← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.

стр. 10326

عليه السلام بقولك وعليكم إن كان كافرا. إلا إذا صرح بالسلام مبينا حروفه وقال: السلام عليكم فلا حرج أن تقول عليكم السلام. فإن كانوا قد قالوا السام فعليهم السام، وإن كان قد قالوا السلام فعليهم السلام، وهذا يدل على أنهم إذا سلَّموا علينا بلفظ صريح (السلام عليكم) فإننا نرد عليهم بذلك ونقول (عليكم السلام) ويؤيد هذا قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (١) وهذا عام. أما المسألة الثانية في سؤاله: فهو إلقاء السلام على جماعة أو على شخص لا يدرى عن إسلامه؟ والجواب على هذا أن نقول: ألق السلام على من يغلب على ظنك أنه مسلم ولاسيما إذا كنت في بلد أكثر أهلها مسلمين؛ لأن الحكم للأكثر. أما إذا غلب على ظنك أنه ليس بمسلم أو أن هذه الجماعة غير مسلمين فإنه لا يشرع لك أن تسلم عليهم، وإن خفت من الفتنة فسلم عليهم على وجه التورية، فقل: السلام، ولا تقل: عليكم، وأنت تنوى بالسلام على من أتبع الهدى. أما المسألة الثالثة في سؤاله فهو: التوديع يعنى أن الإنسان إذا أراد أن ينصرف قال: (في أمان الله) (مع السلامة) أو (أودعك الله) وما أشبه

стр. 10327

ذلك، فهذه الكلمات لا بأس بها، لكن ينبغي أن تكون مقرونة بالسلام فإن الإنسان مشروع له عند الانصراف أن يسلم كما أنه مشروع له عند اللقاء أن يسلم، فيقول مثلاً: إذا أراد أن ينصرف السلام عليكم في أمان الله وما أشبه ذلك، وقد كان النبي ﷺ إذا ودع مسافراً يقول: "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك " (١) . س ١٢٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز للحاكم المسلم أن يسوى بين المسلم والكتابي يهوديًّا كان أو نصرانيًّا دون أن يأخذ منهم الجزية وكيف تكون معاملتنا معهم ؟ فأجاب بقوله: الواجب على الحاكم المسلم أن يعدل بين المسلم والذمي، والعدل إعطاء كل منهما ما يستحق، فالمسلم له حقوق، والكافر له حقوق، والكافر أيضاً حقوقه تختلف، فالذمي له حقوق، والمعاهد له حقوق، والمستأمن له حقوق، والحربي ليس له حقوق. والحاصل أنه يجب على الحاكم المسلم أن يعدل بين المسلمين وغير المسلمين فيما يجب من حقوقهم.

стр. 10328

وأما بالنسبة للحاكم إن أراد بالحاكم: (القاضي) فإنه يجب عليه أن يعدل أيضاً بينهم بحيث لا يفضل المسلم على الكافر في دخوله عليه مثلا، أو في جلوسه معه، أو في تلقينه الحجة، أو ما أشبه ذلك بل يجب عليه العدل في ذلك كله. وقد أمر الله ﵎ بالعدل وأخبر عنه أنه من خصال المؤمنين قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) (١) . س ١٢١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز أكل أموال غير المسلمين أم هي حرام محرمة كحرمة أموال المسلمين ؟ فأجاب بقوله: أموال غير المسلمين إذا كانوا معصومين فإنه لا يجوز للمسلم أن يخونهم في أموالهم وأعراضهم، والمعصوم من الكفار ثلاثة أصناف: الذميون، والمعاهدون، والمستأمنون، فهؤلاء الثلاثة معصومون لا يجوز الاعتداء عليهم في أموالهم ودمائهم وأعراضهم، أما الكفار الذين ليس بيننا وبينهم عهد ولا أمان ولا ذمة وإنما هم حربيون فهؤلاء ليسوا معصومين فأموالهم ودماؤهم أيضاً وذرياتهم

стр. 10329

ونساؤهم حلال للمسلمين، ولهذا هم يعلنون الحرب علينا ونحن نعلن الحرب عليهم. ثم إن المعاهدات تتقسم إلى قسمين: معاهدات ثنائية، ومعاهدات جماعية عامة. ويجب مراعاة شروط هذه حسبما يتفق عليه الطرفان. س ١٢٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أنا موظف في شركة ويرأسني شخص كافر وحين أذهب إلى العمل يكون قد وصل إلى العمل قبلي، فهل لي أن أسلم عليه وأبدأه بالسلام علما بأني إذا لم أسلم عليه قد يحصل لي ضرر ؟ فأجاب بقوله: الطريق إلى هذا إذا كان رئيسك كافراً وحضر قبلك، دخلت عليه أن تقول: صباح الخير فقط، وصباح الخير لمن؟ لنفسك وإخوانك المسلمين لا تنويها له أو تقول (السلام) بدون أن تقول (عليكم) وتنوى السلام عليك أنت وعلى عباد الله الصالحين. وبهذا يحصل المقصود إن شاء الله بدون ضرر. س ١٢٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: اعتاد الناس أنهم يقولون لصاحب المحلات من العمالة الوافدة يا محمد، أعطني

стр. 10330

كذا، وربما يكون غير مسلم، فما رأي سماحتكم؟ فأجاب بقوله: خير من هذا أن يقولوا يا (عبد الله) لأن الكل عباد الله حتى الكافر عبد الله، فلو أنها غيرت إلى يا عبد الله لكان أحسن. س ١٢٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: رجل متزوج ويعمل خارج بلده مع مجموعة من الأجانب النصارى ويكون بينه وبينهم الأكل والشرب هل يجوز معاملة هؤلاء ؟ فأجاب بقوله: معاملة غير المسلمين على سبيل الموادة والمحبة والولاية محرمة لا تجوز قال الله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (١) . ولقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٢) . ولقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (٣) . فالواجب

стр. 10331

على المسلم كراهة أعداء الله الذين هم أعداء له في الحقيقة وهم كل كافر أيًّا كان نوع كفره سواء كان يهوديًّا أم نصرانيًّا أم مجوسيًّا أم دهرياً لا يؤمن بشيء، فإن الواجب على المسلم بغضهم، وكلما ابتعد عنهم كان أسلم لدينه وأصلح لقلبه، لكن إذا ابتلى بهم بأن كانوا له شركاء في العمل فإنه لا حرج عليه أن يأكل معهم إذا لم يمكنه الانفراد، وفى هذه الحال ينبغي بل يجب عليه أن يدعوهم إلى الإسلام ويبين لهم محاسنه وما يدريك لعل الله يفتح على قلوبهم فيهديهم فإن الله- على كل شيء قدير، وكم من شخص يستبعد حصول الهداية لهؤلاء، ولكن تأتي هدايتهم بأيسر ما يكون، وإذا أخلص الإنسان الدعوة إلى الله- وسلك طريق الحكمة في ذلك فإنه يوشك أن يوفق، وأن يهدي الله على يديه خلقًا كثيرًا. س ١٢٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكم مصافحة الكافر إذا كان هو البادئ بالمصافحة ؟ فأجاب بقوله: إذا مد الكافر يده للمصافحة فمدها وصافحه؛ لأن النبي ﷺ إنما نهى عن ابتدائه أن نبدأهم بالسلام (١) أما إذا بدؤا

стр. 10332

هم أو صافحونا ابتداءً نصافحهم لكن لا نمد أيدينا للمصافحة نحن، فصار الكافر إن سلم فرَّد عليه، وإن مد يده فمد يدك إليه، وإن لم يسلم فلا تسلم عليه، وإن لم يصافح فلا تصافح، وخذ هذه الآية الكريمة: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) بل (إذا حييتم) أي واحد يحيينا ولو كان أكفر عباد الله فإننا نرد عليه مثل تحيته أو أحسن، لكن الأولى في غير المسلمين أن لا ترد عليه بأحسن، بل رد عليه مثل تحيته لأنك إذا رددت عليه أحسن زدته خيرًا ويفرح بهذا. س ١٢٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عندنا في المسجد برادة للماء للشرب ويأتي عمال كفار ويأخذون من هذا الماء، فهل يحق لنا أن نمنعهم؟ وأيضًا دورة المياه يأتون يستحمون يوميا في هذه الدورات هل لنا أن نمنع هؤلاء الكفار ؟ فأجاب بقوله: لا، لأن النبي ﷺ قال: "في كل كبدٍ رطبة أجر" (٢) فلا تمنعهم ودعهم يشربون ولأن الله تعالى قال في القرآن: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ

стр. 10333

تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (١) . س ١٢٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: نعمل في شركة وفيها نسبة من الكفار فهل يجوز الدعاء على أعيانهم ؟ فأجاب بقوله: الكافر أدع الله له، لا تدع الله عليه قل: اللهم اهده؛ لأن النبي ﷺ كان يدعو على أعيان قوم من المشركين، فنهي عن ذلك (٢) . فقل اللهم اهده والله قادر أن يهديه كما هو قادر على أن يعاقبه، وهدايته خير لنا من عدم هدايته، فادع الله له بالهداية لكن لا تدع الله له بالرحمة لو مات؛ لأنه يحرم على الإنسان أن يدعو لكافر بالرحمة أو بالمغفرة إذا مات بل من دعا لكافر مات على الكفر برحمة أو مغفرة فقد خالف في هذا سبيل النبي ﷺ والمؤمنين؛ لأن الله قال: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (٣) . ثم قال الله تعالى عن استغفار إبراهيم لأبيه: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا

стр. 10334

عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (١) . س ١٢٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكم الدعاء على هؤلاء الكفار الذين يعملون معنا ؟ فأجاب بقوله: لا يجوز الدعاء عليهم، إلا إذا بارزوا بالكفر وآذوا المسلمين فنعم، لكن تدعو عليهم في شيء يضرهم في الدنيا لا بشيء يضرهم في الآخرة، لأن الرسول ﷺ دعا على قريش حين أذوه فقال: "اللهم اجعلها سنين كسني يوسف فأصيبوا بالجدب والقحط" (٢) . س ١٢٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: شخص مسلم تداين من شخص كافر، وأكل حقه، فهل يصح للمسلم أكل مال كافر بغير حق أفيدونا في ذلك ؟ فأجاب بقوله: لا يحل للمسلم أن يأكل مال الكافر بغير حق فإذا كان قد استدان منه فإنه لا ينبغي له أن يكافئ المعروف بالإساءة،

стр. 10335

ويماطل في حقه؛ فإن النبي ﷺ اشترى شعيرًا لأهله من يهودي ورهنه درعه ومات ﷺ ودرعه مرهون عند هذا اليهودي (١) وقضي دينه بلا شك. وليعلم أن المعاملات الدنيوية ليست هي المعاملات الدينية فالكافر يعامل في المعاملات الدينية بما تقتضيه حاله؛ فيكره ويبغض ويعتقد فيه أنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن هذا لا يسوغ أن نخونه في ماله وأن نأكل ماله وأن نجحده، بل نعامله بما تقتضيه الشريعة الإسلامية من العدل في المعاملات. س ١٣٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: في هذه الأيام ونتيجة للاحتكاك مع الغرب والشرق وغالبهم من الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم. أراهم يؤدون تحية الإسلام علينا حينما نتقابل معهم، فماذا يجب علينا تجاههم ؟ فأجاب بقوله: إن هؤلاء الذين يأتوننا من الشرق ومن الغرب والذين هم ليسوا بمسلمين لا يحل لنا أن نبدأهم بالسلام؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام" (٢) . ولكن إذا

стр. 10336

سلموا علينا فإننا نرد عليهم بمثل ما سلموا علينا به لقوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (١) . وسلامهم علينا بالصيغة الإسلامية: (السلام عليكم) لا يخلو من حالين: فإما أن يقولوا: (السلام عليكم) . فلنا أن نقول: (عليكم السلام) . ولنا أن نقول: (وعليكم) . أما إذا لم يفصحوا باللام وهو الحال الثانية مثل أن يقول: (السام عليكم) . فإننا نقول: (وعليكم) فقط؛ وذلك لأن اليهود كانوا يأتون إلى رسول الله ﷺ ويسلمون عليه يقولون: السام عليكم. غير مفصحين باللام، والسام هو الموت. يريدون الدعاء على النبي ﷺ بالموت فأمر النبي ﷺ أن نقول لهم: "وعليكم" (٢) . فإذا كانوا قالوا: السام عليكم. قلنا: وعليكم، يعني أنتم أيضاً عليكم السام، هذا هو ما دلت عليه السنة، وأما أن نبدأه نحن بالسلام فإن هذا نهانا عنه النبي ﷺ . س ١٣١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: البعض يتأول في مسألة أهل الذمة بدعوى عدم وجود ولي الأمر العام أو الخلافة ،

стр. 10337

أو لعدم وجود أهل الذمة أصلا بدعاوى عديدة ولذلك لا يجدون غضاضة في دعوة الناس للاعتداء على غير المسلمين من المعاهدين؟ فأجاب بقوله: أنا أوافق على أنه ليس عندنا أهل ذمة؛ لأن أهل الذمة هم الذين يخضعون لأحكام الإسلام، ويؤدون الجزية، وهذا مفقود منذ زمن طويل، لكن لدينا معاهدون ومستأمنون ومعاهدون معاهدة عامة، ومعاهدة خاصة، فمن قدم إلى بلادنا من الكفار لعملٍ أو تجارة وسمح له بذلك فهو: إما معاهد أو مستأمن فلا يجوز الاعتداء عليه وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "أن من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة" (١) . فنحن مسلمون مستسلمون لأمر الله- محترمون لما اقتضى الإسلام احترامه من أهل العهد والأمان، فمن أخلَّ بذلك فقد أساء للإسلام وأظهره للناس بمظهر الإرهاب والغدر والخيانة، ومن التزم أحكام الإسلام واحترم العهود والمواثيق، فهذا هو الذي يرجى خيره وفلاحه. س ١٣٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: من يتجاوز هذه الضوابط يسمى مفتئتاً عند أهل العلم، لكن وجد في الحقيقة ممن

стр. 10338

ينتسب إلى أهل العلم من يقول: أن من قتل كافراً من غير المسلمين أو من المسلمين وقد حكم بارتداده فلا ينبغي أن يقاد بهذا الكافر؟ فأجاب بقوله: لاشك أنه لا يقتل المسلم بالكافر صح ذلك عن النبي ﷺ . (١) ولا يمكن أن نقتل مسلمًا بعدو من أعداء الله وأعداء المسلمين وهذا أمر مسلم به، لكن الكافر الذي بيننا وبينه عهد أو أمان لا يجوز لنا أن نغدر به أو أن نخونه قال تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٢) . س ١٣٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كيف نخرج من القول الأول وهو النهى عن الاعتداء على الكافر المعاهد، ولو حدث وقتل كيف نجمع بينه وبين منع قود المسلم بكافر ؟ فأجاب بقوله: نجمع بينهما بإعطاء الدية لأولياء المقتول من الكفار وإذا رأى الإمام أن يعاقب هذا القاتل بما يراه ردعا له ولأمثاله فليفعل، على أن من أهل العلم من قال: "إن قتل الغيلة أي: الغدر لا يشترط فيه المكافأة بل يقتل فيه المسلم بالكافر؛ لأن قتله من

стр. 10339

باب دفع الصائل ومنع الفساد في الأرض". قال ابن رجب ﵀ في شرح: "الأربعين": "وهذا مذهب مالك وأهل المدينة أن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة فيقتل فيه المسلم بالكافر". س ١٣٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: العلاقة الطيبة بين المبتعث وأستاذه (مشرفه الدراسي) ضرورة تقتضيها عدة أمور من بينها مصلحة الطالب نفسه، غير أن هناك بعضا من المبتعثين يجدون حرجا في تقوية هذه العلاقة، وخاصة فيما يتعلق بالمناسبات الدينية كبعث بطاقات التهنئة بما يسمى الكريسمس أو عيد رأس السنة، فهل ترون غضاضة في أن يكتب الطالب تهنئة لأستاذه خاصة إذا كانت من باب المجاملة المطلوبة في مثل هذا المجتمع ؟ فأجاب بقوله: لا يحل للإنسان أن يجامل كافراً على حساب دينه ولو كان هذا الكافر قد أحسن إليه كثيرًا؛ لأن الدين مقدم على كل شيء، وبناءً على هذه القاعدة لا يحل للطالب أن يبعث إلى أستاذه تهنئة بالشعائر الدينية كأعيادهم التي تكون على رأس السنة الميلادية، أو عيد الميلاد، فمن فعل ذلك فقد أتى إثمًا كبيرًا. حتى قال بعض العلماء: إنه يخشى أن يكفر بذلك؛ لأنه رضى بالشعائر الدينية، والرضى بالكفر كفر، أما المجاملات الأخرى كالتهنئة

стр. 10340

بالولد مثلاً، أو بالقدوم من سفر، وما أشبه ذلك فهذه أهون. س ١٣٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كيف نعامل النصارى المشاركين لنا في العمل والمجاورين لنا في المنازل ؟ فأجاب بقوله: تعاملوهم بمثل ما يعاملونكم، فإن هذا من العدل الذي أمر الله تعالى به، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) (١) . ولا بأس بالإحسان إليهم تأليفًا لهم على الإسلام لا توددًّا وتقربًّا إليهم لقول الله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٢) . وأما مودتهم وموالاتهم فلا يحل لنا ذلك لقوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (٣) الآية. وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ

стр. 10341

تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (١) . وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) (٢) . وأما تهنئتهم فن كانت لمناسبات دينية عندهم فهذا حرام بلا شك؛ لأنه يتضمن الرضا بما هم عليه من الكفر، وتثبيتهم عليه، وإدخال السرور عليهم به، وإن كانت لمناسبات غير دينية كحصول مال أو ولد فلا بأس به إذا كانوا يفعلون ذلك بنا لما فيه من العدل والإنصاف، وإلا فلا تهنئهم به إلا أن يتضمن ترك ذلك إضرارًا بنا. وأما تعزيتهم فنعزيهم إذا كانوا يعزوننا لما فيه من العدل والإنصاف، لكن ينبغي أن تكون تعزيتنا مفتاحًا لوعظهم ودعوتهم للإسلام. نسأل الله أن ينصر عباده المؤمنين على أعدائه الكافرين. حرر في ١٠/٧/١٤١٧ هـ.

стр. 10342

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلى الناس أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيراً أما بعد: فقد بلغني أن بعض الناس ولا سيما النساء كانوا يدعون الله تعالى بالمغفرة والرحمة لامرأة نصرانية ماتت في هذا الشهر جمادى الأولى سنة ١٤١٨ هـ بحادث وربما يبكين على موتها. والدعاء بالمغفرة والرحمة لغير أموات المسلمين حرام مخالف لسبيل النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلّم- والذين آمنوا لقوله تعالى: "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ" (١) . وكل من بلغته رسالة النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلّم- ولم يؤمن بها فهو من أصحاب الجحيم، سواء كان من المشركين الوثنيين أم من اليهود والنصارى أم من غيرهم؟ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه

стр. 10343

الأمة- يعنى: أمة الدعوة- يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (١) . أخرجه مسلم. وإذا كان الله تعالى نهى نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلّم- أن يستغفر لعمه أبى طالب مع أنه كان يدافع عن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلّم- وينصره، فكيف بمن دونه وبمن لم يعرف منه نصر للمسلمين ولا دين الإسلام؟ فالواجب على المسلم ألا تحمله العاطفة على الوقوع فيما حرم الله عليه، وأن يتوب إلى الله تعالى مما وقع فيه من المخالفة، وأن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا، وأن يتبرأ من أعداء الله تعالى كفعل إبراهيم الخليل ﵊ حين استغفر لأبيه قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (٢) . وليعلم أن من مات على غير الإسلام فإنه لا ينفعه ما عمل من خير عام أو خاص لقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (٣) الآية.

стр. 10344

وقالت عائشة- ﵂ للنبي ﷺ : يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال: "لا ينفعه"؛ إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (١) . رواه مسلم. وعن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ قال: قلنا: يا رسول الله! إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل وتفعل؛ هلكت في الجاهلين فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: "لا" (٢) رواه الإمام الأحمد وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". وإذا كان لا ينفعه عمله فعمل غيره من باب أولى، وعلى هذا فلا يحل الصدقة عنه ولا الأضحية ولا غيرهما من القربات. أسأل الله أن يوفقنا جميعاَ لما فيه رضاه واجتناب سخطه إنه سميع الدعاء. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٥ جمادى الأولى سنة ١٤١٨ هـ.

стр. 10345

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الجهاد في سبيل الله (١) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين، وقدوة للسالكين، وحجة على المرسل إليهم أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاد حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم خلفه في أمته خلفاء راشدون قادة مهديون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، ومازال الخلفاء في هذه الأمة يأتي الخلف من بعد السلف حتى آل الأمر إلى ما نحن عليه اليوم في هذه البلاد مهبط الوحي ومنبع الرسالة، هذه البلاد التي منها بدأ الإسلام ويعود، أما بدأ الإسلام من هذه البلاد فأمر لا يحتاج إلى عبارة؛ لأنه معلوم مستقر لدى العامة والخاصة، وأما رجوع الإيمان على هذه البلاد فقد ثبت عن النبي ﷺ وسلم أنه يرجع إلى المدينة كما ترجع الحية إلى جحرها (٢) .

стр. 10346

وإذا كان الأمر هكذا فإن واجبنا نحن في هذه البلاد يفوق واجب غيرنا في البلاد الأخرى؛ ذلك لأنه يجب علينا أن نحمي حوزة ديننا وأن تكون نيتنا خالصة لله، تكون كما قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (١) . يا أيها الأخوة لنقف قليلاً عند هذه الآية الكريمة، ولننظر: ما هي السلعة؟ وما هو الثمن؟ ومن العاقد؟ ومن المعقود معه؟ وما هي وثيقة العقد؟ فالمشترى هو: الله، والبائع هم: المؤمنون، والسلعة هي: الجهاد في سبيل الله، أنفسهم وأموالهم يبذلونها في سبيل الله- فالسلعة هي النفس والمال اللذان بذلا في الجهاد في سبيل الله. أما العوض: وهو الثمن الذي يدفع من المشتري فهو الجنة (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) . وأما الوثيقة: فالتوراة والإنجيل والقرآن، أعظم الكتب

стр. 10347

الإلهية المنزلة من عند الله تعالى فما أعظم العاقد وما أكبر هذه الصفقة! وما أجل المعقود معه في نيته وإخلاصه! وما أجل العوض! وما أثمن الثمن عند باذله؛ لأنه النفس والمال. أما النية التي قصد بها هذا العقد فهي موجودة في قوله تعالى: (يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) (١) . ليست حركتهم حركة تمني وإدعاء، ولكنها حركة فعل وإقدام (يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) (٢) والمقاتلة لا بد أن تكون مسبوقة بإعداد قوة يعتد بها الإنسان حتى يقاتل بها عدوه، أما أن ينزل إلى الميدان بدون عدة فإنه بلا شك حري بأن يخذل ويهزم، لكن هؤلاء المؤمنين لديهم من العدة ما استطاعوا أن ينزلوا به الميدان فيقاتلون في سبيل الله ولهذا قال تعالى: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) (٣) . فبدأ بكونهم يَقْتُلُون قبل أن يكونوا يُقْتَلُون، وهذا يدل على أن قتالهم قتال هجوم لا مدافعة، وهكذا يجب علينا- نحن المسلمين- أن نقاتل أعداءنا أعداء الله- قتال هجوم لا قتال دفاع؟ لأن الله يقول: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) وقال

стр. 10348

النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله" (١) . أيها الأخوة: وفى قوله تعالى: (فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) (٢) إشارة إلى أنه يجب أن يكون هذا القتال مبنيًا على الإخلاص لله- وعلى أتباع النبي ﷺ كما قال الله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (٣) . ولقد سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل حميه ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال النبي ﷺ كلمة جامعة مانعة قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (٤) من قاتل لهذا الغرض الوحيد وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، من قاتل لهذا، فهو في سبيل الله وهو الذي يستحق إذا قتل أن يكون شهيدًا داخلاً في قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 10349

أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (١) . وقال- : (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) (٢) ولا يدخل في ذلك من قاتل للوطنية المحضة أو القومية، وانتبه لقولي الوطنية المحضة؛ لأن الإنسان إذا قاتل من أجل وطنه لكونه وطنا إسلاميًا؛ ولأجل أن تبقى كلمة الله تعالى فيه هي العليا، فإن ذلك لا ينافي صحة النية والعقيدة، وهو داخل في القتال في سبيل الله تعالى، أما من قاتل عن وطنه لأنه وطنه فقط فلا فرق بينه وبين قتال الكافر الذي يقاتل عن وطنه، لأنه وطنه وأرجو أيها الأخوة أن تكون نيتنا في القتال عن وطننا، لا لمجرد كونه وطنًا لنا ولكن من أجل أنه وطن الإسلام الذي أقول- وأشهد الله تعالى على ما أقول وأشهدكم أيضاً - إنني لا أعلم أن في الأرض اليوم من يطبق من شريعة الله ما يطبقه هذا الوطن أعني المملكة العربية السعودية، وهذا بلا شك من نعمة الله علينا فلنكن محافظين على ما نحن عليه اليوم، بل ولنكن

стр. 10350

مستزيدين من شريعة الله- أكثر مما نحن عليه اليوم، لأنني لا أدّعي الكمال، وأننا في القمة بالنسبة لتطبيق شريعة الله لا شك أننا نخل بكثير منها، ولكننا خير والحمد لله مما نعلمه من البلاد الأخرى، ونحن إذا حافظنا على ما نحن عليه اليوم، ثم حاولنا الاستزادة من التمسك بدين الله- عقيدة ومنهاجًا فإن النصر يكون حليفنا ولو اجتمع علينا مَنْ بأقطارها، لأن الله- يقول وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (١) . فاقرأ الآيتين جميعًا ولا تكن ككثير من الناس يقرأ الآية الأولى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) فأقرا ما بعدها لأنها مهمة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) مهما عملوا من الأعمال فإنها في ضلال وهلاك ما داموا يقابلون الذين آمنوا ونصروا الله، فنحن إذا من الله علينا بالاتصاف بهذين الوصفين: الإيمان. ونصر الله- . وذلك بنصر دينه فإن الذين كفروا مهما كانوا أمامنا حالهم ما ذكر

стр. 10351

الله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) . لا تتهيب من عدوك ما دمت من أولياء الله الذين أمنوا وكانوا يتقون، الولاية لا تكون بكبر العمامة، ولا بسعة الكم، ولا بطول المسواك وبالتصنع أمام الناس، الولاية تكون بهذين الوصفين: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (١) . فإذا آمنا بالله ونصرناه بنصر شريعته فإن النصر سيكون حليفنا مهما كان أعداؤنا، ونصرنا لله لا يكون بمجرد سلامة العقيدة. فلا بد مع سلامة العقيدة من عمل صالح ولهذا جاء في الآية بيان أولياء الله الذين يستحقون نصر الله بأنهم (الَّذِينَ آَمَنُوا) وهذه هي العقيدة (وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وهذا هو العمل. وأعتقد أن بعضكم قد أخذ العبرة مما وقع للمسلمين وقائدهم، إمام المتقين وخاتم النبيين محمد ﷺ في غزوة أُحد التي كانت بين حزب الله، وحزب الشيطان، بين محمد ﷺ والذين آمنوا معه، وبين أبي سفيان وأتباعه وأبو سفيان أسلم بعد- أقول: إن هذه الغزوة التي وقعت بين حزب الله وحزب الشيطان كلنا لا نشك في سلامة العقيدة وحسن النية في الطرف الذين هم حزب الله، ولكن وقعت

стр. 10352

منهم معصية قد تكون ناتجة عن تأويل فكان النصر في أول النهار لحزب الله، وكان العكس في آخر النهار كما هو معلوم، هذه المعصية التي وقعت هي أن الرسول ﷺ - وقد آتاه الله الحكمة- (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (١) فقد رتب- ﵊ الجيش ونظمه أحسن نظام وجعل خمسين من الرماة على ثغر خلف الجيش حتى لا يؤتى المسلمون من خلفهم وقال لهم: "لا تبرحوا مكانكم سواء كان لنا أو علينا" (٢) . ولما رأى هؤلاء الرماة أن الكفار انهزموا وأن المسلمين بدؤا يجمعون الغنائم، انطلق منهم أناس وتركوا المكان اعتقادًا منهم أن الأمر قد انتهى، ولكن لما فرغ هذا الثغر، أو كاد يفرغ انطلق رجال من فرسان قريش نحو الثغر فدخلوا منه واختلطوا بالمسلمين من خلفهم وكان ما قضاه الله بحكمته- (٣) . والمهم أن معصية واحدة أدت بهذا النصر الذي بزغ نجمه إلى الخذلان، فإذا كانت هذه المعصية في جند الله- وفيهم رسوله ﷺ أثرت عليهم هذا التأثير قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ

стр. 10353

وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) (١) يعنى: فاتكم النصر. ففي هذا عبرة بأن المعاصي لها تأثير في خذلان المرء أمام نفسه، وأمام عدوه. وما أكثر ما كانت المعصية تجر إلى معصية أخرى ثم إلى أخرى، ومن الصغائر إلى الكبائر، ومن الكبائر إلى الكفر. ولهذا قال بعض العلماء: إن المعاصي بريد الكفر والبريد سيصل إلى غايته أقول: يجب علينا أولاً أن نصحح النية والعقيدة ويكون تصحيح النية والعقيدة بأن يكون قتالنا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا أي: أن تقام شريعة الله تعالى في أرضه بتحكيم كتابه وسنة رسوله في العقيدة والعمل، وعلينا أن نقوم بطاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه وأن نعلم علم اليقين أن للمعاصي تأثيرًا بالغًا في تأخر النصر، وأنها قد تحول بين الإنسان والنصر حتى يصل إلى الخذلان، والمعاصي أيها الأخوة قد تكون بفعل المحرم، وقد تكون بترك الواجب. ونحن علينا لله- واجبات يومية، وأسبوعية، وواجبات شهرية، وواجبات حولية، بل وعمريه. علينا واجبات يومية لله- وأهم ما علينا من الواجبات اليومية الصلاة التي قال الله عنها: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (٢)

стр. 10354

كتابًا بمعنى: فرضاً. وموقوتاً: بمعنى ذا وقت. وهنا مسألة لو أن الصلاة أتت والإنسان في الجو في تدريب عسكري، ولا يتمكن الآن من النزول فماذا يصنع هل يصلى وهو في الجو! أو ينتظر حتى ينزل، أو يفصل بين أن يتمكن من الصلاة قبل خروج الوقت وبعده؟ أقول: إذا كان الإنسان لا يتمكن من النزول قبل خروج الوقت، فإنه إذا كان يمكنه أن يصلى في الطائرة صلاة تامة صلى ولا بأس، وإذا كان لا يمكنه فإن كان في صلاة يمكن أن يجمعها إلى ما بعدها ثم يصليها بعد النزول فإنه يؤخرها ليجمعها لما بعدها، مثل لو جاء هذا التمرين في وقت صلاة الظهر، ولا يتمكن من النزول إلا بعد دخول وقت العصر، ولا يتمكن من أداء الصلاة تامة في الطائرة فإنه يؤخر صلاة الظهر إلى صلاة العصر جمعًا؛ لأن الجمع جائز إذا لحق بتركه مشقة قال ابن عباس- ﵄ "جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر". قالوا: ما أراد؟ قال: "أراد أن لا يحرج أمته ". (١) أي: أن لا يلحقها الحرج.

стр. 10355

أما إذا كانت الصلاة لا تجمع إلى ما بعدها كما لو كانت صلاة العصر، أو صلاة العشاء، أو صلاة الفجر، فإنه لا يؤخرها عن الوقت بل يصليها على حسب حاله ويأتي بما يقدر عليه من أركانها وواجباتها وشروطها لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (١) وقوله في نفس الصلاة: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) (٢) أيها الأخوة: إنني أدعوكم إلى إخلاص النية، وإصلاح العمل بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة، وليست الحكمة أن تسكتوا عن المنكر، أو تتغاضوا عن الواجب، ولكن الحكمة أن تآلفوا على دين الله ولا تتفرقوا فيه، وإياكم أن تأخذكم العزة بالإثم، أو الغيرة التي تدفعكم إلى العنف والشدة فإن ذلك لا يجدي شيئا، وقد قال النبي ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف " (٣) . هذه وصية أرجو أن تكون نصب أعينكم فإنه لا يخلو مجتمع كبير من أن يكون فيه شيء لا يرضى به بعض عن بعض، ولكن لابد أن

стр. 10356

نحل هذه الأمور بالتآلف والتآخي، وأن نشعر أننا شيء واحد فيما يواجهنا. وإنني أشكر الله أننا في هذه البلاد ولله الحمد لم نسلك ما سلكه غيرنا من إلزام الطلبة ومن فوق الطلبة بما حرم الله- عليهم فإن من الناس السفهاء في غير هذه البلاد من لا يرضون أن ينتسب جندي أو عسكري إلى الجندية أو العسكرية حتى يفعل ما حَرَّمَ الله عليه وحتى يفعل ما هو معصية لرسول الله ﷺ ، حتى إننا سمعنا أن بعضهم يلزمهم بان يحلقوا لحاهم؛ أي أن هذا المسكين ألزمهم بمعصية رسول الله ﷺ ولا أدرى عن هذا المسكين السفيه هل هو يريد أن ينتصر بأسم الإسلام وهو يأمر بمعصية رسول الإسلام ﷺ ؟! أين الانتصار؟! كيف ننتصر على عدونا ونحن لم ننتصر على أنفسنا؟! ولهذا لو أن أحدًا أمر شخصا بمثل هذا الأمر أو غيره من معصية الله فإن بإمكان المأمور بل يجب عليه أن يقول: لا سمعا ولا طاعة لأن الله- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (١) . تأمل: هذه ثلاثة أوامر: أمر الله، وأمر الرسول، وأمر أولي الأمر.

стр. 10357

ولكن هناك فرق بين طاعة أمر الرسول وأمر أولي الأمر، فطاعة الرسول كرر فيها فعل الأمر (أَطِيعُوا الرَّسُولَ) إذن فطاعة الله مستقلة، وطاعة الرسول مستقلة؛ لأن الرسول ﷺ لا يأمر بما يخالف أمر الله. أما طاعة أولي الأمر فإن الله تعالى جعلها تبعًا فقال (وَأُولِي الْأَمْرِ) ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، فمن ثم كانت طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله ورسوله، لأنهم ربما يأمرون بما يخالف أمر الله ورسوله، فإن أمروا بما فيه مخالفة أمر الله ورسوله فإنهم لا يستحقون أن يطاع أمرهم؛ لأن الله تعالى جعل أمرهم تبعًا لأمر الله ورسوله، ولهذا لما بعث النبي عليه والصلاة والسلام رجلاً على سرية وأمرهم بطاعته فصار في نفسه شيء عليهم، فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا فيه النار وأن يلقوا أنفسهم في النار، ولكن بعضهم قال لبعض: كيف نلقي أنفسنا في النار ونحن لم نؤمن بالرسول ﷺ إلا خوفًا منها؟ وامتنعوا، فلما قدموا إلى النبي ﷺ وأخبروه الخبر قال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف" (١) ولكن إذا أمرك من هو فوقك بأمر خلاف أمر الله ورسوله فهل من الحكمة أن تقول

стр. 10358

أمام الناس لا سمعًا ولا طاعة؟ أو من الحكمة أن تنتظر ولا تنفذ المعصية؟ ولكن تقول لهذا الذي فوقك فيما بعد إن هذا أمر مخالف لأمر الله ورسوله، لأنه قد يكون الآمر جاهلاً بأن ذلك مخالف لأمر الله ورسوله، أو يكون الآمر متأولاً لأمر الله ورسوله، فإن كان جاهلاً فإنه يزول بالتعليم بإبلاغه حكم الله ورسوله، وإن كان متأولاً فإن داءه يزول بالمناقشة، لأن المتأول لنص من نصوص الشرع إذا كان تأويله خطأ فإنه يداوى بالمناقشة معه في هذا النص الذي أوله، وحينئذ يكون من الحكمة ألا يقوم المأمور أمام من فوقه وأمام الناس فيقول: لا سمعًا ولا طاعة. إني أرى- وأستغفر الله إن كنت أخطأت- أن الأولى أن يسكت ولا ينفذ المعصية، ثم بعد ذلك يتفاهم مع هذا الذي أمر، أما أن ينفذ شيئا يعتقد أنه معصية لله ورسوله فإن هذا لا يجوز، لأن هذا من تقديم أمر المخلوق على أمر الخالق، وأنت يوم القيامة، بل قبل يوم القيامة سوف تنفرد بعملك ولا ينفعك الآمر ولا الترقية، ولا يضرك إذا خالفت الأمر في طاعة الله وحصل لك بعض العقوبات. أيها الأخوة: إن علينا جميعًا أن نعتمد على الله وأن نأخذ بأسباب النصر ومنها:

стр. 10359

أولاً: إخلاص النية لله بأن ننوي بجهادنا إعلاء كلمة الله، وتثبيت شريعته، وتحكيم كتابه وسنة رسوله ﷺ . ثانيًا: أن نلتزم بالصبر والتقوى، فإن الله مع الصابرين، وإن الله مع المتقين. علينا أن نصبر على الجهاد وأن نتقي الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإن مخالفة أمر الله ورسوله ﷺ من أسباب الخذلان، فهؤلاء الصحابة ﵃ كما تقدم- خالف بعضهم في أمر واحد من أوامر رسول الله ﷺ في غزوة أحد فكانت الهزيمة عليهم بعد أن كان النصر لهم في أول الأمر، ولكن بعد ذلك تداركهم عفو الله فعفا الله عنهم. ثالثًا: أن نعرف قدر أنفسنا وألا حول لنا ولا قوة إلا بالله فلا يأخذنا العجب بقوتنا وكثرتنا، فإن الإعجاب بالنفس والاعتزاز بها من دون الله سبب للخذلان، ولقد أعجب الصحابة رضي الله عنهم، بكثرتهم يوم حُنين، فلم تغنِ عنهم شيئًا، ثم ولوا مدبرين، ولكن الله أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا من الملائكة فكانت العاقبة للمؤمنين. رابعًا: أن نعد العدة للأعداء مستعملين في كل وقت وحال ما يناسب من الأسلحة والقوة؛ لنرد على سلاح العدو بالمثل، فإذا

стр. 10360

تحققت هذه الأمور الأربعة فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (١) ، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (٢) وكما أن للنصر أسباباً فكذلك للهزيمة أسباب منها: أولاً: أن يكون الإنسان مسرفًا على نفسه، مقصرًا في حق ربه، مرتكبا لما حرمه الله عليه، تاركا لما أوجب الله، فتكون الهزيمة تأديبًا له وتكفيرًا لسيئاته. ثانيًا: الإعجاب بالنفس والقوة، وكثرة العدد والعدة. ثالثًا: التفرق واختلاف الكلمة قال الله تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (٣) . وقد بين الله في كتابه هذه الأسباب الثلاثة للهزيمة ليحذر الناس منها، ففي غزوة أحد حصل من بعض المسلمين مخالفة فيما أمروا أن يكونوا فيه، وتنازع واختلاف فحصلت الهزيمة قال الله تعالى: (وَمَا

стр. 10361

أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) (١) وذكر لذلك حكمًا عظيمة. وفى حنين أعجب المسلمون بكثرتهم وكانوا اثني عشر ألفا فقال بعضهم: لن نغلب اليوم عن قلة (٢) فقال الله تعالى مخبرا عن ذلك: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣) . والحكمة في ذلك: أن يعلم العباد أن النصر من عند الله تعالى، وأن الأسباب ليست وحدها هي الكافية في الانتصار ودحر الأعداء، خصوصًا إذا افتخر العبد بها، ونسي أن الأمور كلها بإذن الله، وأن العبد إذا وكل إلى قوته وكل إلى ضعف وعجز وعورة، فإذا كانت هذه الأمور الثلاثة: التفريط في حق الله. والإعجاب بالنفس.

стр. 10362

والتنازع والاختلاف من أسباب الهزيمة فإن الجنود المخلصين لابد أن يتأملوا الأسباب، ومن أين حصلت هزيمتهم؟ ثم يسعوا في القضاء على الداء فتكون النتيجة خيرًا، قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١) أيها الأخوة: يقول الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) . (٢) فأَمَرَ الله تعالى أن نعد لأعداء الله ما استطعنا من قوة. وكلمة (قوة) : نكرة كما هو ظاهر، وقد فسر النبي ﷺ المراد بها فقال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". (٣) وقال ﷺ "ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا". (٤) أمر الله تعالى أن نعد ما استطعنا من القوة، وفسر النبي ﷺ القوة بالرمي ثم قال: (وَمِن

стр. 10363

رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) . (١) الذين لا نعلمهم ويعلمهم الله، قيل: إن المراد بهم من هو بعيد عن مشاهد المؤمنين في ذلك اليوم أي بعيد في مكانه. وقيل: المراد بهم المنافقون قال الله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) (٢) ، لأن المنافقين إذا رأوا عزة الإسلام فنهم سوف يرهبون ويخافون، ولهذا لم يحصل النفاق في الأمة إلا بعد غزوة بدر حين أعز الله المسلمين وأذلَّ المشركين، فالمراد بمن دونهم إما أنهم أناس لم يبلغهم قتال المؤمنين ولم يعلموا بهم، وإما أنهم المنافقون. أيها الأخوة: إن المسلمين لم يخذلوا ويدعوا الجهاد إلا بسبب ركونهم إلى الدنيا وترفهم وعدم مبالاتهم، وإني لأحمى الروح الطيبة التي كانت من بعض الشباب فيما يتعلق بأفغانستان، فإن من الشباب من لديه الجرأة والإِقدام العظيم، حتى إن بعضهم يقول أنا أريد أن تفتيني بأن الجهاد فرض عين حتى لا تحرمني الشهادة في سبيل الله، هذا وهو شاب في مقتبل العمر ومقتبل الشباب، وهذا يدل على نية صادقة، وإني أبشر كل من تمنى أن يقتل شهيدًا في سبيل

стр. 10364

الله، ولكن لم يمنعه إلا مانع شرعي، أبشره بأنه يكتب له أجر الغازي في سبيل الله وإن مات على فراشه. أيها الأخوة: لقد ألهم الله حكومتنا في هذه الأيام- وفقها الله تعالى- أن تفتح مكاتب للدفاع الوطني في كل بلد، وهذه أيها الأخوة فرصة أتيحت لكم وستكون بحول الله تعالى فاتحة خير لما بعدها، فيا أيها الشباب انتهزوا هذه الفرصة، انفعوا أنفسكم، انفعوا أمتكم، فأنتم أهل العزيمة، أنتم أهل الإقدام. مرنوا أنفسكم ما دمتم في طور التعلم والتمرن. لا تكونوا جاهلين بأبسط أنواع الدفاع، ترضون لأنفسكم بالتأخر، وأنتم الشباب الذين خلقكم الله وأنشأكم في هذا العصر؛ لتقوموا بما تتطلبه أمور هذا العصر من أساليب الدفاع عن دينكم وأمتكم، وإني لأرجو الله تعالى أن ترى أمتكم منكم ما تقرُّ بهِ عينها وينشرح له صدرها، وأن يكون هذا عاما ليتكون من هذه البلاد شبابها وكهولها أمة حاملة للسلاح، تقوى على الدفاع عن دينها وحماية أوطانها. كما نسأل الله تعالى أن يوفق المواطنين للتسارع والتنافس في هذا الميدان النافع، وأن يلهبوا شعور الأمة للتسابق إليه امتثالاً لأمر الله تعالى، وتمشيًا مع رغبة ولاة الأمور، ونسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويوفق ولاة أمورنا للقيام بما أوجب الله عليهم من

стр. 10365

رعاية من ولاهم الله عليهم، رعاية تامة يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ويوجهونهم لما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأن يجعلنا جميعًا من المجاهدين في سبيله الناصرين لدينه، إنه جواد كريم، كما أسأله أن ينصر إخواننا المجاهدين في كل مكان والحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →