكيره به وقيل: هو الانتضاح به.
قال الإمام: قال الهروى: الاستحداد حلق العانة بالحديد (٣). قال القاضى: جاء فى الرواية الأخرى مفسَّرًا.
стр. 669
زَادَ قُتَيْبَةُ: قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِى الاسْتِنْجَاءَ.
(...) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُصْعَب بْنِ شَيْبَةَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أبُوهُ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ.
ــ
وقوله: " والاختتان " هو عند مالك وعامة الفقهاء سنةٌ (١)، وقِرانِه مع هذه السُنن وعدّه فى الفطرة (٢) حجةً لنا على من يحتج بالقرائن، وهو هنا أجرى، لنصِّه عليها أنها من الفطرة أجمع، وفيه حجةً - أيضاً - لمن لا يرى المضمضة والاستنشاق واجبتين لما ذكرنا، وقد ذكر عنه ﷺ : " الختان سنةً "، وذهب الشافعى إلى وجوب ذلك، وهو مقتضى قول سُحنون (٣)، واحتج ابن سريج عليه بالإجماع على ستر العورة وتحريم النظر إليها، قال: فلولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إلى عورة المختون ولا انتُهك هذا المحرَّم. وقد يجاب عن هذا بأن مثل (٤) هذا يُباح لمصلحة الجسم ونظر الطَبيب ومعاناة ذلك الموضع، وليس الطبُّ بواجب إجماعًا فما فيه مصلحة دينه وتمام فطرته وشعار ملته أولى بذلك.
стр. 670
(١٧) باب الاستطابة
٧ - (٢٦٢) حدّثنا أبو بَكْرِ بْنُ أبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - واللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَلْمَانَ؛ قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَىْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ، فَقَالَ: أجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْل، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتنْجِىَ بِأقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِىَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.
ــ
وقوله: " علمكم كلَّ شىء حتى الخراءة " بكسر الخاء، ممدودٌ، وهو اسم فعل الحدث، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدود وبفتح الخاء وكسرها، وبفتحها وسكون الراء أيضاً، وضم الراء فى هذا أيضاً.
وفى حديث سلمان هذا: " نهانا أن نستقبل القبلة لغائطٍ أو بولٍ، وأن نستنجى باليمين وأن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستنجى برجيع أو عظمٍ "، قال الإمام: اتفق المذهبُ على النهى عن استقبال القبلة أو استدبارها عند الغائط أو البول فى الفلوات واختلف فى جواز ذلك فى القرى والمدائن إذا لم تكن مراحيض مبنية على ذلك، وظاهر المذهب أن المراحيض إذا كانت مبنيةً على شكل يقتضى استقبال القبلة واستدبارها أنه لا يُكلف الانحراف (١)، وقول أبى أيوب فى الحديث: " فينحرف عنها ويستغفر الله " (٢) يدل على أنه يرى الانحراف ولو كانت مبنيةً، ووجه الخلاف الذى قدمناه عندنا فى استقبالها فى المدائن معارضة قوله ﷺ : " لا تستقبل القبلة " بفعله حين رآه ابن عمر على لبنتين، فمن أنزل فعله منزلةَ قوله خصَّص عموم قوله بفعلِه، ومن رأى أن الأقوال تقدّم على الأفعال لم يخص ويمنع (٣) ذلك فى المدائن، وقد يتأول أيضاً حديث ابن عمر أن اللبنتين كانتا مبنيتين، وذلك من القسم الذى أشرنا إلى الاتفاق عليه من أصحابنا، ويصح أن يبنى الخلاف من جهة المعنى على اختلافهم فى تعليل منع استقبال القبلة للبول فى الفلوات هل هو لحرمة القبلة أو للمصلين إليها من الملائكة؟ فمن جعله لحرمة القبلة منعه فى المدائن على السطوح وفى الشوارع وإن كان مستتراً بالحيطان؛ لأن قبلتهُ إلى الحيطان، ومن علله بالمصلين لم يمنع لوجود السواتر. واختلف عندنا فى كشف الفرج عند الجماع
стр. 671
(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ؛ قَالَ: قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ:
ــ
مستقبل القبلة (١)، هل ذلك كمثل استقبالها للبول والغائط؟ وسببُ الخلاف: هل ذلك لأجل العورة أو لأجل الحدث؟ فمن جعل العلة الحدث جعل الجماع بخلاف البول فى الاستقبال، وفى بعض روايات الحديث: " ولكن شرقوا وغربوا " وهذا محمول على أنه إنما خاطب قومًا لا تكون الكعبة فى شرق بلادهم ولا غربها، ولعل كذلك الأمر فى مدينة الرسول ﷺ .
قال القاضى: قد قيل هذا الحديث لأهل المدينة ومن وراءها من الشام والمغرب؛ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها، وإلى هذا نحا البخارى فى كتابه (٢)، وإلى ما ذهب إليه مالك من التفريق بين القرى والصَّحارى ذهب الشافعى (٣) تعويلاً على تخصيص حديث ابن عُمَر، وما جاء من الحديث بمعناه، ولمالك قول آخر بالمنع فيهما إِلَّا فى الكُنُف للمشقة فى الانحراف فيها، وأختُلِف على أبى حنيفة، فمشهور مذهبه المنعُ فيهما - وهو قول أحمد وأبى ثور أخذًا بظاهر مجردِ النهى، والأمر بالتشريق والتغريب، وعن أبى حنيفة المنع فيهما فى الصحراء والاستقبال فى المدن دون الاستدبار، وذهب ربيعةُ وداود إلى جواز ذلك فيهما؛ اعتمادًا على حديث ابن عمر، وأنه ناسخ لكونه متأخرًا مع ما ورد بمثلِه (٤)، وروى عن أبى حنيفة - أيضًا - جوازُ الاستدبار فيهما وإنما يُمنع فيهما الاستقبال وأما الاستدبار فبحكم (٥) أن المدينة ما بين بيت المقدس ومكة، فاستقبال أحدهما استدبار الأخرى للحديث الوارد فى النهى عن استقبال القبلتين، ولحديث ابن عمر؛ من أنه رأى النبى ﷺ مستقبل بيت المقدس، ولحديث جابر: أنه رآه قبل موته مستقبل القبلة لذلك ونحوه عن أبى قتادة، وذهب النخعى وابن سيرين إلى منع استقبال القبلتين واستدبارهما، وذهب بعض شيوخنا أن ظاهر المذهب جواز استقبالها فى القرى والمدائن واستدبارها من غير ضرورة إلى ذلك واستدل بلفظٍ محتملٍ وقع له فى المدَّونةِ (٦)، وقيل فى اطلاع ابن عمر: ليس من التجسُّسِ، ولعلَّه من غير قصدٍ، أو يحتمل أنه قصد
стр. 672
إِنِّى أرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ، حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ. فَقَالَ: أجَلْ، إنَّهُ نَهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِىَ أحَدُنَا بِيَمِينِهِ، أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ، وَقَالَ: " لا يَسْتَنْجِى أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ".
ــ
ذلك للتعليم والأمن (١) من الاطلاع على ما لا يجب الاطلاع عليه، إذ مقصده الاطلاع على توجه وجهه حين جلوسه ورؤية ظاهره لا غير ذلك؛ ليستدل منه على مراده، وقول أبى أيوب عنها: " ونستغفر الله "، قيل: لعله لم يبلغه حديث ابن عمر.
وقوله آخر الحديث: " قال: نعم " هو جواب سفيان ليحيى بن يحيى عن قوله: سمعتُ الزهرى يذكر عن عطاء، على مذهب من يرى التقرير في العرض والقراءة على المُحِّدِثِ، وفى قول أبى أيوب أخذه بالعموم والقول بهِ.
وقوله: " وأن يستنجى بيمينه " وفى حديث آخر: " يتمسَّح بيمينه " وفى آخر: " أن يستطيب بيمينه " وكله بمعنى واحدٍ سواء بالماء أو الحجارة، فهو استنجاء لأنه إزالة النجوس، أو تفسيره [من] (٢) قولهم: نجوت العود إذا قشرته، وكذلك معنى التمسُّح وكذلك الاستجمار، وقد تقدَّم وكذلك الاستطابة؛ لأنه يطبب الموضع بفعْله ويذهب عنه القذَرَ، وفى حديث آخر: النهى عن مس الذكر باليمين.
قال الإمام: فينبغى لمن أراد أن يستجمر من البول أن يأخذ ذكره بشماله ثم يمسح به حجراً ليسلم على مقتضى الحديثين. قال القاضى: أَمَّا من أمكنه حجرٌ ثابتٌ يتمسَّح به وأمكنه الاسترخاء حتى يتمسح بالأرض أو ما يمكنه التمسح به من ثابتٍ طاهرٍ جامد فنعم، ولكنه قد لا يتهَّيأ له ذلك ولا يمكنه فى كل وقتٍ، وإذا كان هذا ودعت ضرورة إلى الاستعانة باليمين، فأولى ذلك أن يأخذ ذكره بشماله، ثم يأخذ الحجر أو الخرقة أو العود أو ما يتمسَّح به بيمينه، فيمسكه أمامه، ويتناول بالشمال تحريك رأس ذكره، ويمسحه بذلك دون أن يستعمل اليمين فى غير الإمساك، فلا يكون ماسًا ذكره بيمينه ولا مستنجيًا بها. وقد ذكر الخطابى وجهًا آخر، وهو أن يجلس على الأرض ويمسك برجليه الشىء الذى يتمسَّح به ويتناول إمساك الذكر بشماله (٣)، وهذا - أيضًا - لا يتهيأ فى كل موضعٍ ولا لكل بائل، والأولى فيه ما ذكرناه وهو يتهيأ على كل حال، وقد يتساهل الناس في التمسح بالحيطان، وهو مما لا يجب فعله لتنجيسها، ولأن للناس ضرائر فى الانضمام إليها لا سيما عند نزول الأمطار وبلل الثياب، ولا يجب - أيضاً - فى حيطان المراحيض لهذا؛
стр. 673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنها تتنجَّس من تكرار ذلك فيكون التمسح بها بعد من الاستجمار بالتنجس الذى لا يُطهَرُ ولا يُعفَى عنه؛ ولأنه ﷺ نهى عن الاستنجاء بالرجيع (١) لأنه يُزيد الموضِع تنجسًا، ويُدخِل عليه نجاسةً من خارج غير ضروريَّةٍ ولا معفوّ عنها. وعلة النهى عن هذا إكرامًا للميامن، وتخصيصها بأعالى الجسم وأفعال العبادات والمكرمات والأكل والشرب والسلام، وتنزيهها عن مباشرة الأقذار والنجاسات والعورات. ومذهب مالك وعامَّةِ أهل العلم أن المستنجى بيمينه أساء واستنجاؤه جائز، ومذهب أهل الظاهر وبعض الشافعية إلى أن الاستنجاء باليمين لا يجزئ، لاقتضاء النهى فساد المنهى عنه، وهو أصل مختلف فيه عند أرباب الأصول (٢).
وقوله: " وأن يستجمر بأقل من ثلاثةِ أحجار " (٣)، قال الإمام: يحتج به من قال من أصحابنا: لا يقتصر على أقل من ثلاثةِ أحجار، وإن حصل الإنقاء بدونها، وهذا نحو ما ذكرنا من حجة من قال: تُغْسل اليد ثلاثًا قبل إدخالها فى الإناء وإن كانت نقيَّةً.
قال القاضى: قد تقدم من هذا شىء فى أول الباب، لكن فى حديث سلمان هذا من رواية ابن مثنى: " لا يستنجى أحدكم بدون ثلاثة أحجار "، وهو أقوى حجة للمخالف، وقد حمله شيوخنا على الندب لمبالغة النقاوة، ولأنه أكثر ما يستعمل غالبًا، وَقلَّ (٤) ما ينقى الواحد، أو لاستعمالها فى المخرجين، وللحديث الآخر من قوله: " فجئت بحجرين وروثة فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة " وللحديث الآخر: " من فعل فقد
стр. 674
٥٨ - (٢٦٣) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: نَهَى رسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بِبَعَرٍ.
ــ
أحسن، ومن لا، فلا حرج " (١).
وقوله: " ثلاثة أحجار ": تعلق داود بنص النبى ﷺ عليها أنه لا يجزئ الاستنجاء بغير الأحجار، وعامة العلماء على خلافِه، ولكن مالكًا وغيره يستحب الحجارة وما فى معنى الحجارة، وما هو من جنسها (٢). واستثناء النبى ﷺ فى النهى عن الاستنجاء بالعظم والروثة وما خَصَّه مما نصَّ عليه يقابل تعلقهُم بتخصيص اسم الحجارة، ولأن تعلق الحكم بالاسم لا يدُلُ على أن ما عَداه بخلافه عند أكثر الأصوليين (٣)، وتعليله ﷺ عند طرح الروثة بقوله: " إنها رِكسٌ " فبيَّن علَّتها، ولم يقل: إنها ليست بحجرٍ دَلّ أن لا اعتبار بالحجر نفسه، لكن ذكره الأحجار لأنها أكثر ما يوجد، ولأنه قد جاء فى حديث ابن عباس: " أو ثلاث حثَياتٍ من ترابٍ أو ثلاثةِ أعواد ".
وأما نهيه عن الاستجمار بالروثة والعظم والبعر، وفى رواية: " والرِّمَّةِ " قال الإمام: قيل فى علة منعه: لأجل أنه زادٌ للجن وعلفُ دوابِّهم، وقيل: لأن الروثة تزيد فى نجاسة
стр. 675
٥٩ - (٢٦٤) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: قلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتَ الزُّهْرِىَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلا غَائِطٍ، وَلكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا ". قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّام. فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ. فَنَنْحَرِفُ عَنْها وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
ــ
المكان والعظم لا يُنقى لملوسته وعقْدُ ما يجزى الاستنجاء (١) [عندنا] (٢) به كلُ منقٍ طاهر ليس بمطعوم ولا ذى حُرمةٍ، فقولنا: مُنقٍ احتراز من العظم والزجاج، وقولنا: طاهر احترازًا من النجس، وقولنا: ليس بمطعوم احترازًا من الأطعمة، وقد يدخل فيه طعام الجن، وقولنا. ولا ذى حُرمةٍ احترازًا من حيطان المساجد وشبه ذلك، وقد شذَّ بعض الفقهاء ولم ير الاستنجاء بالماء العذب، [وهو إنما بنى] (٣) على أنه طعام عنده والاستنجاء بالطعام ممنوع.
قال القاضى: زاد بعض شيوخنا فى صفة المستنجى به إِلَّا يكون سَرَفًا، احترازًا من الجواهر النفيسة، وأن يكون منفصلاً، احترازًا من يد نفسه، وأن يكون جامدًا؛ لأن به يقع التجفيف، ولأن الشىء الرطبَ والخرقةَ المبتلة أو الحجر المبتل وإن قلع النجوَ وأزاله، فإنه خرج عن حَدِّ المسح ولم يبلغ درجةَ الغُسل فخرج عن بابه، ولأن بما فيه من رطوبة ينشر النجاسةَ عن محلها، ووقع فى مسلم فى النهى عن الاستنجاء بالرجيع، وهى العذَرَةُ لنجاستها، والعلة فى ذلك ما تقدم من إدخالها بمباشرة رطوبة الموضع عليه نجاسةً خارجةً غير ضرورية، وكذلك ذكر فى الأم فى بعض الروايات، والرِّمَةِ وهى العظم البالى (٤)، وهى من معنى العظم. وعلل العظم بعللٍ، منها: ما جاء فى الحديث: أنه زاد الجن، ومنها: أنه من باب المطعومات وما له حرمةٌ إذ تؤكل فى الشدائد ويُتمشمسُ (٥) مع الاختيار، وأن الرّمَّة يريدُ بأنها تتفتت ولا تنقى، وقيل: لملوسة العظم وصقالته وأنه لا ينقى، وقيل: لأنه لا يُعْرى من بقية دسمٍ يبقى فيه يزيدُ المكان نجسًا. وفى بعض الأحاديث: " والحُمَمَةُ " وهى الفحم، والعلة فيها - أيضاً - ما جاء فى الأثر أنها من طعام الجن، ولأنه لا صلابةَ لأكثره، بل يتفتت عند الاستنجاء به والضغط له ولا يقلع
стр. 676
٦٠ - (٢٦٥) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ قَالَ: " إذا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ، فَلا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلا يَسْتَدْبِرْهَا ".
٦١ - (٢٦٦) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ بِلالٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ؛ قَالَ: كُنْتُ أصَلِّى فِى الْمَسْجِدِ. وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقَبْلَةِ، فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلاِتى انْصَرَفْتُ إلَيْهِ مِنْ شِقِّى، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: يَقُولُ نَاسٌ: إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ، فَلا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلا بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ، فَرَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لَحَاجَتِهِ.
٦٢ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: رَقِيتُ عَلِى بَيْتِ أخْتِى حَفْصَةَ، فَرَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ.
ــ
الحدث كالتراب ويُلوث جسد الإنسان ويُسوِّدُه، والإسلامُ بُنى على النظافة، واختلفت الرواية عن مالك فى كراهة هذا، والمشهور عنه النهى عن الاستنجاء بها على ما جاء فى الحديث، وعنه - أيضًا - إجازة ذلك، وقال: ما سمعت فى ذلك (١) بنهى عام، وذهب بعض البغداديين إلى جواز ذلك إذا وقع بما كان وهو قول أبى حنيفة (٢)، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز، وإليه نحا ابنُ القصار، وهو قول الشافعى، وقال بعضهم: لا يجزئ مما كان بحسِّ العين للعلة التى قدَّمنا، وإليه نحا القاضى ابن نصر.
وذكر مسلم حديث أحمد بن الحسن بن خراش قال: ثنا عمر بن عبد الوهاب، ثنا يزيد بن ذريع، ثنا روح، عن سُهيلٍ، عن القعقاع، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرة، عن النبى ﷺ قال: " إذا جلس أحدُكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها "، قال الدارقطنى: هذا غير محفوظ عن سهيل وإنما هو حديث ابن عجلان حدَّث به عنه روحٌ
стр. 677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وغيره (١)، وقد ذكر حديث ابن عُمَر: لقد رقيتُ على ظهر بيتٍ فرأيت رسول الله ﷺ قاعدًا على لبنتين ... الحديث، إن قيل: كيف استجاز ابن عُمَرَ الاستكشاف على النبى ﷺ فى تلك الحال؟ قيل: يحتمل أنه لم يقصد ذلك، أو قصد من ذلك رؤية أعلاه ليستدل بصورة جُلوسِه هناك على فِعله مع تحفِّظِه من الاطلاع على غير أعلاه.
стр. 678
(١٨) باب النهى عن الاستنجاء باليمين
٦٣ - (٢٦٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَن أَبِيهِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمينِهِ وهُوَ يَبُولُ، وَلا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فى الإنَاءِ ".
٦٤ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائىِّ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ الَخْلاءَ فَلا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ ".
٦٥ - (...) حدّثنا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِىُّ عَنْ أَيُّوبَ، عْنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَنَفَّسَ فِى الإِنَاءِ، وَأنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَأنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ.
ــ
وقوله فى هذا الحديث: " ونهى عن التنفس فى الإناء ": هو على طريق الأدب ومخافة التقزّز للغير لأجل ذلك، كما نهى عن النفخ فى الشراب لذلك ومخافة ما لعله يخرج مع النفخ والنفس من البُصاق ورطوبةِ الأنف، ويقع فى الشراب والطعام فيُتَقَذَّر لذلك؛ ولأن ترداد النفس فى الإناء يبخره وَيكسبه رائحة كريهةً، وهو أحد معانى النهى عن اختناث الأسقية، ويأتى تمامُهُ فى كتاب الأشربة. وهناك معنى الحديث الآخر: أنه كان يتنفس فى الإناء ثلاثاً.
(٢٠) باب النهى عن التخلى فى الطرق والظلال
٦٨ - (٢٦٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِى الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ " قَالُوا: وَمَا اللَعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الَّذِى يَتَخَلَّى فِى طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِى ظِلِّهِمْ ".
ــ
وقوله: " اتقوا اللاعِنين " وتروى " اللَّعانين، وفسَّر ذلك بالتخلى فى طريق الناس أو ظلهم (١) التخلى مأخوذ من الخلاء وهى عبارة عن الستر والتفرد لقضاء الحاجة والحدث، وسُمِّتِ اللاعنين، أى تجلبان اللعن لفاعلها؛ لأن مثل ذلك مأخوذ من جوادّ، وظلال المناهل مُسْتراح الناسِ ومُتردّدُهم لمنافعهم، فمن وجد فيها القذر ونكِدَ عليه تصرُّفه فيه لعن فاعله، وفى الحديث الآخر فى غير الأم: " اتقوا الملاعن الثلاث " (٢)، وذكر هذين والثالث الموارد، وهى ضفة النهر ومشارع المياه، وقد يكون اللاعنان هنا بمعنى الملعونين، أى الحالتين الملعونتين والملعون فاعلهما، كما قال: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ (٣) أى مرضية.
стр. 681
(٢١) باب الاستنجاء بالماء من التبرز
٦٩ - (٢٧٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا. وَتَبِعَهُ غُلامٌ مَعَهُ مِيْضَأَةٌ هُوَ أَصْغَرْنَا - فَوَضَعَهَا عِنْدَ سِدْرَةٍ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاجَتَهُ فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدِ اسْتَنْجى بِالْمَاءِ.
٧٠ - (٢٧١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَغُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَطَاءِ
ــ
وفى الحديث: " أنه ﷺ دخل حائطًا واتَّبعه غلام معه ميضأةٌ "، وذكر فيه: " أنه استنجى بالماء ". الميضأة إناء يُستعمل للوضوء مثل المطهرة، وقيل: هى ما يسع قدر ما يتوضأ به، واستحب بعض الناس إِلَّا يتوضأ إِلَّا من الأوانى ولا يتوضأ من المشارع والغدُرُ، إذ لم يرد ذلك عن النبى ﷺ ، ولا أصل له فى هذا، ولم يرد أن النبى ﷺ وجدَها فعَدَل عنها إلى الأوانى.
قال الإمام: اختلف الناس، ما المستحب فى (١) الاستنجاء؟ فقال بعضهم: الماء، وقال بعضهم: الأحجار، وقال بعضهم: [الأولى] (٢) الجمع بينهما (٣)، فالحجر لإزالة العين، والماء لإزالة الأثر.
قال القاضى: واختلف فى الاستنجاء، هل هو فرض بنفسه أو من باب زوال النجاسة (٤)؟ فمذهب مالك أنه من باب إزالة النجاسة وليس بفرض وأنه سُنةً لا ينبغى تركُها (٥)، حكاه ابن القَصَّار. واختلفت عبارة أصحابه فى ذلك وفى حكمها فى الصلاة، وذهب الشافعى وأحمدُ وأبو ثور إلى وجوب الاستنجاء وإزالة سائر النجاسات، وحكى عبدُ الوهاب وجوبَ ذلك عن مالكٍ أيضًا، وقال أبو حنيفة: الاستنجاء ليس بفرضٍ (٦)، قال: وإزالة غيره من النجاسات فرض، ثم اختلف أصحابنا، هل إزالتُها شرط فى صحة الصلاة أم لا؟ وهل يلزم الإعادة من صلى بها أبدًا أم لا؟ وهل هى شرط مع الذكر والنسيان أم مع الذكر فقط (٧)؟
стр. 682
ابْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلاءَ، فأحْمِلُ أَنَا، وَغُلامٌ نَحْوِى، إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِى بِالْمَاءِ.
٧١ - (...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ - واللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةَ - حَدَّثَنِى رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ، عَنْ أنَسِ ابْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ، فَآتِيهِ بِالْمَاءِ، فَيَتَغَسَّلُ بِهِ.
ــ
وفى هذا الحديث خدمة العالم والفاضل والخيِّر فى حوائجه وحملان العنزة معه فى هذا الحديث. وقال المهلب: لأنه كان ﷺ متى استنجى توضأ، ومتى توضأ صلى، فكانت العنزة لسُترتِه فى الصلاةِ، حيث أخذته، وقد يكون لحضور السلاح معه فى كل وقتٍ لما عساه يحتاج إليه، فقد كان اليهود والمنافقون يَرومون قتله واغتياله بِكُلِّ حيلةٍ، والعَنَزةُ رُمح قصيرٌ، وقيل: عصًا فى طرفها زُج. ومن أجل هذا الحديث اتخذ الأمراءُ المشى أمامهم بالحربة.
وقوله: " يتبرَّز لحاجته ": أى يأتى البراز، وهو المكان الواسع الظاهر من الأرض؛ ليخلو به لحاجته ويستتر لحدثه، وبذلك سمى الحدث كما سمى الغائط - أيضًا - بذلك، وجاء فى هذه استنجاء النبى ﷺ بالماء. وأحاديثه فى ذلك كثيرةً صحيحة، وكان النبى ﷺ يأتى من الأمور أفضلها ومعاليها، فدل أن الاستنجاء بالماء أفضل من الاقتصار على الأحجار، وهو مذهب الأنصار، وبه أثنى الله عليهم بالطهارة وأنه يحب المتطهرين، ومن ذهب إلى الجمع بينها وبين الأحجار، جاء بأتم الأمور من التنزه عن مباشرة القذر بيده وبين (١) تحلل بقاياه وإلقاء الماء أوَّلاً، وانتشاره برطوبته عن موضعه، والحاجة الى كثرة صب الماء والعرك لغسله، فإذا أزال العين بالأحجار وبقى الأثر والحكم أزاله يسير الماء والغسْل، وما روى عن النبى ﷺ من استعمال الأحجار ففى مواضع عدَم الماء وتعذّره فى الأسفار، وقد يحتمل استعمال الماء مع ذلك، والله أعلم.
قال الأصيلى فى حديث أنس هذا: وقوله: " يستنجى بالماء " [أن] (٢) الاستنجاء ليس بالبيِّن فى الحديث؛ لأنه ليس من قول أنسٍ، وإنما هو من قول أبى الوليد الطيالسى (٣)، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة، وليس فيه: " يستنجى بالماء "، فيحتمل أن حمل الماء كان لوضوئه، قال محمد بن أبى صُفرة: قد تابع أبا الوليد على
стр. 683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله فيه: " يستنجى " غيرُه.
قال القاضى: وقد ذكر مسلم عن خالدٍ ووكيع وغندر عن شعبة قوله: " فيستنجى بالماء " وفى بعضها: " فخرج علينا رسول الله ﷺ وقد استنجى بالماء "، وهذا من قول أنسٍ بغير شكٍ، وذكر من رواية روح عن عطاء عن أنسٍ: " كان رسول الله ﷺ يتبرز لحاجته فأتيته بالماء فيغتسلُ ". قال أبو عُمَر: والفقهاءُ اليوم مجموعين على أن الماء أطهر وأطيبُ، والأحجار توسعةٌ ورخصةٌ فى الحضر والسفرِ (١)، وقال ابن حبيبٍ - ومثله لمالك -: قد تُرِك الاستجمارُ ورجَع العمل إلى الماءِ. قال ابن حبيب: ولا نجيزُ اليومَ الأحجارَ، ولا نبيحُ الفتوى بذلك إِلَّا لمن عدَم الماء، وهذا لا يُسلَّمُ له، إذ عُلِمَ - من السلف استعمالُ ذلك مع وجود الماء (٢).
стр. 684
(٢٢) باب المسح على الخفين
٧٢ - (٢٧٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ؛ قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ: تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
قَالَ الأَعْمَشُ: قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأنَّ إسْلامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ المَائدَةِ.
ــ
ذكر المسح على الخفين
قال الإمام: [اختلف قول مالك ﵀] (١) فى المسح على الخفين، فروى عنه قولةً شاذةً أنه لا يمسح فى سفر ولا حضرٍ (٢)، ورُوى عنه أنه يمسح فيهما (٣)، وروى عنه المسح (٤) فى السفر خاصة (٥). فأما القول بأنه لا يمسح جملةً فإن المالكيةَ لا يُعرِّجون عليه ولا يكادُ كثير منهم يعرفُه، وأظن أن صفة ما روى فيه عن مالك أنه قال: لا أمسح، فإن كانت الرواية هكذا فقد يتأول على أنه إنما اختار ذلك فى خاصة نفسه لا أنه يُنكر جواز ذلك، وإن كان لفظ الرواية تقتضى إنكار جواز المسح [فى السفر] (٦) فإنه يكون وجهه التمسك بالآية وتقديمها (٧) على أحاديث المسح، وقد أشار مالك - فيما رُوى عنه - إلى
стр. 685
(...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ. غَيْرَ أَنَّ فِى حَدِيثِ عِيسَى وَسُفْيَانَ: قَالَ: فَكَانَ أصْحَابُ عَبْدِ اللهِ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لأنَّ إسْلامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ.
ــ
ذلك فقال: إنما هى أحاديث وكتابُ الله أحقُّ أن يُتَبع. وأما جواز المسح فالحجة الأحاديث الواردة فى المسح، وقد ذكر بعض التابعين من بلوغها بالكثرة (١) [ما] (٢) رُبَّما دَلّ على أنها ترتفع عن رتبة أخبار الآحاد، وتلحق بما هو متواتر فى المعنى، والمفهوم كمثل ما ذهب إليه أهل الأصول فيما نُقِل من الأخبار فى بعض آيات الرسول ﷺ أنها متواترة على المعنى والمحصول.
وأما وجه القول بالتفرقة بين الحضر والسفر في المسح فلأن أكثر الأحاديث إنما وردت فى السفر؛ لأن السفر محلُّ الرخص وقد خُصَّ بالقصر والفطر والتنفُّلِ [عندنا] (٣) على الدابة وشبه ذلك، ويصح أن يجعل حديث السباطة المتقدم حجةً على المسح فى الحضر لأن الغالب أن السباطة - وهى المزبلةُ - إنما تكون فى الحواضر، وقد قال: " سباطة قوم "، فأضافها إلى قوم مخصوصين ولو كانت فى الفلوات لم تكن كذلك.
وهل من شرط جواز المسح على الخفين أن يُلبسا على طهارةٍ أم لا؟ مذهب داود أنه يجوز المسح عليهما إن كان قد لبسهما ورجلاه طاهرتان من النجاسة، وإن لم يكن مستبيحًا للصلاة، والفقهاء على خلافِه، وسببُ الخلاف قوله ﷺ : " دعهُما، فإنى أدخلتُهما طاهرتين "، هل هذا محمول على الطهارة اللغوية أو الشرعية؟ وهذا المعنى [ما] (٤) قد اختلف أهل الأصول فيه، وهو تقدمة الاسم العرفى على اللغوى أو تقدمة اللغوى على العرفى (٥)؟ والخلاف فيما ذكرنا كالخلاف فى قوله: " توضؤوا مما مست النار "، هل يُحمل ذلك على الوضوء اللغوى الذى هو غسل اليد، أو على الوضوء الشرعى؟ واختلف القائلون باشتراط الطهارة الشرعية هل يجزئ أن يمسح عليهما المتيممُ؟ وهذا على الخلاف فى التيمم، هل يرفع الحدث أو لا؟ واختلف - أيضاً - فيمن لبس خُفَّين على
стр. 686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
" فى الشراب " يعنى أن يتنفس حين شربه ويقطعه، لا أنه يتنفس داخل الإناء، وقيل: " فى الإناء " هنا بمعنى: عن الإناء بمعنى قوله: " أبن القدح عن فيك ".
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة فى مسلم وغيره عن النهى فى التنفس فيه، وعن النفخ فى الطعام والشراب، ولقوله ﵇ فى الحديث الآخر: " أبن القدح عن فيك ثم تنفس " (١)، وعلة ذلك إما للتقزز أو التقذر، مما لعله يخرج عند التنفس والنفخ من أنفه أو فيه من ماء أو غيره، أو لما يكتسب الإناء من بخر ورائحة قبيحة بالنفس، أو لما لعله يكون متغير النكهة فيتعلق ذلك بالإناء وبفيه.
وقال عمر بن عبد العزيز: إنما نهى عن التنفس فى الإناء، فأما إذا لم يتنفس فاشرب إن شئت بنفس واحد. وقد حمل بعضهم تنفسه ﵇ فى الإناء على ظاهره ليرى جواز ذلك، ولأنه ﵇ كان لا يتقذر أحد بسؤره، ولا ما تنفس فيه، بل كانوا يتبركون به، كما أمر بالأكل مما يلى وكان هو يتبع الدبى من حول القصعة؛ لعلمه أنه كان يستحسن ذلك منه، بخلاف غيره، كما سنذكره بعد إن شاء الله. وقال بعض العلماء: هذا فى [غير] (٢) حق الشارب وأما الإنسان ومع من يعلم أنه لا يتقذره فلا بأس بتنفسه فى الإناء، كما فعل ﵇.
قال الإمام: مذهبنا جواز الشرب فى نفس واحد؛ لقوله ﵇ للذى شكى إليه أنه لا يروى من نفس واحد: " أبن القدح عن فيك، ثم تنفس "، فظاهره أنه أباح له الشرب فى نفس واحد إذا كان يروى منه. وقد استحب بعض العلماء الحديث الوارد فى مسلم فى التنفس ثلاثاً.
قال القاضى: اختلف السلف فى الأخذ بظواهر هذه الأحاديث، فكره بعضهم الشرب من نفس واحد، منهم: ابن عباس، وطاووس، وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان. وأباحه جماعة منهم: ابن المسيب، وعطاء بن أبى رباح، وعمر [بن] (٣) عبد العزيز، ومالك بن أنس، وقد ذكرنا مذهب عمر بن عبد العزيز فى الجمع بين الحديثين.
قال الإمام: ذكر مسلم فى الباب: حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا الثقفى، عن أيوب، عن يحيى بن أبى كثير، عن عبد الله بن أبى قتادة، عن أبيه. [قال بعضهم: هكذا روى إسناده مجرداً فى النسخة عن الجلودى، وفى رواية السجزى فيه وهم، قال: عن
стр. 687
٧٣ - (٢٧٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَانْتَهى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ، فَقَالَ: " ادْنُهْ " فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ. فَتَوَضَّأَ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
٧٤ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ؛ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِى الْبَوْلِ، وَيَبُولُ فِى قَارُورَةٍ وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِى إسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أصَابَ جلدَ أحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لا
ــ
المسح الخوارج؛ إذ ليس [هو] (١) فى القرآن على أصلهم، والشيعة؛ لما روى عن على أنه كان لا يمسح.
وقوله فى حديث حذيفة: " أتى سُباطة قومٍ فبال قائماً ": اختُلِف فى وجه ذلك فقيل: بال قائماً لأنها حالةٌ يؤمَن معها خروج الحدث فى الغالب، وقيل: إنما فعل ذلك لوجَعٍ كان به، وقيل: لعلَّ تلك السُباطة كان فيها نجاسات رطبةٍ وهى رِخوةً يأمن إذا بال [فيها] (٢) قائمًا أن يتطاير عليه، وخشى (٣) إن جلس ليبول أن ينال ثيابه النجاسة ولذلك بال قائمًا (٤). [وذكر فى الحديث أنه ﷺ مسح على خفيه] (٥)
قال القاضى: السُباطةُ المزبلة، وقد استُدِلّ بذكرها أنه كان فى الحضَر، إذ الغالبُ كونها فى المدن، وقد روى عن الأعمش فيه: " كنت مع النبى ﷺ بالمدينة "، والثابت عن النبى ﷺ أنه كان إذا أراد البراز أبعَدَ المذهبَ، وأنه كان يَرْتاد لبوله، وكان ﷺ من الشغل بأمور المسلمين والنظر فى مصَالحهم بحيْثُ عُلِمَ، وقد يطولُ عليه حتى يحفِزَه البولُ، فلو أبعد لتأذى. فلذلك والله أعلم بَال فى هَذِهِ المرة قائمًا لحُفْزَةٍ له، وارتاد لذلك السباطَةَ لِدَمَثِها، وقام لقربهِ من الناس، ومخافة، ما يكون منه إن جلس، ولذلك ما تنحى عنه حذيفةُ حتى استدناه، ولذلك قال عمر: البول قائمًا أحصَنُ للدُبُرِ، وقد قال مجاهد: ما بال قط قائمًا إِلَّا مَرَّةً، وأنكرت عائشة أنه بال قائمًا (٦)، وإلا فكان أكثر حالِه البعدُ ببوله وغيره، وبحسب هذا ما اختلف السلف فى جوازه، فأجاز ذلك جماعةً منهم وكرهه آخرون، وقال ابن مسعود: من الجفاء أن يبول قائمًا، وردَّ سعيدُ بن إبراهيم
стр. 688
يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأيتُنِى أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَام كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ، فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأشَارَ إِلَىَّ فَجِئْتُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ.
٧٥ - (٢٧٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبيْرٍ،
ــ
شهادة من فَعل ذلك، وقد ذكر الخطابى أنه فعل ذلك ﷺ لجرحٍ كان بمأبضِهِ (١)، يعنى لعلَّه لم يتمكَّن من أجله بالجلوس، وكانت العربُ تستشفى من وجع الصلبِ بالبول قائمًا، وقال بعضهم: بولةً فى الحمام قائمًا خير من فصدةٍ.
قال الإمام: وقوله لحذيفة: " ادنُه. قال حذيفةُ: قد دنوت حتى قمت عند عقبه "، وفى الحديث: أنه [قال] (٢) لما أراد قضاء حاجته، [قال] (٣): " تنح عنى فإنَّ كُلَّ بائِلةٍ تُفِيحُ " يصح حملُ الحديث الأول على أنه أمن [من] (٤) خروج الحدث، وأراد أن يستتر بالقائِم خلفه عن الناس، والحديث الثانى على أن هذه الوجوه فيه مفقودة.
قال القاضى: قال المروزى فى هذا الحديث: من السنة القربُ من البائل إذا كان قائمًا فأما إذا كان قاعدًا فالسنةُ البُعدُ منه، وقال غيره: فيه أنه ﷺ كان يتوارى لمثل هذا؛ لأنها حالة عورة وهيئةٍ مكروهةٍ، إِلَّا تراه كيف قال: " أتى سُباطة قومٍ خلف حائط "، وقال غيره: استدناؤه لحذيفة وقيامه عند عقبه أنه - والله أعلم - استقبل الحائط تَستُرًا، ولم يأمن من يمرّ به من أحد الجانبين فيكشفه، فأقام حذيفة من ذلك الجانب ساترًا له إذ أمِن من الحدث لقيامه. ومعنى " انتبذتُ " معنى " بعدت وتنحيَّت " فى الحديث الآخر، وقيل: لعل هذا الحائط كان غير متملك؛ لإضرار البول بالحيطان، أو لعله لم يقرُب منه قُربًا يضَرُ به.
قال الإمام: [وخرج مسلم أيضاً فى باب المسح على الخفين: حدثنا محمد بن نمير، ثنا زكريا عن عامر، حدثنى عروة بن المغيرة عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ... الحديث. ثم عقب بعد ذلك فقال: حدثنى محمد بن حاتم، قال: ثنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا عمر بن أبى زائدة، عن الشعبى، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، عن النبى ﷺ بهذا] (٥).
стр. 689
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَفِى رَوَايَةِ ابْنِ رَمْحٍ مَكَانَ " حِينَ ": " حَتَّى ".
(...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ: فَغَسَلَ وَجْهَهُ ويَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأسِهِ ثُمَّ مَسَحَ عَلَىَ الْخُفَّيْنِ.
ــ
وقوله فى حديث المغيرة: " بإداوة ": أى بإناء الوضوء، كما قال فى الآخر: " بميضأة وبمطهرة ".
وقوله: " فصبَّ عليه حين فرغ من حاجته فتوضأ " كذا قال مسلم [عند قتيبة، وعند ابن رمح] (١) حتى فرغ، وكلاهما يصح لكن " حين " أبْيَن، لأنه صبَّ عليه للوضوء للصلاةِ لا لغير ذلك بدليل الحديث الآخر، وذكر فيه تواريه عنه لحاجته، قال: " ثم جاء فصُبَّ عليه فتوضأ ".
وفيه حجة للجماعة فى جواز صب الماء على المتوضئ، ومثله فى حديث أسامة، خلاف ما روى عن عمر وابنه وعلىٌّ فى كراهة هذا وشبهه من استقاء الماء للوضوء لغيره، وأنه من الشركة فى الوضوء، وقول ابن عمر: لا أبالى أعاننى رجُلٌ على وضوئى أو على ركوعى وسجودى، قال الطبرى: وقد صح عن عمر خلافُه من صَبِّ ابن عباس على يديه للوضوء، وثبت عن ابن عمر خلاف ما روى عنه، وأنه كان يُسْكبُ له الماء لوضوئه.
واستدل البخارى من هذا الحديث على جواز توضئة الرجل لغيره (٢)؛ لأنه لما جاز له أن يكفيه غرْف الماء لوضوئه فكذلك سائر الوضوء، وهو من باب القربات التى يجوز أن يعملها الرجل عن غيرهِ، ولإجماعهم على جواز توضئة المريض وتيْميمِه إذا عجز عن ذلك، بخلاف الصلاة، ويحتمل أن صب المغيرةِ كان لضيق فم الإداوة، ويُشبه إن كانت لحمل الماء للشرب فلم يمكن الوضوءُ منها ولم يكن ميضأةً ولا مطهرةً كما جاء فى حديث غيره، وكذلك يختلف حكمُ الأوانى، فما يمكن إدخال اليد فيه كان حكمُه وضعه على اليمين، وما ضاق عن ذلك كان حكمه وضعه على اليسار ليُفرِغ منه على اليمين ويميله بياسره، فهذا اختيار أهل العلم.
وقول المغيرة فى صفة وضوئه: " فغسل وجهه ويديه ومسح برأسِه ثم على الخفين " ولم يذكر من السُنن شيئاً، ليس فيه أنه لم يفعلها ﷺ لكن المغيرة أخبر بالفرائض
стр. 690
٧٦ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أخْبَرنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أشْعَثَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلالٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛ قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ. إذْ نَزَلَ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مَنْ إدَاوَةٍ كَانَتْ مَعِى، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
٧٧ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ؛ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى سَفَرٍ. فَقَالَ: " يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإدَاوَةَ " فَأخَذْتُهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّى، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ عَلَيْهِ، فَأخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وضُوءَهُ للِصَّلاةِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى.
٧٨ - (...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَعَلِىُّ بْنُ خَشْرَمٍ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَقْضِىَ حَاجَتَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ تَلَقَيْتُهُ بِالإدَاوَةِ،
ــ
وصارت سننُها فى طيِّها وبحكم التبع لها، وقد ذكر فى بعضها ابتداءه بغسل الكفين.
وقوله: " فغسل وجهه ثم ذهب ليغسل ذراعيه، وضاقت الجبُّة فأخرجهما من تحت الجُبة فغسلهما "، قال الباجى: لأنه كان عليه إزار. وفيه جواز لباس مثل هذه الثياب لا سيما فى الأسفار والمغازى لتشمُّرِ (١) الإنسان فيها وانضمامِه وجمع ثيابه عليه (٢). وفيه جواز إخراج اليد من تحت الثوب لمثل هذه الضرورة لا فى المجامع والمحافل والرفاهية، وفيه جواز التفريق اليسير فى الطهارة، وأن مثل هذا لا يقطع الموالاة فيها، لا سيما إن كانت من سببها مثل هذا ومثل نزع الخفين.
وقد اختلف فى الموالاة هل هى من فروضها أو سننها؟ فمشهور المذهب أنه سُنَّةً، وقيل: فرض. قال ابن القصار: وهو ظاهر قول مالك (٣)، وقيل: فرض مع الذكر ساقط مع النسيان، وقيل: فرض فى المغسول دون الممسوح، وقيل: مستحب. واختلف قول الشافعى فى وجوب ذلك، ولم يوجبه أبو حنيفة، ثم اختلف فى مفروضها (٤) على
стр. 691
فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَتِ الْجُبَّةُ فَأخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةَ، فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى بِنَا.
٧٩ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أبى، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِى مَسِيرٍ. فَقَالَ لِى: " أمَعَكَ مَاءٌ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى فِى سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَأفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذرَاعَيْهِ مِنْهَا، حَتَّى أخْرَجَهُمَا منْ أسْفَلِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، وَمَسَح بِرَأسِهِ، ثُمَّ أهْوَيْتُ لَأنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّى أدْخَلتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ " وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا.
٨٠ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِى زائدَةَ عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ وَضَّأَ النَّبِىَّ ﷺ ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ، فَقَالَ: " إِنِّى أدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ ".
ــ
هذا، فعلى [القول] (١) أنه فرض يعيدُ فى العمد والنسيان، وعلى القول أنه سنةً، فعند ابن عبد الحكم لا شىء عليه، وعند ابن القاسم لا شىء فى النسيان ويعيدُ فى العمد - على مذهبه فى ترك السنن عامدًا - وقد يكون هذا على القول باشتراطه مع الذكر، والدليل على صحة كونها مشروعة مسنونةً: مثابرتُه ﷺ على الموالاةِ ولم يذكر عنه تفريق. واختلف فى حد التفريق المبطل للطهارة فقيل: جفاف الوضوء وقيل: ذلك يرجع إلى الاجتهاد، فقد يُسرع جفافُ الوضوء فى بعض الأوقات والبلاد والأبدان الحارة وبالضد من ذلك.
وقيل فائدةُ حمل العنزَة والماء معه فى هذا الحديث وغيره: أنه ﷺ كان التزم إِلَّا يكون الأعلى طهارةٍ فى أكثر أوقاتِه، وكان إذا توضأ صلى ما أمكنه.
وذكر مسلم فى طريق حديث المغيرة: حدثنى محمد بن حاتم ثنا إسحاق بن منصور ثنا عمر بن أبى زائدة، عن الشعبى، عن عروة، قال الإمامُ: قال بعضهم: هكذا روى لنا [عن] (٢) مسلم إسناد هذا الحديث عن عمر بن أبى زائدة من جميع الطرق، ليس بينه وبين الشعبى أحدٌ، وذكر أبو مسعود أن مسلمًا خرَّجه عن عمر بن أبى زائدة، عن عبد الله بن أبى السَّفَر، عن الشعبى، عن [عروة] (٣) [وهكذا قال الجوزى فى كتابه الكبير:
стр. 692
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذى رواه زكريا عن عامر الشعبى عن عروة] (١) ثم قال: ورواه عمر بن أبى زائدة عن ابن أبى السَّفَرِ عن الشعبى، وذكر البخارى فى تاريخه أن عمر بن أبى زائدة سمع من الشعبى، وأنه كان يبعث ابن أبى السفَر وزكريا إلى الشعبى يسألانه (٢).
وفى الباب بعد هذا: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، ثنا يزيد بن زريع، ثنا حميد، ثنا بكر، ثنا عروة بن المغيرة بن شعبة، قال بعضُهم: قال أبو مسْعُود: هكذا يقول مسلم فى حديث ابن بزيع، عن يزيد بن زريع، عن عروة بن المغيرة، وخالفه الناس فقالوا فيه: حمزة بن المغيرة بدل عروة، وأما الدارقطنى فينسب الوهم فيه إلى [يزيد] (٣) لا إلى مسلم، والله أعلم (٤).
стр. 693
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القاضى: حمزة بن المغيرة هو عندهم الصحيح فى هذا الحديث، وإنما عروة بن المغيرة فى الأحاديث الأخر، وحمزة وعروة أبناء المغيرة، والحديث مروى عنهما جميعًا، لكن رواية بكر بن عبد الله المزنى إنما هى عن حمزة بن المغيرة أو بن المغيرة - غير مسمى - ولا يقول: عروة، ومن قال: عروة عنه وهِمَ، وكذلك اختلف عنه، فرواه معتمر بن سليمان التيمى فى أحد الوجهين عنه عن بكر، عن الحسن، عن ابن المغيرة، وكذلك رواه يحيى بن سعيد عن التيمى، وقد ذكر ذلك مسلم، وقال غيرهم: عن بكر عن ابن المغيرة (١)، قال الدارقطنى: " وهو وهم "، وفى حديث المغيرة وغيره: ذهاب النبى ﷺ عند حاجته عن الحاضرين، وهو أدب الحدث، الاستتار حتى لا يُرى له شخص ولا يُسمع صوت، وكما جاء فى الحديث الآخر أبعد فى المذهب.
وفيه وفى غيره من الأحاديث التجافى عن ذكر الاسم القبيح من الحدث والكناية عنه بإتيان الغائط والحاجة، خلاف ما قاله المشركون من التصريح بقبيحه من قولهم: علمكم كل شىء حتى الخراءة! وذلك من أدب الشرع، ترك فحش الألفاظ وقبيح القول، والكناية عن ذلك عند الحاجة إِلَّا للضرورة، وكذلك كانت عادة العرب فى كلامها صيانة الألسن عما تُصان عنه الأبصارُ والأسماع.
قال القاضى: ذهب بعضُهم إلى أَنَّ حديث المغيرة جاء فى السفر لقوله: " كُنْتُ مع النبى ﷺ فى سفرٍ " كما (٢) رواه مالك فى الموطأ وغيرُه: " أنه كان فى غزوة تبوك " (٣)، واستُدِلَّ منه على جواز المسح فى السفر، ومن حديث جرير وحُذيفة على جوازه فى الحضر، وأنَّ إسلامَ جرير وغزوة تبوك بعد نزول المائدة سنة تسع، ولهذا كان يعجبهم حديث جرير ليقطع به حجةُ من زعم أن آية الوضوء ناسخةٌ لفعل النبى ﷺ بالمسح على الخفين، واستدل بعضهم من حديث المغيرة على جواز استعمال الأحجار مع وجود الماء بكون الإداوةِ مع المغيرة لقوله: " فتلقيتُه بالأداوةِ وصببتُ عليه من إداوةٍ كانت معى " وهذا وإن كان ظاهراً فقد يحتمل غيرَ هذا، وإن ذلك فى السفر وعدم الماء وقلته إِلَّا ترى كيف قال له بعد أن قضى حاجته: " أمَعَك ماء؟ " قال: فأتيتُه بمطهرةٍ.
стр. 694
(٢٣) باب المسح على الناصية والعمامة
٨١ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيع. حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِىُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ قَالَ: " أمَعَكَ مَاءٌ؟ "، فَأتَيْتُهُ بِمَطْهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ، فَأخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَألْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَغَسَلَ ذرَاعَيْهِ، وَمَسَح بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامةِ وَعَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ وَقَدْ قَامُوا فِى الصَّلاةِ، يُصَلِّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، فَلَمَّا أحَسَّ بِالنَّبِىِّ ﷺ ذَهَبَ يَتَأخَّرُ، فَأوْمَأ إلَيْهِ، فَصَلَّى بِهِمْ. فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ وَقُمْتُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِى سَبَقَتْنَا.
ــ
وقوله فى الحديث: " [أن النبى ﷺ توضأ] (١) فمسح بناصيته وعلى العمامة "، قال الإمام: يحتَج به لأبى حنيفة فى أن الواجب من مسح الرأس الناصيةُ. وحدُّهَا منتهى النَزعَتين (٢)، ويحتجُ به ابن حنبل فى أن المسح على العمامة جائز كما يُجزئ المسح على الخفين (٣)، وذهب مالك [إلى] (٤) خلافهما جميعًا (٥)، وأن المسح على العمامة غيرُ جائز، وأن الوجوب من مسح الرأس ليس بمقصورٍ على الناصية خاصةً، ويُعارِض قول كل واحدٍ منهما بقول صاحبه، ويجعل الحديث حجةً عليهما جميعًا، فيقول لأبى حنيفة: إن كان الوجوبُ يختصُ بالناصية فلِم مسح [على] (٦) العِمامة؟ ونقول لابن حنبل: إن كان المسح على العمامة جائزًا فلِمَ باشر الناصيةَ بالمسح؟، وقد ذكر ابن حنبل أن المسح على العمامة رُوى عن النبى ﷺ من خمسِ طُرقٍ صحيحة، واشترط بعض القائلين بجواز المسح على
стр. 695
٨٢ - (...) حدّثنا أمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ وَمَحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: حَدَّثَنِى بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَمُقَدَّمِ رَأسِهِ، وَعَلَى عِمَامَتِهِ.
(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عبْدِ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
ــ
العمامة أن تكون لُبِسَتْ على طهارةٍ كالخفين، وزاد بعضهم: وأن تكون بالحنك ليكون فى نزعها مشقة فحينئذ تشابه الخف.
وأقوى ما يحتج به على ابن حنبل مقابلة أحاديثه بظاهر القرآن فى قول الله سبحانه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (١) وهذا ظاهرُه المباشرة، ويبقى ها هنا النظر ما بين تقدمة ظاهر القرآن على الأحاديث أو تقدمة الأحاديث على الظاهر (٢) وليس هذا موضع استقصائه، وأحسنُ ما حَمل عليه أصحابُنا حديث المسح على العمامة أنه ﷺ لَعلَّه كان به مرضٌ منعه كشف رأسه، فصارت العمامةُ كالجبيرةِ التى يُمسَحُ عليها للضرورة (٣).
стр. 696
٨٣ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ التَّيْمِىِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ بَكْرٌ: وَقَدْ سَمِعْتُ مِنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى الْخُفَّيْنِ.
ــ
قال القاضى: قوله فى حديث المغيرة فى أحَدِ طُرِقه من حديث محمد بن بشارٍ ومحمد ابن حاتم رفعاه عن بكر بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، قال بكر: وقد سمعتُه من ابن المغيرة، كذا لجميع شيوخنا، وكذا ذكره ابن أبى خيثمة والدارقطنى وغيرُهما، ووقع عند بعضهم ولم أرْوه، وقد سمعت من ابن المغيرة، وقد تقدم قبل سماعَه الحديث منه.
وفى إمامة عبد الرحمن بن عوف بهم، ولم ينتظروا النبى ﷺ ؛ دليلٌ على مبادرة فضل أول الوقت، وبه احتج الشافعى وغيره على هذا (١)، وظاهِرُه يأسهم من وصول النبى ﷺ إليهم إِلا بعد أن يُصلّى أو لتأخِره عنهم، وظنّهُم أنه أخذ طريقًا غير طريقهم،
стр. 697
٨٤ - (٢٧٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ بِلالٍ؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ.
ــ
عَرَّس ليلته ألا ترى فزعَهَم حين أدرَكَهُم يُصَلّونَ؟ فَدَلَ أنهم لم يُبادروا الصلاة أول الوقت ولا - أيضًا - أخَّروها لآخر الوقت حتى يئسوا منه وخافوا فواتها؛ لأنه ﷺ لم يكن صلى، ولا يصح أن يؤخروها حتى يضيق وقتُها بغير عِلَّةِ، والأشبه أنهم انتظروه، فلما تأخَّر عن وقته المعهود تأوَّلوا أنه صلَّى فصلوا.
وفيه تقديم الجماعة إمامًا بغير أمر الإمام، بخلاف الصلوات التى لا تصح إِلا بإمام كالجمعة، العيدين وغيرهما. وفيه إمامة المفضول بالأفضل وصلاة الإمام خلف رعيته، وجبر ما فات من الصلاة لمن أدرك بعضها، واتباع الإمام فى فعله وجلوسه وإن لم يكن موضع جُلوسٍ للمُدْرِكِ، وأنَ قضاءَه لما فات بعدَ سلام الإمامِ، وأن العمل اليسير فى الصلاة غيرُ مؤثر فيها، لذهاب عبد الرحمن ليتأخَّرَ، وسيأتى الكلامُ على تمام هذا وحُكمِ صلاة النبى ﷺ هُنا وفى حديث أبى بكر فى موضِعه من كتاب الصلاةِ إن شاء الله تعالى.
وقوله فى حديث بلال: " مسَحَ على الخفين والخِمارِ ": يريدُ بالخمار - والله أعلم - العمامة، لتخمير الرأس بها، لشبهها بخمار المرأة، ولم يختلف من أجاز المسحَ على العمامة فى منع مسح المرأة على خِمارها إِلَّا شىء روى عن أم سلمة (١). وعن أنسٍ فى مسحه على القلنسوة، وفَرْقٌ ما بين العمامة والخمار عندهم أن العمامة يشق نزعُها لا سيما إن كانت بحنَكٍ، ولأن المسح عليها مسحٌ على بعض الرأس ولورودِ الرُّخصةِ فيها عندهم كما جاءت فى الخف.
وفيه الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرةَ عن بلالٍ، الحديث.
قال مُسْلم: وفى حديث عيسى بن يونس: حدثنى الحكم قال: حدثنى بلال، وهذا مشكل على من لا يعرف أسرار هذا العلم، ومعناه: أن الأعمش حدَّث به فى سند مسْلِم عنه أولا معنعنًا ومن طريق عيسى نصٌ على الحديث، فقال: حدثنى حَكم ولم يقل: عن حكم كما قال قبلُ، وقال آخر الحديث: حدثنا بلال ولم يقل: عن بلال وإلا فالحكم لا يروى عن بلال ولو عنعنه الحكم عن بلالٍ لكان مقطوعًا؛ لأنه إنما رواه عن رجُلين عنه،
стр. 698
وَفِى حَدِيثِ عِيسَى: حَدَّثَنِى الْحَكَمُ حَدَّثَنِى بِلالٌ، وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِىٌ - يَعْنِى ابْنَ مُسْهِرٍ - عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَاد.
وَقَالَ فِى الْحَدِيثِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ .
ــ
وقد تكلم أبو الحسن الدارقطنى فى كتاب العلل على حديث بلال هذا والخلاف فيه والخلاف على الأعمش فيه أيضًا، وسقوط بلالٍ منه عند بعضهم واقتصاره على كعب، وسقوط كعب عند بعضهم واقتصاره على بلال، وجعل بعضهم البراءَ بين بلال وابن أبى ليلى وأكثر رواة الأعمش على ما فى الأم، وقد رواه بعضهم عن على بن أبى طالب عن بلال (١).
стр. 699
(٢٤) باب التوقيت فى المسح على الخفين
٨٥ - (٢٧٦) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِىُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلائِىِّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ؛ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أسْألُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أبِى طَالِبٍ فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَةَ أيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِر، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ.
قَالَ: وَكَانَ سُفْيَانُ إِذَا ذَكَرَ عَمْرًا أثْنَى عَلَيْهِ.
(...) وحدّثنا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَبِى أنيْسَةَ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(...) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. فَقَالَتِ: ائْتِ عَلِيًّا، فَإِنَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّى، فَأتَيْتُ عَليًّا، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
ــ
وقوله: " أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبى طالب، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ": فيه حجة أن مسح النبى ﷺ إنما كان فى السفرِ، ولو مسح فى الحضَرِ لَعَلِمَتْه، وفى رواية أخرى: " فإنه أعلم بذلك منى، فسألناه فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلةً للمقيم ".
وفيه تضعيف ما روى عن عائشة - رضى الله عنها - وعلى من أنكر المسح على الخفين، وفيه النص على المسح للمقيم والمسافر والتوقيت لهما. وقد اختلف العلماء فى التوقيت فى ذلك، فذهب أبو حنيفة (١). والشافعى (٢) فى أحد قوليه إلى هذا الحديث، وهو قول الثورى وأصحاب الحديث وروى مثله عن مالك، ومشهور مذهبه أنه لا حدَّ له ولا توقيت (٣)، وهو أحد قولى الشافعى وقول الأوزاعى والليث، وروى عن مالك للمقيم من
стр. 700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الجمعة إلى الجمعة (١)، وتأوله شيوخُنا: أى ينزعَهُما للغسْل، وهذا مبنى على نفى التوقيت، وذهب بعضهم إلى أن حدَّه من الحدث إلى الحدث، وقد اختلف فى رفع هذا الحديث أو إيقافه على علىٍّ، قال أبو عمر: ومن رفَعَه أثبتُ وأحفظ ممن أوقفه (٢).
стр. 701
(٢٥) باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد
٨٦ - (٢٧٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أبى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَات يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ. قَالَ: " عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ ".
ــ
وقول عمر للنبى ﷺ يوم الفتح: " لقد صنعتَ شيئًا لم تكن تصنعُه ": يدلُ على مثابرة النبى ﷺ على الوضوء لكل صلاةٍ، وقوله: " عمْدًا فعلته يا عُمَر ": أى قصدًا ليبين للناس الإباحة والرخصة فى ذلك لئلا يقتدوا بفعله، ويظنوا ذلك فرضًا (١)، وذهب بعض الناس إلى أن فعله هذا نسخ ما كان قبل من فرض الوضوء لكل صلاةٍ، وهذا يرُدُه حديثُ أنسٍ أن ذلك كان خاصًا بالنبى ﷺ دون أمته، وأنه كان يفعلُه للفضيلة، ولحديث صلاتُه ﷺ بالصهباء وجَمْعُه بين العصر والمغرب بوضوء واحدٍ، والصَهباءُ بخيبر قبل الفتح، وقد تقدَّم شىء من هذا.
стр. 702
(٢٦) باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك فى نجاستها فى الإناء قبل غسلها ثلاثًا
٨٧ - (٢٧٨) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ فِى الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَه ثَلاثًا، فَإنّه لا يَدْرِى أيْنَ بَاتَتْ يَدَهُ ".
(...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الأشجُّ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبِى رَزِينٍ وَأبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، فِى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِى حَدِيثِ وَكِيعٍ قَالَ: يَرْفَعُهُ، بِمِثْلِهِ.
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أبِى سَلَمَةَ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيّبِ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
ــ
وقوله: " إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ... " الحديث، ذكر الإمام هنا الكلام على غسل اليدين قبل الوضوء وقد نقلناه أول الكتاب.
قال القاضى: وقد اختلف العلماء فى غسل اليدين للقائم من النوم قبل إدخالها الإناء، فمذهبنا ومذهب عامة العلماء: أن ذلك على الاستحباب وليس بواجب، وأنه على طريق الاستحباب خلافًا لأحمد بن حنبل (١) وبعض أهل الظاهر فى إيجابه ذلك للقائم من نوم الليل لامن نوم النهار، ولداود والطبرى فى إيجابهما ذلك من كل نومٍ وينجُسُ الماءُ إن لم يغسل يدَه قبل إدخالها فيه (٢).
واختلف قول مالك وأصحابه فى إفساده الماء بذلك، وعللها بعض شيوخنا أن ذلك لما
стр. 703
٨٨ - (...) وحدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أعْينَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أبى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدهُ فِى إنَائِهِ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِى فِيمَ بَاتَتْ يَدُهُ ".
(...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِى الْحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ مَخْلَدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ ابْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِىُّ وَابْنُ رَافِعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِى زِيَادٌ؛ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمَعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِى رَوَايَتِهِمْ جَمِيعًا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ بِهَذَا الْحَدِيثِ. كُلُّهُمْ يَقُولُ: " حَتَّى يَغْسِلَهَا ". وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: " ثَلاثًا ". إِلَّا مَا قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِى سَلَمَةَ، وعَبْدِ اللَّه بْنِ شَقِيقٍ، وَأبِى صَالِحٍ، وَأبِى رَزِينٍ. فَإِنَّ فِى حَدِيثِهِمْ ذِكْرَ الثَّلاثِ.
ــ
لعلَّه يتعلق باليد من قذر ما يمسه من الغابن وشبهها من الجسد ولا يسلم من حك بَثرِه ومسحِ عَرَقِه وفضول جسده فاستُحب له تنظيفها لذلك، وقيل: بل لأنهم كانوا يستجمرون بالأحجار فربما نال ذلك بيده حال نومه، وقيل: بل لما يُخشى أن يمسُّه من نجاسةٍ تخرُج منه حال نومه أو غير ذلك مما يتقذَّر منه (١)، وفى الحديث نفسه: " فإن أحدهم لا
стр. 704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يدرى أين باتت يده "، وهذا تعليلٌ بالشك والاحتياط وهو ينفى الوجوب. واحتج أصحاب الشافعى بهذا الحديث فى تفريقهم بين طُروِّ النجاسة على الماء أو طُروِّ الماء عليها إذ منع من إدخال اليد فى الإناء ولو صَبَّ بعض ما فيه على اليد النجسةِ لطهرَها (١).
стр. 705
(٢٧) باب حكم ولوغ الكلب
٨٩ - (٢٧٩) وحدّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِى رَزِينٍ وَأبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِى إنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ ليَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ ".
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ وَلَمْ يَقُلْ: فَلْيُرِقْهُ.
ــ
وقوله: " إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسِله سْبعًا "، قال الإمام: اختلف فى غسل الإناء من ولوغ الكلب، هل هو تعبُّدٌ أو لنجاسةٍ؟ فعندنا أنه تعبُّدٌ، واحتج أصحابنا بتحديد غسْلِه بسبع مراتٍ أنه لو كانت العلة النجاسة لكان المطلوب الإنقاء، وقد يحصُل فى مرةٍ واحدةٍ، واختلف عندنا، هل يغسل الإناء من ولوغ الكلبِ المأذون فى اتخاذه؟ فيصح أن يبنى الخلاف [على الخلاف] (١) فى الألف واللام من قوله: " إذا ولغ الكلب "، هل [هى] (٢) للعهد أو للجنس؟ فإن كانت للعهد اختص ذلك بالمنهى عن اتخاذه، لأنه قد قيل: إنما سببُ الأمر بالغسْلِ التغليظ عليهم لينتهوا عن اتخاذها. وهل يغسل الإناء من ولوغه فى الطعام؟ [فيه] (٣) أيضًا خلافٌ، ويصح أن يبنى على خلاف أهل الأصول فى تخصيص العموم بالعادة (٤)، إذ الغالب عندهم وجود الماء لا الطعام.
قال القاضى: اختلف فى غسل الإناء من ولوغه، وفى العلة فى ذلك وفى حكم الماء الذى ولغ فيه هل هو نجسٌ أم لا؟ فمذهبنا ما تقدم من طهارته (٥)، وأن الغسل تعبُّدٌ مستحقُ العدد، وهو مذهب أهل الظاهر (٦)، لكن يُتنزَّه عنه عندنا مع وجود غيره، وهو قول الأوزاعى، وقال الثورى: من لم يجد غيره توضأ به ثم يتيمم، ووافقنا الشافعى فى