← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122406

إكمال المعلم بفوائد مسلم

القاضي عياض

Полный текст (5 028 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

٣٦ - (...) حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلىٍّ الْحُلْوَانِىُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْد، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ، الَّذِى مَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فى وَجْهِهِ مِنْ بِئْرِهِمْ، أَخْبَرَهُ؛ أَنْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَخْبَرَهُ؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ ". ٣٧ - (...) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِى، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وزَادَ: فَصَاعِدًا. ٣٨ - (٣٩٥) وحدّثناه إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلىُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ ــ يحمل الكلام عليه، وصار المحققون إلى التوقف (١) بين نفى الإجزاء ونفى الكمال، وادَّعوا الاحتمال من هذه الجهة لا مما قال الأولون، فعلى هذه المذاهب يخرج قول رسول الله ﷺ : " لا صلاة ... " الحديث. وقوله: " من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآن فهى خداج ": قال الهروى وغيره: الخداج: النقصان، يقال: خدجت الناقةُ إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تامّ الخلق، وأَخْدَجَتْه إذا ولدته ناقصًا، [وإن كان لتمام الولادة] (٢)، ومنه قيل لِذِى الثُديَّةِ: مُخْدَج اليد، أى ناقصها (٣). قال أبو بكر: فقوله: " [فهى] (٤) خداج ": أى ذات خداج، فحذف ذات وأقام الخداج مقامه على مذهبهم فى الاختصار، [ويجوز أن يكون المعنى فيه: مخدجة أى ناقصة، فأحل المصدر محل الفعل، كما قالوا عبد الله إقبال وإدبار يريدون: مقبل ومدبر] (٥). قال الإمام: فإذا بثت أن المراد بقوله: " خداج " أى ناقصة فهذا يستدل به مَن حمل قوله: " لا صلاة " فى الحديث المتقدم على نفى الكمال؛ لأن إثبات النقص المراد به نفى الكمال. قال القاضى: هذا مذهب الخليل وأبى حاتم والأصمعى، فأما الأخفش فعكس وجعل الإخداج قبل الوقت وإن كان تام الخلق، وقال غيره: خدجت وأخدجت إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقيل: قبل تمام الخلق. ومعنى تسميتها " أم القرآن ": أى أصله، كما قيل لمكة: أم القرى (٦)، وكره قومٌ

стр. 877

الْقُرْآنِ فَهِىَ خِدَاجُ " ثَلاثًا، غَيْرُ تَمَامِ. فَقِيلَ لأَبِى هُرَيْرَة: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءً الإِمَامِ. فَقَالَ: ــ تسميتها به ولا وجه لذلك مع صِحَّةِ الحديث بتسمية النبى ﷺ لها بذلك. وقوله: " إنى أحيانًا أكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها فى نفسك ": حمله بعض أصحابنا وجماعة من العلماء على ما أسرّ فيه الإمام، وحمله آخرون على تذكرِ النفس لما يقرؤه الإمام وتدبُّرِه، وشغل سِرِّه بتلاوته بقلبه بذلك لا بلسانه؛ ليصحَّ له تأمُّلِ معانيه، وحملوا قوله: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " على الإمام والفذ (١). وقد اختلف العلماء فى القراءة فى الصلاةِ، فذهب جمهورهم إلى وجوب أم القرآن (٢) للإمام والفذ فى كل ركعة، وهو مشهور قول مالك (٣)، وعنه - أيضًا - أنها واجبةٌ فى جُل الصلاة (٤)، وهو قول إسحاق (٥) وعنه - أيضًا - إنما يجب فى ركعة، وقاله المغيرة والحسن، وعنه أنها لا تجبُ فى شىء من الصلاة، وهو أشد رواياته، وهو مذهب أبى حنيفة، إِلا أن أبا حنيفة يشترط أن يقرأ غيرها من القرآن فى جُلِّ الصلاة (٦)، وذهب الأوزاعى إلى أنها تجبُ فى نصف الصلاة - وحكى عن مالك - وذهب الأوزاعى - أيضاً - وأبو ثور وغيرهما إلى أنها تجب على الإمام والفذِّ والمأموم على كل حال - وهو أحد قولى الشافعى (٧). ثم اختلف بعد ذلك من لم يُعين قراءة أم القرآن فى الصلاة ما يجزيه من غيرها من القرآن؟ بعد إجماعهم على أن لا صلاة إِلا بقراءة فى الركعتين الأولين، إِلا ما قاله

стр. 878

اقْرَأ بِهَا فِى نَفْسِكَ، فَإِنَّى سَمِعْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاة ــ الشافعى فيمن نسى القراءة فى صلاته كلها، يجزيه ويُعذر بالنسيان على ما روى عن عمر ولم يصح عنه (١)، وقد أنكره مالك وقال: كيف يصح [وخلفه أصحاب محمد ﷺ ] (٢) لا يذكرونه بذلك؟ وقيل: معنى ما روى عنه من ترك القراءة ترك جهره بها، وقيل: ذلك كان فى بعض صلاته لا فى جميعها، إذ يبعد [إطباقه] (٣) على تركها فى جميع الصلاة [وإطباق] (٤) من خلفه على ترك تنبيهه، وروى أن عمر أعاد (٥)، ثم رجع الشافعى عن هذا، وقال أبو حنيفة: يجزئ أن يقرأ من القرآن آيةً، وقال أصحابه: ثلاثًا أو آيةً طويلة (٦)، وقال الطبرى: سبع آيات بقدر أم القرآن من آيها وحروفها (٧)، وذهب أبو حنيفة إلى أن القراءة فى الركعتين الأخيرتين لا تجب، وقاله الثورى والأوزاعى (٨)، وخالفهم الجمهور فأوجبوها على اختلاف مذاهبهم فيما تقدم، وحكى ابن الموَّان عن أبى سلمة وربيعة وعلى بن أبى طالب أن القراءة فى الصلاة ليست من فروضها (٩)، وإليه ذهب محمد بن أبى صفرة وتأوله على بعض روايات كتاب محمد (١٠)، وحكى الداودى عن على وابن أبى سلمة وطائفة أن فرض القراءة مع الذكر، وأما الناسى فيجزؤه القيام والركوع والسجود على حديث عمر. وقوله: " قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ... " الحديث، وذكر قراءة أم

стр. 879

بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِى عَبْدِى. وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَىَّ ــ القرآن وقسمتها، فأطلق اسم الصلاة على قراءة أم القرآن إذا كانت لا تتم إِلا بها، ففيه حجة فى تعيينها فى الصلاة ووجوبها كما قال: " الحج عرفة " (١) وأنه لا واجب من القراءة غيرها، وقال الخطابى: أراد القراءة كما قال: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٢) قيل: القراءة (٣). ومعنى القسمة هاهنا من جهة المعانى؛ لأن نصفها الأول فى حمد الله وتمجيده والثناء عليه وتوحيده، والنصف الثانى فى اعتراف العبد بعجزه وحاجته إليه وسؤاله الله فى تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك. وقوله: بـ "نصفين " حجةٌ على أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليس من أم القرآن، إذ جملتها سبع آيات ثلاث منها منفردةٌ بحمد الله والثناء عليه، والثلاث الأخرى فى دعاء العبد الهداية، والآية السابعة وسطاً منقسمةٌ، نصفها إخلاص لله وتوحيدٌ واعتراف له وحده بالعبودية وإقرار بما يجب له تعالى من ذلك وهو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ (٤)، والنصف الآخر دعاء بالمعونة على ذلك وتفويضٌ لله واستسلام له، وهى مختصةٌ بالعبد بما بعدها من الدعاء، وهى آيةً واحدةً باتفاق، فلو كانت بسم الله آية من أم القرآن لم تكن القسمة بنصفين كما نص على ذلك ﷺ . وفى الحديث نفسه أقوى حجةٍ على هذه المسألة؛ لأنه ابتدأ فقال: " يقول العبْدُ: الحمدُ لله ربِّ العالمين، يقول الله: حمدنى عبدى، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى على عبدى ... " ثم ذكر جميع آى السورة على ما جاء فى الحديث، ولا خلاف أنها سبع آياتٍ ولم يذكر فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم "، وهذا الحديث أبينُ شىء فى الباب، وإن كان قد جاء من بعض الروايات الشاذة: " يقول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، فيذكرنى عبدى، ثم يقول: الحمد لله ... " وذكر الحديث، لكن راوى هذه الزيادة محمد بن سفيان وهو ضعيف (٥)، وقد انفرد عن العلماء بهذه الزيادة وخالفه الثقات الحفاظ مالك وابن جريج وابن عيينة فلم يذكروها ولا غيرهم.

стр. 880

عَبْدِى. وَإِذَا قَالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِى عَبْدِى - وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إلَىَّ عَبْدِى - فإذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ: هَذَا بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِى وَلِعَبْدِى مَا سَأَلَ ". ــ وقوله: " مجدنى عبدى " عند قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: أى عظَّمنى، والمجد نهاية الشرف. والفرق بين " حمدنى " و " أثنى علىَّ " و " مجدنى " بيِّنٌ؛ لأن " مجَّد " يقتضى الثناء بصفات الجلال، و " حمد " يقتضى الثناء بحميد الفِعال، و " أثنى " يجمع ذلك كله، وينطلق على الوجهين؛ فلهذا جاء جوابًا لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لاشتمال هذين الاسمين على صفاته الذاتية من الرحمة، والفعلية من الإنعام على خلقه. واختصاص اسم الرحمن به على قول أئمتنا وعمومه وصفتهِ (١) لا يوصف بها غيره، وهذه نهاية العظمة والجلال، والرحيم عائد برحمته على عباده وخلقِه المؤمنين خاصةً على قول بعضهم. وقوله: " وربما قال فوَّض إلىَّ عبدى " ومطابقة هذا لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لأنه تعالى المنفرد ذلك اليوم بالملك وبجزاء العباد ومحاسبتهم فيه. والدين: الحسابُ، وقيل: الجزاء، فهو المَلِكُ فيه دون دعوى غيره، وإن كان منفرداً على الحقيقة به فى الدنيا والآخرة لا مالك ولا ملك سواه، والكلُّ مربوبٌ له، عبد مسخر، وذلك اليوم لا ندَّعِى للملك [غيره] (٢) كما قال: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّه﴾ (٣). وفى هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد ما لا يخفى، ومن تفويض أمور الدنيا والآخرة إليه ما هو الحق الذى لا مرية فيه. وقوله: " فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ...﴾ إلى آخر السورة، فهذا لعبدى ": كذا فى الأم، وعند غيره من رواية مالك وغيره: " فهؤلاء لعبدى " (٤)، فيه دليل أنها آيات، وأن قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ (٥) آية، وهو عند البصريين والشاميين

стр. 881

قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنِى بِهِ الْعَلَاءُ بْنُ [عَبْدِ] الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرِيضٌ فِى بيْتِهِ، فَسَأَلْتُهُ أَنَا عَنْهُ. ٣٩ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِك بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ . ٤٠ - (...) ح وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ؛ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى بَنِى عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامِ ابْنِ زُهْرَةَ، أَخْبَرَهُ؛ أَنَّه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَنْ صَلَّى صَلَاةً فَلَمْ يَقْرَأَ فيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ " بِمْثِلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ. وَفِى حَدِيثِهِمَا: " قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاة بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِى وَنِصْفُهَا لِعَبْدِى ". ٤١ - (...) حدّثنى أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِىُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أبُوَ أُوَيْسٍ، أَخْبَرَنِى الْعَلَاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِى وَمِنْ أَبِى السَّائِبِ، وَكَانَا جَليَسىْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَا: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فَهِىَ خِدَاجٌ " يَقُولُهَا ثَلَاثًا. بِمِثْلِ حَدِيثهِمْ. ــ والمدنيين، وعلى هذا تصح (١) القسمة [أولاً ثلاث آيات أولى] (٢) لله وحده، وآيةٌ منقسمةٌ بينَه وبين عبده، وثلاث آيات أخرى للعبد، ولو كانت على عدد الكوفيين والمكيين وأن ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ إلى آخر السورة، آيةٌ واحدة وجعلوا السابعة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أولها لجاءت القسمة غير مطابقةٍ، أربعةٌ أولاً لله، وواحدةٌ مشتركةٌ، واثنتان للعبد آخرًا. ووقع فى رواية السمرقندى فى آخر السورة: " هذا بينى وبين عبدى "، وهُوَ وهمٌ وخطأ. وقوله: " اقرأ بها فى نفسك ": هذا حكم من قرأ بها مع الإمام على تأويلهم وتأويلنا المتقدم ألَّا تجهر عليه بالقراءة، وقراءة النفس هنا بتحريك الشفتين بالقراءة وإن لم يُسْمِعْ نفسه، وإسماع نفسِه أحسَنُ وأحبُّ للعلماء فى صلاة السر.

стр. 882

٤٢ - (٣٩٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لا صَلَاةَ ــ وقد اختلف العلماء فى قراءة المأموم خلف الإمام، فمالك وعامَّةُ أصحابه وابن المسيّب فى جماعة من التابعين وغيرهم وفقهاء [الأمصار] (١) أهل الحجاز والشام والحديث على أنه لا يقرأ معه فيما جَهَر به وإن لم يسمعه ويقرأ فيما أسَرَّ الإمام [وقاله الشافعى مرةً] (٢)، ووافقهم أحمد إِلَّا أنه يجعله يقرأ إذا لم يسْمعه فى الجهر، وروى عن بعض التابعين (٣). وحجةُ هؤلاء كلهم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (٤). وقول أبى هريرة: " فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام " وبقوله ﷺ : " إذا قرأ الإمام فأنصتوا له " (٥)، وذهب أكثر هؤلاء أن القراءة خلف الإمام غير واجبةٍ إِلا داود (٦) وأحمد وأصحاب الحديث، فجعلوا قراءة أم القرآن للمأموم فيما أسر فيه إمامُه فرضًا، واختلف النقل عن المذهب فيها بالسُنَّةِ والاستحباب (٧)، وذهب الكوفيون إلى ترك قراءة المأموم خلفَ الإمام فى كل حالٍ، وهو قول أشهب وابن وهب من أصحابنا، وذهب جماعة

стр. 883

إِلَّا بِقِرَاءةٍ ". قَالَ أَبُو هَرَيْرَةَ: فَمَا أَعْلَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَعْلَنَّاهُ لَكُمْ، وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ. ــ من الصحابة والتابعين إلى أن المأموم لا يترك قراءة أم القرآن على كل حالٍ، وإليه رجع الشافعى (١) وقاله أكثر أصحابه (٢)، وحجتهم حديث أبى هريرة هذا، وظواهر عموم الأحاديث غيره. وقوله: " فما أعلن رسول الله ﷺ أعلنَّاهُ لكم، وما أخفاه أخفيناه عنكم ": لا خلاف أن الصبح والركعتين الأوليين من العتمة والمغرب تقرأ جهرًا، وما عدا ذلك سِرًّا من الفرائض، وعندنا أن العيدين والاستسقاء والوتر جهرًا وما عداها من السنن سِرًّا. وقد اختلف العلماء فى الجهر فى الاستسقاء والعيدين، وأما صلاة النوافل بالليل والنهار فمن شاء جهر ومن شاء أسرَّ، لكنه يُستحب عندنا الجهرُ بالليل والإسْرَار بالنهار (٣)، واختلف أصحابنا فى السر والجهر هل هو من سُنة الصلاة أو هيآتها؟ (٤) وقد تأوَّل فى المسألة بإعادة المتعمّد وجوبها (٥). وفى هذا الحديث بالجملة لزوم القراءة لصلاة الجهر والسر بكل حالٍ. وقد زعم بعض أصحاب المعانى أن الحكمة (٦) فى صلاة الليل جهرًا والنهار سِرًّا: أن فى الليل يطرد

стр. 884

٤٣ - (...) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - واللَّفْظُ لِعَمْرو - قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا ابْنَ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ؛ قَالَ: قَالَ أَبُو هرَيْرَةَ: فِى كُلِّ الصَّلَاةَ يَقْرأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسْمَعْناكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَا مِنْكُمْ، فقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمِّ القُرْآنِ؟ فَقَالَ: إِنْ زِدْتَ عَلَيْهَا فَهُوْ خَيْرٌ، وَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهَا أَجْزَأَتْ عَنْكَ. ــ الشيطان ويوقظ الوسْنان، كما قال عمر - رضى الله عنه - فالمغرب والعشاء وقت انتشار الشياطين وتسلُّطُهم، وقد أخبر النبى ﷺ بذلك وأمر بكف الصبيان حينئذ (١)، والصبح حين تسلُّط الشيطان على النائمين وعقد عُقَدِه بالنوم على قوافيهم (٢)، فكان الجهر بالقراءة فى هذه المواطنِ إبعادًا له وطردًا عن المصلِّين وعن قُوَّام الليل، وأخْلى لِسِرِّهم من وسوسته وشغلهم أسماعهم وقلوبهم بالقراءة، وأمر الإمام فيها بالجهر والناس بالإنصات له؛ لفراغ بالهم، وانقضاء أشغالهم؛ ليتدبَّروا ما يتلى عليهم، ثم فى الجهر بالقراءة - أيضًا - إيقاظ لمن عساه يسمع قراءتهم من قُوام الليل، أو ممن له عادةٌ بالقيام فيقوم لذلك وينشط للصلاةِ؛ ولأن فى رفع الصوت بالقراءة طرد النوم عن المصلى نفسِهِ، أو من يُصلى بصلاته، أو من غلبته عينه قبل أداء فرضه، أو لانتظار جماعة، وأمِن هذان الوجهان بالنهار لكون الناس مستيقظين، مراعين أوقات صلواتهم، متأهبين لها، وأنه ليس حين انتشار الشياطين، فاقتصر فيها على قراءة السِرِّ فى وقتها - وستأتى بقيةُ هذا الباب فى موضعه. قال: وجُهِرَ فى الجُمعةِ والأعيادِ والاستسقاء من صلاة النهار لأنها أعيادٌ ومجامعٌ يُنجلبُ إليها من الجهات، وفيهم الأعراب والجهَلةُ فجُهِر لهم بالقراءة ليُتلى عليهم القرآن، ويسمعوا مواعظه، ويتعلموا أحكامه. ولما كانت صلاة النهار تأتى والناس فى أشغالهم، ومعايشهم، واشتغال بالهم بذلك، كانت القراءة [لجميعهم] (٣) أولى لحفظ صلاتهم، وشغلهم بها، وتفريغ بالهم لتدبّرها، لتشويش خواطِرِهم بأشغالهم التى هم فيها عن الإنصات لقراءة الإمام وتدبُّرِ ما يتلو، ولم يكن لجهر الإمام بالقراءة معنىً فألزم جميعهم قراءة السرِّ. وقوله للذى قال له: لم أزد على أم القرآن: " إن زدت عليها فهو خير لك، وإن انتهيت إليها أجزأت عنك ": أما القراءة فى الصبح والجمعة والأولين من سائر الصلوات فسورة بعد أم القرآن أو ببعض سورة، ولا خلاف فى شرع ذلك أعلمه، ثم اختلف فى حكمها عندنا، هل قراءتها سنةً أو مستحبٌ؟ وخَرج قول ثالثٌ الوجوبُ، وأما قراءتها فى

стр. 885

٤٤ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ - يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ - عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فِى كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءةٌ، فَمَا أَسْمَعَنَا النَّبِىُّ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَاهُ مِنْكُمْ، وَمَنْ قَرَأ بِأُمِّ الْكِتَابِ فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَمَنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ. ٤٥ - (٣٩٧) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَردَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ السَّلَامَ. قَالَ: " ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ". فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " وَعَلَيْكَ السَّلامُ " ثُمَّ قَالَ: " ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ " حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، عَلِّمْنِى. قَالَ: " إِذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمئِنَّ رَاكِعًا، ثُمّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِى صَلَاتِكَ كُلِّهَا ". ٤٦ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فى نَاحِيَةٍ: وَسَاقَا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَزَادَا فِيهِ: " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسْبِغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ ". ــ باقى الركعات فكره مالك ذلك، وذهب الشافعى إلى قراءة السورة بعد أم القرآن فى الركعات كُلها (١)، وخيَّره أصحابُ الرأى بين القراءة فيها والتسبيح والسكوت وفى الحديث تعيين أم القرآن ولزومها للمصلى. وقوله للذى علمه الصلاة: " إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر ثم اقرأ بما تيسَّرَ معك من القرآن ": حجةٌ أن الإقامة ليست بواجبةٍ وأن القراءة فى الصلاة واجبةٌ، وحجةً فى وجوب التكبير للإحرام، وقد تقدم الكلام فى هذا كله. وقوله: فى الرواية الأخرى: " أسْبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ": دليلٌ أنه إنما قصد ذكر فرائض الصلاة، وأن جميع ما ذكره فيها فرضٌ، وما لم يذكره ليس من فرائضها، إذا لم يذكر الاستفتاح والتوجه ولا التشهد، وقد جاء فى المصنفات فى بعض طرق هذا الحديث: " وأقم " فيحتج به من يرى الإقامة واجبة.

стр. 886

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [قوله ﷺ : " إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ... " الحديث] (١)، قال الإمام: [قوله: " اقرأ ما تيسر معك من القرآن "] (٢) تعلق به أصحاب أبى حنيفةَ في أن القرآن (٣) لا يتعيَّن، ولا تجب قراءة أم القرآن بعينها؛ لأنه ﷺ أحاله على ما تيسر، وظاهر هذا إسقاط تعيين [قراءة] (٤) أم القرآن، ومن أوجب قراءتها يرى هذه الإحالة إنما وقعت على ما زاد على أمِّ القرآن، فإن ذلك لا يتعين إجماعًا، ويُستَدل على ذلك بالأحاديث الدالة على وجوب قراءةِ أم القرآن. قال القاضى: احتج أئمتنا والشافعى بقوله هذا: أن تكبيرة الإحرام من الصلاة (٥) خلافًا للكرخى فى قوله: ليس من الصلاة (٦)، وجعلوا قوله ﵇: " لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن " تفسير لمجمل قوله: " اقرأ بما تيسر معك من القرآن "، وقد ذكر أبو داود في بعض روايات هذا الحديث: " فكبر ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأه " (٧) فرفع الإشكال. قال الإمام: وقوله: " ثم اركع حتى تطمئن راكعاً " وقال مثله في السجود، فعندنا قولان في ذلك، أحدهما: نفى إيجاب الطمأنينة تعلقًا بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٨)،

стр. 887

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولم يأمرنا بزيادة على ما سمى ركوعًا وسجودًا، والثانى: إيجابها تعلقًا بهذا الحديث، وقد خرج مخرج التعليم فوجب إثبات الوجوب لكل ما ورد فيه، إِلا ما خرج منه بدليل (١). قال القاضى: وقوله: " ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا "، وقوله: " ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا " حجة في وجوب الاعتدال في القيام من الركعة (٢) وفى الجلوس بين السجدتين، ولا خلاف أن الفصل بين السجدتين واجب، وإلا فكانت سجدة واحدة، ولكن الاعتدال في الجلوس فيما بينهما، وفي رفع الرأس من الركوع والاعتدال منه مختلف في وجوبه عندنا، وهل هو مستحق لذاته فلابد منه أو للفصل فيحصل الفصل بما حصل منه وتمامه سنة. وقوله: " ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ": دليل على وجوب القراءة في جميع الركعات على مشهور مذهبنا، إذ أمره أولاً بالقراءة. وقوله: " ثم ارفع " ظاهره أنه من الرفع ببن السجدتين كما تقدم، وهو يبين قوله في الرواية الأخرى في المصنفات: " ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا "، وقد يحتج به من يرى وجوب الجلوس كله، والحجة فيه ضعيفة لقوله ذلك بعد ذكره السجود، ولقوله بعد هذا " وافعل ذلك في صلاتك كلها " (٣). وفى هذا الحديث: أن أفعال الجاهل في العبادات على غير علم لا يتقرب بها ولا تجزى؛ لقوله: " فإنك لم تصل "، وفى هذا الحديث: الرفق في الأمر بالمعروف وحسن

стр. 888

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المعاشرة، ألا ترى أنه إنما أمره أولاً، ولم يوبخه ولا زجره، فلما أخبره أنه لا يحسن علَّمه. وفيه: رد السلام على المسلم وإن تكرر ذلك منه، وَقرُبَ لفعل النبى ﷺ معه ذلك ثلاث مرات، كما ذكر في الحديث، وجواب قوله في الرد: " وعليك السلام ". وذكر مسلم سند هذا الحديث أولاً عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله (١)، حدثنى سعيد (٢) بن أبى سعيد، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبى ﷺ . قال الدارقطنى في هذا الحديث: خالف يحيى بن سعيد فيه أصحاب عبيد الله كلهم، يقول عن سعيد عن أبى هريرة، لم يذكروا أباه (٣)، ورواه معمر عنه عن سعيد مرسلاً (٤)، قال: ويحيى حافظ.

стр. 889

(١٢) باب نهى المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمامه (٤٧) - (٣٩٨) حَدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِى عَوَانَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الظُّهِر - أو الْعَصْرِ - فَقَالَ: " أَيُّكُمْ قَرَأ خَلْفِى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبَّكَ الأَعْلَى﴾ (١)؟ "، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الْخَيْرَ. قَالَ: " قَدْ عَلِمْتُ أنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجْنِيهَا ". ــ وقوله: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر أو العصر فقال: " أيكم قرأ خلفى بسبح اسم ربك الأعلى " الحديث، وقوله: " قد علمت أن بعضكم خالجنيها "، قال الإمام: معناه: نازعنى القرآن، كأنه ينزع ذلك من لسانه، فهو مثل حديثه الآخر: " مالى أنازع القرآن ". قال القاضى: في هذا الحديث القراءة في صلاة الظهر والعصر، وقد جاء في هذا الحديث من أكثر الطرق " صلاة الظهر " بغير شك، وقد يحتج به من يمنع القراءة جملة خلف الإمام، ولا حجة له فيه لأنه لم ينه عنه. وإنما أنكر مجاذبته للسورة، فقال: " قد علمت أن بعضكم خالجنيها "، ولم ينههم عن القراءة كما نهاهم في صلاة الجهر، وأمرهم بالإنصات، وإنما ينصت لما يسمع، بل فى هذا الحديث حجة أنهم كانوا يقرؤون خلفه، ولعل إنكار النبى ﷺ كان لجهر الآخر عليه فيها أو ببعضها حين خلط عليه لقوله: " خالجنيها ". وقد اختلفت الآثار في قراءة النبى ﷺ فيهما، والصحيح والأكثر قراءته فيهما وهو قول الجمهور من السلف والعلماء، وإنما روى تركه القراءة عن ابن عباس، وقد روى عنه خلافه وقد تقدم هذا المعنى. وفيه قراءة المأموم فيما أسرَّ فيه إمامه (٢)، وأنَّ نهى النبى ﷺ إنما هو لمنازعته (٣)

стр. 890

٤٨ - (...) حدّثنا مُحمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنُ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَهُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلَمَّا انْصَرفَ قَالَ: " أَيُّكُمْ قَرَأَ " أَوْ " أَيُّكُمُ الْقَارِئُ " فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. فَقَالَ: " قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجنِيهَا ". ٤٩ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِى عَرُوبةَ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، وَقَالَ: " قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنيهَا ". ــ السورة التى قرأ بها لقوله: " خالجنيها "، وأن نهيه أن يقرأ معه إنما كان فيما جهر فيه، كما جاء في الحديث مفسرًا، وفيه حجة لتطويل القراءة في الظهر وأنما لا يقرأ فيها بقصار المفصل (١)، وسيأتى الكلام على هذا الفصل في موضعه من الكتاب.

стр. 891

(١٣) باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة ٥٠ - (٣٩٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شَعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ــ وقوله: " صليت مع النبى ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان فلم أرَ أحدًا منهم يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم "، قال الإمام: تعلق أصحابنا بهذا في أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليست من أم القرآن، خلافًا للشافعى فى قوله: إنها آية من أم القرآن، والإجماع على أنها بعض آية من سورة النمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (١). وقد أشبع القاضى أبو بكر الرد فى " كتاب الانتصار " على من قال: إنها من القرآن فى غير هذا الموضع، وبسط من ذلك ما فيه كفاية، وإنما عرضنا هاهنا الكلام على ما تعلق بالحديث. قال القاضى: أدخل مسلم هذا الحديث والحديث الآخر: " كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم "، ثم أدخل بعد ذلك في حديث أنس فى الحوض وقوله ﷺ : " أنزلت على سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكوْثَر﴾ (٢) (٣) ": تنبيه على حجة المخالف، وقد اختلف أصحاب الشافعى في قوله: لا أدرى آية من أم القرآن أم لا (٤)؟ أهو شك؟ هل هى منها أم شك في أنها آية؟ أو بعضها مع قطعه على أنها من أم القرآن تلاوة وحكمًا؟ وقيل عنه: إنها عنده من أم القرآن حكمًا لا قطعًا (٥). واختلف الفقهاء بعد ذلك ممن جعلها آية وممن لم يجعلها في قراءتها فى الصلاة أو تركها. والجهر بها أو الإسرار فمشهور مذهبنا: أنه لا يقرؤها فى الفرائض

стр. 892

صَلَّيْتُ مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ ، وَأَبِى بَكْرٍ، وَعْمَرَ، وَعْثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ٥١ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، فى هَذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، نَحْنُ سَأَلْنَاهُ عَنْهُ. ٥٢ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، عَنْ عَبْدَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِك، تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. وَعنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك؛ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: صَلّيْتُ خَلْفَ النَّبِىِّ ﷺ ، وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يَذْكُرُون بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فِى أَوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلَا فِى آخِرِهَا. ــ وأجاز ذلك فى النوافل، والحجة ظاهر الحديث المتقدم، وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السور (١) فى النوافل (٢)، ولا يقرأ أول أم القرآن؛ وروى عنه ابن نافع: ابتدأ القراءة بها فى الصلاة [الفرض والنفل] (٣)، ولا تترك بحال، والشافعى يرى الجهر بها فى صلاة الجهر من الفرائض، وأهل الرأى يرون الإسرار بها، ويوافقون الشافعى فى كونها من أم القرآن، ويتأولون الحديث المتقدم بالاستفتاح بالحمد [لله رب العالمين] (٤) أى بالسورة التى تعرف بهذا، وأنه كان لا يجهر بها، ويرد عليهم [قوله فى الرواية الأخرى: " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم "، ويحتجون هم] (٥) بقوله فى الرواية الأخرى التى لم يذكرها مسلم: " لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ". وقد اضطربت [الروايات] (٦) فى ذلك والألفاظ فى الحديث بما لا يقوم به حجة لمن أثبت قراءتها مع أم القرآن، وكذلك ذهب الشافعى فى أحد قوليه ومن قال بقوله إلى أنها من أول كل سورة من القرآن، وداودُ يقول: هى آية فى كل موضع وقعت فيه، ولا أجعلها من السور، ونحوه لأبى حنيفة، وخالفه غيره، وحجته إثباتها فى المصحف [بخط المصحف] (٧)، وحجة المالكية فى الباب كله النقل المتواتر بالمدينة عن النبى ﷺ والخلفاء والأئمة بترك قراءتها فى الصلاة أول أم القرآن والسور وإن القرآن ما لم يختلف فيه، ولا يثبت قرآن مختلف فيه (٨). وقوله: " كانوا يستفتحون الصلاة (٩) بالحمد لله رب العالمين "، وقوله فى الحديث

стр. 893

(...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِىِّ، أَخْبَرَنِى إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى طَلحَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكرُ ذَلِكَ. ــ الذى قبله: " كبر ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن "، ومثله من الأحاديث دليل على مشهور المذهب، وحجة له أنه لا شىء بعد تكبيرة الافتتاح إِلا القراءة. وقد ذهب الشافعى، وفقهاء أصحاب الحديث إلى افتتاح الصلاة بدعاء التوجه على اختلافهم فى الاختيار فيه بحسب اختلاف الآثار فى ذلك (١)، وعن مالك رواية أخرى فى فعله، وقد جاء فى المصنفات فى حديث الأعرابى ثم يكبر ويحمد الله ويثنى عليه، ثم يقرأ ففيه لهذا القول حجة، وقد ذكر مسلم ما كان يقوله عمر من ذلك، ووصل به حديث أنس المتقدم ليقيم الحجة أن ذلك غير لازم وذكر أيضاً بعد هذا ما كان يقوله النبى ﷺ حيث نبه عليه (٢). قال الإمام: خرج مسلم فى باب استفتاح الصلاة بالحمد لله رب العالمين (٣): حدثنا ابن مهران (٤)، عن الوليد، عن الأوزاعى، عن عَبَدة؛ أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - كان يجهر بهؤلاء الكلمات: " سبحانك اللهم " الحديث، قال بعضهم: هكذا أتى إسناده عنده أن عمر مرسلاً، وفى نسخة ابن الحذاء عن [عَبدَة] (٥) أن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - وهو وَهْم، والصواب أن عمر، وكذلك فى نسخة أبى زكريا الأشعرى عن ابن ماهان، وكذلك روى عن الجلودى، ثم ذكر مسلم بعد هذا عن الأوزاعى عن قتادة عن أنس، قال: " صليت خلف النبى ﷺ " الحديث، وهذا هو المقصود من الباب، وهو حديث متصل. قال القاضى: أتقن (٦) الحافظ أبو على فيما ذكره هنا - وهو بعضهم الذى نقل الإمام عنه ما نقل - ولفظه فى كتاب مسلم بعد قوله فى الحديث من قول عمر: " ولا إله غيرك " (٧)، وعن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس أنه حدثه الحديث، فعطف قوله: " وعن قتادة " على قوله فى المسند الأول، ثنا الأوزاعى عن عبدة، فلما أكمل ذلك الحديث المرسل، قال: وعن قتادة، يعنى أن الأوزاعى الذى قال أولاً: عن عبدة، قال - أيضًا -: وعن قتادة، فجاء به كالحديث الواحد كما سمعه ابن مهران من الوليد، ولم يفصله مما قبله والمراد هذا الآخر مع ما فى الأول من التنبيه على مذهب من رأى ذلك وإن كان مرسلاً موقوفًا، فليس على مسلم فيه دَرَكَ، إذ هو بعض حديث شرطه فى باقيه، فأكمل بعض الفائدة بذكره على نصه دون تعقب عليه، ثم جاء بعد ذلك - أيضاً - بحديث الأوزاعى عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس مثله.

стр. 894

(١٤) باب حجة من قال: البسملة آية من أول كلّ سورة، سوى براءة ٥٣ - (٤٠٠) حدّثنا عَلِىُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِىُّ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلفُلٍ عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؛ إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ متَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آنِفًا سُوَرةٌ ". فَقَرَأَ: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئكَ هَوَ الأَبْتَرُ " ثُمَّ قَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ " فَقُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهُ نَهَرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّى ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هَوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِى يَوْمَ الْقِيَامَة، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ. فَأَقُولُ: رَبِّ، إنَّهُ مِنْ أُمَّتِى. فَيَقُولُ: مَا تَدْرِى مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ ". زَادَ ابْنُ حُجرٍ فِى حَدِيثِه: بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِى الْمَسْجِدِ. وَقَالَ: " مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ ". (...) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ فَضَيْلٍ، عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَغْفَى رُسُولُ اللهِ ﷺ إِغْفَاءَةً. بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّى فِى الْجَنَّةِ، عَلَيْهِ حَوْضٌ " وَلَمْ يَذْكُرْ: " آنِيَتُه عَدَدُ النُّجُومِ ". ــ وقوله: " لقد أنزلت علىَّ آنفاً ": أى حديثاً وقريباً. وقوله: " الكوثر ": جاء تفسيرها هنا نهر فى الجنة، وفى غير هذا الحديث [هو] (١) الخير الكثير، قال: وذلك النهر منه. وقوله: " هو حوض ترد عليه أمتى ": الإيمان بالحوض حق، وهو مذهب جماعة أهل السنة وقد صحت الأخبار به، وسيأتى آخر الكتاب الكلام عليه إن شاء الله تعالى. وقوله: " فيختلج العبد منهم ": أى يستخرج وينتزع، وقد تقدم الكلام على هذا الفصل من هذا الحديث فى كتاب الطهارة.

стр. 895

(١٥) باب وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام تحت صدره فوق سرته، ووضعهما في السجود على الأرض حذو منكبيه ٥٤ - (٤٠١) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، وَمَوْلى لَهُمْ؛ أَنَّهُمَا حَدَّثَنَاهُ عَنْ أَبِيهِ، وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ؛ أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ رَفَعِ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِى الصَّلَاةِ، كَبَّرَ - وَصَفَ هَمَّامٌ حِيَالَ أُذُنيْهِ - ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا ــ وذكر [فى] (١) الحديث وضع اليمنى على اليسرى فى الصلاة، ذهب جمهور العلماء وأئمة الفتوى إلى أخذ الشمال باليمين فى الصلاة، وأنه من سنتها وتمام خشوعها وضبطها عن الحركة والعبث، وهو أحد القولين لمالك فى الفرض والنفل (٢)، ورأت طائفة إرسال اليدين فى الصلاة، منهم الليث، وهو القول الآخر لمالك، وكراهة الوجه الأول (٣)، قيل: مخافة أن يعد من لوازمها وواجبات سنتها؛ ولئلا يظهر من خشوع ظاهره أكثر من باطنه، وخيرت طائفة منهم الأوزاعى فى الوجهين، وتأول بعض شيوخنا أن كراهية مالك له إنما هو لمن فعله عن طريق الاعتماد، ولهذا قال مرة: ولا بأس به فى النوافل لطول الصلاة، فأما من فعله تسنناً ولغير الاعتماد فلا يكرهه. واختلف فى حد وضع اليدين من الجسد، فقيل: على الصدر، وهو المروى عنه ﵇. وقيل: على النحر، وهو قريب من القول الأول، وقيل: حيثما وضعهما جاز له، وقيل: فوق السُرَّة، وهو مذهبنا، وقيل: تحتها، والآثار بفعل النبى ﷺ ذلك والحض عليه صحيحة، والاتفاق على أنه ليس بواجب، وعن على - رضى الله عنه - فى قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤) أن معناه: وضع اليمنى على اليسرى فى الصلاة، يعنى على الصدر عند النحر، وقيل، فى معنى ذلك غير هذا من نحر الأضحية وصلاة العيد، وقيل: نحر البدن. ثم اختلف فى صفة وضعها، واختلفت فيه ألفاظ الحديث، وذكر مسلم أنه وضع يده اليمنى بمنى وصلاة الصبح بجمع على اليسرى من حديث وائل بن حجر. وجاء فى حديث سهل بن سعد أنه يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، واختيار شيوخنا على الجمع بين

стр. 896

أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: " سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " رَفَعَ يَدَيْهِ. فَلَمَّا سَجَدَ، سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ. ــ الحديثين: أن يقبض بكفه اليمنى على رُسْغ اليسرى، واختار غيرهم أن يكون مع ذلك السبابة والوسطى ممتدة على الذراع، لكن لا يتهيأ مثل هذا فى وضعها على النحر، وإنما يتهيأ مثل هذا، ومثل القبض على الرُسْغ إذا وضعت على الرُسغ فأسفل منه. وقوله: " فلما سجد سجد بين كفيه ": حجة على مباشرة الأرض باليدين وهو المستحب عند جميعهم (١)، وكرهوا السجود واليدان فى الثياب، وإن كان روى عن بعض السلف فى ذلك رخصة، فلعله فى كثرة البرد أو الحر (٢)، ولا خلاف فى وجوب السجود على الوجه واليدين، وفى كشف الوجه فى السجود، واسْتخف ما ستر (٣) الجبين أو بعضه مما خف كطاقات العمامة. واختلف هل يتعين مماسته الجبين والأنف معًا أو يتعين بالجبهة وحدها؟ ويستحب فى الأنف، والجمهور على أن السجود على ما عدا الوجه من الأعضاء مستحب، وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك، وسيأتى الحديث فى ذلك. " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ".

стр. 897

(١٦) باب التشهد فى الصلاة (٥٥) - (٤٠٢) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - عَنْ منْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَال: كُنَّا نَقُولُ فِى الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : السَّلَامُ عَلَى اللهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ. ــ وذكر مسلم حديث عبد الله بن مسعود فى التشهد، وبه قال جمهور الفقهاء وأصحاب الحديث وبعض شيوخ مذهبنا الأندلسيين، واختار الشافعى تشهد ابن عباس، وقد خرجه مسلم - أيضاً - واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب الذى ذكره فى موطئه (١)، وهو وإن كان غير مسند إلى النبى ﷺ فيلحق بمعنى المسند ويقوى قوته، ويترجح على غيره من المسانيد لتعليم عمر له الناس على المنبر، كما روى بجمع ملئهم وجمهورهم، ولم ينكر ذلك عليه أحد، ولا قالوا له: عدلت عما اختاره النبى ﷺ وعلمه الناس إلى رأيك، وهو ممن لا يقرّ على خطأ، فدل سكوتهم له واستمرار عمر على تعليمه الناس، أن ذلك عندهم معلوم، وأن الأمر فى التشهد غير مقصور [على غيره] (٢)، وكذلك تأول هذا أحمد بن نصر الداودى (٣)، وقال: هذا من مالك استحباب، والأمر عنده فى غيره على التوسعة. ثم هو غير واجب عند مالك والجمهور، وذهب فقهاء أصحاب الحديث إلى وجوب التشهدين لأمر النبى ﷺ به، وذهب الشافعى إلى وجوبه فى الآخرة، وروى عن مالك مثله. ومعنى " التشهد ": مأخوذ من لفظ الشهادتين بالواحدانية والرسالة التى فيه، " والتحيات ": جمع تحية وهى الملك، وقيل: البقاء، وقيل: السلام، وقيل: العظمة، وقيل: الحياة، وقيل: التحيات: الممالك لله، أى التحيات التى تحيى بها الملوك الله المستحق لها.

стр. 898

فَقَالَ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ ، ذَاتَ يَوْمٍ: " إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِى الصَّلاةِ فَليَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ للهِ صَالِحٍ، فِى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ ". ٥٦ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذِا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، وَلَم يَذْكُرْ: " ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ ". ٥٧ - (...) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِىُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِهِمَا. وَذَكَرَ فِى الْحَدِيثِ: " ثُمَّ ليَتَخَيَّرْ بعْدُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ - أَوْ مَا أَحَبَّ ". ٥٨ - (...) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ قَالَ: كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى الصَّلَاةِ، بِمِثِلِ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، وَقَالَ: " ثُمَّ يَتَخَيَّرُ، بَعْدُ، مِنَ الدُّعَاءِ ". ــ والزاكيات - الواردة فى حديث عمر -: بمعنى المباركات فى حديث ابن عباس، والبركة: النماء والزيادة، وكذلك الزكاة، أى الصلوات والأعمال الزاكيات الصالحات لله، ومعنى " الطيبات لله ": أى الكلمات الطيبات، أى يراد بهذا كله وجه الله، ولا يجب العمل والتقرب بها إِلا إلى الله، ولا يصلح شىء من ذلك لغيره من تحية وتعظيم وثناء جميل، وقول طيب وإخلاص لعبادة وعمل صالح وصلاة متقرب بها. وقيل: المراد بالصلوات هنا: الرحمة، أى الله المتفضل بها والوصف الجميل ببذلها له، وقد يكون بمعنى الدعوات والتضرع والرغبة لله تعالى. وقوله: " الله هو السلام ": السلام [هو] (١) اسم من أسمائه تعالى، وقيل فى معناه: السالم من النقائص وسمات الحدث، وقيل: المسلم عباده، وقيل: المسلم عليهم فى الجنة لقوله تعالى: ﴿سَلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (٢) ومعناه فى قوله ﵇: " السلام عليك أيها النبى ورحمة الله " وفى سلام الصلاة، قيل: معناه: التعويذ باسم الله الذى هو السلام، كما تقول: الله معك، أى الله متولٍ لك، وكفيل بك، وقيل: معناه:

стр. 899

٥٩ - (...) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ، قَالَ: سَمعتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: عَلَّمَنِى رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ، كفِّى بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِى السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، وَاقْتَصَّ التَّشَهُّدَ بِمِثْلِ مَا اَقْتَصُّوا. ٦٠ - (٤٠٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبى الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبَيْرٍ وَعَنْ طَاوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّد، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّوَرَةَ مِنَ القُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: " التَّحِيَاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ للهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحَمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحْمَّدًا رَسُولُ اللهِ ". وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ رُمْحٍ: كَمَا يُعَلِّمُنَا القُرْآنِ. ــ السلامة والنجاة لكم، يكون [هنا] (١) مصدرًا كاللذاذ واللذاذة، كما قال: ﴿فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ (٢)، وقيل: السلام: الانقياد لك، كما قال فى حق النبى ﷺ : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿تَسْلِيمًا﴾ (٣)؛ ولهذا المعنى - والله أعلم - صرفهم النبى ﷺ عن قولهم فى هذا الحديث: السلام على الله من عباده. وقال: إن الله هو السلام. وقوله فى سند هذا الحديث: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا أبو نعيم، ثنا سيف بن أبى سليمان، سمعت مجاهدًا وذكره، [كذا قال أبو نعيم: سيف بن أبى سليمان] (٤) وتابعه ابن المبارك وأبو عاصم، وقال وكيع: سيف أبو سليمان، وقال القطان وغيره: سيف بن سليمان، وذكر الأقوال الثلاثة البخارى فى تاريخه الكبير، وهو مكى مولى بنى مخزوم (٥). وقوله: " ثم ليتخير بعد من المسألة أو الدعاء ما أحب وشاء من حوائج الدنيا والآخرة "، خلافًا لأبى حنيفة فى اقتصاره من ذلك بما جاء فى القرآن وما فى معناه، وهذه الأحاديث وأدعية النبى ﷺ المأثورة الصحيحة فى الصلاة حجة عليه، وفى هذا حجة للجماعة على الشافعى فى إيجابه الصلاة على النبى ﷺ فى كل صلاة، وإن لم يفعل ذلك بطلت صلاته، وهو قول لم يقل قبله، وقد علمهم النبى ﷺ التشهد إلى آخره، ثم أباح لهم ما أحبوا من الدعاء بعده، ولم يذكر الصلاة على النبى ﷺ ، ومذهب الجماعة وجوبه

стр. 900

٦١ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ حَمَيْدٍ، حَدَّثَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّوَرَةَ مِنَ القُرْآنِ. ٦٢ - (٤٠٤) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ الجَحْدَرِى وَمُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِىُّ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كَامِلٍ - قَالُوَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْن جُبَيْرٍ، عَنْ حطانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِىِّ؛ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ صَلَاةً، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ قَالَ رجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أُقرَّتِ الصَّلَاةُ بِالْبِرِّ والزَّكَاةِ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَىَ الصَّلَاةَ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ فَقَالَ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَال: فَأَرَمَّ الْقَوْمُ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ القَائِلْ كَلِمَة كَذَا وَكَذَا؟ فَأَرَمَّ القَوْم. فَقَالَ: لعَلَّكَ يَا حِطَّانَ قُلْتَهَا قَالَ: مَا قُلْتَهَا، وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ تَبْكَعَنِى بِهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا قُلْتُهَا، ــ على الجملة، واستحبابه فى الصلاة، وقد روى فى حديث ابن مسعود زيادة: " فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك "، وليس فيها ذكر الصلاة على النبى ﷺ ، وقد خالف الشافعى فى المسألة كثيرٌ من أصحابه (١)، ووافقه إسحاق وغيره عليها، وحكى بعض البغداديين عن المذهب فى المسألة ثلاثة أقوال: الوجوب، والسنة، والفضيلة. وقد حمل بعض شيوخنا البغداديين مذهب محمد بن الموّاز على الوجوب فى الصلاة كمذهب الشافعى، وكلامه محتمل الوجوب على الجملة، كما قالت الجماعة. وقوله: " كبّر، ثم قال: ثم التحف بثوبه ": وفيه أن يسير العمل فى الصلاة من غير جنسها لا يفسدها كالإشارة للرجل بالحاجة وإصلاح الثوب، وحك الجسد وشبه هذا وإن كان على جهة العمد، وهذا المشهور من مذهبنا ومذهب العلماء كافة (٢)، وحكى أبو يعلى العبدى من متأخرى أئمتنا العراقيين (٣) أن العمل عمد مفسد للصلاة قال: ويستوى فى ذلك قليله وكثيره. وقوله: " أقرت الصلاة بالبر والزكاة؟ ": قال بعضهم: لعله: قرنت، وسألت عن

стр. 901

وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلَّا الخَيْرَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ تَقُولُونَ فِى صَلَاتِكُمْ؟ إِنَّ رَسُولَ ــ ذلك شيخى أبا الحسين الحافظ اللغوى، فقال: هو أقِرت كما رُوى، والباء فى الحديث بمعنى " مع "، أى أقُرِت مع البر والزكاة فصارت معهما مستوية وأحكامها واحدة، فهو بمعنى: قرنت. وقوله: " فأرم القوم ": كذا رويناه بفتح الراء وتشديد الميم وهوالمعروف. قال الإمام: أى سكتوا ولم يجيبوا، يقال: أرمَّ القوم فهم مرمون، ويروى: فأزم ومعناه: يرجع إلى الأول وهو الإمساك عن الكلام أيضًا، ومنه: سميت الحمى أرماً. وقوله: " لقد خفت أن تَبْكَعنى بها ": قال: معناه: أن تستقبلنى بها، يقال: بكعت الرجل بكعًا إذا استقبله بما يكره، وهو نحو (١) التبكيت. قال القاضى: قال ابن الأعرابى: البكع: التبكيت فى الوجه، وهكذا روينا هذا الحرف عن جمهور شيوخنا، وكذا كان فى كتبهم وعند ابن ماهان: تنكتنى، بنون أولى وبعد الكاف المضمومة تاء باثنتين فوقها مضمومة بعدها نون ثانية. قال بعضهم: لعله تبكتنى [بها] (٢) بالباء بمعنى الأول، وقوله: " رهبت ": أى خفت، والرهب: الخوف. وقوله: " أقيموا صفوفكم ": أمر بإقامة الصفوف وهى من سنن الصلاة بلا خلاف. وقوله: " فإذا كبر فكبروا ": يقتضى أن تكبير المأموم لا يكون إِلا بعد تكبير الإمام لأنه جاء بفاء التعقيب وهو مذهب كافة العلماء ولا خلاف أنه لا يسبقه المأموم بالتكبير والسلام إِلا عند الشافعى (٣) ومن لا يرى ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وأن الصواب فعل المأموم ذلك بعد، واختلفوا إذا فَعَلَهُ معه معًا، ولأصحابنا فيه قولان: الإجزاء وعدمه، وكذلك اتفقوا على أنه لا يسابقه بأفعاله وسائر أقواله فى الصلاة، ولا يفعلها معه معًا [و] (٤) أن السنة اتباعه فيها، واختلفوا فى إتباع المأموم الإمام فى أفعاله، هل يكون معه (٥)، فإذا شرع الإمام فى الركوع ركع بإثره ولم ينتظر تمام ركوعه، أم يكون بعده ولا يركع (٦) حتى يركع الإمام، ولا يرفع حتى يرفع، وهكذا فى سائر الأفعال، كما جاء فى هذا الحديث: " فإذا كبَّر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم ". وعن مالك فى ذلك ثلاثة أقوال: هذان القولان، والقول الثالث: التفريق بين الاتباع فى القيام [من الركعتين] (٧) وبين سائر أفعال الصلاة، فيعمل معه سائر الأفعال

стр. 902

الله ﷺ خَطَبَنَا فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا وَعلَّمَنَا صَلَاتَنَا، فَقَالَ: " إِذَا صَلَّيْتُم فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ ليَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فَقُولُوا: آمِينَ. يُجبِكُمُ اللهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ " فَقَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ــ إِلا القيام من الركعتين فلا يقوم حتى يستوى الإمام قائمًا ويكبر، وعلى القول الآخر يقوم بقيامه ولا ينتظر تكبيرة ولابد فى هذه الأقاويل من اقتدائه بالإمام وسبق الإمام له بأوَّل الفعل والقول. وقوله: " فتلك (١) بتلك " إشارة إلى تحقيق ما تقدم من ترجيح أحد الأقوال وبيان الحكم [فيها] (٢) من أنه لا يركع المأموم ولا يسجد ولا يرفع حتى يفعل ذلك إمامُه، وتنبيه على أن الشىء الذى سبقه به إمامه من الركعة أو السجدة لم يفته مقدارها؛ لفعله هو إياه مدة انتظاره - أيضًا - برفع الإمام رأسه واعتداله، فقامت مقام ما سبقه به إمامه، وجاءت أفعاله بقدر أفعاله وسبقه له مطابقاً لتأنيه هو بعده، فتلك بتلك، وقيل: [معناه] (٣): فتلك الحالة من صلاتكم وأعمالكم إنما تصح بتلك الحالة من اتباعكم له واقتدائكم به، وقيل: هو راجع إلى قوله: " آمين " بعد قوله: " ولا الضالين "، و " ربنا ولك الحمد " بعد قوله: " سمع الله لمن حَمِدَه " أى تلك الكلمة أو الدعوة التى فى السورة معلقة بـ " آمين "، أو بـ " ربنا ولك الحمد " بتلك الأخرى لارتباط أحدهما (٤) بمعنى الأخرى. وقوله: " وإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين، يُجْبكم الله ": قد تقدم للإمام أبى عبد الله عليه كلام قبل هذا، من اختلاف قول مالك فيها فى صلاة الجهر، ولم يختلف قوله ولا قول أصحابِه أنه يقولها فى صلاة السر، وسيأتى الكلام عليها بعد هذا حيث تجب، ومعنى قوله: " آمين ": استجب لنا، وقيل: معناه: كذلك نسأل الله لنا، والمعروف فيها المد وتخفيف الميم، وحكى ثعلب فيها القصر، وأنكره غيره، وقال: إنما جاء مقصورًا فى ضرورة الشعر، وقيل: هى كلمة عبرانية، عُربَت مبنية على الفتح، وقيل: بل هو اسم من أسماء الله، وقيل: معناه (٥): يآمين استجب لنا، والمدة مدة النداء عوض الياء، وحكى الداودى تشديد الميم مع المد، وقال: هى لغة شاذة ولم يعرفها غيرُه، وقد خطأ ثعلب قائلها. وقوله: " فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم فإن الله قال على لسان نبيه: " سمع الله لمن حَمِدَه ": قد تقدم للإمام أبى عبد الله كلام على هذا، ومعنى " سمع الله لكم ": أى يستجيب دعاكم، " وسمع الله لمن

стр. 903

فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعُ الله لَكُمْ، فَإِنَّ اللهَ ﵎ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَتِلْكَ بِتِلْكَ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمُ: التَّحِيَاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَواتُ للهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ". ٦٣ - (...) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنْ أَبِى شَيْبَة، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا سَعَيدُ بْنُ أَبِى عَرُوَبةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنَا أَبِى. ح وَحَدَّثَنَا ــ حمده ": أى أجاب الله دعاء من حمده، وقيل: أراد به الحث على التحميد، وسياق هذا الحديث يدل على أنه إعلام بذلك، وهو بمعنى الحث الذى قيل، وقوله: " ربنا ولك الحمد " اختلفت الآثار فيه بإثبات الواو وحذفها، واختلف اختيار مالك وغيره من العلماء بين اللفظين وفى إثبات الواو زيادة (١)؛ لأن قوله: " ربنا " إجابة قوله: " سمع الله لمن حَمِده "، أى ربنا استجب دُعَانا، واسمع حمْدنا، ولك الحمد على هدايتنا لذلك، وإلهًا من إله، وبحذف الواو ليس فيها غير امتثال قول الحمد. ويظهر لى أن اختلاف قول مالك وترددهُ فى الاختيار بين اللفظين إما لاختلاف الآثار فى ذلك وترجيح أحدهما مرة على الآخر من جهة (٢) الصحة، أو الشهرة والعمل، أو لمطابقة المعنيين المتقدمين فى " سمع الله لمن حمده "، فإذا جعلنا " سمع الله لمن حمده " معنى الحث على الحمد، كان الوجه فى الجواب: ربنا لك الحمد، دون واو؛ لأنه مطابق لما حُث عليه وامتثال لما نُدِبَ إليه، وعلى التأويل الآخر الأولى إثبات الواو؛ لأنه يتضمن تأكيد الدعاء الأول وتكراره لقوله: " ربنا "، أى استجب لنا أو اسمع حمدنا، ثم نأتى بالعبادة التى دُعِىَ بالاستجابة لقائلها، وهو الحمد فيقول: ولك الحمد، ومعنى " سمع الله " هنا: أجاب وتقبل، وقوله فى الرواية الأخرى: " فإن الله قضى على لسان نبيه: سمع الله لمن حمدَه ": أى حكم [سابق قول] (٣) قضائه بإجابة دعاء من حمده وثوابه على من حمده، وحتم ذلك وأمضاه. وقوله: " فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات " الحديث: دليل على كراهة العلماء الدعاء قبل التشهد.

стр. 904

إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ، فِى هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. وَفِى حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، مِنَ الزِّيَادَةِ: " وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا "، وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ أَحَد مِنْهُمْ: " فَإِنَّ اللهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " إِلَّا فِى رِوَايَةِ أَبِى كَامَلٍ وَحْدَهُ عَن أَبِى عَوَانَةَ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْنِ أُخْتِ أَبِى النَّضْرِ فِى هَذَا الحَدِيثِ: فَقَالَ مُسْلِمٌ: تُرِيدُ أَحْفَظ منْ سُلَيْمَانَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَحَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ: هُوَ صَحِيحٌ، يَعْنِى: وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، فَقَالَ: هُوَ عِنْدِى صَحِيحٌ. فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هاهُنَا؟ قَالَ: لَيْسَ كُلُّ شَىءٍ عِنْدِى، صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَاهُنَا. إِنَّمَا وَضَعْتُ هَاهُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. ٦٤ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِى الْحَدِيثِ: " فَإِنَّ اللهَ قَضَى عَلَى لِسَانِ نَبِيَّهِ ﷺ : سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ ". ــ وفى قوله: " فإذا قرأ فأنصتوا " حجة لمالك ومن قال بقوله [ألَّا] (١) يُقرأ معه فيما يجهر به، وقد تقدم الكلام فيه. قال الدارقطنى: هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمى فيها عن قتادة وخالفه الحفاظ فلم يذكروها، قال: وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه. قال القاضى: وقد ذكر ابن سفيان عن مسلم فى رواية الجلودى بإثر هذا الحديث ما يدل على تصحيح مسلم لهذه الزيادة من قوله: " وقال أبو بكر ابن أخت أبى النضر فى هذا الحديث " أى طَعَنَ فيه ورد مسلم عليه [وقوله تريد] (٢) أحفظ من سليمان وذكره صحتها فى حديث أبى هريرة، وهى حجة لمن لا يقرأ خلف الإمام فى الجهر، ولم يذكر فى هذا الحديث السلام، وقد يحتج به المخالف لمذهبه من لا يرى السَّلام من الصلاة وقد ذكر هنا جميع ما يفعل الإمام والمأموم وهو موضع تعليم، وسيأتى الكلام على مسألة السلام إن شاء الله تعالى. [تم الجزء الأول والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا نبيه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ويتلوه الجزء الثانى: وقوله فى الحديث: أمرنا الله أن نصلى عليك، فكيف نصلى عليك؟ ﷺ تسليمًا دائمًا] (٣).

стр. 905

(١٧) باب الصلاة على النبىّ ﷺ بعد التشهد ٦٥ - (٤٠٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِر؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِىَّ - وَعَبْدُ اللهِ بْن زَيْدٍ هُوَ الَّذِى كَانَ أُرِىَ النِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ - أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ؛ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحنُ فِى مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيِرُ ئنُ سَعْدٍ: أَمَرَنا اللهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّىَ ــ [بسم الله الرحمن الرَّحيم] (١). صلى على سيدنا محمد وآلهِ. وقوله فى الحديث: " أمرنا الله أن نصلى عليك فكيف نصلى عليك؟ ": حكم من خوطب بأمر يحتمل لوجهين، أو مُجْملٍ (٢) لا يفهم مراده، أو عام يحتمل الخصوص، أن يسأل ويبحث إذا أمكنه ذلك واتسع له الوقت للسؤال، إذ لفظ " الصلاة " الواردة فى القرآن بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْه﴾ (٣) محتمل لأقسام معانى لفظ الصلاة من الرحمة، والدعاء، [والثناء] (٤) فقد قيل: صلاة الله عليه: ثناؤه عليه عند الملائكة، ومن الملائكة دعاء، وقيل: هى من الله رحمة، ومن الملائكة رقة ودعاء بالرحمة. وقيل: هى من الله لغير النبى رحمة، وللنبى تشريف وزيادة تكرمة، وقيل: هى من الله وملائكته تبريك، ومعنى " يصلون ": يباركون. فيحتمل أن الصحابة سألوا عن المراد بالصلاة لاشتراك هذه اللفظة (٥)، وإلى هذا ذهب بعض المشايخ فى معنى سؤالهم فى هذا الحديث، وقد اختلف الأصوليون فى الألفاظ المشتركة إذا وردت مطلقة، فقيل: تحمل على عموم مقتضاها من جميع معانيها ما لم يمنع مانع (٦)، وقيل: تحمل على الحقيقة دون ما تجِوّز به (٧) وإليه نحا القاضى أبو بكر، وذهب بعض المشايخ (٨) إلى أن سؤالهم عن صفة الصلاة لا عن جنسها؛ لأنهم لم يؤمروا بالرحمة ولا هى لهم، فإن ظاهر أمرهم بالدعاء، وإليه

стр. 906

عَلَيْكَ يَا رَسُولُ الله، فَكَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تمَنَيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلَهُ، ثُمَّ قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : " قُولُوا: اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلى مُحَمَّدِ وعَلَى آلِ مُحَمَّدِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيم، فِى الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلمْتُمْ ". ٦٦ - (٤٠٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - واللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَن الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعتُ ابْنَ أَبِى لَيْلَى، قَالَ: لَقِيَنِى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِى لَكَ هَدِيَّةً؟ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى ــ نحا الباجى. قال القاضى: وهو أظهر فى اللفظ، وإن كانت الصلاة كما قدمنا مشتركة اللفظ. والخلاف فى معنى الصلاة من الله والملائكة موجود، ويعضده السؤال فيه بكيف الشىء يقتضى الصفة لا الجنس الذى [ينقل عنه بها] (١)، وسؤالهم هنا عن الصلاة يحتمل أن يراد به الصلاة فى غير الصلاة أو فى الصلاة وهو الأظهر لقوله: " والسلام كما [قد] (٢) علمتم ". وقولُهُ: " قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد " (٣)، ولم يذكر فى حديث ابن مسعود غير الآل، وكذلك فى حديث كعب بن عُجرة، وفى حديث أبى حميد الساعدى: " وعلى أزواجه وذريته " مكان " آل محمد "، وقد اختلفت الآثار فى هذا، أوكلها ترجع إلى معنى واحد (٤) وقد اختُلفَ فى الآل من هم؟ قيل: أتباعه، وقيل: أمته، كما قال (٥): ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ (٦) وقيل: آل بيته، وقيل: أتباعه عن رهطه وعشيرته، وقيل: [آل] (٧) الرَجل: نفسُه؛ ولهذا كان الحسن يقول: اللهم

стр. 907

مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيِمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ ". ٦٧ - (...) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَمِسْعَرٍ، عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ وَليْسَ فِى حَدِيثِ مِسْعَرٍ: أَلَا أُهْدِى لَكَ هَدِيَّةً. ٦٨ - (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَعَنْ مِسْعَرٍ، وَعَنْ مَالِكِ بْنُ مِغْوَلٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الْحَكَمِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ " وَلَمْ يَقُلِ: اللَّهُمَّ. ٦٩ - (٤٠٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىُّ؛ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرَّيِّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ. وَبَاركْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرَّيِّتِهِ، ــ صلِّ على آل محمد، وكذلك فى الحديث: " كما صليت على آل إبراهيم "، ويروى " على إبراهيم "، ومعنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة والتكثير منهما، (١) ويكون بمعنى الثبات على ذلك من قولهم: بركت الإبل، وتكون البركة هاهنا بمعنى: التطهير والتزكية من المعايب، كما قال تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْت﴾ (٢)، وكما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٣)، وهو أحد التأويلات فى قولهم: تبارك الله، ثم اختلف أرباب المعانى فى فائدة قوله: " كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم " على تأويلات كثيرة أظهرها أن نبينا ﷺ سأل ذلك لنفسه وأهل بيته؛ ليتم النعمة عليهم والبركة كما أتمها على إبراهيم وآله، وقيل: بل سأل ذلك لأمته ليثابوا على ذلك، وقيل: بل ليبقى له ذلك دائمًا إلى يوم الدين، ويجعل له به لسان صدق فى الآخرين، كما جعله (٤) لإبراهيم، وقيل: بل سأل ذلك له ولأمته، وقيل: كان ذلك قبل أن يعرف ﵇ بأنه أفضل ولد آدم، ويطلع على علو منزلته، وقيل: بل سأل أن يصلى عليه صلاة يتخذه بها خليلاً، كما اتخذ إبراهيم [خليلاً] (٥)، وقد قال ﵇ فى الصحيح آخر أمره: " لكن صاحبكم خليل

стр. 908

كَمَا بَارَكْتَ عَلى آلِ إِبْرَاهِيم، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ". ٧٠ - (٤٠٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوْ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ صَلَّى عَلَىَّ وَاحِدَةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ". ــ الرحمن " (١)، وقد جاء [أيضًا] (٢) أنه حبيب الرحمن، وقال أيضًا: " أنا حبيب الله ولا فخر " ذكره الترمذى (٣). فهو الخليل و [هو] (٤) الحبيب [ ﷺ ] (٥)، وقد اختلف العلماء أيهما أشرف أو هما سواء بمعنى وفضل أكثرهم رتبة المحبة، وقد بسطنا الكلام فى هذا الفصل فى كتاب الشفاء بحول الله [تعالى] (٦). ولم يجئ فى حديث من هذه ذكر الرحمة على النبى ﷺ ، وقد وقع لنا فى بعض الأحاديث الغريبة؛ ولهذا ما اختلف شيوخنا فى جواز الدعاء للنبى [﵇] (٧)، وذهب بعضهم وهو اختيار أبى عمر بن عبد البر (٨) أنه لا يقال ذلك فى حقه، وإنما حقه هو الصلاة والتسليم وحق غيره الدعاء، وقد أجاز ذلك غيره وهو مذهب أبى محمد بن أبى زيد (٩)، وقد جاء فى بعض طرق تشهد على: " اللهم اغفر لمحمد وتقبل شفاعته "، وهو بمعنى: ارحمه، وفى صفة السلام: " السلام عليك أيها النبى ورحمة الله " وأن معنى الصلاة والرحمة سواء، وحجة الأكثر تعليم النبى ﵇ الصلاة عليه، وليس فيها ذكر الرحمة، فهو مما لا يختص به الأنبياء، وكما كره من كره منهم الصلاة على غير الأنبياء؛ لأنه مما اختصوا به، كذا لا يدعى لهم بما (١٠) يدعى به لغيرهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (١١). وهذا وإن ورد فى المخاطبة فالحجة لهم فى هذا الباب بينة.

стр. 909

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقوله: " صلِّ على محمد وآل محمد " يحتج به من يجيز الصلاة على غير الأنبياء، وقد اختلف فى ذلك، وروى عن مالك كراهته (١)؛ ولأنه لم يكن من عمل من مضى بل ذكر عن مالك رواية شاذة؛ أنه لا يصلى على أحد من الأنبياء سوى محمد ﷺ ، ومعنى قوله هذا عندى يرجع إلى الأول، أى من أمته وأصحابه، أو يكون المعنى: أنَّا لم نُتَعَبَّد بالصلاة على غيره، وحجة هؤلاء تخصيص الأنبياء بهذا النوع من الدعاء، كما قال تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢) كما خُصَ اللهُ عند ذكره بالتقديس والتعظيم والتسبيح كذلك يُخصُّ الأنبياء بالصلاة والتسليم، ويخص غيرهم من المؤمنين بالدعاء بالرضا والمغفرة والرحمة وكذا ذكرهم الله تعالى فقال: ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٣) و ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِين﴾ (٤). و ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ (٥). و ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ (٦) و ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٧) ولأن مثل هذا هو المعروف من عمل الصحابة والصدر الأول، وذهبت طائفة إلى جواز ذلك للمؤمنين لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ (٨)، ولقوله ﵇: " اللهم صلِّ على آل أبى أوفى " (٩)، وكان إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم ولقوله: " صلِّ على محمد وآل محمد وعلى أزواجه وذريته "، وحجته [الآخر] (١٠) عليهم فى هذا أن ما كان من الله تعالى والنبى ﷺ فى هذا فبخلاف ما كان من غيرهما، ولأنه منهما مجرى الدعاء والرحمة والمواجهة، وليس فيهما معنى التعظيم والتوقير الذى يكون منا (١١)، وإذا كان من غيرهما جاء تسوية منه بينهم وبين النبى ﷺ ، والصلاة على الآل والذرية والأزواج إنما جاء بحكم التبع والإضافة إليه لا على التخصيص. وقوله: " والسلام كما [قد] (١٢) علمتم "، ورويناه أيضًا: " عُلّمْتُمْ " وهو راجع إلى ما علموه وعلمهم فى التشهد، كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وقيل: راجع إلى ما علموه وعلمهم من السلام من الصلاة. قال الإمام: [وقع فى باب الصلاة حديث مقطوع الإسناد وهو الثانى من الأحاديث

стр. 910

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأربعة عشر التى تقدم ذكرها على الجملة] (١). قال مسلم: ثنا صاحبُ لنا [قال] (٢): ثنا إسماعيل [بن زكريا] (٣)، عن الأعمش. وذكر حديث كعب بن عجرة عن إبراهيم عن مسلم ثنا محمد بن بكار ثنا إسماعيل بن زكريا عن الأعمش هكذا سماه وجوّده [وهذا فى رواية ابن ماهان أحد الأحاديث المقطوعة الإسناد] (٤). قال القاضى ﵀: هذا قول (٥) الجبائى، وهو مذهب الحاكم أبى عبد الله، والصواب ألّا يعد هذا فى المقطوع، وإنما يعد فى المقطوع ما ترك فيه اسم رجل قبل التابعى وأرسل قبله على عرف أهل الصنعة، وإلا فكله مرسل، والمنقطع نوع من المرسل على ما بيناه فى هذا الكتاب، والأوْلى بمثل هذا الحديث أن يعد فى المجهول الراوى؛ لأنه لم ينقطع له سند، وإنما جهل اسم راويه كما لو جهل حاله، وهو قول أئمة هذا الشأن. وقَوْلُه: " من صلى على واحدة صلى الله عليه عشرًا " معنى صلاة الله عليه ": رحمته له وتضعيف أجره على الصلاة عشرًا، كما قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٦) وقد يكون على وجهها، وظاهرها تشريفًا له بين ملائكته، كما قال فى الحديث الآخر: " وإن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم " (٧)، وقد تقدم الكلام على هذا.

стр. 911

(١٨) باب التسميع والتحميد والتأمين ٧١ - (٤٠٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ــ وقوله: " إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: [اللهم] (١) ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ": كذا جاء عن مالك عن سُمى، عن أبى صالح (٢) عن أبى هريرة فى مسلم والموطأ هذا الحديث، وجاء سنده - أيضًا - بعينه فى الموطأ (٣) بعده: " إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له " الحديث، وذكر مسلم هذا الحديث بنص سند مالك معنى هذا اللفظ الآخر، وذكر حديث مالك الآخر عن الزهرى، عن سعيد وأبى سلمة، عن أبى هريرة: " إذا أمن الإمام فأمنوا " الحديث (٤)، وذكر الحديث الآخر: " إذا قال أحدكم فى الصلاة: آمين، والملائكة فى السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه " (٥)، فيحتج بقوله: " إذا قال الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين " من لا يرى للإمام قولها، وإنه إنما يقولها المأموم، ويحتج بقوله: " إذا أمّن الإمام فأمِّنوا " من يرى أنه يؤمّن، ومن يرى جهره بالتأمين؛ لأنه لو لم يجهر لم يسمع قوله لذلك. وقد اختلفت الآثار فى جهره ﵇[بها وسره] (٦) وقيل: كان هذا أول الإسلام وليعلمهم ذلك ﵇ ويسمعهم كيف يقولونه؛ ولذلك قال بعض الصحابة: وكان يقول: آمين رافعًا بها صوته كالمُعلم لنا، وقول ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين، تفسير لقول: " إذا أَمّنَ الإمام فأمنوا " ورفع للاحتمال، ويقول من قال معناه إذا دعا بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٧) إلى آخرها، قالوا: والداعى يسمّى مؤمنًا كما يقال للمؤمن: داعيًا، وقد يكون - أيضًا - على هذا المذهب معنى قوله: " إذا أمَّن " أى بلغ موضع التأمين وهو تمام السورة يكون بمعنى قوله: " وإذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ " كما يقال: أَنْجَدَ الرجل، أى بلغ نَجْدًا من الأرض، وأحرم؛ إذا دخل فى الحرم وبلغه. وقد اختلف العلماء فى هذه المسألة مع اتفاقهم على أن الفَذ يؤمِّن، والمأموم والإمام

стр. 912

فَقُولُوا: اللَّهُمَّ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ". (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمَعْنَى حَديِثِ سُمَىٍّ. ٧٢ - (٤١٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأمِينُهُ تَأمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " آمِينَ ". ــ فيما يُسر فيه يؤمنان، وكل ذلك سواء [إِلا طائفة شذت فقالت (١): إنه يفسد الصلاة؛ لأنه كلام] (٢) فمذهب جمهور العلماء وأئمة الفتوى والحديث: إلى أن الإمام يقولها أيضًا فى الجهر، وهى إحدى الروايتين عن مالك (٣)، وذهبت فرقة قليلة إلى أنه لا يقولها، وهى الرواية الثانية عن مالك (٤)، ثم الشافعى (٥)، وفقهاء أهل الحديث يرون الجهر بها [للإمام والمأموم] (٦)، والكوفيون يرون الإسرار بها (٧)، وهى الرواية عن مالك وقال: لا يسر فى الجهر بها المأموم. ومعنى قوله: " من وافق قوله قول الملائكة ": قيل: يعنى فى وقت تأمينهم ومشاركتهم فى الدعاء والتأمين، ويفسره قوله فى الحديث الآخر: " وقالت الملائكة فى

стр. 913

٧٣ - (...) حدّثنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . بِمِثِلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ. ٧٤ - (...) حدّثنى حَرْمَلةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِى الصَّلَاةِ: آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِى السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ". ــ السماء: آمين " (١) وإليه ذهب الداودى والباجى، وعلى هذا يظهر قول الخطابى: أن الفاء هنا [ليست] (٢) للتعقيب وأنها للمشاركة، إذْ علق الغفران بالموافقة فى القول على هذا التأويل، وقيل: من وافق تأمينه تأمين الملائكة فى الصفة والخشوع والإخلاص، وعلى هذا يحمل قوله فى مثل هذا الحديث الذى فيه: " إذا قال: سمع الله لمن حمده " الحديث، وقيل: من وافق دعاءه دعاء الملائكة، وقيل: المراد بالملائكة هنا: الحفظة المتعاقبون بالليل والنهار، يشهدون الصلاة مع المؤمنين ويؤمنون معهم. ولكن قيل: يرد هذا قوله: " فى السماء "، وقيل: لا يرده، بل إذا قالها الحاضرون قالها من فوقهم، حتى ينتهى إلى ملائكة السماء، وقيل معناه: من وافق استجابة دعاءه كما يستجاب للملائكة، وقيل: من وافق دعاءه دعاء الملائكة الذين يستغفرون لمن فى الأرض؛ لأن فى قوله: [أهدنا] (٣) دعاء له ولأهل ملته، ثم قال: " آمين " تأكيدًا لإجابة الدعاء لجميعهم كما تفعل الملائكة، والوجه الأول أظهر وقد جاء فيه حديث مفسِّر بيّن لا يحتاج إلى تأويل، وكما أن الله تعالى جعل من ملائكته مستغفرين لمن فى الأرض ومصلين على من صلى على النبى ﷺ ، وداعين لمن ينتظر الصلاة، وكذلك يختص منهم من يؤمّن عند تأمين المؤمنين أو عند دعائهم، كما جعل منهم لعّانين لقوم من أهل المعاصى، وما منهم إِلا له مقام معلوم. وفى قوله: " إذا قال الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ " حجة لقراءة أم القرآن (٤) وكونها ملتزمة للصلاة وغير منفصلة منها، وحجة لمن لا يرى السكتة للإمام ولا قراءة للمأموم خلفه فيما جهر فيه؛ لأنه ذكر ما يفعل الإمام والمأموم، فذكر التكبير للإمام، ثم ذكر بعده تكبير المأموم، ثم ذكر قراءة الإمام ولم يذكر [للمأموم قراءة] (٥)، ولو كانت السكتة من حكم

стр. 914

٧٥ - (...) حدّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِى الزِنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِى السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ". (...) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . بِمِثْلِهِ. ٧٦ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِى ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا قَالَ الْقَارِئُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهَمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾. فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ: آمِينَ، فَوَافَقَ قَولُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ". ــ الصلاة لقال: فإذا سكت فاقرؤوا، كما قال: " فإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين " وهو موضع تعليم وبيان. وقد اختلف العلماء فى هذه السكتة للإمام: فذهب الشافعى والأوزاعى وأحمد وإسحاق ومن وافقهم إلى أن على الإمام ثلاث سكتات؛ بعد التكبيرة لدعاء الاستفتاح، وبعد تمام أم القرآن (١)، وبعد القراءة ليقرأ من خلفه فيها (٢)، وذهب مالك [﵀] (٣) إلى إنكار جميعها، وذهب أبو حنيفة وجمهور السلف والعلماء إلى إنكار ذلك فى السكتتين الأخريين، وقد رويت فى ذلك أحاديث لا يتفق عليها عند أهل الحديث (٤)، قد ذكر مسلم منها ما يأتى الكلام عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى، والله المستعان.

стр. 915

(١٩) باب ائتمام المأموم بالإمام ٧٧ - (٤١١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَقَطَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتَ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قَعُودًا. فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةُ قَالَ: " إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، أَجْمَعُونَ ". ٧٨ - (...) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: خَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ، ــ وقوله: " سقط النبى ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن " الجحش [هنا] (١) مثل الخدش، وقيل: فوقه، وقد يكون ما أصاب النبى ﷺ من هذا السقوط مع الخدش رضٌّ فى الأعضاء وتوجع، فلذلك منعه القيام للصلاة. وقوله: " فصلى جالسًا وصلينا وراءه جلوسًا " وفى الحديث الآخر: " فأشار إليهم أن اجلسوا " إلى قوله: " فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون " (٢)، قال الإمام: تعلق بعض الناس بهذا الحديث ورأى أن الإمام إذا صلى جالسًا لعذرٍ أن من ائتم به يجلس بجلوسه، وأكثر الفقهاء على خلاف هذا، وأنهم لا يجلسون ولا يُسقطون فرض القيام مع قدرتهم عليه لغرض الموافقة للإمام، وعندنا قولان فى صحة إمامة الجالس [لعذر] (٣) بالقيام، أحدهما [إجازة] (٤) ذلك، تعلقًا بإمامة النبى ﷺ الناس فى مرضه الذى مات فيه على أحد التأويلين أنه الإمام دون الصّديق. (٥) والثانى: منع ذلك، تعلقًا بقوله ﵇: " لا يَؤمّن أحد بعدى جالسًا " (٦).
следующие страницы →