← История

История · id 12289

الإنباء في تاريخ الخلفاء

ابن العمراني

Полный текст (320 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فتواقحت عليه وقلت: يا مولانا وإن دخل ديلميّان إلى كرج أو عشرة من الديالم ماذا يكون؟ قال: أقول لك ماذا يكون؟ قلت: نعم قال: إذا دخل اليوم ديلميّان ولم يتعرّض لهم دخل غدا أربعة وصاروا بعد غد مائة وصعب على والى البلد إخراجهم فتمكّنوا وربما أخرجوه واستولوا على مدينة من مدن المملكة وإذا استولى خارجي على مدينة قوى على غيرها بها وإذا أهملت مثل ذلك أفضى الأمر إلى أن ينازعونى على هذا السرير الّذي ورثته من آبائي. فقلت له: يا أمير المؤمنين أنت أعرف بوجه المصلحة والله أعلم حيث يجعل رسالاته. قال ابن حمدون «٣٨١» : وكنت قد حلفت أيمانا بالمصحف والطلاق كلما يحصل لي من القمار لا أصرفه إلا في القمار أو في ثمن نبيذ أو إلى جذر «٣٨٢» مطرب فاتفق أنى لعبت يوما مع المعتضد بالنرد فغلبته ألف دينار ثم لعبنا ندبا آخر فغلبته ألف [دينار] أخرى ثم هكذا حتى غلبته سبعة أنداب في كل ندب غلبته ألف دينار وقلت له: أريد المال فالتفت عنى فأعدت القول عليه فقال لي: يا أحمق وأنت تتوقّع الآن منى سبعة آلاف دينار؟ قلت: نعم! قال: والله ما يكون هذا أبدا. قلت له: أتضغوا؟ قال: نعم والتفت إلى الحاضرين وقال لهم: اشهدوا عليّ أنى قد ضغوت «٣٨٣» . ثم قام وصلّى فلما فرغ من الصلاة [٦٧ أ] عاد إلينا وأمر فحمل من الخزانة سبعة آلاف دينار فصبّت على نطع بين يديه وقال لي: يا ابن حمدون، قلت: لبّيك! قال: كنت سمعت منك أنك حلفت بأيمان لا مخلص لك منها أن كل ما يحصل لك بالقمار لا تخرجه إلا في القمار وفي ما يشبه ذلك ولو أنى أعطيتك هذا المبلغ بالقمار لما أمكنك صرفه إلا في القمار وإنما ضغوت عليك وتفرقنا عن ذلك المجلس لأدفعه إليك هبة منى وصلة فتصرفه في ثمن قرية يعود عليك دخلها وأيضا حتى لا يحكى عنى أنى قامرت في سبعة آلاف دينار من بيت مال المسلمين. قال: فقمت وقبّلت البساط ودعوت له وأخذتها واشتريت بها قرية كما أمرنى تغل في كل سنة ألف دينار «٣٨٤» .

стр. 142

قال «٣٨٥» : وكان قد أمرنا إذا رأينا شيئا ننكره أن نقوله له وإن أطلعنا له على عيب واجهناه به. فقلت له يوما، ونحن على مجلس أنس: يا مولانا، في قلبي شيء أردت سؤالك عنه منذ سنين. قال: ولم أخّرته إلى هذه المدة؟ قلت: استصغاري لنفسي وهيبة الخلافة منعانى عن ذكره. قال: قل ولا تخف. قلت: ذلك اليوم حين اجتزت في بلاد فارس وأمرت بضرب الغلمان وحبسهم قد كان ذلك كافيا فلم أمرت بصلبهم وما اعتمدوا ما يستوجبون عليه القتل؟ قال: أو تحسب أن المصلّبين كانوا هم الغلمان؟ وبأىّ وجه كنت ألقى الله تعالى يوم القيامة لو صلبتهم جزاء على غصب البطيخ وإنما أمرت بإخراج أقوام من قطّاع الطريق قد وجب عليهم القتل وأمرت بأن يلبسوا أقبية الغلمان وقلانسهم «٣٨٦» إقامة للهيبة في قلوب العسكر حتى [٦٧ ب] إذا علموا أنى إذا كنت أصلب أخصّ غلماني على غصب بطيخ فكيف أكون مع غيرهم في غصب ما زاد على ذلك؟ وإنما أمرت عند صلبهم بتلثيمهم ليتستّر الأمر على الناس. ثم قال لي: أبقى عندك شيء؟ قلت: لا، قال: بلى والله أرى في وجهك كلاما، قلت: أقول عن إذنك؟ قال: قل، قلت: أحمد بن الطيّب طبيبك وخاصك وغرس دولتك لم قتلته؟ قال: ويلك إني كنت سمعت أنه زنديق ولم أصدّق ذلك عليه فجاءني في خلوة يدعونني إلى دين الزندقة فقلت له: إني ابن عم رسول الله- ﷺ وقائم في مقامه وخليفة الله في أرضه فإذا تزندقت من أكون؟ فأخذ يراجعني ويلحّ عليّ ففعلت به ما فعلت ولم أعلم أحدا بسبب ذلك حتى لا يكون ذلك عارا على أعقابه واحتملت ما عليّ في ذلك من قلة الوفاء وسوء العهد وقد أحوجتنى الآن إلى ذكره واكتم أنت ذلك أيضا عليه. وقال «٣٨٧» ابن حمدون: ما رأيت في عمري أقوى قلبا ولا أشجع من المعتضد. انفرد يوما عن العسكر وكنت معه لا ثالث لنا فلما بعدنا عن الخيم وصرنا في وسط الصحراء خرج علينا الأسد وقرب وقصدنا فقال لي: يا ابن حمدون أفيك خير؟ قلت:

стр. 143

لا يا سيدي قال: ولا تلزم لي فرسي؟ قلت: بلى! فنزل عن فرسه ولزمتها وتقدم إلى الأسد وأنا أراه وجذب سيفه فوثب الأسد عليه ليلطمه فتلقّاه بضربة وقعت في جبهته فقسمها نصفين ثم وثب الأسد وثبة أخرى إلا أنها كانت أضعف من الأولى فتلقّاه بضربة أخرى أبان بها يده ثم رام أن يثب [٦٨ أ] أخرى فصار المعتضد وراءه وركبه ورمى بالسيف عن يده وأخرج سكّينا كانت في وسطه فذبحه من قفاه ثم قام وهو يمسح السكين والسيف بشعر الأسد وعاد وركب فرسه وقال: إياك أن تخبر بهذا أحدا فإنما قتلت كلبا. قال ابن حمدون: وإلى أن مات المعتضد والله ما تحدّث بهذا ولا قال يوما على صحو ولا سكر إني قتلت الأسد ولا عاتبني على ترك معاونتى له ولا أظهر لي تغيّرا. وقد كان المعتضد يستشعر من عبد الله بن المعتز وأراد القبض عليه وحبسه فقال له وزيره عبيد الله بن سليمان بن وهب: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن المعتز لا يحدّث نفسه بالخلافة وإنما همته في شعر ينظمه أو كتاب يصنّفه وليس موضعا للاستشعار منه حتى قال فيه عبد الله بن المعتز: رب أستبقيك نفس ابن وهب ... وسميعا قد دعوت مجيبا رب خطب كان منه مجّنى ... فوقى الخوف وجلّى الكروبا لست ما عشت ألين لدهر ... بل ألاقيه عبوسا قطوبا رب ليل نمته وابن وهب ... ساهر يطرد عنى الخطوبا «٣٨٨» وفي سنة ثمان وثمانين ومائتين مات عبيد الله بن سليمان وولّى المعتضد ابنه القاسم بن عبيد الله مكانه. ولابن المعتز يرثيه من كلامه: قد استوى الناس ومات الكمال ... وقال صرف الدهر أين الرجال هذا أبو القاسم في نعشه ... قوموا انظروا كيف تزول الجبال يا حارس الملك بآرائه ... بعدك للملك ليال طوال [٦٨ ب] وفي هذه السنة وقع المعتضد إلى الأمير إسماعيل بن أحمد بن سامان واليه بما وراء النهر

стр. 144

بقصد عمرو بن الليث الخارجي بخراسان فقصده وتلاقيا على شط جيحون فكسره الأمير إسماعيل وأخذه أسيرا ونفذ به إلى الحضرة «٣٨٩» وكان قبل ذلك قد نفذ عمرو رسولا إلى بغداد بالتحف والهدايا للمعتضد وأركان دولته ليزول عنه اسم العصيان وكان في جملة ذلك الحمل مما أهداه إلى الخليفة جمال. فحين جيء به أسيرا أمر [المعتضد] فأركب جملا وشهر في الأسواق والدبادب تضرب بين يديه وكان ذلك الجمل مما أهداه إلى الخليفة. وفي ذلك يقول أبو الحسن عليّ بن الفهم «٣٩٠» : ألم تر هذا الدهر كيف صروفه ... يكون يسيرا أمره وعسيرا وحسبك يا ابن الليث نبلا وعزة ... تروح وتغدو في الجيوش أميرا حباهم بأجمال ولم يدر أنه ... على جمل منها يقاد أسيرا وكان ابن الليث صفارا من أهل فارس تغلّب على خراسان وأخذها من بنى طاهر حتى نفذ المعتضد إلى الأمير إسماعيل بن أحمد فكفاه أمره ولمحمد «٣٩١» بن بسّام فيه، وقد أركب الجمل وسوّد وجهه وكان يرفع يده إلى السماء ويدعو بكلام لا يسمعه أحد: أيها المغترّ بالدنيا أما أبصرت عمرا ... مقبلا قد ركب الفالج بعد الملك قسرا رافعا كفّيه يدعو الله إسرارا وجهرا ... أن ينجّيه من القتل وأن يعمل صفرا [٦٩ أ] وكان المعتضد يستحسن قول سلم الخاسر في موسى الهادي: «موسى المطر غيث بكر» ، ويقول: هذا صعب لأنه كلما تحرك القائل لحقته القافية، فقال يحيى ابن عليّ المنجّم يمدحه «٣٩٢» : طيف ألمّ بذي سلم بين الخيم ... يطوى الأكم يشفى السقم ثم انصرم فلم أنم شوقا وهم

стр. 145

ومنها في المدح: أحمد لم سد الثلم حوى الهمم ... وما احتلم جلّى الظلم رعى الذمم حمى الحرم ... له النعم مع النقم فالخير جم إذا ابتسم والماء دم إذا انتقم ولما دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين مرض المعتضد من كثرة أكل الصحناء والكوامخ والسموك «٣٩٣» المملّحة ومات في يوم الجمعة التاسع عشر من ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في بغداد بدار محمد بن عبد الله بن طاهر «٣٩٤» . وكان ابن خمس وأربعين سنة. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر. وقال فيه ابن عمه عبد الله ابن المعتز يرثيه «٣٩٥» : يا دهر ويحك ما أبقيت لي جلدا ... وأنت والد سوء تأكل الولدا يا ساكن القبر في غبراء مظلمة ... بالطاهريّة مقصى الدار منفردا أين الجيوش التي قد كنت تصحبها ... أين الكنوز التي أحصيتها عددا أين السرير الّذي قد كنت تملؤه ... مهابة من رأتها عينه ارتعدا أين الأعادي الّذي ذللت صعبهم ... أين الليوث التي صيّرتها نقدا أين الوفود على الإيوان عاكفة ... ورد القطا صفو ماء جال واطردا أين القصور التي شيّدتها فعلت ... ولاح فيها سنا الإبريز واتّقدا أين الجنان التي تجرى جداولها ... وتستحثّ إليها الطائر الغردا [٦٩ ب] أين الوصائف كالغزلان رائحة ... يسحبن من حلل موشيّة جددا أين الملاهي وأين الراح تحسبها ... ياقوتة كسيت من فضة زبدا أين الجياد التي حجّلتها بدم ... وكن يحملن منك الضّيغم الأسدا أين الرماح التي غذّيتها مهجا ... مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا أين السيوف وأين النبل مرسلة ... يصبن ما شئت من قرن وإن بعدا أين المجانيق أمثال الفيول إذا ... رمين حائط حصن قائما قعدا

стр. 146

أين الوثوب على الأعداء مبتغيا ... صلاح ملك بنى العباس إذ فسدا قد انقضيت فلا عين ولا أثر ... حتى كأنك يوما لم تكن أحدا وله فيه من أخرى: ألست ترى موت العلى والمحامد ... وكيف دفنا الخلق في قبر واحد وللدهر أيام تسيء عوامدا ... ويحسنّ إن أحسنّ غير عوامد وأما وزراء المعتضد باللَّه: فهم عبيد الله «٢٩٦» بن سليمان بن وهب، وكان يرمى بالأبنة، وابنه القاسم «٣٩٧» بن عبيد الله وكان كذلك وكان جده سليمان بن وهب من المشهورين بهذه العلّة، وفيهم يقول الشاعر: إذا رأيت بنى وهب بمنزلة ... لم تدر أيهم الأنثى من الذكر قميص أنثاهم ينقدّ من قبل ... وقمص ذكر انهم تنقد من دبر «٣٩٨» [١] وفي سليمان بن وهب خاصة يقول الشاعر: يا من يقلب طومارا وينشره ... ماذا بقلبك من حب الطوامير شبّهت شيئا بشيء أنت تأمله ... طولا بطول وتدويرا بتدوير [٧٠ أ] وفيه أيضا قيل: إن في الديوان شيخا ... يشتهي في الاست داخل يا سليمان بن وهب ... في حرام المتغافل وكان الحاجب الكبير وقائد الجيش في أيام المعتضد باللَّه بدر «٣٩٩» المعتضدي ويكنى أبا النجم. وانقضت أيام المعتضد باللَّه- رحمة الله عليه-.

стр. 147

أمير المؤمنين المكتفي باللَّه هو أبو محمد، عليّ بن المعتضد باللَّه. وأمه جارية تركية اسمها «ججك» «٤٠٠» . بويع له بعد وفاة أبيه بيومين ولم يل الخلافة بعد النبيّ- ﷺ من اسمه عليّ إلا عليّ بن أبى طالب- صلوات الله عليه- والمكتفي باللَّه «٤٠١» . وكان أبوه، حين اشتدت علّته، سئل في أن يعهد إلى أحد فقال: والله ما أسمّى لها أحدا ولقد كفاني ما تقلّدت منها فبايعوا من شئتم. فأجمعوا على المكتفي. وحين استقرّ في الخلافة أكرم أهله ووصلهم وسائر بنى هاشم وخلع على عبد الله ابن المعتز وأمره أن يركب إلى المواكب في سواد وبسيف بحمائل ففعل ما أمره به ثم أراده لمنادمته فاعتذر «بأن بى سلس البول وإني أحتاج إلى القيام في كل يوم دفعات ولا يليق ذلك بمجالس الخلفاء» . وكان المكتفي يجلس للمظالم بنفسه وردّ حقوقا كثيرة. وكان بدر المعتضدي مستشعرا من المكتفي ببلاد الجبل لمنافسة كانت بينهما في أيام المعتضد فكتب إليه المكتفي كتابا بيده «٤٠٢» هذه نسخته: «أمتعنى الله ببقائك، ثق باللَّه وبما لك عندي [٧٠ ب] فإنّي عالم بنيّتك واثق بأمانتك ولا تستشعر مما كان بيننا فإن تلك كانت حال منافسة وهذه حال خلافة وأنا أحق من عبد الملك بن مروان بقول الأخطل: شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا فلما قرأ خطّه طابت نفسه وبادر إلى بغداد فلما وصل إلى النهروان أوقف له القاسم ابن عبيد الله الوزير من اغتاله وقتله وحسّن ذلك للمكتفى لأنه كان غالبا على أمره. ومن أعجب الأشياء أن المعتضد باللَّه لما مات عبيد الله بن سليمان ذكروا عنده جماعة للوزارة فقال بدر، وكان هو المعتضد على الحقيقة: يا أمير المؤمنين القاسم عبدك وربيب نعمتك ونشؤ دولتك وفيه كفاية وله دربة بالعمل، ولو راعيت حق أبيه مع كفايته لكان أولى من غيره وردّد عليه القول حتى استوزره على كره منه. فلما خرج بدر

стр. 148

من حضرة المعتضد باللَّه قال المعتضد لمن حضر: والله ما يقتل بدرا سوى القاسم فكان كما قال «٤٠٣» . وحين جيء برأس بدر إلى المكتفي وأظهر القاسم أنه كان عدوّا لدولته قال يحيى بن عليّ المنجّم تقربا إلى قلب القاسم: بعدا لمن لا يشكر الإنعاما ... ويرى لمولاه عليه ذماما أولى الأنام بأن يهان ويسلب ... الإكرام من لا يعرف الإكراما لم يدر لما أرضعته درّها ... الدنيا بأن مع الرضاع فطاما ولم تطل بعده مدة القاسم بن عبيد الله فإنه توفى في سنة إحدى وتسعين [٧١ أ] ومائتين وانتشر موته في دولة المكتفي. وكان «٤٠٤» إذا التفت إلى وزيره بعده وأصحابه ينشد: ولما أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل تسلّى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلّى بها تغرى بليلى ولا تسلى وولى المكتفي بعده العباس بن الحسن. وحكى «٤٠٥» محمد بن يحيى الصولي في كتاب الوزراء، قال: لقد رأيت عجبا، كنّا في عزاء القاسم وفيه جميع أهل بغداد وأركان الدولة وأرباب المناصب وفي الجملة العباس بن الحسن، فحين صلّينا عليه وأردنا الانصراف تقدّم العباس بن الحسن إلى ولديه فقبّل يديهما، ولما كان قريبا من الظهر استوزر المكتفي العباس بن الحسن وجلس في الديوان ينظر إلى بعد العصر ثم نهض وعاد إلى العزاء وكان القاسم قد دفن في داره فمضى لزيارة القبر فتلقّاه ولدا القاسم وقبّل كلّ واحد منهما يده، هذا في يوم واحد وما طالت المدة. وحكى الصولي قال: ما رأيت أكرم من المكتفي، كنّا يوما بين يديه فقال ليحيى ابن عليّ المنجّم «٤٠٦» : يا يحيى باللَّه عليك كيف أشرت على أبى أن يولّى العهد غيري وقلت في ذلك شعرا؟ فحلف واجتهد وقال: يا سيدي لقد كذب عليّ وكيف كنت أقول ذلك؟ ألست القائل لمولانا المعتضد لما سار إلى آمد في قصيدة طويلة أولها:

стр. 149

ينتثر الدرّ من تكلّمها ... ويلمع البرق من تبسّمها وقلت فيها [٧١ ب] : إن عليّا علا بهمّته ... حيث الثريا في بعد أنجمها حكى أباه بفضله وغدا ... من العرى آخذا بأحزمها فقال له: يا يحيى قلت له ذاك أولا وحيث لم يصغ إلى كلامك قلت هذا ولست محتقدا عليك بذلك ولا أريد أن أجازيك على ذلك بسوء، معاذ الله أن يكون عندي من المسألة ما لا أحتمل به مثل هذا وإنما ذكّرتك به لأمر لك بصلة في مقابلته فإنه ما أساء إليّ أحد إلا أحسنت إليه وأمر له بخمسين ألف درهم. ومات المكتفي باللَّه في يوم السبت ثانى عشر ذي القعدة [من] سنة خمس وتسعين ومائتين ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر. وقيل «٤٠٧» له في مرضه: لو وكلت بعبد الله بن المعتز ومحمد بن المعتمد، قال: ولم؟ قيل له: لأن الناس يرجفون بهما للخلافة بعدك فتستظهر لئلا يخرج الأمر من أخيك جعفر، فقال: هل سمعتم من أحدهما أنه أحدث علينا خلافا؟ فقيل له: لا، فقال: فأىّ ذنب لهما بإرجاف الناس لهما بهذا الأمر؟ أليس هما من أولاد الخلفاء؟ فلا تعرضوا لهما. وكان وزيره حين مات العباس بن الحسن «٤٠٨» ، وحين دخل عليه ورآه ميتا تمثّل ببيتى أعشى همدان: وما تزوّد مما كان يجمعه ... سوى حنوط غداة البين في خرق وغير نفحة أعواد تشب له ... وقلّ ذلك من زاد لمنطلق (٤٠٨) وانقضت أيام المكتفي- رحمة الله عليه-.

стр. 150

أمير المؤمنين المقتدر باللَّه [٧٢ أ] هو أبو الفضل، جعفر بن المعتضد، بويع له يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين. وأمه أم ولد روميّة اسمها «شغب» وكان سنّه ثلاث عشرة سنة. واختلفوا في بلوغه. و [لما] كان وقت فراغهم من أمر المكتفي ودفنه بادر صافى «٤٠٩» الحرمي لاحدار المقتدر من بيته بالجانب الغربي بالموضع المعروف بدار ابن طاهر وحمل معه شبّارة وأجلسه فيها وأحدره فاجتازوا على دار الوزير العباس بن الحسن، وكانت داره على شاطئ دجلة، فلما حاذوا الدار خرج العباس ووجوه أصحابه بالشموع يتوقّعون أن يدخل المقتدر إلى داره ليكون أخذ البيعة بها فخاف صافى الحرمي من حيلة فصاح بالملّاحين فما عرجوا بل انحدروا وجها واحد إلى الحسنى «٤١٠» . وحين دخل الحسنى صلّى أربع ركعات وجلس على السرير وحضر الوزير والقواد وبايعه الناس. وتولّى حجبته نصر القشوري. وكان أول حادث حدث في أيامه قتل الوزير العباس بن الحسن «٤١١» وكان الوزير قد سمع أن جماعة من القوّاد يريدون الفتك به إذا ركب إلى دار السلطان. وكان إذا كرر ذلك عليه يتمثّل بهذا البيت: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع وكان شيخ الكتّاب وزمام الدواوين كلها في أيام المقتدر وفي أيام المكتفي وفي أيام المعتضد عليّ [بن عيسى] بن داود [بن] الجراح «٤١٢» ، فدخل ابن الجراح يوما على الوزير العباس بن الحسن وخوّفه وقال له: قد عزم [٧٢ ب] الجماعة على الفتك بك وكل واحد منهم قد صار رأسا بنفسه لصغر سنّ الخليفة فقال له الوزير: هذا تقوله من خور طبعك وضعف قلبك، وهب كان الأمر على ما ذكرت كيف أخاف من هؤلاء الذين تذكرهم والحسين بن حمدان يسايرنى ويركب معى كل يوم. وكان لقضاء الله وقدره هو الّذي قتله. فإنه ركب يوما إلى دار السلطان وكان المقتدر في ذلك اليوم قد ركب إلى الحلبة ليضرب بالصوالجة وتأدّى الخبر إلى صافى الحرمي بما

стр. 151

عزم عليه القوم فبادر إلى المقتدر وهو بالحلبة فأعلمه بذلك وأدخله سالما إلى الدار وتأدّى مثل ذلك إلى الوزير فلم يرتقع به «٤١٣» وسار على عادته من ناحية الثريا والعساكر تسايره وعلى يمينه الحسين بن حمدان وعلى شماله فاتك المعتضدي، فلما بلغ إلى مكان يعرف بمقسم الماء «٤١٤» سلّ الحسين بن حمدان سيفه وضربه ضربة حلّ بها عاتقه فقال له: فاتك أيّ شيء تفعل؟ فثنى به وعاد وضرب الوزير ثانية وثالثة وضربه بعده وصيف بن سوارتكين فسقط ميتا ووقع النهب في دوره وما يليها من دور العامة «٤١٥» . وكان لذلك سببان «٤١٦» : أحدهما: تغلّبه على الخلافة لصغر سنّ المقتدر وقلة اكتراثه بالجند. والثاني: أنه كان عشق جارية للحسين بن حمدان وراسلها في أن تحضر عنده وكتب إليها رقاعا بخطه وعرضتها الجارية على سيدها وكانت أم أولاده ومقرّبة عنده فاحتقد ذلك عليه مع أشياء لا يحسن ذكرها «٤١٧» . وحين صلّيت الظهر قصدوا بأسرهم دار عبد الله بن المعتز وبايعوه [٧٣ أ] وحضرت صلاة المغرب ولا يشك أحد في تمام الأمر له «٤١٨» وضربت النوبة على بابه وسمعت أيضا أصوات دبادب من دار السلطان تضرب للمقتدر وكذلك ضربت النوبة من الجانبين في صلاة العتمة وصلاة الفجر من يوم الأحد. لأن بيعة ابن المعتز كانت وقت الظهر من يوم السبت وسمّى نفسه «المنتصف باللَّه» واستوزر محمد بن داود ابن الجراح «٤١٩» . وكان قد تخلّف في دار السلطان مع المقتدر سوسن الحاجب وصافى الحرمي ومؤنس الخازن ومؤنس الخادم المعتضدي وعدّة من الغلمان. وأما سائر الجند من العرب والترك وغيرهم وسائر الكتّاب والقضاة فكلهم أصبحوا ومضوا إلى دار الخليفة المنتصف باللَّه أبى العباس عبد الله بن المعتز «٤٢٠» . وكان ابن المعتز دبّر في الليل وقسّم الجند قسمين: قسم يقصدون الدار من جانب الماء وقسم يقصدون الدار من جانب البر إن امتنع المقتدر والجماعة الذين في الدار عن تسليمها.

стр. 152

وفي بكرة يوم الأحد وجّه الوزير إلى صاحب خزانة الكسوة [يأمره] بتنفيذ البردة والقضيب والخاتم فجاء الرسول يقول: إن مولانا المقتدر قد لبسها. فلما بلغ ذلك إلى ابن المعتز التفت إلى من حوله من الكتّاب والقضاة والأجناد وقال: قد آن للحق أن يتضح وللباطل أن يفتضح. فقال له محمد بن خلف المعروف بوكيع «٤٢١» : أمير المؤمنين أعزّه الله كما قال أبو العتاهية لجده المهدي: أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها وأنشده الأبيات إلى آخرها. ثم قال ابن المعتز: ادعوا لي الحسين بن حمدان فدعوه فقال له: تركب إلى الحسنى فقال: الأمر لأمير المؤمنين. فقال له: قدّم قوما يركبون من جهة الماء في السفن ليشغلوهم ونركب نحن من البر وتقدّم قبلي قال: الأمر لك. وخرج الحسين وأمر قوما من الجند بالركوب في الحراقات والزبازب لقصد الدار من ناحية الماء فتكاسلوا تهاونا لمن بالدار وركب هو من ناحية الحلبة فرأى ما لا يعدّ من العامة حول الدار بالأسلحة يعاونون من بها وقد قويت قلوبهم بهم وخرجوا يناوشون أصحاب الحسين بن حمدان فحاربهم ساعة فأصابه حجر مقلاع شجّ وجهه وسهم في جنبه فكرّ راجعا إلى داره ليشدّ جراحته وكان هو مقدم الجيش فلما رآه العسكر كذلك كرّوا راجعين وانهزموا. وقصد داره وشدّ جراحته ودخل إليه إنسان من عسكره فأعلمه أنه لم يبق من العسكر أحد حول الدار وأن الغلبة للعامة وأن المقتدر قد ركب، فقام الحسين بن حمدان وركب وحده وأخذ طريق سامراء عائدا إلى ولايته «٤٢٢» وهي الموصل ثم إن العامة تكاثروا ورموا من كان قد بقي من العسكر بالأجر وصاحوا: المقتدر باللَّه يا منصور. وسمع ابن المعتز الضجة فقال: ما الخبر؟ دخل ابن حمدان الحسنى؟ ثم قال: قدّموا الفرس لأركب فقيل له: إن ابن حمدان قد هرب على وجهه والجند قد تبدّدوا فقال: العامة معنا أو علينا؟ فقالوا له: بل علينا، فأنشد هذا المصراع: ليس يومى بواحد من ظلوم [٧٤ أ]

стр. 153

يعنى أن عامة بغداد كانوا عونا على أبيه المعتز في نوبة للمستعين. ثم قربت منه الأصوات حتى قربوا من داره ورموها بالمقاليع فأراد أن يأخذ لنفسه من جانب الماء فاطلع على الروشن فرأى ما أراد أن يفعله هو قد فعله أصحاب المقتدر وإذا بنحو خمس مائة قطعة من السفن تقبل مصعدة إلى داره من نحو دار السلطان وفيها الدبادب والبوقات والغلمان بالعدّة والأسلحة وجماعة من النفّاطين بالزراقات والمقدّم عليهم غريب خال المقتدر. فحين رآهم نحب قلبه وأيقن بالهلاك وجعل من بقي من الناس عنده في الدار يتسلمون واحدا واحدا ويخلطون أنفسهم بالعامة وبعضهم رمى بنفسه إلى الماء فسبح ونجا. وجاء القوم وأخذوا عبد الله بن المعتز وأحدروه إلى دار السلطان على أقبح حال «٤٢٣» . قال أبو بكر، محمد بن يحيى الصولي في كتاب الأوراق: كنت واقفا تحت دار السلطان في جملة النظّارة وأنا أراه وقد أخرجوه من الشبارة التي كان فيها وعليه جبّة مصمت تبنية وهو حافى وكان سوسن الخادم واقفا على باب الماء فصفعه صفعة وقع على وجهه فلعنه كل من حضر وقالوا له: الّذي يراد به أكثر من هذا فما معنى هذه الإهانة؟ وأدخل الدار ولفّ في كساء وشدّ طرفاه حتى اختنق وحمل إلى داره ودفن بها. وكان آدب بنى العباس وأشعرهم وأعرفهم بالفقه والأحاديث والقرآن، إلا أن حرفة الأدب أدركته «٤٢٤» . وخلع المقتدر على أبى الحسن عليّ بن محمد بن موسى بن الفرات وقلّده الوزارة يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة خمس [٧٤ ب] وتسعين ومائتين وركب في الخلع والناس معه إلى داره. وفي يوم الأربعاء رابع ذي الحجة قبض المقتدر باللَّه على ابن الفرات وعلى جميع أسبابه وقلّد الوزارة أبا عليّ محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان المعروف بدق صدره «٤٢٥» وخلع عليه وقلّده سيفا وانصرف إلى منزله بباب الشماسية والقوّاد بين يديه. وولى ابنه عبد الله بن محمد خلافة أبيه في الوزارة.

стр. 154

وفي سنة إحدى وثلاث مائة عاد عليّ بن عيسى بن الجرّاح من مكة، شرّفها الله تعالى، وقبض المقتدر على الخاقانيّ وابنه وولى عليّ بن عيسى الوزارة «٤٢٦» . في سنة أربع وثلاث مائة قبض المقتدر على عليّ بن عيسى في ذي الحجة وأعاد ابن الفرات إلى الوزارة وهي وزارته الثانية. ويقال «٤٢٧» إنه حين خلع عليه بالغداة زاد في آخر النهار في ثمن الشمع والكاغد والثلج في كل من قيراط لكثرة استعماله لها وكان يخرج في كل يوم إلى دار العامة من الثلج أربعون ألف من سوى ما كان لخاصته وبيت شرابه. وفي سنة ست وثلاث مائة قبض على ابن الفرات واستدعى حامد بن العباس من واسط، وكان واليا عليها فقلّد الوزارة وأضيف إليه عليّ بن عيسى لتنفيذ الأمور وفيهما قيل: ذاك سواد بلا وزير ... وذا وزير بلا سواد «٤٢٨» وفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة قبض على حامد بن العباس وأعيد ابن الفرات إلى الوزارة وهي وزارته الثالثة ونفى حامد بن العباس إلى واسط فدسّ عليه ابن الفرات من قتله بالسم «٤٢٩» . وفي أيام حامد بن العباس صلب [٧٥ أ] الحسين بن منصور الحلّاج بعد ما ظهرت منه أمور اقتضت إباحة دمه فصلبوه بفتوى قاضى القضاة أبى عمر «٤٢٩» وجماعة الفقهاء. وكان جماعة من أهل بغداد يحتفظون ببوله في القوارير وبنجاسته في البراني. وكان من جملة هؤلاء القوم نصر «٤٣٠» القشوري الحاجب وعدّة من خواص الدار. وظهرت له فضائح لا يحسن ذكرها «٤٣١» . وفي سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة قبض على ابن الفرات في ربيع الأول وولى مكانه أبو القاسم عبد الله «٤٣٢» بن أبى عليّ الخاقانيّ وهرب المحسن بن الفرات واختبأ عند امرأة فظفروا به وحملوه إلى دار السلطان وقطعوا رأسه ووضعوه بين يدي أبيه ثم حزّوا رأس أبيه وحملوا الرأسين إلى المقتدر «٤٣٣» .

стр. 155

[قيل لمّا ورد الحسين بن حمدان إلى بغداد مع مؤنس وشهر على جمل فدوّروه جميع البلد وعلى رأسه البرنس امتنع ولده عن وضع البرنس على رأسه فقال الحسين: ألبسه يا بنى فإن أباك ألبس البرانس أكثر هؤلاء الذين تراهم. ونصبت القباب بباب الطاق وركب أبو العباس بن المقتدر وبين يديه نصر الحاجب ومعه الحربة وخلفه مؤنس وعليهم السواد. ولما صار الحسين بن حمدان بسوق يحيى قال له رجل من الهاشميين: الحمد للَّه الّذي أمكن منك. فقال الحسين: والله لقد امتلأت صناديقى من الخلع والألوية وأفنيت أعداء الدولة وإنما أصار بى إلى ما ترى الخوف على نفسي وما الّذي نزل بى إلا دون ما سينزل بالسلطان إذا فقد من أوليائه مثلي. وبلغ به الدار ووقف بين يدي المقتدر ثم سلّم إلى بدر الحرمي [٧٥ ب] فحبسه في حجرة في الدار] [١] «٤٣٤» . وفي سنة سبع عشرة وثلاث مائة شغب الجند على المقتدر باللَّه وكان رئيسهم نازوك وكبسوا الدار عليه وذلك لاستيلاء أمه على الدولة فهربت أمه وأولاده وهرب هو ودخل دار مؤنس المظفر خادم المعتضد وكان شيخ الدولة ومقدمها فدخلوا وراءه وألزموه الخلع فخلع نفسه وقصدوا دار الأمير أبى منصور محمد بن المعتضد باللَّه وهو أخوه فحملوه إلى دار السلطان وبايعوه بالخلافة وتسمّى ب «القاهر باللَّه» . وبعد ذلك بيومين طالب الجند بأرزاقهم وقصدوا الدار وشتموا نازوك فأغلظ عليهم في القول فقتلوه ودخلوا وأخرجوا القاهر من الدار وردّوه إلى داره ومضوا كلهم رجّالة إلى دار مؤنس وأخذوا المقتدر على رءوسهم وحملوه إلى دار السلطان وجدّدوا له البيعة. فيقال: ما رئي ولا عهد أن خليفة خلع دفعتين وعاد إلى الخلافة إلا المقتدر باللَّه. وكان من جملة من واطأ نازوك على فعله وحسّن له خلع المقتدر أبو الهيجاء بن حمدان فحين أعادوا المقتدر وكان في الدار وخاف على نفسه انهزم إلى باب الماء ليهرب فتبعوه وقطعوه «٤٣٥» . واستولى مؤنس المظفر على الدولة وخلاله الجو وصار أمير الأمراء واستشعر منه المقتدر واستشعر هو أيضا من المقتدر وخرج مغاضبا «٤٣٦»

стр. 156

وذلك في سنة عشرين وثلاث مائة وضرب مضاربه بباب الشماسيّة وبقي أياما ينتظر أن يترضّاه المقتدر فلم يلتفت إليه فنفذ إليه بخادم اسمه بشرى برسالة فاعتقله المقتدر وحبسه ولم ير مؤنس [٧٦ أ] للصلح وجها فتمّ إلى الموصل وكتب الخليفة إلى بنى حمدان يولّيهم على مؤنس فحاربوه ونصره الله تعالى عليهم ووصل (سعيد) بن حمدان هاربا إلى بغداد مع جماعة من أهله فخلع عليه المقتدر وأكرمه. وكان المقتدر قد استوزر الحسين «٤٣٧» بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان فعزله واستوزر أبا الفتح الفضل «٤٣٨» بن جعفر بن الفرات فتقلّد الوزارة على أمور مضطربة وقلّة جند وعدة ونفاد الأموال. ثم إن مؤنس قصد مصر وجمع خلائق من البربر «٤٣٩» وسار بهم مع جند الشام وديار بكر الذين تبعوه بعد هرب بنى حمدان يريد الحضرة. وحين قرب من بغداد ركب المقتدر في يوم الأربعاء لثلاث خلون من شوال وحوله عساكره وألوية الملك وأعلامه بين يديه والبردة على كتفيه والقضيب في يده وحوله كل عالم وزاهد ببغداد في أيديهم المصاحف والناس يدعون له، فلما انتهى إلى باب الشماسية وقف هناك وعبّأ الجيش أحسن تعبئة ونفذهم إلى حرب مؤنس فعادوا منهزمين وأسر هارون بن غريب خال المقتدر وأحمد بن كيغلغ وصافى النصري «٤٤٠» . وكان المقتدر واقفا على تلّ مع نفر قليل وفيهم ابنا ياقوت الحاجب وابنا رائق. فقالوا: نحمل على ابن يلبق؟ وكان هو وأبوه من جملة من خرج مع مؤنس، فحملوا عليه فاقتطعتهم الخيل وفرّقت بينهم وبين المقتدر فبقي مع عدة من الخدم فأدركه عليّ ابن يلبق- لعنه الله- فحين رآه ترجّل وقبّل الأرض ثم أومأ بعينه إلى بربرى كان معه أسود فضرب المقتدر ضربة [٧٦ ب] أبان بها رأسه عن بدنه وحمل رأسه على ذبابة سيفه وجاء به مع عمامته إلى مؤنس، فلما رأى رأسه وعمامته لطم على وجهه وبكى وبقيت جثّته مرميّة على الأرض إلى أن اجتاز شوكى فرأى عورته مكشوفة فغطّاه بحشيش، ولا يعرف له قبر «٤٤١» وكان سنّه يوم بويع له ثلاث عشرة سنة وشهرا واحدا، ويوم قتل ثمان وثلاثين وشهرا وخمسة أيام. فكانت خلافته أربعا

стр. 157

وعشرين سنة وأشهرا. ولم يل الخلافة من اسمه جعفر إلا هو وجده المتوكل وقتلا جميعا- رحمة الله عليهما-. وفيه يقول ابنه الراضي [باللَّه] يرثيه: بنفسي ثرى ضاجعت في تربه البلى ... لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا فلو أن حيّا كان قبرا لميّت ... لصيّرت أحشائى لأعظمك القبرا ولو أن عمري كان طوع مشيئتى ... وساعدني المقدار قاسمتك العمرا «٤٤٢» وقال يرثيه ويذكر حاله في حبس القاهر: عصيت الهوى وعدمت الودادا ... وأبلى الجديدان منى الجديدا وقد كنت دهرا أطيع الهوى ... وأجرى مع اللهو شأوا بعيدا فحرمت كأسى على لذّتى ... وأزمعت عن كل لهو صدودا أبعد إمام الهدى أرتجي ... سلوّا وأبغى لعيني هجودا وقد ظل بين سيوف العدي ... صريع الفلاة وحيدا فريدا كأن لم يكن قط في جحفل ... يغيض العدي ويجر الجنودا يعزّ على ملك قد ثوى ... بأنى أقاد أسيرا وحيدا [٧٧ أ] وأفرشت خدي لوطء العدي ... وأفرش أهلي لأجلى الخدودا فيا ليت ركبا إلينا نعوك ... نعونا إليك وتعطى الخلودا «٤٤٣»

стр. 158

أمير المؤمنين القاهر باللَّه لما قتل المقتدر أرادوا كلهم مبايعة محمد بن المكتفي وقالوا: هو أتم الجماعة عقلا. فقال مؤنس: الخزائن فارغة والأجناد يطالبون بالأرزاق وليس في أيدينا شيء وأخاف أن ينتقض الأمر علينا، والقاهر كنّا أقعدناه في الخلافة وتسمّى بها مرة فإن شغّب الجند وطلبوا الأموال هدّدونا به. ونحن إذا أقعدنا القاهر استرحنا. فقالوا له: الصواب ما تراه. واتفق أن القاهر ومحمد بن المكتفي ناما في تلك الليلة في مضارب مؤنس فقال القاهر بالليل لمحمد بن المكتفي: أنا فقير وما لي شيء فتولّها أنت، فقال له: أنت شيخي وعمّى وقد ولّيت هذا الأمر مرة فأنت أحق به منى «٤٤٤» . وبايعوا لهذا القاهر بالخلافة في يوم الخميس في مضارب مؤنس. وانحدر القاهر إلى الدار ومعه مؤنس والعسكر كلهم. وأم القاهر جارية اسمها «قبول» «٤٤٥» . وقلّد الحجبة عليّ «٤٤٦» بن يليق وقلّد إمارة الأمراء لمؤنس وقلّد الشرطة ببغداد ليلبق. ثم إن يلبق ومؤنس وعليّ بن يلبق ضيّقوا على القاهر جدّا وما كانوا يرونه إلا بعين تابع لهم «٤٤٧» . وكانوا يوكلون بالدار من يعلمهم بأحواله. وما كان القاهر قد طاب له ما فعلوا بأخيه من قتله وهتك حرمة الخلافة. وقلّد القاهر وزارته أبا عليّ، محمد «٤٤٨» بن عليّ بن مقلة، وكان العامة يرجفون بأن القاهر [٧٧ ب] يريد الفتك بقتلة المقتدر واستشعروا هم منه واضطرب الجند ببغداد لدخول القرامطة مكة وهدم الكعبة. ووصل الخبر بأنهم قلعوا الحجر الأسود وحملوه إلى هجر وإنهم قتلوا سبعين ألف مسلم في الحرم وطمّوا بئر زمزم بالقتلى وانقطع طريق الحج «٤٤٩» . فلما كان في يوم الأحد ثانى شعبان سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة جاء عليّ

стр. 159

ابن يلبق الحاجب على العادة إلى الدار فنفذه القاهر إلى أبيه وإلى مؤنس يقول لهم: قدّموا حضوركم لندبّر في أمر القرامطة فحضروا فلما حصلوا في الدار أمر بالقبض عليهم وأمر فقطع رأس عليّ بن يلبق وقدّم بين يدي أبيه في طست ثم قطع رأس أبيه وجعلا جميعا في طست وأمر فجرّ مؤنس إلى البالوعة وذبح كما تذبح الغنم والقاهر يقول له: يا معيوب يا مخرق الأسفل أنت تقدم على قتل الخلفاء؟ ثم أخرجت رءوسهم وبين أيديهم الدبادب والبوقات فطيف بها في البلد ومناد ينادى: «هذا جزاء من أقدم على هتك حرمة الخلافة. فما بقي أحد إلا لعنهم وأحرق العامة أبدانهم وحملت رءوسهم إلى خزانة الرءوس «٤٥٠» فوضعت فيها. وفي هذا اليوم مات الإمام أبو بكر بن دريد الأزدي «٤٥١» ﵀. ولما دخل رمضان من هذه السنة شغّب الجند وطلبوا الأرزاق فأعطوا شيئا فسكنوا ورجعوا راضين وجرى الأمر على ذلك إلى جمادى الأولى من سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة. وفي يوم السبت ثانى جمادى [الأولى] اجتمع أبو محمد، الحسن بن أبى الهيجاء بن حمدان وهو الّذي تلقّب أخيرا بناصر الدولة [٧٨ أ] وهو أخو سيف الدولة الأكبر وواطأ جماعة من الغلمان الساجيّة والحجريّة وأحاطوا بالدار ووكلوا بالأبواب وطلبوا القاهر فهرب منهم ففتّشوا عليه وإذا به فوق حمّام وعلى رأسه شرّب قصب وعليه غلالة كتان «٤٥٢» . فقال له بعضهم: انزل، فقال: ما أنزل ففوّق سهما وقال له: إن لم تنزل رميتك، ولم يكن له مفرّ فنزل فمسكوه وقالوا له: اخلع نفسك. وتبادر قوم إلى الدار التي كان فيها الأمير أبو العباس بن المقتدر محبوسا فأخرجوه منها وأجلسوه على سرير أبيه وأدخلوا إليه القاهر حتى بايعه بالخلافة وسملوه بعد ذلك. فكانت خلافته سنة ونصفا. ووزر له: أبو على، ابن مقلة، ثم بعده أحمد بن الخصيب «٤٥٣» .

стр. 160

أمير المؤمنين الراضي باللَّه «٤٥٤» هو أبو العباس، محمد بن المقتدر باللَّه، بويع له في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة. وأمه جارية اسمها «ظلوم» . واستحضر عليّ بن عيسى بن الجرّاح وندبه للوزارة فاعتذر بكبر سنّه، ورغب ابن مقلة في الوزارة وبذل خمس مائة ألف دينار فخلع عليه وقلّد الوزارة. ونفذ الراضي باللَّه محمد بن ياقوت لمحاربة هارون بن غريب الخال فخرج لمحاربته وهزمه وقتله وجاء برأسه إلى الراضي فخلع عليه وطوّقه وسوّره «٤٥٥» . وولى الراضي أبا بكر محمد بن رائق إمارة الأمراء ببغداد واستولى على الدولة وتغيّر الوزير ابن مقلة له وصار خصمه. وفي سنة أربع وعشرين [وثلاث مائة] صلّى الراضي باللَّه بالناس [٧٨ ب] في الجامع بدار الخلافة وخطب. قال أبو بكر الصولي «٤٥٦» : وكان مؤدّب الراضي، لما فرغ من الخطبة وانقضت الصلاة وعدت إلى بيتي جاءتني رقعة بخطه وإذا فيها: «يا محمد بن يحيى وقع عليك طرفي وأنا أخطب وأنت إلى جانب إسحاق بن المعتمد «٤٥٧» قريب منى غير بعيد عنى فعرّفني على تحرّى الصدق واتباع الحق كيف ما سمعت وهل تهجّن الكلام بزيادة فيه أو اختل بنقص منه أو وقع زلل في لفظه أو إحالة في معناه جاريا في ذلك على عادتك في حال الإمرة غير مقصّر عنها للخلافة والسلام» ، فكتبت إليه رقعة أذكر فيها: «إنني ما أحسن وصف ذلك إلا ببيت حسان بن ثابت في جدك عبد الله بن العباس- صلى الله عليه وعلى سلالته الطيبة الطاهرة- فإنه قال فيه: إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنتظمات لا ترى بينهما فصلا» «٤٥٨» وفي سنة خمس وعشرين [وثلاث مائة] قبض الراضي على عليّ بن مقلة لأنه اتهمه بأنه كاتب بجكم «٤٥٩» التركي بقصد الحضرة واستيلائه على أمر الخلافة معاندة لابن رائق، وظفروا بكتاب بخطه إلى مرداويج «٤٦٠» الديلميّ الخارجي يحسّن له قصد

стр. 161

الحضرة ويهوّن عليه أمر الخلافة وكان إماميّا لا يرى خلافة بنى العباس. واتفق رأى الخليفة وابن رائق على إن قطعت يده «٤٦١» على ملأ من الناس وكتب رقعة من الحبس إلى أخيه أبى عبد الله بيده اليسرى وما تغيّر خطّه عما عهده. وكتب من الحبس رقعة إلى بعض الكتّاب من أصدقائه «٤٦٢» : ترى حرمت كتب الأخلّاء بينهم ... أبن لي أم القرطاس أصبح غاليا [٧٩ أ] فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا أخوك الّذي يرعاك عند شديدة ... وكلّا تراه في الرخاء مراعيا فهبك عدوّى لا صديقي فربما ... يكاد الأعادي يرحمون الأعاديا وله وهو في الحبس بعد ما قطعت يمينه: ما طلبت الحياة لكن ... توثّقت بأيمانهم فبانت يميني كم تحرّيت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني ليس بعد اليمين لذّة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيتي «٤٦٣» وفي سنة سبع وعشرين تغيّر الخليفة على ابن رائق فاستتر ووصل بجكم إلى بغداد فولّاه الخليفة إمارة الأمراء وطوّقه وسوّره «٤٦٤» . وفي هذه السنة خرج الراضي باللَّه لمحاربة بنى حمدان ومعه الأمير بجكم، وحين وصلوا إلى تكريت وصل الخبر إليهم بظهور ابن رائق ببغداد واستيلائه عليها والتحاق أكثر القرامطة به فتمّوا إلى الموصل فهرب بنو حمدان من الموصل. وكان الراضي يقول: «حصلنا من الخلافة على قصبة الموصل» . ثم صولح ابن حمدان على مال أدّاه وعاد الخليفة. وتقرر أمر ابن رائق على أن ولّى الشام والعواصم وقنسرين فسار إليها «٤٦٥» . ثم وصل الخبر بظهور بنى بويه «٤٦٦» الديلم وأنهم ثلاثة إخوة تقاسموا بلاد الإسلام، وكان الأكبر منهم عماد الدولة أبو الحسن، عليّ بن بويه، والأوسط ركن الدولة أبو عليّ، الحسن بن بويه، والأصغر أبو الحسين، أحمد بن بويه. وكانوا أولاد صيّاد. وجاء الخبر من واسط بأن أحمد بن بويه قصد نواحيها فانحدر [٧٩ ب] إليه

стр. 162

بجكم ونفذ إلى الراضي يقول له: «أمر هذا لا يجيء إلا بك» . فانحدر الراضي إلى واسط. فحين أحسّ الديلميّ به رجع إلى الأهواز وعاد الراضي إلى بغداد. ومات الراضي- ﵀ في غرة ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة. وكان مولده في رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين وكان عمره إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر. فكانت خلافته ست سنين وخمسة أشهر. وكان أديبا فاضلا شاعرا أحسن الخلق خلقا متواضعا كريم الطبع سخيّا له وفاء وذمّة وإنما أدركته حرفة الأدب فلم تطل أيامه ولا عمره. ومن محاسن نظمه قوله: ضحك الزمان إليّ من اعتاب ... وأعارنى سمعا لبثّ عتاب سابق بلذّتك الشباب فإنني ... أصبحت فيه مجررا أثوابى وعلمت أن الدهر حرب شبيبتى ... فخلست في غفلاته آرابى «٤٦٧» وقال لما تغيّر لابن رائق: صغرت عن الأمر الّذي رمت فعله ... فطالعنى بالصغر من كل جانب وأظهر لي حبّا يطيف به قلى ... كخلّب برق في عراض سحائب أيقعد لي كيد النساء بمرصد ... وإني فتىّ السن شيخ التجارب «٤٦٨» وله أيضا: سقى الله أطلالا رعيت بها الصبا ... سحابة غيث لا يكف سكوبها ظعنت وقد خلّفتني نهبة الأسى ... لعلة وجد لا يصاب طبيبها ليهنك لوعات تردد في الحشا ... وعصيان عين ما تطيع غروبها [٨٠ أ] وتضييع رأى في اصطناع معاشر ... تسوّد وجه الاصطناع عيوبها أنا ابن الأولى من هاشم زنت هاشما ... كما زانها العباس قبلي نسيبها سلى تخبري من كان طفلا ويافعا ... فعزّت به الدنيا وذلّت خطوبها ألم أطل الأملاك علما وسؤددا ... وتفخر بى شبان فهر وشيبها وإني إن ضل الغريم غريمها ... وإن أفحم الخطاب يوما خطيبها

стр. 163

وسيفي على أعدائها سيف نقمة ... جريء على الأعمار في ما ينوبها «٤٦٩» وله أيضا: وسيف ظلام تدرعته ... أهب له يقظا حين هبّا أأشهر سيفي على نابح ... وأفرش للثأر قردا وكلبا إذا لا ارتوى من دم حده ... ولا سار بالعدل شرقا وغربا «٤٧٠» وله أيضا: أهوى الفراق وإن رأيت ... الموت في شخص الفراق لتقارب عند الوداع ... وقبلة عند التلاقي «٤٧١» وله أيضا: من ذا يقيم دعائم الإسلام ... ويعمّ بالإفضال والإنعام فينا النبوة والخلافة حكمنا ... ماض كما شئنا على الأيام أمضى من الأجل المعجّل أمرنا ... يأتيك قبل الفكر والإلهام لا ينقض الأعداء مبرم أمرنا ... وبنا تمام النقض والإبرام «٤٧٢» وأما وزراؤه: فهم أبو على، محمد بن عليّ بن مقلة، وكان وزر للمقتدر باللَّه [٨٠ ب] ثم للقاهر باللَّه ثم للراضى باللَّه. وكان «٤٧٣» لما قطعت يده ينوح عليها ويبكى ويقول: يد كتبت بها كذا وكذا من المصاحف ونقلت بها كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله- ﷺ ووقّعت بها عن ثلاثة من الخلفاء وتقطع هكذا كما تقطع أيدي اللصوص. وفي آخر زمان الراضي بعد موت ابن مقلة استعرضوا ما في خزانة الرءوس وكانت قد امتلأت بها الخزانة ورموها كلها إلى دجلة وكان بعضها في أسفاط وبعضها في صناديق رصاص، ووجد في الجملة سفط وفيه رأس ويد ورقعة فيها مكتوب: «هذا رأس أبى الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وكان وزير المكتفي» ، وهو الوزير بن الوزير بن الوزير بن الوزير لأن القاسم أباه كان وزير المكتفي والمعتضد

стр. 164

وعبيد الله كان وزير المعتضد وسليمان بن وهب كان وزير المعتمد. وفي تلك الرقعة مكتوب: «وهذه اليد التي مع هذا الرأس يد الوزير أبى عليّ بن مقلة وهذه اليد هي التي وقّعت بقطع هذا الرأس» . ثم بعد ابن مقلة وزر للراضى عبد الرحمن بن عيسى بن الجرّاح «٤٧٤» أخو الوزير عليّ بن عيسى المقدّم ذكره. ثم أبو جعفر الكرخي «٤٧٥» وكان قصيرا جدا فقطع لأجله من سرير الخلافة أربعة أصابع ثم سليمان «٤٧٦» بن الحسن دفعتين.

стр. 165

أمير المؤمنين المتقى للَّه هو أبو إسحاق، إبراهيم بن المقتدر باللَّه، بويع له يوم الأربعاء العشرين «٤٧٧» من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاث مائة. وأمه أم ولد اسمها «خلوب» [٨١ أ] . وحين مات الراضي انحدر المتقى للَّه من داره بدار ابن طاهر من الجانب الغربي إلى دار السلطان والناس على شاطئ دجلة يدعون له والمقرءون يقرءون بين يديه. ولما صعد من الزبزب جلس لحظة على رواق الخورنق وقام وصلّى ركعتين على الأرض ثم ارتقى السرير وبايعه الناس. وعرضت الوزارة على عليّ بن عيسى فأباها واعتذر بضعفه وكبر سنّه «٤٧٨» . ونفذ الخليفة بجكم إلى قتال الأكراد والديلم بنواحي واسط فمضى وهزمهم وفي عوده كان يتصيّد وعليه غلالة كتّان فبادره كردى ورماه بحربة فوقعت في ظهره وخرجت من صدره «٤٧٩» . ووجد المتقى في دار بجكم أموالا لا تحصى «٤٨٠» . فيقال: إن الآلات والفرش نقل إلى دار الخلافة في السفن والزواريق في مدة أربعين يوما. والمال كان ألف ألف وست ومائة ألف دينار هذا سوى ذخائر بجكم التي ضاعت فإنه كان يحمل الصناديق وفيها الدنانير على البغال ويخرج معها وحده وعلى كل بغل رجل مسدود العين فإذا بلغ إلى المكان الّذي يريده من الصحراء فتح أعينهم وأمرهم بدفن الصناديق، ثم عاد وشدّها بيده وأركبهم على البغال وأعادهم إلى البلد فإذا حصلوا في داره عاد وفتح أعينهم حتى لا يعلموا أيّ مكان دفنوا تلك الأموال. وكان هذا دأبه مدة ولايته. وضاعت تلك الأموال كلها ولم يعرف لها خبر «٤٨١» . وكان بجكم من أعقل الناس وأحسنهم تدبيرا ولذلك بلغ إلى ما بلغ. وكان الخلفاء يعتمدون عليه ويفوّضون أمر دولهم إليه ويقدّمونه على الوزراء. وكان لا يتكلم [٨١ ب] إلا بالفارسية وله ترجمان يعرف بمحمد بن ينال «٤٨٢» . واستوزر المتقى أبا عبد الله ابن البريدي عامل واسط «٤٨٣» ، وتزوّج ابن الخليفة المتقى، أبو منصور بابنة أبى عبد الله «٤٨٤» ، ثم استشعر منه المتقى لأنه كان قد جاء معه

стр. 166

من واسط عشرون ألف من الديلم. فنفذ المتقى وألّبهم عليه وضمّهم إلى عسكره فانحدر ابن البريدي هاربا إلى واسط ونهبت أمواله وذخائره وقتل خلق من أصحابه «٤٨٥» . واستوزر المتقى أبا إسحاق «٤٨٦» [١] القراريطي حتى قال الناس: قد انسحقت الخلافة في أيام المتقى، هو أبو إسحاق وزيره أبو إسحاق وذكروا جماعة من خواصه اسم كل واحد منهم إما أبو إسحاق أو إسحاق، وذكروا في الجملة أمه وأنها سحاقة. ثم إن القراريطي قال للخليفة: لا طاقة لي بالعسكر وإنما أنا كاتب فانظر في من يدبّر أمر عسكرك فاختار المتقى كورتكين الديلميّ «٤٨٧» وجعله أمير الأمراء وطوّقه وسوّره. وهو كان أحد الديلم الذين أصعدوا مع البريدي من واسط. وخلع المتقى على بدر الخرشنى واستحجبه وذلك كله في شوال من سنة تسع وعشرين وثلاث مائة «٤٨٨» . وورد الخبر بقدوم أبى بكر بن رائق من الشام إلى الحضرة فاستشعر كورتكين من أن يولّيه المتقى إمارة الأمراء مكانه لأنه كان تسمّى بها أيام الراضي. فاستأذن الخليفة في الخروج إليه ودفعه فأذن له قولا باللسان وقلبه مع ابن رائق، ونفذ إلى ابن رائق يأمره بسرعة القفول. فدخل ابن رائق بغداد وهرب منه كورتكين ونودي في جانبي بغداد: يا معاشر العامة قد أبحناكم مال الديلم، فما بقي عيّار ولا ملّاح ولا مكدى [٨٢ أ] إلا وانتهب دورهم وقتلوا من وجد منهم «٤٨٩» ونفذ ابن رائق خلف كورتكين من أسره «٤٩٠» . وكان العامة إذا أخذوا ديلميّا شوّهوا به، إما قطعوا أذنيه أو يديه أو أنفه وهو حىّ يرى ما يفعل به. وبعض العيّارين أخذوا جماعة من الديلم وطبخوهم وأكلوهم وجرى عليهم من النكال ما لم يجر على مخلوق قبلهم. وصار كل من له في إنسان غرض أو له معه عداوة يقول له: أنت كنت مع الديلم فإما يقتل أو يصادر، حتى قال الناس كلهم: كان يمكن السلطان أن يبلغ من الديلم ما يريده بأحسن من هذا الوجه «٤٩١» . وخلع السلطان على أبى بكر محمد بن رائق يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذي الحجة وقلّده إمارة الأمراء وعقد له لواءين: أحدهما على المشرق والآخر على المغرب وطوّقه

стр. 167

وسوّره وأنزله دار مؤنس المظفر المعتضدي «٤٩٢» . وكان ابن البريدي حين طرد من بغداد على ذلك الوجه انحدر إلى الأهواز وكاتب الديلم بنى بويه «٤٩٣» . وكان أول ظهورهم [أنهم] استولوا على فارس وكرمان ونفذوا إلى الحضرة بالأموال والتحف وسألوا أن ينفذ إليهم العهد واللواء بتلك البلاد ولعجز الراضي عن مقاومتهم أقرّهم على ما استولوا عليه واستفحل أمرهم في أيام المتقى. فلما انصرف ابن البريدي على ذلك الوجه من بغداد نفذ إليهم يهوّن في أعينهم أمر الخلافة ويحسّن لهم قصد الحضرة فما أقدموا على ما أراد منهم إلا أنهم أمدّوه بمائة ألف من الديلم خيّالة ورجّالة وقالوا: إن تمّ على أيديهم فتح كان لنا ولك. فوصل الديلم إلى واسط ولم يقدم أبو عبد الله بن البريدي على التهجم على الحضرة فنفذ العسكر [٨٢ ب] مع أخيه أبى الحسين ابن البريدي. فحين قاربوا بغداد هرب المتقى منهم ومعه ابن رائق إلى ناحية الموصل، واستولى أبو الحسين ابن البريدي على بغداد. ونفذ إلى الخليفة يقول له: إني عبدك ويحلف بالأيمان المغلظة إني لا أريد بك سوءا وإنما أربد أن أكون مكان ابن رائق. ولم ينزل دار الخلافة إعظاما لها بل نزل دار مؤنس التي ينزلها ابن رائق «٤٩٤» . ولما وصل الخليفة إلى الموصل وفيها من قبله الأمير ناصر الدولة بن حمدان خرج إلى مراحل واستقبله وخدمه الخدمة التامة وعرف أن الخليفة محتاج إلى بنى حمدان وأنه لا يمكنه أن يغضبهم وهو على تلك الحال ولو فعلوا فيها ما فعلوا فبادر وفتك بابن رائق لمعاداة كانت بينهم، ولم يظهر من المتقى إنكار. وقلّد الخليفة ناصر الدولة إمارة الأمراء مكان ابن رائق وجمع سائر بنى حمدان وانحدر وهم في جملته إلى بغداد. وكان في جملة ابن البريدي الأمير أبو الوفاء توزون التركي فغدر بابن البريدي وانضم إلى عسكر المتقى للَّه وهرب ابن البريدي ودخل المتقى إلى بغداد وخلع على توزون التركي وطوّقه وسوّره ولقّبه بالمظفر، فشقّ ذلك على ناصر الدولة. وكان يوم دخول السلطان المتقى للَّه إلى بغداد ضربت مائة قبّة

стр. 168

مجللة بالديباج عبر تحتها كلها وهي طبقات وفي كل طبقة الأغاني والمساخر والناس على طبقاتهم «٤٩٥» وزيّن البلد حتى رئي في دكاكين الصيارف الدنانير موضوعة على الأكسية على هيئة الحنطة وفيها المكاييل كالقفيز والعشير والكيلجة «٤٩٦» وما [٨٣ أ] أشبه ذلك ورئي مثل ذلك في دكاكين الجوهريين وفيها من المكاييل الربع والثمن. وحكى إنسان للمتقى أن أبواب الحمّامات زيّنت وكانت ستين ألف حمّام فما كان يخلو باب حمّام من خمسين أو أقل أو أكثر من الأسطال ولا تخلو هذه الأساطل من واحد أو اثنين ذهب أو فضة، فقيل: لو لم يكن على باب كل حمّام إلا واحد منها لكان بمدينة واحدة ستون ألف سطل ذهب وفضة فما ظنك بالأواني التي يكون استعمالهم لها أكثر من استعمالهم للأسطال «٤٩٧» . واستوزر المتقى أبا الحسين ولد الوزير أبى عليّ بن مقلة وخرج من دار السلطان وعليه الخلع وذلك في رمضان سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة «٤٩٨» . وقدّم المتقى للَّه أبا نصر، محمد بن ينال الترجمان وقوّده وأراد أن يولّيه إمارة الأمراء فخاف من ناصر الدولة. وعلم ناصر الدولة بباطن الحال فاستشعر وطلب الإذن له في أن يخرج إلى عمله. فأذن له فخرج على وجه جميل. ثم إن الخليفة حسب ما يحتاج إليه في كل شهر لخرج العسكر الذين بالحضرة سوى من هو مرابط في المراكز فكان خمس مائة ألف دينار ولم يكن في الخزائن شيء، وكان يحتاج في مئونة مطبخه كل يوم إلى خمسة آلاف درهم سوى نفقات الحواشي وسوى كسوته الخاصة وما يحتاج إليه من خلع وتشريفات وسائر أنواع التجمّل فضمن له توزون التركي «٤٩٩» أنه يقوم بذلك إن ولّاه إمارة الأمراء فولّاه ذلك وطوّقه وسوّره فقام بما كان ضمن على نفسه إلا أنه ضيّق على المتقى جدا واستشعر المتقى منه لغلبته على الأمر واستبداده [٨٣ ب] بالملك واستشعر أيضا توزون وانحدر إلى واسط بإذن المتقى لتقرير أمر البلاد السفلى ومحاربة بنى البريدي والديلم «٥٠٠» فحين بعد توزون عن بغداد نفذ المتقى

стр. 169

إلى بنى حمدان يستدعيهم فأجابوه وانحدروا إلى بغداد وضربوا مضاربهم على باب الشماسية. وخرج الخليفة وضرب مضاربه عندهم ورحل من فوره وترك بغداد ونزل الرقّة وصيّر محمد بن ينال الترجمان أمير الأمراء وطوّقه وسوّره. وحين وصل الخليفة إلى الرقّة وكان واليه على مصر أبو بكر محمد «٥٠١» بن طغج سمع بوصوله إلى الشام فجاء إليه ولقيه بالرقّة في العدّة الحسنة والعسكر الكثير وأهدى له من تحف مصر ولوزيره أبى الحسين بن مقلة ما ملأ عينهما. ثم أمره الخليفة بالعود إلى عمله فعاد إليه. وكان قد قال للمتقى: يا مولانا قد فسدت أمور العراق باستيلاء بنى حمدان على طرف وبنى بويه على طرف وباستشعارك من توزون، فلو جئت إلى مصر وأقمت بها وأنا كنت أكفيك كل ما تريده. فقال له «٥٠٢» المتقى: كيف أقيم في زاوية من الدنيا وأترك باقي الدنيا يخرب؟ هذا لا يمكنني. فعاد وتركه في الرقّة. ثم إن توزون راسل المتقى للَّه يستسل ما بقي في نفسه فما التفت إلى رسالته ونسب ذلك إلى بنى حمدان. ثم إن بنى حمدان اجتمعوا عند المتقى واشتوروا على جمع العساكر وقصد توزون ولم يطب لهم أن يكون الترجمان مقدّما عليهم فدخلوا يوما على المتقى وخرجوا من الدار فلما صاروا في بعض الدهاليز غمز ناصر الدولة أخاه سيف الدولة فاخترط سيفه وضرب به رأس [٨٤ أ] الترجمان فأبانه عن بدنه. وسمع المتقى الضجة فقال: ما هذا؟ قالوا: سيف الدولة قتل الترجمان فقال كالمغضب: أمس ابن رائق واليوم الترجمان؟ «٥٠٣» ولم يطل القصة لحاجته إلى بنى حمدان. ثم إن بنى حمدان خدموه بأموالهم وأنفسهم وأنسوه الترجمان. ووصل الخبر من العراق بأن أحد بنى البريدي وهو أبو عبد الله قتل أخاه الآخر وهو أبو يوسف وأن أمر الديلم قوى بالبلاد السفلى وأن أبا عبد الله البريدي الّذي كان يقاومهم توفى عقيب قتله لأخيه وأن الأمير أبا الحسين أحمد بن بويه قصد بغداد وبها توزون وأظهر أن الخليفة المتقى: «كاتبني وأمرنى بذلك» وأن توزون حاربه وهزمه ومرّ الديلميّ هاربا «٥٠٤» .

стр. 170

وقوى أمر توزون ثم تواصلت رسل توزون إلى الخليفة يطلب منه الصلح «٥٠٥» وأن يعود الخليفة إلى دار الملك، فشرط الخليفة عليه أن ينتزح هو إلى واسط حتى يدخل الخليفة بغداد. فقال توزون: هذا الشرط لا التزمه لأني أريد أن أزيل عنى اسم العصيان فإذا انتزحت إلى واسط فالناس يرونني بعين عاص وأكون قد شهدت على نفسي بخلع الطاعة، ولكن إذا استقر في دار الخلافة يأمرني بما شاء حتى أنتهي إلى أمره. وأحضر الأمير توزون القضاة والعلماء والأشراف وحلف بمحضر من رسول المتقى على كل ما يريده ووقع الصلح وانصرف الناس مسرورين وذلك في يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة «٥٠٦» . ولما كان في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة صح عزم المتقى على دخول بغداد فركب توزون إلى دار الخلافة وأمر [٨٤ ب] بتجديد ما يحتاج إلى تجديده منها وعمارة ما تشعّث فيها وكان يتردّد بنفسه كل يوم دفعات إلى الدار. وحين قرب الخليفة من بغداد أمر توزون أن تنصب القباب كما نصبت في المرة الأولى ففعل ذلك وزيّنت بغداد وهو يتولّى ذلك بنفسه ولا يكله إلى أحد واختاروا لدخول المتقى يوم السبت تاسع عشر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة. وخرج كل من ببغداد من القضاة والأشراف والعامة والتجار ولم يبق في البلد إلا شيخ مقعد أو زمن. فلما وصلوا إلى السندية أقاموا هناك ينتظرون وصول المتقى وهو على ستة فراسخ من بغداد. وركب الأمير توزون في أحسن زيّ وعدّة وحين توثّق الخليفة من توزون صرف جميع عساكر الشام وبقي في خواصه وخدمه. وحين أشرفت عمارية الخليفة عليهم قاموا كلهم ودعوا وكبّروا، وكان في عمارية مبطّنة بنمور أهداها إليه أبو بكر ابن طغج أمير مصر. فلما وقعت عليه عين توزون أكبّ على الأرض فقبّلها دفعات فقال له المتقى: لا تفعل يا أبا الوفاء ومشى بين يدي العمارية شوطا بعيدا فقال له: اركب فركب. فلما قربوا من المضارب، وكان قد ضرب للخليفة سرادق أحمر ديباج جاء معه من الشام، أحدق ديلم توزون بعمارية الخليفة وعدلوا بها إلى مضارب توزون

стр. 171

والناس لا يعلمون ما الّذي يريدونه إلى أن أدخلت العمارية إلى سرادق توزون وضربت الدبادب والبوقات على باب السرادق وأصحاب الخليفة كلهم وقوف لا يعلمون أين ذهب [٨٥ أ] به وكذلك كل من خرج لتلّقيه من أهل بغداد «٥٠٧» . وبيناهم في ذلك إذ خرج الأمير أبو القاسم عبد الله بن المكتفي من سرادق توزون وعليه القباء الأسود والمنطقة والعمامة على الرصافية «٥٠٨» وهو متقلّد سيفا بحمائل فركب جنيبا من الجنائب التي كانت تقاد بين يدي المتقى للَّه، وكان قد أحضره توزون ليلا والناس لا يعلمون، وركب الأمير توزون وسايره وهو يقول للناس: ادعوا لخليفتكم فنزل القوم كلهم وقبّلوا الأرض وبايعوه وسمّى نفسه «المستكفي باللَّه» ثم سار في صحراء السندية والأمير توزون على يمينه والعساكر تسايره ونزل في سرادق المتقى وجلس على سريره. ثم رحل من فوره وركب والأمير توزون يسايره حتى دخل بغداد والخلائق الذين خرجوا لاستقبال المتقى في صحبته واجتاز تحت تلك القباب التي ضربت للمتقى ودخل دار الخلافة. ثم إن الناس سمعوا من بعد ذلك أن عمارية المتقى لما عدلوا بها إلى مضارب توزون اعتقد المتقى أن توزون يريد بذلك أن يتشرّف بنزول الخليفة عنده في ذلك اليوم. فحين دخلت العمارية إلى المضارب ووقعت عين المتقى على ابن عمه أبى القاسم بن المكتفي ما فطن أيضا بالقصة فاعتقد أنه قد خرج لتلقّيه مع من خرج إلى أن قال له توزون: بايع أمير المؤمنين، فقال المتقى: ومن أمير المؤمنين؟ قال توزون: هذا الّذي تراه فعلم حينئذ أنه قد غدر به وقال: ما أبايعه ولا أخلع نفسي فأمسكوه وسملوا عينيه في الحال وكانت تلك الدبادب التي ضربت لئلا يسمع صياحه [٨٥ ب] . وحين استقر المستكفي باللَّه في دار الخلافة سلّم المتقى إليه فحبسه وما طاب له ما جرى عليه من توزون ولا سكنت نفسه إلى توزون مع نكثه الأيمان التي حلفها للمتقى وأسرّ في نفسه ما انتهى أمر توزون إليه.

стр. 172

أمير المؤمنين المستكفي باللَّه هو أبو القاسم، عبد الله بن المكتفي. وأمه أم ولد اسمها «غصن» «٥٠٩» . بويع له ساعة كحل المتقى في يوم السبت تاسع عشر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة. وكان السفير له في الخلافة امرأة تعرف ب «حسن الشيرازية» «٥١٠» وكانت زوجة بعض كتاب الأمير توزون وكانت تدخل دار الأمير أبى القاسم بن المكتفي وتختلط بأهله قبل خلافته فقالت يوما لزوجها: لو خاطبت الأمير توزون في استعطاف المتقى للَّه بكل ما يجد إليه سبيلا حتى يحصل في يده ثم يقبض عليه ويبايع ابن المكتفي. وقالت له: إنه يعطى الأمير توزون مائتي ألف دينار من خاصته وخمس مائة ألف دينار من وجوه يعرفها، وجسّرت زوجها على الخطاب في هذا الباب حتى خاطب به توزون ووافق ذلك ما كان في نفس توزون من المتقى وأنه دفعة كاتب بنى حمدان ودفعة كاتب بنى بويه يولّيهم. وكان هذا الرجل قد ألقى إلى سمع توزون وثبت في نفسه: إنك إن أتمت هذا الأمر كان هذا الرجل خليفة من قبلك وكان طوع أمرك ونهيك ورأى نفسه من صنائعك. ولما وصل الخليفة إلى صحراء السندية ورآه توزون استحيا منه وأراد الرجوع عما عزم عليه أو تأخير الأمر إلى أن يستقر في [٨٦ أ] الدار فقال له ذلك الرجل: إن كنت تريد أن تفعل شيئا فافعله الآن فهذا وقته قبل أن يدخل الدار وتحول بيننا وبينه الحيطان وقبل أن ينمّ إليه شيء من أمرنا فيهلكنا، فأقدم حينئذ توزون على ما أقدم عليه. وصيّر المستكفي هذه المرأة قهرمانة الدار وغيّر اسمها وسمّاها «علم» فصارت تعرف ب «علم القهرمانة» . وكان الأمير توزون يركب كل يوم مع المستكفي إلى باب الشماسية على الظهر ثم يعود في الماء وهو معه حتى يصعد إلى الدار. ثم إن المستكفي خاف أن يجرى عليه من توزون ما جرى على المتقى وكان قد بقي في بنى البريدي أبو الحسين وهو الّذي جاء إلى بغداد وهتك حرمة الخلافة وهرب منه المتقى إلى الموصل، فأمر المستكفي الأمير

стр. 173

توزون باستعطافه ومكاتبته وبذل الأمان له ليحصل في أيديهم ففعل توزون ذلك وكتب له الأمان ونفذ إليه الرسل حتى ورد الحضرة فلما دخل على المستكفي أمر بإحضار النّطع والسيف وقدم البريدي وأمر بضرب عنقه بين يديه «٥١١» واستشعر توزون من المستكفي فبادر المستكفي فسمّ توزون فمات في تلك الأيام «٥١٢» . واستوزر أبا جعفر، محمد «٥١٣» بن يحيى بن شيرزاد ولقّبه أمير الأمراء وزاد في ألقابه إمام الحق وأمر أن يكتب ذلك على التراس والطرز والأعلام. وفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة عاد الأمير أبو الحسين أحمد بن بويه الديلميّ إلى نواحي العراق وقصد بغداد طمعا في أن يكون مكان الأمير توزون فأظهر [٨٦ ب] المستكفي الفرح به والسرور بقدومه وخلع عليه وطوّقه وسوّره وجعله أمير الأمراء ولقّبه «معز الدولة» «٥١٤» . ثم نمّ الخبر إلى معزّ الدولة بأن علم القهرمانة تريد أن تتخذ دعوة وتجمع فيها وجوه بغداد من القضاة والأئمة وتدعو في الجملة معزّ الدولة ووجوه أصحابه فإذا حصلوا عندها في الدار أدخلت إليهم العامة من باب آخر فعلوهم بالسيوف. فاستشعر معز الدولة من الخليفة وقال: مثل هذه المرأة تلعب بالدول؟ ودبّر أمره بحيث لم يعلم به أحد ودخل في يوم الموكب على العادة إلى خدمة المستكفي وهو يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة. فحين وقعت عليه عينه قبّل الأرض ووقف بين يدي السرير وأمره فصعد على درجة السرير وأخذ يده فقبّلها ثم كان بعد ذلك يصعد اثنان اثنان فيقبّلان يد المستكفي وينزلان ويصعد آخران، فانتهت النوبة إلى أن صعد ديلميّان لتقبيل يده أحدهما اسمه بكران وهو خال معزّ الدولة والآخر من أقاربه فحين مدّ يده إليهما جذباه جذبة سقط منها على الأرض وبادر معز الدولة وترك عمامته في حلقه وسحبه على وجهه وأمر بضرب البوقات والدبادب على شاطئ دجلة تحت الدار وانتهبت الدار وكل من حضر في ذلك الموكب وأخذت علم القهرمانة «٥١٥» . ثم مضى معزّ الدولة إلى دار الأمير أبى القاسم، الفضل بن المقتدر باللَّه وأخرجه منها وأجلسه على السرير وبايعه بالخلافة وسلّم إليه المستكفي باللَّه فسمل عينيه وحبسه [٨٧ أ] .

стр. 174

أمير المؤمنين المطيع للَّه هو أبو القاسم، الفضل بن جعفر المقتدر. بويع له بالخلافة في يوم خلع المستكفي من سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة. واستولى معز الدولة على المملكة ورتّب له كل يوم خمسة آلاف درهم. وفي سنة ست وثلاثين وثلاث مائة عصى بنو البريدي على معز الدولة، وهم أولاد أبى عبد الله الّذي تقدم ذكره، فانحدر الخليفة المطيع للَّه ومعه معز الدولة إلى البصرة واستخلصوها من أيديهم. وفي سنة سبع وثلاثين [وثلاث مائة] وقع الخلف بين بنى حمدان ومعز الدولة وصعد معز الدولة إلى الموصل وهرب منه ناصر الدولة بن حمدان ووقع الصلح بينهم على أن يؤدّى ناصر الدولة كل سنة ثلاث مائة ألف دينار وعلى أن يكون أولاده في خدمة معز الدولة. وفي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة وصل الخبر إلى بغداد بموت عماد الدولة أبى الحسن عليّ «٥١٦» بن بويه، وهو أخو معز الدولة والأكبر من إخوته، وكان أمير فارس ولم يكن له ولد فقلّد الخليفة فارس لولد الأمير ركن الدولة، وكان ركن الدولة واليا على الرىّ والجبال وأصفهان وهمدان، وكان له عدّة أولاد وهم شرف الدولة وفخر الدولة وعضد الدولة. فطلب معز الدولة من أخيه أن يولّى أحد أولاده فارس فولّاها عضد الدولة وأمروا المطيع للَّه أن يقلّده ذلك ففعل ما أمروه به ضميمة إليهم. وفي سنة ست وخمسين وثلاث مائة مات الأمير سيف الدولة، أبو الحسن عليّ ابن أبى الهيجاء بن حمدان ودفن بميّافارقين [٨٧ ب] وجلس مكانه ابنه الأمير سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة. وفيها مات معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه الديلميّ بعلّة الذرب في ربيع الأول وجلس مكانه ببغداد ولده الأمير عز الدولة أبو منصور بختيار «٥١٧» .

стр. 175

وقبض الأمير عدة الدولة أبو تغلب بن ناصر الدولة على أبيه وعلى إخوته وحبسهم في بعض الحصون واستولى على ملك أبيه. ونفذ عز الدولة والمطيع للَّه وتشفّعوا إليه في أمرهم وما أجاب. وتزوّج «٥١٨» عدّة الدولة أبو تغلب بنت عز الدولة وأمهرها ثلاث مائة ألف دينار «٥١٩» وكان لها ثلاث سنين وحملت إليه إلى الموصل مع بدر الحرمي. وبادر عز الدولة إلى هذه الوصلة خوفا من أن يتغيّر عليه شيء من الخليفة فأراد أن يستظهر ببني حمدان. وفي سنة ثلاث وستين وثلاث مائة «٥٢٠» استشعر عز الدولة بختيار من حاجبه سبكتكين المعزى «٥٢١» ومن جماعة الأتراك وبعد عن بغداد فقصد الحاجب سبكتكين وجماعة العسكر دار الخليفة وطلبوا منه أن يخرج إليهم وحسّنوا له قلع الديلم فلم يجبهم إلى ذلك نظرا في عواقب الأمور فانصرفوا وقصدوا ابنه وولىّ عهده ولده الأمير أبا بكر عبد الكريم بن المطيع وخاطبوه في ذلك فأجابهم وخرج معهم وأظهروا خلاف الديلم. ودخل الأمير أبو بكر عبد الكريم على أبيه المطيع للَّه وسامه خلع نفسه فرأى الجد منه وخاف على نفسه من القتل فخلع نفسه وسلّم الأمر إلى ولده. ولم ينله سوء في بدنه ولا في حرمته [٨٨ أ] .

стр. 176

أمير المؤمنين الطائع للَّه هو أبو بكر، عبد الكريم بن المطيع للَّه. بويع له يوم خلع أبوه في سنة ثلاث وستين وثلاث مائة وطرد الديلم عن العراق وعاد أمر الخلافة إلى ما عهد. واسم أم الطائع «عتب» روميّة. وكان صاحب جيشه والمدبّر لأمره سبكتكين المعزى، ولقّبه الطائع ب «نصر الدولة» . ثم إن عز الدولة بختيار انحدر إلى خوزستان واستنجد بابن عمه الأمير عضد الدولة أبى شجاع فنّا خسرو «٥٢٢» بن ركن الدولة فأنجده والتقيا بواسط. ثم نفذوا إلى الموصل من استنجد بعدّة الدولة فأنجدهم ووصل إلى تكريت، فتحيّر الطائع لأنه بقي بينهما. وجاء عليه عيد النحر فخرج بنفسه وصعد المنبر وخطب، وكان مجدّر الوجه كبير الأنف، وكان كما يزعمون، أبخر. وفيه يقول ابن الحجاج «٥٢٣» : يا رب عيد النحر هو ذا ترى ... ما أفظع الأمر الّذي قد جرى صلّى بنا فيه إمام فسا ... في أول الصيف كما كبّرا خليفة في وجهه روشن ... خربشته قد ظلل العسكرا عهدي به يمشى على رجله ... وأنفه قد صعد المنبرا «٥٢٤» وقام يدعونا إلى نفسه ... وذكر العباس واستفخرا بخطبة صنّفها باقل ... قد كسر الناس لها دفترا نثرت بعرا من سروري وما ... نثرت لا لوزا ولا سكّرا خلافة أقصى مدى ملكها ... من حد كلواذا إلى عكبرا «١٥٢٤» [٨٨ ب] في قفص لو أنها قنبر ... لضاق عن أن يسع القنبرا لكنها بالعرض قد أمعنت ... فعمّت الأبيض والأحمرا صلت بجسر النهروان الضحى ... فعاقها حسّون أن تعبرا ووجدت ضبّة في صرصر ... فحلفت لا جاوزت صرصرا فأنفه أكبر من ملكه ... في الطول والعرض إذا قدرا يحط في المنديل خيشومه ... ضفادعا خضرا إذا استنثرا

стр. 177

قلت وقد أبصرته راكبا ... مقطبا في الجيش مسحنفرا سبحان من يعلم هذا الصبا ... في وجه مولانا متى جدّرا وكان في الجيش سبال آضرطى ... ووجهه مثل القفا من ورا «٥٢٥» قد كتب الشؤم على وجهه ... هذا أخو الغفلاء قد أدبرا من أي ما جنب تأمّلته ... لم تدر أعمى هو أم أعورا يغالط الناس على أنه ... قد أغلق الدست وقد ششدرا «١٥٢٥» يا معشر الديلم أنتم إذا ... تلظّت الحرب أسود الشّرى بنى بويه يا نجوم العلى ... لا تنكروا ما لم يكن منكرا غرستم الدفلي فلا تعجبوا ... من شجر الدفلي إذا بزّرا وله أيضا فيه: يا سادتي للإمام حق ... لا بد والله أن يوفّى لا سيما أكبر الهداة ... من الأئمة الراشدين أنفا فعاتبوه ففي فؤادي ... نار من الخوف ليس تطفأ [٨٩ أ] قولوا له يا حبيب قلبي ... دلائل الشوم ليس تخفى فاليوم مع من تريد تبقى ... يا خرب البيت يا برنفا جيشك مستأمن وهذا ... باب لقاط الصفع المشفّا (كذا) وكان قد جرى ذكر ابن الحجاج عند بختيار بواسط وأنشدوه هذه الأبيات فأثنى عليه ومدحه، فكتب إليه: رويدك لا تشمت بحالي يا دهري ... وإن كنت في حال تسرّ بنى البظر وفي قصص مثل الخرا لو ذكرتها ... لكنت كأنى قد تكلمت من جحرى موالي ما لي طاقة مذ فقدتكم ... بعيش على صبر أمرّ من الصبر موالي قد أسكرتمونى فهل لكم ... طريق إلى صحو يعين على سكرى سترت من الآفات فيكم فإنني ... ببعدكم أصبحت منهتك الستر سأبكي على عزّى الّذي ذلّ بعدكم ... فأصبح قدر الكلب أشرف من قدري

стр. 178

وأبكى على حالي التي أعرض الغنى ... ببعدكم عنها فآلت إلى الفقر وكيف السبيل للتلاقي وبيننا ... مهامه من برّ مخوف ومن بحر وإن طريق البر والماء أبهما ... بجيش أمير المؤمنين أبى بكر لعل الليالي السود تصحو فينجلي ... سواد الغمام الجون عن مطلع البدر ثم إن الطائع للَّه صمّم العزم على الانحدار إلى واسط لقتال الديلم، فانحدر ومعه نصر الدولة سبكتكين. وسمع بذلك الديلم فأصعدوا لاستقباله فالتقوا بديالى على فرسخين من بغداد فحمل سبكتكين حملة صدق فيها فبدّد عساكر الديلم وقطع أعلامهم وفرّق جمعهم ثم [٨٩ ب] جال بين الصفّين فتقنطرت به فرسه فوقع ميتا «٥٢٦» فاضطرب العسكر وانكسروا وأخذ الخليفة هاربا على وجهه إلى الرقّة، ودخل الديلم بغداد. ثم إن عضد الدولة «٥٢٧» خلا له الأمر وطابت له بغداد فقتل ابن عمه عزّ الدولة «٥٢٨» ونفذ إلى الطائع وبذل له كل ما يريده وصالحه وأعاده إلى دار الخلافة. واشتمل ملك عضد الدولة على فارس وكرمان وخوزستان والعراق وديار ربيعة والشام وحمل إليه الخراج من الروم واجتمع على بابه من العلماء والشعراء والأدباء ما لم يجتمع على باب ملك قبله. وكان شاعرا أديبا كاتبا حاسبا مهندسا نحويّا لغويّا كريم الطباع ذا همة عالية، مكرما للعلماء محبّا لأهل التخصص حتى إنه كان يقدم نعل أبى عليّ الفارسي «٥٢٩» ويحمل له المسينة «٥٣٠» إلى بيت الماء بنفسه. ومات- ﵀ في سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة في خلافة الطائع، ودفن بتربة أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- رضوان الله عليه- بوصيّة منه. وولى بعده ابنه صمصام الدولة «٥٣١» أبو كاليجار بن عضد الدولة سنتين إلى أن زحف إليه أخوه شرف الدولة أبو الفوارس فأخذ الملك من يده. ولم تطل مدته حتى زحف إليه أخوه بهاء الدولة أبو نصر خسرو فيروز «٥٣٢» بن عضد الدولة وغلب على الملك ولقّب نفسه بملك الملوك. وهذا كله في خلافة الطائع للَّه «٥٣٣» .

стр. 179

ولما كان يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، دخل بهاء الدولة على العادة إلى خدمة الطائع للَّه فقبّل الأرض ووقف ثم أومأ إلى جماعة كان واطأهم [٩٠ أ] فجذبوا الطائع من سريره ولفّوه في كساء وأخرجوه من الباب المعروف بباب بدر وحملوه إلى دار المملكة «٥٣٤» ملفوفا في الكساء على قفا فرّاش «٥٣٥» . ونفذوا إلى البطائح من أحضر الأمير أبا العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر وكان ينزل بالصليق «٥٣٦» . وحين وصل إلى بغداد بايعوه بالخلافة وسلّموا إليه الطائع فسمل عينيه. وكانت خلافة الطائع للَّه سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام.

стр. 180

أمير المؤمنين القادر باللَّه هو أبو العباس، أحمد بن إسحاق بن المقتدر باللَّه. بويع له بالخلافة في يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة وهو بعد بالبطائح. وفي يوم الجمعة خطب له بالخلافة على المنابر ببغداد ولم يصل إليها بعد. وشغّب العامة والجند ومنعوا الخطيب من الخطبة له. وطالب الجند بمال البيعة فوعدوا بذلك فسكنوا وركب من الجند قوم وسكّنوا العامة فسكنوا أيضا بعضهم بالرغبة وبعضهم بالرهبة وتمّت الخطبة للقادر باللَّه. وفي يوم الجمعة العاشر من رمضان من السنة وصل القادر باللَّه إلى بغداد فخرج بهاء الدولة والعساكر كلهم لتلقّيه «٥٣٧» وأقرّ أصحاب المراتب والقضاة وكل أرباب المناصب على ما كانوا عليه وكان زاهدا ورعا لا يشرب الخمر ولا يظلم أحدا، لا جرم دام له الأمر إحدى وأربعين سنة وانتقل من عزّ الخلافة إلى نعيم الآخرة. وفي سنة اثنين وثمانين وثلاث مائة ورد الخبر باستيلاء ملك [٩٠ ب] الترك الملقّب بشهاب الدولة على ما وراء النهر وهرب الأمير نوح بن منصور الساماني من يده، واسمه بغرا قراخان «٥٣٨» . وفي هذه السنة تزوّج القادر باللَّه بسكينة بنت بهاء الدولة وذلك في ذي الحجة وأصدقها مائة ألف دينار «٥٣٩» وكان الولىّ الشريف أبو أحمد الموسوي أمير الحاج وهو والد الرضى والمرتضى. وخطب الخطبة أبو الحسن البتّي «٥٤٠» . وفي سنة أربع وثمانين وثلاث مائة توفى القاضي أبو عليّ التنوخي «٥٤١» وذهب عن الدنيا رونقها وبهاؤها لمّا حرمت من فضله، وهو مصنف «نشوار المحاضرة» وكتاب «الفرج بعد الشدّة» وكان له النثر والنظم الّذي فاق بهما كتّاب زمانه فضلا عن قضاته. وفي هذه السنة توفى عليّ بن عيسى الرمّانى «٥٤٢» النحويّ والأستاذ أبو إسحاق الصابي.
следующие страницы →