← История

История · id 12289

الإنباء في تاريخ الخلفاء

ابن العمراني

Полный текст (320 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فعمد المعتصم إلى أسطوانة صخر كانت في الدار فلكمها بيده في غير الجهة التي لكم بها الأسد فعادت يده إلى مكانها «٢٤٨» . وكان المعتصم هو الثامن «٢٤٩» من ولد العباس، لأنه محمد بن هارون الرشيد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، وكان الثامن من الخلفاء لأن أولهم السفاح ثم المنصور ثم المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم الأمين ثم المأمون ثم المعتصم، وملك ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام. وحكى المنجّمون أنه توفى في اليوم التاسع على ثماني ساعات من النهار. وخلّف [٤٥ أ] ثمانية بنين وثماني بنات، وخلّف في بيت المال ثمانية آلاف ألف دينار وثماني مائة ألف ألف درهم. وكانت فتوحاته ثمانية: ولما دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين، مرض واشتدت علّته. قال زنام الزامر «٢٥٠» : قال لي المعتصم، وهو مريض، تركب معى في السفينة حتى نتنزّه ساعة؟ فقلت: الأمر لك يا سيدي، فركبت معه وكان كلما اجتاز على الأبنية التي بناها بسامرّاء بكى، ثم قال لي: يا زنام ازمر لي هذا الصوت: يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك حاشاك بل ... بكيت عيشي فيك إذ ولّى فجعلت أزمر وهو يبكى ويقول: ذهبت الحيل، أأوخذ أنا وحدي من بين هذا الخلق «٢٥١» ؟ وكان سبب بناء «٢٥٢» المعتصم مدينة سامراء أنه كان عسكره المقيمون بالحضرة لا يفارقونه سبع مائة ألف فارس وضاقت بهم بغداد وتنزّلوا على الناس في دورهم حتى هلك عدة أطفال تحت أرجل الخيل من شدة الزحمة في الأسواق. فخطب المعتصم يوما على منبر الرصافة فقام إليه شيخ وقال: مالك يا أبا إسحاق لا جزاك الله عن الجوار خيرا أيتمت أولادنا ورملت نساءنا بإسكانك هؤلاء العلوج بين أظهرنا، والله لنقاتلنك بما لا قبل لك به، فلم يتغيّر ومضى في خطبته. ولمّا نزل وصلى طلب الرجل وظن أنه هرب وإذا به واقف بإزائه فالتفت إليه غير مغضب وقال له: يا شيخ صدقت

стр. 107

فيما قلت وأنا أريحكم من هؤلاء العلوج ومن نفسي أيضا [٤٥ ب] ولكن بماذا كنت تقاتلني بما لا قبل لي به؟ فقال له الشيخ: بسهام الليل يا أبا إسحاق، قال: صدقت. ومن ساعته رحل من بغداد إلى الموضع الّذي بنى فيه سامراء. وأمر ببناء المدينة وأسكن العسكر بها وطولها سبع فراسخ وهي الآن باقية وأبنيتها جديدة إلا أنها خالية، دخلت من باب من أبوابها أول النهار وخرجت من الآخر بعد الظهر فكانت هي منزلنا في ذلك اليوم. وتوفى المعتصم بها لثمان بقين من ربيع الأول من سنة سبع وعشرين ومائتين، [١] وكان مولده في سنة ثمان وسبعين ومائة، وكان عمره ثمان وأربعين سنة، ودفن بسامراء وصلّى عليه ابنه هارون الواثق. قال محمد بن عبد الملك الزيّات «٢٥٣» : قد قلت إذ غيبّوك واصطفقت ... عليك أيدي التراب والطين لا يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون أما وزراؤه: فأولهم الفضل بن مروان «٢٥٤» ، وبعده أحمد بن عمّار «٢٥٥» ، وبعده محمد بن عبد الملك الزيات «٢٥٦» . [قضاته: أحمد بن أبى دؤاد «٢٥٧» . ابتداؤه: في رجب لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه لثمان عشرة ومائتين بالبدندون «٢٥٨» . انتهاؤه وموته: في ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه بسرّ من رأى، ودفن بالجوسق وصلّى عليه ابنه هارون ويكنى أبا إسحاق. عمره: سبع وأربعون سنة. حاجبه: وصيف التركي. نقش خاتمه: سل الله يعطيك. كتّابه: الفضل بن مروان، ثم أحمد بن عمّار، ثم [محمد بن] عبد الملك الزيّات] [٢] .

стр. 108

أمير المؤمنين الواثق باللَّه [٤٦ أ] هو أبو جعفر، هارون بن المعتصم باللَّه، بويع له يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وأمه جارية اسمها «قراطيس» رومية. ووقّع إلى بغداد إلى واليها الأمير إسحاق بن إبراهيم المصعبي «٢٥٩» ليأخذ البيعة على الناس ببغداد فأخذها في يوم السبت «٢٦٠» وجلس الواثق للناس جلوسا عاما للهناءة فدخل إليه الشعراء وكان فيهم على بن الجهم فأنشده «٢٦١» : وثقت بالملك الواثق باللَّه النفوس ... ملك يشقى به المال ولا يشقى الجليس أسد تضحك عن شدّته الحرب العبوس ... أنس السيف به واستوحش العلق النفيس يا بنى العباس يأبى الله إلا أن تروسوا وكان الواثق شاعرا أديبا كريما حليما حافظا لأشعار العرب، عارفا بالغناء، يدعى المأمون الصغير. وكان المأمون يجلسه وأبوه المعتصم واقف. وهو ربّاه. وكان يقول للمعتصم: يا أبا إسحاق لا تؤدّب هارون فإنّي أرضى أدبه. وكان قد تبنّى به «٢٦٢» حتى كان يعلّمه الأدب والخط بنفسه ويقرئه القرآن بنفسه. وكانت أحواله كلها وتصاريفه شبيهة بأحوال المأمون. وكان الواثق لبلاغته يصعد المنبر ويرتجل الخطب على البديهية من غير أن يروّى فيها. ومن شعره في إنسان من أهل بيته: أنت الوضيع بنفسه لا بيته ... ما أنت من أعلى العيوب بسالم [٤٦ ب] ولكل بيت دقة وقمامة ... تلقى وأنت قمامة من هاشم «١٢٦٢» وكان أكرم الناس طبعا وأجود الخلق بالمال، أما كرم طبعه فيدل عليه ما حكى عنه المسدود «٢٦٣» المغنى وكان أخشم لا يشم شيئا ولذلك سمى المسدود. قال: كان الواثق على عينه اليمنى كوكب صغير قلّ ما كان يظهر إلا لمن يقرب منه فاتفق يوما

стр. 109

أن عملت أبياتا أولها: من المسدود في الأنف إلى المسدود في العين وغنّيت بها وذكرت اسمه فيها فأوصلها بعض من يعاندني إلى سمعه فدخلت عليه يوما فقال لي، وهو يضحك: أنت يا مسدود أحب هؤلاء كلهم إليّ للمناسبة التي بيننا، أنت في أنفك وأنا في عيني فمتّ فزعا فمازحنى وبسطنى وقال لي: لم تخاف منى؟ أترى حلمي لا يسع للذنوب الكثيرة فكيف لمثل هذا؟ ويحك ألست تربية المأمون؟ والله يا مسدود لقد جئت بها حلوة وسوف تبقى بعدنا على الدهر ولكن أعفنى من أخرى فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وإذا أردت أن تمجن فاستطرد بغيري. وأما سخاوته، فيدل عليها ما حكاه إسحاق «٢٦٤» بن إبراهيم الموصلي بعد وفاة الواثق قال: كنت في أيام الواثق قد علت سنى وضعف بصرى وكان ديوان الراتب على الخلفاء قبله سوى الجوائز التي كانت تصلني في النواريز والأعياد وفي أعراسهم وأفراحهم سوى ما كان يصلنى من أتباعهم وخدمهم، خمسين ألف درهم. فقيل له: وكم كان يكون كلما يصل [٤٧ أ] إليك من الوجوه كلها؟ فقال: أربع مائة ألف درهم. قال: فلما ضعف بصرى في أيام الواثق لزمت بيتي ببغداد فكان الواثق يأمر والى بغداد من قبله وهو الأمير إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بإيصال ديواني إليّ ما نقصني منه شيئا. فاتفق في بعض السنين أن ذكروني في مجلسه وقالوا: قد بقيت فيه بقية حسنة فلو أمرت بإحضاره لحصل لك به أتم أنس. فنفذ إليّ قاصدا من سامراء يستحضرني وتوقيعا إلى إسحاق بن إبراهيم بإزاحة علّتى في كل ما أحتاج إليه فامتثلت أمره وصرت إليه وأقمت عنده شهرا ثم إنه عنّ له أن يتصيد فخرج وخرجنا معه وكان يتصيد في نواحي عكبرا فلما وصلنا إلى عكبرا وقربنا من بغداد ذكرت أولادي واشتقت إليهم فقلت له: يا أمير المؤمنين قد حضرني بيتان قال: هاتهما فأنشدته: طربت إلى الأصيبية الصغار ... وهاج لي الهوى قرب المزار وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار «٢٦٥»

стр. 110

فأذن لي في المسير وأمر لي بمائة ألف درهم خارجة عن مرسومى. ولما كان العام القابل نفذ إليّ فشخصت إليه وبقيت عنده شهرا ثم استأذنته في أن أدخل مع القضاة بالسواد وأصلّى يوم الجمعة معه في المقصورة فقال: يا أبا محمد ولا كل هذا ولكنى اشتريت هذا منك بمائة ألف درهم ولا تحسبها المائة ألف التي أصلك بها عند عودتك فهذه خارجة عنها، وأمر لي بمائتي ألف درهم. وقال يوم توديعه: يا إسحاق [٤٧ ب] قد قلت بيتين في فلان الخادم، وكان يحبه، وقد صنعت فيهما لحنا من خفيف الرمل وأريد أن تسمع الشعر واللحن فقلت له: الأمر لك، فأخذ العود وغنّى: يا ذا الّذي بعذابي ظل مفتخرا ... هل أنت إلا مليك جار إذ قدرا لولا الهوى لتجازينا على قدر ... وإن أفق منه يوما واحدا سترى «٢٦٦» فسمعت والله ما لم أسمع مثله فصاحة وطيبا فقلت له: يا سيدي أنت والله تغنّى أطيب منى فماذا تصنع بى وودّعته وانحدرت إلى بغداد وكان آخر عهدي به. ومات الواثق بعلة الاستسقاء في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة «٢٦٧» ، ودفن بقصره المعروف بالهارونى بسامراء، وصلّى عليه قاضى القضاة أحمد بن أبى دؤاد، وكانت خلافته خمس سنين وستة أيام. وحكى محمد بن عبد الملك الزيات قال: كان في مرضه يهذى بالشعر لاستجابة خاطره له. فاتفق أن دخل عليه في مرضه الحسن بن وهب كاتب إنشائه وكان قد تأخر عنه أياما لأنه كان مستهترا بالشرب، فلما رآه أنشد: خدمة الواثق والكاسات في أيدي الملاح ... ليس يلتامان فاختر خدمة أو كاس راح وحين توفى، كان وزيره ابن الزيات وديوان الخراج إلى عمر بن فرج الرّخجى «٢٦٨» وديوان البريد إلى الفضل بن مروان. وابن أبى دؤاد [٤٨ أ] قاضى القضاة، والحسن بن وهب «٢٦٩» كاتب الإنشاء، وعارض الجيش أشناس المعتصمى، ووالى

стр. 111

العراق إسحاق بن إبراهيم بن مصعب «٢٧٠» . وفيه يقول وزيره ابن الزيات يرثيه: سقى قبرك الهاطل المسبل ... وجادت له الديم الحفّل وأسكنك الله خلد الجنان ... وجاورك المصطفى المرسل فقد بنت منّا على حاجة ... وهل يدفع القدر المنزل «٢٧١» [حكى «٢٧٢» عن عليّ بن الحسين الإسكافي قال: دخل إيتاخ «٢٧٣» إلى الواثق ليعرف هل مات أو لا فلما دنا منه نظر إليه الواثق بمؤخر عينه ففزع إيتاخ فرجع القهقرى إلى أن وقع سيفه في ملبن الباب فاندلق وسقط إيتاخ على قفاه هيبة منه لنظره. قال: فلم تمض ساعة حتى مات فعزل في بيت ليغسل فيه فجاء جرذ فأكل عينه التي نظر بها إلى إيتاخ فكثر تعجّب من رأى ذلك، أن تكون العين التي فزع إيتاخ من لحظها له حتى تراجع وانكسر سيفه وسقط على قفاه يأكلها جرذ بعد ساعة] [١] . وانقضت أيام الواثق باللَّه- رحمة الله عليه-.

стр. 112

أمير المؤمنين المتوكل على الله هو أبو الفضل، جعفر بن المعتصم باللَّه. وكان الواثق عند موته منحرفا عنه، ما نص عليه ولا على غيره. وحين توفى الواثق تولّى تغميض عينيه وتوجيهه نحو القبلة القاضي أحمد بن أبى دؤاد. وخرج من عنده إلى دار العامة فوجد الوزير محمد بن عبد الملك الزيات قد [٤٨ ب] نفذ إيتاخ الطبّاخ لإحضار محمد بن الواثق وجاء به وألبسه السواد ومنطقه فأنكر ذلك ابن أبى دؤاد وقال: لو كان أبوه يعلم أنه يصلح للأمر لعهد إليه. ونفذ هو فأحضر جعفر بن المعتصم فشقّ ذلك على ابن الزيات لما كان في نفس جعفر منه، ولما كان يعامله به في حياة الواثق فإن ابن الزيات حلق شعر جعفر وضرب به وجهه وقطع أرزاقه وألزمه بيته. فشق عليه مبايعته بعد إساءته إليه وخاف منه على نفسه وقال لابن أبى دؤاد: نشدتك الله في أمر الرعية أن تولّى عليها مثل جعفر. فقال له ابن أبى دؤاد: أنا ما أعرف فيه ما تعرف لأني ما أسأت إليه، وإن يكن قليل الخبرة بالأمور فالخلافة تهذّبه وليس في الجماعة أكبر سنّا منه. وحين حضر جعفر قام ابن أبى دؤاد وألبسه السواد ومنطقه بيده ووضع الرصافية «٢٧٤» على رأسه وعمّمه عليها وأخذ بيده وأقعده على السرير وتقدم فقبّل بين عينيه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فردّ السلام عليه وشكره وأثنى عليه. وأمر ابن أبى دؤاد الحجّاب بالإذن للناس فدخلوا على طبقاتهم للمبايعة وأمر ابن أبى دؤاد بأن يكتب بيعته إلى الآفاق فقال ابن الزيات: السمة تكون ماذا؟ فأخذ ابن أبى دؤاد رقعة وكتب فيها ألقابا تصلح للخلافة وسلّمها من يده إلى يد جعفر فاختار منها المتوكل على الله «٢٧٥» . وحكى ابن الزيات قال: أخرج من خفّه دواة [٤٩ أ] نظيفة وكتب إلى الآفاق كتبا كانت تزيد على مائة يذكر بيعة المتوكل وهي في معنى واحد ليس فيها لفظة تشبه الأخرى، وكتبها وهو قائم على قدمه. وبايع المتوكل في ذلك اليوم سبعة من أولاد الخلفاء وهم: محمد بن الواثق وأحمد

стр. 113

ابن المعتصم وموسى بن المأمون وعبد الله بن الأمين وأبو أحمد بن الرشيد والعباس بن الهادي ومنصور بن المهدي «٢٧٦» . وكان يكنى المتوكل أبا الفضل وكانت بيعته يوم الأربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وأمه جارية اسمها «شجاع» وكان في نفسه ما كان من محمد بن عبد الملك الزيات فأقره على الوزارة أربعين يوما ونكبه «٢٧٧» بعد أن واقفه مواجهة وقال له: ألست الّذي قطعت أرزاقى في أيام أخى؟ ألست الّذي حلقت شعرى وضربت به وجهي على ملأ من الناس؟ وقيل: لم ير في زمان المتوكل أصبح وجها ولا أحسن شعرا منه، وحين فعل به ابن الزيات ما فعل لعنه الناس واستركّوه واستقلّوا عقله بإقدامه على أن يفعل هذا بابن خليفة وأخى خليفة وابن سيد الخلفاء. وكان من أقوى ما قرّعه به أن قال له: ألست كنت إذا جئت إليك أقف فلا تأذن لي في الجلوس وأنت ابن زيّات وأنا ابن المعتصم. وكان ابن الزيات شديد الظلم، كثير المصادرة للناس قل ما يرحم أحدا، وكان يقول: الرحمة خور في الطبيعة «٢٧٨» . وحكى عنه بعض من كان يختص بمنادمته، قال: دخل عليه بعض [٤٩ ب] أولاد المتصرفين وقد امتدت عطلته واشتدت فاقته فطلب منه أن يصرّفه في أمر يعيش به. فقال له: ما عندي ما أصرّفك فيه. فقال له: فتقدم إلى بعض الأجناد باستخدامي، قال: امض إليهم واطلب ذلك منهم. وكان في المجلس جماعة رقّوا له وتشفّعوا إلى الوزير حتى وعده وقال: يكون ما تطلب بعد وقت فأما الآن فلا تعرض. فلما تقوّض المجلس ونهض الناس قام ذلك الفتى معهم فدعاه الوزير ابن الزيات وحده وقال له: لا تنتظر منى شيئا مما وعدتك به ولا تعد إليّ بعدها. فانصرف المسكين منكسرا. قال ذلك الرجل: فقلت له: يا مولانا ما الّذي حملك على عدته وكسر قلبه وإياسه بعد ذلك؟ فقال محمد بن عبد الملك الزيات: إنما فعلت ذلك حتى لا يبيت الليلة على أمل. وكان «٢٧٩» محمد بن عبد الملك الزيات قد عمل في آخر أيام الواثق تنّور حديد مشبك بقطعتين وله مسامير إلى داخل ليقعد فيه المصادرين فاتفق لقضاء الله تعالى وقدره أن

стр. 114

كان هو أول من أقعد فيه فلما دخلت المسامير في لحمه قال: آه، فقال له الخادم الموكّل بعذابه: أما سمعت أن من حفر لأخيه المؤمن بئرا أوقعه الله فيها، أما علمت أن من لا يرحم لا يرحم؟ فقال «٢٨٠» : وأيّ شيء نفع البرامكة وقد فعلوا من الخيرات ما فعلوا وكانت عاقبتهم مثل هذا، فقال له ذلك الخادم: يكفيهم ذكرك لهم بفعل الجميل وأنت على مثل هذه الحال وهل يبقى بعد الإنسان [٥٠ أ] إلا ذكر جميل أو قبيح وهل بعد الموت سوى منزلين: إما الجنّة أو النار. وبيناهما في ذلك إذ اطلع عبادة المخنث «٢٨١» من روزنة البيت وكان نديما للمتوكل ومقرّبا عنده. فقال له: يا سيدي الوزير خبزوك في التنور الّذي أردت أن تخبز الناس فيه؟! وكان يقول المتوكل بعد قتله: لقد كان الملك مفتقرا إلى ابن الزيات وإنما وقف قبح أفعاله في وجهي فحملني على إهلاكه وكان أخى الواثق يعظّمه حتى بلغ من إعظامه لمكانه ورفعه لقدره أن أمر أن يضرب اسمه على الدنانير والدراهم ويكتب على الطرز والتراس والأعلام، إلا أنه لم يرتبط نعمة الله بالشكر، وبودى لو كان حيّا كنت أفزّع به الناس. وكان المتوكل كريم الطبع سهل الحجاب مليح الأخلاق، وكان يقول: كانت الخلفاء قبلي تتصعّب على الرعية لتطيعها وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني «٢٨٢» ، وكان زمانه صافيا وأيامه لحسنها أعيادا، دانت له الدنيا شرقا وغربا وجبى إليه خراج الهند والصين والترك والزنج والحبشة وأقاصى ثغور المغرب وهو مقيم بسامراء يشرب ويلعب. وكان يركب في سبع مائة ألف فارس فإذا أراد النزول ترجّلوا أربعة أميال واجتاز فيما بينهم فارسا وحده. وبايع ثلاثة من أولاده وجعلهم ولاة العهود، وكان يوما مشهودا وذلك في يوم الاثنين غرّة المحرم سنة ست وثلاثين ومائتين، وهم: محمد ولقّبه المنتصر، والزبير ولقّبه المعتز، وإبراهيم [٥٠ ب] ولقّبه المؤيد، ونصب سماطا طوله أربعة فراسخ في البستان الّذي غرسه بسامراء ويعرف بالجعفري وكان طوله سبعة فراسخ ممتدا على شاطئ دجلة في عرض فرسخ «٢٨٣» . فقيل: إنه امتلأ ذلك اليوم

стр. 115

من الخلق ووضعت التماثيل العنبر والكافور ونوافج المسك بين أيدي الناس في جملة الرياحين والمشمومات وكانت تنقل من الخزائن بالزبل والغرائر، وكل من شرب قدحا تناول منها شيئا فشمّه وأدخله في كمّه أو سلّمه إلى غلامه. وكلما نفدت أعيد بدلها، هكذا من طلوع الشمس إلى غروبها، وكان المتوكل جالسا على سرير من ذهب مرصّع بالجواهر فيه ألف من وولاة العهود وقوف بين يديه وعليهم التيجان المرصعة والناس على طبقاتهم قعودا وقياما. وكان طلوع الشمس على الأواني الذهب التي في المجلس والمناطق الذهب والسيوف والتراس المحلاة بالذهب تختطف الأبصار. وفي ذلك اليوم قام إبراهيم بن العباس الصولي أمير الأهواز وأنشد بين السماطين: أضحت عرى الإسلام وهي منوطة ... بالنصر والإعزاز والتأييد «٢٨٤» بخليفة من هاشم وثلاثة ... كنفوا الخلافة من ولاة عهود كنفتهم الآباء واكتنفت بهم ... فسعوا بأكرم أنفس وجدود وفي سنة أربعين ومائتين مات القاضي ابن أبى دؤاد بعد ما فلج، وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين مات الإمام أحمد بن حنبل [٥١ أ]- قدس الله روحه ونوّر ضريحه-. وحيث ذكرنا دعوة الجعفري فنذكر دعوة بركوارا «٢٨٥» وهذه الدعوة اتخذها المتوكل حين طهّر المعتز بالموضع المعروف ببركوارا ونصب للمعتز منبر مرصع بالجواهر فصعد وخطب عليه. ونصب السماط على حافة دجلة وأكل الناس على طبقاتهم ثم قدّم مجلس الشرب فأمر المتوكل أن تنقل الدراهم والدنانير المختلطة في الغرائر وتصب قبايا بين أيدي الناس وأمر مناديا ينادى فيهم: كل من شرب قدحا فليحفن ثلاث حفنات، فكانوا كذلك إلى آخر النهار فكل ما فرغ مكان ملئوه. ثم أمر المتوكل حتى صبت الدراهم والدنانير في وسط المجلس بحيث حالت بينهم أن يرى بعضهم بعضا. ثم نادى مناد: إن أمير المؤمنين أباح لكم نهب هذا المال فليأخذ كل من أراد شيئا مما أراد فتناهبوها. وحين أظلم الليل أشعلت الشموع العنبر وكان في الجملة شمعة مثل النخلة وكانت على ساحل دجلة وإنسان من الجانب الآخر في ضوئها يقرأ كتابا.

стр. 116

وبعد فراغ المتوكل من هذا الطهر سأل شيخا قد شاهد أيام المأمون فقال له: أين دعوة بركوارا من دعوة فم الصلح؟ فقال: يا أمير المؤمنين أعفنى من جواب هذا الكلام. فقال له: والله لا أعفيك، وألحّ عليه وحلّفه برأسه فقال له: لا يمكنني ذكر التفضيل ولكنى أذكر جملة يستدل بها على ما وراءها: شاهدت في عرس بوران بفم الصلح على باب القرية كالجبل العظيم من القوانس [٥١ ب] والكبود للدجاج والبط والوز والحملان والصيود وأنواع الطير بحيث جاف العسكر واحتاج الحسن بن سهل إلى أن نفذ إلى البادية وأحضر جمال العرب لنقلها في مدة مديدة، وحين رميت في دجلة لم يمكن شرب الماء من دجلة أياما لنتن روائحها، وشاهدت خدمك وغلمانك في دعوة بركوارا يتخاصمون على القوانس والكبود. فقال المتوكل: الله أكبر ما تركوا لنا ما نذكر به. ولما دخلت سنة سبع وأربعين قرأ «٢٨٦» المتوكل في كتب الملاحم أن العاشر من بنى العباس يقتل، وكان هو العاشر، فاغتم لذلك وتنغّص عيشه حتى قال له بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين هذه كلها موضوعات أليس العاشر كان أخاك الواثق ومات على فراشه؟ قال: وكيف؟ قال: فجعلت أعدّهم عليه وعددت إبراهيم بن المهدي فيهم فطابت نفسه. وكان محمد المنتصر قد واطأ باغر «٢٨٧» التركي غلام المتوكل وجماعة من الغلمان على قتل المتوكل فلما كانت ليلة الأربعاء ثالث شوال سنة سبع وأربعين ومائتين كان المتوكل يشرب مع الفتح بن خاقان «٢٨٨» في رواق الجعفري «٢٨٩» ، ولما جنّ الليل غلّقت الأبواب كلها إلا باب الماء وهو الباب الّذي دخلوا عليه منه وكان المتوكل يأمر الغلمان والخدم أن يفزّعوا الجلساء والمطربين والمساخر بأشياء يعملونها من الطين والشمع والخرق على أشكال الحيّات والعقارب فلما كان في تلك [٥٢ أ] الليلة أقبل باغر من باب الماء ومعه عدد من الغلمان الذين كان واطأهم على قتل المتوكل وبأيديهم السيوف المسللة وبين أيديهم المشاعل والشموع، فحين رآهم الندماء والمطربون يقبلون من بعد ظنوا أنهم يريدون يفزعونهم فقالوا: مضت نوبة الحيّات والعقارب والليلة

стр. 117

ليلة السيوف. فقال المتوكل للفتح بن خاقان: والله ما أمرتهم الليلة بتخويفهم ولكنهم يعلمون أننى أحب ذلك فقد فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم. فلما قربوا رأوا الأمر جدّا فبادر باغر- لعنه الله- وضرب المتوكل على عاتقه فرمى الفتح نفسه على المتوكل فقطعوهما إربا «٢٩٠» . وكان الفتح حين رمى بنفسه على الخليفة قال: لا حياة بعدك يا أمير المؤمنين. فلما رأى عبادة المخنث صورة الحال قفز وقال: ألف حياة بعدك يا أمير المؤمنين «٢٩١» . والتفّ البحتري الشاعر في بساط إلى نصف النهار من يوم الأربعاء ما تحرّك من الفزع حتى سمع الضوضاء وأصوات الخلق فقام فرأى المنتصر على السرير والناس وقوف بين يديه. وكانت خلافة المتوكل أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام. وقتل وقد نيّف على الأربعين سنة. وكان وزراؤه: محمد بن عبد الملك الزيات، وزر له أربعين يوما، وبعده محمد ابن الفضل الجرجرائى «٢٩٢» وبعده الفتح بن خاقان ينوب عنه عبيد الله «٢٩٣» بن يحيى بن خاقان. وفي المتوكل- ﵀ يقول إبراهيم [بن] المهدي [٥٢ ب] : لم يذل نفسه رسول المنايا ... بصنوف الأوجاع والأسقام هابه معلنا ودبّ إليه ... في كسور الدجى بحد الحسام والمنايا مراتب يتفاضلن ... وبالمرهفات موت الكرام (١٩٢ أ)

стр. 118

أمير المؤمنين المنتصر باللَّه هو أبو جعفر، محمد بن المتوكل، وأمه أم ولد رومية اسمها حبشية. بويع له يوم الأربعاء وتحول من الجعفري إلى سامراء، وولى وزارته يحيى بن الخصيب «٢٩٤» ونفذ عبيد الله بن يحيى بن خاقان وسائر بنى خاقان إلى بغداد. وأراد المعتز أن يمتنع من البيعة فقال «٢٩٥» له بغا الشرابي: أخوك محمد أقدم على قتل أبيك وأخاف أن يقتلك فبايع فبايعه وألزم المعتز أن قال: «إن أبى عقد البيعة لي بعد أخى وكنت صغير السن والآن فحيث تبينت رشدي وعقلت علمت أنى لا أصلح لهذا الأمر ولا أقوم به واشهدوا عليّ أننى قد خلعت نفسي عن ما كان رشحنى له أبى» وألزم المؤيد بمثل ذلك. وكان الموفق أبو أحمد طلحة بن المتوكل أخا المؤيد لأمه يراصد يغلون «٢٩٦» الصغدي وكان أحد قتلة المتوكل. فوقف له يوما ينتظر دخوله إلى دار الخلافة فدخل فحين رآه ضربه بعمود حديد كان في يده فسقط ميتا وأنهى الخبر إلى المنتصر فقبض على أخيه وحبسه وأطلقه وكان الناس إذا لقي بعضهم بعضا يقولون: «ما يبقى المنتصر إلا ستة أشهر كما بقي شيرويه بعد قتل أبيه أبرويز ستة أشهر» «٢٩٧» فإن [٥٣ أ] شيرويه قبض على أبيه أبرويز وحبسه وقتله في الحبس ويقال: إن أبرويز استدعى خادما كان يختص به وقال: امض إلى خزانة المعاجن واحمل إليّ البرنية «٢٩٨» التي فيها المعجون الفلاني من غير أن تعلم ابني، فمضى وجاء به. ففرّغ البرنية وملأها سم ساعة ثم كتب على الكاغد الّذي وضعه على رأسها: «هذا معجون يقوّى على الجماع من تناول منه وزن درهمين جامع في كل يوم كذا وكذا مرة» ثم أمر بردّها إلى مكانها. ولما قتل أبرويز في الحبس استعرض ابنه شيرويه ما في الخزائن فلما وصل إلى تلك الخزانة ورأى المكتوب على رأس تلك البرنية بادر مسرعا وأخذ منه وزن درهمين وأكله فانتفخ في الحال ومات. فيقال: ما رئي أحد أخذ بثأر نفسه بعد موته بستة أشهر إلا أبرويز من ابنه شيرويه «٢٩٩» . كان هذا الحديث خارجا عن غرضنا إلا أنه يشبهه.

стр. 119

ثم إن المنتصر كان إذا جلس للشرب مع قتلة أبيه يعربد عليهم ويقول: أنتم قتلتم أبى فيقولون: قتله من قتله، نحن ما ندري. ثم إنهم اجتمعوا وتشاوروا وقالوا: ما نلقى من هذا الرجل خيرا وإن أمكنه فرصة أهلكنا بأسرنا فتعالوا نعاجله قبل أن يعاجلنا. فاجتمع رأيهم على أن بذلوا لجبرائيل «٣٠٠» بن بختيشوع الطبيب مالا وقالوا له: إن المنتصر معوّل على الفصد في هذا الفصل فأفصده بمبضع مسموم ولك هذا المال. فأخذ المال منهم وفصده بمبضع مسموم فمات وذلك في يوم السبت لأربع خلون من ربيع الآخر [٥٣ ب] سنة ثمان وأربعين ومائتين «٣٠١» ودفن بالجوسق، وصلى عليه أحمد بن [محمد بن] المعتصم «٣٠٢» ، وكان له خمس وعشرون سنة. وكان القاضي في أيامه جعفر بن عبد الواحد الهاشمي «٣٠٣» ، وواليه على خراسان الّذي كان في زمن أبيه طاهر بن عبد الله بن طاهر. وعلى شرطته ببغداد أخوه محمد ابن عبد الله بن طاهر. ومن العجائب أن جبرائيل بن بختيشوع احتاج إلى الفصد فاستدعى فاصدا ليفصده فأخرج الفاصد مبضعا ما ارتضاه فقال: أنا أعطيك مبضعا تفصدنى به وأخرج دست المباضع الّذي له وفتحه وأعطاه ذلك المبضع الّذي فصد به المنتصر بعينه وهو لا يعلم أنه هو ففصده به فمات من ساعته «٣٠٤» .

стр. 120

أمير المؤمنين المستعين باللَّه وهو أبو العباس، أحمد [بن محمد] بن المعتصم. وحين مات المنتصر باللَّه آخر نهار يوم السبت اجتمع الأتراك وهم: بغا الشرابي المعروف ببغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش «٣٠٥» وحلّفوا الأتراك والمغاربة وجماعة الجند على أن يرضوا بمن رضوا به فحلفوا وقالوا: ليس من الصواب أن نولّى أحدا من ولد المتوكل لئلا يطلب بثأر أبيه. فاجتمعوا على أحمد بن محمد [بن] المعتصم وقالوا: هو ابن مولانا، لأن هؤلاء كلهم كانوا غلمان المعتصم، وقالوا: قد كان هو أولى بالأمر من المتوكل لولا ابن أبى دؤاد قدّم المتوكل عليه. فقال لهم بغا الكبير: صدقتم في أنه ابن مولانا إلا أنه ليست له هيبة ويجب أن نولّى علينا من [٥٤ أ] نهابه لنبقى معه وإن ولّينا علينا من يخافنا حسد بعضنا بعضا فهلكنا. فقالوا له: إن جئنا بمن نهابه قتلنا وأفنانا ورآنا بصورة من قتلنا خليفة قبله واستشعر منّا فأهلكنا واستبدل بنا غيرنا والصواب أن نولّى من يهابنا ولا يقدم علينا ثم نحن إذا نتناصف فيما بيننا. وأجمعوا على اختيار أحمد بن محمد بن المعتصم فبايعوه في يوم الاثنين، سابع ربيع الآخر ولقّبوه المستعين باللَّه وسنّة ثمان وعشرون سنة «٣٠٦» . وفي يوم الثلاثاء لبس السواد وتعمّم على الرصافية وقعد على السرير وأدخل إليه الخلق فبايعوه. ودخل البحتري فأنشده: ما الغيث يهمى صوب أسباله ... والليث يحمى خيس أشباله كالمستعين المستعان الّذي ... تمّت لنا النعمى بأفضاله تلو رسول الله في هديه ... وابن النجوم الزهر من آله من يحسن الدهر بإحسانه ... وتجمل الدنيا بأجماله «٣٠٧» وكتبوا ببيعته إلى الآفاق. وأمه أم ولد اسمها «مخارق» . ثم أمر بأن يحمل الفرش الّذي كان للمتوكل في الجعفري، فكان ذلك الفرش على ثلاث مائة جمل. وقلد أوتامش «٣٠٨» مصر والمغرب. ومات طاهر بن عبد الله بن طاهر فقلد المستعين

стр. 121

ابنه محمدا خراسان. وقلد محمد بن عبد الله بن طاهر عم المذكور أولا العراق وفارس «٣٠٩» . وكان المستعين أسمح خلق الله تعالى بالمال يعطى المستحق وغير المستحق، لا يمكنه أن يرى لنفسه درهما ولا دينارا، وفي أقرب مدة فرّق جميع ما كان أدخره الخلفاء قبله من [٥٤ ب] العين والورق والجواهر والفرش والأسلحة والطّيب وآلات الحرب، حتى قال له بغا الكبير: يا أمير المؤمنين هذه الخزائن مادة المسلمين أدخرها الخلفاء قبلك لملم يسنح أو عارض يعرض في الإسلام فلم يلتفت إليه ولا إلى قوله. ومن جملة ما كان قد أخرج فيه الأموال قلاية «٣١٠» عملها على هيئة قلالى الرهبان وما أبقى شيئا من الجواهر النفيسة والآلات الفاخرة المرصعة إلا وضعها فيها وأمر فصيغ من الذهب صور كل حيوان خلقه الله تعالى من الوحوش والطيور والناس وأمر أن تعمل فيها الحباب «٣١١» المملوءة من الغالية والأواني الفاخرة كالأصطال والقماقم المصاغة من الذهب مملوءة من المسك والعنبر. وأمر فصيغت له قرى من الذهب كل قرية منها خمس مائة ألف دينار وأقل وأكثر. وفي القرية البقر والجواميس والأكرة والغنم والكلاب والزرع، كل هذا من الذهب المرصع وكذلك جميع الفواكه كالبطيخ والسفرجل والرمان والأترج والنارنج «٣١٢» مصاغا من الذهب المرصع بالجواهر. قال أحمد بن حمدون النديم «٣١٣» : كنت يوما عنده وعنده إنسان من بنى هاشم كان ينادمه أيام إدباره يقال له «أترجة» «٣١٤» فقلنا له: يا أمير المؤمنين نشتهي أن نبصر القلاية فقال: قوموا اصعدوا إليها قال: فصعدنا فرأينا أمرا هائلا ما كنا نظن أن الله يخلق مثله إلا في الجنة فمددت يدي وأخذت غزالا من عنبر قد عملت [٥٥ أ] عيناه [من] حبّتي جوهر وعليه سرج ولجام وركاب من ذهب في غاية الحسن والملاحة ووضعته في كمي ثم خرجنا فقال: كيف رأيت القلاية؟ فذكرت له أنى رأيت ما هالني. فقال له أترجة: يا سيدي في كمه غزال عنبر قد سرقه من القلاية

стр. 122

فقال لأترجة: كأنى نفذتكم إلى هناك لترون القلاية وتنصرفون بالحسرة وإنما نفذتكم حتى إذا استحسن أحد منكم شيئا منها أخذه، وأنت يا أترجة ما أخذت شيئا؟ قال: لا! قال: أخطأت قم وخذ كل ما تريد. ثم قال لي: قم معه وخذ ما أحببت. قال: فقمنا ودخلنا القلاية وملأنا أكمامنا وخفافنا وفتحنا أقبيتنا وحشوناها بما قدرنا عليه من تلك الجواهر المثمنة والآلات النفيسة. ثم قلت: ويلك يا أترجة متى نجد مثل هذا اليوم ومن أين يقع لنا مثل هذا المثكل يطلق أيدينا في ما جمعه الخلفاء في الدهور الطويلة؟ فقال لي: أيّ شيء أعمل ما بقي معى شيء آخر أحمل فيه. فقلت له: اخلع سراويلك وخلعت سراويلي وعقدنا أطراف التكك وملأناها وأخذناها تحت آباطنا وخرجنا نمشي مشى الحبالى فلما رآنا ضحك وكان قد دخل إليه ونحن في القلاية جماعة الجلساء فقالوا له: نحن ما ذنبنا؟ فقال: قوموا أنتم أيضا فقال المطربون: ونحن يا مولانا؟ فقال: وأنتم أيضا. فقاموا من بين يديه كالمجانين فانتهبوا القلاية وهو يضحك «٣١٥» . قال ابن حمدون: فلما رأيت الأمر على هذه الصورة خرجت [٥٥ ب] مسرعا فاجتزت عليه كالمجنون أقصد القلاية فصاح بى: ويلك إلى أين؟ فقلت له: قد نسيت شيئا وصعدت القلاية والغارة قد وقعت فيها فمددت «٣١٦» يدي إلى سطل من ذهب كبير مملوء من المسك فأخذته معلقا في يدي وأنا أعالج الجهد الجهيد في حمله فاجتزت عليه وأنا على تلك الحال فقال لي: إلى أين؟ قلت: إلى الحمام يا سيدي وخرجت فأعطيته لغلماني فذهبوا بالجميع إلى بيتي. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين واستشعر المستعين من باغر «٣١٧» وقيل له: إنه قد اجتمع جماعة من الأتراك وتبايعوا وتحالفوا على قتلك وقتل بغا ووصيف. فاستدعى وصيفا وبغا الصغير وانحدر إلى بغداد في رابع محرم من هذه السنة وهما في صحبته وبقي الأتراك بسامراء متحيّرين فنفذوا جماعة لترضّيه واستلال ما في نفسه منهم فردّهم ولم يعد، فاجتمعوا وتشاوروا وقالوا: نبايع غيره. فاجتمع رأيهم على

стр. 123

مبايعة المعتز فبايعوه وأجلسوه على سرير الخلافة. وضعف أمر المستعين ببغداد لأن دار الملك إذ ذاك كانت سامراء والمعتز بها مع جمهور العسكر وبها خزائن الأموال والسلاح. وخاف على نفسه منهم فنفذوا إليه وطلبوا منه أن يخلع نفسه فأبى ثم لما رأى ضعف أمره وقلة المال والعساكر عنده أجابهم إلى ذلك بشرط أن يعطوه خمسين ألف دينار ويقطعوه ما يرتفع منه ثلاثون ألف دينار ويقيم بالبصرة. فلما جرى ذلك قال له بعض خدمه: يا سيدي [٥٦ أ] إن البصرة وبيئة. قال: ويلك أيما أوبأ البصرة أو ترك الخلافة «٣١٨» ؟ وكان الّذي تولى أخذ البيعة على الناس ببغداد للمعتز القاضي ابن أبى الشوارب «٣١٩» وذلك بعد ما سمع من المستعين خلع نفسه وكان ذلك بالمسجد الجامع ببغداد. فإن الرسول المنفذ من سامراء جمع الخلائق بالجامع والقضاة والعدول وحضر المستعين فقال له القاضي ابن أبى الشوارب: يا أمير المؤمنين أشهد عليك بأنك قد خلعت نفسك من جميع ما كنت تتولّاه من أمور المسلمين، وإنك قد بايعت ابن عمك أبا عبد الله الزبير بن المتوكل على الله؟ قال: نعم اشهد عليّ بذلك. فقال له القاضي: خار الله لك أيها الأمير «٣٢٠» وسلّم إليهم القضيب والبردة وانحدر يريد البصرة فنفذوا وراءه من قتله بنواحي واسط «٣٢١» وجاء برأسه إلى المعتز وذلك في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين [ومائتين] وكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر. وقتل وله ثلاث وثلاثون سنة. وكان وزراءه «٣٢٢» : أحمد بن الخطيب، ثم أبو صالح بن يزداد، ثم محمد بن الفضل الجرجرائى. وكان- ﵀ يدّعى معرفة الأدب ولم يكن يحسن شيئا منه ويتشاعر ولم يكن شاعرا. وكان مغرى بالتصحيفات «٣٢٣» وكان إذا جلس في مجلس الأنس يقول لندمائه: أيّ شيء يكون تصحيف مجدّة؟ فيقولون: لا نعلم فيقول هو: مخدّة فيقولون: أحسنت يا مولانا عين الله عليك. وكان يقول: أيّ شيء يكون تصحيف ناب ويومئ بيده إلى الباب، وأشياء من هذا وشبيهه.

стр. 124

وكان من شعره [٥٦ ب] الّذي أمر المغنّين أن يغنوا به: يا قوم أنا المستعين ... عشقت ظبيا سمين كأنه غصن تين ... بالمصحف أي عالمين ما في السما مسلمين «٣٢٤» [١] وكان يقول للمطربين غنّوا بشعري فيغنون به والجلساء يتضاحكون «٣٢٥» . فعمل يوما هذين البيتين وأمر المغنين أن يغنوا بهما، وهما: شربت كأسا كشفت عن ناظري الخمرا ... فنشطتنى ولقد كنت حزينا حائرا [١] ثم قال باللَّه عليكم أجيزوها ببيت آخر فقال واحد منهم: هذا خرا، هذا خرا، هذا خرا، هذا خرا وكان لاحتماله ولطافة أخلاقه يسمع مثل ذلك ولا يؤاخذهم به.

стр. 125

أمير المؤمنين المعتز باللَّه هو أبو عبد الله، الزبير بن المتوكل وأمه أم ولد روميّة تسمى قبيحة. بويع له يوم الخميس لأربع خلون من المحرم سنة إحدى وخمسين ومائتين، وجلس جلوسا عاما للناس وما رئي في زمانه أصبح وجها منه ولا من أمه قبيحة. وكان أمرد حين ولى الخلافة وفي ذلك اليوم دخل عليه البحتري وأنشده قصيدته «٣٢٦» التي أولها: يجانبنا في الحب من لا نجانبه ... ويبعد عنّا في الهوى من نقاربه ومنها: عجبت لهذا الدهر أعيت صروفه ... وما الدهر إلا صرفه وعجائبه وكيف رددنا المستعار مذمما ... إلى أهله واستأنف الحق صاحبه [٥٧ أ] وكيف رأيت الحق قرّ قراره ... وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه ولم يكن المغترّ باللَّه إذ سرى ... ليعجز والمعتز باللَّه طالبه بكى المنبر الشرقي إذ خار فوقه ... على الناس ثور قد تدلّت غباغبه رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر ... وعرى من برد النبيّ مناكبه ومنها في مدح المعتز: تدارك دين الله من بعد ما عفت ... معالمه فينا وغارت كواكبه وضم شعاع الملك حتى تجمّعت ... مشارقه موفورة ومغاربه مدبر دنيا أمسكت يقظاته ... بآفاقها القصوى وما طرّ شاربه فكيف إذا ثابت إليه أناته ... وراضت صعاب الحادثات تجاربه إذا حصّلت عليا قريش تناظرت ... مآثره في فخرها ومناقبه وبعد أيام جلس المعتز باللَّه للمنادمة وخلع على جميع الأولياء ولبس التاج المرصع بالجواهر النفيسة وكان يوما مشهودا. قال البحتري: فكنت أصعّد بصرى وأصوّبه في صباحته وأتعجّب من صنع الله تعالى في إبداع صورته ففطن بى والتفت إليّ وقال لي: يا بحترى في أيّ شيء تتأمّل

стр. 126

منى؟ قلت له: يا مولاي التاج يزين الوجوه كلها إلا وجهك فإنه يزين التاج ولو وضعته لكنت أجمل، فوضعه من رأسه فرأيت من سواد شعره على بياض جبهته ما أدهشنى. فقال لي: يا بحترى أتستحسن صورتي؟ قلت: نعم قال: أفتشتهي أن تقبّلنى؟ قلت: نعم أقبّل رجلك قال: لا ولكن خذ يدي ومدّها إليّ فقبّلتها. فلما شربنا وانتشينا أخذنى إلى [٥٧ ب] زاوية وقال: يا بحترى بحياتي عليك وبتربة جعفر المتوكل إلا ما قبّلت وجهي فامتثلت أمره وقبّلته وقال لي: هذا لك عليّ رسم مستمرّ كلما سكرنا. وكان بعد ذلك يقول: يا بحترى قد اجتمعت لك عليّ ديون متى تقبضها «٣٢٧» ؟ وقال البحتري: دخلت يوما عليه والتاج على رأسه فأنشدته: برّح بى الطيف الّذي يسرى ... وزادني سكرا على سكرى ونشوة الحب إذا أفرطت ... بالصب جازت نشوة الخمر للَّه ما تجنى صروف النوى ... على حديث العهد بالهجر مهزوزة القدّ إذا ما انثنت ... في مشيها مهضومة الخصر يلومني في حبّها من يرى ... أن لجاج اللوم لا يغرى لم أر كالمعتز في حلمه ... الوافي وفي نائله الغمر يستصغر البحر إذا استمطرت ... له يد تربى على البحر علاه أقصى في محل العلى ... وفخره في منتهى الفخر خليفة تخلف أخلاقه ... القطر إذا غاب حيا القطر حيا الندى من كفه يبتدى ... وماؤه في وجهه يجرى كأنما التاج إذا ما علا ... جبينه بالدرر الزّهر كواكب أفلاكه أفقها ... جاءت فحفت غرّة البدر «٣٢٨» فحين أنهيت القصيدة أمر لي بمائة ألف درهم وقال: لا تعلم بها الشعراء فإنّي قد أمرت لهم بخمس مائة ألف درهم فإذا علموا بما أعطيتك لم يفرزوا نصيبك فخذ هذه وامض وخذ نصيبك معهم.

стр. 127

وحكى «٣٢٩» البحتري، قال: [٥٨ أ] كنّا يوما مع المعتز باللَّه في الصيد فعطش فطلب ماء وكان جنبه يونس بن بغا، وكان ثانى المعتز في الحسن، وكان المعتز مستهترا به، شديد العشق له. فقال له: يا أمير المؤمنين إن قريبا منّا ديرا فيه راهب أعرفه ويعرفني فإن رأيت أن تنفرد من العسكر ونقصده فإن الدير لا يخلو من ماء بارد ثم نستريح عنده ساعة ثم نعود إلى شغلنا. قال: أفعل. قال يونس بن بغا: فقصدنا الدير وإذا بالراهب جالس على باب الدير فطلبت منه ماء فجاء به ثم سألني عن المعتز باللَّه فقلت له: هو من أولاد الجند وأنا كذلك. فقال للراهب: بل أنتما والله من أزواج الحور العين. فقلت له: يا راهب ليس هذا من دينك فقال: الآن هذا من ديني فضحك المعتز باللَّه. ثم قال الراهب: أتأكلان شيئا؟ فقال له المعتز: نعم، فقال: انزلا. فنزلنا عن الخيل وقعدنا على دكّة على باب الدير وجاءنا بطعام من أطعمة الرهبان فأكلنا. فقال المعتز ليونس: قل له لمن تشتهي أن تجامع منّا؟ فقال له يونس ذلك. فقال الراهب: كلاكما وتمرا «٣٣٠» ، فضحك المعتز حتى استلقى على الحائط. فقال له يونس: لا بدّ أن تختار واحدا. فقال الراهب: الاختيار والله في هذا دمار، والله ما بقي لي عقل يميّز بينكما. وما كان لحظة حتى سالت تلك الشعاب بالمراكب قاصدين صوب الدير لأنهم رأوا المعتز ويونس قد أخذا في ذلك الصوب. فحين رأى الراهب ذلك ارتاع قليلا فقال له المعتز: بحياتي لا تنقطع عما كنّا فيه فإنّي لهم ثمّ مولى، ولمن ها هنا صديق «٣٣١» . وأمر له بخمس مائة [٥٨ ب] ألف درهم فحلف لا يقبلها أو يجيبه في مسألة يسأله إياها فقال: سل ما شئت، قال: تكون في دعوتي أنت وجميع عسكرك في اليوم الفلاني قال: ذلك لك. فلما كان في ذلك اليوم مضى إلى دعوته فأخرج عليه الخمس مائة ألف درهم. وكان للمعتز شعر لا بأس به، فمن ذلك أنه كان يشرب «٣٣٢» يوما على بستان مملوء بالنمّام وبين النّمام شقائق النعمان، فدخل يونس بن بغا وعليه قباء أخضر وهو سكران وقد احمرّت وجنتاه، فقال المعتز:

стр. 128

شبهت حمرة وجهه في ثوبه ... بشقائق النعمان في النّمام «٣٣٣» ثم قال: أجيزوه فابتدر بنان «٣٣٤» المغنّى وقال: والقدّ منه إن بدا في قرطق ... كالغصن في لين وحسن قوام وغضب عليه يوما فتنغّص عيشه وبعد ذلك حضر فقال المعتز «٣٣٥» : تغيب فلا أفرح ... فليتك لا تبرح وإن جئت عذّبتنى ... لأنك لا تسمح وألفيت ما بين ذين (م) ... لي كبد تجرح على ذاك يا سيدي ... دنوك لي أصلح وكان المعتز باللَّه يحب من بين إخوته الموفق أبا [أحمد] طلحة بن المتوكل لأنه كان أنجب الجماعة، وكان المعتز خلع عليه وتوّجه وأمره بالجلوس على كرسي بين يدي سدّته «٣٣٦» . ولما كان في يوم الاثنين سابع وعشرين رجب سنة خمس وخمسين ومائتين شغّب الجند وطلبوا المال وركب صالح «٣٣٧» بن وصيف وبايكباك «٣٣٨» ومحمد بن بغا وهو أبو نصر، ووافوا باب الجوسق بسامراء ونفذوا إلى المعتز أن اخرج [إلينا] فقال: إني قد تناولت [٩٥ أ] الدواء. فعاودوه فأدخلهم إلى عنده فلما رأوه جرّوا برجله وأقاموه في الشمس وقالوا له: اخلع نفسك فخلع نفسه وأدخلوا القضاة والشهود فشهدوا عليه بالخلع. وهربت أمه قبيحة من سرداب كان في الدار فنجت. وكان السبب في ما جرى عليه، بعد قضاء الله تعالى، أمه قبيحة فإنّهم طلبوا منها خمسين ألف دينار فقالت: ما في الخزائن شيء ولا عندي مال فليقتنع كل منكم بإقطاعه ومرسوماته فحين خلعوا ابنها وقتلوه أخذوا من خزانة واحدة ثلاث مائة ألف دينار. ونفذ الأتراك إلى بغداد من جاء بمحمد بن الواثق فوصل ليلة الأربعاء تاسع وعشرين رجب فبويع بالخلافة ولقّبوه المهتدي باللَّه، واستصفوا جميع ما كان للمعتز باللَّه ولأمه ولجميع أسبابهم من النعمة والأموال حتى أخذوا من الخزائن جميعا ما كان قدره

стр. 129

ثلاثة آلاف ألف دينار من العين وثلاثة آلاف ألف أخرى من الجوهر. ولما علموا أنه لم يبق له شيء أدخلوه حمّاما وسدّوا عليه أبوابه حتى مات. وكانت وفاته يوم الاثنين ثانى عشر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين. وكانت خلافته مذ بويع له بسرّ من رأى أربع سنين وستة أشهر وخمسة وعشرين يوما. وكان مولده في الحادي عشر من ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، فعمره على هذا الحساب اثنتان وعشرون سنة وثلاثة أشهر وأيام. وقد روى: أن عمره كان أربعة وعشرين سنة «٣٣٩» [٥٩ ب] .

стр. 130

أمير المؤمنين المهتدي باللَّه «٣٤٠» [هو] محمد بن الواثق ويكنى [أبا] عبد الله، وأمه أم ولد اسمها «قرب» . وحين وصل من بغداد إلى سامراء فوافاها يوم الأربعاء تاسع وعشرين رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وأرادوا أن يبايعوه في اليوم المقدم ذكره، قال: لا أفعل حتى أسمع بأذني خلع المعتز نفسه فالمثل السائر: «لا يجتمع فحلان في شول ولا سيفان في غمد» «٣٤١» ، فأدخلوه إليه فسلّم عليه بالخلافة وجلس بين يديه، فقالوا له: ارتفع، قال: لا ارتفع إلّا أن يرفعني الله بخلافته. ثم قال له: يا أمير المؤمنين خلعت أمر البرّية عن عنقك طوعا ورغبة، وكل من كانت لك في عنقه بيعة فهو بريء منها؟ فقال من الخوف: نعم! فقال: خار الله لنا ولك يا أبا عبد الله. ثم ارتفع حينئذ إلى صدر المجلس وبايعه الناس واستوزر أبا صالح جعفر بن احمد بن عمّار «٣٤٢» . وكان المهتدي زاهدا ورعا صوّاما قوّاما، لم تعرف له زلّة «٣٤٣» . وكان سهل الحجاب كريم الطبع يخاطب أصحاب الحوائج بنفسه ويجلس للمظالم بنفسه. وكان يلبس القميص الصوف الخشن تحت ثيابه على جلده. وكان يقول: لو لم يكن الزهد في الدنيا والإيثار لما عند الله من طبعي لتكلّفته وتصنّعته فإن منصبي يقتضيه فإنّي خليفة الله في أرضه والقائم مقام رسوله النائب عنه في أمته، وإني «٣٤٤» لأستحي أن يكون لبني مروان عمر بن عبد العزيز وليس لبني العباس مثله وهم آل الرسول- ﷺ وبه ألزم وإليه أقرب. وكان الناس [٦٠ أ] يروون عن سفيان الثوري أنه كان يقول: «الخلفاء الراشدون خمسة، ويعدّ فيهم عمر بن عبد العزيز» «٣٤٥» . ثم أجمع الناس في أيام المهتدي من فقيه ومقرئ وزاهد وصاحب حديث أن السادس هو المهتدي باللَّه. واتفق أنه سمع يوما، وهو بأعلى القصر يشرف على الناس وهم لا يرونه، رجلا يقول لرجل: نصبت ميزاب سطحك في ملكي؟ بيني وبينك أمير المؤمنين، فسجد وبكى ورفع رأسه وقال: الحمد للَّه الّذي أرانى الدنيا هكذا، هذا والله قد طيّب عليّ الموت.

стр. 131

وحكى «٣٤٦» أن رجلا من الرملة تظلّم إلى المهتدي من عاملها فأمر بإنصافه وكتب له كتاب إليه فأخذه المهتدي ووقّع فيه أسطرا بخطه وختمه بيده وسلّمه إلى الرجل وهو يدعو له. ورأى الرجل في ذلك المجلس أشياء من هذا الفن وشاهد من رحمة المهتدي وبرّه بالرعية وتولية أمورهم بنفسه ما لم ير مثله فاستخفّه الطرب لذلك حتى سقط مغشيّا عليه فنهض المهتدي يعاينه بنفسه فلما أفاق قال له: ما شأنك؟ أبقيت لك حاجة؟ قال: لا والله ولكنى ما رجوت أن أعيش حتى أرى هذا العدل. قال له: كم لزمك منذ خرجت من بلدك؟ قال: أنفقت عشرين دينارا قال المهتدي: إنا للَّه! كان الواجب علينا أن ننصفك وأنت في بلدك ولا نحوجك إلى تعب وكلفة وإذ لم يتّفق ذلك فهذه خمسون دينار من بيت مال المسلمين فإنّي لا أملك مالا فخذها لنفقتك قادما وراجعا واجعلنا في حل من تعبك وتأخّر حقك. قال: فبكى الرجل حتى غشي عليه ثانيا وأجهش بعضهم بالبكاء [٦٠ ب] وبهت البعض فقال واحد من الجماعة: يا أمير المؤمنين أنت والله كما قال الأعشى: حكّمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر «٣٤٧» فقال المهتدي: أما أنت فأحسن الله جزاءك، وأما أنا فما رويت هذا الشعر ولا سمعت به ولكنى أذكر قول الله : «ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين» فما بقي في المجلس إلا من استغرق في الدعاء والبكاء جهده ودعا له بطول العمر ونفاذ الأمر. وللبحترى فيه قصيدة «٣٤٨» بديعة يصف فيها زهده وسيرته ولبسه للصوف وأوّلها: إذا عرضت أحداج ليلى فنادها ... سقتك غوادى المزن صوب عهادها أما لبثة تقضى لبانة عاشق ... بها أو يروّى هائم باتئادها

стр. 132

وددت وهل نفس امرئ بملومة ... إذا هي لم تعط الهوى من ودادها «٣٤٩» لو أن سليمى أسجحت أو لو أنه ... أعير فؤادي سلوة من فؤادها وأحسد أن تسرى إلى من الهوى ... عقابيل تعتاد الجوى باعتيادها فكم نافسوا في حرقة إثر فرقة ... تعجّب من أنفاسها وامتدادها وفي ليلة بعنا لطارق شوقنا ... كرى أعين مطروقة بسهادها غدا المهتدي باللَّه والغيث ملحق ... بأخلاقه أو زائد في عدادها حمدنا به عهد الليالي وأشرقت ... لنا أوجه الآمال بعد اربدادها [٦١ أ] إذا كرّت الآمال فيه تلاحقت ... مواهب مكرور الأيادي معادها وقد أعجز العذال أن يتداركوا ... لهى تسبق الألحاظ قبل ارتدادها سرت تتبغاه الخلافة رغبة ... إليه بأوفى قصدها واعتمادها إمام إذا أمضى الأمور تتابعت ... على سنن من قصدها أو سدادها متى يتعمّم بالسحاب تلث على ... كفيّ لها يجتاز إرث اسودادها وإن يتقلد ذا الفقار يضف إلى ... شجاع قريش في الوغى وجوادها له عزمة ما استبطأ الملك نجحها ... ولا استعتب الأيام ورى زنادها إذا شوهدت بالرأي بان اختيارها ... وإن غاب ذو الرأى اكتفت بانفرادها رشيدية في نجرها واثقية ... يرى الله إيثار التقى من عتادها وما نقلت منه الخلافة شيمة ... وقد مكّنته عنوة من قيادها «٣٥٠» وما مالت الدنيا به حين أشرقت ... له في تناهى حسنها واحتشادها قال البحتري: فلما بلغت إلى قولي: لسجادة السجّاد أحسن منظرا ... من التاج في أحجاره واتّقادها وللصوف أولى بالأئمة من سبا ... الحرير وإن راقت بصبغ جسادها «٣٥١» استحسن هذين البيتين. قال البحتري: فلما فرغت من إنشاد القصيدة قال لي: والله لقد أحسنت في تينك

стр. 133

البيتين، إلا أننى علمت أنك قصدت بهما المعتز وما كنت أحب أن تنشدهما على الملأ فأنسب إلى سماع غيبة أهلي وأنت إلى قلة المحافظة وسوء العهد وليس لي مال أصلك به ولا أرى لك في بيت مال المسلمين حقّا ولكنى أفعل معك [٦١ ب] فعلا آخر، وأمر بإحضار أهله وأقاربه وقال لهم: أبو عبادة خطيب بيتنا وشاعر دولتنا وليس في يدي شيء سوى الأموال التي في بيت مال المسلمين وهي وديعة في يدي والله يسألنى عنها يوم القيامة ويحاسبني عليها فأجيزوا أبا عبادة عنى، فجمعوا لي بينهم في الحال مائة ألف درهم. فقال المهتدي: يا أبا عبادة والله ما ملكت عشرها قط ولا أملكه إن شاء الله. وكان بايكباك التركي في أيامه قد خرب الدنيا ونهب العالم وقتل الرعية، وشكى ذلك إليه فأمره دفعات بالكفّ عن ذلك فلم يقبل فأمر بقتله وجرى على لسانه أن قال: أريد قلع هؤلاء الأتراك وتطهير الدنيا منهم. فاجتمع الأتراك كلهم وخرجوا عليه وقصدوه بسامراء فخرج إليهم إلى الميدان في نحو من عشرة آلاف فارس كلهم ترك وبعضهم عرب وبعضهم مولّدون وبعضهم مغاربة وكانوا هم في نحو من سبعين ألفا فحاربهم فكسروه لأن الأتراك الذين كانوا في عسكره غدروا به وانضموا إليهم «٣٥٢» ، وانهزم ودخل وفي حلقه مصحف معلّق والبردة على كتفيه إلى بيت رجل من أهل سامراء يعرف بابن جميل فدخلوا خلفه وقالوا: اخلع نفسك فما فعل فأخذ أحدهم خصاه في يده وجعل يمرسها ساعة فمات «٣٥٣» . وكان قصيرا عريض المنكبين واسع الجبهة طويل اللحية. وكان مولده بالقاطول. فأما وزراؤه: فأولهم جعفر بن محمود [الإسكافي] وأبو صالح [جعفر بن أحمد] ابن عمّار، وسليمان بن وهب «٣٥٤» .

стр. 134

أمير المؤمنين المعتمد على الله [٦٢ أ] هو أبو العباس، أحمد بن جعفر المتوكل وأمه أم ولد يقال لها «فتيان» «٣٥٥» . بويع له في اليوم الّذي مات فيه المهتدي، في رجب سنة ست وخمسين [ومائتين] . وزر له عبيد الله بن يحيى بن خاقان «٣٥٦» بعد أن امتنع فألزم ودبّر الأمور وأحسن التدبير وتوسّع في الإنفاق من ماله حتى مات وعليه ست مائة ألف دينار وذلك لخلو الخزائن من المال. ولم يكن للمعتمد من الخلافة سوى الاسم والتدبير إلى وصيف وبغا. والشاعر فيهما يقول: وملك مستعبد ... بين وصيف وبغا يقول ما قالا له ... كما تقول الببغا «٣٥٧» وتغلّب آخر الأمر على الدولة أبو أحمد الموفق أخو المعتمد، وساس الأمور أحسن سياسة وأصلح العالم بعد ما فسد وله الحق العظيم على الإسلام بما رابط الزنج أربع عشرة سنة، فإن صاحب الزنج خرج وأخذ البصرة وبنى عشر مدن حواليها ولولا الموفق لذهب ملك بنى العباس وملك الناس الزنج إلى يومنا هذا وكان له من النجدة والشهامة وكبر الهمة ما فاق به أهل بيته من إخوته وعمومته وكان يسمّى السفاح الثاني «٣٥٨» لأن السفاح كان ابتداء الدولة وهذا أيضا ابتداء الدولة وقد أشرفت على الزوال. وكان ابنه المعتضد يسمّى المنصور الثاني لشجاعته ودهائه وخبرته بالأمور، وسيجيء ذكره. وولّى وزارته أبا الصقر إسماعيل بن بلبل الشيباني «٣٥٩» ، ولم يبق للمعتمد على الله تصرف في أمر من الأمور وإنما كان مستهترا بالشرب لا يبرح من الجوسق [٦٢ ب] بسامراء ولا يخرج منه إلا إلى متصيّد أو متنزّه حتى إنه بعد في الصيد إلى نواحي الشام وكان الموفق يرابط الزنج بالبصرة فسمع بذلك فوقع على البريد إلى إسحاق بن كنداجيق «٣٦٠» والى الشام أن يمنعه من العبور عليه ونفذ إلى العسكر الذين معه يأمرهم أن يعيدوه فأعادوه صاغرا إلى سامراء «٣٦١» . وحين قتل صاحب الزنج تلقّب بالناصر لدين الله، وكان بلى بشيء لو بلى به المنصور أو المأمون

стр. 135

لبعل به «٣٦٢» . فمن جملة ما بلى به ما كان أخوه منهمكا فيه من العشرة وترك النظر في أمور المسلمين وكان يحتاج أن يتولّى ذلك بنفسه. ومن جملة ذلك: خروج صاحب الزنج «٣٦٣» واستيلاؤه على قطعة كبيرة من بلاد الإسلام، فلما أراحه الله منه وأظفره به، خرج عمرو بن الليث «٣٦٤» بفارس وكرمان واحتاج إلى قصده بنفسه وانتزاعها من يده، ثم بعد ذلك عصى أحمد بن طولون عليه بمصر، هذا كله مع ذهاب الأموال وفراغ الخزائن وتضاعف النفقات فحسم هذه المواد وقهر هؤلاء كلهم ودانت له الدنيا وأصلحها بعد فسادها. وفي سنة إحدى وستين ومائتين ولى المعتمد على الله ابنه العهد ولقّبه «المفوض إلى الله» «٣٦٥» . وفي سنة ثمان وسبعين اشتدت علّة الموفق وكان ابنه أحمد محبوسا فأخرجه القواد من الحبس فدخل عليه فحين رآه أدناه وقبّله وأومأ إليهم أن يكون هو بعده «٣٦٦» أمين الدنيا، ثم أراد أن يكلّمه فقال: أحمد، ومات وذلك في ليلة الخميس لثمان ليال بقين من صفر من هذه السنة ودفن [٦٣ أ] بالرصافة وقام ابنه أحمد مقامه. وحكى «٣٦٧» أحمد بن الموفق قال: رأيت في منامي وأنا محبوس أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- ﵇ يقول لي: أمر الخلافة يصل إليك فاعتضد باللَّه وأكرم أولادي. قال: فانتبهت ودعوت الخادم الّذي كان بخدمتي في الحبس وأعطيته فص خاتم كان في يدي لا نقش عليه وقلت له: امض إلى الحكّاك وقل له ينقش عليه: المعتضد باللَّه أمير المؤمنين فقال لي: يا سيدي هذه مخاطرة بالنفس مع أبيك وعمك، أين نحن من الخلافة وأين الخلافة منّا وإنما غاية مأمولنا أن نتخلص من هذا الحبس ونشم الهواء وتسلم لنا نفوسنا. فقلت له: لا تهذ وامض وافعل ما آمرك به فإن أمير المؤمنين عليّا ولّاني الخلافة وهو لقّبنى المعتضد باللَّه. فمضى وعاد إليّ بعد ساعة والفصّ معه وعليه مكتوب «المعتضد باللَّه أمير المؤمنين» بأوضح خط وأبينه، فقلت له: اطلب لي دواة وكاغدا فجاءني بهما فجعلت أقسّم الدنيا. وأرتب الأعمال وأولّي العمال والولاة وأصحاب الدواوين، فبينا أنا في ذلك جاء القوم وأخرجونى.

стр. 136

وبعد موت الموفق أبى أحمد بأيام، دخل أحمد بن الموفق على عمه المعتمد على الله بسامراء وقصّ عليه المنام وقال: إن لم تخلع ابنك من العهد برضاك فأنا أخلعه بعدك فإن أمير المؤمنين عليّا- كرم الله وجهه- ولّانى هذا الأمر. فخلع ابنه وولّاه العهد بعده. وقدم المعتمد بغداد ونزل بالقصر الحسنى «٣٦٨» الّذي هو اليوم دار الخلافة ومات به في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وكان موته [٦٣ ب] بعد موت الموفق بسنة وكان أسنّ من الموفق بستة أشهر. والبحتري لم يدرك خلافة المعتضد وإنما أدرك إمارته. ورثى الموفق بالنونية وهي: نسعى وأيسر هذا السعي يكفينا ... لولا تطلّبنا ما ليس يعنينا نروض أنفسنا أقصى رياضتها ... على مواتاة دهر لا يواتينا إن أنت أحببت أن تلقى ذوى أسف ... على فقيدهم فاحلل بوادينا رزية من رزايا الدهر شاغلة ... لناصر الدين عن أن ينصر الدينا «٣٦٩» وكان الخليفة بالحقيقة في زمان المعتمد هو الموفق الناصر لدين الله، ولم يكن للمعتمد منها إلا الاسم. أما وزراء المعتمد «٣٧٠» : فأولهم عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وثانيهم الحسن بن مخلد ثم سليمان بن وهب ثم إسماعيل بن بلبل ثم صاعد بن مخلد ثم إبراهيم بن المدبر، هؤلاء كلهم إنما كان يوليهم الموفق ومرجعهم إليه.

стр. 137

أمير المؤمنين المعتضد باللَّه هو أبو العباس [أحمد] بن الأمير الموفق الناصر لدين الله، أبى أحمد، طلحة ابن جعفر المتوكل على الله. بويع للمعتضد يوم الاثنين ثالث رجب من سنة تسع وسبعين ومائتين وله سبع وثلاثون سنة لأن مولده كان في ربيع الأول سنة أربعين ومائتين، وأمه أم ولد اسمها «ضرار» «٣٧١» . وكان المعتضد باللَّه أكمل الناس عقلا وأعلاهم همّة، حلب الدهر أشطره وعاقب بين شدته ورخائه. وكان مقداما عادلا سخيّا، اجتمع فيه من محاسن [٦٤ أ] الشّيم ومكارم الأخلاق ما تفرق في جماعة من أهل بيته وما كان يقر في دار الملك بل قطع أيامه بالأسفار في شرق الأرض وغربها لغزو الكفار أو لقمع الخوارج. وكان قد أبطل المضارب الكبار. وكانت غزواته شبيهة بالكبسات. وكان [قد] أمر جميع عسكره أن يستصحب كل واحد منهم تحت ركابه الزاد والماء والمقدحة والحراق. وكان يقول: ما أقصد أحدا على غفلة باسم الخلافة إلا هاله أمرى. وكان إذا قصد ثغرا أو عدوّا لا يعرف له خبر قبل وصوله إليه. وكان يبقى عليه القباء السنة والأقل والأكثر لا ينزعه عن بدنه. وكان يقول: أن الّذي أصلحت الدنيا بعد ما فسدت ورددت ملك بنى العباس بعد ما ذهب، وكان صادقا في قوله. وذكر مناقبه لا يتسع لها مجلدات، إلا أننى أذكر من ذلك ما يحتمل هذا المختصر. حكى «٣٧٢» أن تاجرا عامل بعض الأمراء أيام المعتضد باللَّه فمطله فشكا ذلك إلى بعض أصدقائه فقال له: عليك بفلان الخياط إمام المسجد الفلاني فهو يستخرج لك الحق منه. قال: فقصدت الخياط وسلّمت عليه وشرحت له حالي وسألته في استخلاص حقي فقال: حبّا وكرامة ونفذ معى إليه رقعة لطيفة فعرضتها عليه فتغيّر وجهه ثم أمر فسلّم إليّ المال في الحال فأخذته ووضعته في بيتي وعدت إلى الخيّاط

стр. 138

وقلت له: يا سيدي ما الّذي كان في رقعتك إلى هذا التركي وو الله ما أنت إلا ساحر فإنّي قد تشفّعت إليه بكل كبير من أركان الدولة وما نفعني ذلك شيئا. فقال [٦٤ ب] لي: أليس قد وصل إليك حقك؟ قلت: بلى! قال: فما لك ولهذا؟ قلت: والله ما أفارقك أو تخبرني. قال: أنا رجل مؤذّن وأصلى بالناس في هذا المسجد فخرجت ليلة على عادتي لغلق الباب فرأيت غلاما تركيّا سكران وهو يجاذب امرأة ويجرّها وهي تستغيث وهو لا يتركها فتقدّمت إليه وتشفّعت إليه في أمرها فلم يقبل منى واجتمع أهل المحلة واجتهدوا بكل حيلة أن يخلصوها من يده فلم يقدروا على ذلك وأخذها وأدخلها إلى بيته فصعدت المنارة وأذّنت وهذا المسجد كما تراه ملاصق لدار الخلافة فسمع المعتضد باللَّه أذانى ولم يكن وقت الأذان وكان بعد جالسا ما نام. فبينا أنا بعد على رأس المنارة وإذا بخادم يطلبني ويقول: أجب أمير المؤمنين فقلت: السمع والطّاعة فأخذني وحملني إلى الخليفة وهو جالس فقبّلت الأرض ووقفت. فقال لي: ما هذا الأذان في غير وقته؟ قلت: يا أمير المؤمنين إنما هذا شيء قصدته تعمّدا لتسمعه وعلمت من همتك العالية أنك لا تغفل السؤال عن مثله فإذا سألتني عنه أخبرتك بسببه. قال: هات ما عندك، فقصصت عليه القصة فأمر في الحال فأحضر التركي وأمر به فجعل في غرارة مملوءة نورة ودقّ بمداق حتى اختلطت عظامه بها ورمى به في دجلة. وقال لي: كلما شاهدت منكرا أخبرنى به والعلامة بيني وبينك الأذان في غير وقته. وقد تسامع الناس بذلك فكل من كانت له حاجة يقصدني فأؤذّن في غير وقت الأذان فيسمع المعتضد فيحضرني ويسألنى عن سبب [٦٥ أ] الأذان فأخبره بحال صاحب الحاجة فيأمر بقضاء حاجته. وحين قصدتني شاكيا من غريمك كتبت إليه رقعة أقول فيها: «تعطيه حقه أو أؤذّن؟» فأعطاك حقّك. ومن جملة ما يحكى عن سياسة المعتضد باللَّه وعدله، أنه لما سافر إلى بلاد فارس اجتاز بقراح «٣٧٣» بطيخ وإذا جماعة من الغلمان الأتراك قد تناولوا منه عدة وصاحب القراح يستغيث وهم غير مكترثين به فحين وقعت أعينهم على المعتضد رموا ذلك من

стр. 139

أيديهم وتهاربوا فوقف مكانه وأمر بهم فشدّت أيديهم وأرجلهم وضرب كل واحد منهم مائة مقرعة وهو يقول لهم: يا أولاد الزنا أنتم زرعتموه، أنتم سقيتموه، أنتم تؤدّون خراجه، أليس هذا ملك هذا الإنسان، أليس هو الّذي تعب فيه وحرثه وسقاه وأدّى خراجه؟ أما كان في نعمتي عليكم سعة فتشترون ذلك منه؟ حتى جئتم تأخذونه مجانا؟ وذلك الرجل واقف يضج بالدعاء له ويسأل في الغلمان وهو لا يجيب سؤاله ثم التفت وقال له: كم عليك من الخراج كل سنة؟ قال: كذا وكذا درهما، فأمر بأن يوقع له برفع الخراج عنه ثلاث سنين وقال له: اجعلني في حلّ مما صدر منهم فهو بالحقيقة منى وأنا المطالب به في الآخرة والمعاتب عليه في الدنيا. ثم سار حتى إذا وصل إلى المنزل أمر بالغلمان فصلبوا بعد أن أمر أن تلثّم وجوههم. ولما عاد من تلك السفرة إلى بغداد أمر بقتل طبيبة أحمد «٣٧٤» بن الطيب وكان زنديقا. فقال له: يا أمير المؤمنين إذا لم يكن لك بد من قتلى فلا تقتلني بالسيف فقال له [٦٥ ب] المعتضد: فيما ذا؟ قال: تأمر أن أطعم كبابا وأسقى شرابا فإذا سكرت فصدت من كلتى يدي إلى أن يستصفى دمي حتى لا أتألم بالموت. قال: لك ذلك، ثم أمر بما سأل فيه، فحين فصد من كلتى يديه أصابته الصفراء وقام كالمجنون من أول ذلك المجلس الّذي كان فيه إلى آخره يومه أجمع ولم يتألم أحد بالموت كتألمه وما نفعه طبّه. وحكى «٣٧٥» ابن حمدون النديم «٣٧٦» قال: كان له أصحاب أخبار يرفعون إليه كل ما يجرى في الأسواق فرفع إليه بعض أصحاب الأخبار أن إسكافا قال لقطّان، وقد طالبه بدين كان له عليه وكان يمطله به، ما بقي للمسلمين من ينظر في أحوالهم «٣٧٧» . قال ابن حمدون: وكنا في مجلس الأنس فحين قرأ الرقعة احمرّت وجنتاه وقامت عيناه في رأسه وقال: هاتم سوادي ومنطقتي وسلاحي فجاءوا به فلبس السواد وتمنطق وتقلّد سيفا وأخذ في يده حربة وأمر بالقواد فأدخلوا إلى المجلس الّذي كان يجلس فيه للسلام. وخرج فجلس على السرير وقال لبدر الحاجب الكبير: عليّ بفلان الإسكاف فما كان بأسرع من أن جاءوا به، فلما رأى المعتضد ارتعد وأبلس. فقال له المعتضد:

стр. 140

ويلك ما الّذي قلت اليوم لفلان القطّان؟ فلم يحره جوابا وأعاد عليه القول ثانيا فقال: يا مولانا ما قلت شيئا، قال: كذبت بل قلت له: ليس للمسلمين من ينظر في أمورهم. ثم قال المعتضد له: ويلك فإن كان الأمر كما قلت فأين أنا وأيّ شيء شغلي؟ فسقط الإسكاف على وجهه مغشيّا عليه [٦٦ أ] ونهض المعتضد ثم أمر أن ينتصف له من خصمه. قال ابن حمدون: وكنا لما قام قد تبادرنا نحو المجلس الّذي خرج إليه ونحن ننظر ما يجرى من خصاصات الأبواب. فلما نهض بادرنا مسرعين وجلسنا في الموضع الّذي كنا فيه ومضى وخلع السواد والمنطقة وعاد إلينا فوقع علينا كلنا الضحك فقال: ممّ تضحكون؟ فقلنا بأسرنا: يا مولانا رجل دائص عامي «٣٧٨» يجرى بينه وبين عامي آخر كلام في السوق كان يمكنك حيث أردت حسم المادة في مثله أن تأمر أقل غلمان الحجاب بزجره وكان ذلك يكفى، فقمت بنفسك ولبست سوادك وشهرت سلاحك وخاطبته بنفسك وقد كان في بعض هذا بلاغ ومقنع. فقال: ليس الأمر كما تظنون فإن العوام إذا أمرجوا في مثل هذا القول تجسّروا على أمثاله وتناقلته الألسن واشتهر عنى في البلاد فحسم مادته أول الأمر أشبه بالحزم وإنما تولّيت خطابه بنفسي ليعلم الخاصة والعامة أن مثل هذا الأمر الحقير لا أهمله ولا أكله إلى وزير ولا إلى حاجب فيكون مراقبتهم لي وخوفهم منى في الأمور الكبار أشد وأعظم. قال: فحين سمعنا كلامه لم يبق فينا إلا من ضجّ بالدعاء له والرغبة إلى الله تعالى في إدامة دولته. وحكى «٣٧٩» ابن حمدون قال: كنّا يوما عنده ونحن على مجلس المنادمة فوضع خادم له رقعة بين يديه فقرأها ثم أمر بالدواة فأحضرت وأخذ درجا وكتب فيه ونحن نرى ما يكتبه: «عامل كرج «٣٨٠» أهمل أمر عمله حتى دخل ديلميّان إلى مدينته في يوم كذا، اسم كل واحد منهما وحليته كذا [٦٦ ب] وقد نزلا في موضع كذا فساعة وقوفه على هذا التوقيع يقبض عليهما وينفذهما مقيّدين على خيل البريد والسلام» . ثم قال للخادم: احمل هذا التوقيع إلى الديوان ومرهم بتنفيذه على البريد. قال:

стр. 141

فتواقحت عليه وقلت: يا مولانا وإن دخل ديلميّان إلى كرج أو عشرة من الديالم ماذا يكون؟ قال: أقول لك ماذا يكون؟ قلت: نعم قال: إذا دخل اليوم ديلميّان ولم يتعرّض لهم دخل غدا أربعة وصاروا بعد غد مائة وصعب على والى البلد إخراجهم فتمكّنوا وربما أخرجوه واستولوا على مدينة من مدن المملكة وإذا استولى خارجي على مدينة قوى على غيرها بها وإذا أهملت مثل ذلك أفضى الأمر إلى أن ينازعونى على هذا السرير الّذي ورثته من آبائي. فقلت له: يا أمير المؤمنين أنت أعرف بوجه المصلحة والله أعلم حيث يجعل رسالاته. قال ابن حمدون «٣٨١» : وكنت قد حلفت أيمانا بالمصحف والطلاق كلما يحصل لي من القمار لا أصرفه إلا في القمار أو في ثمن نبيذ أو إلى جذر «٣٨٢» مطرب فاتفق أنى لعبت يوما مع المعتضد بالنرد فغلبته ألف دينار ثم لعبنا ندبا آخر فغلبته ألف [دينار] أخرى ثم هكذا حتى غلبته سبعة أنداب في كل ندب غلبته ألف دينار وقلت له: أريد المال فالتفت عنى فأعدت القول عليه فقال لي: يا أحمق وأنت تتوقّع الآن منى سبعة آلاف دينار؟ قلت: نعم! قال: والله ما يكون هذا أبدا. قلت له: أتضغوا؟ قال: نعم والتفت إلى الحاضرين وقال لهم: اشهدوا عليّ أنى قد ضغوت «٣٨٣» . ثم قام وصلّى فلما فرغ من الصلاة [٦٧ أ] عاد إلينا وأمر فحمل من الخزانة سبعة آلاف دينار فصبّت على نطع بين يديه وقال لي: يا ابن حمدون، قلت: لبّيك! قال: كنت سمعت منك أنك حلفت بأيمان لا مخلص لك منها أن كل ما يحصل لك بالقمار لا تخرجه إلا في القمار وفي ما يشبه ذلك ولو أنى أعطيتك هذا المبلغ بالقمار لما أمكنك صرفه إلا في القمار وإنما ضغوت عليك وتفرقنا عن ذلك المجلس لأدفعه إليك هبة منى وصلة فتصرفه في ثمن قرية يعود عليك دخلها وأيضا حتى لا يحكى عنى أنى قامرت في سبعة آلاف دينار من بيت مال المسلمين. قال: فقمت وقبّلت البساط ودعوت له وأخذتها واشتريت بها قرية كما أمرنى تغل في كل سنة ألف دينار «٣٨٤» .

стр. 142

قال «٣٨٥» : وكان قد أمرنا إذا رأينا شيئا ننكره أن نقوله له وإن أطلعنا له على عيب واجهناه به. فقلت له يوما، ونحن على مجلس أنس: يا مولانا، في قلبي شيء أردت سؤالك عنه منذ سنين. قال: ولم أخّرته إلى هذه المدة؟ قلت: استصغاري لنفسي وهيبة الخلافة منعانى عن ذكره. قال: قل ولا تخف. قلت: ذلك اليوم حين اجتزت في بلاد فارس وأمرت بضرب الغلمان وحبسهم قد كان ذلك كافيا فلم أمرت بصلبهم وما اعتمدوا ما يستوجبون عليه القتل؟ قال: أو تحسب أن المصلّبين كانوا هم الغلمان؟ وبأىّ وجه كنت ألقى الله تعالى يوم القيامة لو صلبتهم جزاء على غصب البطيخ وإنما أمرت بإخراج أقوام من قطّاع الطريق قد وجب عليهم القتل وأمرت بأن يلبسوا أقبية الغلمان وقلانسهم «٣٨٦» إقامة للهيبة في قلوب العسكر حتى [٦٧ ب] إذا علموا أنى إذا كنت أصلب أخصّ غلماني على غصب بطيخ فكيف أكون مع غيرهم في غصب ما زاد على ذلك؟ وإنما أمرت عند صلبهم بتلثيمهم ليتستّر الأمر على الناس. ثم قال لي: أبقى عندك شيء؟ قلت: لا، قال: بلى والله أرى في وجهك كلاما، قلت: أقول عن إذنك؟ قال: قل، قلت: أحمد بن الطيّب طبيبك وخاصك وغرس دولتك لم قتلته؟ قال: ويلك إني كنت سمعت أنه زنديق ولم أصدّق ذلك عليه فجاءني في خلوة يدعونني إلى دين الزندقة فقلت له: إني ابن عم رسول الله- ﷺ وقائم في مقامه وخليفة الله في أرضه فإذا تزندقت من أكون؟ فأخذ يراجعني ويلحّ عليّ ففعلت به ما فعلت ولم أعلم أحدا بسبب ذلك حتى لا يكون ذلك عارا على أعقابه واحتملت ما عليّ في ذلك من قلة الوفاء وسوء العهد وقد أحوجتنى الآن إلى ذكره واكتم أنت ذلك أيضا عليه. وقال «٣٨٧» ابن حمدون: ما رأيت في عمري أقوى قلبا ولا أشجع من المعتضد. انفرد يوما عن العسكر وكنت معه لا ثالث لنا فلما بعدنا عن الخيم وصرنا في وسط الصحراء خرج علينا الأسد وقرب وقصدنا فقال لي: يا ابن حمدون أفيك خير؟ قلت:

стр. 143

لا يا سيدي قال: ولا تلزم لي فرسي؟ قلت: بلى! فنزل عن فرسه ولزمتها وتقدم إلى الأسد وأنا أراه وجذب سيفه فوثب الأسد عليه ليلطمه فتلقّاه بضربة وقعت في جبهته فقسمها نصفين ثم وثب الأسد وثبة أخرى إلا أنها كانت أضعف من الأولى فتلقّاه بضربة أخرى أبان بها يده ثم رام أن يثب [٦٨ أ] أخرى فصار المعتضد وراءه وركبه ورمى بالسيف عن يده وأخرج سكّينا كانت في وسطه فذبحه من قفاه ثم قام وهو يمسح السكين والسيف بشعر الأسد وعاد وركب فرسه وقال: إياك أن تخبر بهذا أحدا فإنما قتلت كلبا. قال ابن حمدون: وإلى أن مات المعتضد والله ما تحدّث بهذا ولا قال يوما على صحو ولا سكر إني قتلت الأسد ولا عاتبني على ترك معاونتى له ولا أظهر لي تغيّرا. وقد كان المعتضد يستشعر من عبد الله بن المعتز وأراد القبض عليه وحبسه فقال له وزيره عبيد الله بن سليمان بن وهب: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن المعتز لا يحدّث نفسه بالخلافة وإنما همته في شعر ينظمه أو كتاب يصنّفه وليس موضعا للاستشعار منه حتى قال فيه عبد الله بن المعتز: رب أستبقيك نفس ابن وهب ... وسميعا قد دعوت مجيبا رب خطب كان منه مجّنى ... فوقى الخوف وجلّى الكروبا لست ما عشت ألين لدهر ... بل ألاقيه عبوسا قطوبا رب ليل نمته وابن وهب ... ساهر يطرد عنى الخطوبا «٣٨٨» وفي سنة ثمان وثمانين ومائتين مات عبيد الله بن سليمان وولّى المعتضد ابنه القاسم بن عبيد الله مكانه. ولابن المعتز يرثيه من كلامه: قد استوى الناس ومات الكمال ... وقال صرف الدهر أين الرجال هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال يا حارس الملك بآرائه ... بعدك للملك ليال طوال [٦٨ ب] وفي هذه السنة وقع المعتضد إلى الأمير إسماعيل بن أحمد بن سامان واليه بما وراء النهر

стр. 144

بقصد عمرو بن الليث الخارجي بخراسان فقصده وتلاقيا على شط جيحون فكسره الأمير إسماعيل وأخذه أسيرا ونفذ به إلى الحضرة «٣٨٩» وكان قبل ذلك قد نفذ عمرو رسولا إلى بغداد بالتحف والهدايا للمعتضد وأركان دولته ليزول عنه اسم العصيان وكان في جملة ذلك الحمل مما أهداه إلى الخليفة جمال. فحين جيء به أسيرا أمر [المعتضد] فأركب جملا وشهر في الأسواق والدبادب تضرب بين يديه وكان ذلك الجمل مما أهداه إلى الخليفة. وفي ذلك يقول أبو الحسن عليّ بن الفهم «٣٩٠» : ألم تر هذا الدهر كيف صروفه ... يكون يسيرا أمره وعسيرا وحسبك يا ابن الليث نبلا وعزة ... تروح وتغدو في الجيوش أميرا حباهم بأجمال ولم يدر أنه ... على جمل منها يقاد أسيرا وكان ابن الليث صفارا من أهل فارس تغلّب على خراسان وأخذها من بنى طاهر حتى نفذ المعتضد إلى الأمير إسماعيل بن أحمد فكفاه أمره ولمحمد «٣٩١» بن بسّام فيه، وقد أركب الجمل وسوّد وجهه وكان يرفع يده إلى السماء ويدعو بكلام لا يسمعه أحد: أيها المغترّ بالدنيا أما أبصرت عمرا ... مقبلا قد ركب الفالج بعد الملك قسرا رافعا كفّيه يدعو الله إسرارا وجهرا ... أن ينجّيه من القتل وأن يعمل صفرا [٦٩ أ] وكان المعتضد يستحسن قول سلم الخاسر في موسى الهادي: «موسى المطر غيث بكر» ، ويقول: هذا صعب لأنه كلما تحرك القائل لحقته القافية، فقال يحيى ابن عليّ المنجّم يمدحه «٣٩٢» : طيف ألمّ بذي سلم بين الخيم ... يطوى الأكم يشفى السقم ثم انصرم فلم أنم شوقا وهم

стр. 145

ومنها في المدح: أحمد لم سد الثلم حوى الهمم ... وما احتلم جلّى الظلم رعى الذمم حمى الحرم ... له النعم مع النقم فالخير جم إذا ابتسم والماء دم إذا انتقم ولما دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين مرض المعتضد من كثرة أكل الصحناء والكوامخ والسموك «٣٩٣» المملّحة ومات في يوم الجمعة التاسع عشر من ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في بغداد بدار محمد بن عبد الله بن طاهر «٣٩٤» . وكان ابن خمس وأربعين سنة. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر. وقال فيه ابن عمه عبد الله ابن المعتز يرثيه «٣٩٥» : يا دهر ويحك ما أبقيت لي جلدا ... وأنت والد سوء تأكل الولدا يا ساكن القبر في غبراء مظلمة ... بالطاهريّة مقصى الدار منفردا أين الجيوش التي قد كنت تصحبها ... أين الكنوز التي أحصيتها عددا أين السرير الّذي قد كنت تملؤه ... مهابة من رأتها عينه ارتعدا أين الأعادي الّذي ذللت صعبهم ... أين الليوث التي صيّرتها نقدا أين الوفود على الإيوان عاكفة ... ورد القطا صفو ماء جال واطردا أين القصور التي شيّدتها فعلت ... ولاح فيها سنا الإبريز واتّقدا أين الجنان التي تجرى جداولها ... وتستحثّ إليها الطائر الغردا [٦٩ ب] أين الوصائف كالغزلان رائحة ... يسحبن من حلل موشيّة جددا أين الملاهي وأين الراح تحسبها ... ياقوتة كسيت من فضة زبدا أين الجياد التي حجّلتها بدم ... وكن يحملن منك الضّيغم الأسدا أين الرماح التي غذّيتها مهجا ... مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا أين السيوف وأين النبل مرسلة ... يصبن ما شئت من قرن وإن بعدا أين المجانيق أمثال الفيول إذا ... رمين حائط حصن قائما قعدا
следующие страницы →