(٣٥٣) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَأَنَا أُحَدِّثُهُ هَذَا الحَدِيثَ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " تَوَضَّؤُوا ممَّا مَسَّتْ النَّارُ "
ــ
قال القاضى: واختلف السلف فى الوضوء مما مسته النار، وكان الخلاف فيه زمن الصحابة، ثم استقر رأى فقهاء الفتوى وإجماع العلماء بعدُ على أنه لا ينقض الطهارة وأن الأحاديث الواردة فى ذلك منسوخةٌ بما ورد بتركه الوضوء ﷺ مما مسَّتِ النار، وبأنه آخر الفعلين منه ﷺ (١)، وقيل: وضوؤه ﷺ من ذلك قضيَّة فى عين لم يأت البيان أَنَّ الوضوء منها، فقد يكون لسبب آخر اقتضاه أو لنقضِ طهارِة أو تجديدها، وقيل: كان أمره بذلك أولاً لما كانت عليه الجاهلية والأعراب من قلة التنظيف فأراد النبى ﷺ تغيير ذلك وعلقَهُ لهم بشريعة الوضوء، فلما رأى استقرار النظافة فيهم والتزامهم له نسخ ذلك بتخفيف الحرج فى لزومه لهم، وذهب بعضهم إلى تأويل ذلك وأمره به بالوضوء اللغوى وهو غسل اليد والفم من دسَمِه وزهومته (٢)، كما جاء أنه ﷺ تمضمض وقال: " إِنَّ له دسماً "، ويكون الأمر بذلك على الاستحباب لا على الوجوب، ولئلا يشغَله ما بقى من ذلك فى فيه من طعمه أو إزالته عنه عن صلاته، أو يعثِّره ما تعلق من ذلك بأسنانه عن إقامة بعض حروف قراءته، أو لما يُحدث بقاؤه وتغيُره فى الفم من رائحةٍ وبخر.
٩٤ - (٣٥٧) قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى غَطَفَانَ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ؛ قَالَ: أَشْهَدُ لَكُنْتُ أَشْوِى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَطْنَ الشَّاةِ، ثمَّ صَلى وَلمْ يَتَوَضَّأ.
٩٥ - (٣٥٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ليْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ شَرِبَ لبَنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضْ، وَقَالَ: " إِنَّ لهُ دَسَمًا ".
(...) وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِى عَمْرٌو. ح وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ الأَوْزَاعِىِّ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِى يُونُسُ، كُلهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِإسْنَادِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، مِثْلهُ.
٩٦ - (٣٥٩) وَحَدَّثَنِى عَلىُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ حَلحَلةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ عَليْهِ ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلى الصَّلاةِ، فَأُتَى بِهَدِيَّةٍ خُبْزٍ وَلحْمٍ، فَأَكَلَ ثَلاثَ لقَمٍ، ثُمَّ صَلى بِالنَّاسِ، وَمَا مَسَّ مَاءً.
(...) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ حَلحَلةَ. وَفِيهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ ، وَقَالَ: صَلَى. وَلمْ يَقُلْ: بِالنَّاسِ.
ــ
وبطن الشاة الكبد وما معه من حشوها، وأما مضمضة النبى ﷺ من اللبن فسُنَّةٌ للقائم إلى الصلاة ومستحبٌ لغيره، وكذلك من سائر الطعام وهو من ناحية السواك، ولا سيما فيما له دَسَمٌ أو له سهولةٌ أو له لزوجةٌ، أو له تعلق بالأسنان أو بقية طعم يشغل المصلى. وقد اختلف اختيار العلماء فى غسل اليد قبل الطعام وبعده، ومذهب مالك ترك ذلك إِلا أن يكون فى اليد قبلُ قذرٌ، وكذلك يأتى إذا كان للطعام رائحةٌ كالسمك (١) أو ما فيه زُفورة (٢) فإن اليد لا تُغسَلُ قبلُ وتُغسَلُ بعدُ.
стр. 809
(٢٥) باب الوضوء من لحوم الإبل
٩٧ - (٣٦٠) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِى ثَوْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لحُومِ الغَنَمِ؟ قَالَ: " إِنْ شِئْتَ، فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ، فَلا تَوَضَّأْ ". قَالَ: أَتَوَضَّأْ مِنْ لحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: " نَعَمْ. فَتَوَضَّأْ مِنْ لحُومِ الإِبِلِ ". قَالَ: أُصَلِى فِى مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: أُصَلِى فِى مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: " لا ".
ــ
وتخييره فى الوضوء من لحوم الغنم وأمرُه بالوضوء من لحوم الإبل فى حديث جابر ابن سمُرة، ذكره مسلم يُبيّن هذا، إذ هو فى لحوم الإبل آكد فى الاستحباب والتنظيف، لقوة رائحتها وكثرة زهومتها، وإلى أنَّ ذلك غير واجب على من أكلها ذهب عامَّةُ أهل العلم، وذهب أحمد بن حنبل وعامة أصحاب الحديث إلى وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل (١) ولم يذكر البخارى باب الوضوء من لحوم الإبل لاضطرابه (٢)، وإباحته الصلاة فى مرابض الغنم فى هذا الحديث ومنعها فى مبارك الإبل أيضاً، يدل على ما تقدم، وأنه ليس لمعنى يختص به إِلا الزَّهُومَةُ، وزفر الرائحة، وإلا فالعلماء بين قائلين بنجاسة أثقالهما وأبوالهما، وهو مذهب أبى حنيفة والشافعى، أو طهارة ذلك معاً منهما، وهو مذهب مالك (٣)، وليس أحدٌ يفرق بينَهما، فلم يبق إِلا التعليل بما قلناه، أو لشدة نفار الإبل، أو لما جاء أنهم كانوا يستترون بها عند الحاجة، أو لما جاء أنها من الشياطين، وهذا كله مما يجب للمُصلى أن يجتنبه لئلا يصيبه ما هناك من أذى، أو تقطع الصلاة عليه [بشدَّة نفارها] (٤) ويتعلق قلبه لذلك مخافة أن تطأه وتهلكه، أو لتجنب الصلاة مواضع الأقذار
стр. 810
(...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ سِمَاكٍ. ح وَحَدَّثَنِى القَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَشْعَثَ بْنِ أَبِى الشَّعْثَاءَ، كُلهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِى ثَوْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِى كَامِلٍ، عَنْ أَبِى عَوَانَةَ.
ــ
والأرايح الكريهة، والبعد فيها عن [الشيطان وجهاته] (١) ما استطاع.
ومرابض الغنم حيث تربِضُ للقائلةِ والبيت، ومبارك الإبل معاطنها عند المناهل للشرب والراحة، وحيث تبيت وتقيل. وحكى الخطابى أنه قيل: إن معنى النهى عن الصلاة فى مبارك الإبل: أن المراد بذلك ما سُهل من الأرض لأنها مثوى الإبل إذ لا تألف الحزُونة، ومثل تلك لا تظهر فيها النجاسة لإثارة ترابها وكثرته واختلاطها به فلا يؤمَنُ كونها فيه (٢)، وهذا بعيد فى الفقه والتأويل.
стр. 811
(٢٦) باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك فى الحدث فله أن يصلى بطهارته تلك
٩٨ - (٣٦١) وَحَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنُ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ؛ شُكِىَ إلى النَّبِىِّ ﷺ : الرَّجُلُ، يُخَيَّلُ إِليْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّىْءَ فِى الصَّلَاةِ، قَالَ: " لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ".
قَالَ. أَبُو بَكْر وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ فِى رِوَايَتِهِمَا: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ.
ــ
وقوله: فى الذى شكا إليه أنه يُخَيَّلُ إليه أنه يجدُ الشىء فى الصلاة فلا ينصرف حتى يسمع صَوْتًا أو يَجِدَ ريحاً. هذا حُكم الشاك فى الحدث المستنكح (١) بلا خلاف لأنه قال: إنه شكا إليه، وهَذا لا يكون إِلا ممن تكرَّر عليه وكثر فأما غيرُ المستنكِح فالشك مؤثِّرٌ فى طهارته ولا يدخلُ الصلاة إِلا بيقين، وأنه يقتطعُ وإن كان فى صلاة، وروى هذا عن مالكٍ، وذهب بعض العلماء إلى أن حكم هذا حكمُ من كان فى الصلاة بخلاف غيرها، وروى مثله - أيضاً - عن مالك، وخصَّ بعضُهم هذا الشك فى الريح دون غيره من الأحداث، وإليه ذهب ابن حبيب من أصحابنا، وقال بعضهم: بل هذا حكم الشاك فى كل حدث، كان فى صلاةٍ أم لا، إذ لا ينتقل عن اليقين للطهارة بالشك، وروى مثله عن مالك أيضاً، وهو قول أئمة الفتوى (٢)، وقد يحتج بقوله فى الحديث الآخر: " فلا يخرجنَّ من المسجد حتّى يسمع صوتاً " ولم يذكر أنه فى الصلاة، وقد يحتج به - أيضاً - من يخصُّه بحديث الريح.
стр. 812
٩٩ - (٣٦٢) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِى بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَليْهِ، أَخَرجَ مِنْهُ شَىْءُ أَمْ لا، فَلا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ".
ــ
ومعنى السماع هنا ووجودُ الريح التحقيق، وقد يكون الرجلُ ممن لا يسمع ولا يشم؛ لآفةٍ أو مرضٍ بِه، أو لضعف الخارج مع التحقيق له عن شمِّ الرائحة وسماع الصوت وذهب بعض أصحابنا إلى أن الوضوء لمن يشك فى الحدث إنما هو استحبابٌ، وروى أيضاً عن مالكٍ. وذهب بعض المتأخرين من أصحابنا إلى التفريق بين الشك هل ما (١) وجده حدث أم لا؟ فهذا يلغيه لهذا الحديث وبين الشك فى وجود الحدث منه بعد طهارته فنسيه أو لم يجدهُ (٢)، وأوجب على هذا الوضوء، وهو مقتضى قول ابن حبيب (٣).
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟ ".
ــ
حديث آخر: " فدبغتموه فاستمتعتم به] (١) وفى حديث آخر: " إذا دبغ الإهاب فقد طَهرَ "، قال الإمام: قال الهروى: دواجنُ البيوت ما ألفها من الطير والشاء وغيرها، واحدها داجنة، وقد دجن فى بيته إذا لزِمَه، وكلبٌ داجنٌ ألف البيتَ، والمداجَنةُ حسنُ المخالطة، قال الهروى وغيره: والإهابُ يجمعُ على الأُهب، والأهَبُ - يعنى بضم الهمزة والهاء وبفتحهما أيضاً.
قال الإمام: ورد فى جلد الميتة أحاديثُ مختلفةٌ، واختلف الناسُ - أيضاً - فى جِلد الميتةِ، فقال أحمد بن حنبل: لا ينتفع به (٢)، وأجاز ابن شهابٍ الانتفاع بِه، والجُمهور
стр. 815
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على منع الانتفاع به قبل الدباغ (١)، ومختلفونَ فى الجلد الذى يؤثر فيه الدباغ، فعند أبى يوسف وداود: [أنه] (٢) يؤثرُ فى سائر الجلود حتى الخنزير، ومذهبنا ومذهب أبى حنيفة والشافعى هكذا، إِلا أننا وأبا حنيفة والشافعى نستثنى الخنزيرَ ويزيد الشافعى فى استثنائه الكلب (٣) وألحق الأوزاعىُّ وأبو ثور بهذا الذى استثناه جلد ما لا يؤكل لحمه (٤)، واتفق كل من رأى الدباغ مؤثراً فى جواز الانتفاع على أنه يؤثر فى إثبات الطهارة الكاملة (٥) سوى مالك فى إحدى الروايتين عنه، فإنه منع أن يؤثر الطهارة الكاملة (٦)، وهذا يجب أن يُعبَّر فيه قول الله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٧)، فإن سلم أن الجلد حىٌّ دخل فى هذا الطاهر، وكان ما يورد من الأحاديث بتخصيصه تخصيصاً لعموم القرآن بأخبار الآحاد، وفى ذلك اختلاف بين أهل الأصول (٨)، والخلاف المتقدِّم كله يدور على خبَرين متعارضين
стр. 816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما الذى يُسْتَعْملُ منهُما؟ والمسْتَعملُ منهما ما مقتضاه [من العموم] (١)؟ فأخذ [أحمد] (٢) ابن حنبل بقوله: " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَبٍ "، وأخذ الجمهور بقوله: " إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طَهَرَ "، وهذا الحديث خاصٌ والعَامُّ يُردُّ إلى الخاص، ويكون الخاص بياناً له، وقال بعض هؤلاء: الحديث خرَج على سببٍ وهو شاة ميمونة - رضى الله عنها - والعموم إذا خرج على سبَبٍ قُصِرَ عليه عند بعض أهل الأصول (٣) وألحق بهذا السبب البقرةُ والبعير وشبه ذلك، للاتفاق على أن حكم ذلك حكم الشاة، وقال بعضُهم: بل يتعدَّى ويَعُمُّ بحكم مقتضى اللفظ، ويجب حمله على العموم فى كل شىء حتى الخنزير، وقال بعضهم: فإن العموم يخصُ بالعادة، ولم يكن من عادتهم اقتناء الخنازير حتى تموت فيدبغوا جلودها. قال بعضهم: ولا الكلبُ أيضاً لم يكن من عادتهم استعمال جلده، وقال بعضهم: بل يخُصُّ هذا العموم بقوله: " دباغ الأديم ذكاتُه " (٤)، فأحل الذكاة محل
стр. 817
١٠٤ - (٣٦٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُليْمَانَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِى سُليْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ لِمَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةَ. فَقَالَ: " أَلا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ ".
١٠٥ - (٣٦٦) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُليْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلمَ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ ".
(...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِى ابْن مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، كُلهُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، يَعْنِى حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى.
ــ
الدباغ، فوجب ألا يؤثر الدباغ إِلا فيما تؤثر فيه الذكاة، والذكاة إنما تؤثر عند هؤلاء فيما يستباح لحمه؛ لأن قصد الشرع بها استباحةُ اللحم، فإذا لم يستبح اللحم لم تصح الذكاة وإذا لم تصح الذكاة لم يصح الدباغ المشبَّه به، وقد أشارَ بعض من انتصر لمالك إلى سلوك هذه الطريقة، فرأى أن التحريم يتأكد (١) فى الخنزير (٢)، واختصَّ بنص القرآن عليه؛ فلهذا لم تعمل الذكاة فيه، فلما تقاصر عنه فى التحريم ما سواه لم يُلحَق به فى تأثير الدباغ. وقد سلك هذه الطريقة - أيضاً - أصحاب الشافعى ورأوا أن الكلبَ خُصَّ فى الشرع بتغليظٍ لم يردْ فيما سواه من الحيوان وألحق (٣) بالخنزير، وأما الأولون الذين ذكرنا مخالفتهم لهؤلاء فى الأخذ بالظاهر فإنهم - أيضاً - يخالفونهم فى المعنى، ويَرَون أن الدباغ أنزل فى الشرع بمنزلة الحياة لمَّا كان يحفظ الجلد من التغيِّير والاستحالة كما تحفظه الحياة، وأما ابن شهاب فتعلق بحديث لم يُشْتَرَطْ فيه الدباغ، وقد رواه مقيَّداً، ولعله نسى ما رواه.
(٢٨) باب التيمم
١٠٨ - (٣٦٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فى بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِى فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَليْسُوا عَلىَ مَاءٍ، وَليْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلى أَبِى بَكْرٍ فَقَالوا: أَلا تَرَى إِلى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ، وَليْسُوا عَلى مَاءٍ، وَليْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلى فَخِذِى قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رسُولَ اللهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَليْسُوا عَلى مَاءٍ وليْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالتْ: فَعَاتَبَنِى
ــ
فيه أن عائشة - رضى الله عنها - قالت - حديث التيمم -: " خرجنا مع رسول الله ﷺ ... " إلى قولها: " أنقطع عِقْدٌ لى فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه " الحديث، قال الإمام: قال بعض أصحابنا: يُباحُ السفرُ للتجارة وإن أدى إلى التيمم، ويحتج له بهذا الحديث؛ لأن إقامتهم على التماس العقد ضربٌ من مصلحة المال وتنميته [وذكر فى الحديث نزول آية التيمم] (١).
قال القاضى: فيه جواز الإقامة بموضع لا ماء فيه لحوائجه ومصالحه، فإنه لا يجبُ عليه الانتقال عنه لأن فرضَه هو ما لزمه فيه من طهارة الماء أو التيمم إن عدمه، ما لم يكن الماء قريباً منه فيلزمُه طلبُه عند كل طهارة. واختُلِف فى حَدِّ قربِهِ، فالمذهب أنه يطلبُهُ فيما لا كبير مشقة عليه فيه، ولم يَر أن يلزمه فى الميلين طلبه. وقال [إسحاق] (٢): لا يلزمه الطلبُ إِلا فى موضِعِه، وروى نحوه عن ابن عمر أنه يتيمَّمُ والماء على غَلوَتين منه، وهما
стр. 820
أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِى خَاصِرَتِى، فَلا يَمْنَعُنِى مِنَ التَّحَرُّكِ إِلا مَكَانُ رَسُول اللهِ ﷺ عَلى فَخِذِى. فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّم فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ - وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ -: مَا هِىَ
ــ
خُمسُ ميْلٍ، فإن الميلَ عَشرُ غلاءٍ، والغلوَةُ منتهى جرى الفرس، وذلك مائتا ذراعٍ.
وفى الحديث: خروج النبى ﷺ بنسائه للغزو أو بِبَعْضِهنَّ (١)، وسيأتى هذا فى موضِعِه من النكاح. والبيْدَاءُ وذات الجيش موضعان قريبان من المدينةِ (٢). وفيه اتخاذ النساء القلائد، قيل: كانت هذه من جزع، وجاء فى الحديث الآخر أنها قلادةٌ استعارتها من أسماء، فأضافتها إليها مَرَّةً لكونها فى حوزتها (٣) وقيل: بل قولها: " عقدٌ لى " تقديمٌ وتأخير، أى انقطع لى عقدٌ، ثم بينت أنه لأسماء فى الرواية الأخرى (٤). وكلُ ما يُعقدُ فى العُنق فهو عِقدٌ وقلادةٌ، وقد نقله فى المُعلم: " انقطع عِقدها "، وليس ذلك فى الحديث إِلا كما تقدم. وفيه جواز عارية الحُلىِّ، وتجُملُّ المرأةِ بحُلىِّ غيرها.
وقوله فى الرواية الأخرى: " فهلكتْ ": أى انقطعتْ، كما قال فى الحديث الآخر، وكل فسادٍ هلاك، وتحمل فعل النبى ﷺ هذا ليكون سُنَّةٌ فى حفظِ الأموال والحَيطة عليها. ودخول أبى بكر - رضى الله عنه - على عائشة ورأسُ النبى ﷺ فى حجرها وهو نائمٌ دليلٌ
стр. 821
بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِى بَكْرٍ. فَقَالتْ عَائِشَةُ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الذِى كُنْتُ عَليْهِ، فَوَجَدْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ.
ــ
على جواز مثل هذا، وأنه مما لا يُتَسَتَّرُ منه من الأصهار ولا الأجانِبَ، إذ لو كان مُنْكراً لم يدخل أبو بكر عليها فى تلك الهيئة ولا أقامَ حتى يستيقظ النبى ﷺ وهو عليها، وطعن أبى بكر فى خاصِرَتِها جواز تأديب الرجل ابنته وإن خرجت عنه، وعتبُ أبى بكر لعائشة وشكوى الناس ذلك إلى أبى بكر وقولهم: " وليسوا على ماء وليس معهم ماءٌ " دليلٌ على أن الوضوء كان قبل مشروعاً لهم واجباً عليهم، وإلا فما الذى يعظم عليهم من ذلك؟
وقوله: " فبعثنا البعيرَ الذى كنت عليه فوجدنا العِقدَ تحتَهُ " وفى الحديث الآخر فى البخارى: " فبعث رسول الله ﷺ رجلاً فوجدَها " (١) وفى رواية: " رجلين " وفى أخرى: " ناساً " وهو حديثٌ واحدٌ ولا تناقض فى هذا، وإن كان القاضى إسماعيل حمله على المعارضة، وأما غيرُه فقال: إن المبعوث كان أسيْد بن حضير (٢)، وأنه وجدها بعد رجوعه من طلبه حين أثار البعير، أو يكون المرادُ فوجدها النبى ﷺ لا الرجلُ المبعوث.
وقوله: " فأنزل الله آية التيمم ": دليلٌ على ما تقدم أن الحكم الزائد عليهم فيها حكم التيمم فأضيفت (٣) إليه، وإن قيل لها: إنه الوضوء أيضاً، فيحكم أنها التى ذكر الوضوء من القرآن إذا كان أولاً بالسُنةِ على ما تقدم أول الكتاب.
قال الإمام: التيمم فى اللغة: القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾ (٤)، ومنه قول الشاعر:
سلِ الربْعَ أنَّى يمَّمتُ أم اسْلما (٥) ... وهل عادةٌ للربع أن يتكلما
وأما الذى يُتَيمَّمُ به فالمشهور (٦) من مذهب مالك: الأرض، وما تصاعدَ (٧) عليها، مما لا ينفك عنها غالباً (٨)، ومذهب الشافعى: أن التيمم بالتراب خاصةً (٩)، وعندنا قولٌ
стр. 822
١٠٩ - (...) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ بِشْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ
ــ
نحو قول الشافعى. واختلف عندنا فى التيمم على الثلج والحشيش (١)، والحجة للقولة المشهورة عن مالك قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢)، والصعيد ينطلق على [وجه] (٣) الأرض، وقوله ﷺ : " جُعِلت لى الأرض مسجداً وطهوراً " (٤) ويحتج للشافعى والقولة الشاذة عندنا (٥) بما وقَع فى أحد طرق هذا الحديث وهو قوله ﷺ : " وترابها طهور " فذكر التراب.
وأما حَدُّ التيمم: ففيه ثلاثة أقوال: قيل: إلى الكوعين (٦)، وقيل: إلى المرفقين (٧)، وقال ابن شهاب: إلى الآباط (٨)، فمن قال: إلى الكوعين، كان بناءً على تعليق الحكم بأول الاسم، ويؤيده بحديثٍ - أيضاً - فيه: " وجهك وكفيك "، ومن قال: إلى الآباط، بناه على تعليق الحكم بآخر الاسم، إذ ذلك أكثر ما ينطلق عليه اسم يدٍ، ويؤكده ما وقع
стр. 823
قِلادَةً، فَهَلكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِى طَلبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ فَصَلوْا بِغَيْرِ وَضُوءٍ، فَلمَّا أَتَوُا النَّبِىّ ﷺ شَكَوا ذَلِكَ إِليْهِ، فَنَزَلتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ ابْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطٌ إِلا جَعَلَ اللهُ لكِ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَجَعَلَ لِلمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً.
١١٠ - (٣٦٨) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ
ــ
فى بعض روايات حديث العِقد أن الراوى قال: " فتيممنا إلى الآباط ". أو قال: " إلى المناكب "، وأما من قال: إلى " المرافق " كأنَّه (١) ردَّه إلى الوضوء لمَّا كان (٢) تستباح الصلاة به كما تستباح بالوضوء، والحكم إذا أطلق فى شىء وقيّدَ فيما بينه وبينه مشابهةٌ اختلف أهل الأصول فى ردِّه إليه كهذه المسألة والعتق فى الكفارة فى الظهار، هل (٣) يشترط فيه الإيمان ويُرد إلى كفارة القتل؟ (٤).
قال القاضى: وقوله فى الحديث من رواية ابن أبى شيبة: " فصلوا بغير وضوء " حجةً لأحد الأقوال فيمن عُدِم الماء والترابَ من مريضٍ أو محبوسٍ؛ لأن هؤلاء عدموا الماء ولم يُشرع لهم بعد التيمم فصلوا بغير طهارةٍ. وقد اختلف العلماء فى تلك المسألة على أربعةِ أقوال: هل يُصلى ثم لا إعادة عليه لأن عَدَمه عذرٌ كالسلس والاستحاضة، ولأنه ظاهر الحديث (٥)؟ أو يصلى ثم يعيدُ إذا وجد الطهور على الاحتياط ليأتى أولاً بغايةِ ما يقدر عليه ثم لما وجد الماء لزمته الطهارة والإعادة؟، وقاله الشافعى (٦)، أو لا يصلى ولا يعيد؛ لأن الخطاب لم يتوجه عليه لعدم الشرط من الطهارة حتى خرج وقتها كالحائض تطهُر، وكمن بلغ وأسلم بعد الوقت (٧)، أو لا يُصلى، كظاهر الحديث من أكثر الطُرق، لكنه يُعيدُ إذا وجد الماء، كمن غمَره المرض أو غلبه النوم أو النسيان، ولقوله ﷺ : " لا يقبل الله صلاةً بغير طهور "؟ وهذه الأقوال كلها عندنا فى المذهب لمالك وأصحابه،
стр. 824
أَبِى مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ؛ قَالَ: كُنْتُ
ــ
والمروى منها عن مالك: لا صلاة ولا إعادة، وهو قول الثورى والأوزاعى وأصحاب الرأى (١).
وقوله: " كنا فى السريَّة فأجنبنا " (٢)، قال الإمام: قال الهروى: قال الفراء: يقال: أجنب الرجلُ وجنب من الجنابة [قال] (٣): وقال الأزهرى: سُمى [الجنب] (٤) جنبًا لأنه نُهى أن يقربَ مواضعَ الصلاة ما لم يتطهَّر، فتجنَّبها وأجنبَ عنها [أى تباعد عنها] (٥)، وقال القتبى (٦): سمى بذلك لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل والجنابة البعد.
قال القاضى: وقال الشافعى: إنما سُمى جُنباً من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجلُ إذا خالط امرأته، وكان هذا ضداً للمعنى الأول، كأنه من القرب منها، وقد قيل فى قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْب﴾ (٧): أنها الزوجة. ويقال جُنُبٌ للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، قال ابن فارس: وقد قيل فى الجمع: أجنابٌ.
وكلام عبد الله وأبى موسى فى تيمم الجنب يدل أن مذهب ابن مسعود كان لا يتيمم ولا يصلى حتى يجد الماءَ، ثم روى أنه رجع بعدُ إلى التيمم. هذان القولان معروفان له، وقد حكى عنه أنه من قوله: لا يغتسل إذا تيمَّمَ، ولكنه إذا أحدث توضأ للصلاة، وهذا لا يصح عنه ولا عن أحدٍ من العلماء، إِلا أبا سلمة بن عبد الرحمن وحدَه، وقيل: بل من قوله: إنه إذا وجد الماء اغتسل وأعاد الصلاة، وهذا القول لا يصح عنه ولا عن غيره إِلا أن بعضهم استحب ذلك، وحُكى عن جماعةٍ من التابعين إعادة المتيمم صلاته إذا وجد الماء فى الوقتِ، وقاله ربيعة وابن شهابٍ، وقاله الأوزاعى استحباباً، قال ابن المنذر: وأجمعوا أنه لا إعادة عليه إذا وجده بعد الوقت، وفقهاء الأمصار على أنه لا إعادة عليه لما صلى وإن وجده فى الوقت (٨). ومذهبه ومذهب عُمر وعمَّارٍ فى الآية: أنها فى الوضوء دون التيمم؛ لأنه العائدُ عليه والسببُ الذى نزلت فيه الآيةُ، وأن معنى قوله: ﴿أَوْ لامَسْتُم﴾ (٩) فى غير الجماع، ومذهب أبى موسى وغيره أنها على العموم، وبيَّن ذلك النبى ﷺ فى ردِّه على عمَّار بقوله: " إنما كان يكفيك هكذا، وذكر مسح الوجه والكفين "، ولما احتج أبو موسى بظاهر الآية على عبد الله وقف وما درى ما يقول، كما جاء فى الحديث لظهور العموم فيها للأحداث، وعطف التيمم على سائرها وتعلق بطرف من الاجتهاد والاحتياط وقطع الذريعة لاحتمال الآية فقال: لو رخَّصنا لهم فى ذلك لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يذهب ويتيمم، فلم ينكر ابن مسعودٍ أن الآية تتناول الجنب بظاهرِها وغيرَه ولو
стр. 825
جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِى مُوسَى، فَقَالَ: أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَرَأَيْتَ لوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ فَلمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، كَيْفَ يَصْنَعُ بَالصَّلاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِى سُورَةِ المَائِدَةَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) فَقَالَ: عَبْدُ اللهِ: لوْ رُخِّصَ لهُمْ فِى هَذِهِ الآيَةِ، لأَوْشَكَ، إِذَا بَرَدَ
ــ
أنكره لردَّ حجة أبى موسى بالآية عليه، وقد أدخل البخارى هذا الحديث تحت ترجمة (إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت)، وذكر حديث عمرو بن العاص فى تيممِه فى ليلةٍ باردة وتلاوته: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُم﴾ (٢) وأنه ذكر ذلك للنبى ﷺ فلم يُعنّفهُ، ثم أدخل حديث أبى موسى وعبد الله ليُشعِرَ بالخلاف فى المسألة والله أعلم (٣).
ولا خلاف بين فقهاء الأمصار إذا خاف التلف باستعمال (٤) الماء أنه يتيمم، إِلا شىء روى عن الحسن: يغتسل وإن مات، فإن خاف دوام المرض أو زيادته أو حدوثه فلمالك فى هذا الأصل قولان، حكاهما ابن القصار، وكذلك للشافعى، والذى فى الأمهات لمالك أنه يتيمم، وأبو حنيفة والثورى يجيزان ذلك، ومنعه الحسنُ وعطاء وأبو يوسُف وصاحبُه فى الحضر وأجازه فى السفر، وذهب بعض أصحاب الحديث أنه يجزئه الوضوء هنا عن الغسل لحديث عمرو بن العاص، وفيه أنه توضأ وصلى بهم (٥)، وبه قال من أصحابنا أحمد بن صالح المصرى المعروف بابن الطبرى من أصحاب ابن وهب لغلبة الحديث عليه.
وفى هذا الحديث عادةُ الصحابة فى المناظرة فى العلم والحجاج بكتاب الله وسنة نبيه، والمقاييس الصحيحة عليها والالتفات فى الاجتهاد لقطعِ الذرائع لما تؤول إليه، وفيه جواز الانتقال من دليلٍ إلى دليلٍ أظهر منه إذ حقيقة المناظرة التعاون على إظهار الحق وبيانه، خلاف ما يذهب إليه أهل الجدل من المتكلمين من منع الانتقال وأنه انقطاع، والأصل فى هذا قصة إبراهيم ﵇ فى انتقاله من الحجة بالإحياء والإماتة إلى الحجة بالإتيان بالشمس من المغرب.
стр. 826
عَليْهِمُ المَاءُ، أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ: أَلمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ: بَعَثَنى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِى حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِى الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِىِّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لهُ، فَقَالَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا " ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلى اليَمِينِ، وَظاهِرَ
ــ
وقولُ عمارٍ: " فتمرَّغتُ كما تتمرغُ الدابَّةُ ": هو بمعنى ما جاء فى الرواية الأخرى: " فتمعكتُ فيه " لأنه لم يحمل الآية على عموم الأحداث.
وفيه جواز الاجتهاد فى زمان النبى ﷺ عند الضرورة والبعد منه، كما قال معاذٌ - رضى الله عنه - له: " أجتهد رأيى " (١)، واستعمال القياس، لأنه لما رأى آية التيمم فى الوضوء فى بعض الأعضاء - إذ (٢) كان الوضوء مختصاً ببعض الأعضاء - وكان طُهر الجنابة لعموم الجسد استعمل التيمم بالتراب (٣) فى جميع الجسد.
وقوله ﷺ : " إنما كان يكفيك هكذا - وضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما " يحتج به فى نفض اليدين، وقد أجاز مالك النفض الخفيف فى ذلك. وهو قول الكوفيين.
وقوله: " فمسح بها وجَهه وكفيه ": فى ظاهره حجةٌ لمن يرى الفرض ضربةً واحدةً، وهو قول بعض أصحابنا، ودليل قول مالكٍ، وأنه لا إعادة على من فعله أو يُعيد فى الوقتِ، وأن الضربة الثانية عنده سنةٌ، وجمهور العلماء على أنه لا يجزيه إِلا ضربتان، وهو قول بعض أصحابنا، وجعله بعضهم قول مالك (٤)، ويحتج بها - أيضاً - من يقول: التيمم إلى الكوعين، وهو قول جماعة من العلماء وفقهاء أصحاب الحديث وبعض أصحابنا، وتأولوها على رواية ابن القاسم عن مالك فيمن صلى بذلك أنه يعيد فى الوقت، والمعروف من مذهب مالك أن فرضه إلى المرفقين، وهو قول أكثر أئمة الفتوى والسلف (٥).
وقوله فى الرواية الأخرى: " يمسح الشمال على اليمين وظاهِرُ كفّه ": تفسيرٌ لصفة المسح وعمومه. وإنكار عُمَر الخبَرَ على عمّارٍ لأنه حدثه أنه كان حاضراً له عند النبى ﷺ فلم يذكره، وقول عمارٍ له: " إن شئت لِما جعل اللهُ علىَّ من حقك لم أُحَدِّث به " لما يلزم من طاعة الأئمة والرجوع إلى مذاهبهم، وتقليد من لم يبلغ منزلتهم فى العلم لهم، لا سيما مسألةً وقع فيها الخلاف بين اثنين من نقل قضيَّةٍ أثبتها أحدُهما ونفاها الآخر،
стр. 827
كَفَّيْهِ، وَوَجْهَهُ؟ فَقَالَ: عَبْدُ اللهِ: أَوَلمْ تَرَ عُمَرَ لمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟.
١١١ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا عَبدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا "، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلى الأَرْضِ، فَنَفَضَ يَدَيْهِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
ــ
فالرجوع فى ذلك إلى ما يفتى به الإمامُ المقلدَ، فكيف إذا كان الإمامُ هو المنكرُ لها، مع أن أداء الحديث والتبليغ ليس بفرض على العين، إِلا لمن لم يكن عند أحدٍ السنة التى رواها سواه فيتحين عليه أداؤها، وآيةُ التيمم فى الجنب أو غيره تُغْنى عن حديث عمَّارٍ، فكيف إذا كان الحديث مما خالف رواية إمام المسلمين وخطَّأه فيه؟ فهو فى سَعَةٍ من ذكره.
وفيه من الفقه أَنَّ المتأول المجتهد لا إعادةَ عليه؛ لأن النبى ﷺ لم يأمر عماراً بالإعادة وإن كان خطأ اجتهاده؛ لأنه إنما ترك هيئة الطهارة وقد جاء بها على غير هيئتها وأكمل مما يلزمه.
وقوله: " ألم تر عُمَر لم يقنع بقول عمارٍ "؛ لأنه أخبره خبراً ذكر أنه شاهَدَه ولم يذكره فجوَّز عليه الوهم كما جَوَّز على نفسه النسيانَ له، ثم تركه وما اعتقَدَه وصححه، إذ لم يتَّهمْهُ بقوله: " نُوَليك من ذلك ما تَوَليْتَ "، بخلاف لو قطع على خطئه فيه.
وقوله: " فنفض يديه فنفخ فيهما ": حجةً لمن أجاز نفض اليدين من التراب، وهو قول مالك والشافعى، دون استقصاء لما فيهما من التراب، لكن لخشية ما يضر به من ذلك من كثرته بتلويث وجهه، أو مصادفة رُقاق حجرٍ فيه يؤذيه ونحوه، وكان ابن عمر لا ينفُض.
وخرَّج مسلم فى الباب (١): روى الليث بن سعدٍ، عن جعفر بن ربيعة، عن ابن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس؛ أنه سمِعَه يقول: " أقبلتُ أنا وعبد الرحمن بن يسارٍ مولى ميمونة حتى دخلنا على أبى الجهم "، قال الإمام: كذا وقَع عند الجلودى والكسائى وابن ماهان، وهو خطأ، والمحفوظ: " أقبلت أنا وعبد الله بن يسارٍ " وهكذا رواه البخارى عن ابن بكيرٍ عن الليث (٢)، و [هذا الحديث] (٣) ذكره مسلم [هنا] (٤) مقطوعاً وفى كتابه أحاديث يسيرة مقطوعة متفرقة فى أربعة عشر موضعاً، منها هذا الحديث [الذى ذكرناه] (٥) - وهو أولها -، سننبه على كل شىء منها فى موضعه، إن شاء الله.
قال القاضى: روايتنا فيه من طريق السمرقندى، عن الفارسى، عن الجلودى فيما
стр. 828
١١٢ - (...) حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ العَبْدِىُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ القَطَّانَ - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِى الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّى أَجْنَبْتُ فَلمْ أَجِدْ مَاءً. فَقَالَ: لا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ، يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِى سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا، فَلمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِى التُّرَابِ وَصَليْتُ. فَقَالَ النَّبِىِّ ﷺ : " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بيَدَيْكَ الأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ ". فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ. قَالَ: إِنْ شِئْتَ لمْ أُحَدِّثْ بِهِ.
قَالَ الحَكَمُ: وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، مِثْلَ حَدِيثِ ذَرٍّ، قَالَ: وَحَدَّثَنِى سَلمَةَ عَنْ ذَرٍّ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ الذِى ذَكَرَ الحَكَمُ. فَقَالَ عُمَرُ: نُوَليكَ مَا تَوَليْتَ.
١١٣ - (...) وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: قَالَ الحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّى أَجْنَبْتُ فَلمْ أَجِدْ مَاءً. وَسَاقَ الحَدِيثَ، وَزَادَ فيهِ: قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، إِنْ شِئْتَ، لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلىَّ مِنْ حَقِّكَ، لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا. وَلمْ يَذْكُرْ: حَدَّثَنِى سَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ.
١١٤ - (٣٦٩) قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَى الليْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلى مَيْمُونَةَ - زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلى أَبِى الجَهْمِ بْنِ
ــ
حدثنا به أبو بحر عنه عبد الله بن يسارٍ على ما ذكره، وكذلك قاله النسائى وأبو داود وغيرهما من الحفاظ (١)، وهو أخو عبد الرحمن هذا الآخر، قال البخارى فى تاريخه: عبد الله بن يسارٍ مولى ميمونة أخو عبد اللك وعطاء (٢).
وقوله فى الحديث: " دخلنا على أبى الجهم ": كذا فى الأم، وكنَّاه مسلم فى كتاب
стр. 829
الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِىِّ. فَقَالَ أَبُو الجَهْمِ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلمَ عَليْهِ، فَلمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَليْهِ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلى الجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇.
١١٥ - (٣٧٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلمَ، فَلمْ يَرُدَ عَليْهِ.
ــ
الرجال والبخارى فى تاريخه والنسائى وأبو داود: أبو الجُهَمْ (١).
وقوله فى الحديث: " أقبل النبى ﷺ من نحو بئر جَمَلٍ ... " وذكر تيمُّمَهُ لِرَدِّ السلام، احتج به البخارى وغيره فى جواز التيمم فى الحضَر لمن خاف فوات الوقت (٢)، وقد اختلفت الرواية فى جوازه عن مالك، وفى إعادة الصلاة لمن فعله إن وجد الماء في الوقت على القول بإجازته (٣). وفى استدلال البخارى بهذا الحديث نظر لكنه يؤنس إليه، إذ لم يرَ أن يرُد السلام ولا يذكر الله إِلا على طهارةٍ، وخشى ذهاب الرجل وفوات ردِّ السلام عليه فتيمم.
وفيه حجةٌ بجواز التيمم بالتراب المنقول عن وجه الأرض، لتيممه بالجدار وهو ترابٌ مفصول (٤)، وفيه حجة لسقوط شرط الغبار ونقل التراب فى التيمم لعدم ذلك فى تراب الجدار لتعقده، وجواز التيمم مع وجود غيره، وفيه جواز التيمم للنوافل كالفضائل.
قال الطحاوى: وهذا الحديث من باب الأخذ بالفضائل، وقال الطبرى: هو على التأديبَ للمُسلَّم عليه فى حال الحَدثِ التى نهى عن السلام فيها، وليس فى الحديث ما يَدلُ على ما قال؛ لأنه إنما سلم عليه بعد إقباله من قضاء الحدث وليس بموضع النهى، لكن فى الحديث الآخر: " أن رَجُلاً مَرّ عليه وهو يبول فسلَّم عليه فلم يَرُدَّ عليه " (٥).
стр. 830
(٢٩) باب الدليل على أن المسلم لا ينجس
(٣٧١) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعْيدٍ - قَالَ: حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللفْظُ لهُ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُليَّةَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيل، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ لقِيَهُ النَّبِىُّ ﷺ فِى طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْسَلَّ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، فَتَفَقَدَهُ النَّبِىِّ ﷺ . فَلمَّا جَاءَهُ قَالَ: " أَيْنَ كُنْتَ؟ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لقِيتَنِى وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " سُبْحَانَ اللهِ! إِنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ ".
١١٦ - (٣٧٢) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ، فَحَادَ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: كُنْتُ جُنُبًا قَالَ: " إِنَّ المُسْلِمَ لا يَنْجُسُ ".
ــ
وذكر مسلم فى حديث: " إن المؤمن لا ينجُس ": حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، عن ابن عُليَّة، عن حُميد الطويل، عن أبى رافع [عن أبى هريرة؛ أنه لقيه ﷺ فى طريق من طرق المدينة] (١)، وهذا منقطع (٢)، وإنما يرويه حميد، عن بكر بن عبد الله المزنى، عن أبى رافع (٣)، وهكذا أخرجه البخارى وأبو بكر بن أبى شيبة فى مسنده (٤).
وقوله: " إن المؤمن لا ينجُسُ ": يقال: نجِس الشىء ونجُس، بالكسر والضم، ينجَس، وينجُسُ، بالفتح والضم، ضد طَهَر.
وفيه حجةٌ عِلى طهارة الآدمىِّ حيًا ومَيِّتاً، وقد اختلف فيه مسلماً كان أو كافراً، ولقول الله تعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم﴾ (٥) الآية. وذهب بعض المتأخرين: أن الحكم للفضيلة إنما يتعلق بالمؤمن ويحتج بهذا الحديث وشبهه، وستأتى المسألة فى الجنائز.
وقوله فى الحديث: " فحاد عنه " أى مال عن طريقه ومشيه معَهُ وانصَرف، ومثله فى الرواية الأخرى: " فانسلَّ عنه ": أى خرج من جملته وصحبته برفق من حيث لا يشعُر به.
стр. 831
(٣٠) باب ذكر الله تعالى فى حال الجنابة وغيرها
١١٧ - (٣٧٣) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلمَةَ، عَنِ البَهِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلى كُلِّ أَحْيَانِهِ.
ــ
وقوله: " كان النبى ﷺ يذكُرُ الله على كل أحيانه ". دليلٌ أنه لا يُمنع من على غير طهارةٍ من ذكر الله (١)، وإنما اختلف العلماء فى قراءة الجنب والحائض القرآن ظاهراً بالمنع لهما والإباحة لهما، ومُنع الجنب لِملكِه طُهْرَه دون الحائض لأن أمرها يطول، والأقوال الثلاثة لمالك ﵀ ولم يختلف قوله فى قراءة اليسير منه كالآية ونحوها على وجه التعوذ (٢).
وفيه حجة لمن أجاز الذكر على الحدثِ وفى المراحيض على ظاهِره (٣)، وقيل: معناه: متوضئ وغير متوضئ، وقد تقدم قبل الكلام عليه.
стр. 832
(٣١) باب جواز أكل المحدث الطعام وأنه لا كراهة فى ذلك، وأن الوضوء ليس على الفور
١١٨ - (٣٧٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِىُّ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ، فَأُتِىَ بَطَعَامٍ، فَذَكَرُوا لهُ الوُضُوءَ فَقَالَ: " أُرِيدُ أَنْ أُصَلىَ فَأَتَوَضَّأ؟ ".
١١٩ - (...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، سَمِعْتُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ ، فَجَاءَ مِنَ الغَائِطِ، وَأُتِىَ بَطَعَامٍ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: " لِمَ؟ أَأُصَلى فَأَتَوَضَّأ؟ ".
١٢٠ - (...) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلمٍ الطَّائِفِىُّ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، مَوْلى آلِ السَّائِبِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى الغَائِطِ، فَلمَّا جَاءَ، قُدِّمَ لهُ طَعَامٌ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا تَوَضَّأُ؟ قَالَ: " لِمَ؟ أَلِلصَّلاةِ؟ ".
١٢١ - (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيْرِثٍ؛ أَنَّهُ سَمِعِ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الخَلاءِ، فَقُرِّبَ إِليْهِ طَعَامٌ فَأَكَلَ وَلمْ يَمَسَّ مَاءً. قَالَ: وَزَادَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحُوَيْرِثِ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قِيلَ لهُ: إِنَّكَ لمْ تَوَضَّأ؟ قَالَ: " مَا أَرَدْتُ صَلاةً فَأَتَوَضَّأَ " وَزَعَمَ عَمْرٌو؛ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الحُوَيْرِثِ.
ــ
وقوله: " أتى بطعامٍ فذُكر له الوضوء فقال: أريد أن أصلى فأتوضأ؟ ": أخذ مالك بظاهر هذا الحديث، وكره غسل اليد قبل الطعام، وقال: إنه من فعل الأعاجم، وقال مثله الثورى ولم يكن من فعل السلف، وحمله غيره على أنه ليس بواجب، واحتجوا بحديث ذكره أبو داود وغيره عنه ﷺ : " الوضوء قبل الطعام وبعده بركة ".
стр. 833
(٣٢) باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء
١٢٢ - (٣٧٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ يَحْيَى ايْضًا: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، - فِى حَدِيثِ حَمَّادٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ. وَفِى حَدِيثِ هُشَيْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ
ــ
وقوله: " كان إذا دخل الخلاء .. " وفى الحديث الآخر: " الكنيف " وهو بمعناه، وسُمى بذلك للتستر فيه، والكنف (١) الستر، فلما كان يستتر فى ذلك الموضع من يأتيه للحدث سُمى به، وكذلك سُمى الخلاء - أيضاً - بالخلوة فيه عن الناس.
وقوله: " يقول: أعوذ بك من الخبث والخبائث ": رويناه عن شيوخنا بالوجهين سكون الباء وضمها، وأكثر روايات الشيوخ فيه بالإسكان، وكذا ذكره أبو عُبيد وفسَّره بالشر، وبالضم سمعناه من القاضى الشهيد، وكذا صَوَّبه الخطابى ووهَّم أصحاب الحديث فى روايتهم السكون.
قال الإمام: قال الهروى: قال أبو الهيثم: الخبث بالضم (٢) جمع الخبيث، وهو الذكر من الشياطين، والخبائث جميع الخبيثة وهى الأنثى من الشياطين، وقال أبو بكر [بن الأنبارى] (٣): الخبث الكفر، والخبائث الشياطين.
قال الإمام: والأول أشبه؛ لأن تلك [المواضع] (٤) مواضع الشياطين. قال القاضى: قال الخطابى فى رواية الضم: استعاذ بالله من مردة الجن ذكورهم وإناثهم، قال ابن الأعرابى: أصل الخبث فى كلام العرب المكروه.
قال القاضى: ولا يبعد أن يستعيذَ من الكفرِ ومن الشياطين ومن سائر الأخلاق الخبيثة والأفعال المذمومةِ وهى الخبائث، وجاء بلفظ الخبث لمجانسة الخبائث، والله أعلم؛ ولأنه لما كان الموضع خبيثاً فى نفسه استعاذ من كل ما جاء فى لفظه. وقال الداودى: الخبثُ الشيطان، والخبائث المعاصى، وقال غيره: استعاذ أولاً من الشياطين وخبثها لتضاحكها من عورة الإنسان عند انكشافها للبراز والبول، فإذا ذكر الله واستعاذ به أُعيذَ وولَّت الشياطينُ هاربةً، قال: ثم استعاذ من الخبائث وهى البول والغائط لئلا يناله منهما مكروه.
стр. 834
الكَنِيفَ - قَالَ: " اللهُمَّ! إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالخَبَائِثِ ".
(...) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُليَّةَ - عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: " أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبْثِ والخَبَائِثِ ".
ــ
قال الإمام: وقوله: " إذا دخل ": يحتمل أن يكون معناه: إذا أراد الدخول، كما [قال تعالى] (١): ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه﴾ (٢) الآية [أن] (٣) معناه: إذا أردت [أن تقرأ] (٤).
قال القاضى: قد ذكر البخارى فى بعض طرق هذا الحديث: (كان إذا أراد أن يدخل) (٥) ويجمع بين اللفظين بردِّ أحدهما إلى الآخر، ومن جهة المعنى أنه إذا كان متصلاً بالدخول قيل فيه: إذا دخل.
وقد اختلف السلف والعلماء فى هذا الحديث، فذهب بعضهم إلى جواز ذكر الله فى الكنيف وعلى كل حال، ويحتج قائله بهذا وبحديث ذكر النبى ﷺ على كل أحيانه، وبقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب﴾ (٦) وهو قول النخعى والشعبى وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن سيرين ومالك بن أنس، وروى كراهيةُ ذلك عن ابن عباس وعطاء والشعبى وغيرهم، وكذلك اختلفوا فى دخول الكنيف بالخاتَم فيه ذكر الله (٧).
стр. 835
(٣٣) باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء
١٢٣ - (٣٧٦) حَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُليَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ ابْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَجِيٌّ لِرَجُلٍ - وَفِى حَدِيثِ عَبْدِ الوَارِثِ. وَنَبِىُّ اللهِ ﷺ يُنَاجِى الرَّجُلَ - فَمَا قَامَ إِلى الصَّلاةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ.
١٢٤ - (...) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ العَنْبَرىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَالنَّبِىُّ ﷺ يُنَاجِى رَجُلاً، فَلمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ جَاءَ فَصَلى بِهِمْ.
ــ
وقوله: " أقيمت الصلاةُ ورسول الله ﷺ يناجى رَجُلاً فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابُه [ثم جاء فصلى بهم (١)] "، قال الإمام: يحتمل أن تكون مناجاته ﷺ وتأخيره المبادرة للصلاة بعد الإقامة إنما كانت لأن (٢) الذى ناجاه فيه أمرٌ مهمٌ [من أمر الدين] (٣)، كان تقديمُ النظر فيه أولى من المبادرة إلى العبادة.
قال القاضى: وفى الرواية الأخرى: " وهو نجىٌّ لرجلٍ ": أى مسارِرٌ له، وهو لفظٌ يُستعملُ للواحد والاثنين والجميع، قال الله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ (٤) فى الجميع، وقال: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٥) فى الواحد.
وفيه مناجاة الاثنين بحضرة الجماعة (٦)، وجواز الكلام بعد إقامة الصلاة لا سيما فى الأمور المهمة، وأما فى غيرها فيكره، وتقديم الأمور المهمَّة التى يخشى فواتها أو شغل السِرِّ بها [عن] (٧) الصلاة.
وقوله هنا: " حتى نام الصحابةُ ثم صلى بهم " وفى الحديث الآخر: " كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يُصلون ولا يتوضؤون ": فيه دليل أن النوم ليس
стр. 836
١٢٥ - (...) وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ الحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقولُ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنَامُونَ. ثُمَّ يُصَلونَ وَلا يَتَوَضَّؤُونَ قَالَ: قُلتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: إِى، وَاللهِ.
ــ
بحدثٍ فى نفسه (١)، وأن موجب الوضوء منه المستثقل الذاهب بحسِّ المرء حتى لا يعلم بالحدث إذا خرج منه (٢)، وأن الخفيف اليسير منه لا يجب منه وضوء خلافاً للمزنى فى إيجابه الوضوء من قليله وكثيره (٣)، وقد تأوله على المذهب بعض شيوخنا (٤)، ثم اختلفت أقاويل أئمتنا وغيرهم فى هيئات النائم الذى يحكم له بنقض الطهارة إما لإمكان الاستثقال (٥) أو لسرعة خروج الحدث كالراكع والقائم والجالس والراكب بما هو مُفَسَّرٌ فى أصولنا، وعلى هذا يحملُ نوم الصحابة - رضى الله عنهم - لأنهم كانوا جلوساً ينتظرون الصلاة، ولأنه قال فيه: " حتى تخفق رؤوسهم "، وهذه أول سنات النوم ومخامرته الحِسَّ، ولم يقل: حتى [يسقطون أو يغطون] (٦)، وقد كان بعض السلف لا يرى النوم حدثاً على أى وجه كان حتى يُحقق خروج الحدث فيه (٧)، وكان بعضهم يجعل من يحرُسُه إذا نام (٨)، وذهب بعض متأخرى الشافعية إلى أن النائم إذا ضم نفسه وزمَّ وركيْه عند نومه
стр. 837
١٢٦ - (...) حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِىُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أُقِيمَتْ صَلاةُ العِشَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِى حَاجَةٌ. فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ يُنَاجِيهِ، حَتَّى نَامَ القَوْمُ، - أو بَعْضُ القَوْمِ - ثُمَّ صَلوْا.
ــ
زمًّا يأمَنُ معه خروج الحدث أنه لا وضوء عليه، وربما احتج لهذا المذهب بصلاة النبى ﷺ بعد نومه حتى نفخ (١)، والنبى ﷺ بخلاف غيره لقوله ﷺ : " إن عينى تنامان ولا ينام قلبى " (٢)، أو يكون هذا النوم خفيفاً فى نفسه وقد يعترى أثناءه النفخ وإن لم يثقل فيسقُط معه. وسيأتى الكلام على هذا فى كتاب الصلاة إن شاء الله.
[كمل كتاب الطهارة بحمد الله وعونه، ويتلوه إن شاء الله كتاب الصلاة. بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم] (٣).
стр. 838
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤ - كتاب الصلاة
(١) باب بدء الأَذان
١ - (٣٧٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
ــ
كتاب الصلاة
اختلف فى اشتقاق اسمِها مِمَّ هو؟ فقيل: من الدعاء الذى تشتمل عليه، وهو قول أكثر أهل العربية والفقهاء، وتسمية الدعاء صلاة معروف فى كلام العرب، وقيل: لأنها ثانية الشهادتين وتاليتهما كالمُصَلى من السابق فى الحلبة (١)، وقيل: بل لأنه مُتتبع فعل النبى ﷺ كالمُصَلِّى مع السابق، ولعل هذا فى أول شرع الصلاة وائتمامهم فيها بالنبى ﷺ ، لكن هذا يضعف فى تسميتها فى حقه ﷺ وهو السابق، وقيل: بل هو من الصَّلوَين (٢)، وهما عِرقان مع الرِّدف، وقيل: عظمان ينحنيان فى الركوع والسجود، قالوا: وبه سُمى المَصلى من الخيل؛ لأن أنفه يأتى مُلاصقاً صِلَوى السابق، قالوا: ومنه كُتب بالواو فى المصحف، وقيل: بل من الرحمة وتسميتها بذلك معروف فى كلام العرب (٣)، ومنه: صلاة الله على عباده، أى رحمته، وقيل: أصلها الإقبال على الشىء، تقرباً إليه، وقيل: معناها: اللزوم، من قولهم: صَلِيَ بالنار، وقيل: الاستقامة من قولهم: صَليْتُ العودَ على النار إذا قوَّمته (٤)، والصلاة تقيم العبد على طاعة ربه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر﴾ (٥)، وقيل: لأنها صِلة بين العبد وربه (٦)، ثم تشعبت مذاهب المتكلمين والنظار من الفقهاء فى هذه الأسماء المستعملة فى الشرعيات كالصلاة والزكاة والصيام والحج وشبهها، هل هى منقولةٌ عن موضوعها فى اللغة رأساً؟ وهذا بعيد ومؤدٍ
стр. 839
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ
ــ
إلى أن العَربَ خوطِبت وأُمِرت بغير لغتها، أو هى مُبقَاةٌ على مقتضاها فى أصل اللغة، فالصلاة الدعاء، والصيامُ الإمْسَاكُ، والحج القصدُ، وهكذا فى سائرها وهو المرادُ بها والمفهوم منها، وغير ذلك مما أضيف إليها من أقوالٍ وأفعالٍ غيرُ داخِلٍ تحت الاسم، وهو مذهب القاضى أبو بكر، أو هى واقعةٌ على أصول مُسَمَّياتِها، ثم أطلق على ما انضاف إليها بحكم الاشتمال أو الاستعارة لمشابهة معناها، وهو مذهب الأشياخ والمحققين من متكلمى أهل السنة وغيرهم من الفقهاء (١)، وقد أطال المصنفون فى الأصول الكلام فى هذا الباب ومدّوا أطنابه، ومخالفة الجماهير من الموافقين والمخالفين جُرأةٌ تامةٌ وجسارةٌ، وقول المرء لقول قيلَ يعتقد (٢) الصواب فى خلافه غيرُ بيِّنٍ وخسَارةٌ، فالحق أحق أن يُتبع لا سيما بخلافٍ ليس فى قاعدة دين ومقالة تلوح بالحق اليقين، ولا تخرج عن مراد مشايخنا المحققين، وذلك أنه متى أعطيت هذه الألفاظ من البحث حقها وُجِدَتْ عند المخاطبين بها لأول ورودها من أهل الشريعة معروفة المعنى على ما جاءت به من أفعال مخصوصةٍ وعبارات مُقرَّرةٍ إِلا ما غيَّر الشرع فيها من بدع الجاهلية أو نسخ من شرائع من تقدم من الكتابيَّة، لكن لا يبعد أن أصل استعمال العرب لها فى جاهليتهم قبل ورود الشريعة كان على ما أشار إليه الأشياخ، إما من إيقاعها على المعنى الحقيقى فى اللغة دون اعتبار المزيد فيها، على مذهب القاضى أبى بكرٍ، أو على الجميع بحكم تشابه المعنى والاستعارة على ما ذهب إليه غيره، ثم استُمِرَّ استعمالهُم لهذه الألفاظ عرفاً على جميع العبادة فصارت كاللغة الصحيحة والتسمية الموضوعة، فجاءهم الشرع واستعمالهم لها مفهوم عند جميعهم، فقد حققنا قطعاً بمُطالعة السِّير ومدارسة الأثر واستقراء كلام العرب وأشعارها: أن الصلاة كانت عندهم معلومةً على هيئتها عندنا من أفعالٍ وأقوالٍ ودعاءٍ وخضوعٍ وسجود وركوع، وقد تنصَّرَ كثير منهم وتهوَّد وتمجَّس، وتقربوا بالصلوات والعبادات، وجاوروا أهل الديانات، وداخلوا أهل الملل ووفَد أشرافهُم على ملوكهم، وألفت قريش رحلة الشتاء والصيف إلى بلادهم، وراقبوا ربَّانيِّهِم وأحبارهم، وشاهدوا رهبانيتَهم وشرائعهم، وثابَرَ كثيرٌ منهم على بقايا عندهم من دين إبراهيم، وعرفوا السجود والركوع والصوم والحج والعمرة والاعتكاف، وحجوا كل عام واعتمروا واعتكفوا وحضوا على الصدقة، وصاموا عاشوراء، وفى الحديث: " كان عاشوراء يوماً تصومُه الجاهلية" (٣). وقال عُمر: " نذرتُ
стр. 840
عَبْدِ اللهِ - وَاللفْظُ لهُ - قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى نَافِعٌ
ــ
فى الجاهلية أن أعتكف يوماً فى المسجِد الحرام " (١)، وفى إسلام أبى ذرٍ وأنه صلى قبل المبعث بثلاث سنين مع صواحبه، وأنه كان يتوجه عشاءً حيث يوجِّهه الله (٢).
ومن طالع أخبارهم ودرس أشعارهم علم ذلك منهم ضرورة، فجاء الشرع بالأمر بهذه العبادات، وهى عندهم معلومةٌ مفهوم المراد منها، من أنَّ الصوم: إمساك مخصوص على أفعالٍ مخصوصةٍ بالنهار دون الليل، والاعتكاف: لزوم للتعبد والتبرُّز بمكان مخصوص، والحج: قصد مخصوص لبيت الله الحرام يشتمل على وقوف بعرفة وطواف بالبيت ودعاء وذكر وتبرُّر، وأن الصدقة: بذل المال للمحتاج، ثم سميت زكاةً لما فيها من زكاة المال ونمائه، أو زكاة صاحبه وتطهيره، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (٣)، فإن لم تجد تسمية الزكاة الشرعية قبل معروفةً فالصدقة معروفةٌ، وقد قال الأعشى فى مدحه ﷺ :
له صدقاتٌ ما تَغِبُّ ونائِلُ
ومع هذا التقرير فلا مجال للخلاف مع الإنصاف، وقد طالعت بهذا الرأى أهل التحقيق من شيوخى فما رأيت منهم مُنْصِفاً ردَّه.
ثم اختلف الأصوليون والفقهاء من أصحابنا وغيرهم فى ورود هذه الأوامر بهذه الألفاظ الشرعية كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ (٤) و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾ (٥)، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت﴾ (٦)، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٧)، فقيل: هى مجملة تحتاج إلى بيان، وقيل: هى عامةٌ تحملُ على العموم إِلا ما خصَّ منها الدليل، وقيل: تحمل على أصل ما يتناوله اللفظ، واستقصاء هذا فى علم الأصول (٨).
стр. 841
مَوْلى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِيِنَةَ يَجْتَمِعُونَ. فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ، وَليْسَ يُنَادِى بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَمُوا يَوْمًا فِى ذَلِكَ. فَقَالَ
ــ
وقوله: " كانوا يتحينون الصلاة ": أى يقدرون حينها ليأتوا إليها فيه، لا أنهم كانوا يتحينون وقت جواز صلاتها، فإن ذلك يُعرف ضرورة معرفة أوقاتها، والحينُ: الوقتُ من الزمان، وتشاورهم فيما يتخذون لها علماً يجتمعون إليه يدلُ على ما قلناه، وفى ذلك: التشاور فى الأمور المهمة كانت مما يتعلق بالدين أو بالدنيا. ويستدل به من يجيز اجتهاد النبى ﷺ فى الشرعيات، لكن هذه بالمصالح أشبه؛ لأن المقصد فى ذلك اتفاقهم على شىء يكون علماً لاجتماعهم لئلا يستضرون بالبكور إلى تحصيله قبل وقته وتتعطل بذلك معايشهم أو يتأخرون فتفوتُهم الجماعة (١).
وذكر فى الخبر أن عمر أشار عليهم بالنداء وقال: " ألا تبعثون رجلاً ينادى بالصلاة "، فظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعى، ولكن إعلام بالصلاة كيف كان، كما
стр. 842
بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ: بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ. فَقَالَ: عُمَرُ أَوَ لَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِى بِالصَّلاةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا بِلالُ قُمْ. فَنَادِ بِالصَّلاةِ ".
ــ
جاء فى الحديث الآخر عنه ﷺ : " لقد هممتُ أن أئت رجالاً ينادون المسلمين لحين الصلاة " (١)، وفى الأحاديث الصحيحة غيره أنه من رؤيا عبد الله بن زيد وأن عمر ذكر أنه رأى مثل ذلك (٢)،
стр. 843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد ذكر أصحاب المسندات أن النبى ﷺ عُلِّم الأذان على صفته ليلة الإسراء (١)، وفى حديث آخر ذكره أبو داود فى مراسيله وغيره: أن عُمَر لما رأى الأذان فى المنام أتى يُخبرُ به النبى ﷺ ، وقد جاء الوحى بذلك فما راعَهُ إِلا بلالٌ يؤذن، فقال له النبى ﷺ : " سبقك بذلك الوحى " (٢)، وذكر فى غير الأم كراهة النبى ﷺ لما أشاروا به من الناقوس والبوق والنار وتعليل ذلك؛ لأنه فعل غيرهم ممن تقدَّمهم من أهل الملل.
وقوله: " قم يا بلال فناد بالصلاة ": حجةٌ لشرع الأذان والقيام له، وأنه لا يجوز أذان القاعد عند العلماءِ إِلا أبا ثورٍ فأجازه، وبه قال أبو الفرج من أصحابنا، وأجاز مالك وغيرُه لعلَّةٍ به إذا أذَّن لنفسه (٣)، إذ المقصود من الأذان الإعلام وهو معنى الإعلام ولا يتأتى من القاعد. ومضمن الإعلام فيه لثلاثةِ أشياء: لدخول الوقت، والدعاء للجماعة ومكان صلاتها، ولإظهار شعائر الإسلام، وأن الدارَ دار إسلام.
وقد يحتج داود والأوزاعى ومن قال قولهما أن الأذان للصلاة فرض بأمره ﷺ لبلالٍ بالأذان، إذا سلمنا حمل الأوامر على الوجوب، لكن هذا فى الأوامر المطلقة المجردة عن القرائن فهى المختلف فيها، وأمَّا هنا فالقرينة معلومةٌ، وهو تشاورٌ الناس ورغبتهم أن يجعلوا لصلاتِهِم عَلماً، وكونُ هذا عن رأى عمر أو رؤيا، وكل هذا قرائن تُبعِدُ الوجوبَ وتشهد أنه سُنَّة للصلاة، وهو مذهب مالك وجمهورُ الفقهاء (٤).
واختلف المذهب فى أذان الجمُعةِ أهو فرضٌ أم سُنَّةٌ؟ واختلِفَ فى الأذان على الجملة فظاهر قول مالك فى الموطأ أنه على الوجوب فى الجماعات والمساجد، وقال به بعض أصحابنا، وأنه فرض على الكفاية، وهو قول بعض أصحاب الشافعى، وقال الأوزاعى وداود فى آخرين: هو فرض ولم يُفَصِّلوا (٥)، وروى الطبرىُ عن مالك إن ترك أهلُ مصرٍ الأذانَ عامدين أعادوا الصلاة (٦)، وذهب بعضهم ومعظَمهُ أصحابنا إلى أنه سُنَّةٌ (٧).
стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأول هو الصحيح، لأن إقامة السنن الظاهرة واجبٌ على الجملة حتى لو تَرك ذلك أهلُ بلدٍ لجُوهدوا حتى يقيمُوها. وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا أن الأذان واجبٌ فى الجملة على أهلِ المِصرِ لأنه شعار الإسلام، قال بعضُ شيوخنا: أَمَّا لهذا الوجه ففرض على الكفاية، وهو أكثر مقصود الأذان، إذ كان ﷺ إذا غزا فإن سَمِعَ أذاناً أمسَكَ وإلا أغار، فإذا قام به على هذا واحدٌ فى المصرِ وظهر الشعار، سقط الوجوبُ وبقى المعنى الثانى بتعريف الأوقات، وهو المحكىُّ الخلافُ فيه عن الأئمة والذى اختلف لفظ مالك وبعض أصحابه فى إطلاق الوجوب عليه، فقيل: معناه: وجوبُ السُنن المؤكدة - كما جاء فى الجمعة والوتر وغيرهما. وقيل: هو على ظاهره من الوجوب على الكفاية، إذ معرفة الأوقات فرض وليس كل أحدٍ يقدر على مراعاتها، فقام به بعض الناس عن بعض، وتأوَّل هذا قول الآخرين سُنَّةٌ، أى ليس من شرط صحة الصلاة كقولهم فى ستر العورة وإزالة النجاسة (١).
واختصاصه ﷺ بلالاً وعدوله عن ابن زيد [الذى] (٢) رأى الرؤيا، وقد كان رغبَ فى أن يؤذنَ هو على ما جاء فى المصنفات للعلة التى ذكرها ﷺ فى قوله: " فإنه أندى منك صوتاً " قيل: أرفع، ويحتمل أن يكون معناه: أحسنُ، وفى بعض الروايات: " إنَّك فظيع الصوت " (٣)، ففيه أنَّه يختار للأذان أصحاب الأصوات النَّدِية المستحسنة، ويكره من ذلك ما فيها غلظٌ وفظاعةٌ، أو تكلفٌ وزيادةٌ، ولذلك قال عمرُ بن عبد العزيز: " أذِّن أذاناً سمحاً، وإلا فاعتزلنا " (٤)، وروى عن الأنصار أن عبد الله بن زيد كان يومئذٍ مريضاً، ولولا ذلك لجعله رسول الله ﷺ مؤذناً (٥)، وهذا منهم تأويل وإلا فقد أبان ﷺ العِلة، وقد جعل ابنَ زيدٍ يُقيم بقوله: " أقم أنت ... " فى الحديث الآخر، وجاء فى غير الأَمِّ.
стр. 845
(٢) باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة
٢ - (٣٧٨) حَدَّثَنَا خَلفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخَبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُليَّةَ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.
زَادَ يَحْيَى فِى حَدِيثِهِ، عَنْ ابْنِ عُليَّةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ. فَقَالَ: إِلا الإِقَامَةَ.
ــ
وقوله: " أُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان [ويوتر الإقامة] (١) ": أى يثنيه، على هذا جمهور أئمة الفتوى والناسُ اليوم فى أقطار الدنيا، وقد روى فيه عن السلف خِلافٌ شاذ فى إفراده وفى تثنيته، والخلاف بين الفقهاء فى الترجيع نذكرُه بعد إن شاء الله تعالى.
وقوله: " يُنوِّروا ناراً " وفى الرواية الأخرى: " يوروا ناراً ": هما قريبان، فيوروا بمعنى: يُوقدوا ويُشعلِوا، يقال: أوريتُ النارَ إذا أشعلتها. قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُون﴾ (٢) ويُنوِّروا بمعنى: يُظهِروا نورَها ويبيِّنوه ليُجتمع إليه.
وقوله: " ويوتر الإقامة ": أى يُفردها، قال الإمام: المشهور عن مالك: إفراد الإقامة؛ لأنه المعمول به بالمدينة (٣)، وعند الشافعى: أنها مثنى، يقول المؤذن: قد قامت الصلاة - مرتين - وهو عمل أهل مكة [عنده] (٤) و [قد] (٥) روى عن مالك رواية شاذة مثل قول الشافعى هذا.
قال القاضى: ووافق الشافعى مالكاً فى سائر الكلمات إِلا هذه، وقد ذكر مسلم من حديث أيوب فى هذا الحديث قول: " إِلا الإقامة " معناه: ويوتر الإقامة إِلا الإقامة، أى قوله: " قد قامت الصلاة " وهى حجة الشافعى والثورى، والكوفيون يشفعون الإقامة كلها ويجعلون التكبير الأول أربعاً كالأذان وهو قول بعض السلف (٦) والجمهور على