بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم:.... أمير الجماعة
المسلحة في منطقة الجزائر حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فإن الله تعالى قال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) . (١) وقال- : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) . (٢) وقال النبي ﷺ : "كُونوا عباد الله إخوانًا" (٣) وقال ﷺ أيضاً: "المسلم أخو المسلم " (٤) .
ولقد مَنَّ الله تعالى على كثير من إخواننا في الجزائر، فألقوا السلاح وأطفئوا الفتنة، وحصل لهم وللشعب الجزائري خيرٌ كثير، وإنَّا
стр. 10257
لنرجو الله- أن تكونوا- أيها الأمير- مثلهم عن قريب، والأمور التي فيها اختلافٌ بينكم يمكن حلها بالطُرُقِ السلمية والتفاهم، وسيتمُّ ذلك إن شاء الله مع نية الإصلاح وسلوك الطريق الموصل إلى ذلك، قال الله تعالى في الحَكَمين في شِقَاق الزوجين (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) . (١) آمل منكم أيُّها الأمير أن تُبادِروا بالإصلاح ووضح السلاح، وفقكم الله للخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه/محمد الصالح العثيمين يوم الجمعة ١٤ ربيع الأول سنة
١٤٢١ هـ عنيزة/الجامع الكبير.
стр. 10258
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نَبيِّنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
إلى فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فهذا ما يَسَّر الله- لنا نَقلِه مما سَجَّلنا من المكالمة الهاتفية، نرجو جزاكم الله خير الجزاء مراجعته وتعديل ما يحتاج إلى تعديل، ومن ثم إرساله لنا لنشره على الإخوة هنا (١) ، لعل الله جلَّ
وعلا أن ينفع بذلك عباده الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
* السؤال الأول: فإنه لما كَثُرَ الجَدَلُ بين المسلمين بسبب الأزمة الأخيرة التي أصيب بها المسلمون، واستفسار كثير منهم بما يتعلق بفتوى بعض العلماء بجواز دخول القوات الأجنبية إلى الأراضي
السعودية، ومن باب الحرص على إظهار الحق، وكشف الشبه
стр. 10259
واللَّبس فقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين عن طريق الهاتف بالسؤال التالي-: كثيرٌ من المسلمين يسألون عن شرعية الفتوى المتعلقة بالتواجد الأجنبي في الأراضي الإسلامية في الجزيرة
العربية؟ وعن اعتماد العلماء بفتواهم هذه؟
فأجاب بقوله: اعتماد العلماء بفتواهم هذه، على القاعدة المعروفة المشهورة لأهل العلم، والتي دلَّ عليها كتاب الله ، وهو اتقاء أشد الضررين بأخفهما، فإن العلماء لما رَأوا ما حصل
للكويت، قالوا: إن هذا الذي حصل للكويت يخشى أن يحصل مثله على السعودية، فالضرر الحاصل به أعظم من الضرر الحاصل بالاستعانة بالكفار، ثم إن هناك تأكيدات نسأل الله أن تحقق، وهى
أن هؤلاء الكفار سيرحلون عن البلاد بمجرد ما يزول الخطر، فمن ثم قالوا: إننا ندفع أشدَّ الضررين بأخفهما، وليس هذا من باب الاستعانة التي تكلَّم عليها أهل العلم، بحيث يستعين الجيش المكوَّن
من عدد كثير برجل أو رجلين من الكفار؛ لأن الاستعانة- أعنى ما تكَّلم عليه أهل العلم-، قد لا تصل إلى الحد الذي وصلت إليه الحال فيما استند إليه العلماء بفتواهم.
أما أن هذه الفتوى حصل بها فتنة، وكل تكلم، فهذه هي سُنَّة الفِتَن أن كل واحد يتكلَّم، وأن الناس يكون عندهم هوى يَعصِفُ
стр. 10260
بالعقول، فينظرون إلى جهة بعين ويعمون عن الجهة الأخرى، فينظرون إلى الواقع بعين أعور، لا يرى إلا من جانب واحد.
وإلا فإن الواجب أن العاقل ينظر إلى الحدث من جميع جوانبه، ولا شك أن كل مؤمن بالله ورسوله، لا يحب أن يرى كافرًا في الجزيرة العربية ولو كان كنَّاسًا في البلدية، فكيف يرضى أن يكون
هذه الجيوش العظيمة بأسلحتها وعتَادها في الجزيرة العربية! ولكن كما يقول الأول:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبًا فما حيلة المضطر إلا ركوبها فالعلماء رأوا ما أسلفت من أن وجود هؤلاء من باب اتقاء أشَدِّ الضررين بأخفهما.
والله قال في كتابه (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (١) .
فنهى سبحانه عن سَبَّ آلهة المشركين، خوفًا من أن يحصل منهم سب لله- ، مع أن سَبَّ آلهة المشركين لا شك أنه قربى ومأمور به، لكن لما كان يفضي إلى شر عظيم، كان السكوتُ عنه
أولى، وكذلك في الحديث الذي رواه البخاري، قول الرسول ﷺ لعائشة: "لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على
стр. 10261
قواعد إبراهيم وجعلت لها بابين، بابًا يدخل منه الناس وبابًا يخرجون منه " (١) ، لكنه ترك هذا مع ما فيه من المصلحة، من أجل أن القوم حديثو عهد بكفر.
على كل حال نسأل الله أن يجلو هذه الغُمَّه، وأن يبعد الكفار عنَّا وعن بلادنا، وأن يرزقنا القوة الذاتية بإيماننا بالله وامتثالنا لأمره، وأن يجعل في شبابنا خيرًا.
* السؤال الثاني: يا شيخ أحسن الله إليكم-: هناك ضَرَران، الأول غزو العراق للسعودية، وحصول ما حصل في الكويت، ولَعَلَّ كثيرًا من المسلمين أدركوا ما حلَّ بكثير من النشاطات الإسلامية من جمود بعد هذا الغزو، وأن الكويت رغم ما فيه، إلا أننا لا ننسى مكانة الدعاة وأهل الخير فيها، ومناصرتهم لقضايا الإسلام والمسلمين في كل مكان، وحُرِّية قول الحق فيها، ولكن كل هذا توقف بسبب الغزو، ومثل ذلك كان سيحدث للسعودية، بل وأكثر من ذلك ما هو واقع الآن للعراق ومن قبل، والمُشَاهِدُ لواقع الدُّعاة والمسلمين في العراق يُدرك هذا، لكن يا شيخ- أحسن الله
إليكم- كثير من المسلمين يردِّدُ أن هذا ظن، ولم يكن سيقع، أقصد
стр. 10262
غزو العراق للسعودية، فكيف نعالج ذلك الظن بالاستعانة بالمشركين، وخصوصًا قول رسول الله ﷺ " إنا لا نستعين بمشرك (١) ؟
الجواب: كما أسلفت أن ذلك ليس من باب الاستعانة بالمشركين التي ذكرها العلماء، ولو أن هجوم العراق على السعودية كان ممتنعًا بالأدلِّة والبراهين المعقولة، لكان وجود الكفار على هذا حرامًا ولا
يجوز، ولكن لما كان الأمر- أي هجوم العراق على السعودية- يكاد يكون محققًا، والقول بأنه ظنٌّ غير صحيح والواقع يكذِّبه؛ لأنه ما الذي يمنعهم من هذا وقد فعلوه في الكويت من قبل.
فالحاصل أنَّ غالب الظنِّ أنَّهم كانوا ينوون الهجوم، وعلى ذلك كان اعتماد العلماء بفتواهم بجواز السماح للقوات بالدخول، وهذا من باب دفع أشد الضررين بأخفهما كما قلت لك، أما لو تيقنَّا أنه
ليس يهاجم السعودية فلا شكَّ أن دخولهم على هذا الوجه حرام، ولا يجوز أن يمكنوا من أرضنا لما في ذلك من الخطر على بلادنا وعلى ديننا، ولكن كما قلت لك إن العلماء نظروا بحسب ما بلغهم أن الأمر يغلب على الظنِّ أنه سيكون الهجوم.
стр. 10263
* السؤال الثالث: لكن يا شيخ، كما ذكرت لك أن هناك من العلماء من يرى أن هجوم العراق ظن ولهذا لا تجوز الفتوى بالسماح، وأذكر أننا قمنا بالاتصال بالعلامة الشيخ ناصر الدين الألباني، فهو
يرى أن الهجوم لازال محل ظن ولم يكن واقعًا، فهل ترى أن عمدة هؤلاء العلماء في فتواهم بعدم السماح للقوات الأجنبية المشركة بالتواجد في السعودية هو أن هجوم العراق كان ظناً ولم يكن واقعًا؟
الجواب: أنا سمعت أشرطة للشيخ ناصر، وهو يقول: إنه لو حصل الهجوم فعلاً على السعودية عندها نقول: لا بأس بالاستعانة، ولكن الواقع أن ذلك غير متصور؛ لأنه إذا حصل الهجوم صعبت
جدًّا المقاومة والإخراج وعندها ستكون المصيبة أكبر والفتنه أعظم.
* السؤال الرابع: ألا يمكن أن نقول أن المسألة- وإن كانت ظناً-، فالواجب على المسلمين أن لا يدعوه للظن، وأن يحتاطوا للأمر وخصوصًا أن المسألة عظيمة كهذه والفتنة عظيمة بعد الوقوع؟
الجواب: هذا القول ممكن، بل هو الحزم؛ لأن دفع الشر قبل وقوعه أهْوَنُ من رفعه. فما ظنك لو استولى العراق على المملكة فماذا يحصل من الفتنة؟ أعظم من فتن هؤلاء.
* السؤال الخامس: ما رأيكم فيمن يرى فتنة العراق أقل ضررًا من الأمريكان؟
стр. 10264
الجواب: من رأى ذلك، فهل رآه عن تصور وتعقل أم لمجرد هوى؟ ثم كيف يقول بهذه الرؤية مع أن الواقع يكذبها؛ لأن الأمريكان لا يمكن أن يتمركزوا هنا لأسباب داخلية وخارجية، فإن السعوديين لا يمكن أن يبقوهم إذا انتهت الأزمة، ولكن لو استولت الحكومة العراقية لا أحد يقول لها: اخرجي؛ لأنها مثلاً دولة عربية من جنس العرب، وما أكثر القوميين وأصحاب الجهل في بلادنا
الإسلامية!! لذلك لا أحد يقاومها.
وعلى أية حال. وإن اختلفت الأنظار، وادعى مدعٍ أن وجود هؤلاء أشدُّ ضررًا من الحكومة العراقية فلننظر للواقع، إن الإنسان يجب عليه أن يتقي الله- وأن لا يتكلم إلا بكلمة يعلم أن لها جوابًا عند الله صحيحًا، فالواجبُ على المسلم أن ينظر إلى الأحداث من جميع الجوانب، فإذا أنكر وجود القوات الأجنبية في الجزيرة العربية فلينكر ما حصل على أهل الكويت من الظلم
والعدوان، وإخراجهم من ديارهم وأموالهم، وقتل من قتل منهم، وهلاك من هرب منهم من أطفال وكبار، أما التركيز على جانب أحد الأمرين دون الأخر، فهذا خطأ، وليس هذا من العدل، يقول
الله- في سورة النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) (١) .
стр. 10265
ويقول في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (١) .
نحن نبغض كل كافر، ولكن لا يمنعنا هذا البغض من أن نقول العدل، فالإخوة الذين يبغضون الكفار هم مُصيبون في هذا، لكن يجب مع كراهتهم لهم أن يقولوا العدل، فلا يقفون على جانب،
ويجعلوه المشكلة كلها وينسون الأصل والسبب، فنصيحتي للإخوة إذا طالبوا بإخراج القوات الأجنبية من بلاد السلمين، أن يطالبوا بِرَدِّ الحقوق إلى أهلها بالنسبة للكويتيين، ويطالبوا أيضًا دولة الكويت بالرجوع إلى تحكيم الكتاب والسنة، ويُبيّنوا لها أن ما أصابها فهو بسبب الذنوب والمعاصي وتعدي الحدود، وأن هذا مصير كل من لم يحكم شرع الله في بلاده.
والله يقول: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) (٢) ويقول جل وعلا: في سورة آل عمران: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
стр. 10266
قَدِيرٌ) (١) .
والسعوديون يقولون: إنه بمجرد انتهاء الأزمة سوف يرحل الكفار عن البلاد. نسأل الله تعالى أق يحقق ذلك.
* السؤال السادس: يا شيخ أحسن الله إليكم، هنا في الصحافة الأمريكية تأكيدات بِنيَّة الهجوم على العراق لردعه وإخراجه من الكويت، فما رأيكم في هذا؟
فأجاب بقوله: أنا أرى أن هذا عظيم، عظيم جدًّا؛ لأن القضاء على قوة العراق والتي ليست ملكًا لصدام، فيه خسارة عظيمة من جهات متعددة، فالمسألة خطيرة جدًّا، لكن الواجب على العراق أن
يتقى الله- ، وأن يَدفَعَ الشر والأذى بِرَدِّ الحقوق إلى أهلها، ولا شكَّ أن الكويتيين الآن لن ينظروا إلى الأمر كما كانوا ينظرون إليه من قبل.
* السؤال السابع: هل لكم يا شيخ أن تقدموا للإخوة المسلمين نصيحة، لَعلَّ الله ينفعهم بها؟
فأجاب بقوله: أنا أودُّ من الإخوة المسلمين أن لا يركزوا على مسألة القوات هنا فحسب، بل يركزوا عليها وعلى الظلم الذي وقع بأهل الكويت، ويجب أيضًا أن يبِّينُوا أنه يجب على الحكومات
стр. 10267
الإسلامية ومن بينها حكومة الكويت والعراق وجميع البلاد الإسلامية أن يرجعوا حقيقةً إلى كتاب الله- وأن يُحكِّموا الشريعة في عباد الله، وأن يسعوا لتحقيق الخلافة الراشدة التي يتم
من خلالها توحيد البلاد الإسلامية على شريعة الله، وليس على غيرها من الشعارات البائدة والأحزاب البائسة. والله المستعان.
стр. 10268
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد أعطاني الأخ (.....................) كتابًا موجهًا منه بتاريخ ٢٧/١/١٤١١ هـ إلى من يراه من علماء المسلمين يقول فيه:
أنه اطلع على ما وقَّعَ عليه العلماء الأفاضل منهم: الشيخ محمد بن عثيمين وابن باز وصالح الفوزان- حفظهم الله- وأن ما فعله إمام المسلمين من الاستعانة بالنصارى لحماية المسلمين وديارهم، وهذا قد علمناه منهم وتَعليمهم لنا أن الصُّلح مع الكفار والمشركين والنصارى
وغيرهم، شيءٌ يختلف عن الاستعانة بهم لحماية المسلمين وديارهم، وطلب تفصيلاً للأدلَّة التي استند عليها العلماء للاستعانة بالنصارى، وكيفية الجمع بينها وبين الآيات المحكمة في كتاب الله العظيم، منها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (١) .
ومنها قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) (٢) . وهاتان الآيتان مدنيتان.
стр. 10269
والجواب: أن ههنا ثلاث حقائق يجب مَعرفَتُهَا:
الحقيقة الأولى: اتخاذ الكفار أولياء يتولاهم المسلم ويعينهم ويناصرهم، وهذه لا شكٌ في تحريمها، وأنهما من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) (١) .
ثم إن كانت الموالاة للكفار على المسلمين الذين هم مسلمون حقيقة، فهي رِدَّةٌ عن الإسلام، فيكون المُوَالي بها كافراً مرتدًّا؛ لأنه موالٍ للكافرين ظاهرًا وباطنًا محاربٌ لشريعة الله تعالى.
مثال ذلك: أن يحصل حرب بين أمة كافرة وأمة مسلمة، فيذهب مع الأمة الكافرة يعينها على الأمة المسلمة.
وإن كانت الموالاة لكفار على كفار فهذه حرام بلا شك لمناصرة الكفار وموالاتهم ظاهراً، وفى كونها ردة عن الإسلام نظر؛ لأنه ربما يناصر هؤلاء على هؤلاء لكون أولئك أهون شرًا على المسلمين؛ وأقل خطراً على دينهم لا لمحبته لظهورهم وانتصارهم على الإطلاق. وقد قال الله تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ
стр. 10270
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ) (١) .
مثال ذلك: أن يقتتل طائفتان من الكفار فيناصر أحداهما على الأخرى، وليس من موالاة الكفار أن يناصرونا على عدو لنا؛ لأننا لم نتخذهم أولياء بل هم الذين والوا ونصروا ولكن هذه من الحقيقة
الثانية.
الحقيقة الثانية: الاستعانة بالكفار على عدو لنا نقاتله قتال طلب، وهذه في الأصل حرام؛ لأن الكفار أعداء المسلمين كما هم أعداء الله تعالى، فلا يُؤمَنُ شرهم ولا يُطْمَأَنُّ إلى ظاهرهم، ولما رواه مسلم عن عائشة- ﵂ قالت: " خَرَجَ النبي ﷺ قبل بدر، فلما كان
بِحرَّةِ الوَبَرَةِ أدركه رجل، قد كان يذكر منه جرأة ونجدةٌ، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جِئتُ لأَتَّبِعكَ وأصيب معك، فقال له رسول الله ﷺ " تُؤمنُ بِالله ورسُوله؟ " قال: لا، قال: " فارجعْ، فلن أستعين بمشرك ". قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، قال له كما قال أول مرة.
قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك ". قالت: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له
стр. 10271
رسول الله ﷺ : " فانطَلِق " (١) ، فهذا الرجل رَدَّهُ النبي ﷺ مرتين حين بقي على الشرك، وقَبِلَهُ في الثالثة حين قال: إنه يؤمن بالله واليوم الآخر.
ولكن إذا دعت الضرورة إلى الاستعانة به أي: (بالكافر) ، وكان مأمونًا فلا بأس بذلك، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة- ﵂ قالت: " واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بنى الديل هاديًا خِرِّيتا وهو على دين كفار قريش، فأمناهُ فدفعا إليه راحلتيهما، وواعدَاهُ غار ثورٍ بعد ثلاث ليالٍ " (٢) ، واسم الرجل هذا عَبد الله بن أُرَيْقط، والخِرِّيت الماهرُ في الدلالة.
ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ استعان به على أن يدله الطريق لينجو من أعدائه قريش مع خطورة الموقف؛ لأن قريشاً كانت تطلبه وقد جعلت مئتي بعير لمن أتى به وأبا بكر.
واستدل ابن القيم- ﵀ بما جاء في قصة صلح الحديبية في شأن بُدَيل بن وَرْقاءَ الخُزاعيّ، (٣) فقال في سِياقِ ما يستفاد من قصة الحديبية من الفوائد الفقهية (٣/٣٠١) ، (ط مؤسسة الرسالة التي
стр. 10272
عليها تعليق الأرناؤوط) . ومنها أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزةٌ عند الحاجة، لأن عينه الخُزاعي كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم، ا. هـ.
وقد نصّ على ذلك أهل العلم في: " المُغني "؛ لابن قُدامة، (٨/٤١٤) ، (ط دار المنار) : ولا يُستَعان بمشرك، وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم، وعن أحمد ما يدل على جواز
الاستعانة به، وكلام الخِرَقي يدل عليه أيضًا عند الحاجة، وهو مذهب الشافعي، لحديث الزهري الذي ذكرناه وخبر صفوان ابن أُميَّة: [خبر الزهري "أن النبي ﷺ استعان بناس من اليهود في حربه فأّسهَم لهم" (١) . رواه سعيد في سننه. وروي: "أنَّ صفوان بن أُميَّة
خرج مع النبي ﷺ يوم حنين وهو على شركه فأسهم له وأعطاه من سهم المؤلفة"] (٢) .
هكذا ذكرهما المؤلف، قال: ويشترط أن يكون من يستعينُ به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، ا. هـ.
стр. 10273
وفى " المهذَّب "؛ للشِّيرَازي (١٨/٦٨) ، (ط المكتبة العالمية) .
"ولا نستعين بالكفار من غير حاجة، ثم استدلَّ له بحديث عائشة- ﵂ ثم قال: فإن احتاج أن يستعين بهم فإن لم يكن من يستعين به حسن الرأي في المسلمين لم نستعن به؛ لأنَّ ما
يُخاف من الضرر بحضورهم أكثر مما يرجى من المنفعة، وإن كان حسن الرأي في المسلمين جاز أن يستعين بهم؛ لأن صفوانُ بن أُمَّية شهد مع النبي ﷺ في شركه حرب هوازن، ثم قال: وإن احتاج إلى أن يستأجرهم جاز؛ لأنه لا يقع الجهاد له، وذكر في الشرح أنَّه إذ دَعَت إلى ذلك حاجة، كأن يكون في المسلمين قلَّة، ومن يستعين بهم من الكفار يعلم منه حسن نيته في المسلمين، جاز له أن يستعين به.
ثم استدل لذلك بما رواه ابن عبد البر في "الاستيعاب "، وابن سعد في "الطبقات "، ومالك في "الموطأ" عن ابن شهاب وابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن على في قصة صفوان ورجوعه إلى
النبي ﷺ بعد الفتح وشهوده حنينا، والطائف وهو كافر. وفى (ص ١٦٦) من الجزء المذكور، وإن حضر مشركٌ مع المسلمين في القتال بغير إذن الإمام، لم يُسهم له ولم يرضخ له؛ لأن ضرره أعظم من ضرر المخذل والمرجف بالمسلمين، وإن حضر بإذن الإمام رضخ له ولم يسهم له، وهو قول العلماء كافة إلا الأوزاعي فإنه قال: "يسهم له ". أ. هـ.
стр. 10274
الحقيقة الثالثة: الاستعانة بهم في الدفاع عن البلد إذا اضطر المسلمون إليهم، وهذا أولى بالجواز من الأول، بل قد يكون مطلوبًا على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب حسب خطر المهاجم
ولهذا قال أهل العلم: "إن الجهاد في هذه الحال فرض عين يجب حتى على النساء والشيوخ والصبيان القادرين ". وقد قال الله تعالى (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (١) فأمر بقتل من قاتلنا في المسجد الحرام مع أن القتال عنده حرام، لكن الدفاع له شأن آخر.
ولكن متى قلنا بجواز الاستعانة بهم في حال الضرورة، فإن الواجب أن تَتَقَدَّر بقدرِها، وأن يرحلوا عن البلد من حين الاستغناء عنهم؛ لأن بقاءهم في الجيش، جيش السلمين، يؤدي يقينا أو ظنًا
غالبًا إلى فساد كبير، لاسيَّما مع كثرتهم وشعورهم، أو إعطائهم الشعور بأنهم المنقِذُون الحامون وأنهم أبطالُ المعركة، فإن هذا يؤدي إلى عُلوِّهم واستكبارهم واستعبادهم الجيش الإسلامي ومن وراءه، مع أن الواجب على الجيش الإسلامي أن يكون قويًّا بدينه، لا يلحقه
وهن ولا ضعف ولا ذل إلا لله تعالى وحده، قال الله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٢) وقال الله تعالى: (فَلَا
стр. 10275
تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (١) .
وعلى الجيش الإسلامي أن يُعدَّ العُدَّةَ المعنوية الروحية والعدة الحسية المادية؛ لأن الله تعالى بيَّن أن فقدان العُدَّة المعنوية الروحية سبب للخِذلان والهزيمة، حيث كانت الهزيمة في أُحد حين وقعت
المعصية من الرماة، وكانت الهزيمة في حُنين حين أساء بعضهم الاعتماد على الله واعتمدوا على كثرتهم، وقالوا: لن نغلب اليوم عن قلة (٢) . فهذا هو الإعداد الروحي المعنوي.
أما الحسي المادي فقد قال الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (٣) . والقوة: الرمي.
أسأل الله تعالى أن يحمي دينه من أعدائه، وأن يُهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كتبه الفقير إلى الله تعالى محمد الصالح العثيمين في ١٢/٢/١٤١١ هـ.
стр. 10276
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كلمة حول التفجير الواقع بمدينة الرياض
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله
وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإننا في مساء أمس الأول، الاثنين العشرين من شهر جمادى الآخرة من عام ١٤١٦ هـ، سمعنا نبأ العدوان الآثم، الواقع هذا اليوم، ممن لا يخافون الله، ولا يرحمون عباد الله، حيث وضعوا
متفجرات، في أحد شوارع الرياض، مما أدى إلى قتل النفوس بغير حق، وجرح الأبرياء العزل، وإتلاف بعض الأموال، وهدم بعض البيوت، ولاشك أن هذا عدوان آثم، لا يقره دين ولا عقل، ولا عرف.
أما الدين: فإنه مناف لا جاءت به النصوص القرآنية والنبوية، من تحريم قتل النفس بغير حق، وإتلاف الأموال ظلماً وعدواناً قال الله تبارك تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (١) ، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
стр. 10277
آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (١) ، وقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (٢) .
أما السنة: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أعلن في حجة الوداع في أكبر مجمع يجتمع فيه بالمسلمين فقال: "إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت، اللهم اشهد" (٣) وقال ﷺ : "أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس " (٤) وقال ﷺ : " لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً" (ْ) والأحاديث في هذا كثيرة.
أما العقل: فمخالفة هذه الجريمة له أمر معلوم، فما الذي أباح لهذا المعتدي الآثم، أن يعتدي على قوم آمنين، بهذا العدوان الشامل، الذي راح بسببه أنفس، ما بين قتيل، وجريح، وتهدم فيه بناء،
стр. 10278
وضاعت فيه أموال، بأي كتاب، أم بأية سنة، أم بأي عقل، يحل له ذلك؟.
وأما مخالفة ذلك للعرف: فإن جميع المواطنين، ينكرون ذلك غاية الإنكار، ولا يقرونه، ولاسيما بهذا البلد الآمن، الذي هو محط أنظار الناس في التزامه، ومحافظته، والله يعلم أننا لا نعلم في العالم بلادًا
أقوى تمسكا منه في العقيدة السليمة، وإقامة شعائر الدين، وشرائعه، ولكن الأمر حصل بمقتضى حكمة الله، وسنته في خلقه ابتلاءاً وامتحاناً قال ﵎: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (١) وأننا واثقون بالله وعونه وتوفيقه، أن يرد كيد المجرمين في نحورهم، وأن يفسد عليهم أمرهم، وأن يجعلهم نكالاً لما بين أيديهم وما خلفهم، قال سبحانه
وتعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ولله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (٢) ، كما أننا واثقون بأن الله لن يصلح أعمالهم هذه؛ لأنها من الفساد في الأرض، والله لا يحب الفساد، ولا يصلح عمل المفسدين، وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : (فَاصْبِرْ إِنَّ
стр. 10279
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (١) .
أسال الله تعالى أن يقطع دابر المفسدين، ويجعل كيدهم في نحورهم، وتدميرهم في تدبيرهم، إنه ولى ذلك والقادر عليه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 10280
س ٨٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: لا يخفى عليكم حادث التفجير الذي سبق وأنه وقع في العليا وحدث فيه أزهاق للأرواح من المعاهدين وغير ذلك، والذي حدث من أحداث
الأسنان وسفهاء الأحلام، وأنكم تعلمون عظم هذا الفعل، وما فيه من مخالفة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ . وعدم الأخذ بالأدلة الشرعية، وتسفيه الآراء العلماء والراسخين في العلم، ومن مشاقة ومحاربة لولي الأمر، والآن وقد حدث تفجير جديد في الخبر.
فهل من كلمة لتبيين دين الله تعالى في ذلك. والتحذير من هذا المنزلق الخطير الذي سلكه فئة من الشباب- وهم قلة ولله الحمد- وهو مستمد من فعل الخوارج، وهم قد لا يعلمون أن فعلهم فعل
الخوارج، فهل من تبيين لدين الله سبحانه تعالى ؟
فأجاب- ﵀ بقوله: لاشك أن هذا العمل عملٌ لا يرضاه أحد، كل عاقل- فضلاً عن المؤمن- لا يرضاه، لأنه خلاف الكتاب والسنة، ولأن فيه إساءة إلى الإسلام في الداخل والخارج؛ لأن كل الذين يسمعون بهذا الخبر لا يضيفونه إلا إلى المتمسكين بالإسلام، ثم يقولون: هؤلاء هم المسلمون؛ هذه أخلاق الإسلام. والإسلام منها بريء، فهؤلاء في الحقيقة أساؤا قبل كل شيء إلى الإسلام ونحن
стр. 10281
نسأل الله تعالى أن يجازيهم بعدله، بالنسبة لهذه الإساءة العظيمة.
ثانياً: أنهم أساؤا إلى إخوة لهم من المستقيمين؛ لأنه إذا تصور الناس حتى المسلمون، إذا تصوروا أن هذا يقع ممَّنْ يدعي أنه مسلم، وأنه يغار للإسلام؛ فسوف يكره من هذه أخلاقه، وسوف يظن أن
هذه أخلاق كل مستقيم.
ومن المعلوم أن هذا لا يمثل أحداً من المستقيمين إطلاقاً، لأن المستقيم حقيقة هو الذي استقام بكتاب الله، وسنة رسوله ﵊، ولا يخفى علينا جميعاً أن الله أمر
بوفاء العهود وأمر بوفاء العقود، قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (١) ولا يخفى علينا أن الرسول ﷺ قال: "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وأوفوا بالعهد" (٢) ولا يخفى علينا أيضاً أنه قال- ﵊: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (٣) .
ثالثاً: لو قدرنا على أسوأ تقدير أن الدولة التي ينتمي إليها هؤلاء الذين قتلوا دولة معادية للإسلام، فما ذنب هؤلاء؟ هؤلاء الذين
стр. 10282
جاؤا بأمر حكومتهم وقد يكون بعضهم جاء عن كره، ولا يريد الاعتداء.
ثم ما ذنب المسلمين الساكنين هناك؟
فقد أصيب من المسلمين من هذه البلاد عدة من أطفال وعجائز وشيوخ في مأمنهم، في ليلهم، عند الرقاد على فرشهم. ولهذا تعتبر هذه جريمة من أبشع الجرائم.
لكن بحول الله أنه لا يفلح الظالمون، سوف يُعثر عليهم ويأخذون جزاءهم.
لكن الواجب على طلاب العلم أن يبينوا أن هذا المنهج منهج خبيث، منهج الخوارج الذين استباحوا دماء المسلمين وكفوا عن دماء الكافرين.
وأن هؤلاء إما: جاهلون.
وإما سفهاء.
وإما حاقدون.
فهم جاهلون: لأنهم لا يعرفون الشرع، فالشرع يأمر بالوفاء بالعهد، وأوفى دين للعهد هو دين الإسلام والحمد لله.
وهم سفهاء أيضاً: لأنه سيترتب على هذه الحادثة من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله ، يعني ليست هذه وسيلة إصلاح حتى
стр. 10283
يقولوا: إنما نحن مصلحون، بل هم المفسدون في الواقع.
أو حاقدون على هذه البلاد وأهلها: لأننا لا نعلم- والحمد لله- بلاداً تنفذ من الإسلام مثل ما تنفذه هذه البلاد أبداً. الآن في بعض البلاد الإسلامية أليس فيها القبور تعبد من دون الله؟!
أليس فيها بيوت الدعارة؟! أليس فيها الخمر علناً في الأسواق؟!
أليس حكامها يصرحون أنهم يحكمون بالقوانين لا بالكتاب والسنة؟
فماذا يريد هؤلاء؟!.
ماذا يريدون من فعلهم هذا؟!
أيريدون الإصلاح؟ والله ما هم بمصلحين، إنهم مفسدون.
ولكن علينا أن نعرف كيف يذهب الطيش، والغيرة التي هي غُبرة، وليست غيرة إلى هذا الحد.
ولاشك أن هذا إساءة أيضاً- في المرتبة الرابعة أو الخامسة إلى هذه البلاد وأهلها وترويع الآمنين.
كل إنسان يتعجب كيف يقع هذا في هذا البلد الآمين.
ولكن نسأل الله أن يخزي هؤلاء وأن يطلع ولاة الأمور عليهم وعلى من خطط لهذه الجرائم حتى يحكموا فيهم بحكم الله .
стр. 10284
س ٨٤: سئل فضيلة الشيخ ﵀: يذكر أن بعض القادة في المعارك الإسلامية كانوا أشاعرة، فهل يثنى عليهم ؟
فأجاب بقوله: من أصول أهل السنة والجماعة أن الإنسان قد يجتمع فيه سُنَّة وبدعة إذا لم تكن البِدعة مكفرة، ومن المعلوم أن بدعة الأشعرية ليست من البِدع المُخْرِجة عن الإسلام، ولا مَانِع من الثَّناء على من قام بما ينفع المسلمين من هذه الطائفة بما يستحق من الثناء؛ فهو محمودٌ على ما قام به من ذلك، وأمَّا ما حصل منه من بدعة، نعلم أو يغلب على ظننا أنه فيها مجتهد، فهو دائر بين الأجر والآجرين؛ لأن كل مجتهد من هذه الأمة في حكم يسوغ فيه الاجتهاد فلن يعدم الأجر أو الأجرين؛ لقول النبي ﵌: "إذا حكم الحاكِمُ فاجتَهد ثم أصابَ فلَه أجرانِ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فلهُ أجرٌ " (١) .
والحكمُ في الناس وبين الناس، إنما يكون إلى الله تعالى، كما قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (٢) وقال: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِك
стр. 10285
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (١) . وقد علمت قول النبي ع ﷺ في المجتهد.
كتبه محمد الصالح العثيمين في ١/١/١٤١٧ هـ.
س ٨٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن معنى الحديث عن عائشة- ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : " لا هجرةَ بعدَ الفتحِ، ولكنْ جهاد، ونيَّة وإذا استُنفِرتُم فانفِروا" (٢) فأجاب بقوله: هذا الحديث قاله النبي ﷺ بعد أن فتح مكة.
وكانت مكة قبل الفتح بلدُ شركٍ يهاجر منها المسلمون إلى المدينة إلى الله ورسوله، فلمَّا فُتحت، لم تكن الهجرة منها مشروعة؛ لأنها صارت بلاد إسلام فسقطت الهجرة من مكة إلى غيرها، وأما الهجرة من بلاد الشرك فإنها باقية إلى يوم القيامة، فالنفي هنا عائد على الهجرة من مكة فقط.
وقوله ﷺ : "ولكن جهادٌ ونيَّة "، معناه: أن الذي بقي بعد فتح مكة على أهل مكة الجهاد إن أمكنهم ذلك، أو نية الجهاد إن لم يمكنهم الجهاد، فقال: "ولكن جهاد ونيَّة "أي: جهادٌ في سبيل الله
стр. 10286
ونية خالصة، بحيث يقصد الإنسان بجهاده أن تكون كلمة الله هي العليا.
أمَّا قوله: "وإذا استنفرتَم فانفِروا". فالمعنى: أنه إذا استنفركم ولي الأمر للجهاد في سبيل الله، وَجَبَ عليكم أن تَنفِروا لقوله الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١) .
س ٨٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل الذي يخرج من البيت وهو ليس بمريض وبعد لحظات يَحصُل له حادث ويُتَوفَّى في حادث سيارة؛ هل يُعتبر ذلك شهيدًا؟ وهل هذا يعتبر مثل مرض الطاعون؛ لأن صاحب مرض الطاعون شهيد؟ أرجو الإفادة .
فأجاب بقوله: الميِّتُ بحادثٍ يكون من الشهداء- إن شاء الله-؛ لأنه كالميت بهَدم أو غَرق أو نحو ذلك، ولكن لِيُعلم أننا لا نحكم
стр. 10287
على الشخص بعينه أنه شهيد حتى وإن عمل عمل الشهداء؛ لأن الشهادة للشخص بعينه لا تجوز، كما لا تجوز الشهادة للشخص بعينه بالجنة إن كان مؤمناً، أو بالنار إن كان كافرًا، ولكن نقول: إنّ مَنْ مات بحادث أو مات بهدم أو بغرق أو بحرق أو بطاعون، فإنه من الشهداء ولكن لا نَخصُّه بعينه، ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنْ لا نشهد لأحد بعينه بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكن نرجو لهذا الرجل أن يكون من الشهداء.
فإن قال قائل: أليس السبب الذي يَستحقُّ أن يوصف به أنه شهيد قد وجد؟
قلنا: بلى، لكنه وجد ظاهرًا ولا ندرى فلعل هذا الرجل الذي مات يكون في قلبه من الموانع التي تمنع أن يلحق بالشهداء مالا نَعلمه نحن.
س ٨٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل من مات خارج بلاده يكون شهيدًا؟ وهل يُحاسب؟ وكيف يحاسب في القبر فقد سمعت بأن الشهيد لا يحاسب ؟
فأجاب بقوله: الميت خارج بلده ليسَ بشهيد؛ لأن القول بأن موت الغريب شهادة ليس له مستند من الشرع. والشهيد هو الذي
стр. 10288
يقتل في سبيل الله وهو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وهذه نية- أعنى كونه يريد بقتاله أن تكون كلمةُ الله هي العليا- نيَّةٌ محلُّها القلب، ولهذا قال النبي ﷺ : "والذي نَفسي بيدهِ، لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيل الله- والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدَّمِ والريح ريحُ المسك " (١) فأشار النبي ﷺ بقوله: "والله أعلم بمن
يكلم في سبيله ". إلى أن الشهادة لا تُنال إلا بِنَّية صادقة، والنيةُ الصادقة هي ما بينه رسول الله ﷺ حين سُئل عن الرجل يقاتل حَمِيِّةً، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليُرَى مكانه أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العُلْيا فهو في سبيل الله " (٢) .
وعليه فإنه لا يجوز الجزمْ بأن من قُتِل في الجهاد يكون شهيدًا بعينه؛ لأن هذا أمر يحتاج إلى توقيف، وأما على سبيل العموم بحيث يقال: من قُتِل في سبيل الله فهو شهيد. فهذا جائز.
وقد روي عن عمر بن الخطاب- ﵁ بسند حسن أنه
стр. 10289
قال: "إنكم تقولون: فلان شهيد وفلان شهيد، ولعله يكون قد أوقر راحلته، ولكن قولوا: من مات أو قتل في سبيل الله فهو شهيد" (١) أي على سبيل العموم هذا بالنسبة للحكم عليه بالشهادة في الآخرة أما الحكم عليه بالشهادة في الدنيا فإن هذا هو الأصل أي أن نعامل هذا الذي يقاتل في قتال يظهر منه أنه لإعلاء كلمة الله هو أن نعامله معاملة الشهداء في أنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه وإنما يدفن في ثيابه على ما هو عليه مع المسلمين.
أما بالنسبة للسؤال في القبر: فإنه قد ورد أن النبي ﷺ : "أن الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله لا يفتنون في قبورهم، وقال كفى ببارقة السيف على رأسه فتنه " (٢) .
س ٨٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يدخل في الشهداء الغريق، والحريق، والمرأة التي ماتت في حالة الوضع؟ وما الدليل ؟
فأجاب بقوله: نعم هؤلاء يدخلون في الشهداء؛ لأن السنة وردت بذلك عن النبي ﷺ ولكن شهادتهم لا تساوى شهادة المقتول
стр. 10290
في سبيل الله فإن المقتول في سبيل الله لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، وإنما يدفن في ثيابه التي قتل فيها بدون صلاة، ويبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك،
وهذا لا يحصل للشهداء الذين جاءت بهم السنة ولكنهم يحصلون على أجر عظيم، إلا أنهم لا يساوون الشهيد المقتول في سبيل الله من كل حال ومن كل وجه.
وإنني في هذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة شاعت أخيرًا بين الناس، وهي أن كل إنسان يقتل في الجهاد يصفونه بأنه شهيد، حتى وإن كان قد قتل عصبية وحمية وهذا غلط، فإنه لا يجوز أن تشهد
لشخص بعينه أنه شهيد حتى وإن قتل في الجهاد في سبيل الله؛ لأن هذا أمر لا يدرك فقد يكون الإنسان مريدًا للدنيا وهو مع المجاهدين في سبيل الله ويدل لذلك قول النبي ﷺ "ما من مكلوم يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب
دما اللون لون الدم والريح ريح المسك " (١) فقول ﷺ "والله أعلم بمن
يكلم في سبيله" يدل على أننا نحن لا نعلم ذلك وقد بوب البخاري ﵀ فقال (باب لا يقال فلان شهيد) .
стр. 10291
وذكر صاحب الفتح عن عمر بن الخطاب- ﵁ أنه قال:" إنكم تقولون فلان شهيد وفلان شهيد، ولعله قد أوقر راحلته- يعنى: قد غل في سبيل الله من المغانم، فلا تقولوا ذلك
ولكن قولوا من قتل في سبيل الله أو مات فهو شهيد" (١) .
وصدق- ﵁ فإن الشهادة للمقتول بأنه شهيد تكون على سبيل العموم، فيقال: "من قتل في سبيل الله فهو شهيد". وما أشبه ذلك من الكلمات العامة، أما الشهادة لشخص بعينه أنه شهيد فهذا لا يجوز إلا لمن شهد له النبي ﷺ بذلك كما في قوله ﷺ حين صعد على الجبل هو وأبو بكر وعمر وعثمان فارتج بهم فقال " اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان " (٢) . وإذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يشهد لأحد معين بالجنة إلا لمن شهد له النبي ﷺ فكذلك لا يشهد لأحد بعينه أنه شهيد؛ لأن من لازم الشهادة له بأنه شهيد أن يكون من أهل الجنة.
س ٨٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀ قال ﷺ : "يغفر الله
стр. 10292
للشهيد كل ذنب إلا الدين" (١) . ما المعنى لهذا الحديث؟
فأجاب بقوله: معنى هذا الحديث أن الله- يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين؛ لأن الدين حق للآدمي فلابد من وفائه، ولكن الدين إذا كان الإنسان أخذه يريد أداءه فقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها
يريد إتلافها أتلفه الله " (٢) . فإن كان هذا الشهيد الذي عليه الدين قد أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله تعالى يؤدي عنه، إما بأن ييسر أحدًا في الدنيا يقضي عنه هذا الدين، وإما بأن يوفيه الله تعالى يوم القيامة فيزيد الدائن درجات أو يكفر عنه سيئات.
س ٩٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا كان المسلم لا يؤدى فريضة الصلاة ولا الصوم وقتل في الجهاد. هل يموت شهيداً ؟
فأجاب بقوله: إذا كان هذا الذي قتل في الجهاد لا يصلي ولا يصوم فإنه يموت كافرًا ومأواه جهنم وبئس المصير؛ لأن الذي لا يصلي كافر مرتد على القول الراجح، والكافر لا ينفعه جهاد ولا
стр. 10293
صدقه ولا صيام ولا غير ذلك من الأعمال الصالحة؛ لأن الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بشرط الإسلام قال الله تبارك تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (١) . وقال- : (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) (٢) وقال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (٣) .
س ٩١: سئل الشيخ- ﵀: من مات من رجال الدفاع المدني، حيث احترق بالنار وهو يحاول إطفاءها هل يعتبر من الشهداء ؟
فأجاب بقوله: أولاً: نقول: كل من مات بحريق وهو مسلم فإنه من الشهداء؛ لأن النبي ﷺ قال: "الحريق شهيد" (٤) . ولكن لا نقول
стр. 10294
فلان شهيد؛ لأنه مات بالحرق، لكن على سبيل العموم نقول: كل من مات بالحريق فإنه شهيد.
وإذا كان من رجال الإطفاء كان أعظم ثواباً أيضًا، لأن هذا الرجل الذي مات بالإطفاء جمع بين أمرين بين الحريق، وبين الدفاع عن إخوانه، فهو في الحقيقة اكتسب أجرين: أجر الدفاع عن إخوانه
المسلمين، وأجر شهادة الحريق.
لكن لاحِظ أننا لا نشهد لشخص بعينه، يعني مثلا: إنسان احترق أمامنا أحرقته النار أمامنا، نقول: الحريق شهيد، لكن لا نقول: هذا الرجل شهيد.
وقد ترجم البخاري- ﵀ في صحيحه لهذه المسألة وقال: (باب لا يقال فلان شهيد) ، ثم استدل لذلك بقول النبي ﷺ : "ما من مكلوم يكلم في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله" (١) . فقال: (والله أعلم) إذا كان الله أعلم بمن يكلم في سبيله إذن لا نشهد على شيء لا نعلمه، لكن نقول على العموم: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، فيفرق بين العموم وبين الخصوص.
стр. 10295
س ٩٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما هي المواقف التي إذا مات فيها الشخص يكون شهيداً ؟
فأجاب بقوله: الرسول ﷺ ذكر أن المطعون والمبطون والحريق والغريق (١) وما أشبههم، هؤلاء كلهم من الشهداء، وكذلك المقتول ظلما فهو شهيد (٢) ، لكن هؤلاء ليسوا كشهيد المعركة أي: ليسوا كالشهيد الذي قتل في سبيل الله؛ لأن الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله وصف الله تعالى ثوابهم بقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (٣) ؛ ولهذا لا يصلى عليهم ولا يكفنون، بل يدفنون في ثيابهم التي استشهدوا فيها بدون
صلاة، لأن بارقة السيوف على رأسه، وعرض رقبته لعدوه وعدو الله كافية في الامتحان والشفاعة، لكن هؤلاء الشهداء المطعون والحريق والغريق والمبطون نطلق عليهم أنهم شهداء كما أطلق عليهم النبي