(٢٥) باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد
٨٦ - (٢٧٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أبى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَات يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ. قَالَ: " عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ ".
ــ
وقول عمر للنبى ﷺ يوم الفتح: " لقد صنعتَ شيئًا لم تكن تصنعُه ": يدلُ على مثابرة النبى ﷺ على الوضوء لكل صلاةٍ، وقوله: " عمْدًا فعلته يا عُمَر ": أى قصدًا ليبين للناس الإباحة والرخصة فى ذلك لئلا يقتدوا بفعله، ويظنوا ذلك فرضًا (١)، وذهب بعض الناس إلى أن فعله هذا نسخ ما كان قبل من فرض الوضوء لكل صلاةٍ، وهذا يرُدُه حديثُ أنسٍ أن ذلك كان خاصًا بالنبى ﷺ دون أمته، وأنه كان يفعلُه للفضيلة، ولحديث صلاتُه ﷺ بالصهباء وجَمْعُه بين العصر والمغرب بوضوء واحدٍ، والصَهباءُ بخيبر قبل الفتح، وقد تقدَّم شىء من هذا.
стр. 702
(٢٦) باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك فى نجاستها فى الإناء قبل غسلها ثلاثًا
٨٧ - (٢٧٨) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ الْجَهْضَمِىُّ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِىُّ، قَالا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ فِى الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَه ثَلاثًا، فَإنّه لا يَدْرِى أيْنَ بَاتَتْ يَدَهُ ".
(...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الأشجُّ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أبِى رَزِينٍ وَأبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، فِى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِى حَدِيثِ وَكِيعٍ قَالَ: يَرْفَعُهُ، بِمِثْلِهِ.
(...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أبِى سَلَمَةَ. ح وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيّبِ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
ــ
وقوله: " إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ... " الحديث، ذكر الإمام هنا الكلام على غسل اليدين قبل الوضوء وقد نقلناه أول الكتاب.
قال القاضى: وقد اختلف العلماء فى غسل اليدين للقائم من النوم قبل إدخالها الإناء، فمذهبنا ومذهب عامة العلماء: أن ذلك على الاستحباب وليس بواجب، وأنه على طريق الاستحباب خلافًا لأحمد بن حنبل (١) وبعض أهل الظاهر فى إيجابه ذلك للقائم من نوم الليل لامن نوم النهار، ولداود والطبرى فى إيجابهما ذلك من كل نومٍ وينجُسُ الماءُ إن لم يغسل يدَه قبل إدخالها فيه (٢).
واختلف قول مالك وأصحابه فى إفساده الماء بذلك، وعللها بعض شيوخنا أن ذلك لما
стр. 703
٨٨ - (...) وحدّثنى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أعْينَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أبى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِغْ عَلَى يَدِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدهُ فِى إنَائِهِ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِى فِيمَ بَاتَتْ يَدُهُ ".
(...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِى الْحِزَامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ مَخْلَدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ ابْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِىُّ وَابْنُ رَافِعٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِى زِيَادٌ؛ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمَعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِى رَوَايَتِهِمْ جَمِيعًا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ بِهَذَا الْحَدِيثِ. كُلُّهُمْ يَقُولُ: " حَتَّى يَغْسِلَهَا ". وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: " ثَلاثًا ". إِلَّا مَا قَدَّمْنَا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِى سَلَمَةَ، وعَبْدِ اللَّه بْنِ شَقِيقٍ، وَأبِى صَالِحٍ، وَأبِى رَزِينٍ. فَإِنَّ فِى حَدِيثِهِمْ ذِكْرَ الثَّلاثِ.
ــ
لعلَّه يتعلق باليد من قذر ما يمسه من الغابن وشبهها من الجسد ولا يسلم من حك بَثرِه ومسحِ عَرَقِه وفضول جسده فاستُحب له تنظيفها لذلك، وقيل: بل لأنهم كانوا يستجمرون بالأحجار فربما نال ذلك بيده حال نومه، وقيل: بل لما يُخشى أن يمسُّه من نجاسةٍ تخرُج منه حال نومه أو غير ذلك مما يتقذَّر منه (١)، وفى الحديث نفسه: " فإن أحدهم لا
стр. 704
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يدرى أين باتت يده "، وهذا تعليلٌ بالشك والاحتياط وهو ينفى الوجوب. واحتج أصحاب الشافعى بهذا الحديث فى تفريقهم بين طُروِّ النجاسة على الماء أو طُروِّ الماء عليها إذ منع من إدخال اليد فى الإناء ولو صَبَّ بعض ما فيه على اليد النجسةِ لطهرَها (١).
стр. 705
(٢٧) باب حكم ولوغ الكلب
٨٩ - (٢٧٩) وحدّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِى رَزِينٍ وَأبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِى إنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ ليَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ ".
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ وَلَمْ يَقُلْ: فَلْيُرِقْهُ.
ــ
وقوله: " إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسِله سْبعًا "، قال الإمام: اختلف فى غسل الإناء من ولوغ الكلب، هل هو تعبُّدٌ أو لنجاسةٍ؟ فعندنا أنه تعبُّدٌ، واحتج أصحابنا بتحديد غسْلِه بسبع مراتٍ أنه لو كانت العلة النجاسة لكان المطلوب الإنقاء، وقد يحصُل فى مرةٍ واحدةٍ، واختلف عندنا، هل يغسل الإناء من ولوغ الكلبِ المأذون فى اتخاذه؟ فيصح أن يبنى الخلاف [على الخلاف] (١) فى الألف واللام من قوله: " إذا ولغ الكلب "، هل [هى] (٢) للعهد أو للجنس؟ فإن كانت للعهد اختص ذلك بالمنهى عن اتخاذه، لأنه قد قيل: إنما سببُ الأمر بالغسْلِ التغليظ عليهم لينتهوا عن اتخاذها. وهل يغسل الإناء من ولوغه فى الطعام؟ [فيه] (٣) أيضًا خلافٌ، ويصح أن يبنى على خلاف أهل الأصول فى تخصيص العموم بالعادة (٤)، إذ الغالب عندهم وجود الماء لا الطعام.
قال القاضى: اختلف فى غسل الإناء من ولوغه، وفى العلة فى ذلك وفى حكم الماء الذى ولغ فيه هل هو نجسٌ أم لا؟ فمذهبنا ما تقدم من طهارته (٥)، وأن الغسل تعبُّدٌ مستحقُ العدد، وهو مذهب أهل الظاهر (٦)، لكن يُتنزَّه عنه عندنا مع وجود غيره، وهو قول الأوزاعى، وقال الثورى: من لم يجد غيره توضأ به ثم يتيمم، ووافقنا الشافعى فى
стр. 706
٩٠ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِى إنَاءِ أحَدِكُمْ فَليَغْسِلهُ سَبع مَرَّاتٍ ".
٩١ - (...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " طُهُورُ إنَاءِ أحَدِكُمْ، إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. أولاهُنَّ بِالتُّرَابِ ".
ــ
العدد وخالف فى نجاسة الكلب فقال: هو نجسٌ، وقد حُكى هذا عن سحنون وعبد الملك وبعض أصحابنا - وطرَدَ بعضُهم أصلَه فى ذلك إذا أدخل يدَه فى الإناء (١). ووافقه أبو حنيفة فى نجاستِه وخالف الكل فى العدد وقال: يُغسَلُ حتى ينقى (٢)، وقد تأوله بعضهم على قول مالك، وتأوَّل عليه - أيضاً - تضعيفَ الغسل جملة لمعارضة الحديث قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُم﴾ (٣) وقوله: " يؤكل صيده " فكيف يُكره لعابه؟ وأنه غير واجب (٤). وقال أحمد (٥): يغسل سبعًا، والثامنة بالتراب على ما جاء فى الحديث الذى ذكره مسلم - أيضًا - عن ابن المغفّل فى الكلب، وحجتنا أن التعفير ليس فى سائر الأحاديث، وقد اضُطرِبَ فيه، فقد رُوى عن أبى هريرة: " أولاهن بالتراب " ذكره مسلم فى الأم، ورُوى عنه: " أوَّلُهن وأخراهن بالتراب " وكذلك اختلفوا على تأويل مذهب مالك فى غسله هل هو على الوجوب أو الندب (٦)؟ وكذلك اختلف مذهبنا متى يُغسل، هل عند استعماله أو عند وقوعه؟ وهو مبنى على الخلاف هل هو لتعبُّدٍ فعند وقوعه أو لتنجُسٍ فعند استعماله؟. وأما تعليل ذلك فقيل: ما تقدم من أذاها الضيف وترويع الغريب المسلم، وقيل: لعدم توقيه الأقذارِ وأكله الأنجاسَ، وكان شيخنا القاضى أبو الوليد بن رُشدٍ يذهب أن ذلك توقيًا وحماية مخافة أن يكون كلبًا فيسْتضِرَّ مستعملُ سؤرة
стр. 707
٩٢ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " طُهُورُ إنَاءِ أحَدِكُمْ، إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ".
٩٣ - (٢٨٠) وحدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أبِى التَّيَّاحِ، سَمِعَ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ الكِلابِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الكِلابِ؟ " ثُمَّ رَخَّصَ فِى كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: " إِذَا وَلَغَ الْكَلب فِى الإنَاءِ فَاغْسلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ. وَعَفرُوهُ الثَّامِنَةَ فِى التُّرَابِ ".
(...) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْن الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِى رَوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِن الزيَادَةِ: وَرَخَّصَ فِى كَلْبِ الْغَنَم وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ، وَلَيْسَ ذَكَر الزَّرْع فِى الرِّوَايَةِ غَيْرُ يَحْيَى.
ــ
سؤره بما لعله خالطه من لُعابه المسمومُ (١)، قال: وشرع النبى ﷺ غسل الإناء من ذلك سبعًا يُصحِّح التأويل؛ لأنا وَجَدنا الشرع قد استعمل السبع فيما طريقه التداوى، لا لا سيما بما تعلَّق به سُمٌ كقوله: " من تصبَّح كل يوم سبع تمراتٍ عجوةً لم يُضُرَّه ذلك اليوم سمٌّ "، وقوله فى مرضه: " هَريقوا علىَّ من سبع قِربٍ لم تُخلّلْ أوكيتُهنَّ ".
وأما قوله فى الحديث: " فليرُقه " وقوله: " طهورُ إناءِ أحدكم إذا ولغ فيه الكلبُ " فيحتج به من يراه نجساً وغيره يقول بل لتقززه وتقذره، واختلف هل يغسل به الإناء إذا لم يجد غيرَهُ؟ والأولى إِلا يغسِل به وإن لم يجد غَيره. وإن كان عندنا ظاهراً لقوله ﷺ : " فليُرقه " والمتحصِّلُ من مذهبنا فى سؤر الكلب أربعة أقوال: طهارته ونجاسته، والفرق بين سؤر المأذون فى اتخاذه وغيره، وهذه الثلاثة أقوال عن مالك، الرابع: مذهب عبد الملك فى الفرق بين البدوى والحضرى.
وقوله فى حديث ابن المغفَّل فى قتل الكلاب: " ثم رخص فى كلب الصيد وكلب الغنم وقال: إذا ولغ الكلبُ ... ": الحديث حجةٌ لأحد القولين فى غسل الإناء من المأذون لأنه جاء بعد الترخيص فى اتخاذه، فدَل أنه نُسخ بهذه العبارة الأخرى، والله أعلم،
стр. 708
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد يحتمل أنه راجعٌ فى قتل الكلاب الأخر، وقد اختلف فى غسل الإناء من سؤر الخنزير، هل يُقاسُ على الكلاب لنجاسته - وهو مذهب أبى حنيفة وأحدُ قولى الشافعى (١) - أو لتقذرهِ وأكله الأنجاسَ - وهو أحد قولى مالك (٢) - أو لا يُغسل لأنه لا يستعمَلُ ويقتنى فلا توجَدُ فيه عِلَّةُ الكلب من أذى الناس - وهو أحدُ قولى مالك والشافعى.
стр. 709
(٢٨) باب النهى عن البول فى الماء الراكد
٩٤ - (٢٨١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رَمْحٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِى الْمَاءِ الرَّاكِدِ.
٩٥ - (٢٨٢) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَ: " لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائم ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ ".
٩٦ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عنْ همامِ بْنِ مُنَبِّهٍ؛ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَذَكَرَ أحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تَبُلْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِى لا يَجْرِى، ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ ".
ــ
ونهيُه ﷺ عن بول الرجل فى الماء الراكد [أو الدائم الذى لا يجرى، ثم يغتسِل منه، وهو تفسير الراكد] (١) هذا تفسير منه ﷺ على طريق التنزيه والإرشاد إلى مكارم الأخلاق والاحتياط على دين الأمةِ، وهو فى الماء القليل آكد منه فى الكثير لإفساده له، بل ذكر بعضُهم أنه على الوجوب فيه، إذ قد يتغيَّرُ منه ويفسد فيظن من مَرَّ به أن فساده لقراره أو مكثه، وكذلك يكثر تكرار البائلين فى الكثير حتى يعتريه ذلك، فحمى ﷺ هذا العارض فى الماء الذى أصله الطهارة بالنهى عن ذلك، وذكر البول فيه دليلٌ على ما يشابهه من الغائط وغيره، فإن فعل ذلك فى ماء كثير لم يضره، فإن كان فى قليلٍ وغيّره أنجسَه وإن لم يُغَيّره فعلى اختلافهم فى الماء القليل تحله النجاسة القليلةُ، ولم يأخذ أحدٌ بظاهر الحديث إِلا داود (٢) فقصَرَه على البول فيه دون غيره من صَبِّه فيه، أو التغوُط فيه، أو جريه إليه، كَانَ كثيراً أو قليلاً، والتزم فى ذلك تناقضًا عظيمًا لظاهر الحديث.
وقوله: " والذى لا يجرى " دليل أن الجارى بخلافِه؛ لأن البول لا يستقر فيه، ولأن جريه يدفع النجاسةَ وتخلُفُه على التوالى الطهارةُ، ولأن الجارى فى حكم الكثير الغالب ما لم يكن ضعيفاً يغلبُه البول ويُغيّره، ولأن أكثر المياه الموجودة ليست كثيرةً مستبحرةً والناس يتناوبون المياه عند حاجتهم ويقربون منها للتنظيف بها، فلو أطلق لهم البولُ فيها لفسد أكثرها وقطع الانتفاع بها، لا سيما [فيما] (٣) يقرُب من العُمران ويدخل الوساوس فيما يوجد منها.
стр. 710
(٢٩) باب النهى عن الاغتسال فى الماء الراكد
٩٧ - (٢٨٣) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ ابْن وَهْبٍ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ؛ أَنَّ أبَا السَّائِبِ - مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ - حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهْوَ جُنُبٌ " فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلاً.
ــ
وقوله: " لا يغتسل أحدُكم فى الماء الدائم وهو جُنبٌ " من هذا، يعنى ولم يغسل ما به من أذى. وقول أبى هريرة: " يتناوله تناولاً " يريد لا ينغمس فيه، ولكن يتناوله ويتطهر خارجًا عنه، وهذا فى غير المستبحر، وكذلك يكرهُ له هذا فى القليل وإن غسل ما به من أذىً، لأنه لا يسْلم الجسمُ من درنٍ ووسخ، فقد يغيِّره. ولأنه فى استعماله فى تنقية جسده من باب الماء المستعمل المختلف فيه.
وقوله: " ثم يغتسل منه ": تنبيه على إفساده الماء وعلى الحاجة إليه، لا أنه إنما نهى إذا أراد أن يغتسل فيه فقط.
стр. 711
(٣٠) باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت فى المسجد، وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها
٩٨ - (٢٨٤) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنسٍ؛ أَنَّ أعْرَابِيًا بَالَ فِى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " دَعُوهُ وَلا تُزْرِمُوهُ " قَالَ: فَلَمَّا فَرغَ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
ــ
ذكر فى الحديث أن أعرابيًا بال فى المسجد [فقام إليه بعض القوم] (١)، وقول النبى ﷺ : " دعوه، لا تَزْرموه " بتقديم الزاى " فلما فرغ دعا بدلو فصبَّه عليه "، وفى الحديث الآخر: " بذنوب "، الذَنوب، بالفتح، الدلو مملوءةً ماءَ.
قال الإمام: قوله: " دعوهُ ": يحتمل أن يكون خشى إن قامَ على ذلك الحال نَجَّسَ مواضع كثيرةٍ فى المسجد، ويحتمل أن يكون خشى [إن قطع عليه] (٢) أن تَضُرَّ به الحقنَة.
قال القاضى: جاء فى آخر الحديث فى البخارى: " إنما بُعِثْتُم مُيَسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين " (٣)، وهذا يُبِّين أن مقصِده الرفقُ بالجاهل، والنهى عن الجفاء والأغلاظ لقوله فى الحديث: " فتناولَه الناسُ " وفى ضمن ذلك ما ذكره من خوف قيامه على تلك الحال، فينجِّس ثيابه ومواضع كثيرة من المسجد غير الأول.
وفى قوله: " لا تزرموه " - فى الحديث الآخر - بيان ذلك وخوف الإضرار به. قال الخطابى: وفيه دليل أن الماء على اليُسر والسعَةِ فى إزالة النجاسات به، وأن غُسالة النجاسة طاهرة ما لم تبن به النجاسة، وقد اختلف على الشافعى فى طهارة الغُسالة. قال الهروى فى شرحه الحديث الذى قال فيه: " بال الحسن فأُخِذ من حجره فقال: لا تُزرموا ابنى " يقول: لا تقطعوا عليه بوله، والإزرام القطع، وزرِم البولُ انقطع (٤).
وأما صبُ الدلو على بول الأعرابى فاحتج به أصحابنا على الشافعى (٥)؛ لقوله: إن الماء اليسير إذا حلَّت فيه النجاسَةُ اليسيرةُ عاد نجسًا وإن لم يتغيّر، وانفصل بعض الشافعية عن ذلك بأن طُروَّ النجاسة على الماء بخلاف طروّ الماء عليها، ونحن لا نُسلِّم لهم التفرقة
стр. 712
٩٩ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنِ الدَّرَاوَرْدِىِّ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِىُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ أَنَّ أعْرَابيًّا قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ فِى الْمَسْجِدِ، فَبَالَ فِيهَا، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " دَعُوهُ "، فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَنُوبٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ.
ــ
بين ذلك؛ لأن ما خالط نجاسةً فلا فرق فى التحقيق بين طروِّه عليها وطروِّها عليه، ولهم فى الماء القليل تحُلُّ فيه النجاسةُ اليسيرةُ حديث: " إذا جاوز الماء قلتين لم يحمل خبثاً "، وهذا ليس الحجة به من جهة نصّهِ، وإنما هى من جهة دليله، فإن لم نقل بدليل الخطاب سقط احتجاجهم به فيما دون القلتين وإن قلنا بدليل الخطاب قلنا فى مقابلة قوله ﷺ : " خلق الله الماء طهورًا " وتفرقة الشافعية (١) بين طُروِّ النجاسة على الماء وطرو الماء عليها، ابْتنَى على ذلك عندهم خلاف فيمن غسل نجاسةً عن ثوبه، هل تكون الغسالة التى خالطتها النجاسَةُ الخارجةُ من الثوب نجسةً أم لا؟ فقال بعضهم: تكون طاهرةً لأن الماء طارئ عليها ويحتج بصبِّ الماء على بول الأعرابى، وأنه بعد أن خالطه الماء لم يُنجِسْ بقعةً أخرى يمُرُّ عليها، قال بعض أصحابنا: إن قوله فى المدونة: إن لم يجد إِلا ما حلَّت فيه النجاسةُ اليسيرة وهو قليل فإنه يتيمم، هذا كقول الشافعى، وقال بعض أصحابنا: إنما المراد بقوله: يتيمم، يعنى ويتوضأ، لا أنه يتركه جملةً، وعلى هذا لا يكون موافقًا للشافعى.
قال القاضى: المعروف من مذهب مالك (٢) أنه لا يراعى هذا التفريق جملةً، ولا ذهب إليه أحدٌ من أصحابه، وإنما اختلفت عنه رواياتهم فى طهارته ما لم يتغير أحد أوصافه، قليلاً كان أو كثيراً، وهى رواية المدنيين عنه وأهل المشرق وأصل (٣) مذهبنا، وهو قول الثورى والأوزاعى فى رواية وبين التفريق بين القليل والكثير، وأن القليل ينجِسه قليل النجاسة وإن لم تغيّره، كقول أبى حنيفة (٤) والشافعى (٥)، وإن خالفهما فى تحديد القليل، وهى رواية المصريين والمغاربة وجماعة من أصحابه المدنيين وغيرهم، ثم اختلف أصحابُه فى هذا القليل ما حكمه؟ هل هو نجس حقيقةً؟ أو مشكوك فيه؟ فمن نجَّسه حقيقةً قال: يتيمم من لم يجد سواه، ومنهم من تأول لهذا القليل الاحتياط، ومن شك فيه جمع بينه وبين التيمم على اختلاف لهم كثير واضطرابٍ فى ترتيب ذلك وصفته، وقد حَدَّ بعض متأخرى شيوخنا القليل بإناء الوضوء يقع فيه القطرة من النجاسة، والقصريَّةِ يغتسل
стр. 713
١٠٠ - (٢٨٥) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدثَّنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِى طَلْحَةَ، حَدَّثَنِى أنسُ بْنُ مَالِكٍ - وَهُوَ عَمُّ إِسْحَاقَ - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إذْ جَاءَ أعْرَابىٌّ، فَقَامَ يَبُولُ فِى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : مَهْ مَهْ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ "، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: " إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَىْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِىَ لِذِكْرِ اللهِ ، وَالصَّلاة، وَقِرَاءَةِ الْقُرآنِ "، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلاً مِنَ الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.
ــ
فيها الجُنُبُ ولم يغسل ما به من أذىً، وحدَّ الشافعى (١) وفقهاء أصحاب الحديث - وهو مروىٌّ عن بعض الصحابة والتابعين - القليل بما كان دون القلتين، وروى عن بعض السلف أربعين قلَّةً، ثم اختلف القائلون بالقلتين فى تقديرهما، وأكثرهم على أنها خمس قرب، وقيل: سِت، وقال أهل الرأى (٢): كلُّ ماءٍ إذا حُرِّك اضطرب طرفُه الآخر فهو فى حيز القلة، ينجسه ما وقع فيه وإن لم يُغيره، وهذا إذا كان الاضطراب بالتحريك لا بالتمويج. وأجمعوا أن ما تغيَّر طعمُه أو لونُه أو ريحه بنجاسةٍ أنه نجس لا يجوز استعمالُه.
وفى هذا الحديث الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه بغير تعنيفٍ ولا لسَبٍّ، إذا لم يأتِ ذلك استخفافًا وعن علمٍ، بل بيَّن له برفق وعلمه ما للمساجد من حرمةٍ وحقٍّ. وفيه تنزيه المساجد عن جملة الأقذار، وأنه لا يصلح فيها شىء من أمور الدنيا وتجارتها ومكاسبها، والخوض فى غير الذكر وما فى معناه لقوله: " إنما هى لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن "، و " إنما " للحصر ونفى ما لم يُذكر.
وقوله فى سند الحديث زهير: حدثنا إسحاق بن أبى طلحة، حدثنى أنس بن مالك. وهو عم إسحاق - وهو عمه أخو أبيه لأمه - وهو إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة. وأم عبد الله هى أم سُليم بنت ملحان، وهى أم أنس بن مالك، تزوجها بعد أبى أنس أبو طلحة.
وقوله فى هذا الحديث: " فجاء بدلوٍ من ماءٍ فشَنَّه عليه " يُروى بالسين والشين، أى صبَّه عليه، وفرق بعضُهم بين السَنِّ والشنِّ وقال: السنُّ بالسين المهملة: الصبُ فى سهولة، وبالمعجمة: التفريق فى صبِّه، ومنه حديث عمر: " كان يُسنُّ الماء على وجهه
стр. 714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يَشُنُّه ".
وفيه حجةٌ أن الأرض النجسة لا يُطهِّرها إِلا الماء خلافًا لمن ذهب أن الشمس والجفوف يُطهِّرها. وفيه أنه ليس من شرط غسل النجاسات كلها العرك، وأنه يكفى فيما كان منها مائعاً وغير لزج صبُّ الماء فقط واتباعها به بخلاف ما يبس منها أو كانت فيه لزوجةٌ. وفيه حجةٌ لطهارة الغساله إذا لم يكن فيها [عين] (١) النجاسة، وقد اختلف فيها قول الشافعى (٢) وأصحابه، ولا يصح القول بنجاستها مع تطهير غيرها، ولو أن الذنوب يتنجَّسُ بما لاقاه فى الأرض من البول لما طهرها.
وقوله فى الحديث: " مَهْ مَهْ " كلمة زجرٍ تقال بالإفراد والتثنية، ويقال: بَهْ بَهْ، بالباء أيضًا.
стр. 715
(٣١) باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله
١٠١ - (٢٨٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وأبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ فَأُتِىَ بِصَبِىٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأتبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
١٠٢ - (...) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَبِىٍّ يَرْضَعُ فَبَالَ فِى حِجْرهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
(...) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْن إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسَى. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ.
ــ
وقوله: " كان يؤتى ﷺ بالصبيان فيبَرِّك عليهم ويُحَنِّكهم ": فيه التبرك بأهل الفضل، والتماس دعائهم، والاقتداء بهذا الأدب والسيرة من حمل المولودين إلى الفضلاء عند ولادتهم وعرضهم عليهم ليَدعوا لهم، ومعنى: " يُبَرِّك عليهم ": أى يدعُوا لهم بذلك، وخصَّهم بذلك لما فيها من معنى النماء والزيادة فى جسمه وعقله وفهمه ونباته لكون الطفل فى مبادئ ذلك.
وقوله: " ويحنِّكهم " ليكون أول ما يدخل أجوافهم ما أدخله النبى ﷺ لا سيما بما مزجَه به من ريقِه وتفلِه فى فيه، وفيه ما كان عليه ﷺ من حسن العشرةِ ومباشرته (١) وتأليفهم لكل فعلٍ جميل.
وقوله: " فأُتى بصبىٍّ فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه بولَه ولم يغسله "، وفى أخرى: " فنضحه على بوله ولم يغسله " وفى أخرى: " فرشَّه " وذكر فى بعضها: " أن الصبى مرضَعٌ " وفى بعضها: " لم يأكل الطعام "، قال الإمام: اختُلف فى بول الصبى الذى لم يأكل الطعام، هل يُغسَلُ منه الثوبُ؟ فقيل: لا يغسَلُ، [وقيَل: يُغْسَلُ] (٢)، وقيل: يغسَلُ بول الجارية خاصةً، فوجه غسلِه قياسُه على بول الكبير كما أن الرضيع منه نجسٌ كالكبير، ووجه إِلا يغسل ما فى بعض الأحاديث أنه نضحَه ولم يغسلْهُ، وهذا تأوّل على
стр. 716
١٠٣ - (٢٨٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمَهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ؛ أَنَّهَا أتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَأكُلِ الطَّعَامَ، فَوَضَعَتْهُ فِى حِجْرهِ، فَبَالَ. قَالَ: فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ.
(...) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وزهيرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ.
١٠٤ - (...) وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أخبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ أمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ - وكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأوَلِ اللاتِى بَايَعْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهِىَ أخْتُ عُكَاشَةَ بْنِ محِصَنٍ، أحَدُ بَنِى أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ - قَالَ: أَخْبَرَتْنِى؛ أَنَّهَا أتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَبلُغْ أَنْ يَأكُلَ الطَّعَامَ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: أَخْبَرَتْنِى أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ بَالَ فِى حِجْرِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبه وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلاً.
ــ
وجوهٍ فقيل: المرادُ بالنضح هاهنا صبُ الماء عليه من غير عرك، وهو يذهبُ مع الصب خاصةً، وقيل: إن الهاء فى قوله: " بال على ثوبه " عائدةٌ على الطفل أى بال الطفل على ثوب نفسه وهو فى حجره ﷺ فنضح ﷺ خوفًا أن يكون طار على ثوبه منه شىء، ووجه التفرقة بين الغلام والجارية اتباع ما وقع فى الحديث فلا يُعَدَّى (١) به ما ورد فيه، وهذا أحسنُ من التوجيه بغير هذا المعنى مما ذكروا.
قال القاضى: الثلاث مقالات فى مذهبنا، فالقول بنجاسة بولهما وغسْلهما مشهور قول مالك (٢) وأصحابه، وهو قول أبى حنيفة والكوفيين، والقول بطهارة بول الصبى وحده ونضحه ونجاسة بول الجارية قول الشافعى (٣) وأحمد وجماعة من السلف وأصحاب الحديث وابن وهب من أصحابنا، وحكى عن أبى حنيفة أيضًا، والقول الثالث رواه الوليد بن مسلم عن مالكٍ (٤) وهو قولُ الحسنِ البَصْرى، وقالَ بعضُ علمائنا: ليْسَ قوله فى الحديث: " لم يأكل الطعام "! علَّةً للحكم وإنما هو وصْفُ حال وحكايةُ قصةٍ، كما قال فى الحديث: " صغيرٌ " وفى الحديث الآخر: " رضيعٌ " واللبنُ طعامٌ وحكمُه حكمُه فى
стр. 717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فى كل حالٍ، فأى فرق بينه وبين الطعام، والنبى ﷺ لم يُعلِلْ بهذا ولا أشارَ إليه فنَكِل الحُكم فيه إليه؟ وهذا الحديث أصلٌ فى غسل النجاسة. وقال غيرُه يحتمل قولُه: " لم يأكل الطعام ": أى لم يرضع بَعْدُ، وأن المسلمين كانوا يُوجِّهونَ أبناءهم للنبى ﷺ ليدعُو لهم ويتفُلُ فى أفواههم ليكون أوَّلَ ما يدخلُ فى أفواههم ريق النبى ﷺ ، فيكون قولُه على هذا: " أجلسَه فى حجرِهِ " مجازًا، أى وضعَه فيه، ويحتمل أن يكون الصبىُ بلغ حد الجلوس وأحضِر ليدعوا له النبى ﷺ ، ولكنه بَعْدُ لم يُفصل عن الرضاع ولا أكل الطعام. ووقع فى بعض روايات الحديث: " ويُرش على بول الصبى ": وحمله بعضهم على معنى اتباع الرش بعضُه بعضًا حتى يصير كالغُسل، أو يكون لما شك أنه أصابَه منه.
стр. 718
(٣٢) باب حكم المنىّ
١٠٥ - (٢٨٨) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أبِى مَعْشَرٍ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ؛ أَنَّ رَجُلاً نَزَلَ بِعَائِشَةَ. فَأصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا كَانَ يجْزِئُكَ، إنْ رَأيْتَهُ، أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ تَرَ، نَضَحْتَ حَوْلَهُ، وَلَقَدْ رَأيْتُنِى أفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْكًا. فَيُصَلِّى فِيهِ.
١٠٦ - (...) وحدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَد وَهَمَّامٍ، عَنْ عَائِشَةَ فِى الْمَنِىِّ، قَالَتْ: كُنْتُ أفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
ــ
وقول عائشة فى المنىِّ: " كنتُ أفركُه من ثوب النبى ﷺ " (١)، قال الإمام: هذا الحديث يحتج [به] (٢) الشافعيةُ (٣) على طهارة المنى إذ لم يذكر الغسل، وقال بعض أصحابنا: قيل: إنها بالماء فركتُه، والحجةُ لنا على نجاسته (٤) الحديث الآخر الذى فيه: " أنه ﷺ لما أراد الإحرام للصلاة رأى فى ثوبه منياً فانصرف، ثم خرج إليهم وفى ثوبه بقَعُ الماء" (٥). وقال بعض أصحابنا: هو نجسٌ لخروجه من موضع البول، وهذا إشارةٌ إلى أنهُ إنما نجَّسَه إضافة النجاسة إليه، فانظر ما الذى ينبغى على هذا التعليل أن يكون حكم مَنىّ ما يؤكل لحمُه من الحيوان إذ بوله طاهِرٌ.
قال القاضى: ذكر مسلم قول عائشة للذى غسل الثوب: " إنما كان يُجزيك إن رأيتَه أن تغسل مكانه، وإن لم تره نضحت حَوْلَه، لقد رأيتنى أفركه من ثوب رسول الله ﷺ : الحديث فيه حجة لنا على نجاسته وإلا فَلِمَ يُغْسَلُ؟ فإن قيل: للتنظيف، قيل: فلِمَ أمرته أن ينضح إذا لم يروا هذا حكم النجاسات. ويصحح أن فرك عائشة له " إنما كان بالماء " لأنه جاء مُتَّصِلاً بهذا الكلام الأول، ويحمل على ما تقدم من قولها وإلا كان الكلامُ مُتناقِضًا، فالحديث بنفسه حجةٌ على المخالف، وإنما أنكرت عائشةُ عليه غَسْلَه كُلَّه وغمسَه فى الماء، وأنها سألته: هل رأيت فيه شيئاً؟ فقال: لا، وجمهورُ العلماء على
стр. 719
١٠٧ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِى ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّان. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَرُوبةَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِى مَعْشَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ. ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ عَنْ مَهْدِىِّ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ وَاصِلٍ الأحْدَب. ح وَحَدَّثَنِى ابْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ وَمُغِيرَةَ، كُلُّ هَؤلاءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ فِى حَتِّ الْمَنِىِّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، نَحْوَ حَدِيثِ خَالِدٍ عَنْ أَبِى مَعْشَرٍ.
(...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَائِشَةَ. بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
١٠٨ - (٢٨٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنِ الْمَنِىِّ يُصِيبُ ثَوْبَ الرَّجُلِ، أيَغْسِلُهُ أمْ يَغْسِلُ
ــ
نجاستِه إِلا الشافعى (١) وأصحاب الحديث فقالوا بظاهره، وحجتُهم ظاهِرُ فرك عائشة له، وقد فسَّرته بأمرها بالغسل والنضح، وبالخبر الذى ذكره عنها مسلمٌ: " أن النبى ﷺ كان يغسِل المنىَّ " وفى الحديث الآخر: " كُنْتُ أغسِلُه من ثوب رسول الله ﷺ "، ويتأول الفرك والحك بالظفر الوارد فى الحديث لإزالة العين وتقشير ما يبس منه كما قالت فى الحديث الآخر: " من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفرى " (٢).
وفائدته إزالة عينه قبل الغسل لئلا ينتشِر ببلله عد الغسل فى الثوب بدليل الحديث الآخر من قوله للحائض يُصيبُ ثوبَها الدم: " تحتُّه ثُم تقرُضُه بالماءِ "، ولله درُّ مسلم وإدخاله هذا الحديث بأثر أحاديث المنى، فهو كالتفسير للفرك وفائدته، وأما احتجاج المخالف بأنَّ المنىَّ أصلٌ للخلق كالتراب وأن منه تخلَّق الأنبياء، فلا حجة فى هذا، لأن ما يخلق منه الأنبياء لا كلام لنا فيه، وإنما كلامنا فى منىٍّ فاسدٍ حصَل فى ثوب أو جسدٍ يُقطَعُ على أنه لا يخلقُ منه أحدٌ، وأيضًا فليس كل ما هو بدء الخلق طاهِرٌ والمضغةُ والعلقةُ غيرُ طاهر عندنا إذا أسقطت باتفاق، وهى أصل الخلق للأنبياء، وكذلك أيضًا ننازعهم فى فرك عائشة المنى من ثوبه ﷺ ، إن سلمنا لهم الحجة به، بأن منيهُ وسائِرَ فضوله ﷺ عندهم طاهِرَةٌ على أحد القولين.
стр. 720
الثَّوْبَ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِىِّ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ فِى ذَلِكَ الثَّوْبِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الْغَسْلِ فِيهِ.
(...) وحدّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ - يَعْنِى ابْنَ زِيَادٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ أَبِى زَائِدَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ فَحَدِيثُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِىَّ، وَأمَّا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ فَفِى حَدِيثِهِمَا قَالَتْ: كُنْتُ أغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
١٠٩ - (٢٩٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِىُّ أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شِهَابٍ الْخَوْلانِىَّ؛ قَالَ: كُنْتُ نَازِلاً عَلَى عَائِشَةَ، فَاحْتَلَمْتُ فِى ثَوْبَىَّ، فَغَمَسْتُهُمَا فِى الْمَاءِ، فَرَأتْنِى جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ. فَأخْبَرَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَىَّ عَائِشَةُ فَقَالَتْ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ بِثَوْبَيْكَ قَالَ: قُلْتُ: رَأَيْتُ مَا يَرَى النَّائمُ فِى مَنَامِهِ. قَالَتْ: هَلْ رَأيْتَ فِيهِمَا شَيْئًا؟ قُلْتُ: لا. قَالَتْ: فَلَوْ رَأيْتَ شَيْئًا غَسَلْتَهُ، لَقَدْ رَأيْتُنِى وَإِنِّى لأحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَابِسًا بِظُفُرِى.
ــ
وقولها: " ثم يخرج إلى الصلاة وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه ": يحتمل لأثر الماء لاستعجاله ﷺ ومبادرته الوقت وأنه لم يكن لهم ثيابٌ يتداولونها، وقيل: يحتمل أنها عَنَتْ أثر المنىِّ بعد غسله. وفيه حجة أن النجاسة إذا غُسِلتْ حتى ذهب عينُها لا يضر بقاء أثرها أو لونها، وكذلك ترجم البخارى على هذا الحديث (١)، وقد جاء فيه: " ثمَّ لا يضرُك أثره " ولم يذكر فى هذا خلاف إِلا عن ابن عمر.
وفى الحديث خدمة المرأةِ زوجها فى غسل ثيابه وشبهه، وليس هذا باللازم لها، ولكنه من حكم حسن العشرة وجميل الصحبة لا سيما فى حق النبى ﷺ .
стр. 721
(٣٣) باب نجاسة الدم وكيفية غسله
١١٠ - (٢٩١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ؛ قَالَ: حَدَّثَتْنِى فَاطِمَةُ عَنْ أَسْمَاءَ؛ قَالَتْ: جَاءتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: " تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضِحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّى فِيهِ ".
(...) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَالِمٍ وَمَالِكُ بْنُ أنسٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
ــ
[قوله: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: أحدنا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به؟ قال: " تَحُته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه ثم تصلى فيه "] (١)، وقوله فى الدم: " تحتُّه ثم تقرصُه بالماء ": وتقرصه مخففٌ ومثقلٌ، رويناه بهما جميعًا وهو تقطيعه بأطراف الأصابع مع الماء ليتحلل ويخرجُ من الثوب.
قال الإمام: قال الهروى: اقرصيه بالماء أى قطعيه (٢)، وحتُ الشىء قشْرُه وحكُه، ومنه الحديث [أنه قال لامرأة فى الدم يصيب الثوب: حتيه بضلع أى حكيه] (٣) [المذكور] (٤).
وقوله: " ثم لينضحه ": قال الهروى: ومن السُنن العشر الانتضاح بالماء، وهو: أن يأخذ قليلاً من الماء فينضح مذاكيره بعد الوضوء لينفى به الوسواس. قال الإمام: وقال بعض أصحابنا (٥): هذا الحديث غيرُ معمولٍ به لأنه اعتقد أنه إنما أمرها أن تنضح موضع النجاسة، وتأوله غيرُه على غير ذلك وقال: لعله إنما أمر أن تنضح غير تلك البقعة مما شك فيه هل أصابته النجاسة [أم لا] (٦)؟
قال القاضى: وقال غيره: المراد بالنضح هنا الغسل على ما فى حديث بول الصبى مما سنذكرُه بعدُ، وهو معروف فى كلام العرب، وكذلك فى حديث المقداد فى المذى، قوله: " وانضح فرجك " وفى الرواية الأخرى: " واغسل ذكرك ".
стр. 722
(٣٤) باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه
١١١ - (٢٩٢) وحدّثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ - حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: " أمَا إنَّهُمَا لَيُعَذَّبانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ أَمَّا أحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ، وأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ ". قَالَ: فَدَعَا بعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلى هَذَا وَاحِدًا. ثُمَّ قَالَ: " لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَبْيَسَا ".
ــ
وقوله فى صاحبى القبر (١): " إنهما يُعذَّبان وما يُعذبان بكبيرٍ، أما أحدُهما فكان يمشى بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله " وفى رواية أخرى: " لا يستنزه من البول " وفى غير مسلم: " يستبرى " بالياء، قال الإمام: قوله: " وما يعذبان فى كبير " [ثم] (٢) ذكر النميمة وقد تكون من الكبائر، فيحتمل أن يريد [به] (٣) فى كبير عليهم تركه وإن كان كبيرًا عند الله، والمنهى عنه على ثلاثة أنحاء، منه ما يشقُ تركُه على الطباع كالملاذِّ المنهىِّ عنها، ومنه ما يؤكده الطبع ويدعو إليه كالنهى عن تناول السموم وإهلاك النفس، ومنه ما لا مشقة على النفس فى تركه فهذا القسم مما يقال [فيه] (٤): ليس بكبير على الإنسان تركه.
قال القاضى: وقيل فى معنى: " وما يعذبان بكبيرٍ ": أى عندكم، إِلا تراه كيف قال: " بلى " فى غير مسلم، أى بلى هو كبير عند الله كما قال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (٥)، وهذا أظهرُ فى معنى بلى من رده على غير هذا، كما ذهب إليه بعضُهم، وقيل: " مايعذبان بكبير ": أى بأكبر الكبائر وإن كان كبيرًا.
وفى الحديث من الفقه صحة عذاب القبر، ومعنى: " لا يستتر من بوله ": أى لا يجعل بينه وبينه سُترةً ولا يتحفظ منه، وفيه أن القليل من النجاسة وكثيرها غير معفوٍ عنه، وهذا مذهب مالك وعامة الفقهاء إلا ما خففوه فى الدم لغلبته على ما قدمناه أول الكتاب، وعلى الاختلاف فى هل الدماء كلها واحدةً أو مفترقة؟ وجعل أبو حنيفة (٦) قدر الدرهم من
стр. 723
(...) حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأزْدِىُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَكَانَ الآخَرُ لا يَسْتَنْزهُ عَنِ الْبَوْلِ - أَوْ مِنَ الْبَوْلِ ".
ــ
كل نجاسةٍ معفوًا عنها قياسًا على العفو عن المخرْجِ فى الاستجمار، وقال الثورى: كانوا يُرخِّصون فى القليل من البول، ورخَّص أهل الكوفة فى مثل رؤوس الإبر، وقال مالك والشافعى (١) وأبو ثور: يُغسل، وحكى عن إسماعيل القاضى غسل ذلك عند مالك على طريق الاستحسان والتنزه، وهذا هو مذهب الكوفيين خلاف المعروف من مذهبه.
قال الإمامُ: واحتج المخالف بهذا الحديث على نجاسة بول ما يؤكل لحمه (٢)، فأما روايةُ " بولِه " بالإضافة فلا تعلق له بِه؛ لأنه قصَرَه على بول الرجل، وأما الرواية الثانية فقد يتعلق بها طردًا لاسم البول فيقول (٣): متى وُجِد ما تقع عليه هذه التسميةُ وجب أن يكون نجسًا، واحتج أصحابنا (٤) بطواف النبى ﷺ على البعير ولا يؤمَن أن يبول.
وقوله: " يستنزهُ " و " يستترُ من البول ": يُشير ظاهره [إلى] (٥) أن علة التعذيب أنه لا يتحفظ من النجاسة. قال القاضى: معنى " يستتر من البول ": أى يجعل بينه وبينه سُترةً، ومعنى " يستنزه ": أى يبعد منه، ومنه أخذتْ النزاهةُ عن الشىء أى البعدُ منه. قال الإمام: وأما رواية يستبرئ ففيها زيادة على هذا المعنى؛ لأنه إذا لم يستبرئ فقد يخرج منه بعد الوضوء ما ينقض وضوءه فيصير مصلياً بغير وضوء، فيكون الإثم لأجل الصلاة أيضًا، [وهى كثيرةٌ لا شك فيه، وقد قيل: " يستتر من بولِه ": أى من الناس عند بوله، فيحتج بهذا على وجوب ستر العورة] (٦).
قال القاضى: استدل المخالفُ ومن قال من (٧) أصحابنا: إن إزالة النجاسة فرضٌ بتعذيب هذا بعدم التنزه عن البول، والوعيد لا يكون إِلا على واجبٍ، والجوابُ لمن يقول: إن سنةٌ ما تقدَّم من رواية " يستبرئ " فكان يُصلى بغير طهارة، أو بترك السترة عمدًا واستخفافًا وتهاونًا، قال ابن القصار: وعندنا أن متعمد ترك السُنن لغير عُذرٍ ولا تأويل آثم.
стр. 724
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القاضى: ولعل معناه فيمن تركها جملةً؛ لأن إقامتها وإحياءها على الجملة واجبٌ وأما على الآحاد أو ترك المرء بعضها فخلاف الواجبات. قال الإمام: وأما جعل الجريدتين على القبر، فلعله ﷺ أوحى إليه أن (١) العذاب يُخفُّفُ عنهما ما لم ييبسا، ولا يظهر لذلك وجهٌ إِلا هذا.
[قوله فى الحديث: " فدعا بعسيب رطب ": قال الهروى فى تفسير الحديث الذى فيه: " فجعلت أتتبعه - يعنى القرآن - من اللحاف والعُسُب " العسب: جمع عسيب، وهو سعف النخل، وأهل العراق يسمونه الجريد والعراهن، واللحاف حجارة بيض رقاق، قال أبو عبيد فى مصنفه: رقاق عريضة] (٢).
قال القاضى: قد ذكر مسلم فى حديث جابر الطويل آخر الكتاب فى حديث القبرين: " فأحببتُ بشفاعتى أن يُرفع (٣) ذلك عنهما ما دام القضيبان رَطبين "، فإن كانت القصةُ واحدةً فقد بين أنه ﷺ دعا لهما وشفع، وإن كانت قصةً أخرى فيكون المعنى فيهما واحدًا، والله أعلم. وذكر بعض أصحاب المعانى أن يكون يحتمل التخفيف عنهما مُدَّة رطوبة الجريدتين لدعاء كان منه ﷺ فى ذلك تلك المدة، وقيل: بل المعنى: أنهما ما دامتا رطبتين تسبِّح وليس ذلك لليابس، وقد حكى عن الحسن نحو من هذا فى [مايدة] (٤)، وسئل: هل تسبح؟ فقال: كان، فأما الآن فلا. واستدل بعض العلماء من هذا - على هذا التأويل - على استحباب تلاوة القرآن على القبور، ولأنه إذا كان يُرجى التخفيف عن الميت بتسبيح الشجر فتلاوة القرآن أعظم رجاءً ونفعًا. قال بعضهم: وقد جاء عمل الناس فى بعض الآفاق ببسط الخوص على قبور الموتى، فلعله استنانٌ بهذا الحديث، قال الخطابىُّ: وليس لما تعاطوه من ذلك وجهٌ.
قال القاضى: قد روى عن بريدة الأسلمى أنه أوصى أن يجعل فى قبره جريدتان، فلعله تيمُّنًا بما فعله النبى ﷺ أو لما تقدم، والله أعلم، أو لتشبيه الله تعالى لها بشجرةٍ طيبةٍ وتشبيهها بالمؤمن.
стр. 725
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣ - كتاب الحيض
(١) باب مباشرة الحائض فوق الإزار
١ - (٢٩٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَا، إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَأتَزِرُ بِإِزَارٍ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.
٢ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ. ح وَحَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهَرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانَا، إِذَا كَانَتْ
ــ
[قول عائشة - رضى الله عنها -: " كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمرها رسول الله ﷺ أن تأتزر فى فور حيضتها ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه "] (١).
وقوله فى الحائض: " تأتزر ثم يباشرها " وفى الحديث الآخر: " فى فور حيضتها " فور الشىء جأشه واندفاعه وانتشارُه، وفور الحيض مُعْظم صبِّه، ومنه فورُ العين وفور القدر إذا جاشا، قال الله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ (٢)، ومنه فى الحديث: " فإن شدة الحرِّ من فور جهنم " (٣)، وفى كتاب أبى داود: " فى فوج حيضها " (٤)، وكذلك فى البخارى: " من فوج جهنم " و " فيح جهنم " (٥) والكل بمعنىً واحد.
стр. 726
حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَأتَزِرَ فِى فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ.
ــ
وقوله: " فأيكم يملك إِربه كما كان رسُول الله ﷺ يملك إرْبَه ": كذا رُويناه فى الأم فيه بكسر الهمزة وسكون الراء، أى لعضوه، والإربُ العضوُ، والآراب الأعضاءُ، كَنَّت به عن شهوة الجماع، والإرْبُ أيضاً الحاجةُ وهى الإربة والمأرُبَةُ - أيضاً - بضم الراء وفتحها، ورواه بعضهم: " لأَرَبه " بفتح الهمزة والراء، وكذا رواه أبو ذر فى كتاب البخارى (١)، وعاب الخطابى رواية أصحاب الحديث فيه بالكسر والإسكانِ، وصَوَّب رواية الفتح، وقال: يعنى حاجته، قال: والإربُ [أيضاً] (٢) الحاجة، قال: والأول أظهر (٣).
قال الإمام: قال الهروى (٤): " لإرْبِه " أراد الحاجةَ (٥) يعنى أنه كان غالباً لهواه (٦)، [قال] (٧)،: والإربُ والمأربةُ الحاجةَ، قال غيره والأَربُ - أيضاً - بفتح الهمزة والراء، وأما المأرَبةُ فبفتح الراء [فيها] (٨) وضمها، قال: وقال الهروى فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيض﴾ (٩) قال ابن عرفة: المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك المكان، وبه سمى الحوض لاجتماع الماء فيه (١٠)، يقال: حاضت المرأةُ وتحيضت حيضاً ومحاضاً ومحيضاً إذا سال الدمُ منها فى أوقاتٍ معلومة، فإذا سال فى غير أيام معلومات (١١) من غير عِرق الحيض قيل (١٢): استحيضت فهى مستحاضة، [قال] (١٣): ويقال: حاضت المرأة وتحيضت ودرَسَت وعركَت وَطمِثت.
стр. 727
٣ - (٢٩٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الإِزَارِ، وَهُنَّ حُيَّضٌ.
ــ
قال القاضى: قد قيل فى هذا - أيضاً -: " نفست " بفتح النون، وحكى بعضهم فيه الضم أيضاً، وضَحِكتْ - أيضاً - بمعنى حاضت، وقيل ذلك فى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَت﴾ (١)، وقيل: سُمى الحيض حيضاً من قولهم: حاضت السَمُرة إذا خرج منها ماء أحمرُ، قال القاضى: ولعل قولهم هذا فى السمرة أصلُه من حيض المرأة.
قال الإمام: يحتمل أن يكون إنما أمر ﷺ أن تأتزر من فور الحيضة خشية أن يناله أذىً حين مضاجعتِه؛ لأن الدمَ حينئذ يُثجُّ، أى يندفع، وليس كذلك الحال (٢) فى آخر الحيضة.
وقولها: " ثم يباشرها ": يحتمل أن يراد به مماسة الجسد؛ لإن إصابة الحائض من تحت الإزار يمنعُه أهل العلم (٣).
قال القاضى: صحح هذا الاحتمال الذى ذكره ورفَع الرَّيبَ فيه قوله: " إنه كان يُباشر نساءه فوق الإزار ".
стр. 728
(٢) باب الاضطجاع مع الحائض فى لحاف واحد
٤ - (٢٩٥) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ ابْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس؛ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْطَجِعُ مَعِى وَأَنَا حَائِضٌ، وَبَيْنِى وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ.
ــ
وقولها: " يضطجع معى وأنا حائض وبينى وبينه ثوبٌ "، فهذا الثوب يرجع إلى الإزار فى الحديث الآخر، وتكون المباشرة حقيقةً لما فوق الإزار ويجتنب ما تحت الإزار، وقال ابن الجهم وابن القصار: حدُّه من السُرَّةِ إلى الركبة؛ لأنه موضع الإزار، ولأنه مفسَّرٌ فى حديث آخر، وهذا مذهب عامة أئمة أهل العلم فى جواز الاستمتاع من الحائض بما فوق الإزار، ومضاجعتها ومباشرتها فى مئزرٍ بمفهوم هذه الأحاديث، وبقوله فى غير هذا الكتاب: " ثم لك ما فوق الإزار " (١)، وقوله: " ثم شأنك بأعلاها " (٢)، وتعلق بعض من شذَّ بظاهر القرآن إلى اعتزال النساء فى الحيض جملة (٣)، وقد بيَّنت السنة هذا الاعتزال وفسرته بما تقدم، وبقوله ﷺ بعد هذا: " اصنعوا كل شىء إِلا النكاح "، وقد يتعلقون بظاهر حديث ميمونة وقولها: " وبينى وبينه ثوب " ولكن قولها فى الرواية الأخرى: " فوق الإزار " يُفسِّرُ أنه الثوب الذى عنَتْهُ، وفى البخارى: " كان إذا أراد أن يباشر أحداً من نسائه أمرها فاتزرت " (٤). وذهب بعض السلف وبعض أصحابنا إلى أن الممنوع منها الفرج وحده، وأن غيره مما تحت الإزار حمايةً منه مخافة ما يُصيبُه، وروى عن عائشة معناه (٥)، وحكى ابن المرابط فى شرحه إجماع السلف على جواز ذلك، وقد يحتج باختصاصه الشد
стр. 729
٥ - (٢٩٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْت أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ
ــ
بفور حيضتها فى الحديث المتقدم.
وكذلك اختلفوا متى يحلُّ وطؤها، بانقطاع الدم؟ وهو مذهب الكوفيين وإن لم تطهر، وإليه نحا بعض أصحابنا البغداديين، وأن الإمسَاك إلى أن تتطهر بالماء استحبابٌ، وتأوله على قول مالكٍ (١)، وقال ابن نافع من المدنيين: له وطؤها إذا احتاج وإن لم تتطهر بالماء، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطهُرْن﴾ (٢) فهى الغاية (٣) ومشهور المذهب وقول عامة السلف والفقهاء أنها لا توطأ حتى تغتسل لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فقرن بالغايةِ وصفاً وشرْطاً لا بُدَّ منهُ (٤)، وقال الأوزاعى وأصحاب الحديث: إذا طهرَت وغسلت فرجها حلَّ وطؤها وإن لم تغتسل، وهو نحو القول الأول، أو لأنهم حملوا التطهر على اللغوى والذى بمعنى التنظيف وغسل الأَذَى، وقال آخرون: المراد به الطهارة الصغرى، فإذا توضأت حل له وطؤها وإن لم تتطهر، كما أمُرِ الجنبُ إِلا ينام حتى يتوضأ، وكذلك اختلفوا، هل على الواطئ فى الحيض كفارةً أم لا؟ فذهب ابن عباس إلى ما جاء فى الحديث: أنه يتصدَّق بدينار أونصف دينارٍ، وهو قول ابن حنبل، وعن ابن عباسٍ - أيضاً - فى أول الدم بدينار وفى آخره بنصفه (٥)، وقال النخعى وإسحاق والشافعى فى القديم: ونحوه للأوزاعى إِلا أنه جعل النصف لمن وطئها بعد انقطاع الدم (٦)، وقال الحسن: عليه ما على الواطئ فى رمضان، ونحوه لسعيد بن جبير قال: عتق رقبةٍ، وذهب مالك
стр. 730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافعى آخراً والكوفيين والليث ومعظم السلف والفقهاء: أنه لا كفارةَ عليه وليستغفر الله ويتوب إليه، والحديث عندهم مضطرب غير محفوظ (١).
قال الإمام: واختلف أهل العلم فى أقل الحيض الموجب لترك الصلاة (٢)، فمذهب مالك (٣): أن الدَّفعة من الدم حيض، ومذهب الشافعى (٤): يوم وليلة، فإذا انقطع قبل ذلك فليس بحيض، ومذهب أبى حنيفة كالشافعى، إِلا أنه يجعل حدَّ ذلك ثلاثة أيام (٥)، ومقتضى مذهبهما أن المرأة إذا رأت الدم كفَّت عن الصلاة، فإن بلغ إلى الحد الذى ذكروه لم يجب عليها قضاء، وإن انقَطع قبل ذلك قضت، وألزمنا المخالف أن يَقُول فى الاستبراء: إن الدَّفعة من الدم تجرى (٦) فيه كما قلنا: إن ذلك موجب لترك الصلاة. وقال الأبهرى من أصحابنا: القياس أن تكون الدفعةُ من الدم يعتدُ بها فى الاستبراء ويكون قرءاً، ولكن أخذنا بالاحتياط لبراءة الأرحام وصيانة الأنساب، وقد ذكر بعض الناس أَنَّ نساء الأكراد يحضن لمعةً أو دفعةً فقط (٧).
والحيّض ثلاثٌ: مبْتدأةٌ، ومعتادةٌ، ويائسةٌ، فأما المبتدأةُ [إذا رأته] (٨) فتمادى بها فقيل: تجلس خمسة عشر يوماً، وإن (٩) زاد على ذلك كانت مستحاضةٌ، وقيل: تترك الصلاةَ قدر أيام لداتِها [و] (١٠) قيل معناه: أترابها. وهل تستظهر على ذلك أم لا (١١)؟ فيه قولان، وأما المعتادة إذا زاد الدم على أيام حيضتها (١٢)، فقيل: تتم خمسة عشر يوماً، وقيل: تستطهر على أيامها ثم تغتسل وتُصلى.
والقول فى الحيض مبسوط فى كتب الفقهاء وليس هذا موضِع بسْطِه. وأما اليائسات إذا رأين دَماً فإنه لا يكون براءةً للأرحام، واختلف هل تترك له الصلاةُ والصيام؟ وسيأتى
стр. 731
أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى الْخَمِيلَةِ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيابَ حَيْضَتِى. فَقَالَ لِى رسُولُ اللهِ ﷺ : " أَنفِسْتِ؟ " قُلتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِى فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِى الْخَمِيلَةِ.
قَالَتْ: وَكَانَتْ هِى وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلانِ، فِى الإِنَاءِ الْوَاحِدِ، مِنَ الجَنَابِةِ.
ــ
ذكر المستحاضة.
قال القاضى: ما ألزمنا المخالف وقاسَه الأبهرىُ هو حقيقة مذهب ابن القاسم على ما ذهب إليه بعض حُذاق شيوخنا، وأن الدفعَةَ متى كان قبلها طهرٌ فاصِلٌ وبعدها طهرٌ فاصِلٌ فهى حيضٌ يعتدُ به فى العِدَد، وعليه حُمِل قول ابن القاسم فى المعتَدَّةِ: فإذا رأت أول قطرةٍ من الحيضِة [الثالثة] (١) فقد تم قرؤها، وانقضت الرجعة، وحلَّت للأزواج، وإن قول أشهب خلاف له، وإليه نحا اللخمى، خلاف قول غيرهما: إنه تفسيرٌ ووفاق، ويعضده ما وقع لمالك فى الاستبراء وقوله: يسأل النساء عن ذلك (٢).
وقول أم سلمة: " بينا أنا مضطجعةٌ فى الخميلة [إذ حضت، فانسللت فأخذت ثياب حيضتى، فقال رسول الله ﷺ : " أَنفِسْتِ ...] " (٣) الحديث، قال القاضى: الخميلة القطيفة، قال ابن دريد، وقال الخليل: الخميلةُ ثوبٌ له خمْلٌ.
وقولها: " فأخذت ثياب حِيضتى ": كذا ضبطناه بكسر الحاءِ، وكذا قال الخطابى فى قوله ﷺ لعائشة: " إن حيضَتَكِ ليست فى يدك " (٤)، وإن صوابه بكسر الحاء، يريد الهيئة والحالة كقولهم: القِعْدَة والجلْسَه (٥)، أى الهيئة والحالة، قال: والمحدثون يقولونها بفتح الحاء، وعندى أن هذا [غير] (٦) بيِّن فى هذا الوضع، بل الحيضة هنا الدَمُ لقوله: " ليست فى يدكِ " يعنى: أن النجاسة التى يجب تجنُبُها المسجد وأسباب الصلاة وهو دم الحيضة ليست فى يدك، وأن الصواب ما قاله المحدثون هناك بخلاف حديث أم سلمة هذا، ويحتمل الكسر، أى الثياب التى ألبسها فى حال حيضتى، ويحتمل الفتح، أى الثياب التى ألبسها أيام الدم، ولا أتحفظ بها من الحيض، وأنزِّه غيرها من ثياب التجمل والصلاة عن ذلك.
وقوله: " أنُفِسْتِ "، قال الإمام: قال الهروى وغيره: نُفِست [المرأة] (٧) ونَفِسَت إذا ولدت، فإذا حاضت قيل: نَفِست بفتح النون لا غير.
стр. 732
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال القاضى: روايتنا فى الأم بضم النون وهى رواية أهل الحديث، وذلك صحيح، وقد قال أبو حاتم عن الأصمعى الوجهان فِي الحيض والولادةِ، وذكر ذلك غير واحدٍ، وأصل ذلك كله من خروج الدم، والدم يُسمَّى نفساً، ومنه قول الشاعر:
تسيلُ على حدَّ السيوف نفوسُنا ... وليست على غير السيوف تسيل
وفيه نوم النبى ﷺ مع زوجه فى الخميلة، وكذلك فى حديث عائشة وغيرها، وأن ذلك من سنن أهل الفضل خلاف سيرة [بعض] (١) الأعاجم.
وقولها: " وكانت هى ورسول الله ﷺ يغتسلان فى الإناء الواحد من الجنابة ": فيه جواز غسل الرجل مع المرأة من إناءٍ واحدٍ ووضوئهما، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف من أحمد بن حنبل ومن تبعه فى وضوء الرجُلِ وغسله من فضل وضوئها أو غسلها، وسيأتى هذا مُعيَّناً بعد.
стр. 733
(٣) باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء فى حجرها وقراءة القرآن فيه
٦ - (٢٩٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ ، إِذَا اعْتَكَفَ، يُدْنِى إِلَىَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ.
٧ - (...) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ، والْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلا وَأَنَا مَارَّةٌ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَىَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةٍ. إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا.
وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: إِذَا كَانُوا مُعْتِكفِين.
ــ
وقول عائشة: " إن كان رسول الله ﷺ ليُدخِلَ علىَّ رأسَهُ وهو فى المسجد وأنا فى حجرتى فأرجِّلُه، وكان لا يدخل البيت إِلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفاً " وبيَّن فى الحديث الآخر: " فأرْسِلهُ " وهو بمعنى أرَجِّلُه، وفى آخر: " فأغسِلُهُ وأنا حائض "، وفيه ذكر مناولتها وهى حائض الخمرة والثوب، ووضعُه ﷺ فاه فى موضع شربها وأكلها، فيه كله أَنَّ جَسَد الحائض طاهِرٌ ما لم يُصبْ نجاسةً، وكذلك ريقُها، وأن ما يلمسه من ذلك لا يتنجَّس، وأنها لا تُمنع من المسجد إِلا مخافة ما يكون منها. وإلى هذا نحا محمد بن سلمة من أئمتِنا، وأجاز ذلك للجنب - يعنى إذا لم يكن به أذىً - وهو قول زيد بن أسلم إذا كان عابِر سبيلٍ، وحكاه الخطابى عن مالك والشافعى (١) وأحمد، وأهل الظاهر يجيزون للجنب دخوله، إِلا أن أحمد يستحب له الوضوء بدخوله، ومنع سفيان وأصحاب الرأى دخوله المسجد جملة، وهو مشهور قول (٢) مالك، وذهب بعض المتأخرين (٣) إلى
стр. 734
٨ - (...) وحدّثنى هَارُون بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخْرِجُ إِلَىَّ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهْوَ مُجَاوِرٌ،
ــ
جواز ذلك للحائض إذا استقرت بثوب [قال] (١) كما جاء فى المستحاضة فى الطواف، وليس هذا عندى بصواب؛ لأنها متى استثفرت وخرج منها فى الذى [استثفرت] (٢) به شىء، وإن أومن تنجيسه المسجد، فإنها نجاسةٌ فى الثوب يُنزَّه المسجدُ عن كونها فيه، والمستحاضة فى الطواف معذورة من وجهين؛ من الاستحاضة التى لزمتها، ومن تمام عقد العبادة التى دخَلتها، فلم يكن لها بُدٌ من ذلك والحائض فلا ضرورة لها لدخول المسجد جملة.
وفيه أن مس المرأة زوجها فى الاعتكاف لغير لذةٍ، وترجيل شعره وغسيله، ومناولته (٣) الثوب وشبهه له، لا يضر اعتكافه، وأن إخراج المعتكف رأسه من المسجد وغسله شعره وترجيله لا يضره، ولا قص شعره ولا ظفره. وفيه أن من حلف إِلا يدخل بيتاً فأدخل فيه رأسه لا يحنث، لإخراج النبى ﷺ رأسه من المسجد وهو لا يجوز له الخروج، وإن أدخل ذلك منه من المسجد بيته لقول عائشة: " وأنا فى حجرتى "، وأن المعتكف لا يدخل البيت إِلا لضرورة حاجة الإنسان، وأنه لا يعود مريضاً ولا يشتغل بغير ما هو فيه، وأن سؤاله عن المريض والتسليم على الناس ومكالمتهم وشبه هذا فى مسيره إلى حاجته لا يضره، وهذا قول مالك والأوزاعى والشافعى وأبى حنيفة، وبظاهر هذا أخذ إسحاق وقال: لا يخرج إِلا لبول أو غائط، وقال جماعة من السلف، لكن إسحاق فرق بين التطوع والفرض، فأجاز اشتراط خروجه فى التطوع ولم يُجز أكثرهم الشرط فيه، واختلف فيه قول أحمد، واختلف قول مالك فى خروجه لما يضطر إليه؛ من خروجه لشراء طعامه وشرابه وما يحتاج إليه، وروى عن بعض السلف من الصحابة وغيرهم: جواز خروجه للجُمعة والجنازة وعيادة المريض، وأجاز أصحاب الرأى خروجه للجمعة، ومنعه مالك ورآه يفسد اعتكافه، وأنه لا يعتكف إِلا فى الجامع، وسيأتى هذا مفسراً فى الاعتكاف إن شاء الله تعالى.
وقوله: " وهو مجاور ": أى معتكف، والجوارُ والاعتكاف سواء. وذكر قولها: " قال لى النبى ﷺ : ناولينى الخمرة من المسجد "، قال الإمام: قال الهروى فى تفسير الحديث: " أنه كان يسجُد على الخُمر " يعنى هذه السجادة، وهى مقدار ما يضع عليه الرجلُ حُرَّ وجهه فى سجوده من حصيرٍ أو نسيجة من خوص (٤).
стр. 735
فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
٩ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدْنِى إِلَى رَأْسَهُ وَأَنَا فِى حُجْرَتِى، فَأُرَجِّلُ رَأْسَهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
١٠ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ رَأسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ.
١١ - (٢٩٨) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ القَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قَالَ لِى رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَاوِلِينى الْخُمْرَةَ مِنْ المَسْجِدِ ". قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّى حَائِضٌ. فَقَالَ: " إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِكِ ".
١٢ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ عَنْ حَجَّاج وَابْنِ أَبِى غَنِيَّةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أُنَاوِلَهُ الخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ. فَقُلْتُ: إِنِّى حَائِضٌ. فَقَالَ: " تَنَاوَلِيهَا، فَإِنَّ الْحَيْضَةَ لَيْسَتْ فِى يَدِكِ ".
ــ
قال القاضى: سميت بذلك لأنّها تخمِّرُ الوجه أي تستُره، وأصل هذا الحرف كله من الستر، ومنه الخمارُ لستره الرأس.
وقولها: " من المسجد " معناه: أن النبى ﷺ قال ذلك لها من المسجد ليناولها إياه من خارج (١)، لا أن النبى ﷺ أمرها أن تُخرجها له من المسجد؛ لأنه ﷺ إنما كان فى المسجد معتكفاً، ولقوله لها: " إن حيضتك ليست فى يدك "، فإنما حذرت هى من إدخالها يدها فى المسجد لا غير ذلك، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لذكر اليد معنى (٢).
стр. 736
١٣ - (٢٩٩) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كَامِلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ يَزِيدَ بْنَ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى المَسْجِدِ، فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، نَاولِينِى الثَّوْبَ ". فَقَالَتْ: إِنِّى حَائِضٌ. فَقَالَ: " إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِكِ " فَنَاوَلَتْهُ.
١٤ - (٣٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْجٍ، عَن أَبِيهِ، عَن عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِىَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِىَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ العَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِىَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعَ فِىَّ.
وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ: فَيَشْرَبُ.
١٥ - (٣٠١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَكِّىُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِى حِجْرِى وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
ــ
وقولها: " أتعرَّقُ العَرْقَ " بفتح العين وسكون الراء، وهو العظم الذى عليه اللحم، وجمعه عُرَاقٌ، ويقال: عرقتُ العظمَ واعترقتُه وتعرَّقتُه إذا أخذتَ عنه اللحم بأسنانِك، وقال أبو عبيدٍ: العَرْقُ القِدْرَةُ من اللحم (١)، وقيل: هو العظم عليه بقية اللحم، قال الخليل: والعُراق العظم بلا لحم، قال الهروى: وهو جمع عَرْق نادراً، وقيل إنما قيل: أتعرَّقُه أى أستأصل أكل ما فيه حتى أكل عروقه، أى عُصبَه المتعلقةِ بالعظم، والصواب أن اشتقاق العَرْق من العظم نفسه الذى فسرناه.
وقولها: " كان يتكئ فى حجرى وأنا حائض فيقرأ القرآنَ ": كذا لعامة شيوخنا وكافة الرواة، وكذا عند البخارى، ووقع للعذرى: " فى حجرتى " وهو وَهْمٌ، والمعروف الأول.
وفيه دليلٌ على طهارة جسد الحائض، إذ لو كان نجساً لنزَّه ﷺ القرآن وتلاوته فى مكان نجس. وقد استدل به بعض العلماء على قراءة الحائض القرآن، وإليه نحا البخارى فى كتابه (٢)، وكذلك فى حملها المصحف. وقد اختلف العلماء فيها وفى الجُنب، فمنهم
стр. 737
١٦ - (٣٠٢) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يَؤَاكِلُوهَا. وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِى البُيُوت. فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِىِّ ﷺ النَّبِىَّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلا النِّكَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ فَقَالُوا:
ــ
من رَخَّص لهما فى حمل المصحف وقراءة القرآن، وهو قول جماعة من السلف وأهل الظاهر، وتأولوا الآية فى قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) أنها خبرٌ لا نهىٌ، وأن المراد الملائكة وأنها بمعنى الآية الأخرى التى فى عبس: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَة كِرَامٍ بَرَرَة﴾ (٣). وإلى هذا التفسير نحا مالك فى موطئه (٤)، وعلى هذا يكون منع مسِّه لغير المتطهِر على وجه الندب لا على الإيجاب، وذهب جمهور العلماء ومالك والشافعى وأبو حنيفة إلى أنه لا يمُس القرآنَ إِلا طاهرٌ، وحملوا الآية على ظاهرها، وأن الخبر هنا مقتضاه النهى، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ الآية (٥)، الصورة خبرٌ ومقتضاه الأمر، ولا يقرؤه
стр. 738
مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلا خَالَفَنَا فِيهِ. فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَأَرْسَلَ فِى آثَارِهِمَا، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا.
ــ
الجنب والحائض (١) واختلف فيه عن مالك (٢) فى قراءة الحائض له عن ظهْرٍ أو نَظَرٍ ولا تمسُ المصحفَ ويُقَلبُ لها، فأباحَهُ مرَّةً لطولِ أمرِها، وأنها لا تقوى على رفع حدثها ومشهور قوله فى الجنب أنه لا يقرؤه لقدرته على رفع حدثِه (٣)، وروى عنه الرخصةُ له فى ذلك، وخفف هو وأبو حنيفة (٤) وبعضهم قراءة اليسير منه للتعوّذ وشبهه إِلا أن أبا حنيفة لا يجيزُ آيةً كاملة. واختلف عن الشافعى فى قراءة الحائض وقال: لا يقرأ الجنُب، وعلى هذا منَع المذهبُ من استناد المريض المصلى لحائض أو جُنبٍ تنزيهاً للصلاةِ عن القرب من النجاسة والاعتماد عليها؛ إذ لا تخلو ثيابها من نجاسة، وإذا لا فرق بين الاستناد والجلوس، ورخَّص فى ذلك إذا كانت ثيابُها طاهرة، ومنعه بعضُهم على كل حال لمعونتها المصلى فكأنهما مُصليان بغير طهارةٍ (٥). قال فى هذا الحديث عند بعض الرواة: " وأنا حائضة ":
стр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكذا كان عند شيخنا الصدفى والخشنى، والوجهان جائزان، قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَة﴾ (١) وقال: ﴿وجَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِف﴾ (٢)، فأما إثبات الهاء فيها فعلى إجرائها على فعل المؤنث حاضت فهى حائضة، وأما قولهم: حائض، فللنحاة فيها وجهان: أحدهما: أن حائض وطالق ومرضع مما لا يشترك فيه المذكَّر، فاستغنى فيه عن علامة التأنيث، والثانى - وهو الصحيح -: أن ذلك على طريق النسب، أى ذات حيض ورضاع وطلاق، كما قال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِه﴾ (٣).
وفعله ﷺ مع الأنصار بَيِّنٌ فى تطييب نُفوسِهما، وزوال الوحشةِ من قلوبهما بسقيهما اللبن، إثرَ ما أظهر من الإنكار لسؤالهما فى وطء الحائض مخالفة لليهود، وتَغَيُّر وجه النبى ﷺ لذلك حتى ظُنَّ أن قد وجَد عليهما [فيه] (٤) من حُسن العشرة والرفق والرأفةِ بالمؤمنين، والرحمة التى جعلها الله من صفات نبيه ﷺ ، لا سيما لعظم ما كان يلحقُهما من ظنِّهما بِوَجْد النبى ﷺ عليهما، ولا سيما فيما هو من باب الدين والشريعة.
стр. 740
(٤) باب المذى
١٧ - (٣٠٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَهُشيْمٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى - وَيُكنَى أَبَا يَعْلَى - عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلىٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحِيى أَنْ أَسْأَلَ النَّبِىَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: " يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ ".
١٨ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مُنْذِرًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ عَلِى؛ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ الْمَذْىِ مِنْ أَجْل فَاطِمَةَ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: " مِنْهُ الْوُضُوءُ ".
١٩ - (...) وحدّثنى هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنُ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ:
ــ
قال الإمام: وقوله: " إن عليًا أمر المقداد أن يسأل له رسول الله ﷺ عن المذى " وفى إحدى الروايات: " فسأله، فقال: منه الوضوء " ولم يبين فى هذا الحديث على أى وجهٍ وقع سؤاله؟ هل سأله سؤالاً يخصُّ السائل؟ أو يعمَّه وغيره؟، وفى رواية أخرى قال: فأرسلنا المقداد، ثم قال: فسأله عن المذى يخرجُ من الإنسان، ولم يبين على أى صفةٍ أمره علىٌّ أن يسأل [له] (١) فإن كان لم يلتفت على أى وجْهٍ وقع سؤاله ففيه دليلٌ على أنه كان يرى أن القضايا على (٢) الأعيان تتعدَّى، وهى مسألة خلاف بين أهل الأصول؛ لأنه لو كان يقول [بغير] (٣) ما يتعدَّى لأمره علىٌّ [رضى الله عنه] (٤) أن يُسَمّيه للنبى (٥) ﷺ ، إذا قد يبيح له ما لا يبيح لغيره، إِلا أنه قد ذكر فى إحدى الروايتين [المتقدمتين] (٦) أن السؤال من المقداد لرسول الله ﷺ وقع على صفةٍ تعُم (٧).