← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

١٣ - (٢٩٩) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كَامِلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ يَزِيدَ بْنَ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى المَسْجِدِ، فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، نَاولِينِى الثَّوْبَ ". فَقَالَتْ: إِنِّى حَائِضٌ. فَقَالَ: " إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِكِ " فَنَاوَلَتْهُ. ١٤ - (٣٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْجٍ، عَن أَبِيهِ، عَن عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِىَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِىَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ العَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِىَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعَ فِىَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ: فَيَشْرَبُ. ١٥ - (٣٠١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَكِّىُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِى حِجْرِى وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ. ــ وقولها: " أتعرَّقُ العَرْقَ " بفتح العين وسكون الراء، وهو العظم الذى عليه اللحم، وجمعه عُرَاقٌ، ويقال: عرقتُ العظمَ واعترقتُه وتعرَّقتُه إذا أخذتَ عنه اللحم بأسنانِك، وقال أبو عبيدٍ: العَرْقُ القِدْرَةُ من اللحم (١)، وقيل: هو العظم عليه بقية اللحم، قال الخليل: والعُراق العظم بلا لحم، قال الهروى: وهو جمع عَرْق نادراً، وقيل إنما قيل: أتعرَّقُه أى أستأصل أكل ما فيه حتى أكل عروقه، أى عُصبَه المتعلقةِ بالعظم، والصواب أن اشتقاق العَرْق من العظم نفسه الذى فسرناه. وقولها: " كان يتكئ فى حجرى وأنا حائض فيقرأ القرآنَ ": كذا لعامة شيوخنا وكافة الرواة، وكذا عند البخارى، ووقع للعذرى: " فى حجرتى " وهو وَهْمٌ، والمعروف الأول. وفيه دليلٌ على طهارة جسد الحائض، إذ لو كان نجساً لنزَّه ﷺ القرآن وتلاوته فى مكان نجس. وقد استدل به بعض العلماء على قراءة الحائض القرآن، وإليه نحا البخارى فى كتابه (٢)، وكذلك فى حملها المصحف. وقد اختلف العلماء فيها وفى الجُنب، فمنهم

стр. 737

١٦ - (٣٠٢) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يَؤَاكِلُوهَا. وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِى البُيُوت. فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِىِّ ﷺ النَّبِىَّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلا النِّكَاحَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ فَقَالُوا: ــ من رَخَّص لهما فى حمل المصحف وقراءة القرآن، وهو قول جماعة من السلف وأهل الظاهر، وتأولوا الآية فى قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) أنها خبرٌ لا نهىٌ، وأن المراد الملائكة وأنها بمعنى الآية الأخرى التى فى عبس: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَة كِرَامٍ بَرَرَة﴾ (٣). وإلى هذا التفسير نحا مالك فى موطئه (٤)، وعلى هذا يكون منع مسِّه لغير المتطهِر على وجه الندب لا على الإيجاب، وذهب جمهور العلماء ومالك والشافعى وأبو حنيفة إلى أنه لا يمُس القرآنَ إِلا طاهرٌ، وحملوا الآية على ظاهرها، وأن الخبر هنا مقتضاه النهى، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ الآية (٥)، الصورة خبرٌ ومقتضاه الأمر، ولا يقرؤه

стр. 738

مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلا خَالَفَنَا فِيهِ. فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ . فَأَرْسَلَ فِى آثَارِهِمَا، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. ــ الجنب والحائض (١) واختلف فيه عن مالك (٢) فى قراءة الحائض له عن ظهْرٍ أو نَظَرٍ ولا تمسُ المصحفَ ويُقَلبُ لها، فأباحَهُ مرَّةً لطولِ أمرِها، وأنها لا تقوى على رفع حدثها ومشهور قوله فى الجنب أنه لا يقرؤه لقدرته على رفع حدثِه (٣)، وروى عنه الرخصةُ له فى ذلك، وخفف هو وأبو حنيفة (٤) وبعضهم قراءة اليسير منه للتعوّذ وشبهه إِلا أن أبا حنيفة لا يجيزُ آيةً كاملة. واختلف عن الشافعى فى قراءة الحائض وقال: لا يقرأ الجنُب، وعلى هذا منَع المذهبُ من استناد المريض المصلى لحائض أو جُنبٍ تنزيهاً للصلاةِ عن القرب من النجاسة والاعتماد عليها؛ إذ لا تخلو ثيابها من نجاسة، وإذا لا فرق بين الاستناد والجلوس، ورخَّص فى ذلك إذا كانت ثيابُها طاهرة، ومنعه بعضُهم على كل حال لمعونتها المصلى فكأنهما مُصليان بغير طهارةٍ (٥). قال فى هذا الحديث عند بعض الرواة: " وأنا حائضة ":

стр. 739

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكذا كان عند شيخنا الصدفى والخشنى، والوجهان جائزان، قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَة﴾ (١) وقال: ﴿وجَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِف﴾ (٢)، فأما إثبات الهاء فيها فعلى إجرائها على فعل المؤنث حاضت فهى حائضة، وأما قولهم: حائض، فللنحاة فيها وجهان: أحدهما: أن حائض وطالق ومرضع مما لا يشترك فيه المذكَّر، فاستغنى فيه عن علامة التأنيث، والثانى - وهو الصحيح -: أن ذلك على طريق النسب، أى ذات حيض ورضاع وطلاق، كما قال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِه﴾ (٣). وفعله ﷺ مع الأنصار بَيِّنٌ فى تطييب نُفوسِهما، وزوال الوحشةِ من قلوبهما بسقيهما اللبن، إثرَ ما أظهر من الإنكار لسؤالهما فى وطء الحائض مخالفة لليهود، وتَغَيُّر وجه النبى ﷺ لذلك حتى ظُنَّ أن قد وجَد عليهما [فيه] (٤) من حُسن العشرة والرفق والرأفةِ بالمؤمنين، والرحمة التى جعلها الله من صفات نبيه ﷺ ، لا سيما لعظم ما كان يلحقُهما من ظنِّهما بِوَجْد النبى ﷺ عليهما، ولا سيما فيما هو من باب الدين والشريعة.

стр. 740

(٤) باب المذى ١٧ - (٣٠٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَهُشيْمٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى - وَيُكنَى أَبَا يَعْلَى - عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلىٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحِيى أَنْ أَسْأَلَ النَّبِىَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: " يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ ". ١٨ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى سُلَيْمَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مُنْذِرًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ عَلِى؛ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ الْمَذْىِ مِنْ أَجْل فَاطِمَةَ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: " مِنْهُ الْوُضُوءُ ". ١٩ - (...) وحدّثنى هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنُ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: ــ قال الإمام: وقوله: " إن عليًا أمر المقداد أن يسأل له رسول الله ﷺ عن المذى " وفى إحدى الروايات: " فسأله، فقال: منه الوضوء " ولم يبين فى هذا الحديث على أى وجهٍ وقع سؤاله؟ هل سأله سؤالاً يخصُّ السائل؟ أو يعمَّه وغيره؟، وفى رواية أخرى قال: فأرسلنا المقداد، ثم قال: فسأله عن المذى يخرجُ من الإنسان، ولم يبين على أى صفةٍ أمره علىٌّ أن يسأل [له] (١) فإن كان لم يلتفت على أى وجْهٍ وقع سؤاله ففيه دليلٌ على أنه كان يرى أن القضايا على (٢) الأعيان تتعدَّى، وهى مسألة خلاف بين أهل الأصول؛ لأنه لو كان يقول [بغير] (٣) ما يتعدَّى لأمره علىٌّ [رضى الله عنه] (٤) أن يُسَمّيه للنبى (٥) ﷺ ، إذا قد يبيح له ما لا يبيح لغيره، إِلا أنه قد ذكر فى إحدى الروايتين [المتقدمتين] (٦) أن السؤال من المقداد لرسول الله ﷺ وقع على صفةٍ تعُم (٧).

стр. 741

قَالَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ: أَرْسَلنَا المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَذْىِ يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ، كَيْفَ يَفْعَلُ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَوَضَّأ وَانْضَحْ فَرْجَكَ ". ــ قال القاضى: وقع فى هذا الحديث فى الموطأ (١) فى السؤال عن الرجل إذا دنا من أهله وأمذى ماذا عليه؟ وفى هذا فائدةً حسنةً؛ أَنَّ جواب النبى ﷺ فى مثل هذا فى غير المعتاد (٢) بخلاف المستنكح والذى (٣) من علةٍ، فحقيقة هذا أنه لا وضوء عليه، وإنما يتوضأ مما جرت العادةُ فى خروجه للذةِ، وعليه حمل بعضُهم قولَ مالك (٤) إذا خرج منه المرَّةَ بعد المرة أنه يتوضأ. قال الإمام: وفيه - أيضاً - أن علياً كلَّفَ من يسأل له مع القدرةِ على المشافهة، فإن كان أراد أن يكون سؤاله (٥) الرسولَ بحضرتِه فيسمع منه، وإنما احتشم من مشافهته لكون ابنته عنده فلا اعتراض فى ذلك، وإن لم يُرد ذلك فإنه يقال: كيف يجزئ خبرُ الواحد عن النبى ﷺ مع القدرة على القطع وسمع قوله؟ وهل يكون هذا كالاجتهاد مع القدرة على النص؟ وفى ظاهر الرواية المذكورة فيها أنه قال: " فأرسلنا المقداد " إشارةٌ إلى أنه لم يحضر مجلس السؤال. قال القاضى: قد تفترق عندى هذه المسألة من مسألة الاجتهاد مع وجود النص، فإن الاجتهاد مع القدرة على النص خطأ محضٌ حتى لو كان النص خبر واحد لكان الاجتهاد معه خطأ، إِلا إذا خالف الخبرُ الأصولَ وعارض القياس فبين الأصوليين والفقهاء فيه اختلاف، والأصح تقديم خبر الواحد بدليل عادة الصحابة لامتثال قبوله، والمبادرة للعمل به، وقطع التشاجر ومنازعات الاجتهاد عندى حصوله، وهاهنا إنما طلب النص ووثق بالطريق إليه وبَعُد عنده الخلف فى خبر الواحد الناقل والكذب، لا سيما على النبى ﷺ ولتزكيته للناقل،

стр. 742

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وثنائه ﷺ عليه، وثناء الله فى كتابه عليه، وبعد الوهم والخطأ لقرب (١) النازلة وسماع الجواب، وفهم السائل الناقل، فارتفع الأمرُ إلى أعلا درجات غلبة الظن (٢) ولم يبق إِلا تجويزٌ يبعُد، وقد كان الصحابة ينتابون لسماع العلم من رسول الله ﷺ ويجزى بعضهم عن بعض، وما علمنا أحداً ولا بلغنا أن أحداً استثبت فيما سمعه [من] (٣) النبى ﷺ ، إِلا فيما مبتدأ الإسلام كحديث ضمام وغيره، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُم﴾ (٤)، والأكثر قادر على النفير والسماع بغير واسطة، وقد قال ضمام: " أنا رسول مَنْ ورائى " وقال لوفد عبد القيس: " وأخبروا بهنَّ من ورائكم " ونفذَتْ كتُبُه إلى عُمَّالِه وأمُم المسلمين ورُسُله فوقفوا عندها ولم يترجَّح أحد فى قبولها ولا أعملَ الراحلة فى تحقيقها. قال الإمام: واختلف أصحابنا فى المذى، هل يجزى منه الاستجمار كالبول أو لابد من الماءِ؟ وقال: من فرق بينهما إنَّما رُخِّص فى ذلك فى الأحداث لأنها تعترى الإنسانَ غَلَبةً فى مواضع لا يتفق وجود الماء فيها ويشُق الصبرُ إلى وجوده، وهى - أيضاً - متكررةً، والمذى لا يتكررُ، ويكون غالباً مُكْتَسباً ففارق الحدث. واختلف القائلون بغَسْل الذكر (٥) من الوضوءِ (٦)، هل يجزئ أن يغسَل منه ما يُغسَلُ من البول؟ أو لا بد من غسل جميعه؟ والخلاف مبنى على الخلاف فى تعلق (٧) الحكم بأوّل الاسم أو بآخِره، لأن فى بعض الروايات: " يغسل ذكره "، واسم الذكر ينطلق على البعض والكل. واختُلِفَ - أيضاً - هل يفتقر إلى نيَّةٍ فى غسْل ذكره أم لا؟ قال القاضى: المذىُ هو الماء الرقيق - الذى يخرج عند الإنعاظ والملاعبة، وفيه وجهان؟ مَذْىٌ بالتخفيف ومذىٌّ بالتثقيل، والنضح المذكور فى هذا الحديث الغسلُ؛ بدليل قوله فى الرواية الأخرى: " فاغسل فرجك "، وهكذا رواه أكثر أصحاب الموطأ (٨). وخرَّج مسلمٌ فى الباب حديث هارون بن سعيد الأيلى وأحمد بن عيسى عن ابن وهب قال: أخبرنى مخرمةُ بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباسٍ، وهو

стр. 743

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مما استدركه الدارقطنى على مسلم وقال: قال حماد بن خالد سألت مخرمة: سمعتَ من أبيك؟ قال: لا (١)، وقد خالفه الليث عن بكير فلم يذكر فيه ابن عباس، وتابَعَه مالك عن أبى النضر. قال القاضى: وسليمان بن يسار لم يسمع من على ولا من المقداد (٢).

стр. 744

(٥) باب غسل الوجه واليدين إذا استيقظ من النوم (١) ٢٠ - (٣٠٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 745

(٦) باب جواز نوم الجنب، واستحباب الوضوء له وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع ٢١ - (٣٠٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ، للِصَّلاةِ، قَبْلَ أَنْ يَنَامَ. ٢٢ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ وَوَكِيعٌ وَغُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا كَانَ جُنُبًا، فَأَرَادَ أَنْ يَأكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ. ــ وقوله: " وتوضأ وضوءه للصلاةِ ": بيانٌ لنقضه الطهارة لئلا يظن بذكر الوضوء غسل ما به من أذىً، وأن المراد به الوضوء اللُّغوى. وفيه استنابةُ الصحابة بعضهم بعضاً، وتعاونهم فى العلم والتعلم، وحسن التعلم مع الصبر (١)، واستعمال الحياء فى مثل هذه الأمور ما لم يقدح فى الدين ويؤدى إلى تضييع ما يلزم. وذكر عن عائشة - رضى الله عنها -: " أنه ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جُنبٌ توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام " وفى الحديث الآخر: " إذا كان جنباً وأراد أن يأكل أو ينامَ توضأ وضوءه [للصلاة] (٢)، وعن عُمَر أنه قال: يا رسول الله، أيرقُد أحدُنا وهو جُنبٌ؟ قال: " نعم إذا توضأ " وعنه أيضاً " تَوَضَّأ واغسل ذكَرَك ثم نم " (٣)، قال الإمام: ذُكر عن ابن عمر أنه كان يأخذ بذلك فى الأكل، ومحْمل الوضوء عندنا قبل الأكل على غسل اليد، ولعل ذلك لأذىً أصاب اليدَ، وأما وضوء الجنب قبل أن ينام فقد وقع لمالك - رضى الله عنه - أنه قال: هو شىء ألزِمْهُ [الجُنُب ليس] (٤) من الخوف عليه.

стр. 746

(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى وَابْنُ بَشارٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ ابْنُ المُثَنَّى فِى حَدِيثِهِ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحدِّثُ. ٢٣ - (٣٠٦) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَة وَابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا أَبِى. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ - قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ ــ واختلف فى تعليله، فقيل: يبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت فى منامه، وقيل: بل لعله أن ينشط إلى الغُسْل إذا نال الماءُ أعضاءه. ويجرى الخلاف فى وضوء الحائض قبل أن تنام على الخلاف فى هذا التعليل، فمن عَلل بالمبيت على إحدى الطهارتين جاء منه أنها تتوضأ. قال القاضى: ظاهر مذهب مالكٍ أنه ليس بواجبٍ وإنما هو مُرَغَّبٌ فيه، وابن حبيب يرى وجوبه (١)، وهو مذهب داود (٢)، وقد اختلفت الآثار عن النبى ﷺ فى ذلك (٣)، وقد روى عنه أنه كان ينامُ جُنباً ولا يمس ماءً (٤)، وحديث عائشةُ: أن النبى ﷺ كان

стр. 747

قَالَ " نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ ". ٢٤ - (...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ اسْتَفْتَى النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ يَنَامُ أَحَدُنَا وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ، لِيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَنَمْ، حَتَّى يَغْتَسِلَ إِذَا شَاءَ ". ٢٥ - (...) وحدّثنى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ جَنَابَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : " تَوَضَّأ، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ ". ٢٦ - (٣٠٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ ــ يتوضأ ولم يأمرها بالتوضؤ، يدل على تخفيف الأمر، وكذلك ترك ابن عمر غسل رجلَيه فى حديث الموطأ (١). وقوله فى حديث مالك: " توضأ، واغسل ذكرك ثم نم " قال الداودى: فيه تقديم وتأخيرٌ، معناه: وأغسل ذكرك قبل الوضوء، والواو لا تُرتّبُ. قال القاضى: هذا ليس على وجه اللزومِ، وإن غسل الذكر بعد الوضوء يُفسِده، فقد قال علماؤنا: إن وضوءَ الجُنُبِ لا ينقُضُه حدَثٌ إِلَّا مُعَاودة الوطء (٢). وقوله فى حديث ابن عباس: " أن النبى ﷺ قام من الليل فقضى حاجته ثم غسل وجْهَهُ ويديه ثم نام " (٣) يحتمل هنا غسل يديه لما لعله نالهما، ويكون غسلُ وجهه لرفع كسل النوم عنه، وليس هذا الحديث من حديث وضوء الجنب، والمراد بالحاجة هنا - والله أعلم (٤) - الحدث (٥).

стр. 748

اللهِ بْنِ أَبِى قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِى الجَنَابَةِ؟ أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ. قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِى جَعَلَ فِى الأَمْرِ سعَةً. (...) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ. ح وَحَدَّثَنِيهِ هَارُونُ ابْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ــ وقوله: " إن عبد الله بن [أبى] (١) قيس قال: سألت عائشة - رضى الله عنها - عن وِترِ رسول الله ﷺ ... " وذكر الحديث " قلتُ: كيف كان يصنع فى الجنابة؟ أكان يغتَسِلُ قبل أن ينام؟ أم ينامُ قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك كان يفعلُ " هذا نص الحديث كله فى الأم، قال الإمام: يحتمل أن يكون وجه سؤاله عن هذا أن فى بعض الأحاديث أن الجنب لا تقربه الملائكةُ، ومعلومٌ من حاله ﷺ أنه لا يبقى على حالةٍ تبعُد الملائكة عنه، إِلا ترى أنه ﷺ كان يتقى أكل الثوْمِ وشبهه، وعلل ذلك بمناجاة الملك، وحديث عائشة - رضى الله عنها - يدلُ أَنَّ لذلك الحديث إن صحَّ تأويلاً، فيحتمل أن يكون فيمن أخَّرَ الغُسلَ عن وقتٍ واجبٍ عليه فيه الاغتسال لحضور الصلاة فيصير حينئذ عاصيًا، ولا تقربُه الملائكة لعصيانه، ورسول الله ﷺ منَزَّهٌ عن هذه الحال، فيحتمل تأخيره للغسل فى حديث عائشة [على] (٢) أنه فى زمنٍ يجوز ذلك فيه. قال القاضى: قد يكون تجنّب الملائكة من الجنب تنزيهاً لها من أجل الحدث الذى عليه، كما نُزِّهَتْ عنه عبادات كثيرةٌ من تلاوةِ القرآن ومسِّ المصحف، ونُزِّه المسجدُ عن دخولِه حتى يتطهرَ، ولما كانوا مطهرَين ووصفهم اللهُ بذلك خصَّهُم بالبُعدِ عمن ليس بهذه الصفة - والله أعلم. وقد قال الخطابى: إن الملائكة التى تجتنبُ [الجُنبَ] (٣)، وجاء أنها لا تدخُلُ بيتاً فيه جُنبٌ - هم الملائكة المنزلة بالرحمة والبركة غير الحفظة الذين لا يفارقونه (٤). قال القاضى: ذكرُهُ فى هذا الحديث الوتر طرفٌ من حديثٍ فيه فصولٌ اختصرها مسلمٌ ﵀ وذكر منها حاجتَهُ فى الباب، وقد ذكر الحديث أبو بكر الخوارزمى بكماله فقال:

стр. 749

٢٧ - (٣٠٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِىُّ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُود، فَلْيَتَوَضَّأ ". زَادَ أَبُو بَكْرٍ فِى حَدِيثِهِ: بَيْنَهُمَا وُضُوءًا. وَقَالَ: ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ. ٢٨ - (٣٠٩) وحدّثنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ الْحَرَّانِىُّ. حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ - ــ " سألتُ عائشة عن وتر رسول الله ﷺ فقُلتُ: أكان يوتِرُ من أول الليل أو آخرِهِ؟ قالت: ربما أوتَرَ من أول الليل وربما أوترَ من آخِرِه، قلت: الحمد لله الذى جعل فى الأمر سَعَةً، فقلتُ: وكيف كانت قراءتُه؟ أكان يُسِرُّ بالقراءة أم يجهر؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعلُ، وربما أسَرَّ وربما جَهَر، فقلت: الحمد لله الذى جعل فى الأمر سعَةً. قلتُ: كيف كَانَ يصنَعُ فى الجنابة؟ .. " وذكر بقية ما فى الأم، وَذكرَه - أيضاً - أبو داود فى مُصنَّفه (١). وقوله: " إذا أتى أحدُكم أهلَه ثم أراد أن يَعُودَ فليتوضأ ": الوضوء هاهنا محمول عندنا (٢) على غسل الفرج مما به من أذىً، وأنَّه ليس عليه وضوء الصلاة، وهو قول جماعةٍ من الفقهاء (٣)، وإنما يَغسل فرجه لأنه إذا عاد وفرجه نجسٌ فهى إدخال نجاسةٍ فى فرج المرأةِ غير مضطرٍ إليها، بخلاف خضْخَضتِه حين الجماع وترداده فيه، مع ما فى غسله من الفائدةِ الطبيَّةِ لتقوية العُضو، ولتتميم اللذةِ بإزالةِ ما تعلق به قبل من [ماء] (٤) الفرج وانتشر عليه من المنى الخارج منه، وكل ذلك مفسد للذة الجماع المستأنف، ولما فى ذلك من التنظيف وإزالة القذر الذى بنيت عليه الشريعةُ. وقد اختلف العلماءُ فى ماء فرج المرأة ورُطوبتهِ فعندنا: أنها نجسةٌ لكونها مختلطةٌ بالنجاساتِ من الحيض والبول والمذى والمنى ومجرى لهن، ولأصحاب الشافعى فيها وجهان (٥)، وكذلك غسل ما بيديه وبدنِه من النجاسةِ الأولى. وذهب عُمَرُ وابنه إلى أنه يتوضأ وضوءه للصلاةِ، واستحبه أحمد وغيره، وسواء كان هذا فى امرأةٍ واحدةٍ أو غيرها.

стр. 750

يَعْنِى ابْنَ بُكَيْرٍ الْحَذَّاءَ - عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. ــ وقوله: " أن النبى ﷺ كان يطوفُ على نسائه بغسلٍ واحدٍ ": يحتمل أنه ﷺ فعل هذا عند قدومه من سفرٍ، أو عند حالةٍ ابتدأ فيها القسْمَ، أو عند تمام الدَّوران عليهن وابتداء دوران آخرَ، فدار عليهن ليلتَهُ وسوَّى بينهن، ثم ابتدأ القَسْمَ بالليالى والأيام على عادتِه، أو يكون ذلك عن إذن صاحبة اليوم ورضاها، أو يكون ذلك خصُوصاً له (١) وإلا فوطء المرأةِ فى يوم صاحبتها ممنوعٌ، وهو وإن كان القسم فى حقه ﷺ غير واجب لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء﴾ الآية (٢)، فقد كان ﷺ التزمه لهن تطييباً لأنفسهن، ولتقتدى أمته بفعله، وقد كان خُصَّ ﷺ فى باب النساء بما لم يُخصَّ به غيرُه من جواز الموهوبة، وأكثر من أربع، وتحريم من حصل عنده على غيره، أو يتبدَّلَ بِهِنَّ، واختلف فى نسخ هذا الحكم عنه لكنه متى كان برضاهُنَّ جاز له جمعهُنَّ فى غسل واحد، وهو قول جماعة السلف والخلف (٣). واختلفوا فى وضوئه قبل نومه، كما تقدم، وسنبسط الكلام على هذا فى النكاح. وفيه أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يلزم عند القيام للصلاة كالوضوء، كما قال تعالى فى آيةِ الوضوء: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤).

стр. 751

(٧) باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المنىّ منها ٢٩ - (٣١٠) وحدّثنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِىُّ، حَدَّثَنَا عكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ: حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ قَالَ: جَاءَتْ أُمّ سُلَيْمٍ - وَهِىَ جَدَّةُ إِسْحَاقَ - إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَتْ لَهُ - وَعَائِشَةُ عِنْدَهُ -: يَا رَسُولَ اللهِ، الْمَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي المَنَامِ، فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَضَحْت النِّسَاءَ، تَربَتْ يَمِينُكِ. فَقَالَ لِعَائِشَةَ: " بَلْ أَنْتِ، فَتَرِبَتْ يَمِينُكِ. نَعَمْ، فَلْتَغْتَسِلْ، يَا أُمُّ سُلَيْمٍ، إِذَا رَأَتْ ذَاكِ ". ــ وقول أم سليم: " إن الله لا يستحى من الحق ": أى لا يأمر بالحياء فيه ولا يبيحُه ولا يَمتنع من ذكره فيُقتدى به، وأصل الحياء: الامتناع، وقد تقدَّم أول الكتاب معناه فى حق المخلوق والخالق تعالى، وإنما قالت هذا بين يدى سُؤالها لتعتذر به عما دعاها الحقّ والضرورةُ لذكره مما يَسْتحى النساء منه. وقيل: معناه أن سنةَ الله وشرعه (١) إِلا يستحيا من الحق. وقول عائشة لأم سُليم: " فضحتِ النساء ": أى كشفت من أسرارِهن وما يكتمن من الحاجة إلى الرجال ورؤية الاحتلام، إذ هو فيهن قليل، ولذلك قالت: " أو تجد ذلك المرأة " لا سيما عائشة لصغر سنها وكونها مع بعلها، وقد يكون ذلك لما صَرَّحت به من ذلك ولم تستح فى الحق فيه. وقولها لها: " تَرِبَتْ يمينك، فقال لعائشة: "بل أنت تربَت يمينُك " وقوله فى الحديث الآخر لأم سلمة: " تربت يداك "، قال الإمام (٢): تأوله مالك على أنه دعا لهما بالاستغناء لما بَعُدَ فى نفسه أن يدعُوا عليهما بالفقر، وكدلك قال عيسى بن دينار: إن قوله ﷺ : " تربت " بمعنى استغنتْ، قال الهروى فى تفسير قول الله سبحانه: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣): أى لصق بالتراب من فقرِهِ، يقال: تَرِب الرجُلُ إذا افتقر، وأترب إذا استغنى، قال: وفى الحديث: " عليك بذاتِ الدين تربت يداك " (٤)، قال ابن عرفة: أراد تربت يداك إن لم تفْعَل ما أمرتُك، قال ابن الأنبارى: معناه: لله درُّك

стр. 752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [إذا استعملت] (١) ما أمَرْتُك بهِ، واتعظت بعظتى. قال الإمام: هذا اللفظ وشبهه يجرى على ألسنة العرب من غير قصد للدعاء، وعلى ذلك يحملُ ما وقَع له ﷺ مع زوجتيه المذكورتين، وقد وقع فى رسالةٍ للبديع إذ قال: وقد يوحِشُ اللفظ وكله ودٌّ، ويُكرَّه الشىء وليس من فعله بُدٌّ، هذه العربُ تقول: لا أبَ لك للشىء؛ إذا أهم، وقاتَله الله، ولا يريدون الذمَّ، وويلُ أمه للأمر؛ إذا تمَّ، وللألباب فى هذا الباب أن ينظروا إلى القول وقائله، فإن كان ولياً فهو الولاء وإن خَشُنَ، وإن كان عدواً فهو البلاء وإن حَسُن. قال الهروى: وقول النبى ﷺ فى حديث خُزيمة: " أنعم صباحاً تربَتْ يداك " يدل على أنه ليس بدعاءٍ عليه، [بل هو دعاء له] (٢)، وترغيبٌ فى استعمال ما تقدمت الوصاةُ به (٣)، ألا تراه قال: أنعم صباحاً ثم أعقبها تربت يداك، والعرب تقول: لا أمَّ لك ولا أبَّ لك يريدون لله درُّك، ومنه قول الشاعر هَوَتْ أمُهُ ما يبْعَثُ الصبحُ غادياً ... وماذا يؤدى الصبحُ حين يؤوب وظاهره أهلكه الله، وباطنه لله درَّه. قال القاضى: اختُلِفَ فى معنى تَرِبَتْ يداك على ما ذكره، وقال ابن نافع: معناه: ضعُفَ عقلُك (٤)، وقال ابن حبيب عن مالك (٥): معناه: خَسِرْتَ، وقيل: افتقرت يداك من العلم، قيل: أى إذا جهلت مثل هذا، وقال الأصمعى (٦): معناه: الحض على تعلم مثل هذا، كما يقال: انج ثكلتك أمُّك، وقيل: " تربت يداك ": أصابها التراب، ولم يرد الفقر، وقال الداودى: إنه قيل بالثاء المثلثة، أى استغنت، من الترب وهو الشحم، وهى لغةٌ للِقبْطِ، ثم استعملتها العرب وأبدلت من الثاء تاءً، وهذا ضعيفُ المعنى ولا تساعده الروايةُ، وَالمعروف بالتاء، والأظهر أنه خطابٌ على عادةِ العرب فى استعمال أمثال هذه الألفاظ عند الإنكار للشىء أو التأنيث (٧) فيه والحض عليه، أو الإعجاب به والاستعظام له ومعناها مُلغىً لا يُقصَدُ، كأنَّ أصله من اللصوق بالتراب أو من الفقر كسائر أصول تلك الألفاظ المستعملة، وليس المرادُ فى شىء منها أصل استعمالها، وقيل فى معنى تفسير من فسَّره استَغْنَتْ: أنه خاطبها بضد مقتضى اللفظ على طريق التعريض كما قال الله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم﴾ (٨)، وكما يقال لمن ترك السؤال: أَمَّا أنت فاستغنيتَ عن السؤال. وأما البيت الذى استشهد به الهروى فهو من هذا الباب،

стр. 753

٣٠ - (٣١١) حدّثنا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِك حَدَّثهُمْ، أَنَّ أُمَّ سُلِيمٍ حَدَّثَتْ؛ أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِىَّ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِى مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا رَأَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِلْ "، ــ لكن قوله ظاهره: أهلكه الله، وباطنه: لله درُّه، ففيه تساهلٌ، والصوابُ ظاهِرهُ هلكت أمُّه، وإنما أهلكه الله تفسير ثكلته أمُّه، وقد قال لى شيخى أبو الحسين ﵀ حين قراءتى عليه هذا الموضوع من كتابه -: أن معنى هوت أمُّه فى البيت على ظاهره، أى هلكت إن شاءت فلم تلد غَيْرَه، إذ قد استغنت بِولادة مثله فى كمالِه عن أن تلِدَ سواه ورأت قُرَّة عينها به فلا تبالى الحياة بعد كما يقالُ لمن صنَع أمراً يحسنُ فيه أثره: مُتِ الآن، أى فعلت ما خَلَّدْت به ذكراً جميلاً وأثراً نافعاً، فلا تبالى عِشتَ بعدُ أو مُت. قال الهروى: وقد قال بعض أهل العلم: إنه دعاءٌ على الحقيقة، ومذهبُ أبى عُبيدٍ أنها على ما تقدَّم من جريان هذه الكلمةِ على ألسنة العرب وهم لا يريدون وقوعها (١). قال القاضى: وقول النبى ﷺ لعائشة: " بل أنت تربت يدَاك ": يحتمل الوجهين إن كانت عائشَة قالت ذلك لأمِّ سُليمٍ على الذمِ والدعاء لما فضحت النساء، فقابلها النبىّ ﷺ بذلك، أى أنت أحق أن يُقال لك هذا، إذا فعلت هى ما يجب عليها من السؤال عن دينها فلم تستوجب الإنكار، واستوجبتيه أنتِ بإنكارك ما لا يجب إنكاره، وقد وقع فى كتاب مسلم من رواية السمرقندى والطبرى قولها: " تربت يمينك خير " كذا هو بالياء باثنتين ساكنة ضد الشر، كأنه فسَّرَ معناهُ، وأنه لم يُرد سَبَّها، وعند بعض رواةِ ابن ماهان " خبر " بباءٍ مفتوحة، وليس بشىء. وقال مسلم: " ثنا عباس بن الوليد ": كذا للعذرى والشنتجالى (٢) بباء واحدةٍ وسينٍ مهملةٍ، وعند السمرقندى: عيَّاشُ بن الوليد، والأول الصواب، وكلاهما بصريَّان، فأما الأول فهو النرسى، خرَّج عنه البخارى ومسلم، والثانى هو الرقَّام، تفرَّد به البخارى، وذكر فى هذا الحديث فقالت أمُّ سلمة: [فاستحييت من ذلك] (٣)، قال الإمام: [ذكر مسلم حديث عباس بن الوليد عن يزيد بن زريع قال: ثنا سعيد عن قتادة؛ أن أنس بن مالك حدثه: أن أم سُليم حدَّثت أنها سألت نبى الله ﷺ عن المرأة ترى فى منامها ... الحديث. وفيه: فقالت أم سُليم] (٤). قال بعضُهم: كذا وقع فى أكثر النسخ: [فقالت أم سليم] (٥)، وَغُيِّر فى بعض

стр. 754

فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: واسْتَحْيَيْتُ مِنْ ذَلِك. قَالَت: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ فَقَالَ نَبِىُّ اللهِ ﷺ : " نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ، إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ المَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلا، أَوْ سَبَقَ، يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ ". ٣١ - (٣١٢) حدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ. حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِىُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِى مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فِى مَنَامِهِ؟ فَقَالَ: " إِذَا كَانَ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنَ الرَّجُلُ، فَلْتَغْتَسِلْ ". ٣٢ - (٣١٣) وحدّثنا يَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى ــ النسخ فجعل: فقالت أم سلمة مكان أم سُليم، والمحفوظ من طُرِق شتى: " فقالت أم سلَمَة ". قال القاضى: وهو الصوابُ؛ لأن السائلة هى أم سُليم والرادَّةُ [عليها] (١) هى أم سلمة فى هذا الحديث أو عائشة في الحديث الآخر، ويحتمل أن عائشة وأم سلمة كلتاهما أنكرتا عليها فأجاب النبى ﷺ كل واحدة بما أجابها، وإن كان أهل الحديث يقولون: إن الصحيح هنا أم سلمة لا عائشة. وقوله: " فمن أين يكون الشبْهَةُ " بالكسر وسكون الباء، وبفتح الشين والباء بمعنى: يريد شبْهَ الابن لأحد أبويه، كما فسَّره فى الحديث نفسه سبق أحد المائين صاحبَه، وبقوله: " فبما يشبهها ولدها "، ومعنى الغلبةِ والعُلو فى قوله: " فإذا علا ماء الرجل ماء المرأةِ " وفى الرواية الأخرى: " غلب "، وهذا يرجعُ إلى سبق الماء والشهوةِ، كما جاء فى الحديث الآخر: " سَبَق "، وجاء فى غير مسلم: " يسبق إلى الرَّحم "، أو تكون الغلبةُ والعُلو هنا عائداً إلى الكثرة والقوة من أحد المائين، وقد ذهب بعضهم إلى أن السبق للأذكار والإناث، والعُلوُّ والغلبةُ بالكثرةِ للِشّبه للأخوال والأعمام، لكنه يُردّ هذا التفسير قوله فى هذا الخبر: " فإذا علا منىُّ الرجُل أذكر، وإذا علا منىُّ المرأةِ أنثا " (٢).

стр. 755

النَّبِىِّ ﷺ ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْىِ مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ " فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ: " تَرِبَتْ يَدَاكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا ". (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَاه. وَزَاد: قَالَتْ: قُلْتُ: فَضَحْتِ النِّسَاءَ. (٣١٤) وحدّثنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ جَدِّى، حَدَّثَنِى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَن ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ - أُمَّ بَنِى أَبِى طَلْحَةَ - دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ. غَيْرَ أَنَّ فِيهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: أُفٍّ لَكِ؟ أَتَرى الْمَرْأَةُ ذَلِكِ؟ ــ وقوله فى حديث أم سَلمة: " فأيُّها علا أو سبق يكون منه الشبَهُ " فقد سوَّى فى الحديث بين الأمرين. وفيه كله دليل على أن الولد من المائين جميعاً وردٌّ على من ذهب أنه من ماء المرأةِ، وأن ماء الرجل إنما هو له عاقدٌ كالأنفحة للبن (١). وقوله: " وإن أمَّ سُليم امرأة أبى طلحة ": كذا لابن الحداد، ولغيره: " أمُّ بنى أبى طلحة "، وكلاهما صحيح، كان أبو طلحة تزوَّجَها بعد مالك بن النضر والِدِ أنسِ ابن مالكٍ، وهى أمُّ أنسٍ، فولدت لأبى طلحة أبا عُمير، مات صغيرًا، وعبد الله الذى دعا له النبى ﷺ وحنَّكَهُ، وهو والدُ إسحاق بن أبى طلحة الفقيه وإخوته وهم عشرة، كلهم حُمِلَ عنهُم العلمُ، واستجيبت فيهم الدعوة. وقول عائشة فى هذا الحديث: " أفٍّ ": أى استحقاراً لك، وهى كلمة تستعمل فى الاستحقار والاستقذار، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُف﴾ (٢)، وهى فى الحديث [منها] (٣) بمعنى الإنكار، قاله الباجى (٤)، وأصل الأف والتف وسخ الأظافير، وفيه عشر لغات: أُفِّ وأفَّ وأفُّ، كلها بضم الهمزة دون تنوين، وبالتنوين أيضاً على الثلاث، فهذه ستٌّ، وإفَّةٌ وإفَّ بكسر الهمزة وفتح الفاء، وأُفْ بضم الهمزة وتسكين الفاء، وأفَّا بالقصر.

стр. 756

٣٣ - (...) حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْن مُوسَى الرَّازِىُّ وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُو كُريْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كُرَيْبٍ - قَالَ سَهْلٌ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ مُسَافِعِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : هَلْ تَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ وَأَبْصَرَتِ الْمَاءَ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ ". فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: تَرِبَتْ يَدَاكِ، وَأُلَّت. قَالَت: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " دَعِيهَا وَهَلْ يَكُون الشَّبَهُ إِلا مِنْ قِبَلِ ذَلِك، إِذَا عَلا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالهُ، وإِذَا عَلا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامهُ ". ــ وقوله فى الحديث الآخر: [أَنَّ امرأةً قالت: يا رسول الله، هل تغتسل المرأة إذا احتلمت؟ فقالت لها عائشة] (١): " تربت يداك وأُلَّت " بضم الهمزة وتشديد اللام. كذا رويناه، قال الإمام: أى أصابتها الأُلَّةُ وهى الحربَةُ، قال ابن السكيت: الأُلُّ جمعُ أُلّةٍ وهى الحربةُ، ومنه قولهم: [ماله] (٢) أُلٌّ وغُلٌّ. قال القاضى: كان القاضى الوقشِى يقول: صوابه: وألِلْتِ، وقد يخرج ما فى الكتاب على لغة قوم من بكر بن وائل لا يظهرون التضعيف فى الفعل إذا اتصل به ضمير، فيقولون: ردْتُ، فى رددت وشبهه، فعلى هذا يكون " ألْت " بسكون اللام، ومثل هذا فى كلام العرب دعاء على من لم يقولوا: ماله أُلٌّ وعُلٌّ، وقيل: صوابه: " أللتْ ": أى طعنت يداك، ترجع العلامةُ إلى اليدين، وقال أبو الحسين: قد يكون ألَّت بمعنى افتقرت، يقال: ألَّت وَعلت، تبدل العين همزة ويُتأول فيه ما يتأول فى قوله: " تربت يداك "، وقال لى الأديبُ أبو عبد الله بن سليمان: قد يكون ألّتْ بمعنى دفعت، ومنه قول أم خارجة: مالَهُ ألٌّ وغُلٌّ أى دَفْعٌ، وأخبرونى عن أبى بكر بن مُفَوَّزٍ أنه كان يقول: إنما هو قالت - يعنى عائشة - وبعده: فقال رسول الله ﷺ ، فصُحِّف بما ذكروه. قال القاضى: قد روينا هذا الحرف " قالت " صحيحاً من طريق العذرى والشنتجالى بعد قوله: " وأُلتِ "، ولا يصح أن يكون قالت مرتين. والغسلُ إنما يجبُ على المحتلم كان رجلاً أو امرأة إذا رأى الماء كما ذُكر فى الحديث ليس من مجرد رؤية الفعل، وهذا ما لا خلاف فيه.

стр. 757

(٨) باب بيان صفة منى الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما ٣٤ - (٣١٥) حدّثنى الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ - وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِع - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلامٍ - عَنْ زَيْدٍ - يَعْنِى أَخَاهُ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلامٍ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِىُّ؛ أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ حبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا. فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِى؟ فَقُلْتُ: أَلا تَقُولُ يَا رسُولَ اللهِ؛ فَقَالَ اليَهُودِىُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِى سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّ اسْمِى مُحَمَّدٌ الَّذِى سَمَّانِى بِهِ أَهْلِى ". فَقَالَ اليَهُودِىُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيَنْفَعُكَ شَىْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ ". قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَىَّ. فَنَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ. فَقَالَ: " سَلْ " فَقَالَ اليَهُودِىُّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هُمْ فِى الظُّلْمَة دُونَ الجِسْرِ ". قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: " فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ ". قَالَ اليَهُودِىُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؟ قَال: " زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ ". قَالَ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا؟ قَالَ: " يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الجَنَّةِ الَّذِى كَانَ يَأكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا ". ــ وقوله: " جاء حَبْرٌ من أحبار اليهود ": أى عالم من علمائهم، يقال بفتح الحاء وكسْرِها. وقوله: " أين يكون الناسُ يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال ﷺ : فى الظلمة دون الجِسْر ": يُريد بالجسر الصراط، والله أعلم، وقد جاء قبل فى الحديث تسميته جسْراً ويقال بفتح [الجيم] (*) وكَسْرها. وقوله: " فما تُحْفَتَهُم؟ قال: زيادة كبد النون " التُّحْفَةُ: ما يُوَجَّهُ إلى الرجُل ويُخصُّ ويلاطف به، قال الحربى: التُّحَفُ طُرَفُ الفاكهة واحدتُها طُرفةٌ (١). وقوله: " فما غَدَاؤهم " بفتح المعجمة والدال المهملة، كذا لعامة الرواة، والذى

стр. 758

قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: " مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمّى سَلْسَبِيلاً ". قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَىْءٍ لا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، إِلا نَبِىٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ. قَالَ: " يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ " قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنىَّ. قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ؟ قَالَ: " مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ المَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا، فَعَلا مَنِىُّ الرَّجُلِ مَنِىَّ المَرْأَةِ أَذكَرَا بِإِذْنِ اللهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِىُّ المَرْأَةِ مَنِىَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللهِ ". قَالَ اليَهُودِىُّ: لَقَدْ صَدَقْتُ، وَإِنَّكَ لَنَبِىٌّ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَقَدْ سَأَلَنِى هَذَا عَنِ الَّذِى سَأَلَنِى عَنْهُ، وَمَالِى عِلمٌ بِشَىْءٍ مِنْه، حَتَّى أَتَانِىَ اللهُ بِهِ ". (...) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاويَة بْنُ سَلامٍ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَقَالَ: زَائِدَةُ كَبِدِ النُّونِ. وَقَالَ: أَذَكَرَ وَآنَثَ. وَلَمْ يَقُلْ: أَذكَرَا وَآنَثَا. ــ للسمرقندى: " غِذاؤهم " بكسر الغين وبالذال المعجمة، وليس هذا بشىء، ولا يدل الكلام عليه. وقوله: " كبد النون " هو الحوت، وجاء فى بعض روايات مسلم كبد الثور، وهو تصحيف. وفى هذا الحديث من علامات نبوَّتِه ﷺ وإخباره بالمغيبات واطلاعه على أسرار علوم الناس ومعارف الدنيا والآخرة ما هو غير خفى، وإنما اعترف (١) له به العدوُّ واليهودى حين قال له: صدقت، وإنك لنبىٌّ. وفيه أن من قالَ مثل هذا من أهل الكتاب عن غير التزام للشريعةِ فلا يُحسَبُ قوله إيماناً حتى يعتقدهُ ويلتزِمَه. ونكت النبى ﷺ بِيَده وبعودٍ معَه، هو ضربُه به الأرض وتأثيرهُ به فيها، فيه جواز استعمال المخاصِر (٢) عَلى عادةِ العرب وصلة كلامِها بها ونكتِها بها فى الأرض عند التفكر فى الأمر والتدبير له.

стр. 759

(٩) باب صفة غسل الجنابة ٣٥ - (٣١٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْه، ثُمَّ يُفْرِغُ بيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضوءهُ للصَّلاةِ، ثُمَّ يَأخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِل أَصَابِعَهُ فِى أُصُولَ الشَّعَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. (...) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهِمْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. ٣٦ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثًا. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيث أَبِى مُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ. (...) وحدّثناه عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِىَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِهِ للصَّلاةِ. ــ وقوله فى حديث عائشة فى غسل النبى ﷺ من الجنابة: " يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفرغُ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ": هذا على ما تقدم من سنة غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إن كان قام من نومٍ أو لتقديمهما أول الطهارة على التعبُّد بذلك، أو لبُعدِ عهدِه بالماء على طريق الاستحباب لن لم يرَ ذلك تعبداً، أو لنجاسة مسَّتهُما فيكون واجباً. وإفرادُه هنا غسل اليمين أولاً ثم غسله الشمال مع الفرج إذ لابد من ملاقاتها ما هنالك من نجاسةٍ يغسلها حينئذٍ، ولم يكن لتقديم غسلها ثم تنجيسها بعدُ معنى. وقوله: " ثم توضأ وضوءه للصلاة ": صفة وضوء الصلاة معلوم، وقد تقدم الكلام عليه، ولم يأت فى شىء من وضوء الجنب ذكرُ التكرار، وقال بعض شيوخنا إن التكرار فى الغسل لا فضيلة فيه.

стр. 760

٣٧ - (٣١٧) وحدّثنى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثنِى عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِم بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: حَدَّثَتْنِى خَالَتِى مَيْمُونَةُ قَالَتْ: أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ، ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشَمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشَمَالِهِ الأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ ــ وقولها: " ثم أخذ الماء فأدخل أصابِعه فى أصول شعره ": وذلك لتسهيل دخول الماء إلى أصوله وإلى إمرار اليد على ذلك. وقد احتج بعضهم على وجوب تخليل شعر اللحية فى الطهارة قياساً على تخليل شعر الرأس، وفى المذهب (١) عندنا فى تخليل شعر اللحية قولان (٢)، وأما شعر الرأس فمجتَمعٌ على تخليله، ومنهم من احتج بعموم قوله فى حديث عائشة: " فَيخلِل أصُول شعرِه " ويعيد الهاء على المغتَسِل إذ لم يذكُر فيه الرأس ولا غيرَه. وقولها: " ثم حفن على رأسه ثلاث حفنَاتٍ ": قال القاضى الباجى (٣): يحتمل أن يكون لما ورَد فى الطهارة من التكرار أو يكون للمبالغة وتمام الطهارةِ، إذ قد لا تكفى الغرفَةُ الواحدةُ فيه. وذكر بعضهم أن الثلاث غرفات فيه مستحبةٌ، وقد ذكرنا قول من قال: إن التكرار غيرَ مشروع فى الغسل، ويكون الثلاث غرفات اثنتان لِشفىَّ (٤) الرأس والثالثةُ لأعلاه، ويدلّ على صحة تأويلنا قوله فى الحديث [الآخر] (٥) أخذ بكفه [فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ] (٦) بكفيه فقال بهما على رأسه، كذا فى حديث عائشة، وفى الحديث الآخر عن ميمونة: " أنه أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفِّه " كذا فى رواية كافتهم، وعند الطبرى: " ملء كفَّيه " وذكر البخارى (٧) من رواية جُبير بن مطعم: " أما أنا فأفرغ على رأسى ثلاثاً - وأشار بكفيه جميعاً " ولم يذكر مسلم هذه الزيادة، وهى موافقة لرواية الطبرى، وهى مُفَسّرَةٌ [لما لم] (٨) يُفسَّرْ من ذلك وجاء مجملاً. [وخرَّج مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كريب قالا: ثنا أبو معاوية - وفى نسخة ابن الحذاء - ثنا يحيى بن أيوب وأبو كريب، والصواب ما تقدم فى الحديث. قالت ميمونة: أدنيت لرسول الله ﷺ غسله، ثم قالت بعد ذلك: ثم توضأ وضوءه للصلاة،

стр. 761

كَفِّهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ. ــ ثم قالت: فغسل سائر جسده ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيتُه بالمنديل فرده] (١). وقولها: " ثم أفاض على سائر جسده "، قال الإمام: هذا ومثله مما يحتج به الشافعى فى أن التدلك فى الطهارة ليس بواجب، والمشهور من مذهبنا وجوبُه، ووقع لبعض أصحاب مالك ما يَدل على أن التدلك مستحبٌّ عندَه (٢). قال القاضى: وقد تقدم هذا، ولا حجة للمخالف بهذا الحديث لأنا نقطعُ أن فى الجسد مغابنَ لا يصل الماء بإفاضته إليها، فلا بد من توصيله باليد أو غيرها فخرج الحديث عن ظاهره. وقولها: " ثم غسل رجليه " وفى حديث ميمونة: " ثم تنحى عن مقامه فغسل رِجْليه "، قال الإمام: استحبَّ بعض العلماء أن يؤخِّر غسل رجليه إلى آخر غسله من الجنابة ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، وأخذ ذلك من حديث ميمونة هذا، وليس فيه تصريح، بل هو محتمل؛ لأن قولها: " توضأ وضوءه للصلاة " الأظهرُ فيه إكمال وضوئه (٣)، وقولها آخراً: " تنحَّى فغسل رجليه ": يحتمل أن يكون لما نالهما من تلك البقعة. قال القاضى. ظاهر قوله فى الأحاديث إتمامُ الوضوء، وإليه نحا ابن حبيب من أصحابنا، قال: يتوضأ وضوءه كله، وروى علىٌّ عن مالك: ليس العمل على تأخير غسل الرجلين وليتم وضوءه فى أول غسله، فإن أخرهما أعاد عند الفراغ وضوءَه، ورُوى عنه أن تأخيرَهما واسعٌ فى تنحيه لغسل رجليه فى أن التفريق اليسير غير مؤثر فى الطهارة (٤) وقد تقدم هذا. وقولها: " ثمَّ أتيته بالمنديلِ فردَّه "، قال الإمام: وأمَّا تنشيف الماء عن الأعضاء فى الطهارة، فلا خلاف أنه لا يحرُمُ ولا يستحبُّ، ولكن هل يكره ذلك. فللصحابة - رضى الله عنهم - فيه ثلاثة أقوال: فروى عن أنس بن مالك أنه قال: لا يُكره فى الوضوء و [لا فى] (٥) الغسل، وبه قال مالك والثورى، وحجتهم ما رواه قيس بن سعد بن عبادة [قال] (٦): " دخل علينا رسول الله ﷺ فوضعنا له الغسل فاغتسل، فأتيتُه بملحفة فالتحف، فرأيتُ الماء والورسَ على كتفيه " (٧). وروى معاذ: " أنه ﷺ كان يمسح وجْهَه بطرف ثوبه " (٨)،

стр. 762

(...) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَالأَشَجُّ، وَإِسْحَاقُ، كُلُّهُمْ عَنْ وَكِيعٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحيَى وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، كِلاهُمَا عَن الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِهِمَا إِفْرَاغُ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ عَلَى الرَأسِ. وَفِى حَدِيثِ وَكِيعٍ وَصْفُ الْوُضُوءِ كُلِّهِ. يَذْكُرُ الْمَضْمَضَةَ وَالاِسْتِنْشَاقَ فِيهِ. وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ ذِكْرُ الْمِنْدِيلِ. ــ فدل ذلك على أنه لا يُكرَه، ورُوى عن ابن عمر أنه كرِهَهُ [فيهما] (١) وبه قال ابن أبى ليلى، وإليه مال أصحابُ الشافعى، وحجتهم ظاهر حديث ميمونة، ولأنه أثرُ عبادة فَكُرِه إزالتُهُ (٢) كدم الشهيد وخُلوف (٣) فم الصائم، على أصل من نهى عنه، وروى عن ابن عباس أنه يكرهُه فى الوضوء دون الغُسل، وحجتُه ما روى أن أم سَلمةَ ناوَلته الثوبَ ليتنشَّف به فلم يأخذه وقال: " إنى أحبُّ أن يبقى علىَّ [أثر] (٤) وضوئى " ولم يثبت عندَه فى الغسل دليلٌ قاطع على الكراهة [فأجازه] (٥). قال القاضى: يحتمل ردُّه للمنديل لشىء رآه فيه أو لاستعجالِه للصلاة أو تواضُعاً، وخلافاً لعادة أهل الثروة، ويكون الحديث الآخر فى أنه كانت له خرقةٌ يتنشف بها عند الضرورة وشدَّةِ البرد ليُزيل برد الماء عن أعضائه. وقوله فى حديث ميمونة بعد هذا: " أتى بمنديل فلم يمسَّهُ وجعل يقول بالماء هكذا. يعنى ينفضه ": ردٌّ على من احتج بتركه المنديل كراهةَ التنشيف، إذ لا فرق بين نفض الماء ومسحه، ولو كان أنه يوزن على ما علل به بعضُهم لكان ما يُنفض مثلَهُ، ولأن وزنه ليس فى الحال بل فى المآل، وفراقه الجسم وهو لابد من فراقِه ونفضه الماء إما لئلا يُبَلُّ ثوبَه أو مخافة ضرر برودَتِهِ، لا سيما إن كان فى زمن البرد. وقولها فى رواية ابن حُجر بعد ذكرها غسل الفرج بالشمال: " ثم صوب بشمالِه الأرض فدلكها دلكاً شديداً ثم توضأ للصلاة ": دلَكها لما عساه تعلق بها من رائحة أذىً أَو لزوجَة نجاسةٍ، وبدايةُ بغسل الفرج قبل الغسل لإزالة ما به، ولتكون طهارةُ الحدث بعد طهارة عين النجاسة، ولا فيه من نقض الطهارة إن غَسَله أثناء غسْله، وغَسْلُهُ إياهُ ووضوؤه للصلاة بعد ثم اغتساله، مفهومُه أنه لم يُعدْ فى اغتساله غُسْل ما غَسَلَ قَبِل ولا أعضاء الوضوء، وهذه (٦) سنة غسل الجنابة، لكن يجبُ أن ينوىَ عند غسله ما غسَل لإزالة ما به

стр. 763

٣٨ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِمنْدِيلٍ، فَلَمْ يَمَسَّهُ، وَجَعَلَ يَقولُ: " بِالْمَاءِ هَكَذَا " يَعْنِى يَنْفُضُهُ. ــ من أذى رفع حدث الجنابة، وكذلك ينوى عند وضوئه، وإن نوى بوضوئه الوضوء للصلاة إجزائه عن الجنابة، وهذا الوضوء قبل الغسل سنة فى تقديمه وفرض فى نفسه لأنه من الغسل؛ إذ ليس فى الغسل ترتيب.

стр. 764

(٩ م) باب التطيب بعد الغسل من الجنابة (١) ٣٩ - (٣١٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ، حَدَّثَنِى أَبُو عَاصِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحَلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رأسِهِ الأَيْمَن، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَىَ رَأسِهِ. ــ وقال مسلم: وثنا يحيى بن يحيى وأبو كريب، قالا: ثنا أبو معاوية، كلاهما عن الأعمش، قال الإمام: قال بعضهم فى نسخة: ابن الحذاء ثنا يحيى بن أيوب وأبو كريب، والصواب ما تقدم. وقوله: " [كان إذا اغتسل] (٢) دعا بشىء نحو الحلاب فأخذ بكفه بداءً (٣) بشق رأسه الأيمن "، قال الإمام: الحلاب هاهنا إناءٌ يحلبُ فيه، وليس كما ظن البخارى أنه نوعٌ من الطيب وأشار فى تبويبه إلى هذا (٤)، ويقال للحلابِ - أيضًا -: مِحلَبٌ (٥)، بكسر الميم وفتح اللام، قال الشاعر [فى الحلاب] (٦): صاح أبصَرْتَ أو سمِعت بِرَاعٍ ... ردّ فى الضَرِع ماثوى (٧) فى الحلاب قال القاضى: ترجم البخارى على الحديث: من بدأ بالحلاب والطيب (٨)، وقد وقع لمسلم فى بعض تراجمه من بعض الروايات مثل ترجمة البخارى على هذا الحديث، ونصُّهُ: باب التطييب بعد الغسل من الجنابة، وقال الهروى فى هذا الحديث: " مثل الجُلَّاب " بضم الجيم وتشديد اللام (٩). قال الأزهرى: أراد بالجُلَّاب ماء الورد، وهو فارسىٌّ مُعَرَّبٌ والله أعلم. قال الهروى: أراهُ الحلابُ وذكر نحو ما ذكره الإمام (١٠)، وبالحاء هو المشهورُ والمعروف فى الرواية، قال الخطابى: هو إناء يَسَعُ قدرَ حلْبَةِ ناقةٍ (١١)، فأما المَحلبُ بفتح

стр. 765

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الميم فالحبةُ المعروفة من الطيب المستعمل فى غسل الأيدى، ورواية الجيم تصحح [بإشارة] (١) البخارى قبلُ، ويكون مرادُه بالخلاب على هذا التأويل هنا الإناء الذى كان يستعمل النبى ﷺ فيه طيبَهُ.

стр. 766

(١٠) باب القدر المستحب من الماء فى غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة فى إناء واحد فى حالة واحدة، وغسل أحدهما بفضل الآخر ٤٠ - (٣١٩) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِل مِنْ إِنَاءٍ - هُوَ الْفَرَقُ - مِنَ ــ وقوله: [كان يغتسل من إناءٍ] (١) هو الفَرَقُ [من الجنابة] (٢)، قال الإمام: قال أحمد بن يحيى: الفَرَقُ: اثنا عشر مُداً، قال أبو الهيثم: هو إناءٌ يأخذ ستة عشر رطلاً، وذلك ثلاثةُ آصع، وكذلك فسَّره سفيان فى كتاب مسلم: أنه ثلاثة آصُع، ويروى بإسكان الراء وفتحها. [قال الباجى: فتحُ الراء هو الصوابُ] (٣). قال القاضى: قد حكى ابن دريد فيه الوجهين: فرْقٌ وفَرَقٌ، وتقديره بثلاثة أصوع هو قول الجمهور وقول كبار أصحاب مالك وأهل الحجاز، وقال الحربى مثله، وحكى عن أبى زيد أنه إناء يسع أربعة أرباع، قال غيره: هو إناء ضخم من مكايل أهل العراق. قال القاضى: وليس هذا الفَرق الذى ذكرت عائشة، وإنما ذكرت مِكْيال أهل المدينة فيه (٤) وفى كتاب مسلم: " يغتسل فى القدح وهو الفرَق " قال الباجى فى حديث عائشة: الفرق يحتمل أنه قدرُ ما كان يستعمله فى غسله من الماء (٥)، وأنه كان يغتسل فيه ويفضُلُ له منه، وأخبرت عن جواز الطهر (٦) بذلك الإناء، وقد روى أنه كان من سنته، ويروى عن ابن عمر كراهة الوضوء فيه ونحا به ناحية الذهب وهو الصُّفرُ الأصفر، وقد روى عنه أنه ﷺ كان يتوضأ بالمدِّ ويغتسل بالصاع، ولا حَدَّ فى ذلك فى مشهور مذهبنا، إِلَّا أن التقلل من الماء مع الإسباغ من مستحبات الغسل والوضوء (٧)، وعند ابن شعبان (٨) أنه لا يجزئ

стр. 767

الْجَنَابَةِ. ٤١ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْن حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ فِى القَدَحِ - وَهُوَ الْفَرَقُ - وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ فِى الإِنَاء الْوَاحِدِ. ــ فى ذلك أقل مما روى من فعل النبى ﷺ فى المُدِّ والصاع. قال القاضى: والأظهر عندى فى حديث عائشة أنها لم ترد أن قدر ملء الفرق من الماء هو قدر ماء الغسل وما يكفى منه، بدليل حديثها الآخر: " كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من قدَحٍ يقال له الفرَق " فقد ذكرت اغتسالهما معاً منه، والأحاديث الواردةُ فى تطهرهِ بالصّاَع، والفَرق ثلاثةُ آصُع كما تقدم، وأن تكون " مِنْ " لبيان الإناء أو للتبعيض مما فى الفرق. وقوله عن أبى سلمة بن عبد الرحمن: " دخلنا على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة فسألها (١) عن غُسل النبى ﷺ من الجنابة، فدعت بإناءٍ نحو الصاع فاغتسلت وبيننا وبينها سِتْرٌ ووصفَ غُسْلَها ": ظاهر الحديث أنهما رأيا عملها فى رأسها وأعلى جَسَدِها مما يحل لذى المحرم النظر فيه إلى ذاتِ المحرَم، وأحدُهما - كما قال - كان أخوها من الرضاعة، قيل: إن اسمه عبد الله بن يزيد، كان أبو سلمة ابن أختها من الرضاعة أرضعته أم كلثوم بنت أبى بكر، ولولا أنهما شاهدا ذلك ورأياه لم يكن لاستدعائهما الماء وطهرِها معنىً، إذ لو فَعَلتْ ذلك كله فى سِترٍ عنهما لكان عناءً ورجَعَ الحال إلى وصفِها له، ويكون السِّترُ الذى بينها وبينهما عن سائر جسدها وما لا يَحِلُ لهما رؤيتُه كما شوهد غسل النبى ﷺ من وراء الثوب وطأطأ عن رأسه حتى ظهر لمن أراد رؤيته. وقوله: " وكان أزواج النبى ﷺ يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة ": فى هذا دليلٌ بيِّنٌ على ما قلناه من رؤيتهما ذلك منها، ولا بأس لذى المحرم أن يرى شعر ذات المحرَم منه وما فوق جبينها عند العلماء إِلا ما وقع لابن عباس من كراهة ذلك. وقوله: " يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة ": دليلٌ على جواز تحذيف النساء لشعورهن وجواز اتخاذهنَّ الجُممَ، وقد كانت للنبى ﷺ جُمَّة، والوفرةُ أشبعُ من اللّمَّةِ، واللِّمةُ ما ألمَّ بالمنكبين من شعر الرأس دون ذلك، قاله الأصمعى، وقال غيرُه: الوَفرةُ أقلها وهى التى لا تجاوز الأذنين، والحُمَّةُ أكبرُ منها، واللِّمةُ ما طال من الشعر. وقال أبو حاتم: الوفرةُ ما غطَّى الأذنين من الشعر، والمعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب، ولعل أزواجَ النبى ﷺ فعلن هذا بعد موته لتركهن التزيَّنَ واستغنائهن عن

стр. 768

وَفِى حَدِيثِ سُفْيَانَ: مِن إِنَاءٍ وَاحِدٍ. قَالَ قُتَيْبَةُ: قَالَ سُفْيَانُ: وَالْفَرَقُ ثَلاثَةُ آصُعٍ. ٤٢ - (٣٢٠) وحدّثنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِىُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، أَنَا وَأَخُوهَا منَ الرَّضَاعَةِ، فَسَأَلَهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِىِّ ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ قَدْر الصَّاعِ، فَاغْتَسَلَتْ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا سِتْرٌ، وَأَفْرَغَت عَلَى رَأسِهَا ثَلاثًا. قَال: وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِىِّ ﷺ يَأخُذْنَ مِنْ رُؤُوسِهِنَّ حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةِ. ٤٣ - (٣٢١) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِى مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ بَدَأَ بيَمِينِهِ، فَصَبَّ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ فَغَسَلَهَا، ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الأَذَى الَّذِى بِهِ، بِيَمِينِهِ، وَغَسَلَ عَنْهُ بِشِمَالِهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَنَحْنُ جُنُبَانِ. ٤٤ - (...) وحدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ، عَنْ ــ تطويل الشعور لذلك وتخفيفاً لمؤونة رؤوسهن. وقوله فى هذا الحديث: " إنها اغتسلت بإناء قدر الصاع " وجاء فى الحديث الآخر: " كان النبى ﷺ يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكُّوكٍ " (١) وفى الحديث الآخر: " يتوضأ بالمدِّ ويغتسل بالصَّاعِ إلى خمسة أمدادٍ " (٢) وكل هذا قريبٌ بعضُه من بعضٍ، وكله يدُل أن سُنة الطهارة تقليل الماء مع الإسباغ خلافاً للأباضيَّةِ من الخوارج. وأما ما ذكر مسلم فى حديث حفصة: " عن عائشه أنها كانت تغتسل هى والنبى ﷺ فى إناء واحدٍ يسع ثلاثة أمدادٍ أو قريباً من ذلك " فلعله بانفرادِ كل واحد منهما لأنه نحو من الصاع، أو يكون المدُّ هاهنا المراد به الصَّاعُ، فيكون موافقاً لحديث الفرق ويكون ذلك مُفسراً له إن لم تكن لفظةُ المدّ هُنا وهماً على ما ذهب إليه بعضُهم، وعلى الوجه الأول لا تأويل ولا إشكال فيه. وقوله: " والفرَق ثلاثةُ آصع " ويُروى أصوع، وكلاهما صحيحان مرويان فى هذه

стр. 769

عِرَاكٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ - وَكَانَتْ تَحْتَ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ - أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهَا؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِىُّ ﷺ فِى إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يَسَعُ ثَلاثَةَ أَمْدَادٍ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. ٤٥ - (...) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كُنْتُ اغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ، مِنَ الْجَنَابَةِ. ٤٦ - (...) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ، بَيْنِى وَبَيْنَهُ، وَاحِدٍ. فيُبَادِرُنِى حَتَّى أَقُولُ: دَعْ لِى، دَعْ لِى. قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ. ٤٧ - (٣٢٢) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى الشَّعْثَاءِ، عَن ابْنِ عَبَّاس؛ قَالَ: أَخْبَرَتْنِى مَيْمُونَةُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ، هِىَ وَالنَّبِىُّ ﷺ ، فِى إِنَاءٍ وَاحِدٍ. ٤٨ - (٣٢٣) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ - أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَكْبَرُ عِلْمِى، وَالَّذِى يَخْطُرُ عَلَى بَالِى؛ أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِى؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ. ٤٩ - (٣٢٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ؛ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ أُمّ سَلَمَةَ حدَّثَتْهَا قَالَتْ: كَانَتْ هِىَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلانِ فِى الإِنَاءِ الْوَاحِدِ مِنَ الْجَنَابَةِ. ٥٠ - (٣٢٥) حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِى ابْنَ مَهْدِىٍّ - قًالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ ــ الأمهات، لكن الجارى على العربيَّة أصْوعٍ لا غير، والواحد صاعٌ وصُواع وصَوْعٌ، ويقال: أصْوعٌ بالهمز لثقل الضمة على الواو، وهو مكيال لأهل المدينة معروف، فيه أربعةُ أمداد بمد النبى ﷺ .

стр. 770

جَبْرٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ بِخَمْسِ مَكَاكِيك وَيَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنّى: بِخَمْسِ مَكَاكِىَّ. وَقَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنَ جَبْرٍ. ٥١ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ ابْنِ جَبْرٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ. ٥٢ - (٣٢٦) وحدّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ وَعَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، كِلاهُمَا عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَيْحَانَةَ عَنْ سَفِينَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ــ وقوله: " كان يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك " وفى الرواية الأخرى: " بخمس مكاكىَّ " مشدَّد الياء، المَكُّوك، بفتح الميم وتشديد الكاف الأولى مضمومة، مكيال لأهل العراق يسع صاعاً ونصف صاعٍ بالمدنى، ويُجمَع مكاكيك ومكاكى، وهو بمعنى قوله فى الحديث نفسه من الرواية الأخرى: " يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد " (١). ذكر مسلمٌ الأحاديث فى اغتسال النبى ﷺ مع أزواجه من إناء واحدٍ وحديثَ ابن عباس: " كان النبى ﷺ يغتسلُ بفضل ميمونة " (٢)، اتفق العلماء على جواز اغتسال الرجل والمرأة وتوضيهما معاً من إناء واحِدٍ لحديث عائشة وميمونة وأم سلمة إِلا شيئاً روىَ فى كراهيته والنهى عنه عن أبى هريرة، والأحاديث الصحيحة ترد هذا. واختلف العلماء بعدُ فى الاغتسال والتوضؤ بفضل المرأة الجنب أو الحائض أو غيرهما، وفى وضوء المرأة بفضل الرجل (٣)، فجمهور السلف وأئمة الفتوى والعلم على جواز ذلك كله كانا مجتمعين أو مُفترقين، وروى عن ابن المسيب كراهةُ وضوء الرجل بفضل وضوءِ المرأةِ، وذهب أحمد إلى منع الوضوء للرجل بفضل ما توضأت به المرأة [أ] (٤) واغتسلتَ به مُنْفَرِدةً، ووافق فى جواز وضوء الرجل من فضل الرجل، والمرأة من فضل المرأة والرجُل وأن يتوضآ جميعاً، وروى عن ابن عمر كراهةُ أن يتوضأ الرجلُ بفضل الحائض والجُنب، وكان يبيحُ فضل غيرهما، وذهب الأوزاعى إلى تطُّهر كل واحد منهما بفضل صاحبه ما لم يكن أحدُهما جنباً أو المرأة حائضاً، واتفاق أكثر من خالف على جواز اغتسالِهما من إناءٍ واحدٍ معاً، ووضوئهما

стр. 771

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ، مِنَ الْمَاءِ، مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوُضِّئُهُ الْمُدُّ. ٥٣ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. وَحَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَبِى رَيْحَانَةَ، عَنْ سَفِينَةَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَطَهَّرُ بِالْمُدِّ. وَفِى حَدِيثِ ابْنِ حُجْرٍ، أَوْ قَالَ: ــ كما جاء فى الأحاديث الصحيحة - يَرُدُّ على من فرق بين الاجتماع والافتراق، إذ فى نفس اغتسالهما ووضوئهما معاً واختلاف أيديهما فيه استعمالُ كل واحدٍ فضل غسل الآخر، ولم يصحح أهل الحديث حديث النهى عن ذلك، وتأوله بعضُهم إن صح على فضل مائها المستعمل فى الطهارة إما على الحظر - على من يراهُ - أو على الندب، ويختص فضْلُ المرأةِ بالتأكيد لأنه لا يَسْلم من إضافةٍ من طيبها وخلوفها ودهن شعرها وعارضيها، وقيل: هو منسوخٌ. بما عارضه مما ذكرناه. وقوله: فيما كان يكفى النبى ﷺ من الماء فى حديث أبى ريحانة عن سفينة قال أبو بكرٍ صاحِب رسول الله ﷺ . بكسر الباء نعتاً لسفينة، وأبو بكر القائل هو ابن أبى شيبة راوى الحديث. وقوله: " وقد كان كَبر وما كنت أثق بحديثهِ ": يعنى بذلك - والله أعلم - سفينة، قال البخارى عند ذكره: وفى إسناده نظرٌ، وإنما ذكره مسلمٌ مستشهداً به لما تقدَّم وفى رواية السمرقندى: " وما كُنتُ أنَقُ بحديثه " بالنون: [أى] (١) أعجب به، والأنقُ الإعجابُ بالشىء، ومنظرٌ أنيقٌ أى معجِبٌ. وقال ابن دُريد: كَبِرَ الرجُلُ بكسر الباء آسَن وفى الأفعال كبرَ الصغير وكبُر الشىءَ عظُم، وكبَرَ الرجل أى أسَن. وذكر مسلم: فى هذا الباب حديث شعبة عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، [سمعت أنساً، ثم ذكر حديث مِسْعر عن ابن جبر] (٢) عن أنس، كذا رَويناه عن جميعهم، قال الكنانى: صوابُه جابر. قال القاضى: كلاهما يقال، وهو عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عبيد (٣)، وقد ذكر البخارى فيه الوجهين، وأن مسعراً وشعبةَ وأبا الغميس وعبد الله بن عيسى يقولون فيه: ابن جبر.

стр. 772

(١١) باب استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثاً (١) ٥٤ - (٣٢٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ - عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ صُرَدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: تَمَارَوْا فِى الْغُسْلِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّى أَغْسِلُ رَأْسِى كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَمَّا أَنَا، فَإِنِّى أُفِيضُ عَلَى رَأْسِى ثَلاثَ أُكُفٍّ ". ٥٥ - (...) وحدّثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: " أَمَّا أَنَا، فَأُفرِغُ عَلَى رَأْسِى ثَلاثًا ". ٥٦ - (٣٢٨) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ سَأَلُوا النَّبِىَّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ بَارِدَةٌ، فَكَيْفَ بِالْغُسْلِ؟ فَقَالَ: " أَمَّا أَنَا، فَأُفْرِغُ عَلَى رَأْسِى ثَلاثًا ". قَالَ ابْنُ سَالِمٍ فِى رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، وَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ. ٥٧ - (٣٢٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب - يَعْنِى الثَّقَفِىَّ - حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ، صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ مِنْ مَاءٍ. فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّ شَعْرِى كَثِيرٌ. قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِى، كَانَ شَعرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ منْ شَعرِكَ وَأَطْيَبَ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 773

(١٢) باب حكم ضفائر المغتسلة ٥٨ - (٣٣٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِع، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى امْرَاةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِى، فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: " لا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِى عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءِ فَتَطْهُرِينَ ". (...) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالا: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِىُّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، فِى هَذَا الإِسْنَادِ. وَفِى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: فَأَنْقُضُهُ للِحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: " لا ". ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. (...) وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنِ زُرَيْعٍ - عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: أَفأَحُلُّهُ فَأَغْسِلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ؟ وَلَمْ يَذْكُر الْحَيْضَةَ. ٥٩ - (٣٣١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيَبَةَ وَعَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ، عَن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَأْمُرُ النِّسَاءَ، إِذَا اغْتَسَلْنَ، أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ. فَقَالَتْ: يَا عَجبًا لابْنِ عَمْرٍو هَذَا! يَأْمُرُ النِّسَاءَ، إِذَا اغْتَسَلْنَ، أَنْ يَنْقُضْنَ رُؤُوسَهُنَّ، أَفَلا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُؤُوسَهُنَّ! لَقَدْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِى ثَلاثَ إِفْرَاغَاتٍ. ــ وذكر مسلمٌ: أحاديث فى غسل المرأة رأسها، وإنكارُ عائشة على ابن عمرو بن

стр. 774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العاص نقض رؤوسهن. تفسيره فى صفة غسل الحائض رأسها من أنه إنما يجزيها أن تغرف عليه ولا تنقضُه إذا خللت أصولَ شعرها، وَتَدلك رأسها حتى يبلغ شؤونه، وهى مجمعُ عظام الرأس.

стр. 775

(١٣) باب استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك فى موضع الدم ٦٠ - (٣٣٢) حدّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفيَّةَ، عَنْ أُمَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبِىَّ ﷺ : كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْ حَيْضَتِهَا؟ قَالَ: فَذَكَرَتْ أَنَّهُ عَلَّمَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطهَّرُ بِهَا. قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: " تَطَهَّرِى بِهَا، سُبْحَانَ اللهِ! " وَاسْتَتَرَ - وَأَشَارَ لَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ - قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاجْتَذَبْتُهَا إِلَىَّ، وَعَرَفْتُ مَا أَرَادَ النَّبِىُّ ﷺ . فَقُلْتُ تَتبعِى بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. وَقَالَ ابنُ أَبِى عُمَرَ فِى رِوَايَتِهِ: فَقُلْتُ: تَتَبَّعِى بِهَا آثَارَ الدَّمِ. ــ وقوله فى حديث عائشة: " تأخذ (١) فرصةً من مَسْكٍ فتطهرى به " وفى [الحديث الآخر: خذى فرصة ممسكة] (٢) بكسر الفاء وبالصاد المهملة، ومَسْكٌ بالفتح رويناه عن جمهورهم، ومن طريق الخُشَنى عن الطبرى بكسر الميم، قال بعضُهم: الكسرُ هنا الصوابُ، وأراد به المسكُ الطيب المعلوم، قال: ويُصحِّحه قوله فى بعض رواية هذا الحديث: " فإن لم تجدْ فطيباً، فإن لم تجد فالماء يكفيك " وقد يحتج بقوله فى الحديث الآخر: " مُمَسَّكةً "، وبقوله: " تتبَّعى بها أثرَ الدم "، وهذا كلُّه يدلُّ على الطيب، أى لتُذهِبَ كريه رائحتِهِ، وقال الخطابى: هذا لا يستقيم إِلا أن يُضْمَر فيه فيقول: قطعةً من صوفٍ أو قطنٍ مُطَيَّبةٍ بالمسْك، وفيه بُعْدٌ ولا يصحُ (٣)، وقال الداودى: يريد خِرقةً فيها مِسْكٌ. قال القاضى: لِمَ لا يَصحُّ أن يكون معناهُ: قطعةً من مسك؟ قال لى أبو الحسين: كل قطعةٍ فِرصة، ويدلُّ على صحةِ هذا رُخْصَتُه فى الحديث الآخر للحَادِّ فى نُبْذة قَسطٍ وأظفارٍ عند غسلها من الحيض ليَقطع بذلك رائحة دَمِه عنها. قال الإمام: قال الهروى فى باب الفاء مع الراء: الفِرصَةُ القطعةُ من القطن أو الصُوفِ [و] (٤) يقال: فَرِصْتُ الشىءَ قطعتُه بالمفِراص (٥).
следующие страницы →