حربية، وهنا أليس يجب عليها الجهاد؟
فأجاب بقوله: لا يجب على المرأة الجهاد؛ لأنها وإن كانت قائدة لطائرة حربية، فإنها ربما تجبن عند اللقاء.
س ٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز للمرأة أن تخرج مع المجاهدين في المعركة ؟
فأجاب بقوله: إن خرجت من أجل القيام بمداوة الجرحى وما أشبه ذلك فلا بأس، كما فعلته نساء الصحابة ﵅ (١) .
وأما خروجها للقتال فإنها تمُنع؛ لأنها لا تستطيع المواجهة والمقاومة، وإذا وُجد امرأة نادرة تستطيع ذلك فالنادر لا حكم له.
س ٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل طالب العلم يكون أعظم أجراً من الشهيد الذي قدم نفسه في سبيل الله ؟
فأجاب بقوله: المجاهد في سبيل الله- إذا قُتل فهو من الشهداء، وطالب العلم قد يدخل في الشهداء؛ لأن بعض العلماء ذكر أن قوله تعالى: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِم) (٢) يشمل العلماء؛ لأنهم شهداء على
стр. 10152
الأمة، فالذي يشهد أن الرسول ﷺ بلَّغ الرسالة هم أهل العلم. وهناك أمرٌ آخر وهو: أنه لا يلزم من كون الشهيد أعظم أجراً من طالب العلم في نيل الشهادة إذا قُتل في سبيل الله ، لا يلزم منه الفضل المطلق.
وهذه المسألة أشار إليها العلامة ابن القيم في (النونية) وهي: أن الإنسان إذا تميَّز بخصيصة لا يلزم منه أن يكون أفضل على الإطلاق.
مثاله: قول الرسول ﷺ في غزوة خيبر: " لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فلما أصبح أعطى الراية لعلي بن أبي طالب- ﵁ ﷺ " (١) . فهنا إعطاؤه ﵊ الراية لعلي بن أبي طالب- ﵁ هل يلزم منه أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر ﵄؟
والجواب: لا يلزم.
والفضل منه مطلق ومنه مقيّد.
ومثاله أيضاً: ما جاء في حديث أبي ثعلبة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بل تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحّاً مُطاعاً، وهوىً مُتَّبعاً، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر،
стр. 10153
الصبر فيه مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيه مثل أجر خمسين منكم" (١) .
والشاهد هنا في قوله ﷺ : " أجر خمسين منكم ".
ولا يلزم من هذا الفضل أن يكون أفضل من الصحابة ﵃، فيجب التفريق بين الفضل المطلق والفضل المقيَّد.
فالشهيد وإن تميَّز بالشهادة في سبيل الله ، لكن يكون على يد طالب العلم والعلماء من مصلحة الأمة ونشر الدعوة ما لا يكون في ديوان الشهيد.
أرأيتم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ماذا نفعه للأمة؟ ولو نظرنا إلى عدد كبير من الشهداء ما حصل للأمة نفعٌ مثلما حصل من علم ابن تيمية رحمة الله على الجميع.
س ٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: لماذا لا يقوم المسلمون بالجهاد ضد دول الكفر ؟
فأجاب بقوله: الجهاد فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وإن لم يقم به من يكفي تعيّن عليهم.
ولكن كل واجب لا بد فيه من شرط القدرة.
والدليل على ذلك من القرآن والسنة ومن الواقع.
стр. 10154
أما القرآن: فقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (١) .
وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ) (٢) .
وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٣) .
فالجهاد إذا كان فيه حرج، فالحرج مرفوع في الشريعة، فإن كان هناك قدرة على الجهاد فهو سهل بإذن الله ، وإن لم يُقدر على الجهاد فهو حرج مرفوع.
أما الدليل من السنة: قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم" (٤) وهذا الحديث عام في كل أمر؛ لأن قوله ﷺ : "بأمر" نكرة في سياق الشرط فيكون للعموم.
أما الواقع: فقد كان النبي ﷺ في مكة يدعو الناس إلى توحيد الله وإلى الصلاة، وبقي على هذا الأمر ثلاث عشرة سنة، ولم يؤمر بالجهاد مع شدة الإيذاء له ﵊، ولأتباعه من المؤمنين (٥) .
ولم يؤمر بالقتال؛ لأنهم لا يستطيعون، ولم يوجب الله
стр. 10155
القتال إلا بعد أن صار للأمة الإسلامية دولة وقوة، قال الله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (١) .
وهكذا نقول في الواقع الآن: لعدم قدرة المسلمين على القتال ومواجهة الكفار.
والأسلحة التي ذهب عصرها عند الكفار هي التي بأيدي المسلمين، وأقوى ما عند المسلمين من سلاح لا يساوي ما عند الكفار من سلاح وليس بشيء.
ولهذا من الحمق أن يقول قائل: إنه يجب على المسلمين الآن أن يقاتلوا الكفار.
وهذا القول تأباه حكمة الله ، ويأباه شرعه. والواجب أن يقوم المسلمون بما أمر الله ، قال : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (٢) . وأهم قوة نُعدها هو: الإيمان والتقوى؛ لأن المسلمين بالإيمان والتقوى سوف يقضون على الأهواء ومحبة الدنيا.
والصحابة- رضوان الله عليهم- حالهم بخلاف حال كثير من المسلمين اليوم، فالصحابة- ﵃ يقاتلون لإعلاء كلمة
стр. 10156
الله ويكرهون الحياة في الذل.
فالواجب على المسلمين أن يعدوا ما استطاعوا من قوة وأولها: الإيمان والتقوى.
ثم يلي قوة الإيمان والتقوى، أن يتسلح المسلمون ويتعلموا كما تعلّم غيرهم؛ لكن المسلمين لم يقوموا بما عليهم.
فالواجب في هذه الأزمنة الاستعداد بالإيمان والتقوى، وأن يُبذل الجهد، والشيء الذي لا يُقدر عليه فإننا غير مكلفين، ونستعين بالله على هؤلاء الأعداء.
والله- قادر على هؤلاء الأعداء ولو شاء سبحانه لانتصر منهم كما قال تعالى: (وَلَوْ يَشَاءُ الله لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (١) .
س ١٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكم الدفاع عن الوطن ؟
فأجاب بقوله: الدفاع عن الوطن ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: دفاع عن الوطن من حيث إنه وطن، فهذا ليس في
стр. 10157
سبيل الله ، ويستوي فيه الكافر والمؤمن، حتى الكافر يدافع عن وطنه.
القسم الثاني: أن يدافع عن وطنه؛ لأنه وطن إسلامي فحينئذٍ يكون دفاعه جهاداً في سبيل الله ؛ لأنه يقاتل دفاعاً عن الإسلام، وخوفاً من أن يستولي على البلاد أهل الكفر فيُغَيّر منهج
البلاد الإسلامية.
فمن قاتل من أجل إبقاء الإسلام الذي هو دين وطنه صار مجاهداً في سبيل الله .
ودليل ذلك: أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقاتل حميّة، ويقاتل شجاعة، فقال ﵊: "منْ قاتلَ لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ﷺ " (١) .
س ١١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض الشباب يرغب في الجهاد مع إخوانه في الكويت ضد عدوان العراق فهل يعد جهاداً، وهل هذا الجهاد فرض عين أو فرض كفاية ؟
стр. 10158
فأجاب بقوله: هذا سؤال مهم، والجواب عليه لا بد أن يكون من قبل عدة علماء عالمين بالشرع وعالمين بالواقع؛ لأن هذه المسألة مسألة مصيرية.
والذي أرى أن يوجه السائل هذا السؤال إلى هيئة كبار العلماء لأجل دراسته من كل جانب؛ لأن مسألة كهذه مسألة مصيرية لا بالنسبة للكويتين ولا بالنسبة لمن جاورهم من بلدان أخرى.
فلا بد من بحث هذه المسألة ودراستها ليتسنى الجواب على ذلك.
ويجب على الإنسان ألا ينظر إلى البدايات، بل ينظر إلى النهايات والغايات.
س ١٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: نجد أن الله- في كثير من آيات الجهاد يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، فما الحكمة من ذلك ؟
فأجاب بقوله: يظهر- والله أعلم-؛ لأن الجيش الإسلامي قد يحتاج إلى المال أكثر من حاجته إلى الرجال؛ ولأن الجهاد بالمال أيسر من الجهاد بالنفس، والله أعلم.
стр. 10159
س ١٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكمُ الجهاد في هذا الزمان ؟
فأجاب فضيلته قائلاً: الأصل في الجهاد أنه فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سَقط عن الباقين، ولكن قد يكون فرض عين في أحوال:
الأول: فيما إذا حضر الإنسان الصفَّ، فإنه لا يجوز أن يَنحرِفَ أو يتولَّى لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) . (١) هذا واحد.
والثاني: إذا حَصَرَ بلده العدوُّ؛ فإنه يجب عليه أن يقاتل دفاعًا؛ لأن النبي ﷺ سأله رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: " لا تُعطِهِ مالّكَ "، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: " قاتِلْهُ "، قال: أرأيت إنْ قَتَلَني؟ قال: " فأنتَ شهيدٌ"، قال: أرأيت إن
قتلتُه؟ قال: "هو في النار" (٢) . هذا وهو مسلمٌ إذا جاء لأخذ مالي وقاتلتُه على مالي فقتلتُه، فهو في النار وهو مسلم، فكيف إذا كان كافراً!.
стр. 10160
ثالثًا: إذا استنفره وليُّ الأمر، واستنفره: يعني طلب منه أن يخرج في الجهاد، فالجهاد حينئذ يكون فرض عين، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (١) .
رابعًا: إذا احتيج إليه بأن يكون لديه اختصاص لا يعرفه أحد، فحينئذٍ يكون فرض عين. مثل: أن يكون شخصًا يعلم قيادة الطائرات القاذفات، وليس يوجد غيره ممن تقوم به الكفاية، فحينئذ
يكون فرض عين. هذه مواضع أربعة ذكر العلماء أن الجهاد يكون فيها فرض عين، والأصل أنه فرض كفاية.
س ١٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز الجهاد دون إذن إمام المسلمين؟ وهل هناك حالات يجوز فيها بدون إذن ؟
فأجاب بقوله: لا يجوز الجهاد إلا بإذن الإمام؛ لأنه المخاطب بالجهاد، ولأن الخروج بدون إذنه افتيات عليه؛ ولأنه سبب للفوضى والمفاسد التي لا يعلمها إلا الله.
стр. 10161
وأما قول السائل: هل هناك حالات يجوز فيها بدون إذن الإمام؟ فنعم إذا هجم عليهم العدو فيتعين عليهم القتال.
س ١٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀ ما حكم الجهاد على المسلمين بعد سقوط الأندلس وكثيرٍ من الولايات الإسلامية، خاصَّةً وقد أخذ اليهودُ في وقتنا الحاضر بيت المقدس الذي هو
أول قبلة للمسلمين، ومن المساجد التي يُشَدُّ إليها الرِّحال؟ وهل يسقط الجهاد عن المسلمين لعدم الاستطاعة؟ وإذا سقط الجهاد هل يتعَّين عليهم الإعداد؛ لأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو
واجب ؟
فأجاب بقوله: الجهاد كغيره من الواجبات يشترط فيه القُدْرة، فإذا لم يقدر المسلمون على غزو الكفار سقط عنهم؛ ولهذا لم يوجب الله الجهاد على المسلمين في مكة لعدم استطاعتهم، وأوجبه عليهم حينما كوَّنوا لهم دولة في المدينة. ولكن يجب على الأمة الإسلامية أن تستعد لعدوها لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (١) .
стр. 10162
س ١٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكم الجهاد في زماننا هذا؟ وهل هو فرض كفاية أم فرض عين؟ وإذا كان الجهاد فرض كفاية فمتى يكون فرض عين على هذه الأمة ؟
فأجاب بقوله: أولاً: يجب أن تعلم أن الجهاد لا يكون فرض عين على جميع المسلمين، هذا شيء مستحيل، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) ، (١) وبَّين الحكمة، فقال: (لِيَتَفَقَّهُوا) أي: القاعدون في المدينة (قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) ؛ لأنهم لو انصرفوا كلهم إلى الجهاد لتعطلت بقية الشرائع والشعائر. لكن يكون فرض عين في مواضع:
الموضع الأول: إذا حضر الإنسان صفَّ القتال فإنه يجب عليه أن يواصل الجهاد، قال الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٢) .
الموضع الثاني: إذا حاصر العدوُّ بلده، فهنا يجب عليه أن يقاتل دفاعًا عن نفسه، وبلده الإسلامي.
стр. 10163
الموضع الثالث: إذا استنفره الإمام؛ يجب عليه أن يخرج. فمثلاً: يقول الإمام لأهل البلد: هيا اخرجوا للجهاد، فيجب أن يخرجوا؛ لأن معصية ولاة الأمور محرَّمة، ولما وجه الخطاب لهؤلاء وجب
عليهم أن يقوموا بذلك.
الموضع الرابع: إذا احتيج إليه بأن يكون هذا الرجل يعلم من استعمال هذا النوع من السلاح وغيره ما لا يعمله غيره، فهنا يتعين عليه أن يباشر.
في غير هذه المواضع الأربع لا يكون الجهاد فرض عين، ثم إن الجهاد لابدَّ له من راية إمام، وإلا كانت عصابات. فلابد من إمام يقود الأمة الإسلامية، ولذلك تجد الذين قاموا بالجهاد من غير راية
إمام لا يستقيم لهم حالٌ، بل ربما يُبادُون عن آخرهم، وإذا قُدِّر لهم انتصار صار النزاع بينهم. فعلى كل حال نسأل الله أن يُعيننا على جهاد أنفسنا، فنحن الآن في حاجة إلى جهاد النفس، فالقلوب
مريضة، والجوارح مقصِّرة، والقلوب متنافرة، وهذا يحتاج إلى جهاد قبل كل شيء.
س ١٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أرجو أن توضح مدى حاجة المجتمع الإسلامي للجهاد في سبيل الله .
стр. 10164
فأجاب بقوله: هذه الحاجة بيَّنها الله- في كتابه فقال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله) (١) ، فالناس في حاجة إلى قتال الكفار الآن حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ولكن هل يجب القتال أو هل يجوز القتال مع عدم القدرة عليه؟
الجواب: لا يجب، بل ولا يجوز أن نقاتل ونحن غير مستعدين له.
والدليل على هذا: أن الله- لم يفرض على نبيه وهو في مكة أن يقاتل المشركين، وأن الله أذن لنبيه في صلح الحديبية أن يعاهد المشركين ذلك الجهد الذي إذا تلاه الإنسان ظن أن فيه خذلانًا
للمسلمين، وكلنا يعرف كيف كانت شروط صلح الحديبية، حتى قال عمر بن الخطاب- ﵁: يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟! قال: "بلى". قال: فلم نرضي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟ فظن هذا خِذلانًا، لكن الرسول ﷺ لاشك أنه أفقه من عمر- رضي
الله عنه-، وأن الله تعالى أذن له في ذلك فقال ﷺ : " إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري " (٢) .
стр. 10165
انظر الثقة الكاملة في هذه الحال الضَّنْكة الحَرِجة، يعلن هذا لهم، يقول: "لست عاصيه وهو ناصري "، سيكون ناصرًا لي، وإن كان ظاهر الصلح أنه خِذلان للمسلمين، وهذا يدلنا على مسألة مهمة،
وهي: قوة ثقة المؤمن بربه، فهذا محمد رسول الله ﷺ ، في هذه الحال
الحرجة يقول: "وهو ناصري ".
وفي قصة موسى ﵇ لما لحقه فرعون وجنوده وكان أمامهم البحر وخلفهم فرعون وجنوده، ماذا قال لأصحابه حين قالوا: إِنَّا لمُدرَكون؟ قال: كَلاَّ، ما يمكن أن نُدرَك، (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (١) . سيهديني لشيء يكون فيه الإنقاذ. وبالفعل حصل الإنقاذ لموسى- ﵇ وقومه، وحصل هلاك فرعون وقومه.
فالمهم أنه يجب على المسلمين الجهادُ حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ما يستطيعون به جهادَ الكفار، حتى ولا جهادَ مدافعةٍ في الواقع.
جهاد المهاجمة لا شك أنه الآن غير ممكن حتى يأتي الله- بأُمة واعيةٍ تستعد إيمانيًّا ونفسيًّا ثم عسكريًّا، أما ونحن على هذا الوضع، فلا يمكن أن نجاهد أعداءَنا.
ولذلك انظر إلى إخواننا في جمهورية البوسنة والهرسك ماذا يفعل
стр. 10166
بهم النصارى؟! يمزقونهم أشلاءً، وينتهكون حرماتهم، وقيل لنا: إنهم يذبحون الطفل أمام أُمه ويجبرونها على أن تشرب دمه، نعوذ بالله. شيءٌ لا يَتَصوَّر الإنسان أنه يقع، ومع ذلك فإن الأمم النصرانية
تمُاطِلُ وتتماهل وتَعِدُ وتُخِلف، والأمة الإسلامية ليس منها إلا التنديد القولي دون الفعلي من بعضها لا من كلها، وإلا فلو أن الأمة الإسلامية فعلت شيئًا- ولو قليلاً- مما تقدر عليه لأثَّر ذلك في
الوضع القائم، لكن مع الأسف إننا نقف وكأننا متفرجون، ولاسيما بعض ولاة الأمور في الأمة الإسلامية، أمَّا الشعوب فمعها شعور، ومعها حركة قلبية، لكن لا يكفي هذا، والله! إن الإنسان كلما ذكر إخوانه هناك تألَّم لهم إلى شديدًا، لكن ماذا نعَمل؟ نشكو إلى الله ، ونسأل الله تعالى أن يُقِيمَ عَلَمَ الجهاد في الأمة الإسلامية؛ حتى نقاتل أعداءنا وأعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا.
س ١٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل الإعداد للجهاد فرض عين أو فرض كفاية ؟
فأجاب بقوله: الإعدادُ للجهاد ومباشرة الجهاد فرض كفاية، فلو وجدنا مثلاً أُمةً تستعدُّ للجهاد في سبيل الله، وعندها ما يكفي من الأفراد للقيام بهذا الفرض، لصار في حق الآخرين سُنَّة وليس
стр. 10167
بواجب، وإذا لم يوجد أحد أَثِمَ الجميعُ بعدم الإعداد وعدم الجهاد، لكن الأمر كما ترى في الوقت الحاضر، ليس هناك صدقٌ مع الله، لا بالنسبة للناس ولا بالنسبة لحكام الناس. فأمَّا الناس فتجد عامَّتهم وأكثرهم غافلين عن هذا إطلاقًا، وليس عندهم استعداد، فهم في غَفْلة، بل لا يحصل منهم حتى جهاد أنفسهم عن محارم الله.
وأَمَّا الحكام- فكما ترى فهم أيضًا- غافلون عن هذا، ولذلك أصبحت الأُمة الإسلامية الآن أمة مُمَّزقة متفرقة، وأصبح الكفار هم الذين لهم السيطرة على العالم، ولا يمكن أن يكون لنا سيطرةٌ على
العالم وعلى الكفار إلاّ بالرجوع إلى الدين الذي بُعِث به محمد ﷺ وتطبيقه عقيدةً وقولاً وعملاً في عبادة الله وفي معاملة عباد الله، ولهذا لما قال أبو سفيان لهرقل ما يعلمه من صفات الرسول ﷺ ، ومعاملته، قال له: " إن كانَ ما تقولُ حَقًّا فسَيَملِكُ مَوضِعَ قَدَمَيَّ هاتَينِ " (١) ، فنحن الآن في حالٍ يرثى لها في الواقع. نسأل الله أن يعيد للأمة
الإسلامية مجدها.
س ١٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل الإنسان إذا توفرت له الفرصةُ للجهاد في بلد من البلدان، هل يصبحُ في حقه
стр. 10168
فرض عين أن يذهب؟
فأجاب بقوله: هو فرض كفاية، لا يكون الجهاد فرض عين إلا في أحوال معَّينة، عيَّنها العلماءُ:
الأول: إذا حَضَرَ الصفَّ لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (١) . وأخبر النبي- ﷺ - أن التولي يوم
الزحف من الموبقات (٢) .
الثاني: إذا حاصر بلده العدو، فلابد أن يدافع لِفَكِ الحصار عن بلده، وفي هذا قال بعض العلماء: إنه يكون فرض عين؛ لأن هذا كتقابل الصفين.
الثالث: إذا استنفره الإِمام، لو قال: يا فلان اخرج؛ صار فرض عين، ولا يجوز أن يقول: مُر غيري، بل يجب أن يُطيع.
الرابع: إذا دعت الحاجة إليه بعينه، مثل أن يكون عارفًا بنوعٍ من السلاح ولا يستخدمه إلا مثله، فهنا يتعين عليه أن يُباشر القتال، بهذا السلاح الذي لا يعرفه إلا هو.
стр. 10169
هذه هي الأحوال الأربع التي ذكر العلماء أن الجهاد يكون فيها فرض كفاية أو فرض عين، وما عدا ذلك فإنه فرض كفاية، والجهاد ولو كان فرض عين لابد له من شروط من أهمها القدرة: فإن لم يكن
لدى الإنسان قدرة، فإنه لا يلقي بنفسه إلى التهلكة وقد قال الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١) .
س ٢٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل الجهاد ركن من أركان الإسلام ؟
فأجاب بقوله: الجهاد في سبيل الله من أعظم واجبات الدين، وفيه من الفضل ما هو معلوم في الكتاب والسنة، ولكن ليس هو من أركان الإسلام، فإنَّ أركان الإسلام التي بُنِيَ عليها خمسةٌ معروفةٌ ليس منها الجهاد في سبيل الله، فقد قال النبي ﷺ : "بُنِيَ الإسلام على خَمْسٍ: شَهَادةِ أَنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأَنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً" (٢) .
стр. 10170
س ٢١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن حُكْم الإعداد للجهاد في سبيل الله، ومن يخاطب به ؟
فأجاب بقوله: الإعدادُ للجهاد في سبيل الله فرض كفاية، والمخاطَبْ بذلك وُلاة الأمور، لقول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (١) . ويكونُ في أحسن موضع يتلقى فيه هذا الإعداد، ولكن كما ذكرنا: يخاطَب بذلك ولاةُ الأمور، أمَّا أفراد الناس فهم لا يستطيعون في الغالب.
س ٢٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن قتال الفلسطينيين لليهود هل هو جهاد شرعي ؟
فأجاب بقوله: لا يمكن أن نحكم على شخصٍ أو طائفة بأن جهاده شرعي أو غير شرعي، حتى يوزن ذلك بالميزان الذي جاء به الكتاب والسنة، وذلك بأن يكون الجهاد في محله بأن يكون المجاهَد
- بفتح الهاء- ممن أمر الله بجهاده، وأن تكون نية المجاهِد- بكسر الهاء- خالصةً لله تعالى، بحيث يريد بجهاده أن تكون كلمة الله هي العليا.
стр. 10171
وقد سُئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتلُ شجاعةً، ويقاتل حَمِيَّةً ويقاتل ليُرَى مكانُه، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: " مَن قاتَلَ لِتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا، فهو في سبيلِ الله " (١) . فهذا هو الجهادُ الشرعي الذي جعل الله له نصيبًا من الزكاة في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٢) .
س ٢٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀ عن مسألتين الأولى: حكم الجهاد في أفغانستان هل هو فرض عين؟ وهل يلزم رضا الوالدين ؟
والثانية: نُسِبَ إلى شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ أنَّه يقول: " لا يُسأل في الجهاد إلاّ عالمٌ بالجهاد"، فعلى تقدير صحة هذه النسبة-
стр. 10172
إن صحت- ما هو رأيكم في هذا، حيث إنه أثار شكًّا في نفوس كثير من الشباب في عدم قَبُول فتوى العلماء الذين لم يشاركوا في الجهاد "؟
فأجاب بقوله: أقول وبالله التوفيق أقول في الجواب، وأنا كاتبه محمد الصالح العثيمين مازلت متوقفًا في حكم الجهاد في أفغانستان هل هو فرض عين أو لا؟
ولكن لا شك أنه جهادٌ إسلامي، فيه قمعٌ للكفرة وأعوانهم، نسأل الله أن يُخِلصَ نية القائمين به وُيتِمَّ نصرهم (١) ، وأمَّا تقديم هذا الجهاد على رضا الوالدين، فلا يُقدَّم على رضا الوالدين، بل لابد من إذنهما فيه، فقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث ابن مسعود رضي الله
عنه أنه سأل النبي ﷺ : أَيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: "الصلاةُ على وَقْتها " قلت: ثمَّ أيٌّ قال: "برُّ الوالدينِ " قلت: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "الجهادُ في سبيلِ الله " (٢) .
وفي "الصحيحين " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد،
стр. 10173
فقال: "أحيٌّ والداك؟ " قال: نعم، قال: "ففِيهِمَا فجَاهِدْ" (١) .
ثمَّ إنَّ الرجل إذا فاته الجهاد بنفسه تبعًا لرضا والديه لم يَفُتْهُ الجهاد بماله إن كان ذا مال، والجهادُ بالمال شقيقُ الجهاد بالنفس وقرينُه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
أما بالنسبة للسؤال الثاني: ما نُسِبَ إلى شيخ الإسلام ابن تيمية لا أدري هل يصحُّ عنه بهذا اللفظ أو لا؟ وإن صح فمراده علم مُقتَضَيات الجهادِ وثمراته، وهل الحكمة في الإقدام عليه أو في إعداد
العُدُّة قبل ذلك؟ وليس مراده العلمَ بالحكم الشرير فيه؛ لأنَّ هذا لا يختص بالجهاد، بل كل شيءٍ لا يُسأل فيه إلاَّ من كان عالمًا به.
وأما الشك الذي أثاره هذا الكلام في نفوس كثير من الشباب، فلا وجه له، فإنَّ العلماءَ بالجهاد تُقَبل فتواهم فيه، سواء شاركوا فيه أم لم يشاركوا، فالحق ضالة المؤمن أينما وجده أخذه، والمؤمن كَيِّسٌ فَطِنٌ؛ لا يُقْدِمُ على شيءٍ إلا بعد معرفة نتائجه وثمراته، ولا يجعل الحكم في المقارنة بين الأشياء إلى العاطفة المَحْضة، بل يتروى في الأمور وينظر بعين الشرع والعقل والعاطفة، فبالشرع يعرف الحكم، وبالعقل يُقايَسُ بين الأمور، وبالعاطفة ينشط ويدع الخمول، والله الموفق، حرر في ٩/٩/١٤٠٩ هـ.
стр. 10174
س ٢٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل الجهاد في أفغانستان جهادٌ في سبيل الله بحق؟ فالبعض يطعن فيه، نرجو من فضيلتكم بيان ذلك بيانًا وافيًا ؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أن هذا الجهاد جهادٌ إسلامي (١) ؛ لأنَّ المعروف عن قادته وزعمائه أنهم يريدون أن يحرِّروا بلادهم من الكفر وأتباعه لتُحررَ فيها كلمة الله- وتكون كلمةُ الله هي العليا، وهذه هي نيةُ الجهاد الإسلامي، هذا هو المعروف عنهم، وبناءً عليه فإن الجهاد في أفغانستان يُعتَبُر من الجهاد في سبيل الله، فمن جاهد فيه فقد جاهد في سبيل الله، ومن بذل المال فيه فقد بذله في سبيل الله، ولهذا يجوز أن تصرف الزكاة في معونتهم؛ لأن سبيل الله-
- أحد الأصناف الثمانية التي جعلهم الله أهلاً لها فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٢) . فقال: (وَفِي سَبِيلِ الله) ، وهو يشمل إعطاء المجاهدين أنفسهم من الزكاة وشراء الأسلحة لهم، فكل ذلك داخل في قوله تعالى: (وَفِي سَبِيلِ الله) .
стр. 10175
وأما من زعم أنه ليس جهادًا إسلاميًا فليتحمَّل هذه الدعوى وهذه الفِرْيَة، أَخشى أن يكون ممن صَدَّ عن سبيل الله. وعلى المرء ألا يطلق مثل هذه العبارات في عباد الله الذين ظاهرهم الخير والحق،
فإن هذا خطر عظيم. ألم يبلغكم أنَّ أسامة بن زيد- وهو من أحب الرجال إلى رسول الله ﷺ - لحق رجلاً من المشركين في إحدى الغزوات، فلما أدركه أسامة- ﵁ قال الرجل: لا إله إلا الله، فظن أسامةُ أنه قال ذلك تعوُّذًا وتخلصًا من القتل، فقتله- رضي
الله عنه-، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك فقال: "يا أسامة، أَقَتَلْته بعدَ ما قال: لا إله إلا الله؟ "، قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (١) .
مع أنه لو عاد الأمر ونظرنا في القرائن، لكُنَّا نظنُّ كما ظنَّ أسامة ﵁، لكن الرسول ﷺ كرَّرَ ذلك إشارةً إلى أنه لم يرضَ بهذا العمل، وأنَّ كلّ من أبدى لنا خيرًا فإننا يجب أن نعامله بما أبدى لنا؛ لأن النية في القلب لا يعلمها إلا خالقُ القلب جل وعلا. وكوننا
نَتَّهم هؤلاء بسوء القصد لا يجوز، وأرى أنَّ من قال ذلك عليه أن
стр. 10176
يستغفر الله ويتوب، ولا يكون ممن يُثِّبط عن القتال في سبيل الله، أو عن المعاونة للمجاهدين في سبيل الله.
س ٢٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: راية الجهاد في كشمير هل هي راية صحيحة ؟
فأجاب بقوله: يحتاج الجهاد أولاً: إلى رايةٍ من خليفة أو إمام، وهذا مفقودٌ في الواقع.
ثانياً: الجهاد يحتاج إلى أن يذهب الإنسان ليجاهد ويكون فيه ندب وغنائم، ومعلوم أنه في الوقت الحاضر لا يحصل فيه ذلك، فالطائرات تأتي من فوق والذين تحتها تحت رحمة قوات الطائرات
وليس هناك، غُنْم، وكانت الحرب في الزمن الأول بريَّةً، والناس يحاربون بالسيف والرمح ويحصل فائدة الغُنْم.
ثالثًا: أنه يشترك في هذه الحروب أُناسٌ جاءوا لينفِّسوا عن أنفسهم؛ لأنَّهم في بلادهم مكبوتون، فيأتون لينفسوا عن أنفسهم، ثم يبثون السموم في الآخرين ويكرهون ولاتهم، فيرجع هؤلاء إلى بلادهم وهم قد مقَتُوا البلاد رَعيتَها ورُعاتَها، ويحصل بذلك مفاسد كثيرة، والأمثلة كثيرةٌ لا أحب أن أذكرها لكن تأملوها في عدة بلاد.
ثم إذا استتبَّ الأمن في البلاد ونجت من الغزو، وأراد أحدٌ من
стр. 10177
الدعاة أن يدعو على حسب منهجه وطريقته، فهناك مشيخة في البلاد معروفة معتمدة عندهم تمنع أي إنسان يدعو إلى خلاف ما هم عليه بمعنى أن الدعوة الصحيحة لا تقوم هناك، وهذا مُشكِل، لكن موقفنا مع إخواننا هؤلاء أن نسأل الله لهم النصر والتأييد، وهذا ما نقدر عليه، كذلك إذا أمكن بالمال فلنجاهد بالمال.
س ٢٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بلغنا أن لكم فتوى متداوَلَة بين المجاهدين في كشمير، أي إنكم تنصحون بالجهاد في كشمير وأنها رايةٌ صحيحة ؟
فأجاب بقوله: هذا غير صحيح.
س ٢٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: سبق لك وأن أفتيتَ بالذهاب إلى بعض الأماكن كأفغانستان، ثم الآن لا تفتون بذلك، فلماذا ؟
فأجاب بقوله: لأنَّ الأمورَ تتغير باختلاف النتائج، ففي بداية ظهور الحرب في أفغانستان كُنَّا نؤيد الذهاب، ولكن صارت النتائج بخلاف ما نريد، فالراجعون من هناك معروفة حالهم إلا من سلَّمه الله- ، والباقون هناك لا يخفى ما يقع بينهم من الحروب الطاحنة.
стр. 10178
س ٢٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن واقع الجهاد في الشيشان ؟
فأجاب بقوله: الواقع أن الجمهورية الشيشانية أُصيبت بهذا البلاء من الملاحدة الكفرة، وموقفنا أن ندعو لهم بين الأذان والإقامة، وفي صلاة الليل، وفي كل مناسبة.
أما مسألة القنوت فلا نَقنُت إلا بأمر ولي الأمر؛ لأننا نحن تابعون لولي الأمر، وسأخبركم عن رأي الفقهاء عن مسألة القنوت: عند النوازل.
فمن العلماء من يقول: لا يَقنُت في النوازل إلا الرئيس الأعلى في الدولة فقط، وغيره لا يقنت. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ﵏، حيث قالوا: إلا أن تنزل بالمسلمين نازلةٌ فيقنت الإمامُ الأعظم في الفرائض.
وعلى هذا فلا يُسَنُّ للشعب أبدًا أن يقنت، وعَلَّلوا ذلك بأنه لم يقنت في النوازل إلا الرسول ﷺ ، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن النبي ﷺ مُشرِّع.
ومن العلماء من قال: يقنت الإمامُ: إمام المسجد، كلٌّ في مسجده.
ومنهم من قال: يقنت كلُّ مصلٍّ، وهذا هو أرجح أن يقنت كل مصلٍّ، لكن الإمام في الجماعة لا يقنت إلا بعد موافقة ولاة الأمور، إن قالوا: اقنتوا، قَنَتْنا جهرًا، وإن سكتوا سكتنا، لكننا لا نسكت عن
стр. 10179
الدعاء لإخواننا في الشيشان، ولْيُعلم أن الشيشان جمهوريةٌ إسلاميةٌ، والروس أُمة ملحدةٌ، لكن لما رأوا أن الإسلام سيمتدُّ أرادوا أن يقضوا على الإسلام. وأولُ جمهوريةٍ إسلامية استقلت هي الشيشان فيما أعلم، فأرادوا أن يقضوا على؛ ولذلك الغربُ ساكتون ما قالوا شيئًا؛ لأن هذا مما يفرحون به، إذ إنَّ الغرب الكفرة يفرحون بكل ما فيه ذل للإسلام، وخذلانٌ للمسلمين، ولا شك في هذا عندي أنهم يودُّون هذا وإن أظهروا أنهم يساندون الإنسانية أو ما أشبه ذلك، فهُم كَذَبة؛ ولهذا هم ساكتون.
ولما بدأت جمهورية الشيشان تُضرَب بالقنابل، ويموت الناس في الأسواق تحركوا، ولكن تحرك سلحفاة، وإلا لو خنقوا الروس في الأمور الاقتصادية لعلمنا أن الروس سوف يستسلمون ويذلُّون، بل من أسباب هجوم الروس على الشيشان أنهم يريدون أن يشغلوا شعبهم بهذه الحرب عن العيب والعور والبلاء في اقتصادهم ومجتمعاتهم، والغرب ساكتون!
تيمور الشرقية مسألتها قليلةٌ أهون من هذا بكثير، لكن لما كان غالبها من النصارى ماذا فعل الغرب الأمة النصرانية الملحدة؟ ماذا فعلوا؟! جهزوا أسطولاً وطيارات ودبابات من أجل أن يفصلوا
تيمور الشرقية عن إندونيسيا؛ حتى يُضعِفوا المسلمين يأخذوهم شيئًا
стр. 10180
فشيئًا، دويلاتٍ دويلاتٍ، وقد عُلِم أن التفرق فيه الفشل كما قال- : (وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ) (١) .
ونحن موقفنا أن نسأل الله- النصر لإخواننا الشيشان في جمهوريتهم، وأن يُذِلَّ الروس إذلالاً يكون حديثًا لمن بعدهم، وكذلك كل من كاد للمسلمين؛ لأنه ليس بيننا وبين هؤلاء
نسب، بيننا وبينهم الدِّين، من كان عدوًّا للإسلام فهو عدونا إلى يوم القيامة، ومن كان ناصحًا للإسلام فعلى حسب نصحه نحبه ونفرح بانتصاره، ألم تروا أن الله قال: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ الله يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)) (٢) . مع أنه نصر للروم وهم نصارى، على الفُرْس وهم مجوس- وكلهم كفار- لكن لا بأس أن يفرح المؤمن بانتصار
غير المسلمين، ولو كان كافرًا. اللهم انصر إخواننا المسلمين في الشيشان، اللهم انصرهم على عدوهم، اللهم فرِّج كُرُباتِهم ويسِّر أمورهم واخذل أعداءهم يا رَبَّ العالمين، اللهم صل على محمد.
стр. 10181
س ٢٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حُكم الذهاب للشيشان ويوغسلافيا للجهاد ؟
فأجاب بقوله: يقول النبي ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " (١) .
وبالنسبة للشيشان هل طلبوا منا أن نأتي إليهم؟ لأنهم إذا لم يطلبوا منا هذا صار الناس عبئًا عليهم، لأنَّ كل واحد يحتاج إلى نفقة ويحتاج إلى سلاح ويحتاج إلى مكان، فنكون عبئًا عليهم.
ثانيًا: ربَّما يقع هذا المجاهد الذي ذهب من غير البلد (الشيشان) ربما يعثر عليه الجنود الروس فيقولون: إذن هذه الدولة أو الجمهورية تأوي أهلَ الإرهاب، فيكون في ذلك ضَرَرٌ، إنما حق إخواننا الشيشان علينا الآن أن ندعو الله- لهم في كل وقت؛ لأنَّ سقوط جمهورية إسلامية على يد ملَاحدةٍ كَفَرة طُرِدوا منها بالأمس فيأتون اليوم منتصرين، ليست هيِّنة. ثم إن انتصارها أيضًا نواة لانتصار الجمهوريات الأخرى التي قد استعمرها الروس الذين نسأل الله أن
يُنزِلَ في قلوبهم الرعب وأن يَخذُلهم ويرُدهم من حيث جاءوا.
стр. 10182
مجموعة من الأسئلة عرضت على فضيلة الشيخ- أعلى الله درجته في المهديين- عن حركة الإسلامي الإرتري.
* السؤال الأول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
السلام عليكم فضيلة الشيخ. سؤال عن حركة الجهاد الإسلامي الإرتري: هذه الحركة التي تأسست في عام ١٤٠٩ هـ، وتوحدت فيها كل الجماعات والأحزاب الإسلامية بعد أن نُكِبَ المسلمون في
أعراضهم، حين سِيَقت الفتياتُ بالآلاف إلى معسكرات الرذيلة لتكون أرحامهن مصانع لأبناء الحرام، في أخطر غزو تعرَّض له المسلمون في أرتريا، ثم تفرقت الحركة بعد ذلك إلى أحزاب
متصارعةٍ، وأخذ كل أميرٍ حزبَه وجماعتَه، ثم قامت مجموعة سمت نفسها القيادة العسكرية الانتقالية وادعت المنهج السلفي في أول أمرها.
ثم ظهر أنَّها متأثرةٌ بفكر جماعة التكفير، وذلك كالآتي:
١- قيامها بتنفيذ الأحكام التي تراها في غير أراضيها باستئجارها البيوت لخطف الناس فيها، واعتقالهم وتعذيبهم وإجبارهم على التنازل عن كل حقوقهم، واستكتابهم الأوراقَ لإثبات الأموال على ذممهم ليُسدِّدُوها بعد إطلاق سراحهم، وإجبارهم على التوقيع على
стр. 10183
أوراق يتنازلون فيها عن المدارس ومراكز تحفيظ القرآن التي يشرفون عليها، والممتلكات والاستثمارات التي خُصِّصَت لنفقات تلك المدارس والمراكز؛ من أجل الاستحواذ على أموال المحسنينَ التي تُدفَعُ لهذه المدارس والأيتام والدعاة.
٢- كتابة رسائل التهديد حتى للذين يتواجدون في خارج البلاد، ولدينا من ذلك نماذج توضح ذلك.
٣- التنكيل والتعذيب والسَّجنُ للدعاة الذين يخالفونهم في آرائهم، وقد عُذِّبَ من هؤلاء عدد غير قليل. وأَنَّه لا فرق بين ما يحدث في الجزائر بين الجماعات الإسلامية من الاقتتال وبين ما يفعله
هؤلاء بإخوانهم الدعاة.
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لي ملاحظةٌ قبل الإجابة على السؤال وهي: أن الأخ الذي قدَّم السؤال قدَّم قولَه: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وهذا ليس بمشروع؛ لأنَّ الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم إنما تكونُ عند
تلاوة القرآن، وأما ما سواه فإنه لا يُسَنُّ أن يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم عند قراءته، وإنْ كانت الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم مشروعةٌ في كل وقت، لكن تقييدها بغير ما قُيِّدَت به من
стр. 10184
الشرع لا ينبغي.
أمّا ما ذَكرتَ عن هؤلاء الطائفة فإن صحَّ ما ذكرت، فلا شكَّ أنَّ هذا محُرمٌ في دين الله- ، وأنَّ استحلال أموال المسلمين وتعذيبهم من أجل أنهم خالفوهم في أمر لا يُعلَمُ مَن المصيب منهم
والمخطئ، فإن هذا بلا شك عدوانٌ وظلم، ولا يحل لهم ذلك.
والواجبُ على إخواننا في أرتريا أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يكونوا أمةً واحدةً لا نزاع بينهم ولا قتال ولا عدوان ولا ظلم، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
* السؤال الثاني: هذه الفِرَق كل أمير يدعي أن له الحق في السمع والطاعة على الناس، بل ويؤاخذون بذلك حتى قُتل من قُتل، وعُذِّب من عُذِّب، وسُجِن من سُجِن، ووُجِدَ فسادٌ عريض
بذلك. هذه الفرق تمارس هذه الأعمال في خارج أراضيها، تستبيحُ أراضي الدول المجاورة باستئجارها البيوت في مدن البلدان المجاورة لخطف وتعذيب وقتل بعض أفرادها فضلاً عن
أعدائها، فهل هذا العمل يعتبر عملاً مشروعًا؟
فأجاب بقوله: ليس هذا عملاً مشروعًا، ولا يحلُّ للإنسان أن
стр. 10185
يعتدي على أخيه المسلم قال النبي ﷺ : "كُلُّ المسلِم على المسلمِ حَرام، دَمُه ومالُه وعِرضُه " (١) ، وأعلن ﷺ في حِجَّةِ الوداع أنَّ دماءنا وأموالنا وأعراضنا حرامٌ علينا، وهذا أمر معلوم بالضرورة من الدين، ولا يحتاج إلى سؤال عن حكمه، بل المهم تطبيق هذا الأمر، وعدم الاعتداء على المسلمين وأن يكونوا إخوانا متآلفين ومتحابين في الله.
* السؤال الثالث: فضيلة الشيخ نريد البيان في مسألة أن كل أمير يدَّعي الحق في الطاعة لنفسه؟
فأجاب يقوله: إنَّ هذه مشكلة، هذه فتنة ولا بد من أن يتفق أهل البلد على أمير واحد يكون له السمعُ والطاعةُ على الجميع، أما كل فرقة تقول: أنا ليَ الإمارة، فليس هذا من الشرع، وفي هذه الحال نقول: إذا كان ولابد من التحزُّب، فكلُّ إنسان يكون مع قومه حتى يأذن الله- عز
وجل- بأن يتفقوا على واحد معَّين يكون أميرًا على الجميع.
* السؤال الرابع: ماذا يفعل الذين لا يتحيزون لهذا ولا لهذا؟ هل يتركون الدعوة حتى يصطلح هؤلاء، أم يتركون الجهاد حتى يصطلح هؤلاء؟
стр. 10186
فأجاب بقوله: لابدَّ من الدعوة إلى الله- سواء اصطلح هؤلاء، أم لم يصطلحوا، وأما القتالُ فلا يجوز ولا يَحِلُّ إلا دفاعًا عن النفس فقط.
* السؤال الخامس: ما حُكم الذين يدفعون الأموال لهؤلاء مع علمهم وإخبارهم بحال هؤلاء وتبليغهم بتعذيب الدعاة والعلماء وقادة المجاهدين وأفراد المجتمع، بل وحضور المعذَّبين إليهم
وإعطائهم رسائل التهديد المكتوية بأيدي هؤلاء القادة؟
فأجاب بقوله:. إعانة هؤلاء على ظُلمِهم من باب التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله- في كتابه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (١) . فمن أعانهم بقوله أو فعله أو ماله، فهو شريكٌ لهم في الإثم.
س ٣٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكم من يذهب ليجاهد في أفغانستان بغير رضا والديه، حيث إن والدته متأثرة بدنيًّا ونفسيًّا. نرجو إسداء النصح له وجزاكم الله خيرًا ؟
فأجاب بقوله: حُكم ذهاب هذا- مع تأثُّر والدته- إلى الجهاد في
стр. 10187
أفغانستان، أنَّه آثمٌ في ذلك جاهلٌ بحكم الله ورسوله؛ لأنَّ بِرَّ الوالدين مُقدَّم على الجهاد في سبيل الله، ففي "الصحيحين " عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: سألت النبيَّ ﷺ : أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: " الصَّلاةُ على وَقْتها " قلت: ثمَّ أيٌّ؟ قال: " بِرُّ
الوالدينِ " قلت: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "الجهادُ في سَبيلِ الله " (١) .
وفي "الصحيحين " عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحيٌّ والِداكَ؟ " قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهِدْ " (٢) ، وفي رواية لمسلم قال: أَقبَلَ رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: أُبايعُكَ على الهجرة والجهاد أَبتَغي الأجرَ من الله، قال: "فهل من والِدَيكَ أحَدٌ حيٌّ؟ " قال: نعم، بل كِلاهُما حي، قال: "فتَبْتَغي الأَجرَ من الله؟ " قال: نعم، قال: "فارجعْ إلى والدَيكَ فأحسِنْ صُحبَتَهُما " (٣) ، وعن أبي سعيد الخُدْري- ﵁ أنَّ
стр. 10188
رجلاً من أهل اليمن هاجر إلى النبي ﷺ فقال: "هل لك أحدٌ باليمنِ؟ " فقال: أبوايَ، فقال: "أَذِنَا لَكَ؟ " قال: لا، قال: "فارجعْ إليهما فاستأذِنْهُما، فإن أَذِنَا لك فجَاهِدْ وإلا فبرَّهُما " (١) .
ولا رَيْبَ أن من العقوق أن يدعَ الرجل أمَّه تموت بغَمِّها أو تمرض، أو يلحقها الوَسْواس المضرُّ ببدنها وتفكيرها ويؤثر على عباداتها، فتبقى كأنها في زجاجة لا يَقَرُّ لها قرار ولا يهدأ لها بال،
يَدَعُها في هذه الحال أو فيما دونها ثم يذهب ليجاهد.
والنبيُّ ﷺ يبلغ أمَّته أن برَّ الوالدين مقدَّمٌ على الجهاد في سبيل الله بدون تفصيل، وقد دلَّ الكتاب والسنَّة وإجماع المسلمين على أن برَّ الوالدين واجبٌ وجوب عين، وأن عقوقهما محُرَّم.
وأما الجهاد فإنما يجب في صور معيَّنة لا تنطبق على كلِّ جهاد. ثم إن الجهاد لا يمكن أن يجب وجوبَ عين على كل واحد، كوجوب الصلاة والزكاة والبر، لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (٢) وأما برُّ الوالدين فواجب على كل مولود أن يَبَرَّ والديه.
стр. 10189
فنصيحتي لهذا الأخ أن يتقي الله تعالى في أمِّه ويرجعَ إليها إن كان يبتغي الأجر من الله كما أمر بذلك النبي ﷺ ، فإن ذلك هو عبادة الله على بصيرة، وهو خير له في دينه ودنياه. والله المستعان.
كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٣/١٠/١٤٠٨ هـ.
س ٣١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يواجهنا عند الهجوم على مراكز العدو، أن بعضَ أفراد العدو يُظهِر لنا أنه مسلم إما بأن ينطق بالشهادتين، أو يقول: إنه يصلي أو غير ذلك من شعائر
الإسلام، فهل يجوز لنا قتله، مع العلم أننا نتضرَّرُ بإبقائه بين أظهرنا على قيد الحياة كأن يغدر بنا؟ فما حُكم قتله إذا كان مسلمًا ثم ارتد بقتاله مع الكفار، أو كان كافرًا أو صليبيًا ؟
فأجاب بقوله: إذا أظهر الأسيرُ أو المقاتل من الكفار أنه مسلم فإنه لا يجوز قتله، كما دلَّ على ذلك الحديث الصحيح في قصة أسامة بن زيد- ﵁ حين قتل المشرك الذي أدركه فقال: لا إله إلا الله، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: "يا أسامةُ أقَتَلتَه بعدَ ما قال: لا إله
إلا الله؟ "، قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمتُ قبلَ ذلك اليوم. (١)
стр. 10190
وأما الخوفُ من غدرِه فهو وارد ومحتمل، ولكن هل وقع ذلك من أحد وعرفتم كثرة الغدر ممن فعلوا ذلك؟ قد يكون هذا الرجل مسلمًا مجُبَرًا على أن يخرج في صُفوف العدو، وهو لا يريد الخروج، وقد يكون كافرًا أو مرتدًا لكن هداه الله- حينما رأى أنه قد أُدرِك، فالمهمُّ أننا إذا خفنا غدره، فإننا نأسره أسرًا لا يتمكن به من الغدر، ونبقيه على الحياة حتى يتبين لنا الأمر.
س ٣٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: والدي يحتاجني في عمله وأهلي كذلك، وأخي الأكبر في مدينة أخرى يطلبُ العلم، وأنا أريد أن أذهب إلى الجهاد، ولم يرضَ أحدٌ من الوالدين، فهل
يَحِقُّ لي الذهاب مع العلم أن أخي يقدر أن يقوم مقامي بترك درا سته ؟
فأجاب بقوله: لا يحلُّ لك أن تذهب إلى الجهاد وأهلك محتاجون إليك ومانعوك من السفر إلى الجهاد، بل حتى وإن لم يحتاجوا إليك، فإذا لم يَأذّنُوا لك فإنه لا يحل لك أن تذهب إلى الجهاد؛ لأنَّ برَّ
الوالدين أفضلُ من الجهاد في سبيل الله، كما ثبت ذلك في "الصحيحين " من حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : "أي العمل أحبُّ إلى الله؟ " قال: " الصَّلاةُ