← История

История · id 12289

الإنباء في تاريخ الخلفاء

ابن العمراني

Полный текст (320 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أمير المؤمنين الطائع للَّه هو أبو بكر، عبد الكريم بن المطيع للَّه. بويع له يوم خلع أبوه في سنة ثلاث وستين وثلاث مائة وطرد الديلم عن العراق وعاد أمر الخلافة إلى ما عهد. واسم أم الطائع «عتب» روميّة. وكان صاحب جيشه والمدبّر لأمره سبكتكين المعزى، ولقّبه الطائع ب «نصر الدولة» . ثم إن عز الدولة بختيار انحدر إلى خوزستان واستنجد بابن عمه الأمير عضد الدولة أبى شجاع فنّا خسرو «٥٢٢» بن ركن الدولة فأنجده والتقيا بواسط. ثم نفذوا إلى الموصل من استنجد بعدّة الدولة فأنجدهم ووصل إلى تكريت، فتحيّر الطائع لأنه بقي بينهما. وجاء عليه عيد النحر فخرج بنفسه وصعد المنبر وخطب، وكان مجدّر الوجه كبير الأنف، وكان كما يزعمون، أبخر. وفيه يقول ابن الحجاج «٥٢٣» : يا رب عيد النحر هو ذا ترى ... ما أفظع الأمر الّذي قد جرى صلّى بنا فيه إمام فسا ... في أول الصيف كما كبّرا خليفة في وجهه روشن ... خربشته قد ظلل العسكرا عهدي به يمشى على رجله ... وأنفه قد صعد المنبرا «٥٢٤» وقام يدعونا إلى نفسه ... وذكر العباس واستفخرا بخطبة صنّفها باقل ... قد كسر الناس لها دفترا نثرت بعرا من سروري وما ... نثرت لا لوزا ولا سكّرا خلافة أقصى مدى ملكها ... من حد كلواذا إلى عكبرا «١٥٢٤» [٨٨ ب] في قفص لو أنها قنبر ... لضاق عن أن يسع القنبرا لكنها بالعرض قد أمعنت ... فعمّت الأبيض والأحمرا صلت بجسر النهروان الضحى ... فعاقها حسّون أن تعبرا ووجدت ضبّة في صرصر ... فحلفت لا جاوزت صرصرا فأنفه أكبر من ملكه ... في الطول والعرض إذا قدرا يحط في المنديل خيشومه ... ضفادعا خضرا إذا استنثرا

стр. 177

قلت وقد أبصرته راكبا ... مقطبا في الجيش مسحنفرا سبحان من يعلم هذا الصبا ... في وجه مولانا متى جدّرا وكان في الجيش سبال آضرطى ... ووجهه مثل القفا من ورا «٥٢٥» قد كتب الشؤم على وجهه ... هذا أخو الغفلاء قد أدبرا من أي ما جنب تأمّلته ... لم تدر أعمى هو أم أعورا يغالط الناس على أنه ... قد أغلق الدست وقد ششدرا «١٥٢٥» يا معشر الديلم أنتم إذا ... تلظّت الحرب أسود الشّرى بنى بويه يا نجوم العلى ... لا تنكروا ما لم يكن منكرا غرستم الدفلي فلا تعجبوا ... من شجر الدفلي إذا بزّرا وله أيضا فيه: يا سادتي للإمام حق ... لا بد والله أن يوفّى لا سيما أكبر الهداة ... من الأئمة الراشدين أنفا فعاتبوه ففي فؤادي ... نار من الخوف ليس تطفأ [٨٩ أ] قولوا له يا حبيب قلبي ... دلائل الشوم ليس تخفى فاليوم مع من تريد تبقى ... يا خرب البيت يا برنفا جيشك مستأمن وهذا ... باب لقاط الصفع المشفّا (كذا) وكان قد جرى ذكر ابن الحجاج عند بختيار بواسط وأنشدوه هذه الأبيات فأثنى عليه ومدحه، فكتب إليه: رويدك لا تشمت بحالي يا دهري ... وإن كنت في حال تسرّ بنى البظر وفي قصص مثل الخرا لو ذكرتها ... لكنت كأنى قد تكلمت من جحرى موالي ما لي طاقة مذ فقدتكم ... بعيش على صبر أمرّ من الصبر موالي قد أسكرتمونى فهل لكم ... طريق إلى صحو يعين على سكرى سترت من الآفات فيكم فإنني ... ببعدكم أصبحت منهتك الستر سأبكي على عزّى الّذي ذلّ بعدكم ... فأصبح قدر الكلب أشرف من قدري

стр. 178

وأبكى على حالي التي أعرض الغنى ... ببعدكم عنها فآلت إلى الفقر وكيف السبيل للتلاقي وبيننا ... مهامه من برّ مخوف ومن بحر وإن طريق البر والماء أبهما ... بجيش أمير المؤمنين أبى بكر لعل الليالي السود تصحو فينجلي ... سواد الغمام الجون عن مطلع البدر ثم إن الطائع للَّه صمّم العزم على الانحدار إلى واسط لقتال الديلم، فانحدر ومعه نصر الدولة سبكتكين. وسمع بذلك الديلم فأصعدوا لاستقباله فالتقوا بديالى على فرسخين من بغداد فحمل سبكتكين حملة صدق فيها فبدّد عساكر الديلم وقطع أعلامهم وفرّق جمعهم ثم [٨٩ ب] جال بين الصفّين فتقنطرت به فرسه فوقع ميتا «٥٢٦» فاضطرب العسكر وانكسروا وأخذ الخليفة هاربا على وجهه إلى الرقّة، ودخل الديلم بغداد. ثم إن عضد الدولة «٥٢٧» خلا له الأمر وطابت له بغداد فقتل ابن عمه عزّ الدولة «٥٢٨» ونفذ إلى الطائع وبذل له كل ما يريده وصالحه وأعاده إلى دار الخلافة. واشتمل ملك عضد الدولة على فارس وكرمان وخوزستان والعراق وديار ربيعة والشام وحمل إليه الخراج من الروم واجتمع على بابه من العلماء والشعراء والأدباء ما لم يجتمع على باب ملك قبله. وكان شاعرا أديبا كاتبا حاسبا مهندسا نحويّا لغويّا كريم الطباع ذا همة عالية، مكرما للعلماء محبّا لأهل التخصص حتى إنه كان يقدم نعل أبى عليّ الفارسي «٥٢٩» ويحمل له المسينة «٥٣٠» إلى بيت الماء بنفسه. ومات- ﵀ في سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة في خلافة الطائع، ودفن بتربة أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب- رضوان الله عليه- بوصيّة منه. وولى بعده ابنه صمصام الدولة «٥٣١» أبو كاليجار بن عضد الدولة سنتين إلى أن زحف إليه أخوه شرف الدولة أبو الفوارس فأخذ الملك من يده. ولم تطل مدته حتى زحف إليه أخوه بهاء الدولة أبو نصر خسرو فيروز «٥٣٢» بن عضد الدولة وغلب على الملك ولقّب نفسه بملك الملوك. وهذا كله في خلافة الطائع للَّه «٥٣٣» .

стр. 179

ولما كان يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، دخل بهاء الدولة على العادة إلى خدمة الطائع للَّه فقبّل الأرض ووقف ثم أومأ إلى جماعة كان واطأهم [٩٠ أ] فجذبوا الطائع من سريره ولفّوه في كساء وأخرجوه من الباب المعروف بباب بدر وحملوه إلى دار المملكة «٥٣٤» ملفوفا في الكساء على قفا فرّاش «٥٣٥» . ونفذوا إلى البطائح من أحضر الأمير أبا العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر وكان ينزل بالصليق «٥٣٦» . وحين وصل إلى بغداد بايعوه بالخلافة وسلّموا إليه الطائع فسمل عينيه. وكانت خلافة الطائع للَّه سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام.

стр. 180

أمير المؤمنين القادر باللَّه هو أبو العباس، أحمد بن إسحاق بن المقتدر باللَّه. بويع له بالخلافة في يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة وهو بعد بالبطائح. وفي يوم الجمعة خطب له بالخلافة على المنابر ببغداد ولم يصل إليها بعد. وشغّب العامة والجند ومنعوا الخطيب من الخطبة له. وطالب الجند بمال البيعة فوعدوا بذلك فسكنوا وركب من الجند قوم وسكّنوا العامة فسكنوا أيضا بعضهم بالرغبة وبعضهم بالرهبة وتمّت الخطبة للقادر باللَّه. وفي يوم الجمعة العاشر من رمضان من السنة وصل القادر باللَّه إلى بغداد فخرج بهاء الدولة والعساكر كلهم لتلقّيه «٥٣٧» وأقرّ أصحاب المراتب والقضاة وكل أرباب المناصب على ما كانوا عليه وكان زاهدا ورعا لا يشرب الخمر ولا يظلم أحدا، لا جرم دام له الأمر إحدى وأربعين سنة وانتقل من عزّ الخلافة إلى نعيم الآخرة. وفي سنة اثنين وثمانين وثلاث مائة ورد الخبر باستيلاء ملك [٩٠ ب] الترك الملقّب بشهاب الدولة على ما وراء النهر وهرب الأمير نوح بن منصور الساماني من يده، واسمه بغرا قراخان «٥٣٨» . وفي هذه السنة تزوّج القادر باللَّه بسكينة بنت بهاء الدولة وذلك في ذي الحجة وأصدقها مائة ألف دينار «٥٣٩» وكان الولىّ الشريف أبو أحمد الموسوي أمير الحاج وهو والد الرضى والمرتضى. وخطب الخطبة أبو الحسن البتّي «٥٤٠» . وفي سنة أربع وثمانين وثلاث مائة توفى القاضي أبو عليّ التنوخي «٥٤١» وذهب عن الدنيا رونقها وبهاؤها لمّا حرمت من فضله، وهو مصنف «نشوار المحاضرة» وكتاب «الفرج بعد الشدّة» وكان له النثر والنظم الّذي فاق بهما كتّاب زمانه فضلا عن قضاته. وفي هذه السنة توفى عليّ بن عيسى الرمّانى «٥٤٢» النحويّ والأستاذ أبو إسحاق الصابي.

стр. 181

وفي المحرّم [من] سنة خمس وثمانين وثلاث مائة توفى كافى الكفاة الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد بالريّ، ووصل الخبر إلى بغداد بوفاته ففرش أكثر الخلق الرماد في الأسواق وقعدوا عليه. وبلغ الخبر إلى بغداد أنه حين أخرج تابوته إلى المصلّى خرج خلفه أرباب المناصب وأصحاب المراكز وأهل العلم والأدب وأنهم حين شاهدوا التابوت قبّلوا الأرض بين يديه إجلالا له «٥٤٣» . وكان مخدومه الأمير فخر الدولة أبو الحسن عليّ «٥٤٤» بن ركن الدولة أبى الحسن بويه قد عاده في مرضه فالتفت إليه وقال له: أيها الأمير قد خدمتك خدمة استوعبت الوسع فيها وسرت سيرة حصلت لك حسن الذكر بها فإن أجريت الأمور بعدي على رسمها علم أن ذلك كان منك فينسب الجميل فيه [٩١ أ] إليك واستمرت الأحدوثة الطيبة بذلك لك وكنت أنا في جملة ما يثنى عليك به، وإن غيّرت ذلك بعدي كنت أنا المذكور بحسن السّيرة دونك وأنت بعد هذا أعلم بشأنك. ولما مات الصاحب المذكور لم يقبل فخر الدولة شيئا مما وصّاه الصاحب به. وفي العاشر من رجب سنة سبع وثمانين وثلاث مائة توفى فخر الدولة بالريّ وخلف في الخزانة ثلاثة آلاف ألف دينار فأفناها ابنه مجد الدولة أبو طالب رستم «٥٤٥» في أسرع مدة وكان متخلّفا منهمكا في لذّاته غير مفكّر في أمر المملكة. وكان وصل الخبر إليه بأن ابنا لسبكتكين والى غزنة قد استولى على خراسان وأفنى آل سامان وقد تلقّب ب «يمين الدولة» وأن الرسل لا تنقطع بينه وبين القادر باللَّه وأنه ربما قصد المملكة، فما أكثرت مجد الدولة بهذا القول حتى جاء الملك يمين الدولة، أبو القاسم محمود بن ناصر الدين سبكتكين وأخذ الملك منه وأسره ونفذه مقيّدا إلى خراسان «٥٤٦» . وكتب إلى القادر باللَّه بذلك فكتب له القادر العهد على خراسان والجبال والسند والهند وطبرستان ولقّبه «يمين الدولة وأمين الملّة، ناصر الحق، نظام الدين، نصير أمير المؤمنين» ، وقبل ذلك ما كان يعرف اللقب المنسوب إلى أمير المؤمنين إلا «مولى أمير المؤمنين» . فهو أوّل من غيّر ذلك.

стр. 182

وعاد إلى خراسان وتسمّى بالسلطان وجلس على التخت ولبس التاج، ودخل إليه البديع الهمذانيّ فأنشده «١٥٤٦» : تعالى الله ما شاء وزاد الله إيماني [٩١ ب] ... أأفريدون في التاج أم الإسكندر الثاني أم الرجعة قد عادت إلينا بسليمان ... أطلّت شمس محمود على أنجم سامان وأضحى آل بهرام عبيدا لابن خاقان ... إذا ما ركب الفيل لحرب أو لميدان رأت عيناك سلطانا على منكب شيطان ... أمن واسطة الهند إلى ساحة جرجان ومن حاشية السند إلى أقصى خراسان ... على مفتتح العمر وفي مقتبل الشان يمين الدولة العقبي لبغداد وغمدان ... وما يقعد بالمغرب عن طاعتك اثنان إذا شئت ففي يمن وفي أمن وإيمان وفي سنة ثلاث وأربع مائة توفى بهاء الدولة بن عضد الدولة بشيراز وعمره اثنتان وأربعون سنة، وجعل ابنه الكبير أبا شجاع فنا خسرو ولىّ عهده في الملك. وعهد القادر باللَّه إلى فنا خسرو ولقّبه «سلطان الدولة» «٥٤٧» . وفي سنة أربع وأربع مائة مات الأمير قابوس بن وشمكير ودفن في تابوت زجاج مملوء من الصبر وعلّق في القبة التي هي الآن تربته بالسلاسل «٥٤٨» وعلى باب القبّة مكتوب: «هذا القبر العالي للأمير شمس المعالي الأمير بن الأمير قابوس بن وشمكير» وذلك بظاهر جرجان [٩٢ أ] . وفي هذه السنة توفى أبو نصر عبد العزيز «٥٤٩» بن نباتة الشاعر البغدادي. وفي سنة ست وأربع مائة توفى الشريف نقيب النّقباء ذو الحسبين الرضى «٥٥٠» .

стр. 183

وفي سنة سبع وأربع مائة قصد السلطان محمود بن سبكتكين خوارزم وملكها. وفي سنة أربع عشرة وأربع مائة مات ولىّ العهد ابن القادر باللَّه وكان أبوه قد لقّبه في حياته «الغالب باللَّه» «٥٥١» . وفي هذه السنة خرج الحاكم بأمر الله «٥٥٢» سلطان مصر وحده راكبا حمارا يريد الصحراء وفقد ولم يعلم له خبر بعد ذلك، وجلس مكانه ابنه في الملك ولقّب نفسه «الظاهر لإعزاز دين الله» . وفي سنة خمس عشرة وأربع مائة مات سلطان الدولة فنا خسرو بتخمة النبيذ وجلس مكانه الأمير أبو كاليجار «٥٣٣» ابنه ولقّبه الخليفة ب «محيي دين الله» . وفي سنة إحدى وعشرين وأربع مائة وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان محمود ابن سبكتكين وجلوس ابنه مسعود مكانه. وخرج التركمان من باديتهم إلى بلاد الإسلام وكانوا ثلاثة إخوة، محمد وهو طغرلبك وداود وهو جغري بك وإبراهيم وهو ينال. وكتبوا إلى القادر باللَّه وطلبوا أن يولّيهم بلدا من بلاد خراسان، وكان محمد أكبرهم وكان يخاطب من ديوان القادر ب «الدهقان الجليل محمد بن ميكائيل» . فنفذ القادر باللَّه إلى مسعود بن محمود يأمره أن يخلى لهم بلدا من بلاد خراسان ليكفوا شرهم عن بلاد المسلمين وأن يكون واحد منهم أبدا في خدمته. وقبل وصول الكتاب قتل مسعود بن محمود واستولى التركمان على بلاد [٩٢ ب] خراسان ووقع بأس المحمودية بينهم لطلب الملك فانحجزوا إلى غزنة وقوى أمر التركمان. ومات القادر باللَّه في الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة وجلسوا له للعزاء في ذلك اليوم إلى وقت العصر. ثم قام ابنه من وراء سبنية وصلّى بهم العصر ثم بعد ذلك صلّى على تابوت القادر باللَّه. وكان القادر- ﵀ طلق النفس [١] واسع المعروف معروفا بالعدل والزهد،

стр. 184

شائع الخير في الخلق، لم تعرف له زلّة مذ ولى الخلافة. وكانت مدة خلافته إحدى وأربعين سنة. ووزر له «٥٥٤» جماعة منهم: أبو الفضل محمد بن أحمد العارض، ثم أبو الحسن سعد بن نصر، ثم أبو الفضل أيوب بن سليمان، ثم عليّ بن عبد العزيز بن حاجب النعمان، ثم عميد الرؤساء أبو طالب محمد بن أيوب. ودفن القادر باللَّه في الدار «٥٥٥» سنة ثم حمل إلى الرصافة على العادة.

стр. 185

أمير المؤمنين القائم بأمر الله هو أبو جعفر، عبد الله بن القادر [باللَّه] بويع له في اليوم الثاني من وفاة القادر وأخذ البيعة على الناس المرتضى أبو القاسم الموسوي أخو الرضى، ونظام الحضرتين أبو الحسن الزينبي «٥٥٦» نقيب النّقباء، وقاضى القضاة الحسين «٥٥٧» بن عليّ بن ماكولا، وحضر الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر وبايع «٥٥٨» . ووصل الخبر إلى بغداد بموت الظاهر لإعزاز دين الله بمصر في سنة سبع وعشرين وأربع مائة وتولّى بعده [ولده] أبو تميم معدّ وتلقّب بالمستنصر باللَّه «٥٥٩» . وفي سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة انتشر التركمان في بلاد الإسلام، وكان [٩٣ أ] الناس يسمّونهم الغز. وجاء طغرلبك إلى الرىّ وملك الجبال وطبرستان وحاصر أصفهان وأخذها من قرامرز بن رستم الديلميّ وأعطاه يزد عوضها «٥٦٠» . وكان قد جلس في ملك غزنة مكان مسعود بن محمود [ابنه] مودود بن مسعود «٥٦١» ...... وفي هذه السنة، وصل الخبر إلى العراق بوفاته واستيلاء جغري بك على جميع بلاد خراسان. ثم إن الأمور ببغداد اختلّت وصار كل جندي فيها رأسا بنفسه وانقطعت موارد الأموال باستيلاء الخوارج على أكثر بلاد الإسلام. وتقدم بحضرة الخليفة ببغداد أبو الحارث أرسلان البساسيري وصار أمير الأمراء. وجرت بينه وبين الوزير رئيس الرؤساء، أبى القاسم عليّ «٥٦٢» بن الحسين بن المسلمة منافسة على الأمور وصارا عدوّين. وكان رئيس الرؤساء صدرا يملأ العين منظرا وفضلا وبراعة وسياسة وعقلا وتدبيرا، وحين استشعر رئيس الرؤساء من البساسيري راسل التركمان السلجوقية وكتب كتابا إلى أبى طالب بن ميكائيل يخاطبه فيه بالأمير الجليل ركن الدولة، ويحسّن له دخول الحضرة، وفر البساسيري بذلك فاستشعر ومرّ هاربا إلى الشام

стр. 186

وأقبل ركن الدولة السلجوقي يريد بغداد. فحين وصل [إلى] النهروان، وهو في خمسين ألف فارس، خرج رئيس الرؤساء لاستقباله وذلك في يوم الأحد ثامن شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربع مائة، وكان معه الملك الرحيم أبو نصر خسرو فيروز «٥٦٣» ، وهو آخر من بقي من بنى بويه، ولم يكن إليه حلّ ولا عقد. وحين وصلوا إلى نهربين «٥٦٤» استقبلهم عميد الملك «٥٦٥» ، أبو نصر الكندري [٩٣ ب] وزير ركن الدولة يطلب صوب البلد، فلما رأى موكب رئيس الرؤساء والعساكر خلفه والقضاة والأشراف والخطباء ووجوه بغداد بالسواد والمناطق عن يمينه وشماله والجنائب تقاد بين يديه وأكثر من مائة جوق من المقرءين يقرءون بين يديه هاله ذلك وتقدّم للسلام عليه. وحين وقعت عينه عليه ترجّل ظنّا منه أن رئيس الرؤساء يترجّل له فما فعل، فلما رأى ذلك منه قدّم جنيب من جنائبه وقال: ركن الدولة حيث علم أنك خرجت لاستقباله أمرنى باستقبالك وقد أمر بأن تقدّم لك هذه الجنيبة فنزل رئيس الرؤساء عن فرسه وركب الجنيبة. وإنما كانت الجنيبة لعميد الملك وأراد بذلك الحيلة على رئيس الرؤساء لينزل فيراه الناس من بعد فيعتقدون أنه ترجّل له، ثم تسايرا إلى أن وصلا إلى ركن الدولة. وحين دخل عليه رئيس الرؤساء نهض وأجلسه معه على سريره وقال له رئيس الرؤساء: يا ركن الدولة إن الله- تعالى- أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها. فقال: إنما قصدت هذا الجانب لثلاثة أمور: أحدها: لأقبّل العتبة الشريفة النبويّة وأنتمي إلى خدمتها. والثاني: لأحجّ إلى بيت الله تعالى وأفتح طريق الحج من صوب العراق. والثالث: لأقصد مصر وأنتزعها من يد الخارج الّذي بها وأقيم الدعوة على منابرها لبني العباس. ثم عاد رئيس الرؤساء وأخبر الخليفة بذلك. ولما كان في اليوم الثاني، دخل ركن الدولة على القائم بأمر الله وهو جالس من وراء شبّاك [٩٤ أ] وحين رآه سجد سبع مرات وأمر له بكرسي صغير فوقف عليه. وكان الخليفة يخاطب عميد الملك وهو يترجم عليه. وخرج من حضرة الخليفة

стр. 187

ونزل دار مؤنس المظفر التي كان ينزلها من يتولّى إمارة الأمراء. ولقّبه الخليفة ب «ركن الدين ملك الإسلام والمسلمين، برهان أمير المؤمنين» . وفي هذه السنة توفى قاضى القضاة أبو عبد الله، محمد «٥٦٦» الدامغانيّ- رحمة الله عليه-. وفي يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وأربعين وأربع مائة عقد الخليفة عقدا على خديجة «٥٦٧» المدعوّة أرسلان خاتون بنت الأمير جغري بك والى خراسان، وهو أخو ركن الدولة، وكانت خديجة هذه مسمّاة لابن الخليفة ذخيرة الدين «٥٦٨» . وكان ولىّ عهد المسلمين، وكان قد جرى بين الخليفة وبينهم في ذلك مراسلات قبل دخولهم بغداد، واتفق موت ذخيرة الدين قبل دخولهم فخطبها الخليفة لنفسه. وحين توفى ذخيرة الدين كانت له جارية حامل فوضعت في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة ابنا سمّى عبد الله وكنّى أبا القاسم ولقّب بعدّة الدين وعمدة الإسلام والمسلمين وأقيم اسمه على المنابر مقام اسم أبيه وهو المقتدى بأمر الله. ومات القاضي أبو الطيب الطبري «٥٦٩» وقاضى القضاة أبو الحسن الماوردي «٥٧٠» في سنة خمسين وأربع مائة قبل عود البساسيري إلى بغداد بأيام. أما البساسيري فإنه انضم إليه نور الدولة أبو الأغر دبيس بن عليّ بن مزيد الأسدي وقريش بن بدران صاحب الموصل وديار ربيعة. وكاتب المستنصر يحسّن له [٩٤ ب] ما في نفسه من قلع دولة بنى العباس وإزالة ملكهم ويطلب منه العساكر والعدّة. فجاءته العساكر تتقاطر وأمدّوه بالأموال والأسلحة وأقيمت الدعوة للمستنصر باللَّه بالموصل والشام ونقلوا جميع المنابر ببلاد الشام وديار ربيعة من يسار القبلة إلى يمينها وتظاهروا بالأعلام البيض وانضاف إليهم كل عسكر كان بين الموصل ومصر إلا نصر الدولة أحمد «٥٧١» بن مروان فإنه افتدى نفسه منهم بالأموال بعد ما أقام الدعوة للمستنصر وخوطب من حضرته بالأمير الأجلّ عزّ الدولة وعمادها، ذي الصرامتين سعد الدين، مولى أمير المؤمنين.

стр. 188

وحين تكامل جمعهم بسنجار عوّلوا على قصد بغداد فوصل الخبر إلى بغداد بذلك فنفذ السلطان طغرلبك جماعة العسكر مع الأمير قتلمش ابن عمه لمحاربتهم واتفق اللقاء في رمضان من سنة ثمان وأربعين وأربع مائة على باب سنجار فانكسر جيش السلطان وانهزم الأمير قتلمش وبلغت هزيمته إلى همذان وكانت الهزيمة ليلة عيد الفطر. ونفذ البساسيري الفيوج والرسل إلى مصر يخبر بالفتح، ونفذ أسلاب الأتراك وخيلهم وأعلامهم إلى المستنصر فوقع ذلك منه أوفى موقع. وسحبوا الأعلام السود على التراب منكوسة في أسواق القاهرة وزيّنوا البلد أياما. وفي ذلك يقول ابن حيّوس: عجبت لمدّعى الآفاق ملكا ... وغايته ببغداد الركود يصول على رعاياها اعتداء ... ويحجم كلما صلّ الحديد [٩٥ أ] يدبّره ابن مسلمة سفاها ... برأي غيره الرأى السديد وأعجب منهما سيف بمصر ... تقام له بسنجار الحدود «٥٧٢» وحين وصل هذا الخبر إلى بغداد ركب ركن الدولة ودخل دار القائم بأمر الله في أحسن زيّ وتعبئة وبين يديه الأمراء من الأتراك والعرب والديلم. فخرج رئيس الرؤساء إلى صحن الدار لاستقباله فدخل البهو، وهو مجلّل بستور الديباج السود وفي صدره سبنية «٥٧٣» سوداء مسبلة فكشفت وإذا بالخليفة وراءها على سدّة عالية ارتفاعها من الأرض سبعة أذرع وعليه السواد والمنطقة وهو معمّم على رصافية وبردة النبي- ﷺ على كتفيه وخاتمه في إصبعه وهو حلقة فضة عليها فصّ غروى أسود مربّع نقشه سطران: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» والقضيب الخيزران في يده والخدم على طبقاتهم وقوف وفي أيدي بعضهم الشموع وفي أيدي الباقين مجامر البخور من الطّيب. وحين رفعت الستارة ووقعت عين ركن الدين على القائم أكبّ على الأرض يقبّلها فعل ذلك مرارا عدّة. وكان بين يدي الشبّاك كرسي خشب وكان رئيس الرؤساء واقفا عليه، فقال له الخليفة: خذ إليك ركن الدين فنزل رئيس الرؤساء

стр. 189

وأخذ بيده ورقّاه وأوقفه معه على الكرسي ثم قال الخليفة: ومنصور بن محمد، يعنى عميد المملك، فصعد أيضا ووقف معهما. ثم قال القائم بأمر الله لرئيس الرؤساء: يا عليّ قل لركن الدين: أمير المؤمنين! [٩٥ ب] حامد لسعيك شاكر على فعلك معتدّ بخدمتك، أنس بقربك وقد ولّاك جميع ما ولّاه الله من بلاده وردّه إليه من أمر عباده فاتق الله تعالى في ما ولّاك واعرف نعمته عندك، فقبّل الأرض ودعا وقال: أنا عبد أمير المؤمنين ووليّه. ثم أسبلت السبنيّة وجيء بالخلع وأفيضت عليه وهي سبعة أقبية سود بزيق واحد وعمامة مسكيّة وتاج مرصّع فيه قطعتان ياقوت كبار حول كل قطعة خمس عشرة حبّة كبار، وسوّر وطوّق وكان شيخا قد بلغ السبعين «٥٧٤» ، وكان أقرع فأثقله الطوق والسّواران وكان يعانيهما بجهد جهيد. وأمر الخليفة له بثلاثة ألوية: أحدها لواء الحمد أسود مكتّب بالذهب والآخران أحمران بكتابة صفراء. وكتب له عهد بولاية الدنيا بأسرها وخوطب فيه ب «شاهنشاه ملك المشرق والمغرب» وأمره الخليفة بالتوجّه نحو البساسيري. وكانت هديّته للخليفة في ذلك اليوم خمسين غلاما أتراكا على خيول بسيوف ومناطق محلّاة وعشرين رأسا من الدواب والآلات مصاغة مرصعة قوّمت بخمسين ألف دينار، وخمس مائة ثوب أنواعا من كل جنس، وخرج من فوره وسار نحو البساسيري. وكان البساسيري بالرحبة. وحين سار ركن الدين متوجّها إلى صوب الرحبة ومعه أخوه إبراهيم ينال، وهو أخوه لأمه، وصله الخبر في بعض الطريق بأن إبراهيم كاتب البساسيري وصاحب مسر فاستشعر منه ركن الدين واستشعر هو أيضا. ولما قربوا من البساسيري وصاحب مسر فاستشعر منه ركن الدين واستشعر هو أيضا. ولما قربوا من البساسيري وتوعدوا للقتال [٩٦ أ] عاد إبراهيم ينال إلى وراء طالبا صوب العراق ومعه نصف العسكر فتجبّنت قلوب الباقين وعاد ركن الدين منهزما من غير حرب ولكن خوفا من أخيه أن يسابقه إلى همذان ويدخلها ويستولى على المملكة. وكان من العجائب أن ركن الدين سار من نصيبين إلى همذان في ثمانية أيام ودخلها قبل أخيه إبراهيم بعد ما عطبت خيله وتقطع أصحابه. وحين دخلها كان في نفر قليل، وأدركه إبراهيم فاحتمى ركن الدين بالبلد فحاصره إبراهيم.

стр. 190

ولما اتصل الخبر بالبساسيري وقريش بن بدران هجما على بغداد في هذه السنة وهي سنة خمسين [وأربع مائة] ووصلا إليها في مستهل ذي القعدة فقاتلهما العامة ومن تخلّف ببغداد من الجند أياما ثم عجزوا عنهما ودخلا بغداد في سادس ذي القعدة وأمر جا العسكر في القتل والنهب وأغلقت أبواب دار الخلافة فجاء قريش بن بدران وقصد الدار وكان الخليفة ورئيس الرؤساء على برج في ركن باب النوبي «٥٧٥» ، فاطلع رئيس الرؤساء وصاح بقريش: يا علم الدين! أمير المؤمنين يستدعيك، فدنا من الباب فقال له: إن الله تعالى قد أتاك رتبة لم يؤتها أمثالك فإن أمير المؤمنين يطلب منك الذمام على نفسه وأهله وأصحابه فقال قريش: أمير المؤمنين قد أذمّ الله له، فقال رئيس الرؤساء: ولى، قال: ولك، قال: فأين الذّمام؟ فخلع عمامته وأخرج قلنسوة كانت تحتها ورماها إليهم وقال: هذا الذمام. فأمر الخليفة ففتح الباب ونزل ومعه رئيس الرؤساء وجماعة من الخدم وسلّموا أنفسهم إليه، فحين رأى الخليفة طيّب نفسه وأمّنه [٩٦ ب] مشافهة ووعده بالجميل وكانت مخاطبته له: «يا شريف» . وسمع بذلك البساسيري، وكان نازلا بالجانب الغربي، فاغتاظ ونفذ إلى علم الدين يقول: ما هذا الأمان الّذي انفردت به دوني؟ وقد كنّا تعاهدنا على أن لا يستبد أحد منّا بشيء دون رضى أصحابه، فأجابه قريش ب: إني ما عدلت عن ما استقر بيننا، والخليفة فما بينك وبينه عداوة، عدوّك ابن المسلمة فخذه إليك وأنا آخذ الخليفة وقد كنا شرطنا أن نتساوى في القسمة في كل شيء نظفر به والآن واحد لي وواحد لك فرضى البساسيري بذلك. ووجّه علم الدين برئيس الرؤساء إلى البساسيري- لعنه الله-. فلما وقعت عليه عينه قال: مرحبا بمدمّر الدولة ومهلك الأمم ومخرّب البلاد ومبيد العباد، تعال يا ابن الكافرة، فقال له رئيس الرؤساء: ملكت فاسجح، فجعل البساسيري يكرر قوله: «ملكت فاسجح» . ثم التفت إليه وقال له: أنت ملكت فما أسجحت بل صادرت وعاقبت وقتلت وأنت صاحب قلم فكيف أعفو عنك وأنا

стр. 191

صاحب سيف؟ ثم إني أسألك عن شيء آخر، هب أن جرمي كان مما لا يغفر، فما كان جرم حرمي وأطفالى وعيالي وبناتي حتى نكلت بهم وكشفت ستر الله عنهم؟ وأيّ ذنب كان لجوارىّ حتى علقتهنّ بثديهنّ وقد جئت الآن تستعفينى من هذه الجرائر وأنا رجل جندي صاحب سلاح فإذا كنت ما أبقيت [عليّ] فلم أبقى عليك؟ وأمر به فسوّد وجهه وأركب حمارا ومعه على الحمار نفّاط يصفعه بقطعة جراب وداروا به في الأسواق والدبادب والبوقات [٩٧ أ] تضرب بين يديه. ثم أمر فعلّق كلاب في حلقه وصلب على شاطئ دجلة وذلك بعد أن ألبسه جلد ثور وترك قرونه على رأسه فبقي يتحرك ويضطرب إلى آخر النهار ومات في عشية ذلك اليوم «٥٧٦» وفيه يقول ابن نحرير الكاتب «٥٧٧» : أقبلت الرايات مبيضة ... يقدمهن الأسد الباسل وولّت السوداء منكوسة ... ليس لها من ذلة شائل انظر إلى الباغي على جذعه ... والدم من أوداجه سائل ثم حطّ جسده بعد ثلاثة أيام وأحرق. ثم جرى في أمر الخليفة بين قريش والبساسيري خلاف، فقال البساسيري: لا بد من تنفيذه إلى مصر وتسليمه إلى المستنصر باللَّه ليرى فيه رأيه فقال علم الدين: بل يعتقل في بعض القلاع حتى يموت. وخاف الخليفة أن يغلب البساسيري على قريش فقام من الخيمة التي كان معتقلا فيها وقصد خيمة قريش بن بدران وقال له: لقد أعطيتنى الذّمام على أن لا أفارقك وأن لا تخرجني من بغداد وهذا الدخول إلى خيمتك الآن أمان ثان فاللَّه الله أن تسلّمنى إلى غيرك فهذا غير معهود في ذمام العرب ولا مألوف في المروءة والطريقة. فقال له قريش: لا بأس عليك والصواب في ما دبّرته في أن تنفذ إلى بعض القلاع «٥٧٨» . وإنما كان مقصود قريش تسكينه بذلك وإلا فقد كان قريش يعلم أنه إذا خرج من بغداد وسلّم إلى من يحتفظ به، أن البساسيري ينفذ من يأخذه في بعض الطريق وينفذه إلى مصر. والخليفة خاف أن يسلّم إلى [٩٧ ب] المستنصر

стр. 192

فيفعل به بمصر ما فعل البساسيري برئيس الرؤساء ببغداد. وحين أيس الخليفة من قريش وعلم أنه لا بد من أن يسلّم إلى من يحتفظ به في بعض الحصون التفت إليه وقال له: يا قريش لا شدّ الله لك حزاما. ونهض وعاد إلى خيمته وسلّم إلى مهارش «٥٧٩» المستحفظ بقلعة الحديثة ليحفظه عنده وكان أمر بذلك في الظاهر وقيل له في الباطن: تحمله إلى مصر وتسلّمه إلى المستنصر. فحين خرج به مهارش من بغداد، وكان مهارش يرجع إلى دين وتألّه ومروءة وذمام، فقال له: يا مولانا كن على أتم ثقة أن رأسي يمضى دونك وإني لا أسلّمك إلى عدوّ قط ولقد خار الله تعالى لك وللمسلمين ولذرية بنى العباس بكونك عندي. ثم حمله إلى قلعته وخدمه الخدمة التامة. ثم إن طغرلبك بقي في الحصار بهمذان وأخوه إبراهيم ينال على بابها يحاصره فاتصل الخبر بإبراهيم أن خاتون زوجة طغرلبك توجّهت في تلك الأيام من بغداد إلى همذان ومعها عميد الملك ومعهم أموال الدنيا ظانّين أن الغلبة لزوجها طغرلبك. وخاف إبراهيم أن يتصل بها خبر زوجها في بعض الطريق فتعود إلى بغداد فنفذ جماعة من العسكر لأخذ الطريق عليها. وحين انفصلوا من معسكره بباب همذان وتسامع بقية العسكر بذلك لم يبق منهم إلا القليل والباقون تبعوا العسكر المنفذ إلى صوب العراق لطلب الغارة. فلما خف جمعه خرج طغرلبك مع العسكر الذين كانوا معه في البلد وشباب همذان فكبسوا إبراهيم ونهبوا معسكره وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب [٩٨ أ] هو وحده إلى قزوين. وكان ذلك كله بتدبير السيد أبى هاشم العلويّ «٥٨٠» ومعاونته، وعرف له السلطان ذلك وولّاه رئاسة همذان. ثم إن ركن الدين خرج وضرب مضاربه على باب البلد والتحقت به العساكر من كل فج. ووصلت خاتون على جملة السلامة لأن العسكر المنفذ لأخذ الطريق عليها سمعوا بهذا الخبر على مرحلتين من همذان فبعضهم هرب وقصد إبراهيم وبعضهم استأمن إلى السلطان.

стр. 193

ثم إن السلطان ركن الدين قصد أخاه بقزوين وظفر به وقتله. ووصل إليه في تلك الأيام ابن أخيه من خراسان وهو محمد بن داود بن ميكائيل وهو المعروف بألب أرسلان وجعله ولىّ عهده. ولم يكن بعد فراغه من أمر إبراهيم شغل إلا قصد العراق، فتوجّه إلى بغداد ونفذ إلى مهارش يطلب الخليفة فسار مهارش في خدمة الخليفة إلى صوب بغداد، والتقوا كلهم على ماء النهروان. وحين أحسّ البساسيري بوصولهم وكان والى بغداد من قبل المستنصر هرب إلى حلة نور الدين دبيس بن عليّ بن مزيد. وخرج كل من كان ببغداد من صغير وكبير إلى النهروان لتلقّي الخليفة والسلطان وخلا البلد في تلك الليلة وهي ليلة الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين [وأربع مائة] . ولما كان وقت إسفار الصبح ركب القائم بأمر الله وركن الدين بين يديه وعلى رأسه الغاشية وجماعة الأمراء والقواد والعساكر وأهل البلد كلهم رجّالة وكان يوما مشهودا، وذلك لأنه لم يكن فارسا سوى الخليفة والباقون [٩٨ ب] كلهم رجّالة مشاة. ثم إن الخليفة قال لركن الدين: اركب يا أبا طالب، فقبّل الأرض وما ركب، فقال له ثانيا: اركب يا أمير الجيش، فقبّل الأرض ولم يركب، فقال ثالثا: اركب يا ركن الدين، فقبّل الأرض وركب. وحين قربوا من البلد عاد وترجّل وأخذ الغاشية على رأسه إلى أن دخل الخليفة الدار، وحين وصل إلى باب الحرم التفت إليه وقال: ارجع يا ركن الدين شكر الله سعيك ورسوله- ﷺ وأمير المؤمنين، وعاد ونزل بدار عضد الدولة، التي هي اليوم دار المملكة «٥٨١» . ومن العجائب أن دخول البساسيري إلى بغداد وإخراج الخليفة من داره كان في هذا اليوم من شهر ذي القعدة وهو اليوم الّذي دخل فيه. وفي اليوم الثاني من الدخول رتّب الحشم في الدار والحواشي والحراس والبوّابون على العادة وعاد من كان بعد منهم أو استتر وفرشت الدواوين وجلس الكتّاب على

стр. 194

العادة كأنهم ما أصيبوا. وجاء عميد الملك إلى ديوان الخليفة لتقرير الأمور وإقرار ما يختص بديوانه من البلاد وجرى في ذلك كلام طويل فقال عميد الملك: أمير المؤمنين قد ولّى ركن الدين من وراء بابه وركن الدين هو الّذي أعاد هذه الدولة بعد ما زالت وقد كان بجكم قرر للراضى باللَّه لنفقة داره في كل يوم خمس مائة دينار وكذلك توزون في أيام المتقى وكان الباقي يصرف إلى العسكر وأمير المؤمنين ليس له عسكر سوانا ولا حاجة به إلى أكثر من خمس مائة دينار في كل يوم. فقيل له: هذا [٩٩ أ] لا يكفى، فقال: نجعلها ألفا، فقيل له: ولا يكفى فإن أمير المؤمنين يحتاج إلى تشريفات وخلع وصلات للملوك والأمراء والقضاة والأشراف وسائر طبقات الناس، وما زالوا به حتى قرر للخليفة كل يوم ألفى دينار، فقيل له: ويجب أن تقرر بذلك بلادا أو ضياعا يختارها الخليفة فاختاروا ما يكون ارتفاعه في كل سنة سبع مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وكتبوا بذلك السجلات وأشهدوا عليه الشهود. واستدعى الخليفة أبا الفتح بن دارست «٥٨٢» من بلاد فارس واستوزره وفتحت الدواوين على العادة وعاد أمر الخلافة إلى أوفى ما كان عليه. وأما قريش فذبح على فراشه «٥٨٣» في هذه السنة وهي سنة [إحدى وخمسين] «٥٨٤» وأربع مائة لا يدرى من ذبحه واستجاب الله تعالى فيه دعوة القائم بأمر الله. وحين أسر القائم حمل ولد ولده، ذخيرة الدين إلى حرّان، وكان طفلا فاحتفظوا به هناك وراعوه وخدموه أوفى خدمة «٥٨٥» ، ثم لما عاد الخليفة إلى مستقر عزّه أعادوه إليه وبقي القائم بأمر الله تعالى إلى أن بلغ هذا الصبىّ مبلغ الرجال وصار ولىّ العهد وبقيت الخلافة إلى الآن في أعقابه. ثم إن السلطان ركن الدين طغرلبك أراد أن ينحدر بنفسه إلى حلة نور الدين أبى الأغر دبيس بن مزيد الأسدي لطلب البساسيري فجاء إليه سرايا بن منيع وقال: اعطونى ألفى فارس لأمضى إلى الكوفة وآخذ على البساسيري طريق الشام وأخاف إن أحسّ بحركتكم إليه هرب إلى الشام وقصد مصر وتقوّى بالعساكر ثم عاد إلى

стр. 195

العراق بعد خروجكم عنه فنفذ السلطان ركن الدين طغرلبك معه [٩٩ ب] أزدمر الحاجب ونوشروان [ربيبه] «٥٨٦» وكمشتكين دواتي عميد الملك في ثلاثة آلاف فارس فصادفوه منفصلا عن حلة دبيس بن مزيد قاصدا إلى الشام فحاربوه وكسروه ووقعت فيه طعنة فسقط، فنزل كمشتكين العميدي وحزّ رأسه ونهبوا عسكره وجاءوا برأسه فطيف به في البلد والدبادب والبوقات تضرب بين يديه ونصب على باب دار الخليفة سنة كاملة. وماتت أم القائم بأمر الله في ذلك اليوم وكانت عجوزا قد أنافت على المائة وكان ذلك في اليوم الخامس عشر من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربع مائة. وفي سنة ثلاث وخمسين وأربع مائة رغب السلطان طغرلبك في التزويج بمريم أخت «٥٨٧» القائم بأمر الله وكان كل واحد منهما قد أناف على السبعين «٥٨٨» وإنما أراد بذلك التبجّح والتفاخر على أبناء جنسه. وكان بباب تبريز فنفذ الخليفة إليه في إتمام الوصلة ابن المحلبان فتكلّفوا له أمورا عظيمة ونثروا أموالا جمّة. وفي يوم الخميس ثالث عشر شعبان سنة أربع وخمسين وأربع مائة قام عميد الملك أبو نصر محمد بن منصور الكندري بباب تبريز وأخذ توقيع الخليفة بالوكالة في أمر التزويج «٥٨٩» وقرأه على السلطان طغرلبك وفسّره له وعقد النكاح على مقتضى التوقيع وكانت نسخة التوقيع: «بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله- ﷺ وذكر آثاره وآثار أهل بيته، ثم إن أمير المؤمنين نصر الله تعالى ألويته وأنفذ في المشارق والمغارب كلمته لما اتضح لدى شريف سدّته وبمقر العزّ [١٠٠ أ] من سامى حضرته من ولائك يا أبا نصر محمد بن منصور مولى أمير المؤمنين، ومخالصتك ووثق به من دينك وأمانتك وتحقّق جميل سعيك في الخدمة الشريفة ومناصحتك، رسم أعلى الله مراسمه أن يجعل أمر هذه الوصلة الشريفة المقدسة إليك وزمام تدبيرها بيديك وأن يعوّل في أمرها عليك وأن تجرى ما تبرمه من هذا الأمر الشريف موضعه

стр. 196

والعقد العظيم موقعه على سنة الرسول- ﷺ على أربع مائة درهم ودينار واحد مهر سيدة النساء فاطمة البتول، ليعلم الكافة من العامة والخاصة تنزّه أمير المؤمنين- رضوان الله عليه وعلى آبائه الطاهرين- عن التلبّس بحطام الدنيا. وأن مكان شاهنشاه المعظم، ملك المشرق والمغرب ركن الدين أمتع الله به لا يوازيه شيء من الأشياء» . وبعد هذا كلام لم يحضرني الآن «٥٩٠» . فغلب البكاء على السلطان عند ذلك وعلى أكابر الحاضرين وجرى أمر عظيم رقّق القلوب. ثم سلّمت إليه ببغداد بعد امتناع شديد من تسليمها وذلك في الخامس عشر من صفر سنة خمس وخمسين وأربع مائة، وكان معها من الفرش والآلات والجواهر والأواني سوى ما صرف إلى الحجاب وحواشي الدار ما قوّمه الثقات بألفي ألف دينار. وكان يدخل عليها وهي جالسة على السرير فيخدمها ويقبّل الأرض بين يديها وينصرف. وأخذها معه إلى حلوان ثم أعادها من هناك. وقصد الرىّ في هذه السنة وهي سنة خمس وخمسين وأربع مائة ومات بها في رمضان، وأخذ عميد الملك أبو نصر محمد بن [١٠٠ ب] منصور الكندري بعده البيعة للأمير مشيّد الدولة أبى القاسم سليمان «٥٩١» بن دواد، وكان يلقّب بأمير الأمراء، وهو ابن أخيه الأصغر. ثم بعد أيام وصل ابن أخيه الأكبر من خراسان وهو الأمير ألب أرسلان «٥٩٢» بن داود فانحلّ أمر هذا الصبىّ واستولى ألب أرسلان على الأمر واحتقد ذلك على عميد الملك، وجاءه اللواء والعهد من بغداد بالسلطنة ولقّب ب «ملك المشرق والمغرب، عضد الدولة القاهرة العباسية» . وأقرّ عميد الملك على الوزارة ثم قبض عليه وحبسه في دار عميد خراسان واستصفى أمواله ثم نفذه إلى قلعة، وأمر فقتل بها «٥٩٣» . واستوزر بعده أبا عليّ، الحسن بن عليّ بن إسحاق الطوسي ولقّبه «قوام الدين نظام الملك صدر الإسلام شمس الكفاة سيد الوزراء رضى أمير المؤمنين» وكان لهذا الصدر من الخيرات في بلاد الإسلام من المدارس والقناطر والرباطات والوقوف

стр. 197

ما هو موجود إلى الآن يشهد لنفسه. وفتح الله تعالى على يديه الفتح الّذي عزّ به الإسلام بباب منازجرد «٥٩٤» سنة ثلاث وستين وأربع مائة وأسر ملك الروم. وكان الثغر على باب خوى «٥٩٥» ففتحوا بذلك الفتح نحوا من مائتي مدينة حتى صار الثغر على باب القسطنطينية «٥٩٦» . واستشهد «٥٩٧» هذا الصدر على أيدي الملاحدة بباب نهاوند في العاشر من رمضان سنة خمس وثمانين وأربع مائة، وكانت مدة وزارته ثلاثين سنة منها عشر سنين للسلطان ألب أرسلان وعشرون سنة لولده جلال الدولة، أبى الفتح ملك شاه. ومات القائم باللَّه- رحمة الله عليه- في سنة سبع [١٠١ أ] وستين وأربع مائة. وكانت خلافته خمسا وأربعين سنة. وقبل وفاته بسنة واحدة كان غرق بغداد «٥٩٨» .

стр. 198

أمير المؤمنين المقتدى بأمر الله هو أبو القاسم، عبد الله بن ذخيرة الدين أبى العباس محمد بن القائم بأمر الله. ولما مات جدّه القائم بأمر الله جلس أكابر الدولة والدين للعزاء بباب الفردوس «٥٩٩» وحضر الفقهاء والقرّاء والأجناد على طبقاتهم وصلّى عليه المقتدى، وصلّى بهم صلاة العصر من وراء السبنية ودفن في الدار وفي صبيحة اليوم الثاني والثالث جلسوا للعزاء. وفي اليوم الثالث وقعت البيعة للمقتدى بأمر الله وكتبت الكتب ببيعته إلى الآفاق. وأمه حبشيّة تعرف بالأرجوانية «٦٠٠» وكانت تقيّة زاهدة صوّامة كثيرة المروءة والصدقة محبّة لأهل الستر والصلاح. وكان المقتدى بأمر الله شهما شجاعا ذا بصيرة وجدّ، وكان يرجع إلى فضل وافر وعقل كامل. وكان نفذ إلى ديار بكر لطلب فخر الدولة أبى نصر محمد بن محمد ابن جهير وزير بنى مروان فلما حضر استوزره «٦٠١» ولم يكن كما سمع عنه ولا كان فيه فضل ولا كفاية وإنما ستر نقصه بكثرة المال فإنه فرق في مدة قريبة سبع مائة ألف دينار وخدم الخليفة ببعضها والباقي انصرف إلى حواشي داره وخدمه ثم إلى العسكر الواردة إلى حضرته ثم إلى الشعراء والقضاة والطارقين من أهل العلم وغيرهم «٦٠٢» . وحكى جماعة شاهدوا طبقة في داره التي أمر ببنائها بحرم [دار] [١٠١ ب] الخلافة فكان على طبقة كل يوم مائة صحن في كل صحن عشرة أرطال لحم وكان راتبه كل يوم ألف رطل لحم هذا سوى الشوايا والدجاج والحلواء والفاكهة. وكان يفصّل في يوم النيروز مائة وعشرين جبّة ويلفّق «٦٠٣» مائة وعشرين عمامة ثم يلبس في كل ثلاثة أيام جبّة وعمامة ويخلعها، ولم يعهد أنه وقع على جسده قميص أو رفيقه يومين بل يجدّد ذلك كل يوم، وأكثر هذه النعمة إنما أظهرها ببغداد بعد انفصاله عن ديار بكر. ثم عزله الخليفة، واستوزر مكانه أبا شجاع، محمد «٦٠٤» بن الحسين الروذراوريّ، وكان كاتبا بليغا، وله الشّعر الحسن والرسائل البديعة ونثره أجود من نظمه وخطّه أجود منهما. وكان له معرفة بعلم الأدب والحساب والفقه، وكان راوية للأخبار متألّها متديّنا لا يظلم

стр. 199

ولا يشرب الخمر ولا يلبس الحرير، ولم تطل مدّته في الوزارة لأن فخر الدولة بن جهير قصد السلطان جلال الدولة أبا الفتح ملك شاه ومعه أولاده الثلاثة وهم عميد الدولة أبو منصور وزعيم الرؤساء أبو القاسم «٦٠٥» والكافي جهير. وكان نظام الملك معتقدا فيهم مراعيا لهم فزوّج بنت بنته «٦٠٦» وهي بنت رئيس جرجان من عميد الدولة وكان اسمها «صفيّة» ونفذ إلى الخليفة المقتدى بأمر الله يلزمه بعزل الوزير أبى شجاع وتولية عميد الدولة مكانه ولم يكن للخليفة بدّ من إجابة سؤاله، فعزل الوزير أبا شجاع وولّى عميد الدولة. وفيه يقول القائل «٦٠٧» : قل للوزير إذا باهى برتبته ... كل البريّة واستعلى بمنصبه [١٠٢ أ] لولا صفيّة ما استوزرت ثانية ... فاشكر حرا صرت مولانا الوزير به ثم إن الوزير أبا شجاع حج وجاور بالمدينة وكان هو بنفسه يتولّى خدمة التربة الشريفة المقدسة، وكان يكنسها كل يوم، وجمع من ترابها ما عمل منه لبنة وأمر أن توضع إذا مات تحت خدّه ففعل به ذلك، وتربته بالبقيع- رحمة الله عليه ورضوانه- «٦٠٨» . ثم ولى نظام الملك فخر الدولة بن جهير ديار بكر ونفذ معه العساكر فسار إليها وفتحها وأزال ملك بنى مروان ظنّا منه أن ذلك يبقى عليه وعلى عقبه. وبعد مدة يسيرة عزل عنها وولّى مكانه القوام أبو على التكشى «٦٠٩» . وكان يتفاخر ويقول: أنا إذا قمت لبعض شأنى بادر وزير الخليفة لتقديم نعلى يعنى عميد الدولة ولده. وكان في عميد الدولة من الكبر وقلة المبالاة بالناس ما لم يكن في أحد قبله من الوزراء ولا من الخلفاء «٦١٠» . حكى إنسان من كتّاب واسط يعرف بابن العرمرم قال: صحبته من أصفهان إلى بغداد وكنت أتوكّل له وأخدمه في خاصّه فما كان يأمرني إلا مكاتبة أو مراسلة وما كان يشافهنى بشيء إلا في الندرة. ونفذ إليّ يوما وقال: إذا رفعت إليّ قصة لصاحب حاجة فكتبت على رأس القصة «يتعهّد» فأعطه عشرة دنانير، وإن كتبت

стр. 200

«يتفقد» فأعطه خمسة دنانير، فإن كتبت «يراعى» فأعطه ثلاثة دنانير فإن هذه المقادر لا أكتبها بخطي. قال: فلما وصلنا إلى بغداد شكوت ما جرى عليّ منه في الطريق إلى بعض خدمه المختصين به فأوصل ذلك إليه فقال [١٠٢ ب] : أو يستزيدنى هذا الأحمق في إيناسي له وكلامي معه وقد تكلّمت معه من باب أصفهان إلى بغداد أربع عشرة كلمة؟ وإذا به عدّها وأنا أظنّه يكذب فإنّها لم تبلغ هذا القدر. وكان له فرّاش، له في خدمته السنين الطويلة ما فاتحه قط، فصبّ يوما على يده ماء حارّا فقال لخادم كان بين يديه: ادع بحاجب فدعا بحاجب فلما حضر قال للحاجب: مره يمزجه فأمره فمضى الفرّاش ووضع المسينة من يده وحلف بالطلاق الثلاث: إنني لا خدمت هذا الرجل أبدا. قيل له: ولم؟ قال: لي قريب من ثلاثين سنة في خدمته وقد استنكف أن يأمرني بمزج الماء فاستدعى الحاجب وأمره ليأمرنى، وخرج وما عاد إلى داره. وفي «٦١١» سنة خمس وسبعين [وأربع مائة] سار الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي رسولا «٦١٢» من المقتدى إلى السلطان ملك شاه بعد أن أوصله الخليفة إليه وفاوضه شفاها وشكا من العميد أبى الفتح ابن أبى الليث «٦١٣» شفاها ووصل [إلى خراسان] وناظره الإمام أبو المعالي الجويني «٦١٤» ، وكان في صحبته من أكابر تلامذته الشاشي وابن قنان والطبري وكان معه جمال الدولة عفيف الخادم «٦١٥» وإليه تنسب المكارم، وعاد الشيخ أبو إسحاق إلى بغداد والقلوب إلى حضرته متعطّشة والعيون من غيبته مستوحشة، ثم توفى- قدس الله روحه- ليلة الأحد الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربع مائة، ورتّب مؤيد الملك «٦١٦» أبا سعد المتولي «٦١٧» مدرسا فلم يرض نظام الملك وجعل التدريس للشيخ الإمام أبى نصر الصبّاغ «٦١٨» صاحب كتاب الشامل والمحتوى على الفضائل، فاتفق [١٠٣ أ] خروج مؤيد الملك وخرج معه المتولّي وعاد متولّيا في رتب السمو متعلّيا وقد نعت ب «شرف الأمة» ، وكان من أكابر الأئمة.

стр. 201

واتفقت وفاة أبى نصر بن الصبّاغ في تلك السنة يوم الخميس النصف من شعبان وفقده عادة عادية الزمان، وبقي المتولّي متولّيا إلى أن توفى سنة ثمان وسبعين [وأربع مائة] في شوال، وأصبحت ولاية العلم بغير وال. ودرّس «٦١٩» بعده الشريف العلويّ الدبوسي «٦٢٠» ، أبو القاسم وعاد العلم إلى المعالم وتوفى ثالث عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين [وأربع مائة] . وفي «٦٢١» ثالث محرم هذه السنة ولّى الإمام أبو بكر الشاشي وكان في المدرسة «٦٢٢» التي بناها تاج الملك ببغداد. وفي محرم سنة ثلاث وثمانين [وأربع مائة] جلس عبد الله الطبري بمنشور نظام الملك «٦٢٣» متولّيا للتدريس متحرّيا معاني الشريعة بالتأسيس. ثم وصل بعده القاضي أبو محمد، عبد الوهاب [الشيرازي] «٦٢٤» للتدريس بالنظاميّة أيضا، وتقرر أن يدرس هذا يوما والطبري يوما ليزيد العلم بتحريهما فيضا «٦٢٥» . وفي سنة أربع وثمانين [وأربع مائة] قدم الإمام أبو حامد الغزالي للتدريس في النظامية وكان للعلم بحرا زاخرا وبدرا زاهرا وأشرقت غرايبه في المشرقين والمغربين وملأت حقائب الملوين وأثقلت غوارب الثقلين، ولم يزل واحد عصره وهو بنور علمه ثالث القمرين] «٥٢٦» . وفي سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة أمر السلطان جلال الدولة أبو الفتح ملك شاه ابن ألب أرسلان أن تبنى المدينة الجديدة «٦٢٧» تحت دار المملكة ببغداد ونقل أهل البلد كلهم إليها وحوّط عليها سورا محكما هو باق إلى الآن، وجعل بغداد سرير الملك وسام الخليفة [١٠٣ ب] أن يتحول عنها إلى مكة أو إلى المدينة فلم يمكنه الوزير نظام الملك. وأما وفاة نظام الملك المذكور فإنه قتل على يد الملاحدة في عاشر يوم من رمضان قبل أن يفطر بتأليب من جماعة «٦٢٨» . والموفّق النظامى «٦٢٩» يقول في مرثيته له التي أولها:

стр. 202

مصاب أصاب جميع الأمم ... فأثّر في عربها والعجم ويستطرد فيها بذكر الجماعة بقوله: وشارك عثمان في قتله ... فكل بقتلته متّهم وبادر جلال الدولة مسرعا إلى بغداد فوصلها في شوال وطلب من الخليفة المقتدى بأمر الله أن يترك عليه بغداد وينتقل عنها إلى حيث أراد، إما المدينة أو مكة أو البصرة أو أصفهان فاختار أصفهان، وكان في عمل الآلات والتهيؤ للمسير. ولما كان اليوم السادس عشر من شوال سنة خمس وثمانين وأربع مائة توفى السلطان جلال الدولة أبو الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان. قيل: مات موتا طبيعيّا، وقيل: مات مسموما على يد خردك الخادم، والله أعلم بجليّة الحال. وتوفى الإمام المقتدى بأمر الله، أبو القاسم عبد الله في المحرم سنة سبع وثمانين وأربع مائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة. وكانت خلافته تسع عشرة سنة وشهورا.

стр. 203

أمير المؤمنين المستظهر باللَّه هو أبو العباس، أحمد بن المقتدى بأمر الله. بويع له في رابع المحرم سنة سبع وثمانين وأربع مائة، وهو اليوم الثالث من وفاة أبيه بعد الجلوس [١٠٣ ب] للعزاء على العادة. وكان مولده بدار الخلافة سنة سبعين وأربع مائة. وكانت أمه تركية «٦٣٠» ولم ير في زمانه أصبح وجها منه. وحين دخل عليه أهل الحلّ والعقد للبيعة وسائر وجوه الأشراف والأجناد والقضاة، كان الوزير عميد الدولة «٦٣١» واقفا بين يدي سدّته ومعه قاضى القضاة أبو الحسن عليّ «٦٣٢» بن محمد الدامغانيّ ونقيب النّقباء أبو القاسم عليّ «٦٣٣» بن طراد الزينبي وبايعه الخلق كافة. وحكى شرف الدين، نقيب النّقباء، قال: لما بايعه حجّة الإسلام أبو حامد، محمد ابن محمد الغزالي- قدّس الله روحه- تلجلج وتوقّف فسألته بعد ذلك عن السبب في في توقّفه مع ما أعرفه من جرأة لسانه، فقال لي: والله لقد عنيت «٦٣٤» في نفسي كلاما ألقاه به عند البيعة فلما وقعت عيني عليه بهتّ لجمال صورته فانقطع خاطري. وجرت أموره كلها على السداد، وكان مشغولا بشأنه محبّا للترفّه والتنعّم، آخذا من لذّات الدنيا بأوفر الأنصباء، ولم يكن يشره إلى أموال الرعيّة ولا يطمع لا في صغير ولا في كبير وكانت الدنيا والعراق خاصة في أيامه هادئة والعين نائمة وأمور دولته مستقيمة، إلا أنه احتقد على عميد الدولة بن جهير أشياء كان يعامله بها أيام أبيه، فحين أفضت الخلافة إليه أقرّه على الوزارة ثم قبض عليه بعد ذلك وأدخله حمّاما وسمّر عليه حتى مات فيه، وحين فتحوه رأوه ميتا وقد وضع أنفه على مسيل الماء كأنه يستنشق منه الهواء فنقلوه من الحمّام إلى مكان آخر وألبسوه ثيابا وأدخلوا عليه جماعة من القضاة والمعدلين حتى يشهدوا بما رأوا من [١٠٤ أ] حاله وأنه لا أثر فيه وأنه مات حتف أنفه، ودخل في الجملة أخواه، الزعيم والكافي، فصاح الكافي:

стр. 204

يا أخى يا أبا منصور! قتلوك أو متّ؟ كذا يردّدها دفعات ثم التفت إليهم وقال: ما أراه يجيبني؟ فصفع مكانه بالنّعال، فيقال: إن خمس مائة خادم خلعوا مداساتهم وخفافهم وصفعوه بها فوقع ميتا، ولم يعهد قبله من مات هذه الموتة. وكان الناس يقولون: قتل الكافي قتل العقارب. وأما الزعيم فما زاد على أنه بكى وقال: يرحمك الله يا أبا منصور، ما زالت بك المراقبة حتى قتلتك. وحكى الزعيم للناس في تلك الساعة قال: هذا أخى من أمى وأبى ونحن مشايخ والله ما رأيت قدمه مكشوفة إلى ساعتي هذه. وحمله وواراه ودفنه في تربته المعروفة به في شارع قراح بن رزين «٦٣٥» . واستوزر الخليفة السديد أبا المعالي «٦٣٦» العارض لجيش السلطان ملك شاه ولقّبه «عضد الدين» ولم يكن له أمر وإنما كان يدبّر الأمور ولىّ الدولة أبو المعالي «٦٣٧» ابن المطّلب، صاحب ديوان الزمام. وفي سنة ثمان وثمانين وأربع مائة عزل المستظهر السديد أبا المعالي «٦٣٧» ، ابن المطّلب، صاحب ديوان الزمام. وفي سنة ثمان وثمانين وأربع مائة عزل المستظهر السديد أبا المعالي واستوزر الزعيم أبا القاسم عليّ «٦٣٨» بن فخر الدولة ولقّبه «قوام الدين» . وفي سنة إحدى وخمس مائة استوزر السلطان محمد «٦٣٩» بن ملك شاه أحمد «٦٤٠» بن نظام الملك ولقّبه «قوام الدين» وهو لقب أبيه- ﵀ فنقل الخليفة لقب وزيره الزعيم من قوام الدين إلى «مجير الدين» . وفي هذه السنة قتل سيف الدولة أبو الحسن صدقة «٦٤١» [بن] «٦٤٢» بهاء الدولة أبى كامل منصور وحمل [١٠٤ ب] رأسه إلى بغداد وطيف به في الأسواق وأخذ ابنه دبيس أسيرا واختفى منصور ابنه الآخر وهرب بدران ابنه الأكبر إلى مصر. وفي سنة خمس وخمس مائة عزل أحمد بن نظام الملك عن الوزارة ورتّب الخطير محمد بن أحمد مكانه. وفي سنة سبع وخمس مائة مات الزعيم بن جهير واستوزر الخليفة ولد الوزير أبى شجاع، ربيب الدولة المعروف بالقيراطى ولقّبه «نظام الدين» «٦٤٣» .

стр. 205

وفي سنة ثمان وخمس مائة أمر السلطان محمد بذكر اسم ابنه محمود على المنابر بعد اسمه وضرب الدنانير والدراهم باسمه وجعله ولىّ عهده. وكان يخطب للخليفة المستظهر باللَّه ثم لولىّ عهده، عمدة الدنيا والدين وعدة الإسلام والمسلمين أبى منصور الفضل بن أمير المؤمنين ثم لصنوه وأخيه وشقيقه وتاليه ذخيرة الدنيا والدين أبى الحسن عبد الله ابن أمير المؤمنين ثم بعد ذلك لمحمد بن ملك شاه ثم لابنه محمود. ونفذ السلطان محمد إلى خراسان يخطب من أخيه سنجر ابنته لمحمود ولده فنفذها إليه إلى أصفهان مع خاتون أم سنجر وهي أم محمد أيضا. ونفذ السلطان محمد يطلب من الخليفة أن ينفذ وزيره وجماعة أركان دولته إلى أصفهان لتلقى المدد القادم من خراسان فخرجوا كلهم، الوزير الربيب نظام الدين ونقيب النّقباء شرف الدين الزينبي ونقيب العلويّين مجد الدين عليّ «٦٤٤» بن المعمر وظهير الدولة أبو طاهر بن الخرزي «٦٤٥» صاحب المخزن وأمير الحاج يمن القائمي «٦٤٦» . ولم يبق في دار الخلافة سوى المستظهر باللَّه وقاضى القضاة عليّ بن محمد الدامغانيّ ينفذ الأمور [١٠٥ أ] في الديوان نيابة عن الخليفة. وحين وصلوا إلى أصفهان وانقضى أمر العرس عادوا إلا الوزير فإن السلطان محمد استوزره «٦٤٧» . وكان عودهم في رمضان من سنة إحدى عشرة وخمس مائة. وفي هذه السنة توفى السلطان محمد بن ملك شاه بأصفهان، وفي ربيع الأول سنة اثنتي عشرة توفى المستظهر باللَّه- ﵀ بعلّة الاستسقاء. وحين اشتدت به العلّة في الليلة التي مات فيها قال: ادعوا لي ولىّ عهد المسلمين فجاءوا بأبي الحسن ففتح عينه فرآه فقال: ما أريد هذا أريد أخاه الأكبر، وكان ميل الجماعة إليه لأنه كان صاحب لهو وهزل، وكان المسترشد- ﵀ صاحب جدّ، فخلوه ساعة ثم اقتضاهم فقالوا: قد ثقل وهو لا يعلم ما يقول ولا يفرّق بين الأخوين فجاءوا بأبي الحسن ثانيا، فقال: لست أريد هذا، أريد أبا منصور الفضل ابني الأكبر فلما رأوا الجد منه مضوا وجاءوا به فحين رآه استدناه وقبّل بين عينيه وقال له: يا عزيزي أنا ماض إلى جوار الله تعالى

стр. 206

وسعة رحمته فارفق بأهلك وأحسن السيرة في رعيّتك وانظر في ما وصل إليك واعلم أنك مسئول عن القليل والكثير في آخرتك والله خليفتي عليك ومات في تلك الساعة- ﵀. وكان الأمير أبو منصور من منتصف ذلك اليوم قد ملأ الدار بالخيّالة والرجّالة بالأسلحة التامة واستظهر على الأبواب وأركب الغلمان الأتراك يدورون في البلد. وحين عرف أخوه أبو الحسن ذلك وتحقّق موت أبيه خاف على نفسه «٦٤٨» واستوحش مما جرى في تلك الليلة [١٠٥ ب] فقصد روشن التاج «٦٤٩» مما يلي دجلة وصادف منه موضعا مظلما خاليا فشدّ طرف عمامته في الدرابزين وتسرّح إلى شاطئ دجلة ونزل في سميرية فيها ملّاح يعرف بابن المراكبي فعرّفه نفسه وقال له: اجدف وما كان بعد ساعة إلا وهو في المدائن فصعد إلى دار أبى مضر العلويّ النقيب «٦٥٠» وطلب منه خيلا ورجالا وركب فصبّح الحلة. وكانت خلافة المستظهر باللَّه- رحمة الله عليه- خمسا وعشرين سنة، وكانت سنّه يوم مات اثنتين وأربعين سنة.

стр. 207

أمير المؤمنين المسترشد باللَّه هو أبو منصور، الفضل بن المستظهر باللَّه فحل بنى العباس ونجيبهم وفاضلهم وكاتبهم وأشجعهم. بويع له بعد موت المستظهر- ﵀ بثلاثة أيام وذلك بعد الفراغ من العزاء على الرسم والعادة. وكانت بيعته في صبيحة يوم الخميس السادس والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وخمس مائة. وتولّى أخذ البيعة على الناس القاضي الأكمل ذو الحسبين أبو القاسم عليّ «٦٥١» بن نور الهدى أبى طالب الزينبي وشرف الدين نقيب النّقباء ذو الفخرين أبو القاسم عليّ بن أبى الفوارس طراد بن محمد الزينبي. وقرّر أمر الوزارة على ربيب الدولة نظام الدين وكان بأصفهان وابنه ينوب عنه ببغداد ولقبه «عضد الدين شمس الدولة» . وكان مولد المسترشد باللَّه في يوم الاثنين سابع شعبان سنة ست وثمانين وأربع مائة في حياة المقتدى [١٠٦ أ] جده. ثم لما وصل الخبر إلى بغداد بموت الوزير الربيب نظام الدين بأصفهان استوزر الخليفة عميد الدولة أبا عليّ بن صدقة «٦٥٢» ولقّبه «جلال الدين صدر الوزراء، صفيّ أمير المؤمنين» . وكان كاتبا بليغا فصيحا كريما كافيا يملأ العين والقلب. وكان له رواء ومنظر وسكينة وكان حسن التدبير للأمور محبّا لأهل العلم كثير الميل إلى أرباب الصلاح والدين. وفي أول وزارته مات قاضى القضاة عماد الدين أبو الحسن عليّ «٦٥٣» بن محمد الدامغانيّ فرتّب الخليفة في منصبه الأكمل «٦٥٤» ابن نور الهدى ولقّبه «فخر الدين» وجعله قاضى القضاة شرقا وغربا وقبض على أبى طاهر بن الخرزي صاحب المخزن وصادره ثم أطلقه وأعاده إلى شغله ثم افتقدوه من داره وأصبح والناس يتطلّبونه فما عرف له خبر إلى الآن. ويقال: إنهم اغتالوه بحيلة تمّت عليه والله أعلم بجليّة الحال. ورتّب في مكانه القاضي فخر القضاة ابن السيبي «٦٥٥» ولقّب ب «خالصة الدولة»

стр. 208

وقلّد الخليفة أبا الفتوح حمزة «٦٥٦» بن طلحة، ابن دايته «٦٥٧» ، الحجبة الخاصة والشرطة بجانبي مدينة السلام والمظالم ولقّبه ب «الأجلّ أثير الدولة» . ثم بعد ذلك بسنة نقله من الحجبة إلى المخزن وزاد في ألقابه «كمال الدين عضد الإسلام» وقدّمه حتى جعله في درجات الوزراء واستحجب مكانه ضياء الدولة أبا الفضل هبة الله «٦٥٨» ابن محمد بن الحسن بن الصاحب ولقّبه ب «الأجلّ مجد الدين قوام الإسلام» . وأما ما كان من أمر مغيث الدنيا والدين أبى الثناء محمود بن السلطان [١٠٦ ب] غياث الدنيا والدين أبى شجاع محمد بن ملك شاه فإنه حين توفى أبوه في سنة إحدى عشرة وخمس مائة بأصفهان وأجلسوه على سرير الملك، استوزر الربيب نظام الدين «٦٥٩» وزير أبيه، وحين مات الربيب المذكور في ذلك العام استوزر عز الدين، مشرف الممالك المعروف بالكمال عليّ بن أحمد بن عليّ السميرمى «٦٦٠» ولقّبه «نظام الدين» واجتمع عليه عسكر الدنيا من العراق والجبال والشام ولقي بهم عمّه سنجر بن ملك شاه فانهزم محمود على باب ساوة وكرّ راجعا إلى أصفهان ثم تقرّر الصلح بينهما على أن يخاطب سنجر بالسلطان الأعظم سلطان السلاطين، ومحمود بالسلطان الأعظم سيد السلاطين وأن يقرّر على محمود ولاية العراق والجبال والشام سوى همذان والرىّ وساوة وخوى وأشياء اقتطعوها من أصفهان كانت في زمن السلطان محمد مقطعة لأمه، وسوق الغنم وسوق الظباء ببغداد ومبلغ ذلك كله في كل سنة ثلاث مائة ألف دينار «٦٦١» ، وأن يتسمّى محمود باسم السلطنة وتضرب له النوب الخمس وينفرد عن العسكر بالمضارب الحمر والرايات السود. وحين وقع الصلح زوّجه عمه السلطان معزّ الدنيا والدين أبو الحارث سنجر بن ملك شاه المذكور بابنته «مهملك خاتون» وعاد إلى خراسان «٦٦٢» . وأما ما كان من أمر الأمير أبى الحسن عبد الله بن المستظهر باللَّه فإنه حين قدم الحلة وبها دبيس «٦٦٣» بن سيف الدولة صدقة خيّره بين المقام عنده ليكون في خدمته أو الانتزاح ليزيح علّته في جميع ما يحتاج إليه من العدّة والسلاح [١٠٧ أ] والكراع

стр. 209

فاختار الرحيل وطلب منه العسكر فأزاح علّته وضرب له سرادقا من الديباج وعدة خيم من الديباج وخدمه بألف ثوب من الأنواع ونفذ معه ألفى فارس فانحدر إلى واسط وملكها وملك جميع البلاد السفلى واجتمعت عليه العساكر وقويت شوكته. وكان أول أمره يخطب لنفسه بعد أخيه فلما قوى خلع الطاعة وخطب لنفسه بالخلافة ولقّب نفسه «المستنجد باللَّه» . واضطرب الناس ببغداد وقامت القيامة على المسترشد باللَّه وخاف أن يقصد بغداد وهي خالية من العسكر ويستولى على الأمر وكان السلطان محمود مشغولا بعمّه لا يتفرغ لإنجاده. فنفذ الخليفة إلى دبيس بن صدقة وبذل له إن جاء بأخيه ثلاثين ألف دينار. فطلب أن يكون في جملته من بحضرة الخليفة من العسكر فنفذ المسترشد باللَّه معه الأمير نظر «٦٦٤» في خمس مائة فارس، وقصده دبيس ولم يلقه بنفسه حياء لأنه كان ضيفه ونزيله فنفذ العسكر مع الأمير نظر وتخلّف دبيس فمضوا وهجموا عليه وحاربوه وكسروه ومرّ هاربا فتبعه بدوي برمح فقال له: ويلك أنا أمير المؤمنين، فقال له البدوي: أمير المؤمنين قاعد على روشن التاج ببغداد. ثم لحقه الأمير نظر فترجّل وقبّل الأرض وقبّل ركابه وأخذ بعنان فرسه وأدخله سرادقه واحتاط عليه وحمله إلى بغداد وأدخل إليها ليلا في الزبزب والوزير جلال الدين والنقيب شرف الدين وقاضى القضاة الأكمل وجماعة أرباب المناصب في خدمته وصعد من الزبزب إلى داره واحتاطوا [١٠٧ ب] عليه كجارى العادة في أمثاله. وقد كان استوزر الرئيس أبا دلف بن زهمويه «٦٦٥» الكاتب فأسروه معه. وفي صبيحة تلك الليلة خلع المسترشد باللَّه، أمير المؤمنين، على وزيره جلال الدين الجبّة الممزج على العادة والفرجيّة النسيج فوقها والعمامة والمركب اليشم على فرس أدهم والكوس والعلم وركب من باب الحجرة والخلع عليه وأرباب المناصب كلهم مشاة بين يديه حتى انتهى إلى داره بباب العامة. وفي تلك الساعة أمر الخليفة فأخذ ابن زهمويه المقدّم ذكره وألبس قميصا أحمر

стр. 210

وسراويل صفر وعلّق في أذنيه أربع بصلات وألبس في رجليه نعلان من الخشب وترك على رأسه برنس قد علّقت فيه التواسيم وأذناب الثعالب والفار الموتى وأركب على جمل وجعل ذنب الجمل في يده وأركب خلفه نفّاط يصفعه بجراب وسوّد وجهه وضربت الدبادب والبوقات بين يديه في الأسواق والصبيان يدبدبون بالصوانى والأطباق وبعضهم بالخزف المكسّر ويصيحون: أيا وزير الوزرا ... كذا تقاد الأسرا ثم لما طيف به جميع البلد حطّوه من الجمل إلى الحبس وخنقوه في الليل. ثم إن دبيس بن صدقة طالب المسترشد باللَّه بالمال الّذي كان وعد به فماطله ودافعه فأمرج أصحابه في نواحي الخليفة ونهب السواد وأحرق الغلّات وركب يوما إلى الميدان فجرى بينه وبين الأمير علم الدين عفيف كلام فقال له دبيس: والله لأنقضنّ الدار حجرا حجرا [١٠٨ أ] وما أنا بدون البساسيري، قال له ذلك وتم على وجهه إلى الحلة. وبلّغ عفيف ما سمع إلى الخليفة فنفذ الخليفة إلى همذان واستدعى بالسلطان محمود فوصل في أسرع مدة وذلك في ربيع الأول سنة أربع عشرة وخمس مائة. وحين وصل النهروان خرج الوزير جلال الدين وجماعة أرباب المناصب لاستقباله على العادة ودخل البلد وجلال الدين على يمينه وقيصر الخادم «٦٦٦» على يساره، وكان أتابكه، وما تركه الخليفة يستقر ببغداد إلا أياما ونفذه إلى الحلة لدفع دبيس عن العراق وذلك بعد أن خلع عليه وطوّقه وسوّره وتوّجه وخلع على وزيره نظام الدين السميرمى وعلى جماعة أرباب دولته وعلى سائر الأمراء الذين كانوا في جملته. وحين توجهوا إلى الحلة وقربوا منها هرب دبيس عنها طالبا طريق ديار بكر وقصد إلى حميّه الأمير نجم الدين إيلغازي بن أرتق «٦٦٧» فوصل إليه وهو متوجّه إلى غزاة الكرج منجدا للملك طغرل وكان المسلمون في قريب من مائة ألف فارس فلحقهم شؤم دبيس فهزموا وقتل بعضهم وأسر بعضهم ودخل بتلك الواقعة على الإسلام من الخلل ما صعب تلافيه. فإنّهم تجرءوا على محاصرة تفليس وأخذوها من أيدي المسلمين وأخذوا عدة حصون تجاورها «٦٦٨» .

стр. 211

ثم إن السلطان محمود بعد ذلك قصدهم وعاد بالعجز. وما أظن ذلك كله بعد قضاء الله تعالى إلا لشؤم دبيس. وحكى جماعة من الثقات: أنه حين هرب في تلك السنة من الحلة كان [١٠٨ ب] معه ألف مولّد في وسط كل واحد هميان فيه ألف دينار كانت رزق الكرج ومضى منه هذا المال وانقلع بيته وخسر من الحلة في كل سنة ألف ألف وسبع مائة ألف وخمسين ألف دينار، كل هذا لأجل ثلاثين ألف دينار لجّ مع الخليفة في طلبها وباع بها دينه ومروءته وذمام العربية، فلا جرم ما حصلت له [من الأمور] ولا بقي عليه ما كان فيه، وصار مشردا طريدا تتقاذف به العراق وخراسان وسائر بلاد الإسلام. ثم لما عجز عن الخليفة التحق بالأفرنج ورفع الصّليب على رأسه وشدّ الزنار ودعاهم إلى حصار حلب وجاء معهم ونزل عليها حتى كفى الله المسلمين أمره وأجراهم على جميل عوائده. وأما الكرج فإنّهم لما فتحوا تفليس وذلك في سنة ست عشرة وخمس مائة مضى السلطان محمود لاستخلاصها ووزيره شمس الملك عثمان «٦٦٩» بن نظام الملك. و [لما] وصل إلى شروان عجز عنهم وتقدّم ملك الكرج دمطرى بن داود عدة مراحل ونفذ إليه رسولا وقال له: قد سمعت عنك أنك قلت أنا أمضى وأقلع بيت داود، وابن داود قد تقدّم إليك خمسين فرسخا، فإن كنت رجلا فتقدّم إليه خمسة فراسخ ولولا أنك صاحب تخت وتاج وقد جرت عوائدنا بحفظ حرمة الملوك وإلا لهجمت عليك وأسرتك فاذهب بحرمتك ولا تحدّث نفسك بعد هذا بقصدي، فعاد متوجها إلى بلاد الإسلام. وحين انقطعت أخباره عن العراق لإيغاله في بلاد الكرج وجد دبيس فرصة فهجم على الحلة ودخلها من طريق الشام [١٠٩ أ] وملكها واجتمع عليه في أسبوع واحد من الأعراب ما لا يحصى عدده، وخاف المسترشد باللَّه من مثل نوبة البساسيري فنفذ قسيم الدولة آقسنقر البرسقي «٦٧٠» لدفعه قبل أن يستفحل أمره، فسار إليه في

стр. 212

خمسة آلاف لابس فهزمهم دبيس ونهبهم وعادوا عراة حفاة إلى بغداد فحينئذ أمر الخليفة بمكاتبة الأطراف واستدعى أصحابها فقدم عليه السعدية من واسط وزنكي بن آقسنقر من البصرة وطغان رسلان من ديار بكر وبنو صلتق وبنو بوقة وقفجاق التركماني «٦٧١» وإخوته واجتمع ببغداد اثنا عشر ألف فارس وظهر الخليفة بنفسه يوم الجمعة بعد الصلاة وهو اليوم الرابع والعشرون من ذي الحجة سنة ست عشرة وخمس مائة. وعزل وزيره جلال الدين واستوزر قوام الدين أحمد «٦٧٢» بن نظام الملك وغيّر لقبه وجعله «نظام الدين» وسار إلى الحلة والعساكر في جملته وكسر دبيس وفرّق جمعه وقتل على دم واحد ستة آلاف بدوي. ومضى دبيس على وجهه آخذا طريق الشام «٦٧٣» . وكان قد خرج مع الخليفة من بغداد نحو من ثلاثين ألف شاب بعضهم بالسلاح وبعضهم رماة البندق وبعضهم بأيديهم المقاليع. وحين انهزم دبيس قتل من عسكره الذين قتلوا، والأتراك اشتغلوا بالنهب، وهؤلاء الرجّالة ما اشتغلوا بشيء سوى أسر الأعراب فأسروا أكثر من خمسين ألف بدوي وأخلوا منهم البلد والقرى والصحراء وجاءوا بهم إلى بغداد وكانوا يشوّهون بهم ويقطعون أوصالهم وهم أحياء [١٠٩ ب] وربما قالوا لأحدهم أيّ شيء تريد أن نطبخك فلا يجيبهم فيعاقبونه ويعذّبونه بأنواع العذاب حتى يقول من تحت العذاب: حصرمية أو سكباج أو هريسة أو أيّ شيء فيطبخونه ذلك اللون ويرمونه للكلاب. وكان هؤلاء الأسرى كلهم رجّالة فبعضهم يقاتل وبعضهم يضرب بالدف بين الصفّين وكانوا يصيحون بصوت واحد: العنوا زقلى ومقلي، والعنوا شيخ الضلالة. فلما أسروا استخبروهم عن هذه الأسامي فقالوا: كنّا نعنى بزقلى أبا بكر وبمقلى عمر، وبشيخ الضلالة عثمان. ووجدوا في أكثر خيمهم جربا مملوءة من الأيور الخشب فقيل لهم: ما تصنعون بهذه؟ قالوا: أعددناها لنسائكم حتى إذا كسرنا الخليفة وقتلناه ودخلنا بغداد ونهبناها فكل من كانت شابة افترشناها وكل من كانت عجوزا دسسنا هذه فيها.

стр. 213

وحكى بعضهم قال: لما التقى الجمعان نظر دبيس فرأى الخليفة على تل ومعه السواد من القضاة والفقهاء والقرّاء والأشراف فقال: لعلّهم سمعوا أن عندي إملاكا فقد جاءوني بهذه الطيالسة والله لأنسينّ الكشاخنة «٦٧٤» نوبة البساسيري ولأجعلنّ لحاهم كلها براجم وما استتم كلامه حتى نصر [هم] الله عليه ثم أنزل سكينته على خليفته وأشياعه وأجراهم على جميل عوائده فهزموهم بإذن الله. والتفت المسترشد باللَّه إلى وزيره وقال له: هذا بيمن نقيبتك يا نظام الدين. وعاد الخليفة من تلك الوقعة ودخل بغداد في يوم الأحد عاشر المحرم سنة سبع عشرة وخمس مائة. فكان مضيّه وعوده في سبعة عشر يوما [١١٠ أ] . [وفي سنة عشرين وخمس مائة عزم السلطان مغيث الدنيا والدين أبو الثناء محمود ابن ملك شاه على دخول بغداد «٦٧٥» ، فنفذ إليه المسترشد بسديد الدولة ابن الأنباري «٦٧٦» يقول له: إن العراق بعد ما خرّبها دبيس بن صدقة لا تفي بى وبكم فإما أنا أو أنتم، وعندي عساكر وأحتاج إلى الإنفاق عليهم ومعكم عساكر والبلاد خراب لا تفي بالجميع فعاد الجواب: لا بد من الدخول. وتردّد سديد الدولة دفعات من بغداد إلى همذان في هذا المعنى وما أجابوه. وصار العامة يغنّون في الأسواق: يا جلال الدين ذا شرح يطول ... وابن الأنباري فما يرجع رسول والقرايا كلها صارت تلول ... تزرع الكرّ وتحصد كارتين ولما علم الخليفة بهجومهم على البلد خرج من داره في ذي الحجة سنة عشرين وخمس مائة وعسكر بالجانب الغربي وخطب في يوم عيد النحر وصلّى بالناس [١١٠ ب] وجاء السلطان محمود ونزل بالجانب الشرقي، ثم وقع الصلح بينهم في المحرم سنة إحدى وعشرين وخمس مائة. وفي رجب سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة مات الوزير جلال الدين أبو عليّ ابن صدقة. واستوزر الخليفة شرف الدين أبا القاسم عليّ بن طراد الزينبي ولقبه معزّ الإسلام عضد الإمام سيد الوزراء، صدر الشرق والغرب.

стр. 214

وفي شوال سنة خمس وعشرين وخمس مائة توفى السلطان مغيث الدنيا والدين أبو الثناء محمود «٦٧٧» بن ملك شاه بن ألب أرسلان واستولى المسترشد باللَّه على جميع ما كان للأتراك بالعراق وأقطعها. ونفذ إقبال «٦٧٨» خادمه المعروف بجمال الدولة إلى الحلة وأمّره على بلاد بابل وضم إليه عشرة آلاف فارس من العرب والترك والأكراد وطوّقه وسوّره ولقّبه حسام الدين، سلطان الأمراء ملك العرب. وجاء إلى طاعته صاحب فارس وجاءته العساكر من الشام وديار ربيعة، وانضم إليه من التركمان والأعراب والأكراد خلق لا يحصى، ووقعت الهيبة في قلوب الملوك. وفي سنة ست وعشرين وخمس مائة قصد السلطان معزّ الدنيا والدين أبو الحارث سنجر بن ملك شاه بن ألب أرسلان العراق ونزل بكشك همذان ورتّب ابن أخيه طغرل مكان محمود وأراد قصد بغداد فقبّحوا له قصد الخليفة. وقيل: إن خوارزم شاه لم يساعده على ذلك وكان هو جمرة العسكر فعاد السلطان إلى خراسان «٦٧٩» . وفي رجب من هذه السنة اجتمع رأى دبيس بن صدقة وزنكي بن آقسنقر صاحب الموصل على قصد بغداد «٦٨٠» ، فانحدروا إليها في اثنى عشر ألف فارس، فخرج المسترشد باللَّه إليهما بنفسه ولقيهما بنفسه ولقيهما بتل عقرقوف وكان يوما مشهودا فإنه لم يبق في البلد صغير ولا كبير إلا خرج وضاع العسكر بين الخلق وأخرجوا كل ربعة ومصحف في البلد ونشروا المصاحف وأخذوها على أيديهم مفتّحة يقرءون فيها بين الصفّين ووقعت الهزيمة على زنكي ودبيس وقتل منهم نحو من ثلاثة آلاف من الأكراد وأسر الباقون وعاد الخليفة إلى داره] «٦٨١» [١١١ أ] مظفرا منصورا. وقبض على وزيره شرف الدين أبى القاسم ابن طراد الزينبي وصادره على مائتي ألف دينار. واستوزر مكانه شرف الدين نوشروان «٦٨٢» بن خالد في رجب سنة سبع وعشرين وخمس مائة. وفي شعبان من هذه السنة توجّه المسترشد باللَّه نحو الموصل وكان نزوله على بابها

стр. 215

في شهر رمضان وهرب زنكي بن آقسنقر وأقام بسنجار واستخلف بالموصل جغر ابن يعقوب والملكين ولدى السلطان محمود وهما ألب أرسلان وفروخ شاه «١٦٨٢» وأقام الخليفة على باب الموصل إلى ثالث ذي الحجة ما حصل له من النزول عليها إلا سماع الشتيمة وانخراق الهيبة. ورحل عنها في ثالث ذي الحجة عائدا إلى بغداد ودخلها في يوم عرفة. وفي سنة ثمان وعشرين وخمس مائة توجّه القاضي ابن الشهرزوريّ «٦٨٣» من الموصل إلى بغداد ومعه التحف والهدايا والخيل والسلاح يطلب الصلح فخرج خط الخليفة إلى الديوان في جواب ذلك الإنهاء الّذي أنهاه الوزير شرف الدين نوشروان «بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم فلنأتينّهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنّهم منها أذلّة وهم صاغرون» فأعاد الوزير القول وكرّر الشفاعة فرضى الخليفة عنه وقبل عذره بشرط أن يكون ابنه غازى دائما على الأبواب في ألف فارس فالتزم هذا الشرط ونفذه مع ألف من التركمان جمعهم ابن الكرباوى «٦٨٤» له من نواحي البوازيج «٦٨٥» ، وبعد دخوله بعشرة أيام لم يبق منهم أحد وصار ابن زنكي يدور وحده في الأسواق. وفي جمادى الآخرة من هذه السنة [١١١ ب] عزل المسترشد باللَّه نوشروان ابن خالد عن الوزارة وأعاد شرف الدين الزينبي إليها. وقبض على نظر أمير الحاج وصادره على ثمانين ألف دينار وحبسه. وفي سنة تسع وعشرين وخمس مائة «٦٨٦» وصل السلطان مسعود بن محمد بن ملك شاه إلى بغداد هاربا من أخيه طغرل فأكرمه الخليفة وخلع عليه وطوّقه وسوّره ونفذ معه جماعة من عسكره لدفع أخيه «٦٨٧» . فحين وصلوا إلى النهروان جاء الخبر من همذان بموت الملك طغرل فجدّ مسعود في السير إلى همذان ودخلها واستولى على الملك واستوزر شرف الدين نوشروان بن خالد «٦٨٨» . وخاف المسترشد أن يتمكّن مسعود في المملكة فيقصد الحضرة ويستولى عليها فأخرج المسترشد باللَّه مضاربه إلى الثريّا في شعبان من هذه السنة المذكورة واجتمع معه
следующие страницы →