← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

مَوْلى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِيِنَةَ يَجْتَمِعُونَ. فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ، وَليْسَ يُنَادِى بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَمُوا يَوْمًا فِى ذَلِكَ. فَقَالَ ــ وقوله: " كانوا يتحينون الصلاة ": أى يقدرون حينها ليأتوا إليها فيه، لا أنهم كانوا يتحينون وقت جواز صلاتها، فإن ذلك يُعرف ضرورة معرفة أوقاتها، والحينُ: الوقتُ من الزمان، وتشاورهم فيما يتخذون لها علماً يجتمعون إليه يدلُ على ما قلناه، وفى ذلك: التشاور فى الأمور المهمة كانت مما يتعلق بالدين أو بالدنيا. ويستدل به من يجيز اجتهاد النبى ﷺ فى الشرعيات، لكن هذه بالمصالح أشبه؛ لأن المقصد فى ذلك اتفاقهم على شىء يكون علماً لاجتماعهم لئلا يستضرون بالبكور إلى تحصيله قبل وقته وتتعطل بذلك معايشهم أو يتأخرون فتفوتُهم الجماعة (١). وذكر فى الخبر أن عمر أشار عليهم بالنداء وقال: " ألا تبعثون رجلاً ينادى بالصلاة "، فظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعى، ولكن إعلام بالصلاة كيف كان، كما

стр. 842

بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ: بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ. فَقَالَ: عُمَرُ أَوَ لَا تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِى بِالصَّلاةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا بِلالُ قُمْ. فَنَادِ بِالصَّلاةِ ". ــ جاء فى الحديث الآخر عنه ﷺ : " لقد هممتُ أن أئت رجالاً ينادون المسلمين لحين الصلاة " (١)، وفى الأحاديث الصحيحة غيره أنه من رؤيا عبد الله بن زيد وأن عمر ذكر أنه رأى مثل ذلك (٢)،

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد ذكر أصحاب المسندات أن النبى ﷺ عُلِّم الأذان على صفته ليلة الإسراء (١)، وفى حديث آخر ذكره أبو داود فى مراسيله وغيره: أن عُمَر لما رأى الأذان فى المنام أتى يُخبرُ به النبى ﷺ ، وقد جاء الوحى بذلك فما راعَهُ إِلا بلالٌ يؤذن، فقال له النبى ﷺ : " سبقك بذلك الوحى " (٢)، وذكر فى غير الأم كراهة النبى ﷺ لما أشاروا به من الناقوس والبوق والنار وتعليل ذلك؛ لأنه فعل غيرهم ممن تقدَّمهم من أهل الملل. وقوله: " قم يا بلال فناد بالصلاة ": حجةٌ لشرع الأذان والقيام له، وأنه لا يجوز أذان القاعد عند العلماءِ إِلا أبا ثورٍ فأجازه، وبه قال أبو الفرج من أصحابنا، وأجاز مالك وغيرُه لعلَّةٍ به إذا أذَّن لنفسه (٣)، إذ المقصود من الأذان الإعلام وهو معنى الإعلام ولا يتأتى من القاعد. ومضمن الإعلام فيه لثلاثةِ أشياء: لدخول الوقت، والدعاء للجماعة ومكان صلاتها، ولإظهار شعائر الإسلام، وأن الدارَ دار إسلام. وقد يحتج داود والأوزاعى ومن قال قولهما أن الأذان للصلاة فرض بأمره ﷺ لبلالٍ بالأذان، إذا سلمنا حمل الأوامر على الوجوب، لكن هذا فى الأوامر المطلقة المجردة عن القرائن فهى المختلف فيها، وأمَّا هنا فالقرينة معلومةٌ، وهو تشاورٌ الناس ورغبتهم أن يجعلوا لصلاتِهِم عَلماً، وكونُ هذا عن رأى عمر أو رؤيا، وكل هذا قرائن تُبعِدُ الوجوبَ وتشهد أنه سُنَّة للصلاة، وهو مذهب مالك وجمهورُ الفقهاء (٤). واختلف المذهب فى أذان الجمُعةِ أهو فرضٌ أم سُنَّةٌ؟ واختلِفَ فى الأذان على الجملة فظاهر قول مالك فى الموطأ أنه على الوجوب فى الجماعات والمساجد، وقال به بعض أصحابنا، وأنه فرض على الكفاية، وهو قول بعض أصحاب الشافعى، وقال الأوزاعى وداود فى آخرين: هو فرض ولم يُفَصِّلوا (٥)، وروى الطبرىُ عن مالك إن ترك أهلُ مصرٍ الأذانَ عامدين أعادوا الصلاة (٦)، وذهب بعضهم ومعظَمهُ أصحابنا إلى أنه سُنَّةٌ (٧).

стр. 844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأول هو الصحيح، لأن إقامة السنن الظاهرة واجبٌ على الجملة حتى لو تَرك ذلك أهلُ بلدٍ لجُوهدوا حتى يقيمُوها. وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا أن الأذان واجبٌ فى الجملة على أهلِ المِصرِ لأنه شعار الإسلام، قال بعضُ شيوخنا: أَمَّا لهذا الوجه ففرض على الكفاية، وهو أكثر مقصود الأذان، إذ كان ﷺ إذا غزا فإن سَمِعَ أذاناً أمسَكَ وإلا أغار، فإذا قام به على هذا واحدٌ فى المصرِ وظهر الشعار، سقط الوجوبُ وبقى المعنى الثانى بتعريف الأوقات، وهو المحكىُّ الخلافُ فيه عن الأئمة والذى اختلف لفظ مالك وبعض أصحابه فى إطلاق الوجوب عليه، فقيل: معناه: وجوبُ السُنن المؤكدة - كما جاء فى الجمعة والوتر وغيرهما. وقيل: هو على ظاهره من الوجوب على الكفاية، إذ معرفة الأوقات فرض وليس كل أحدٍ يقدر على مراعاتها، فقام به بعض الناس عن بعض، وتأوَّل هذا قول الآخرين سُنَّةٌ، أى ليس من شرط صحة الصلاة كقولهم فى ستر العورة وإزالة النجاسة (١). واختصاصه ﷺ بلالاً وعدوله عن ابن زيد [الذى] (٢) رأى الرؤيا، وقد كان رغبَ فى أن يؤذنَ هو على ما جاء فى المصنفات للعلة التى ذكرها ﷺ فى قوله: " فإنه أندى منك صوتاً " قيل: أرفع، ويحتمل أن يكون معناه: أحسنُ، وفى بعض الروايات: " إنَّك فظيع الصوت " (٣)، ففيه أنَّه يختار للأذان أصحاب الأصوات النَّدِية المستحسنة، ويكره من ذلك ما فيها غلظٌ وفظاعةٌ، أو تكلفٌ وزيادةٌ، ولذلك قال عمرُ بن عبد العزيز: " أذِّن أذاناً سمحاً، وإلا فاعتزلنا " (٤)، وروى عن الأنصار أن عبد الله بن زيد كان يومئذٍ مريضاً، ولولا ذلك لجعله رسول الله ﷺ مؤذناً (٥)، وهذا منهم تأويل وإلا فقد أبان ﷺ العِلة، وقد جعل ابنَ زيدٍ يُقيم بقوله: " أقم أنت ... " فى الحديث الآخر، وجاء فى غير الأَمِّ.

стр. 845

(٢) باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة ٢ - (٣٧٨) حَدَّثَنَا خَلفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخَبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُليَّةَ، جَمِيعًا عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ. زَادَ يَحْيَى فِى حَدِيثِهِ، عَنْ ابْنِ عُليَّةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ. فَقَالَ: إِلا الإِقَامَةَ. ــ وقوله: " أُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان [ويوتر الإقامة] (١) ": أى يثنيه، على هذا جمهور أئمة الفتوى والناسُ اليوم فى أقطار الدنيا، وقد روى فيه عن السلف خِلافٌ شاذ فى إفراده وفى تثنيته، والخلاف بين الفقهاء فى الترجيع نذكرُه بعد إن شاء الله تعالى. وقوله: " يُنوِّروا ناراً " وفى الرواية الأخرى: " يوروا ناراً ": هما قريبان، فيوروا بمعنى: يُوقدوا ويُشعلِوا، يقال: أوريتُ النارَ إذا أشعلتها. قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُون﴾ (٢) ويُنوِّروا بمعنى: يُظهِروا نورَها ويبيِّنوه ليُجتمع إليه. وقوله: " ويوتر الإقامة ": أى يُفردها، قال الإمام: المشهور عن مالك: إفراد الإقامة؛ لأنه المعمول به بالمدينة (٣)، وعند الشافعى: أنها مثنى، يقول المؤذن: قد قامت الصلاة - مرتين - وهو عمل أهل مكة [عنده] (٤) و [قد] (٥) روى عن مالك رواية شاذة مثل قول الشافعى هذا. قال القاضى: ووافق الشافعى مالكاً فى سائر الكلمات إِلا هذه، وقد ذكر مسلم من حديث أيوب فى هذا الحديث قول: " إِلا الإقامة " معناه: ويوتر الإقامة إِلا الإقامة، أى قوله: " قد قامت الصلاة " وهى حجة الشافعى والثورى، والكوفيون يشفعون الإقامة كلها ويجعلون التكبير الأول أربعاً كالأذان وهو قول بعض السلف (٦) والجمهور على

стр. 846

٣ - (...) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوَا وَقْتَ الصَّلاةِ بِشَىءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةِ. ــ وَترها (١)، وورَد تشفيعُها فى حديث أبى محذورة من رواية همام عن عامِرٍ الأحول ومن رواية مُسَدَّد عن الحارث بن عبيد، والمعروف من حديث أبى محذورة، وسائر الأحاديث إفرادُ الإقامة كلها، وزيادة أيوب: " إِلا الإقامة " فقد قيل: هى من قوله لا من الحديث، وقد اخُتلفَ على أيوب فى ذلك أيضاً، فلم يذكر وهيبٌ عنه: " إِلا الإقامة "، وقد رويت - أيضاً - فى حديث عبد الله بن زيد، وإن صَحَّت من حديثه فزيادة الواحد - وإن كان ثقة حافظاً - إذا خالف جماعة الحفاظ مردودةً، لا سيما وعمل أهل المدينة ومكة بالنقل المتواتر - الذى لا يدخله شك - خلفٌ عن سلف، لا يكاد يخفى عن أحدٍ منهم خمس مراتٍ كل يوم بمحضر جماهيرهم، وأنها سُنَةٌ بينهم، ولو غُيِّر ذلك عن حاله لنُقِل تغييره كما نُقل تأخير الخطبة والأذان الثانى وغير ذلك. وحكم الإقامة عند مالكٍ والشافعى وكافة الفقهاء أنها سُنَّةٌ مؤكدةٌ، وأنه لا إعادة على

стр. 847

٤ - (...) وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. لمَّا كثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا. بِمِثْلِ حَدِيثِ الثَّقَفِىِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَنْ يُورُوا نَارًا. ٥ - (...) وَحَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنِ عُمَرَ القَوَارِيرِىُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيد وَعَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ. قَالا: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ. ــ تركها (١)، وعند الأوزاعى وعطاء ومجاهد وابن أبى ليلى أنها واجبةٌ وعلى من تركها الإعادة، وبه قال أهل الظاهر، وروى - أيضاً - عندنا إعادةُ الصلاةِ لمن تركها عمداً، فحمله بعض المتأخرين على القول بوجوبها وليس بشىء، إذ لو كانت واجبةً لاستوى فيها العمدُ والنسيان، وكافة شيوخنا قالوا: إنما ذلك لأَنَّ الاستخفاف بالسُنن وتركها عمداً يؤثر فى الصلاة، وفى هذا - أيضاً - نظرٌ لأنها سُنةٌ خارجةٌ عن الصلاة منفصلة غير متصلة.

стр. 848

(٣) باب صفة الأذان ٦ - (٣٧٩) حَدَّثَنِى أَبُو غَسَّانَ المِسْمَعِىُّ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الوَاحِدِ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَقَالَ إِسْحاَقُ: أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ بْنُ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِىِّ، وَحَدَّثَنِى أَبِى عَنْ عَامِرٍ الأَحْوَلِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِى مَحْذُورَةَ؛ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ عَلمَهُ هَذَا الأَذَانَ " اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ. أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا ــ وذكر مسلم فى تعليم النبى ﷺ الأذان لأبى محذورة التكبير أولاً مرتين، كذا فى أكثر الأصول وروايات جماعة شيوخنا، ووقع فى بعض طرق الفارسى " [الأذان] (١) أربع مراتٍ "، وكذلك اختلف فى أذان عبد الله بن زيد فروى فيه " التكبير أربع مرات "، وروى ثنتان، وبالتربيع قال الشافعى: وحجته رواية التربيع وعَملِ أهل مكة، وبالتثنية قال مالك: وحجته رواية التثنية، ونقل أهل المدينة المتواترُ خلفٌ عن سلفٍ عن أذان بلالٍ للنبى ﷺ وهو آخر أذانه، والذى توفى عليه ﷺ ، والحجةُ بهذا النقل قطعٌ ضرورىٌ، وقد رجع إليه المخالف عند مشاهدته له وسلمه (٢). وذكر مسلمٌ الترجيعَ والعودَ إلى الشهادتين مرتين آخرتين (٣)، وبهذا قال مالك والشافعى (٤)، وجمهور العلماء على مقتضى حديث أبى محذورة واستمرار عمل أهل المدينة، وتواتر نقلهم عن أذان بلال، وذهب الكوفيون إلى ترك الترجيع على ما جاء فى حديث عبد الله: أن زيد أول أمر الأذان (٥)، وما استقر عليه العملُ وكان آخر الفعلين من

стр. 849

إِلهَ إِلا اللهُ. أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ". ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ: " أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا الله. أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ ــ رسول الله ﷺ أولى. وذهب أهل الحديث أحمدُ وإسحاقُ [ابن راهويه] (١) والطبرى وداود إلى التخيير فى الفعلين، على أصلهم فى الأحاديث إذا صحت واختَلفَت ولم يُعرَف المتأخِّرُ من المتقدم، أنها للتوسعة والتغيير، وقد ذكر نحوٌ من هذا عن مالك (٢). ولم يذكر مسلم فى رواية رفع الصوت ولا خَفضِه، وقد اختلفت الرواية فيه عن أبى محذورة فى غير كتاب مسلم فى مصنف أبى داود وغيره من رواية ابنه عبد الملك: " أمره برفع الصوت فى التكبير وخفضه فى التَشَهدَيْنِ (٣)، ثم يرفَعُه فى الترجيع بالشهادتين "، ومن رواية مُحيَرْيز لم يذكر خفض الصوت ولا رفْعَه ولكن قال فى الترجيع: " ثم ارجع فَمُدَّ من صوتك " (٤)، فظاهره أن الحال فى التكبير والتشهدين أولاً سواء، وقد اختلف النقلُ عن مالكٍ بالوجهين، والمشهور عنه رفع الصوت بالتكبير، وأن الخفض والقَصْد منه إنما هو فى التشهدين، وبه عَمِل الناسُ، وقذ اختُلِفَ عليه فى تأويل قوله فى المدوَّنة بالوجْهين، ولكن لا ينتهى الخفض لحدٍ يُخرِجُ عنَ الإعلام، وإنما يكون أخفض من غيرهِ (٥). ولم يذكر مسلم: " الصلاة خير من النوم ". وذكره أبو داود وغيرُه أن النبى ﷺ قال له حين عَلَّمَه الأذانَ: " فإذا كُنتَ فى صلاة الصبح فقل: الصلاة خير من النوم، مرتين " (٦)، وهو مشروع فى الصلاة، وبه قال جمهور العلماء إِلا أبا حنيفة.

стр. 850

مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. حَىَّ عَلى الصَّلاةِ (مَرَّتَيْنِ)، حَىَّ عَلى الفَلاحِ (مَرَّتَيْنِ) " زَادَ إِسْحَاقُ: " اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. لا إِلهَ إِلا اللهُ ". ــ واختلف فى ذلك قول الشافعى، وحجتُهم: أنه لم يَرِد فى الأحاديث الأخر، والنقل المتواتر أصبح حجةً مع صِحَّةِ الرواية به، ومالك يرى تثنيته كسائر كلمات الأذان، وابن وهب يُفرده، وهو معنى قوله فى الحديث الآخر: " فإذا ثُوبَ بالصلاة أدبر " (١) عند كثير من الشارحين.

стр. 851

(٤) باب استحباب اتخاذ مؤذنَين للمسجد الواحد ٧ - (٣٨٠) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: كَانَ لرَسُولِ اللهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ: بِلالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى. (...) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ. حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا القَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ، مِثْلَهُ. ــ وقوله: " كان لرسول الله ﷺ مؤذنان بلال وابن أم مكتوم [الأعمى] (١) " يعنى فى وقتٍ واحدٍ، وإلا فقد كان له ﷺ غيرُهما، أذَّن له أبو محذورة بمكة، ورتَّبه لأذانها، وسعدٌ القَرَظِ (٢) أذن للنبى ﷺ بقباء ثلاث مرات وقال له: " إذا لم تر بلالاً فأذِّن " [ولكن هذان ملازمان له معاً بالمدينة] (٣). وفيه جواز اتخاذ مؤذنين فأكثر لصلاةٍ واحدةٍ، يؤذنان مجتمِعَين أو مفترقين، إِلا فى ضيق الوقت فلا بأس بأذانهم مجْتَمِعَين. وفيه جواز أذان الأعمى إذا كان معه ثقةً ممن يُعلِمَهُ بالأوقات (٤).

стр. 852

(٥) باب جواز أذان الأعمى إذا كان معه بصير (١) ٨ - (٣٨١) حَدَّثَنِى أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ الهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ مَخْلدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالتْ: كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ أَعْمَى. (...) وَحَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلمَةَ المُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثلهُ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 853

(٦) باب الإمساك عن الإغارة على قوم فى دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان ٩ - (٣٨٢) وَحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِى ابْنَ سَعِيدٍ - عَنْ حَمَّادِ ابْنِ سَلمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلعَ الفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِلا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجلاً يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " عَلى الفِطْرَةِ " ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ "، فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِى مِعْزًى (١). ــ وقوله ﷺ للذى سمعه يقول: الله أكبر الله أكبر: " على الفطرة ": أى على الإسلام، إذْ كان الأذانُ شعارَهم، ولهذا كان ﷺ إذا سَمِعَ أذاناً أمسك وإلا أغارَ؛ لأنه كان فَرْق ما بين بلد الكفر وبلد الإسلام. وقوله: حين سَمِعه قال: لا إله إِلا الله: " خرجت من النار ": يُريدُ بتوحيده وصحة إيمانِه، فإن ذلك منجٍّ من النار. وقوله: " فَإذا هو راعى معزى ": حجةً فى جواز أذان المنفرد البادى، وهو مستحبٌ فى حقه مُرَغبٌ له فى ذلك.

стр. 854

(٧) باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلى على النَّبِىِّ ﷺ ثم يسأل الله له الوسيلة ١٠ - (٣٨٣) حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ الليْثِىِّ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدَرِىِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ ". ــ وقوله: [قال أبو سعيد الخدرى قال رسول الله ﷺ ] (١): " إذا سمعتُم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن "، قال الإمام: اختلف [الناس] (٢) فى المصلى، هل يحكى المؤذنَ إذا سمِعه وهو فى الصلاة؟ فقيل: يحكيه فى الفريضة والنافلةِ، وقيل: لا يحكيه فيهما، وقيل، يحكيه فى النافلة خاصة، فمن رأى أن الشغل بالصلاة أولى لم يحكهِ، ومن قال: يحكيه فيهما قدَّم الأخذ بعموم الحديث، ومن قال: يحكيه فى النافلة فلأن الأمر فيها أخف من الفريضة. قال القاضى: الثلاث مقالات فى مذهبنا (٣)، ويمنع ذلك بالجملة أصحابُ أبى حنيفة (٤)، وأجازه الشافعى فى النافلة، واختلف إذا حكاه فى الصلاة فى جميعه وقال: حى على الصلاة، هل تفسُدُ صلاتُه أم لا؟ والقولان فيهما فى مذهبنا، وبفسادها قال الشافعى فى النافلة والفريضة (٥)، وحكى الطحاوى أنه اختلف فى حكمه، فقيل: واجبٌ، وقيل: مندوبٌ - وهو الصحيح والذى عليه الجمهور - واختلف هل يلزم هذا عند سماع كل مؤذن؟ أم لأوَّل مؤذن فقط؟ واختُلِفَ فى الحدِ الذى يحكى فيه المؤذن هل إلى التشهدين الأولين؟ أم الآخرين؟ أم لآخر الأذان؟ ونقل القولان عن مالك (٦)، ولكنه

стр. 855

١١ - (٣٨٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلمَةَ المُرَادِىُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِى أَيُّوبَ وَغَيْرِهِمَا، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولوا مِثْلَ ــ فى القول الآخر إذا حيعل المؤذن فيقول السامع: لا حول ولا قوة إِلا بالله، وكذا جاء فى الحديث فى الأم بعد هذا فى فضل الحاكى للمؤذن، ووجه الأول أنه يحكيه فيما فيه ذكرٌ وشهادة لله وثناءٌ عليه، وما بعد ذلك دُعاءٌ وإعلامٌ، وتكرار لما قد حكى وقال مثل قوله فيه، وقال الشافعى بحكايته فى الجميع، وقال بعض أصحابنا: بل إلى ترجيع التشهدين، وقيل: بل لا يلزمه إِلا فى التشهدين، أولاً فقط. [وفى حديث عمر رضى الله عنه إذا قال المؤذن: حى على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إِلا بالله، ثم قال: حى على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إِلا بالله] (١). قال الإمامُ: الحيعلةُ ها هنا: الدعاء إلى الصلاة، والأجرُ فى الدعاء يحصُل لمن يسمع [بها] (٢)، فيصح أن يكون ﷺ أمر من يحكى المؤذنَ أن يجعل الحوقلةَ موضع الحيعلة ليكون له من الأجر نحو ما فاته من أجر الإسماع؛ لأن الذكر الذى أمره أن يحكيَه فى الأذان يحصُل لمعُلِنهِ الأجرُ ولمخفيه الأجر، قال المطرزُ فى كتاب اليواقيت (٣) وفى غيره: أن الأفعال التى أُخِذَت من أسمائها سبعةً، وهى: بَسمَل الرجلُ، إذا قال: بسم الله، وسبحل، إذا قال: سبحان الله، وحوقل، إذا قال: لا حول ولا قوة إِلا بالله، وحيعل إذا قال: حى على الفلاح، [ويجىء على القياس: الحيصلة، إذا قال: حى على الصلاة - ولم يذكره] (٤) - وحمْدَل، إذا قال: الحمدُ لله، وهلل، إذا قال: لا إله إِلا الله، وجعفل،

стр. 856

مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلوا عَلىَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلى عَلىَّ صَلاةً صَلى اللهُ عَليْهِ بهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلوا اللهَ لِى الوَسِيلةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلةٌ فِى الجَنَّةِ لا تَنْبَغِى إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ. وَأَرجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِى الوَسِيلةَ حَلتْ لهُ الشَّفَاعَةُ ". ــ إذا قال: جُعلتُ فدَاك، زاد الثعالبى: الطبْقَلة، [إذا قال] (١): أطال الله بقاءك، والدَمْعَزَةَ، [إِذَا قالَ] (٢): أدام الله عزك، قال غيره: قال ابن الأنبارى: ومعنى (حىَّ) فى كلام العرب: هَلمَّ وأقبل، والمعنى: هلمُّوا إلى الصلاةِ وأقبلوا، وفتحت الياء من حىَّ لسكونها وسكون الياء التى قبلها، كما قالوا: ليْت، ومنه قول عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه -: " إذا ذكر الصالحون فحىَّ هلاً بِعُمَر " معناه: أقبلوا على ذكر عمر - رضى الله عنه - قال: ومعنى حىَّ على الفلاح هَلمُّوا إلى الفوز، يقال: أفلح الرجلُ إذا فاز وأصاب خيراً، ومن ذلك الحديث الذى يروى " استفْلِحْنى برأيكَ "، معناه: فوَّزنى، قال لبيد: اعْقلى إن كنتِ لما تعقلى ... ولقد أفلحَ من كان عقَلْ معناه: ولقد فاز، وقيل: معنى " حىَّ على الفلاح ": هَلمُّوا إلى البقاء، أى أقبلوا على سبب البقاء فى الجنة، والفلحُ والفلاح عند العرب البقاء، قال الشاعر: لكل همٍّ من الهموم سَعَهْ ... والمُسْىُ والصبح لا فلاح معه أى: لا بقاء ولا خلود. [و] (٣) قال لبيدٌ: لو كان حىٌّ مُدرِكَ الفلاحِ ... أدركه ملاعِبُ الرِماحِ وقوله : ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) قيل: معناه: الفائزون، وقيل: الباقون فى الجنة، والفلحُ والفلاحُ - أيضاً - عند العرب: السَّحورُ. قال القاضى: قوله: الحيْصَلةُ على قياس الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تنطلق على " حى على الفلاح "، وعلى " حى على الصلاة "، وكلها حيعلة، ولو كان على قياسه فى الحيصَلة لكان الذى يقال فى " حى على الفلاح ": الحيفلة - بالفاء - وهذا لم يُقَل، وإنما الحيعَلةُ من قوله: حىَّ على كذا، فكيف وهو بابٌ مسموع لا يقاس عليه، وانظر قوله: جعفل، فى: جُعِلتُ فداك، لو كان على قياس الحيعلة، لقال: جعلف، إذ اللام مقدَّمة على الفاء، وَكذلك الطبقلة تكون اللام على القياس قبل الفاء والقاف. وقوله: " سلوا لى الوسيلة "، قال القاضى: فسَّرها فى الحديث أنها منزلةٌ فى الجنة، قال أهل اللغة: الوسيلة: المنزلة عند الملك، وهى مشتقة - والله أعلم - من القرب، توسَّل الرجلُ للرجل بكذا إذا تقَرَّب إليه، وتوسَّل إلى ربه بطاعته تقَرَّب إليه بها.

стр. 857

١٢ - (٣٨٥) حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسَافٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: حَىَّ عَلى الصَّلاةِ. قَالَ: ــ وفيه مع ما فى غيره من الأحاديث الترغيب فى الدعاء والذكر عند أذان المؤذن، وهى أحد مظان الإجابة، وفتح أبواب السماء، كما جاء فى الحديث. وقوله: " فمن سأل لى الوسيلة حلت له الشفاعة ": قيل: معنى " حلت ": غشيته وحلت عليه، قال المهلبُ: والصوابُ أن يكون " حلت " بمعنى: وجبت، كما قال أهل اللغة: حَلَّ يحِلُّ وجب، وحل يحُلُّ نزل، ويحتمل أن هذا مخصوصٌ لمن فعَل ما حضَّه ﷺ عليه وأتى بذلك على وجهه وفى وقته وبإخلاصٍ وصدق نيَّةٍ، وكان بعض من رأينا من المحققين يقول هذا ومثله فى قوله: " من صلى علىَّ صلاةً صلى الله عليه عشراً " هو والله أعلم لمن صلى عليه مُحتسباً مخلصاً قاضياً حقه بذلك، إجلالاً لمكانه وحُباً فيه، لا لمن قصد بقوله ودعائه ذلك مجرد الثواب، أو رجاء الإجابة لدعائه بصلاته عليه والحظ لنفسه، وهذا فيه عندى نظر. وقوله: " إذا قال المؤذن: الله أكبر، فقال أحَدُكم: الله أكبر ... " الحديث إلى قوله: " فإذا قال: لا إله إِلا اللهُ من قلبه دخل الجنة " لأن فى حكايته لما قال المؤذن من التوحيد والإعظام، والثناء على الله، والاستسلام لطاعته، وتفويض الأمور إليه بقوله عند الحيعلتين: لا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم، وإذ هى دعاء وترغيب لمن سمعها، فإجابتها لا تكون بلفظها بل بما يُطابقها من التسليم والانقياد، بخلاف إجابة غيرها من الثناء والتشهيدين بحكايتهما، وإذا حصل هذا للعبد فقد حاز حقيقة الإيمان وجماع الإسلام واستوجب الجنة، وكذلك مضمَّن الحديث الآخر فى القول عند أذان المؤذن: " رضيت بالله رباً ... " الحديث، ومثل هذا من التصريح بحقيقة الإيمان والاعتراف بقواعده. واعلم أن الأذان كلماتٌ جامعةٌ لعقيدة الإيمان ومشتَمِلةٌ على نوعيه من العقليات والسمعيات، فابتدأ بإثبات الذات بقوله: " الله " وما تستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها المضمَّنة تحت قولك: " الله أكبر "، فإن هذه اللفظة على قلة كلمها واختصار صيغتها مشعرةً بما قلناه لمتأمِّله، ثم صَرَّح بإثبات الوحدانية والإلهية ونفى ضِدَّها من الشركة

стр. 858

لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. ثُمَّ قَالَ: حَىَّ عَلى الفَلاحِ. قَالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ. ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهِ. قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهِ، مِنْ قَلبِهِ - دَخَلَ الجَنَّةَ ". ١٣ - (٣٨٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رمحٍ، أَخْبَرَنَا الليْثُ، عَنِ الحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ القُرَشِىِّ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ليْثٌ، عَنِ الحُكَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَامِرِ ابْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوَلهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، غُفِرَ لهُ ذْنبُهُ ". قَالَ ابْنُ رُمْحٍ فِى رِوَايَتِهِ: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: وَأَنَا أَشْهَدُ "، وَلمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَة قَوْلهُ: وَأَنَا. ــ المستحيلة فى حقه، وهذه عُمدةُ الإيمان والتوحيد المقدَّمة على سائر وظائفه، ثم ابتدأ بإثبات النبوة لنبينا ﷺ ورسالته لهداية الخلق ودعائهم إلى الله، إذ هى تاليةُ الشهادتين، وموضعها من الترتيب بعد ما تقدم لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات، وهنا كَمل تراجم العقائد - العقليات فيما يجبُ ويستحيل ويجوز فى حقه تعالى، ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات فصَرَّح بالصلاة ثم رتبها بعد إثبات النبوة، إذ معرفة وجوبها من جهته ﷺ لا من جهة العقل، ثم الحث والدعاء إلى الفلاح - وهو البقاء فى النعيم. وفيه الإشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء - وهى آخر تراجم العقائد الإسلامية (١)، ثم تكرر ذلك عند إقامة الصلاة للإعلام بالشرع فيها للحاضر (٢) ومن قرُب، وفى طى ذلك تأكيد الإيمان وتكرارُ ذكره عند الشروع فى العبادة بالقلب واللسان، وليدخُل المصلى فيها على بَيِّنَةٍ (٣) من أمرِه وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه وعظيم حق من عَبدَه، وجزيل ثوابِه على عبادته.

стр. 859

(٨) باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه ١٤ - (٣٨٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمِّهِ؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفيَانَ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: " المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يوْمَ القِيَامَةِ ". ــ وقوله: " المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة "، قال الإمام: اختلف فى تأويل هذا، فقيَل: معناه: أكثر الناس تشوفاً إلى رحمة الله؛ لأن المتشوف يطيل عُنقَه لما يتشوف إليه، فكنى عن كثرة ما يرونه من ثوابهم بطول أعناقهم، وقال النضر بن شميل: إذا ألجمَ الناس العرقُ يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا يغشاهم ذلك الكرب، قال يونس بن عبيد: معناه: الدنو من الله، وهذا قريب من الأول الذى ذكرناه، وقيل: معناه: أنهم رؤساء، العرب تصف السادة بطول الأعناق، قال الشاعر: طوال أنضية الأعناق واللَّمَم وقيل: معناه: أكثر [الناس] (١) أتباعًا، وقال ابن الأعرابى: معناه: أكثر الناس أعمالاً، وفى الحديث: " يخرج عُنقٌ من النار ": [أى طائفةً] (٢)، يقال: لفلانٍ عُنق من [الخير] (٣)، أى قطعةً. ورواه بعضهم: " إعناقًا ": أى إسراعًا إلى الجنة من سير العَنَق، قال الشاعر: ومن سيرها العنَقُ المُسْبَطِر ... والعجَز فيه بَعد الكلال ضربٌ من السير، ومنه الحديث: " كان يسيرُ العنَقَ فإذا وجد فجوَةً نَصَّ " (٤)، ومنه الحديث [الآخر] (٥): " لا يَزالُ الرجلُ مُعنِقًا ما لم يُصبْ دمًا " (٦): يعنى منبسطًا فى سيره يوم القيامة. قال الإمام: قد احتج بهذا الحديث من رأى [أن] (٧) فضيلة الأذان أكبر (٨) من

стр. 860

(...) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبِرَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَن طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ١٥ - (٣٨٨) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّداءَ بِالصَّلَاةِ، ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوحَاءِ ". قَالَ سُلَيْمَانُ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّوحَاءِ؟ فَقَالَ: هِىَ مِنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلاثُونَ مِيلاً. (...) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ١٦ - (٣٨٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظ لِقُتيْبَةَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّداءَ بِالصَّلَاةِ أَحَالَ لَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ، فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ ذَهَبَ ــ فضيلة الإمامة، وفى ذلك اختلاف بين العلماء (١)، أيهما أفضل المؤذن أم الإمام؟ واحتج من قال: إن الإمامة أفضل: بأنه كان ﷺ يؤم ولم يكن يؤذن، وما كان ﷺ ليقتصر على الأدنى ويترك الأعلى، واعتذر عن ذلك أنه ﷺ ترك الأذان لما يشتمل عليه من الشهادة له بالرسالة والتعظيم لشأنه فترك ذلك إلى غيره، وقيل: إنما ترك ذلك لأن فيه الحيعلة، وهى الأمر بالإتيان إلى الصلاة، فلو أَمَرَ فى كل صلاة بإتيانها لما استخفَّ أحدٌ ممن سمعه التأخر وإن دعته الضرورة إليه، وذلك مما يشق، وقيل أيضًا: لأنه كان ﷺ فى شُغلٍ عنه [بأمور المسلمين وعن مراعاة أوقاتِه] (٢)، وقد قال عمر - رضى الله عنه -: " لو أطقتُ الأذان مع الخُلَّيفى لأذنت " (٣) والخليفى: الخلافة. قال القاضى: ذهب أبو جعفر الداودى إلى معنى قول عمر فى هذا، أنه فى أذان الجمعة لأن الأذان إنما يكون بين يدى الإمام فيها، والإمامة للخليفة فلا يتفق له الأذان لذلك، وهذا معنى كلامه. وقوله فى الشيطان: "إذا سمع النداء أحالَ وله ضراط " مثل قوله فى الحديث الآخر: " أدبر" يقال: أَحَالَ إلى الشىء إذا أقبَلَ إليه هاربًا، قال يعقوبُ: وأحال عليه:

стр. 861

حَتَّى لا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ ". ١٧ - (...) حدّثنى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ اللهِ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدَبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ حُصَاصٌ ". ــ أقبل عليه. وقوله: "وله حُصاصٌ " بمعنى قوله فى الحديث الآخر: " وله ضُراطٌ " وقد قيل: الحُصاص شدةُ العَدْوِ، قالهما أبو عبيد (١)، وقال عاصم بن أبى النجود: إذا صَرَّ بأذنيه ومصَعَ بذَنَبِه وعدا فذلك الحُصاص (٢). وهذا يصح حمله على ظاهِرهِ، إذ هو جسم مُتغذ يصح منه خروج الريح، وقيل. يحتمل أنها عبارة واستعارةٌ عن شدة الخوف والنفار كما يعترى الحمارَ. وهروب الشيطان عن النداء لعظيم أمره عِندَه، وذلك - والله أعلم - لما اشتمل عليه من الدعاء بالتوحيد، وإظهار شعار الإسلام، وإعلان أمره كما فَعَل يوم عرفة، لما رأى من اجتماع عباد الله على إظهار الإيمان، وما ينزل عليهم من الرحمة (٣)، وقيل: إنما يَبْعُد لئلا يسمع تشهد ابن آدم فيشهد له بذلك - كما جاء فى الحديث: " لا يسمع مدى صوته جنٌ ولا أنسٌ ولا شىء إِلا شهد له يوم القيامة " (٤) وقيل: هذا عمومٌ المراد به الخصوص، وأن ذلك فى المؤمنين من الجن والإنس، وأما الكافِر فلا شهادة له، وهذا لا يُسلَّمُ لقائله لما جاء فى الآثار من خلافِه، وقيل [أيضًا: إن] (٥) هذا ممن يصحّ منه الشهادة ممن يسمع، وقيل: هى عامةٌ فيمن يسمع وفيمن لا يسمع من جماد، وأن الله تعالى يخلق لها حينئذ ولمن لا يسمع [ممن لا يعقل] (٦) من الحيوانات إدراكًا لأذانه وعقلاً ومعرفةً لما يشهدُ به، فهو على كل شىء قدير. وإلى معنى هذا ذهب ابنُ عمر لقوله للمؤذن: " يشهد لك كل رطبٍ ويابسٍ " (٧).

стр. 862

١٨ - (...) حدّثنى أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِى أَبِى إِلَى بَنِى حَارِثَةَ، قَالَ: وَمَعِى غُلَامٌ لَنَا - أَوْ صَاحِبٌ لَنَا - فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ: قَالَ: وَأَشْرَفَ الَّذِى مَعِى عَلى الحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا. فَذَكَرْتُ ذَلِك لأَبِى فَقَالَ: لَوَ شَعَرْتُ أَنَّكَ تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسَلْكَ، ولَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنِّى سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحدِّثُ عَنْ رسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِىَ بِالصَّلَاةِ وَلَّىَ وَلَهُ حُصَاصٌ ". ١٩ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيَرةُ - يَعْنِى الْحِزامِىَّ - عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأذِينَ، فَإِذَا قُضِىَ التَّأذِينُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِىَ التَّثْويبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ لَهُ: اذَكُرْ كَذَا وَاذكُرْ كَذَا. لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِى كَمْ صَلَّى ". ــ وقيل: بل لما فى ذلك من الدعاءِ للصلاة التى فيها السجود الذى بسبب تركه وعصيانه عنه لُعن الشيطان. قال بعضُهم: وهذا يردُّه ما ذكر فى الحديث أنه: " إذا قُضِى التثويبُ أقبل ... " وذكر وسوستَهُ للمُصلى. وقد لا يلزم هذا الاعتراض، إذ لعل نفارَه إنما كان من سماع الأمر والدعاء بذلك لا برؤيته ليغالط نفسه أنه لم يسمع دعاءً ولا خالف أمرًا. وقيل: بل ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان، وانقطاع طمعه أن يصرف عنه الناس، حتى إذا سكت رجع لحاله التى أقدره الله عليها، من تشغيب خاطره ووسوسة قلبه. وقوله: " حتى إذا ثُوب بالصلاة ": قال الطبرى: ثوب أى صُرخ بالإقامة مرة بعد مرة ورُجِّع، وكل مُردِّدٍ صوْتًا بشىء فهو مثوِّبٌ، ولهذا قيل للمُرجِّع صوته بالأذان بقوله: " الصلاة خيرٌ من النوم ": مُثوِّبٌ، وأصله من ثاب إلى الشىء إذا رجَعَ، قال غيره: وإنما قيل لقوله: " الصلاة خير من النوم " تثويبًا؛ لأنهُ راجعٌ إلى معنى ما تقدَّم من قوله: " حى على الصلاة حى على الفلاح "، وقيل: لتكراره له مرتين. قال الخطابى: التثويب: الإعلام بالشىء ووقوعه، وأصله: أن الرجل إذا جاء فزعًا لوَّح بثوبِه (١)، وقال ابن نافع: معناه: إذا نودى لها، وقال الهروى: التثويب - أيضاً - الإقامة، وقال عيسى بن دينار: معناه: أقيمت الصلاة (٢)، وهذا أصح التفسير بدليل قوله فى الأم فى هذا الحديث من رواية ابن أبى شيبة: " فإذا سمع الإقامة ذهب " (٣)، ولما جاء فى الحديث الآخر: " إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون " ويروى: " أقيمت الصلاة ".

стр. 863

٢٠ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِى كَيْفَ صَلَّى ". ــ وقوله: " حتى يخطر بين المرء ونفسه ": قال الباجى: معناه: يمُرُ فيحولُ بين المرء وما يريد من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصِه (١) وعلى هذا رواه أكثرهم بضم الطاء، وضبطناه عن أبى بحر بكسرِها، من قولهم: خطر البعير بذَنَبه إذا حركه، وكأنه يريدُ حركته بوسوسة النفس وشغل السر. وقوله: " حتى يظل الرجلُ إنْ يدرى كم صلى ": يعنى يصير، قال الله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (٢)، كذا رويناه عن شيوخنا بالظاء، وقيل: " يظل " بمعنى: يبقى ويدوم، وأنشدوا عليه: ظَلِلْتُ ردائى فوق رأسى قاعدا (٣) وحكى الداودى أنه روى " يَضلُ " بمعنى: ينسى ويذهب وهمُه، قال الله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ (٤). وقوله: " إن يدرى كم صلى ": رويناه بكسر الهمزة عن أكثرهم، ومعناه: ما يدرى، ويُروى: " أن يدرى " بفتحها، وهى رواية أبى عمر بن عبد البر، وقال: هى رواية أكثرهم (٥)، وقال: ومعناها: لا يدرى، وكذا ضبطها الأصيلى فى كتاب البخارى، ولا يصح تأويل النفى وتقدير لا مع الفتح، وإنما يكون بمعنى ما والنفى مع الكسر. وقد رُوى هذا الحديث فى كتاب مسلم فى رواية قتيبة بالتفسيرين معاً: " لا يدرى، وما يدرى "، وفتحها لا يصح إِلا على رواية من روى: " يَضِل " بالضاد، فيكون " إنْ " مع الفعل بعدها بتأويل المصدر ومفعول ضلَّ، أى يجهل درايته وينسى عدد ركعاته.

стр. 864

(٩) باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع، وفى الرفع من الركوع وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود ٢١ - (٣٩٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ وَسَعِيْدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ - واللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِىَ مَنْكِبَيْهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَرْفَعُهُمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. ــ وقوله: " كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذى منكبيه وقبل أن يركع، وإذا رفع من الركوع ولا يرفعهما بين السجدتين "، قال الإمام: اختلف قول مالكٍ فى الرفع عند الركوع والرفع منه، وإنما قال بإسقاطه مع صحة الرواية [له] (١) لما وقع فى [ظواهر أخر] (٢) يدل على إسقاطِه، ولأن رواية سالم عن أبيه عن النبى ﷺ ورواية نافعٍ موقوفة على ابن عُمَرَ (٣). قال القاضى: أما رواية سالم عن أبيه عن النبى ﷺ فلا مطعن فى اتصالها ورفعها عن النبى ﷺ ولا علة فيها عند أهل صنعة الحديث، قال أبو عمر: حديث ابن شهابٍ، عن سالم، عن أبيه، عن النبى ﷺ فى هذا، حديث لا مطعن فيه لأَحَدٍ من أهل العلم

стр. 865

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالحديث (١). وقد اختلف العلماء فى الرفع فى الصلاة، والمعروف من عمل الصحابة ومذهب جماعة العلماء بأسرهم - إِلا الكوفيين - الرفع [فى الصلاة] (٢) عند الافتتاح وعند الركوع والرفع منه، وهى إحدى الروايات المشهورات عن مالكٍ، وعمل بها كثير من أصحابه ورووها عنه، وأنه آخر أقواله (٣)، وروى عنه لا رفع إِلا فى الافتتاح - وهى أشهر الروايات عنه (٤) - وهو مذهب الكوفيين على حديث ابن مسعود والبراء: " أنه ﷺ كان يرفع يديه عند الإحرام مرةً لا يزيد عليها "، وفى رواية أخرى: " ثم لا يعود " (٥)، وروى عنه فى المختصر الرفع فى موضعين عند الافتتاح وعند الرفع من الركوع على ما ذكر فى حديث ابن عمر فى موطئه من رواية جماعة من رواة الموطأ لم يذكروا فيه الرفع عند الركوع، وجماعة من الرواة ذكروه، وروى عنه: " لا رفع فى أول الصلاة ولا فى شىء منها "، ذكره ابن شعبان وابن خويزمنداد وابن القصار، وهى أضعف الروايات عنه (٦)، وتأولها بعضهم على تضعيفه الرفع فى المدونة، وهذا على ظاهر ما جاء فى بعض روايات أحاديث ابن مسعود: " أنه ﷺ رفع يديه فى أول الصلاة ثم لم يَعُدْ "، على أن هذا يحتمل عندى ما هو أظهر من الرفع أول الصلاة، ثم لم يَعُد له أثناءها، كما جاء فى الرواية الأخرى مفسرًا، وذهب ابن وهبٍ من أصحابنا إلى الرفع عند القيام من اثنتين، وقد خرَّجه البخارى فى حديث ابن عُمر " وإذا قام من الركعتين رفع يديه " (٧)، وذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، وذكره أبو داود فى حديث أبى حميد الساعدى فى عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وروى عن بعض أهل الحديث الرفع عند السجود والرفع منه، وقد جاءت بذلك آثارٌ لا تثبت. وليس هذا الرفع بواجب ولا شىء منه عند العلماء إِلا داود فأوجبه عند تكبيرة الإحرام،

стр. 866

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وخالفه بعض أصحابه فلم يوجبوه، وقال بعضهم: هو واجبٌ كله (١)، قال بعض المتكلمين: كان شرع الرفع فى أركان الصَّلاةِ أولاً علامةً للاستسلام (٢) لقرب عهدهم بالجاهلية والإبائة (٣) عن الإسلام، فلما أنسوا بذلك واطمأنت قلوبهم خفف عنهم وأبقى فى أول الصلاة علامة على الدخول فيها لمن لا يَسمعُ التكبير. وقوله: " حتى يحاذى منكبيه " (٤) وفى الحديث الآخر: " حتى يحاذى بهما أذنيه " (٥) وفى الآخر: " فروع أذنيه " (٦) وفى غير كتاب مسلم: " فوق أذنيه مَدًّا مع رأسه " (٧) وفى رواية أخرى: " إلى صدره " (٨)، وبحسب هذه الأحاديث اختلف العلماء فى الاختيار من فعلها، فذهب عامة أئمة الفتوى على الحديث الأول: " يرفعها حذو منكبيه "، وهو أصح قولى مالك وأشهره، والرواية الأخرى عنه: " إلى صدره "، وذهب ابن حبيب إلى رفعهما حذو أذنيه. وقد يجمع بين الأحاديث وبين الروايتين عن مالك بأن يكون مقابله أعلى صدره، وكفاه حذو منكبيه، وأطراف أصابعهما مع أذنيه، وإلى هذا ذهب بعض مشايخنا (٩) ونحوه للشافعى إِلا ذكر الصدر (١٠)، وهو صفة ما جاء فى الحديث، وتجتمع الأحاديث إِلا فى زيادة الرواية الأخرى " فوق رأسه "، وقال بعضهم: هو على التوسعة، وذهب الطحاوى إلى أن اختلاف الآثار لاختلاف الحالات. وكما جاءت بها الروايات، فإلى صدره وحذو منكبيه أيام البرد وأيديهم تحت أكسيتهم - كما جاء فى الأثر - (١١) ومع آذانهم وفوق رؤوسهم عند إخراجها. " وفروع أذنيه ": أى أعاليها، وفرع كل شىء أعلاه، وقد روى عن ابن عمر أنه كان يرفَعُ فى الإحرامِ حذو منكبيه وفى غيره دون ذلك (١٢).

стр. 867

٢٢ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيُجٍ، حَدَّثَنِى ــ واختلف أصحابنا فى صفة رفعها، فقيل: قائمتان، كما جاء فى الأحاديث: " يمدُها مدًا "، وهو مذهب العراقيين من أصحابنا، وقيل: منتصبتان بطونهما إلى السماء. وذهب بعضهم إلى نصبهما قائمتين، لكن تكون أطراف الأصابع منحنيةً قليلاً، وقيل غير هذا. ثم اختلفت الرواية فى وقت رفعها من الدخول فى الصلاة، فجاء فى بعضها: " إذا كبَّر رفع يديه "، وفى بعضها. " إذا افتتح الصلاة " و " إذا قام للصلاة رفع يديه ثم يُكبِّر "، وهذا يشعر باستصحابها ومقارنتها، وجاء فى حديث مالك بن الحويرث: " كان إذا صلى كبر ثم رفع يديه "، وكلها يشعِر أن الرفع مع التكبير ومقارن له أو مقارب، حتى قد يمكن تقديم أحدهما أحيانًا على الآخر وقبل كماله لا على ما يفعله العامة من رفع الأيدى كذلك، وهى فى الدعاء والتوجه وتطويل ذلك، فذلك مكروه عند مالك (١) وأهل العلم وإن رخص فيه بعضهم عند الدعاء، فعلى غير هذه الصورة وبغير رفع، بل ببسط الأيدى وظهورها إلى السماء للرهب - كما جاء فى الحديث - ورخص بعضهم فى كون بطونها للسماء وقال: هذا الرغب، فيكون هذا وهما منخفضتان، فإذا أخذ فى التكبير رفعهما ثم أرسلهما. ثم اختلف فى معنى الرفع، فقيل: استكانةٌ واستسلام وأنها صورة المستكين المستسلم، وكأن الأسير إذا غُلب مَدَّ يديه علامةً لاستسلامه، وقيل: استهوالٌ لما دخلَ فيه، وقيل: لتمام القيام، وقيل: إشارةٌ لطرح أمور الدنيا وراء ظهره، وإقباله بكليته على صلاتِه، ومناجاة ربه كما تضمنَّ ذلك قوله: الله أكبر، فيطابق فعله قوله، وقيل: إظهارٌ وإعلان بدخوله فى الصلاة عملاً كما أظهرها بالتكبير قولاً، وليراه من لم يسْمعه ممن يأتم به. وهذه المعانى كلها مشاكلة لمن رأى رفعها منتصبةً وإلى أذنيه، وقيل: خُضوعًا ورهبًا، وهذه مطابقةً لصورة من نصبهما أو حنى أطرافهما. وقد قيل فى معناها غير هذا من الأقاويل، وأظهرها ما ذكرناه، وقد جاء فى الحديث من رواية يحيى بن اليمان: " أنه ﷺ كان إذا كبَّر للصلاة نشَر أصابِعَه " (٢)، قال الترمذى: أخطأ فى ذلك يحيى ومن قال. رفع يديه مدًا (٣). وقوله: " كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه ثم كبَّر ": حجة فى تعيين التكبير للإحرام، وقد قال ﷺ : " صلوا كما رأيتمونى أصلى " (٤)، وقد قال ﷺ للذى علَّمه

стр. 868

ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا قَامَ للصَّلَاةِ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِك، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرّكُوعِ فَعَل مِثْلَ ذلِك، وَلَا يَفعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ. ٢٣ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ - وَهُوَ ابْنُ الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُليْمَانَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِىِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ للصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ. ٢٤ - (٣٩١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الحُوَيْرِثِ، إِذَا صَلَّى كَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ رَفَعَ يَديْهِ، وَحَدَّثَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ــ الصلاة: " إذا قمت فكبر " (١)، والتحريم واجب عند مالك والثورى والنخعى وربيعة وطاووس وأيوب، وهو قول ابن مسعود وعامة أئمة الفتوى والسلف إِلا ما روى عن الزهرى وابن المسيب والحسن والحكم والأوزاعى وقتادة فى أن التكبير للإحرام سنةً، وأنه يجزئ الدخول فى الصلاة بالنيَّة (٢)، وقد تأوله بعضهم على مالكٍ فى مسألة ناسى تكبيرة الإحرام والركوع وأنه يعيد احتياطًا (٣) على خلاف بين أئمتنا فى تأويل المسألة يطول الكلامُ فيه، وعامتهم على اختصاص التحريم بلفظ التكبير إِلا أبا حنيفة وأصحابه عامةً فإنهم يجيزون الدخول بكل لفظٍ فيه تعظيم للهِ (٤)، وأجاز الشافعى: " الله الأكبر " وأجاز أبو يوسف " الله الكبير "، ومالك لا يجيز إِلا اللفظ المشروع: " الله أكبر " المعهودُ فى عرف اللغة والشرع لا سواه. وقال بعض المتكلمين: الحكمة فى ابتداء الصلاة بالتكبير إظهار شكر الله وحمده والثناء عليه على الهداية لها ولتوحيده وعبادته، وامتثالاً لأمره وحق لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرون﴾ (٥) ثم طابق ذلك قراءته بعد فى أول ما استفتح به

стр. 869

هَكَذَا. ٢٥ - (...) حدّثنى أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْر بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِىَ بِهِمَا أُذنُيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِىَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ، فَقَالَ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ "، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِك. ٢٦ - (...) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبى عَدِىٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادةَ، بَهذَا الإِسْنَادِ؛ أَنَّهُ رَأَى نَبِىَّ اللهِ ﷺ . وَقَالَ: حَتَّى يُحَاذِىَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ. ــ القراءة بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمسْتَقِيم﴾ (١)، أى ثبتنا على ذلك.

стр. 870

(١٠) باب إثبات التكبير فى كل خفض ورفع فى الصلاة، إِلا رفعه من الركوع فيقول فيه: سمع الله لمن حمده ٢٧ - (٣٩٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّى لَهُمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: وَاللهِ، إِنِّى لأَشْبَهُكُمْ صَلاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . ٢٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقُولُ: كَان رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حيْن يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " حِيْنَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرّكوُعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: " رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ " ثُمَّ يُكَبِّرُ ــ وقوله: " يُكَبِّرُ كلما خفضَ ورفَعَ، وأن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ": هذا الأمر الثابت من فعله ﷺ والذى استقر عليه عمل المسلمون وأطبقوا (١) عليه، وقد كان من بعض السلف خلاف أنه لا تكبير فى الصلاة غير تكبيرة الإحرام، وبعضهم يجعل التكبير فى بعض الحركات دون بعض ويرون أنها من جملة الأذكار لا من حقيقة الصلاة، وعلى الخلاف فيه يدل قول أبى هريرة: " إنى لأشبهكمْ صلاةً بصلاة رسول الله ﷺ "، وقال بعضهم: ليس بسُنةٍ إِلا للجماعة ليشعر الإمام بحركة من وراءه (٢)، ومذهب أحمد بن حنبل وجوبُ جميع التكبير فى الصلاة (٣)، وعامة العلماء على أنه سنةً غير واجب إِلا

стр. 871

حِينَ يَهْوِى سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِى الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يقُومُ مِنَ الْمُثْنَّى بَعْدَ الْجُلُوسِ. ثُمَّ يقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّى لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . ٢٩ - (...) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَان رسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يقُومُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِى هُرَيْرَةَ: إِنِّى أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرسُولِ اللهِ ﷺ . ٣٠ - (...) وحدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عن ابْنِ شِهابٍ، أَخْبَرنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ حِينَ يَسْتَخْلِفُهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ، إِذَا قَامَ للصَّلاةِ الْمَكْتُوبَة كَبَّرَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيث ابْنِ جَرَيْجٍ. وَفِى حَدِيثِهِ: فَإِذَا قَضَاهَا وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ قَالَ: وَالَّذِى نَفْسِى بَيَدِهِ، إِنِّى لأَشْبَهُكُمْ صَلاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . ــ بتكبيرة الإحرام (١)، ودليلهم تعليمُ النبى ﷺ للأعرابى الصلاة ولم يذكر له فيها تكبير الانتقالات وهو موضع غاية البيان (٢). وقوله: " يُكبِّر كلما خفض ورفع ": دليل على مقارنة التكبير للحركات وعمارتها بذكرها، وعليه يدل - أيضاً - قوله: " سمع الله لمن حمده " حين يرفع صلبه من الركوع وقوله: " ثم يكبِّرُ حين يهوى ساجدًا " وهو قول عامة العلماء، واستثنى مالك وبعضهم من ذلك التكبير عند القيام من الركعتين فلا يكبِّر حتى يستوى قائمًا، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، قال مالك: وإن كبَّر هنا فى نهوضه فهو فى سَعَةٍ (٣).

стр. 872

٣١ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِى الصَّلاةِ كُلَّمَا رَفَعَ وَوَضَعَ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا التَّكْبِيرُ؟ قَالَ: إنَّها لصَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ٣٢ - (...) حدّثنا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، وَيُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ ــ وقول أبى سلمة لأبى هريرة حين كبَّر كلما خفض ورفع: " ما هذا؟ "، وقول عمران ابن الحصين حين صلى خلف على بن أبى طالب فكبَّر حين سجد ورفع: " لقد صلى بنا صلاة محمد ﷺ ": يدلُ كلُه على ترك كثير منهم التكبير فى الصدر الأول وكون الأمر عندهم فى سعةٍ. وبحسب هذا اختلف قول مالك فى السجود للسهو منه، هل يسجد لقليله وكثيره؟ أم من كثيره؟ أم لا سجود عليه فيه جملة؟ (١). وقوله: " ويكبر حين يقوم من المثنى ": يعنى من الاثنتين، أى بعد ركعتين من الرباعية، قال الله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢)، و [قد] (٣) قال ﷺ : " صلاة الليل مثنى " (٤). وقوله فى حديث أبى هريرة: كان رسول الله ﷺ يقول: " سمع الله لمن حمده " [فى الرفع] (٥) حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول [وهو قائم] (٦): " ربنا ولك الحمد"، قال الإمام: إن كان أراد صلاةً كان ﷺ فيها إمامًا فذلك حجة للقول الشاذ عن مالك؛ أنه كان يرى أن يقول الإمام اللفظين جميعًا: [" سمع الله لمن حمده "، " ربنا ولك الحمد "] (٧)، والمشهور عنه أنه يقتصر على قوله: " سمع الله لمن حمده "، وحجته على ذلك قوله ﷺ : " فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد " ولم يذكر " ربنا ولك الحمد " للإمام، وفى هذا التعلق نظر؛ لأن القصد بالحديث تعليم المأموم ما يقول ومجمل قوله له، ولا يُعتمد على إسقاط ذكر ما يقول الإمام بذلك، لأنه ليس هو الغرض بالحديث، وعلى هذه الطريقة جرى الأمر فى اختلاف قول مالك فى الإمام، هل يقول: " آمين " فى صلاة

стр. 873

الله ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. ٣٣ - (٣٩٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ ــ الجهر؟ فقال فى أحد قوليه: لا يقولها؛ لأنه قال ﷺ : " إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين " (١)، ولم يذكر أن الإمام يؤمِّنُ (٢)، وقال فى القول الآخر: بل يؤمن؛ لقول ابن شهاب: كان رسول الله ﷺ يقول: " آمين " ولحديث آخر، وفى التعليق - أيضاً - بقوله: " إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: " آمين " من التعقب ما قدَّمناه، وإنما قدمنا الكلام على حديث التأمين لارتباطه بما كنا فيه. قال القاضى: الأظهر من خبر أبى هريرة عن صلاة النبى ﷺ عموم عمله وأكثره لطول صحبته، وأكثر ما شاهد من صلاته إمامًا، ولأنه وصف الصلاة الرباعية وهى من الفرائض وكان لا يصليها إِلا إمامًا، ولأنه لو اختلفت حالته فى صلاةٍ إمامًا أومنفردًا لم يطلق الخبر عن بعض حالاته دون بعضٍ، والقولان عن مالك كما ذكر فى الإمام كما هى عند غيرنا فى المأموم، وقد حكى هو الخلاف فى المأموم، وأنه يقولهما معًا عند ابن نافع وعيسى فى كتابه الكبير، وحكاه الباجى عنهما (٣)، وعلى فعله اعتمد الشيخ، وعندى أنه تأويل خطأ عليهما مما وقع لهما من قول مجمل، وهو: أن نصَّ قول ابن نافع: يقول الإمام: " سمع الله لمن حمده " ويقول: " ربنا ولك الحمد "، وإذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ يقول: آمين، ثم قال: فالإمام ومن وراءه فى هاتين المقالين سواء. فظاهره عندى فى قول: " ربنا ولك الحمد " وقول: " آمين " لا فى: " سمع الله لمن حمده " و " ربنا ولك الحمد " - والله أعلم. وهى فى المأموم أشد وأبعدُ لقوله ﷺ : " وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد " وقد حدَّ له ما يقول وما يبتدئ به، وأما الإمام فما يمنعه أن يقول ذلك؟ وما الذى يُفرق بينه وبين الفذِّ؟ وقد روى عن النبى ﷺ قولهما وزيادة أدعية وأذكار معهما - ذكرها مسلم فى الكتاب.

стр. 874

حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا انْصَرفْنَا مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: أَخَذَ عِمْرَانُ بَيَدِى ثُمَّ قَالَ: لَقد صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ قَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِى هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . ــ وممن قال بقولهما معًا الإمام الشافعى وأحمد ومحمد بن الحسن وصاحبه، ووافق الليث وأبو حنيفة مالكًا فى مشهور قوله فى اقتصار الإمام على: " سمع الله لمن حمده " والمأموم على: " ربنا ولك الحمد " (١)، وسنذكر معنى هذه الأذكار إن شاء الله تعالى.

стр. 875

(١١) باب وجوب قراءة الفاتحة فى كل ركعة، وإنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها ٣٤ - (٣٩٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَة وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنْ الصَّامِتِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ : " لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحةِ الْكِتَابِ ". ٣٥ - (...) حدّثنى أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِى حَرْمَلَةُ ابْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْتَرِئ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ". ــ وقوله: " لا صلاة لمن لا يقرأ بأمِّ القرآن " وفى رواية السمرقندى فى حديث أبى الطاهر: " لمن لم يقترئ القرآن "، والمحفوظ المشهور الرواية الأولى، [قال الإمام: اختلف الناس فى اشتراط قراءة أم القرآن فى صحة الصلاة، والمشهور عندنا اشتراط قراءتها فى جل الصلاة، وأما اشتراط ذلك فى كل ركعة ففيه قولان مشهوران] (١). قال الإمام: قوله: " لا صلاة " اختلف أهل الأصول فى مثل هذا اللفظ إذا ورد (٢) فى الشرع على ماذا يُحَملُ؟ فقال بعضهم: يلحق بالمجملات؛ لأن نصه يقتضى نفى الذاتِ ومعلوم [ثبوتها حسًا] (٣)، فقد صار المراد مجهولاً، وهذا الذى قالوه خطأ؛ لأن المعلومَ من عادة العرب أنها لا تضع هذا لنفى الذات وإنما تورده مبالغةً، فتذكر الذات ليحصل لها ما أرادت من المبالغةِ، وقال آخرون: بل يحملُ على نفى الذات وسائر أحكامها وتُخص الذاتُ بالدليل على أن الرسول ﷺ لا يكذبُ، وقال آخرون: لم تقصد العربُ قط على نفى الذات، ولكن لنفى أحكامها، ومن أحكامها الكمال والإجزاء فى هذا الحديث، فيحمل اللفظ على العموم فيها، وأنكر هذا [بعض المحققين] (٤) لأن العموم لا يصح دعواه فيما يتنافى، ولا شك أن نفى الكمال يُشعِرُ بحصول الإجزاء، فإذا قُدِّر الإجزاء منتفيًا بحق العموم قدِّر ثابتًا بحق إشعار نفى الكمال بثبوته، وهذا يتناقض، وما يتناقض لا

стр. 876

٣٦ - (...) حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ، الَّذِى مَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فى وَجْهِهِ مِنْ بِئْرِهِمْ، أَخْبَرَهُ؛ أَنْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ ". ٣٧ - (...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِى، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وزَادَ: فَصَاعِدًا. ٣٨ - (٣٩٥) وحدّثناه إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلىُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ ــ يحمل الكلام عليه، وصار المحققون إلى التوقف (١) بين نفى الإجزاء ونفى الكمال، وادَّعوا الاحتمال من هذه الجهة لا مما قال الأولون، فعلى هذه المذاهب يخرج قول رسول الله ﷺ : " لا صلاة ... " الحديث. وقوله: " من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فهى خداج ": قال الهروى وغيره: الخداج: النقصان، يقال: خدجت الناقةُ إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تامّ الخلق، وأَخْدَجَتْه إذا ولدته ناقصًا، [وإن كان لتمام الولادة] (٢)، ومنه قيل لِذِى الثُديَّةِ: مُخْدَج اليد، أى ناقصها (٣). قال أبو بكر: فقوله: " [فهى] (٤) خداج ": أى ذات خداج، فحذف ذات وأقام الخداج مقامه على مذهبهم فى الاختصار، [ويجوز أن يكون المعنى فيه: مخدجة أى ناقصة، فأحل المصدر محل الفعل، كما قالوا عبد الله إقبال وإدبار يريدون: مقبل ومدبر] (٥). قال الإمام: فإذا بثت أن المراد بقوله: " خداج " أى ناقصة فهذا يستدل به مَن حمل قوله: " لا صلاة " فى الحديث المتقدم على نفى الكمال؛ لأن إثبات النقص المراد به نفى الكمال. قال القاضى: هذا مذهب الخليل وأبى حاتم والأصمعى، فأما الأخفش فعكس وجعل الإخداج قبل الوقت وإن كان تام الخلق، وقال غيره: خدجت وأخدجت إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقيل: قبل تمام الخلق. ومعنى تسميتها " أم القرآن ": أى أصله، كما قيل لمكة: أم القرى (٦)، وكره قومٌ

стр. 877

الْقُرْآنِ فَهِىَ خِدَاجُ " ثَلاثًا، غَيْرُ تَمَامِ. فَقِيلَ لأَبِى هُرَيْرَة: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءً الإِمَامِ. فَقَالَ: ــ تسميتها به ولا وجه لذلك مع صِحَّةِ الحديث بتسمية النبى ﷺ لها بذلك. وقوله: " إنى أحيانًا أكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها فى نفسك ": حمله بعض أصحابنا وجماعة من العلماء على ما أسرّ فيه الإمام، وحمله آخرون على تذكرِ النفس لما يقرؤه الإمام وتدبُّرِه، وشغل سِرِّه بتلاوته بقلبه بذلك لا بلسانه؛ ليصحَّ له تأمُّلِ معانيه، وحملوا قوله: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " على الإمام والفذ (١). وقد اختلف العلماء فى القراءة فى الصلاةِ، فذهب جمهورهم إلى وجوب أم القرآن (٢) للإمام والفذ فى كل ركعة، وهو مشهور قول مالك (٣)، وعنه - أيضًا - أنها واجبةٌ فى جُل الصلاة (٤)، وهو قول إسحاق (٥) وعنه - أيضًا - إنما يجب فى ركعة، وقاله المغيرة والحسن، وعنه أنها لا تجبُ فى شىء من الصلاة، وهو أشد رواياته، وهو مذهب أبى حنيفة، إِلا أن أبا حنيفة يشترط أن يقرأ غيرها من القرآن فى جُلِّ الصلاة (٦)، وذهب الأوزاعى إلى أنها تجبُ فى نصف الصلاة - وحكى عن مالك - وذهب الأوزاعى - أيضاً - وأبو ثور وغيرهما إلى أنها تجب على الإمام والفذِّ والمأموم على كل حال - وهو أحد قولى الشافعى (٧). ثم اختلف بعد ذلك من لم يُعين قراءة أم القرآن فى الصلاة ما يجزيه من غيرها من القرآن؟ بعد إجماعهم على أن لا صلاة إِلا بقراءة فى الركعتين الأولين، إِلا ما قاله

стр. 878

اقْرَأ بِهَا فِى نَفْسِكَ، فَإِنَّى سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاة ــ الشافعى فيمن نسى القراءة فى صلاته كلها، يجزيه ويُعذر بالنسيان على ما روى عن عمر ولم يصح عنه (١)، وقد أنكره مالك وقال: كيف يصح [وخلفه أصحاب محمد ﷺ ] (٢) لا يذكرونه بذلك؟ وقيل: معنى ما روى عنه من ترك القراءة ترك جهره بها، وقيل: ذلك كان فى بعض صلاته لا فى جميعها، إذ يبعد [إطباقه] (٣) على تركها فى جميع الصلاة [وإطباق] (٤) من خلفه على ترك تنبيهه، وروى أن عمر أعاد (٥)، ثم رجع الشافعى عن هذا، وقال أبو حنيفة: يجزئ أن يقرأ من القرآن آيةً، وقال أصحابه: ثلاثًا أو آيةً طويلة (٦)، وقال الطبرى: سبع آيات بقدر أم القرآن من آيها وحروفها (٧)، وذهب أبو حنيفة إلى أن القراءة فى الركعتين الأخيرتين لا تجب، وقاله الثورى والأوزاعى (٨)، وخالفهم الجمهور فأوجبوها على اختلاف مذاهبهم فيما تقدم، وحكى ابن الموَّان عن أبى سلمة وربيعة وعلى بن أبى طالب أن القراءة فى الصلاة ليست من فروضها (٩)، وإليه ذهب محمد بن أبى صفرة وتأوله على بعض روايات كتاب محمد (١٠)، وحكى الداودى عن على وابن أبى سلمة وطائفة أن فرض القراءة مع الذكر، وأما الناسى فيجزؤه القيام والركوع والسجود على حديث عمر. وقوله: " قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ... " الحديث، وذكر قراءة أم

стр. 879

بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِى عَبْدِى. وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَىَّ ــ القرآن وقسمتها، فأطلق اسم الصلاة على قراءة أم القرآن إذا كانت لا تتم إِلا بها، ففيه حجة فى تعيينها فى الصلاة ووجوبها كما قال: " الحج عرفة " (١) وأنه لا واجب من القراءة غيرها، وقال الخطابى: أراد القراءة كما قال: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٢) قيل: القراءة (٣). ومعنى القسمة هاهنا من جهة المعانى؛ لأن نصفها الأول فى حمد الله وتمجيده والثناء عليه وتوحيده، والنصف الثانى فى اعتراف العبد بعجزه وحاجته إليه وسؤاله الله فى تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك. وقوله: بـ "نصفين " حجةٌ على أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليس من أم القرآن، إذ جملتها سبع آيات ثلاث منها منفردةٌ بحمد الله والثناء عليه، والثلاث الأخرى فى دعاء العبد الهداية، والآية السابعة وسطاً منقسمةٌ، نصفها إخلاص لله وتوحيدٌ واعتراف له وحده بالعبودية وإقرار بما يجب له تعالى من ذلك وهو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ (٤)، والنصف الآخر دعاء بالمعونة على ذلك وتفويضٌ لله واستسلام له، وهى مختصةٌ بالعبد بما بعدها من الدعاء، وهى آيةً واحدةً باتفاق، فلو كانت بسم الله آية من أم القرآن لم تكن القسمة بنصفين كما نص على ذلك ﷺ . وفى الحديث نفسه أقوى حجةٍ على هذه المسألة؛ لأنه ابتدأ فقال: " يقول العبْدُ: الحمدُ لله ربِّ العالمين، يقول الله: حمدنى عبدى، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى على عبدى ... " ثم ذكر جميع آى السورة على ما جاء فى الحديث، ولا خلاف أنها سبع آياتٍ ولم يذكر فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم "، وهذا الحديث أبينُ شىء فى الباب، وإن كان قد جاء من بعض الروايات الشاذة: " يقول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، فيذكرنى عبدى، ثم يقول: الحمد لله ... " وذكر الحديث، لكن راوى هذه الزيادة محمد بن سفيان وهو ضعيف (٥)، وقد انفرد عن العلماء بهذه الزيادة وخالفه الثقات الحفاظ مالك وابن جريج وابن عيينة فلم يذكروها ولا غيرهم.

стр. 880

عَبْدِى. وَإِذَا قَالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِى عَبْدِى - وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إلَىَّ عَبْدِى - فإذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ: هَذَا بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ ". ــ وقوله: " مجدنى عبدى " عند قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: أى عظَّمنى، والمجد نهاية الشرف. والفرق بين " حمدنى " و " أثنى علىَّ " و " مجدنى " بيِّنٌ؛ لأن " مجَّد " يقتضى الثناء بصفات الجلال، و " حمد " يقتضى الثناء بحميد الفِعال، و " أثنى " يجمع ذلك كله، وينطلق على الوجهين؛ فلهذا جاء جوابًا لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لاشتمال هذين الاسمين على صفاته الذاتية من الرحمة، والفعلية من الإنعام على خلقه. واختصاص اسم الرحمن به على قول أئمتنا وعمومه وصفتهِ (١) لا يوصف بها غيره، وهذه نهاية العظمة والجلال، والرحيم عائد برحمته على عباده وخلقِه المؤمنين خاصةً على قول بعضهم. وقوله: " وربما قال فوَّض إلىَّ عبدى " ومطابقة هذا لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لأنه تعالى المنفرد ذلك اليوم بالملك وبجزاء العباد ومحاسبتهم فيه. والدين: الحسابُ، وقيل: الجزاء، فهو المَلِكُ فيه دون دعوى غيره، وإن كان منفرداً على الحقيقة به فى الدنيا والآخرة لا مالك ولا ملك سواه، والكلُّ مربوبٌ له، عبد مسخر، وذلك اليوم لا ندَّعِى للملك [غيره] (٢) كما قال: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّه﴾ (٣). وفى هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد ما لا يخفى، ومن تفويض أمور الدنيا والآخرة إليه ما هو الحق الذى لا مرية فيه. وقوله: " فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ...﴾ إلى آخر السورة، فهذا لعبدى ": كذا فى الأم، وعند غيره من رواية مالك وغيره: " فهؤلاء لعبدى " (٤)، فيه دليل أنها آيات، وأن قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ (٥) آية، وهو عند البصريين والشاميين
следующие страницы →