← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.

стр. 10186

فأجاب بقوله: لابدَّ من الدعوة إلى الله- سواء اصطلح هؤلاء، أم لم يصطلحوا، وأما القتالُ فلا يجوز ولا يَحِلُّ إلا دفاعًا عن النفس فقط. * السؤال الخامس: ما حُكم الذين يدفعون الأموال لهؤلاء مع علمهم وإخبارهم بحال هؤلاء وتبليغهم بتعذيب الدعاة والعلماء وقادة المجاهدين وأفراد المجتمع، بل وحضور المعذَّبين إليهم وإعطائهم رسائل التهديد المكتوية بأيدي هؤلاء القادة؟ فأجاب بقوله:. إعانة هؤلاء على ظُلمِهم من باب التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله- في كتابه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (١) . فمن أعانهم بقوله أو فعله أو ماله، فهو شريكٌ لهم في الإثم. س ٣٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكم من يذهب ليجاهد في أفغانستان بغير رضا والديه، حيث إن والدته متأثرة بدنيًّا ونفسيًّا. نرجو إسداء النصح له وجزاكم الله خيرًا ؟ فأجاب بقوله: حُكم ذهاب هذا- مع تأثُّر والدته- إلى الجهاد في

стр. 10187

أفغانستان، أنَّه آثمٌ في ذلك جاهلٌ بحكم الله ورسوله؛ لأنَّ بِرَّ الوالدين مُقدَّم على الجهاد في سبيل الله، ففي "الصحيحين " عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: سألت النبيَّ ﷺ : أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: " الصَّلاةُ على وَقْتها " قلت: ثمَّ أيٌّ؟ قال: " بِرُّ الوالدينِ " قلت: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "الجهادُ في سَبيلِ الله " (١) . وفي "الصحيحين " عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحيٌّ والِداكَ؟ " قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهِدْ " (٢) ، وفي رواية لمسلم قال: أَقبَلَ رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: أُبايعُكَ على الهجرة والجهاد أَبتَغي الأجرَ من الله، قال: "فهل من والِدَيكَ أحَدٌ حيٌّ؟ " قال: نعم، بل كِلاهُما حي، قال: "فتَبْتَغي الأَجرَ من الله؟ " قال: نعم، قال: "فارجعْ إلى والدَيكَ فأحسِنْ صُحبَتَهُما " (٣) ، وعن أبي سعيد الخُدْري- ﵁ أنَّ

стр. 10188

رجلاً من أهل اليمن هاجر إلى النبي ﷺ فقال: "هل لك أحدٌ باليمنِ؟ " فقال: أبوايَ، فقال: "أَذِنَا لَكَ؟ " قال: لا، قال: "فارجعْ إليهما فاستأذِنْهُما، فإن أَذِنَا لك فجَاهِدْ وإلا فبرَّهُما " (١) . ولا رَيْبَ أن من العقوق أن يدعَ الرجل أمَّه تموت بغَمِّها أو تمرض، أو يلحقها الوَسْواس المضرُّ ببدنها وتفكيرها ويؤثر على عباداتها، فتبقى كأنها في زجاجة لا يَقَرُّ لها قرار ولا يهدأ لها بال، يَدَعُها في هذه الحال أو فيما دونها ثم يذهب ليجاهد. والنبيُّ ﷺ يبلغ أمَّته أن برَّ الوالدين مقدَّمٌ على الجهاد في سبيل الله بدون تفصيل، وقد دلَّ الكتاب والسنَّة وإجماع المسلمين على أن برَّ الوالدين واجبٌ وجوب عين، وأن عقوقهما محُرَّم. وأما الجهاد فإنما يجب في صور معيَّنة لا تنطبق على كلِّ جهاد. ثم إن الجهاد لا يمكن أن يجب وجوبَ عين على كل واحد، كوجوب الصلاة والزكاة والبر، لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (٢) وأما برُّ الوالدين فواجب على كل مولود أن يَبَرَّ والديه.

стр. 10189

فنصيحتي لهذا الأخ أن يتقي الله تعالى في أمِّه ويرجعَ إليها إن كان يبتغي الأجر من الله كما أمر بذلك النبي ﷺ ، فإن ذلك هو عبادة الله على بصيرة، وهو خير له في دينه ودنياه. والله المستعان. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٣/١٠/١٤٠٨ هـ. س ٣١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يواجهنا عند الهجوم على مراكز العدو، أن بعضَ أفراد العدو يُظهِر لنا أنه مسلم إما بأن ينطق بالشهادتين، أو يقول: إنه يصلي أو غير ذلك من شعائر الإسلام، فهل يجوز لنا قتله، مع العلم أننا نتضرَّرُ بإبقائه بين أظهرنا على قيد الحياة كأن يغدر بنا؟ فما حُكم قتله إذا كان مسلمًا ثم ارتد بقتاله مع الكفار، أو كان كافرًا أو صليبيًا ؟ فأجاب بقوله: إذا أظهر الأسيرُ أو المقاتل من الكفار أنه مسلم فإنه لا يجوز قتله، كما دلَّ على ذلك الحديث الصحيح في قصة أسامة بن زيد- ﵁ حين قتل المشرك الذي أدركه فقال: لا إله إلا الله، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: "يا أسامةُ أقَتَلتَه بعدَ ما قال: لا إله إلا الله؟ "، قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمتُ قبلَ ذلك اليوم. (١)

стр. 10190

وأما الخوفُ من غدرِه فهو وارد ومحتمل، ولكن هل وقع ذلك من أحد وعرفتم كثرة الغدر ممن فعلوا ذلك؟ قد يكون هذا الرجل مسلمًا مجُبَرًا على أن يخرج في صُفوف العدو، وهو لا يريد الخروج، وقد يكون كافرًا أو مرتدًا لكن هداه الله- حينما رأى أنه قد أُدرِك، فالمهمُّ أننا إذا خفنا غدره، فإننا نأسره أسرًا لا يتمكن به من الغدر، ونبقيه على الحياة حتى يتبين لنا الأمر. س ٣٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: والدي يحتاجني في عمله وأهلي كذلك، وأخي الأكبر في مدينة أخرى يطلبُ العلم، وأنا أريد أن أذهب إلى الجهاد، ولم يرضَ أحدٌ من الوالدين، فهل يَحِقُّ لي الذهاب مع العلم أن أخي يقدر أن يقوم مقامي بترك درا سته ؟ فأجاب بقوله: لا يحلُّ لك أن تذهب إلى الجهاد وأهلك محتاجون إليك ومانعوك من السفر إلى الجهاد، بل حتى وإن لم يحتاجوا إليك، فإذا لم يَأذّنُوا لك فإنه لا يحل لك أن تذهب إلى الجهاد؛ لأنَّ برَّ الوالدين أفضلُ من الجهاد في سبيل الله، كما ثبت ذلك في "الصحيحين " من حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : "أي العمل أحبُّ إلى الله؟ " قال: " الصَّلاةُ

стр. 10191

على وقتها". قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ ". قال: "برُّ الوالدينِ ". قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ ". قال: "الجهادُ في سبيل الله " (١) فقدَّم النبيُّ ﷺ برَّ الوالدين على الجهاد في سبيل الله. وأمَّا أخوك، فإن خروجه لطلب العلم فيه خير كثير، وخروج عظيم، وطلبُ العلم كالجهاد في سبيل الله، لأنَّ الله تعالى جعله عَدِيلاً له في قوله: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (٢) . فجعل الله التفقه في الدين معادِلاً للجهاد في سبيل الله، وغزو المسلمين ليس بالسلاح فقط، وإنما هو بالسلاح والفكر والخُلُق، والغزو بالفكر لا يُقاوَم إلا بالعلم، والأخلاق أيضًا لا تُقاوَم إلا بالعلم والاستقامة، وربما يكون غزو الأعداء من سنين غزوًا فكريًا، أعظم فتكًا بهم من السلاح المادي؛ لأن النوع الأول من الغزو غزو يدخل بدون استئذان، ويَحتلُّ بدون قتال، فهو أنكى وأعظم من الجهاد المسلَّح بالسلاح المادي، والمسلمون يجب عليهم

стр. 10192

هذا وهذا، ولهذا قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (١) ومعلوم أن النبي ﷺ لم يجاهد المنافقين بالسلاح المادي ولم يؤمر به، وإنما جاهد المنافقين بالسلاح العلمي والبيان والإرشاد، فخروج أخيك لطلب العلم وتغرُّبه لطلب العلم، لا شكَّ أنه خير كثير، أمَّا أنت فالخير لك أن تبقى عند أهلك، وأن تقوم ببِّر والديك، وإذا كان لديك مالٌ فجاهد بمالك، لأنَّ الجهاد بالمال كالجهاد بالنفس، بل هو قرينه في كتاب الله- . س ٣٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: لي قريبٌ ذهب إلى الجهاد في أرض أفغانستان من غير موافقة والده وبدون علمه، فما توجيهاتكم ونصيحتكم نحو الشباب الذين يفعلون ذلك علمًا بأن والد الشاب لا يزال غاضبًا على ابنه ؟ فأجاب بقوله: نصيحتي لإخواني الذين يذهبون للجهاد في أفغانستان أو في غيرها، ألا يذهبوا إلا بعد رضا والديهم؛ لأن حق الوالدين قُدُّم على الجهاد، ففي "الصحيحين " من حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ أنه سأل النبي ﷺ "أيُّ العمل أحبُّ إلى

стр. 10193

الله؟ " قال: "الصَّلاةُ على وقتها"، قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ ". قال: "برُّ الوالدينِ ". قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ ". قال: "الجهادُ في سبيلِ الله ". فقال ابن مسعود: "ولو استَزَدتُ لزادني " (١) . فنصيحتي لهؤلاء الإخوة أن نقول لهم: أنتم إنما تذهبون إلى أفغانستان لطلب الخير وطلب الجهاد في سبيل الله، وطلب الاستشهاد في سبيل الله، ولكن يجب أن تقيِّدوا هذه العاطفة الجيَّاشة بما تقتضيه السنَّة، والسنَّة تقدِّم حق الوالدين على الجهاد في سبيل الله، فلا تذهبوا إلى الجهاد في أفغانستان أو في غيرها إلا بعد موافقة الوالدين، فإن لم يوافقا على ذلك فلا يجوز الخروجُ إلى الجهاد في سبيل الله. س ٣٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أنا شابٌ أرغب الذهاب إلى الجهاد ولكن أبواي يمنعانني، فهل أذهب بدون أذنهما، علمًا بأنهما ليسا بحاجة لي، ولي عدد من الإخوان ؟ فأجاب بقوله: لا تذهب إلا برضى الوالدين؛ لأن برَّ الوالدين مُقدَّم على الجهاد، ففي "الصحيحين " من حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ أنه سأل النبي ﷺ : " أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ " قال: " الصَّلاةُ

стр. 10194

على وقتها". قلت: "ثمَّ أيٌّ". قال: "برُّ الوالدين ". قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ ". قال: "الجهادُ في سبيل الله " (١) . فجعل النبي ﷺ مرتبة البر قبل مرتبة الجهاد في سبيل الله. س ٣٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: سمعنا من مُحدِّث أن أهل الأعراف هم أناسٌ أو رجال خرجوا للجهاد في سبيل الله، ولم يستأذنوا أهلهم في الخروج للجهاد، ولكنهم خرجوا وقُتِلوا في سبيل الله وماتوا شهداء ولم يدخلوا الجنة ولا النار، فهم على الأعراف حتى يقضي الله فيهم يوم القيامة، فهل هذا صحيح أم لا؟ ثم لو كان صحيحًا وأراد الإنسان الجهاد والهجرة في وقتنا الحاضر، فهل يُعدُّ من أهل الأعراف إذا لم يستأذن والديه للخروج، لأنهما قد لا يأذنان له بذلك، فإذا كان الأمر كذلك، فإنا قد قرأنا في القرآن الحثَّ من الله- والترغيب في الجهاد بقوله تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (٢) ، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ

стр. 10195

ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (١) ، وقال الرسول ﷺ في حثِّه على الجهاد: " مَن مات ولم يغزُ ولم يحدِّث نفسَه بالغزو، مات على شُعبةٍ من نفاقٍ" (٢) أو كما قال ﷺ ، فما قولكم في هذا؟ فأجاب بقوله: قولنا في هذا: أنَّ ما سمعتَ من أنَّ أهل الأعراف هم قوم خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله بدون استئذان أهليهم، هذا ليس بصحيح، فإنَّ أهل الأعراف على ما قاله أهل العلم: هم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا هم الذين غلبت عليهم السيئات حتى أدخلوا في النار؛ ليطهروا من سيئاتهم ولا هم قوم غلبت حسناتهم حتى يدخلوا الجنة، ولكن تساوت حسناتهم وسيئاتهم فكان من حكمة الله- وعدله أن يوقفوا في الأعراف وآخر أمرهم أن يدخلوا الجنة بفضل الله تعالى ورحمته. هؤلاء هم أهل الأعراف. أما ما ذكرت من الجهاد في سبيل الله بدون استئذان الأبوين في ذلك فإذا كان الجهاد تطوعًا فإنك لا تخرج إلا باستئذان الأبوين، وإذا كان الجهاد واجبًا فإنه لا يحتاج إلى إذن الأبوين، بل لك أن تخرج وإن لم تستأذنهما وإن لم يرضيا بذلك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية

стр. 10196

الخالق، اللهم إلا أن يكونا في ضرورة إلى بقائك فحينئذ تقدم دفع ضرورتهما على الجهاد وعلى هذا يحمل قول النبي ﷺ : " ففيهما فجاهد" حيث كانا يحتاجان بل يضطران إلى وجود ابنهما عندهما، وأما خروج الجهاد في سبيل الله والهجرة فإن هذا أمر معلوم بدلالة الكتاب والسنَّة، والجهاد في سبيل الله ذَرْوة سَنَامِ الإسلام، ومن أهمِّ الأعمال الصالحة وأحبها إلى الله- قال تعالى: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) (١) ، وقال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢) . ولكن ليِعُلَم أنَّ الجهاد في سبيل الله ليس هو مجرَّدَ قتال الكفار، بل إنَّ الجهاد في سبيل الله تعالى هو الذي يقاتل فيه الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا فقط، لأنَّ النبي ﷺ سئل عن الرجل يقاتل حَمِيَّةً، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليُرَى مكانه، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ : " من قاتل لِتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا، فهو في

стр. 10197

سبيل الله " (١) . وهذا هو الميزان الحقيقي الصحيح الذي يُعرَف به كون الجهاد في سبيل الله، أو ليس في سبيل الله فمن قاتل دفاعًا عن الوطن لمجرد أنه وطن، فليس في سبيل الله، ومن جاهد عن وطنه؛ لأنه وطن إسلامي يحتمي به عن الكفار، فإنه في سبيل الله، فالميزان الذي ذكره النبي ﷺ ميزان بَيِّن واضح. نعم من قاتل دون ماله، أو دون أهله، أو دون نفسه، وقُتِلَ فهو شهيد، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل دون مالِه فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون أهلِه فهو شهيدٌ، أو دون دَمِهِ، أو دون دينهِ، فهو شهيد" (٢) . س ٣٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ذكرتم في أول إجابتكم أن الجهاد إذا كان تطوعًا، فإنه يستلزم أن يستأذن والديه، وإذا كان واجبًا لم يلزمه ذلك هل لنا أن نعرف الحالات التي يكون

стр. 10198

فيها الجهاد تطوعًا ويكون واجبًا؟ فأجاب بقوله: قال أهل العلم: إنه يجب الجهاد في أحوال: أولاً: إذا استنفره الإمام بأن قال له: اخرج. ثانيًا: إذا حاصره العدو أو حاصر بلده. ثالثاً: إذا كان محتاجًا إليه في الجهاد، بحيث يكون المجاهدون مُفتقِرين إلى وجود هذا الشخص، لكونه يعرف أن يتصرف في الآلات المعيَّنة التي يقاتَلُ بها دون غيره. رابعاً: إذا حضر الصفَّ، فإنه لا يجوز الفِرَار، فإنه من كبائر الذنوب لقول الله تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (١) . وفيما ذلك يكون تطوعاً. س ٣٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إنسان أجنبي في دولة إسلامية كان طالبًا أو عاملاً، ثم حصل استنفارٌ في هذه الدولة للجهاد، فهل على هذا العامل أو الطالب الأجنبي أن يستنفر دون إذن والديه ؟ فأجاب بقوله: إذا كان الجهاد واجباً، فإنه لا حاجة إلى إذن

стр. 10199

الأبوين، لأنَّ الواجب لا يُستأذّنُ فيه البشر، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وكما أنك لا تَستأذِنُ والديك في الحج إذا وجب عليك، فلا تستأذِنْهما أيضًا بالجهاد إذا وجب عليك، أمَّا إذا كان الجهاد تطوعاً، فإنه لا يجوز أن تجاهد إلا بإذن الأبوين. س ٣٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما الحكم إذا أمر الأمير أن ينسحبوا من المعركة خَشيةَ الهلاك؛ لأنَّ العدو باغتهم بأسلحة وعدد ورجال لا قِبَلَ لهم بها، وانسحبوا إلى أماكن أكثر تحصيناً مثل أماكن الجبال لمقاتلة العدو فيها، هل يعتبر هذا فرارًا من الزحف ؟ فأجاب بقوله: هذا من التولِّي الجائز، لأنَّ الله استثنى، حيث قال: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (١) . وهؤلاء متحيزون إلى أماكن آمنة، فلا "يعدون فيمن فَرُّوا من الزحف الفرارَ المحرَّم. س ٣٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حُكم اقتحام المجاهد بمفرده على العدو ومعه سلاحُه بدون إذن أميره، وقد

стр. 10200

يكون في ذلك مفاسد عظيمة عليه وعلى بقية المجاهدين، وإذا قُتِلَ في هذه الحالة هل يكون شهيدًا؟ نرجو التفصيل. فأجاب بقوله: لا يجوز لأحد من أفراد الجيش أن يقاتل أو يتقَدَّم إلا بإذن الأمير، فإن فعل فهو عاصٍ، وكونه يكون شهيدًا أو لا يكون شهيدًا، هذا ينبني على فِعْله هذا، هل هو مُتأوِّلٌ يظن أن ذلك جائز، أو غير متأول؟ إن كان متأولاً فنرجو أن تكتب له الشهادة إذا قُتل، وإن كان غير متأول لكنه مُستبِدٌّ فإن كتابة أجر الشهادة له بعيد، وإن قاتل من أجل الشهادة وحرصًا على قتل العدو فهي نية ناقصة، والكَمَالُ أن يقاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا. س ٤٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: قام أحد الرجال في فلسطين بوضع متفجرات على نفسه، ودخل بين اليهود وقتل أكثر من عشرين يهوديًّا، وجرح قريباً من خمسين وبعضهم يعلل ويقول: إن لم يقتل اليوم قتل غداً، فهل هذا الفعل منه يُعتبرَ انتحارًا، أو يعتبر جهادًا ؟ فأجاب بقوله: هذا الذي وضع على نفسه هذا اللِّباس الذي يقتل، أول من يقتل نفس الرجل، لاشكَّ أنه هو الذي تَسبَّبَ لقتل

стр. 10201

نفسه، ولا يجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحةٌ كبيرة للإسلام، لا لقتل أفرادٍ من الناس لا يمثِّلون الرؤساء ولا يمثلون القادة لليهود، أما لو كان هناك نفعٌ عظيم للإسلام لكان ذلك جائزًا. وقد نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ على ذلك، وضرب لهذا مثلاً بقصة الغلام المؤمن الذي كان في أُمَّة يَحكُمُها رجل مشرك كافر، فأراد أن يقتله هذا الحاكم الشرك الكافر، فحاول عدَّة مرات: مرة يلقي هذا الغلام من أعلى الجبل. ومرَّة يلقيه في البحر، ولكنه كلما فعل ما يُهلِكُ به هذا الغلام نجا، فتعجب الملك الحاكم، فقال له الغلام يومًا من الأيام: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم، وما فعلتُ هذا إلا لقتلك، قال: اجمع الناسَ كلَّهم، ثم خذ سهمًا من كِنَانتي واجعله في القوس، ثم ارمني به، ولكن قل بِاسمِ رب هذا الغلام، باسم رب هذا الغلام، وكانوا إذا أرادوا أن يُسَمُّوا سمَّوا باسم الملك، لكن قال: قل: باسم رب هذا الغلام، فجمع الناس ثم أخذ سهمًا من كِنانته ووضعها في القوس وقال: باسمِ رب هذا الغلام، وأطلق القوسَ فضربه فهلك، فصاح الناس كلهم الرب رب الغلام، الرب رب الغلام (١) وأنكروا رُبوبيَّة هذا الحاكم

стр. 10202

المشرك، أنكروه لأنَّهم قالوا: هذا الرجل مشرك، فالحاكم فعل كل ما يمكن أن يهلك به هذا الغلام ولم يَهلِكْ ولما جاءت كلمة واحدة: باسم رب هذا الغلام، هلك. إذن مدبِّر الكون هو هذا الرب، يقول شيخ الإسلام: هذا حصل فيه نفعٌ كبير للإسلام، وإلا من المعلوم أن هذا الغلام تسبب بقتل نفسه لا شك، لكنَّه حصل فيه نفع كبير، آمنت أمَّة كاملة. فإذا حصل مثلُ هذا فيقول الإنسان أنا أفدي ديني بنفسي ولا يهمُّني، أما مجرد أن يقتل عشرة أو عشرين أو ثلاثين، ثم ربما تأخذ اليهود بالثأر فتقتل مئات، ولولا ما يحاولون اليوم من عقد الصُّلح والسَّلام كما يقولون، لرأيتَ فِعالهم في الانتقام من الفلسطينيين بهذه الفَعْلة التي فعلها هذا الرجل. س ٤١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأي الشرع في الأعمال الانتحارية التي يؤمر بها الجندي في ميدان الحرب ؟ فأجاب بقوله: أولاً: لا أحبُّ أن يوجه السؤال لشخص باسم ما رأي الإسلام؟ أو ما رأي الشرع؟ لسببين: السبب الأول: أن الشرع لا يصح أن نقول: إنه رأي، بل الشرع شريعة ومنهاج من لدن حكيم عليم، شريعةٌ ومنهاج مبنيٌّ على عقيدة وإيمان بالله ، وليس فكرًا أو رأيًّاً، ولهذا أرى أنه

стр. 10203

من الخطأ أن نعبِّر فنقول: الفكر الإسلامي، مثلاً، ولكن نقول: المفكر الإسلامي، لا بأس، فنجعل ذلك وصفًا للرجل المسلم، أما أن نجعل الفكر نفسه هو الإسلام فهذا خطأ. السبب الثاني: أن كلمة " رأي الشرع ". معناها: أن هذا الموجَّه إليه هذا السؤال إذا تكلم وأجاب فإنما يجيب بالشرع، ولا شك أن هذا على خطر عظيم؛ لأن الإنسان قد يخطئ في حكمه، فإذا أخطأ في حكمه ونحن ننسب ما يقول إلى الشرع فمقتضاه أننا نخطِّئ الشرع. لذلك أرجو أن يكون التعبير: ما حكم الشرع في نظركم مثلاً، أو ما ترى في كذا وكذا؟ حتى إذا أخطأ الإنسان كان خطؤه على نفسه، ليس على الشرع. أما الجواب على صُلْب السؤال: فالذي أرى في المسألة ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ أنه إذا كان في هذا مصلحةٌ كبيرة للمسلمين، فإن ذلك لا باس به، كما لو كان فيه نصر للإسلام، أما إذا كان هذا الانتحار يؤدِّي إلى قتل رجل أو رجلين أو عشرة من الأعداء، فإنِّه لا يجوز. س ٤٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: العمليات الانتحارية أفتى بعض العلماء بجوازها، فما رأي فضيلتكم ؟

стр. 10204

فأجاب بقوله: نرى أن العمليات الانتحارية التي يتيقن الإنسان أنه يموت فيها حرامٌ، بل هي من كبائر الذنوب؛ لأن النَّبي ﷺ أخبر بأنَّ "من قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة" (١) ولم يستثنِ شيئًا بل هو عامٌّ؛ ولأنَّ الجهاد في سبيل الله المقصودُ به حماية الإسلام والمسلمين، وهذا المنتَحر يُدمِّر نفسه وُيفقَد بانتحاره عضو من أعضاء المسلمين، ثمَّ إنَّه يتضمن ضررًا على الآخرين؛ لأنَّ العدو لن يقتصر على قتل واحد، بل يقتل به أُمماً إذا أمكن؛ ولأنه يحصل من التضييق على المسلمين بسبب هذا الانتحار الجزئي الذي قد يقتل عشرة أو عشرين أو ثلاثين، يحصل ضررٌ عظيم، كما هو الواقع الآن بالنسبة للفلسطينيين مع اليهود. وقولُ من يقول عن هذا: جائز، ليس مبنيًّا على أصل، إنما هو مبني على رأي فاسد في الواقع؛ لأنَّ النتيجة السيئة أضعاف أضعاف ما يحصل بهذا، ولا حجَّة لهم في قصَّة البراء بن مالك- ﵁ في غزوة اليمامة حيث أَمر أصحابه أن يُلْقُوه من وراء الجدار ليفتح لهم الباب (٢) ، فإن قصة البراء ليس فيها هلاكٌ محقق ولهذا نجا وفتح

стр. 10205

الباب ودخل الناس، فليس فيها حُجَّة. بقي أن يقال: ماذا نقول في هؤلاء المعينينَ الذين أقدموا على هذا الفعل؟ نقول: هؤلاء متأوُّلون أو مُقتَدون بهؤلاء الذين أَفتَوْهم بغير علم ولا يلحقهم العقاب الذي أشرنا إليه؛ لأنهم كما قلتُ لكم متأوِّلون أو مهتدون بهذه الفتوى، والإثم في الفتوى المخالفة للشريعة على مَن أفتى. س ٤٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: استحلَّ بعضُ الناس جواز قتل النفس، أو ما يسمونه بالعمليات الانتحارية بحديث ذكره مسلم في "صحيحه " في قصة الغلام (١) ، فهل استدلالهم هذا صحيح ؟ فأجاب بقوله: هذا صحيحٌ في موضعه، يعني إذا وُجِدَ أنَّ قتل هذا الإنسان نفسه يحصل به إيمان أُمة من الناس، فلا بأس؛ لأن هذا الغلام لما قال للملك: خذ سهمًا من كِنانتي ثم قل: باسم رب هذا الغلام، فإنك سوف تصيب، ففعل الملك، ماذا صار مقام الناس؟ آمنوا كلهم، هذا لا بأس.

стр. 10206

لكن الانتحاريين اليوم لا يحصل من هذا شيء، بل ضد هذا، إذا قُدِّر أنه انتحر، أول من يقتل نفسه ثم قد يقتل واحدًا أو اثنين وقد لا يَقتُل، لكن ماذا يكون انتقام العدو؟ كم يقتل؟ يقتل الضِّعف، أو أكثر، ولا يحصل لا إيمان ولا كفٌّ عن القتل، هذا هو الرد عليهم نقول: إذا وجد حالة مثل هذه الحالة، فإنَّ النبي ﷺ لم يقصَّها علينا لنسمعها كأنها أساطير الأولين، وإنما قصَّها علينا لنعتبر، فإذا وجد مثل هذه الحالة فلا بأس. وبعضهم يستدل بقصَّة البراء ابن مالك- ﵁ في غزوة اليمامة، حيث حاصروا حديقة مُسيِلمة والباب مغلق وعجزوا، فقال البراء: أَلقُوني من وراء السور وأفتح لكم، فألقوه وفتح. (١) هذا ليس فيه دليل، لأنَّ موته غير مؤكد، ولهذا لم يقتل وفتح لهم الباب، لكن المنتحر الذي يربط نفسه بالرصاص والقنابل هل ينجو أم لا ينجو؟ قطعًا لا ينجو، ولولا حُسنُ نيتهم لقلنا: إنهم في النار، يُعذَّبون بما قتلوا به أنفسهم.

стр. 10207

رسالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم....... حفظه الله وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الأعمال الانتحارية التي يقوم بها بعض الناس، ليقتل منْ يقتل من العدو. ويكون هو أول من يموت بها، يعتبر القائم بها قاتلاً لنفسه معذباً في النار بما قتل به نفسه. ولقد نهى الله عباده أن يقتلوا أنفسهم فقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (١) وعدّ العلماء قتل النفس من كبائر الذنوب، لشدة الوعيد فيه عن رسول الله ﷺ ففي الصحيح عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جنهم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً" (٢) . ولم يستثن الله ولا رسوله ﷺ من هذا أحدا. وأما ما ورد عن بعض الصحابة: من خرق صفوف الكفار أو

стр. 10208

الدخول في حصنهم، فالقتل فيه غير مؤكد لاحتمال السلامة، ولذلك سلموا كما في قصة البراء بن مالك في وقعة اليمامة حين ألقوه في حصن مسليمة، ففتح الباب للمسلمين فدخلوا (١) . لكن هؤلاء الانتحاريون في زمننا، يفعلون ذلك اجتهاداً منهم، وجهلاً بحكم الشرع، فيرجى أن يعفو الله عنهم؛ لأن لهم نوعاً من العذر، وإن كان قد حصل منهم تفريط حيث لم يسألوا العلماء المحققين عن حكم هذا العمل قبل أن يقدموا عليه؛ لأن هذا عمل خطير فيه قتل الفاعل لنفسه، وربما يقتل من لا يحل قتله من النساء والصبيان، وربما يترتب على فعله أن يجازى هو وقومه بأعظم ضرراً مما فعل. وإني أنصح كل عامل ألا يقدم على أمر خطير كهذا حتى يسأل أهل العلم الذين هم أهله الذين يحكّمون الشرع والحكمة دون العاطفة المجردة. وأسأل الله الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى. حرر في ٧/٥/١٤١٦ هـ

стр. 10209

س ٤٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأي سماحتكم في قول من قال عن العمليات الانتحارية ما يلي: لا فرق مؤثر في الحكم بين أن يقتحم المجاهدُ صفَّ الأعداء بسلاحه وهو مقتول حتمًا لكن بسلاح العدو، وبين أن يقتحم صفَّهم بالمتفجرات فهو مقتول حتمًا، لكن مع الإثخان الشديد في صفوف العدو؟ والخلاصة أنَّ العمليات هذه لا تُعَدُّ انتحارًا، لأن الانتحار هو إهلاك للنفس وهو محرَّم، أما هذه العمليات فهي إهلاك للنفس في سبيل الله وهو المرغَّب به ؟ فأجاب بقوله: أرى أنَّ الأعمال الانتحارية حرام، لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (١) ، وأن المنتحر قاتلٌ نفسَه مُستحِق لأن يعذب في جهنم بما قتل نفسه به كما جاءت به السنَّة، ولا يصحُّ قياس فعله على من انغمس في صفوف الكفار مع غَلَبة الظن أنه سيُقتَل، لأن هذا قد ينجو كما يقع كثيرًا، وأمَّا المنتحر فميتٌ لا محالة، ولأنه إن قُتل فقد قتل بسلاح غيره، والمنتحر قاتل نفسه بسلاحه. ثم إن الغالب أن الضَّررَ الحاصل بهذه الأعمال الانتحارية أكثر من النفع، فالعدو ينتقمُ بأكثر، ويحصل على تعاطف دولي واسع،

стр. 10210

والمنتحر يشوِّه سمعة قومه ويُحدِثُ كراهية الشعوب لهم. لكن ربما يقال بجواز الانتحار فيما ورد بمثله الحديثُ عن النبي ﷺ فقد روى مسلم في "صحيحه " قصة الغلام الذي حاول الملك أن يقتله، فبعث به إلى جبل ليُطرَحَ منه، وإلى البحر ليُغرَقَ فيه، فأنجاه الله، وجاء إلى الملك وقال: إنَّك لستَ بقاتلي حتى تفعل ما آمُرُك به، قال: وما هو؟ قال: تجمعُ الناسَ في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كِنانتي وضعه في كَبِدِ القوس، ثم قل: باسمِ الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنَّك إذا فعلتَ ذلك قتلتني، ففعل الملك ذلك فقتله، فقال الناس: آمنَّا برب الغلام، آمنَّا برب الغلام، آمنَّا برب الغلام، الحديث. (١) فإذا كان في الانتحار نصرٌ كبير للإسلام، بحيث يؤدي إلى الدخول في الإسلام، فهذا قد يقال: إنه جائز، قياسًا على ما ورد في هذا الحديث. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٩/١/١٤١٨ هـ.

стр. 10211

س ٤٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأي سماحتكم في الإضراب عن الطعام فكثيرًا ما نسمع في الإذاعات ونقرأ في الصحف، أن أُناسًا يُضربون عن الطعام احتجاجًا على بعض الأحكام، وهؤلاء غالبًا ما يكونون من المسجونين، فما حكم من تُوفِّىَ وهو مُضربٌ عن الطعام ؟ فأجاب بقوله: حُكم من توفي وهو مضرب عن الطعام، أَنَّه قاتل نفسه وفاعل ما نهى عنه الله تعالى، فإن الله يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (١) ، ومن المعلوم أن من امتنع عن الطعام والشراب لابدَّ أن يموت، وعلى هذا فيكون قاتلاً لنفسه، ولا يحلُّ لإنسان أن يُضرِبَ عن الطعام والشراب لمدة يموت فيها، أما إذا أضرب عن ذلك لمدة لا يموت فيها، وكان هذا السبب الوحيد لخلاص نفسه من الظلم، أو لاسترداد حقه فإنَّه لا بأس به إذا كان في بلد يكون فيه هذا العملُ للتخلص من الظلم، أو لحصول حقِّه، فإنَّه لا بأس به، أما أن يَصِلَ إلى حدِّ الموت فهذا لا يجوز بكل حال.

стр. 10212

س ٤٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز قتل الكافر إذا اشتدَّ القتال ونطق بالشهادتين ؟ فأجاب بقوله: إذا نطق بالشهادتين فإنه لا يجوز قتلُه، اشتدَّ القتال أو لم يشتد؛ لأن النبي ﷺ أنكر على أسامة بن زيد- ﵁ قَتْلَه مشركاً بعد أن قال: لا إله إلا الله، وجعل يردِّد على أسامة: "أقتلته بعدَ ما قال: لا إله إلا الله "؟ حتى قال: "إنَّما قالها تعوُّذًا "، فأنكر عليه ﷺ ، وقال أسامه: تمنَّيت أني لم أكن أسلمت. (١) أما إذا قال: أشهد أنَّ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وبقي في صف الكفار فاقتله، لكن إذا قال هذا وخرج فهذا يدلُّ على صدقه، فإن بقي فهو- وإن كان مسلمًا- فقد أعان الكفار على المسلمين، فيَحِلُّ قتله، وهو بنيته عند الله، وإن كان مشركًا وقالها بلسانه فقد استحق القتلَ. س ٤٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أحيانًا إذا اقتحم المجاهد العدو وبينه وبينه ألغام فربما يهلك أو ينجو ويصل إلى العدو. وأحيانًا يأمر الأمير رجلاً بالتقدم نحو العدو، وأمامه ألغام مزروعة، فربما يطأُ على لغم فيقتل، ولكن يشق الطريق لبقية

стр. 10213

المجاهدين، وربما ينجو فما حُكْم ذلك في المسألتين، وهل يكون ألقى نفسه في التَّهلُكَة؟ وإن قُتِل هل يكون شهيدًا؟ فأجاب بقوله: إذا علم أن هذه الألغام مزروعة وأنها لابد أن تقتله، فإنه لا يحلُّ له أن يُقدِمَ؛ لأنَّ هذا يُقدِمُ على أنه ميت. وأمَّا إذا لم يكن عنده علم، فله أن يُقدِمَ، وإذا أَقدَم في الحالة التي لا يجوز له فيها الإقدامُ فإنه لا يكون شهيدًا، وإذا كانوا جماعة فمن بابٍ أشدَّ، لأن قتل واحد ولا قتلْ جماعة، والمهم أنه متى علم أنه يموت فإنه لا يحلُّ الإقدام. س ٤٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حُكم القول بجواز الجهاد دون إذن من أحد لعدم وجود الإمام أو تخاذُلِه أو تكاسله ؟ فأجاب بقوله: هذا غير صحيح، الجهاد ماضٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة، ولكنَّ الجهاد يجب أن يكون مدبرًا من قِبَلِ وليِّ الأمر؛ لأنه إذا كان غير مُدَبَّر من ولي الأمر، صار فيه فوضى وصارت كل طائفة تفتخر على الأخرى بأنها هي التي فعلت كذا، وفعلت كذا وفي التالي ربما لا تُحمَد العاقبة، كما جرى في أفغانستان مثلاً، فإن الناس- لا شك- ساعدوا الأفغانيين مساعدة عظيمة بالغة وكانت النتيجة ما تسمعون الآن.

стр. 10214

س ٤٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إمامٌ عندنا خطب يوم الجمعة، فقال: لا يشترط في الجهاد الآن إذن الإمام لعدم وجود إمام عام للمسلمين، ومن قال غير هذا فقد جانب الصواب . فأجاب بقوله: لابدَّ من إمام، لكن الإمام العام بمعنى: أن يكون إمام على كل الأمة، هذا شيء مضى منذ مدة طويلة، لكن الإمام الخاص الذي ينتمي إليه هذا المجاهد، لا بدَّ أن يأذن له. أما الجهادات التي تكون من فئات، فقد تبيِّن الآن أن نتيجتها ليست على المطلوب، ولا يُحتاج أن نُمثِّلها لكم؛ لأن الأمر واضح عندكم، وهذه تُشْبِه العصابات، ولهذا حصل منها الشر والفساد بعد ذلك ما هو معلوم الآن، حتى صار الذين يقاتل من أجلهم صاروا هم بأنفسهم يقتتلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. س ٥٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل تجوز الإغارة على العدو بدون سابق إنذار ؟ فأجاب بقوله: هذه المسألة فيها تفصيل: ١- إن كان العدو قد بلغته الدعوة، فهذا تجوز الإغارة عليه بدون إنذار. ٢- إذا لم تبلغه الدعوة فهنا يجب دعوته، فإن امتنع من قبول الدعوة

стр. 10215

فإنه يقاتل. كما يدل عليه حديث بريدة بن الحصيب ﵁: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال وذكر منها: ادعهم إلى الإسلام، فإن أبوا فاسألهم الجزية، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم (١) . س ٥١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ثبت في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "مَن مَات وليس في عُنُقه بيعةٌ لأحد، مات ميتةً جاهليةً ". (٢) ومعلومٌ أنه في أكثر بلاد المسلمين اليوم، لا يتحققُ هذا الأمر، وأنه ليس في عنقهم بيعة لأسباب كثيرة منها: الاضطرابات السياسية، والانقلابات، وغيرها، فكيف يخرج المسلمون في تلك البلاد من هذا الإثم وهذا الوعيد؟ جزاكم الله خيراً . فأجاب بقوله: المعروف عند أهل العلم أن البيعة لا يلزم منها رضا لواحد وأن من المعلوم أن في البلاد من لا يرضى أحدٌ من الناس أن يكون وليًّا عليه، لكن إذا قهر الولي وسيطر وسادت له

стр. 10216

السُلطة، فهذا هو تمَامُ البيعة لا يجوز الخروج عليه إلا في حال واحدة استثناها النبي ﷺ ، فقال: "إلا أن تَروا كُفرًا بَواحًا عِندَكُم فيه من الله برهانٌ ". (١) أولاً: "إلا أن تروا ": والرؤية إما بالعين أو بالقلب، الرؤيا بالعين بصرَّية وبالقلب علمية، بمعنى أننا لا نعمل بالظن، أو بالتقديرات، أو بالاحتمالات، بل لابدَّ أن نعلمَ علمَ اليقين. ثانياً: أن نرى كُفرًا لا فسوقاً فمثلاً: الحاكم لو كان أفسق عباد الله عنده شرب خمر وغيره من المحرمات وهو فاسق، لكن لم يخرج من الإسلام، فإنه لا يجوز الخروج عليه، وإن فُسِّقَ لأنَّ مفسدة الخروج عليه أعظمُ بكثير من مفسدة معصيته التي هي خاصة به. ثالثاً: قال "بواحًا": البواح يعني: الصريح، والأرض البواح: هي الواسعة التي ليس فيها شجر ولا مدر ولا جبل، بل هي واضحة للرؤية، لابدَّ أن يكون الكفر بواحاً ظاهرًا لا يشك فيه أحد، مثل أن يدعو إلى نَبذِ الشريعة، أو يدعو إلى ترك الصلاة وما أشبه ذلك من الكفر الواضح الذي لا يَحتَمِل التأويل، حتى إنه لا يجوز الخروج

стр. 10217

عليه حتى وإن كُنا نرى نحن أنه كفر وبعض الناس يرى أنه ليس بكفر، فإنه لا نجيز الخروج عليه؛ لأن هذا ليس بواحًا. رابعاً: "عندكم فيه من الله برهان "، أي دليلٌ واضح وليس مجرد اجتهاد أو قياس، بل هو بيّنٌ واضح أنه كفر، فحينئذ يجوز الخروج. ولكن هل معنى جواز الخروج أنه جائز بكل حال، أو واجب على حال؟ لا، لابدَّ من قُدرة على مُنَابَذَةِ هذا الوالي الذي رأينا فيه الكفر البواح، لابدَّ من قُدرة، أما أن نخرج عليه بسكاكين المطبخ وعوامل البقر، ولديه دبابات وصواريخ، فهذا سَفهٌ في العقل وضلال في الدين؛ لأن الله لم يُوجب الجهاد على المسلمين حين كانوا ضُعفاء في مكة، ولو شاؤا لاغتالوا كُبراءهم وقتلوهم، لكنه لم يأمرهم بهذا، ولم يأذن لهم به؛ لعدم القدرة، وإذا كانت الواجبات الشرعية التي لله- تسقط بالعجز، فكيف هذا الذي سيكون فيه دماء. ليس إزالة الحاكم بالأمر الهين، مجرد ريشة تنفخها وتذهب، لابدَّ من قتال معه، وإذا قُتِل فله أعوان، والمسألة ليست بالأمر الهين حتى نقول بكل سهولة نزيل الحاكم أو نقضي عليه وينتهي كل شيء، فلابد من القدرة. والقدرة الآن ليست بأيدي الشعوب فيما أعلم، والعلم عند الله

стр. 10218

عز وجل ليس بأيدي الشعوب قدرة على إزالة مثل هؤلاء القوم الذين نرى فيهم كفرًا بواحًا. ثم إن القيود التي ذكرها النبي ﷺ قيودٌ صعبة، من يتحقق من هذا الحاكم مثلاً علمنا أنه كافر علم اليقين، نراه كما نرى الشمس أمامنا ثم علمنا أن الكفر بواح، لا يحتمل التأويل وليس فيه أي أدنى لبس، ثم عندنا دليل من الله برهان قاطع، هذه قيود صعبة، أما مجرد أن يظن الإنسان أن الحاكم قد كفر، فهذا ليس بصحيح، لابدَّ من إقامة الحجة وما ضرَّ الأمَّةَ أول ما ضرَّها في عهد الخلفاء الراشدين- ﵃، إلا التأويل الفاسد والخروج على الإمام. فالخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب- ﵁ قالوا: لأنه حَكَّمَ غير القرآن، كانوا بالأول معه على جيش معاوية، ولما- رضي بالصلح والتحاكم بالقرآن قالوا: أنت الآن حكَّمت آراء الرجال ورضيت بالصلح فأنت كافر، نريد مقاتلتك، فانقلبوا عليه، بماذا؟ بالتأويل وليس كل ما رآه الإنسان يكون هو الحق، قد ترى أنت شيئًا محرمًا، أو شيئًا معصية، أو شيئًا كفرًا، وغيرك لا يراه كذلك. ألسنا نرى نحن أنَّ تارك الصلاة كافر؟ نرى ذلك لا شك، لكن يأتي غيرنا يقول: ليس بكفر.

стр. 10219

والذي يقول ليس بكفر، هم علماء وليسوا أهل هوى، بل علماء لكن هذا هو اجتهادهم. فإذا كان العلماء أهل الفقه قد يرون ما هو كفر في نظر الآخرين ليس بكفر، فما بالك بالحكام الذي قد يكون بعضهم عنده من الجهل ما عند عامة الناس. فالمهمُّ إن هذه المسائل مسائل صعبة وخطيرة، ولا ينبغي للإنسان أن ينقاد وراء العاطفة أو التهييج، بل الواجب أن ينظر بنظر فاحص متأني مُتريث، وينظر ماذا يترتب على هذا الفعل، فليس المقصود أن الإنسان يبرِّدُ حرارة غَيْرَتِه فقط، بل المقصود إصلاح الخطأ، ولا شك أن الإنسان يلحقه أحيانًا غيرة ويمتلئ غيظًا مما وقع، أو يقع من بعض الولاة، لكن يرى أن من المصلحة أن يعالج المشكلة بطريقة أخرى غير التهييج، وكما أقول لكم: إن بعض الناس يظنُّ هذا سبباً يقتضي الضغط على ولي الأمر، حتى يفعل ما يرى هذا القائل أنه إصلاح، ولكن هذا غير مناسب في مثل بلادنا. س ٥٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأيكم فيمن يقول إن أحاديث السمع والطاعة لولاة الأمر تنصرفُ إلى القائد العام الذي يقود المسلمين جميعًا ؟

стр. 10220

فأجاب بقوله: رأينا أن هذا ليس بصحيح، بل كلُّ وليٍ أُمِّر تجب طاعته، حتى الرجل في أهل بيته يجب على أهل البيت طاعته ما لم يأمرهم بمعصية الله، حتى القوم الثلاثة إذا سافروا وأَمَّروا أحدهم وجب عليهم طاعته، لعموم الأدلَّة الدالَّة على وجوب طاعة الأمير، ثم إن الخليفة الواحد على سائر الأمَّة هذا قد انقضى زمنه منذ عهد بعيد، من حين انقرض الخلفاء الراشدون الأربعة ﵃، تمزقت الأمة فبنو أُمَّية في الشام وما حوله، وعبد الله بن الزبير في الحجاز وما حوله، وآخر في المشرق وما حوله، وآخرون في اليمن، تمزقت الأمَّة، ومع ذلك فكلُّ العلماء الذين يتكلَّمون على وجوب السمع والطاعة. يتكلمون على وجوب السمع والطاعة في عهدهم مع تفرُّق الأمة، وكل إقليم أو ما أشبه، فيه أمير يختص به. وعلى هذا الرأي الفاسد الباطل معناه الآن ليس لأُمتنا إمام، والأُمَّة الآن تعيش في أمرٍ جاهلي، ليس هناك إمام ولا مأموم ولا سلطان ولا مُسلَّط عليهم، ثم نقول لهؤلاء: إن كنتم صادقين أوجِدُوا لنا إمامًا عامًا للأمة، طبعاً لا يستطيعون، اللهم إلا إذا ظهر مهدي فهذا أمره إلى الله- .

стр. 10221

س ٥٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز وطئ المسبيَّة قبل تقسيم الغنيمة؟ وهل إذا وُطئَت المسبية قبل التقسيم هل يعتبر واقعًا في الزنا، وإن لم يكن كذلك، فما حُكمه؟ وما الواجب على ولي الأمر تجاه من فعل ذلك ؟ فأجاب بقوله: لا يجوز للإنسان أن يطأ المسبية حتى تقسم الغنائم ويتبين ما لكل واحد من الغانمين، فإن فُعِلَ فهو إثم ولكن ليس كالزنا الصريح؛ لأن له في ذلك شبهة حيث أنه شريك في هذه المسبية وعلى القائم الذي يتولى شؤون الجيش أن يفعل ما يراه أنفع بالنسبة لهذا الرجل؛ لأنه قد يكون جاهلاً فلا يحتاج إلى تعزير، وأما الحد فلا يجب عليه بكل حال لأن له في هذه المسبية شبهة. س ٥٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حُكم الغُلول من الغنائم قبل التقسيم، ولو عُرِفَ الغالُّ هل يُخَبرُ عنه أم لا؟ وإذا أُخبر عنه ربما تحصل مفسدة بذلك ؟ فأجاب بقوله: الغلول من الغنيمة قبل قسمها من كبائر الذنوب، قال تعالى: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، (١) ويجب على من رأى

стр. 10222

غالاً أن يُخبر عنه، والمفسدةُ التي تتوهم من الإخبار مغمورةٌ في جانب المصلحة؛ لأن الغانمين إذا تُرِكوا وغلولهم، فَسَدَ الجهاد وصار المجاهدون لا يجاهدون إلا من أجل الغلول فالواجب الإخبار عنه، ويجب على الأمير أن يُعامِلَ الغال بما تقتضيه الشريعة. وقد ذكر العلماء أن الغال يحرق رَحْلُه كله إلا السلاح، وأنه إذا رأى الأمير أن يحرمه من الغنيمة، فله ذلك. س ٥٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما الحُكم إذا أخذ المجاهدون أخشاب البيوت المهجورة من السكان، والسكنى فيها، وقد يكون أهلها معروفين، ولكنهم هاجروا عنها بسبب الحروب علمًا بأنَّ المجاهدين يحتاجون إلى ذلك ؟ فأجاب بقوله: أمَّا إذا كانت هذه البيوت بيوتًا للكفار، فإنها مغنومة، وللغانمين أن يتصرفوا فيها بما يرونه مصلحة أو لحاجة. وأما إذا كانت مساكن مسلمين، فإنه لا يجوز أن تُغنَم ما دام أهلها معروفين، فإن كانوا مجهولين فإنها تكون في بيت المال.

стр. 10223

س ٥٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: نرجو الجواب بالتفصيل عن الغنائم وكيفية تقسيمها، مع الدليل إن أمكن . فأجاب بقوله: هذا يرجع فيه إلى ما قاله الفقهاءُ في كتاب الجهاد وقسمة الغنائم، وهو يطول. لكنَّه إجمالاً تقسم الغنائم، أولاً على خمسة أسهُم، أربعة أسهم منها للغانمين، وسهم يقسم على خمسة أسهم أيضًا مذكورة. في قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) . (١) هذا إجمالاً، أما تفصيلاً فهي معروفة في كتب الفقهاء. س ٥٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حُكم أخذ الشظايا، وهى عبارة عن قِطَع حديد تكون غالباً صغيرة، وتوجد في أرض المعركة يجمعها المجاهدون والفقراء وغيرهم من عامة الناس، ويبيعونها في السوق، ما حُكم أخذهم قطع الحديد وبيعها لأنفسهم؟ وما حكم جمعها، وأكل ثمنها لأصحاب المراكز التي رميت عليهم القذائف؟ علمًا أنَّ هذه القطع لا تُجمع مع الغنائم ،

стр. 10224

وإنما يأكلها الصدأ إذا لم يأخذها الفقراء، ولا تُجمع مع الغنائم لصعوبة جمعها، فهل يعتبر أخذها من الغلول؟ فأجاب بقوله: الظاهرُ لي أنَّ أخذها ليس من الغلول؛ لأنَّها شيء مزهودٌ فيه ولا يرفع به الرأس، فهو إن أخذ انتفع به وصار فيه مصلحة، وإن ترك أكله الصدأ. س ٥٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أحيانًا عندما نرجع من عملية اقتحام ويكون معنا أسرى العدو، لا نأمن من الطريق من وجود ألغام فنُقدِّمُ الأسرى فربما يقتلون وينجو المجاهدون، فما حُكم هذا العمل؟ وأحيانًا نُقدِّم المواشي في هذه الطرق فما الحكم ؟ فأجاب بقوله: أما تقديمُ المواشي فلا بأس، وأما تقديم الأسرى فلا يجوز؛ لأنَّ الرسول ﷺ يقول: " إذا قَتلتُم فَأَحسنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبحتُم فأحسنوا الذَّبح ". (١) وتقديمهم ليس من الإحسان، ولأنه قد يستفاد من الأسرى، لكن إذا رأى قائد الجيش أن ذلك أنكى للعدو وأصلح للمسلمين، وأن في هذه الطريقة حماية المسلمين فلا بأس.

стр. 10225

س ٥٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: المسبية، إذا كان معها أولادها وأسلمت، فما حكم أولادها بعد التقسيم ؟ فأجاب بقوله: أولاد الكفار- أعني بذلك الذين لم يبلغوا- يكونوا أرقَّاء بمجرد السبي، فحُكمُهم حكم أُمهاتهم. س ٦٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل كل ما يوجد على الكافر المقتول في أرض المعركة يجوز سلبه، أم من الأموال التي توجد عليه ما يرد إلى الغنائم ؟ فأجاب بقوله: لا ليس كل شيء يكون من السلب، إنَّما السلب ثيابه وسلاحه وما أشبه ذلك، أمَّا راحلته التي هو عليها فهذه تضاف إلى الغنيمة، مثل لو كان قائد دبابة أو قائد طائرة وما أشبه ذلك، فهذه ترد إلى الغنيمة. س ٦١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل تُعد مثلاً الساعة والمحفظة التي فيها النقود من السلب ؟ فأجاب بقوله: أما الساعة فهي من السلب، وأما النقود لا أُفتى فيها، لا أعلم الآن ماذا تكون.
следующие страницы →