← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 10361–10400 · переход к 10366.

стр. 10361

أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) (١) وذكر لذلك حكمًا عظيمة. وفى حنين أعجب المسلمون بكثرتهم وكانوا اثني عشر ألفا فقال بعضهم: لن نغلب اليوم عن قلة (٢) فقال الله تعالى مخبرا عن ذلك: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣) . والحكمة في ذلك: أن يعلم العباد أن النصر من عند الله تعالى، وأن الأسباب ليست وحدها هي الكافية في الانتصار ودحر الأعداء، خصوصًا إذا افتخر العبد بها، ونسي أن الأمور كلها بإذن الله، وأن العبد إذا وكل إلى قوته وكل إلى ضعف وعجز وعورة، فإذا كانت هذه الأمور الثلاثة: التفريط في حق الله. والإعجاب بالنفس.

стр. 10362

والتنازع والاختلاف من أسباب الهزيمة فإن الجنود المخلصين لابد أن يتأملوا الأسباب، ومن أين حصلت هزيمتهم؟ ثم يسعوا في القضاء على الداء فتكون النتيجة خيرًا، قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١) أيها الأخوة: يقول الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) . (٢) فأَمَرَ الله تعالى أن نعد لأعداء الله ما استطعنا من قوة. وكلمة (قوة) : نكرة كما هو ظاهر، وقد فسر النبي ﷺ المراد بها فقال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". (٣) وقال ﷺ "ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا". (٤) أمر الله تعالى أن نعد ما استطعنا من القوة، وفسر النبي ﷺ القوة بالرمي ثم قال: (وَمِن

стр. 10363

رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) . (١) الذين لا نعلمهم ويعلمهم الله، قيل: إن المراد بهم من هو بعيد عن مشاهد المؤمنين في ذلك اليوم أي بعيد في مكانه. وقيل: المراد بهم المنافقون قال الله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) (٢) ، لأن المنافقين إذا رأوا عزة الإسلام فنهم سوف يرهبون ويخافون، ولهذا لم يحصل النفاق في الأمة إلا بعد غزوة بدر حين أعز الله المسلمين وأذلَّ المشركين، فالمراد بمن دونهم إما أنهم أناس لم يبلغهم قتال المؤمنين ولم يعلموا بهم، وإما أنهم المنافقون. أيها الأخوة: إن المسلمين لم يخذلوا ويدعوا الجهاد إلا بسبب ركونهم إلى الدنيا وترفهم وعدم مبالاتهم، وإني لأحمى الروح الطيبة التي كانت من بعض الشباب فيما يتعلق بأفغانستان، فإن من الشباب من لديه الجرأة والإِقدام العظيم، حتى إن بعضهم يقول أنا أريد أن تفتيني بأن الجهاد فرض عين حتى لا تحرمني الشهادة في سبيل الله، هذا وهو شاب في مقتبل العمر ومقتبل الشباب، وهذا يدل على نية صادقة، وإني أبشر كل من تمنى أن يقتل شهيدًا في سبيل

стр. 10364

الله، ولكن لم يمنعه إلا مانع شرعي، أبشره بأنه يكتب له أجر الغازي في سبيل الله وإن مات على فراشه. أيها الأخوة: لقد ألهم الله حكومتنا في هذه الأيام- وفقها الله تعالى- أن تفتح مكاتب للدفاع الوطني في كل بلد، وهذه أيها الأخوة فرصة أتيحت لكم وستكون بحول الله تعالى فاتحة خير لما بعدها، فيا أيها الشباب انتهزوا هذه الفرصة، انفعوا أنفسكم، انفعوا أمتكم، فأنتم أهل العزيمة، أنتم أهل الإقدام. مرنوا أنفسكم ما دمتم في طور التعلم والتمرن. لا تكونوا جاهلين بأبسط أنواع الدفاع، ترضون لأنفسكم بالتأخر، وأنتم الشباب الذين خلقكم الله وأنشأكم في هذا العصر؛ لتقوموا بما تتطلبه أمور هذا العصر من أساليب الدفاع عن دينكم وأمتكم، وإني لأرجو الله تعالى أن ترى أمتكم منكم ما تقرُّ بهِ عينها وينشرح له صدرها، وأن يكون هذا عاما ليتكون من هذه البلاد شبابها وكهولها أمة حاملة للسلاح، تقوى على الدفاع عن دينها وحماية أوطانها. كما نسأل الله تعالى أن يوفق المواطنين للتسارع والتنافس في هذا الميدان النافع، وأن يلهبوا شعور الأمة للتسابق إليه امتثالاً لأمر الله تعالى، وتمشيًا مع رغبة ولاة الأمور، ونسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويوفق ولاة أمورنا للقيام بما أوجب الله عليهم من

стр. 10365

رعاية من ولاهم الله عليهم، رعاية تامة يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ويوجهونهم لما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأن يجعلنا جميعًا من المجاهدين في سبيله الناصرين لدينه، إنه جواد كريم، كما أسأله أن ينصر إخواننا المجاهدين في كل مكان والحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 10366

أحداث حرب الخليج (١) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على محاجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأخوة المؤمنون: فإننا نتحدث إليكم هذه الليلة حديث الصراحة، حديث الود، حديث الإيمان بأنكم على ثقة تامة مما أخبر الله به ورسوله فيما يكون من أسباب المصائب وأسباب الحوادث المزعجة المذهلة في أسبابها ومجرياتها ونتائجها. أيها الأخوة المؤمنون: إنني أعلم أنه قد سبقني إلى التحدث إليكم إخوة لنا مخلصون، بيَّنوا أكثر مما نبيّن، ولا نستطيع أن نتكلم بمثل ما تكلموا به لما أعطاهم الله- من البيان والفصاحة، ولكن

стр. 10367

نظراً لكثرة الذين يأتون إليَّ في عنيزة من أهل الرياض ومن غيرهم رأيت أنه لا بد أن أحظى بمقابلتكم في هذه الليلة التي يتم بها أربعون يوماً من هذا الحادث المؤلم الذي أصيب به المسلمون لا في الشرق الأوسط فحسب ولكن في جميع أقطار الدنيا؛ لأن هذا الحادث المؤلم لا شك أنه يسيء لسمعة المسلمين، إذ أن الأمم إذا رأت أن الأمة الإسلامية كالوحوش يأكل بعضها بعضاً ويعتدي بعضها على بعض على هذا النحو فإنها سوف تقول: لو كان إسلامها صحيحاً لم يصل بهم إلى هذا الحد. ولا يعلم كثير من الناس أن الإسلام شيء والمسلمين شيء آخر، فالإسلام نزل من عند الله- من عند حكيم خبير حرَّم الله فيه الظلم وحرم فيه العدوان، وحرم فيه الكذب، وحرم فيه الغش، وحرم فيه جميع مساوئ الأخلاق، وأمر بالعدل والإحسان، والخير والفضل حتى قال النبي ﷺ : "كل معروف صدقة" (١) . إن هذا الحادث المؤلم يسيء أيضاً إلى سمعة العرب بالذات، لأن العرب كما تعلمون قد سُلطت عليهم الشرر، ولا أقول الأضواء من كل جانب حتى عدهم بعض الناس قراصنة هذا الزمن المخربين الذين يدمرون ما يصلح الناس، فإذا وقع هذا من أمة عربية فإنه لا

стр. 10368

شك أنه سيعلي من شأن اليهود الذين احتلوا بعضاً من البلاد الإسلامية، سوف يكون ذلك رفعة لهم وتصديقاً لما يدَّعونه في العرب، ولهذا تعتبر هذه الكارثة أشد إساءة إلى العرب منذ قامت الدعوة إلى القومية العربية، وإن كنَّا لا نؤيد هذه الدعوى ونرى أنها دعوى جاهلية، وأن الواجب أن تكون الدعوة دعوة إسلام تلتف الأمة الإسلامية بعضها إلى بعض من عرب وغير عرب في جميع أقطار الدنيا، لكنا نقول: إن هؤلاء الذين ينادون بالعروبة وبالقومية وما أشبه ذلك هم الذين أساءوا إليها بهذا الفعل الذي وقع منهم، وهم الذين صدَّقوا ما تدعيه اليهود من أن العرب قوم قراصنة معتدون، قوم مخربون، قوم ظالمون إلى غير ذلك من ألقاب السوء التي يلقبون بها العرب. إن هذه الكارثة أيها الأخوة: سوف تؤخر العرب اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً عشرات السنين إلى مدى لا يعلمه إلا الله؛ لأنها دمرت وستدمر كثيراً مما صنعه العرب، وتعبوا عليه مدة طويلة، إن هذه الكارثة لا شك أنها بلبلت أفكار الناس وشغلتهم عن دينهم حتى أصبح المصلي يصلي وهو يفكر، وأصبح العابد يعبد الله وهو يفكر، وشغلت كثيراً من الناس عن أمور مهمة؛ لأنها ذات شأن عظيم كبير، لذلك لا يعلم مدى ضررها ونتائجها إلا الله- -

стр. 10369

وكلنا يعلم أنها مؤلمة وأنها عظيمة على النفوس وأنها فتنة كبرى. ولكن لا بد أن نبين هنا بصراحة الحقائق التالية: الحقيقة الأولى: ما جرى علينا في هذه الأيام وفي خلال الأربعين يوماً إنما هو بقضاء الله وقدره، ولا شك أن ذلك صادر عن علم الله- وعن مشيئة الله وعن حكمة الله ؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (١) . إذا كان هذا بقضاء الله وقدره المكتوب قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والذي الإيمان به أحد أركان الإيمان الستة فإنه يجب علينا أن نعلم علم اليقين أن ما جرى هو بقضاء الله وقدره وما الله بغافل عما تعملون، وإذا علمنا أنه بقضاء الله وقدره فلنفكر في أسباب هذا القضاء والقدر، لأن الله لا ينسب الشر إليه، كما قال النبي ﷺ : "الخير كله في يديك والشر ليس إليك" (٢) والله- لا يظلم أحداً من خلقه فلنفكر ما هي أسباب هذه المصيبة

стр. 10370

العظيمة، ولنرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ حتى نعرف السبب ونعرف بعد ذلك الدواء، لأنه لا يمكن التداوي بدواء حتى يُعرف الداء ونستطيع أن نشخصه ثم نحاول الدواء الناجح الذي نتخلص به من هذا الداء، يجب أن نعلم أن لهذه المصيبة سببين: السبب الأول: شرعي. والسبب الثاني: كوني قدري. فالكوني القدري هو الشيء المحسوس مما نسمع وما ينشر في الإذاعات أو في الصحف الداخلية والخارجية كاختلاف على حدود، أو اختلاف في ديون، أو اختلاف في أشياء أخرى يضرب بها من هنا وهناك، ويكتب بها في الصحف، قد تكون صحيحة، وقد تكون غير صحيحة، لكن الذي حمل هذه الأسباب على أن تقع مقتضياتها هو السبب الشرعي، والسبب الشرعي لهذه المصائب وهو الذي يجب علينا أن نبحث عنه للتخلص منه. فالسبب الشرعي: بيَّنه الله تعالى في كتابه غاية البيان، فقال جل وعلا: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (١) . وقال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٢) . وقال تبارك

стр. 10371

وتعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (١) . والآيات كثيرة تبين أن ما أصابنا من المصائب فهو من عند أنفسنا، وانظروا خطاب الله- لصدر هذه الأمة وخير القرون من هذه الأمة وغيرها حيث يقول عز وجل: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) (٢) . كيف نصاب بهذه المصيبة؟ الجواب: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) . فالأنفس هي السبب في هذه المصائب، وما هو أعظم منها وأكبر، قال الله : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) (٣) . فلننظر ما هو السبب الذي كان به هذه الكوارث، فنقول: ضعف الإيمان في نفوس كثير من الناس حتى أصبح منهم من يشك في الأمور اليقينيات التي بينها الله في

стр. 10372

كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، وأجمع عليها المسلمون، وصار منهم من يشك هل هناك بعث، وهل هناك قيامة، وهل هناك جزاء، أو أنها أرحام تدفع وأرض تبلع، منا من يعتقد هذا الاعتقاد ويرى أنه يجب أن نتناسى الماضي وكأنه لم يكن، ولنبعث الأمة من جديد حتى نكون موافقين لما يتطلبه العصر، وهؤلاء قد تناسوا ما جاءت به الكتب السماوية، ولهذا أجمعت الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن على أن البعث حاصل وأن الناس سيبعثون ويجزون على أعمالهم، لكن منَّا من هو بيننا ويقول: إنه مسلم، ولكنه ينكر الإيمان، ينكر اليوم الآخر ولا يؤمن به، أليست هذه مصيبة توجب مصائب كثيرة؟! في المجتمع من لا يصلي إطلاقاً لا في البيت ولا في المسجد، ولا يأمر أهله بالصلاة، بل يسخر من المصلين ويستهزئ بهم، ويقول: إلى متى هذه العقلية القديمة؟ إلى متى نرجع إلى الوراء؟ العصر عصر تقدم! والحقيقة أن كل شيء يخالف الإسلام فهو تأخر، () وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) (١) . (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) (٢) . هؤلاء هم أهل السبق، هم أهل التقدم، هم أهل السعادة

стр. 10373

والفلاح في الدنيا والآخرة، أما من خرج عن سبيلهم فهو في تأخر إلا أن يراد بالتقدم أنه كما قال الله تعالى في فرعون: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) (١) . في المجتمع من لا يزكي ويرى أن الزكاة غرم وخسارة وضريبة، ومع ذلك حرم أن يدفع الزكاة الواجبة التي هي من أركان الإسلام، ثم يتلف ماله في أمر لا خير فيه. انظر للحرمان- والعياذ بالله-. وفي المجتمع من لا يحج، ومن لا يصوم، ومن يشرب الخمر، ومن يزني، ومن يسرق إلى غير ذلك من الأشياء الكثيرة التي فشت في المجتمع الإسلامي، مع أن الإسلام يحارب هذه الأشياء، ولقد مضى على ذلك زمن كثير والناس في غفلة، لكنا نرجو أن يوقظنا الله تعالى بهذه المصيبة، وأن نرجع إلى الله ، وأن نفكر في أنفسنا، وأن نحاسب أنفسنا، ما الذي حصل حتى يتحقق قول الله : (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) (٢) . ليس كل الذي عملوا، بل قال سبحانه: (بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إذن السبب الشرعي لوقوع هذه المصيبة، وما هو أعظم منها هو: إعراض الناس عن دين الله، وانتهاكهم لمحارم الله، وتفريطهم في طاعة الله، والتماس

стр. 10374

حكامهم الحكم بين عباد الله بغير شريعة الله، فيأخذون الحكم من قوانين البشر الوضعية المختلة التي لا يمكن أن يصلح الخلق إلا ما وافق الحق، وما وافق الحق فالواجب أن نأخذه من معدنه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإذا رجعنا إلى الله وأصلحنا ما فسد وقمنا بما يجب فإن الله تعالى سوف يرفع عنا هذه الغمة وهذه المصيبة وهذه النكبة. نسأل الله تعالى أن يرفعها عنا وأن يعفو عنا جميعاً، إن الواجب- أيها الأخوة- علينا أن نتوب إلى الله توبة حقيقية، توبة نصوحاً بالقيام بطاعة الله، واجتناب معاصي الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نساند الدعاة إلى الله بقدر ما نستطيع، وإذا لم يكن لدينا قدرة على الدعوة إلى الله فلنكن سنداً إلى الداعين إلى الله، إذا لم يكن لدينا قدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلنكن مساندين للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر حتى يستقيم الدين وحتى لا يتفرق الناس، لأن الناس إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفرقوا بلا شك، قال الله تعالا: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (١) .

стр. 10375

إذن الحقيقة الأولى: أن هذه المصيبة جرت بقضاء الله وقدره وكل ما كان بقضاء الله وقدره، فإنه لحكمة بالغة قد نعلمها وقد لا نعلمها؛ لأن الله حكيم لو شاء الله ما اقتتلوا، لو شاء الله ما فعلوها، لكنه شاء أن يكون لحكمة بالغة. الحقيقة الثانية: أن هذه المصيبة بالذات لها سببان: سبب كوني قدري وهو السبب المحسوس الذي ادعي أن هذه المصيبة بنيت عليه. والسبب الثاني: شرعي وهو ذنوب العباد وانحرافهم عن الله ، فما هو دواء السبب الأول؟ دواء السبب الأول: يرجع إلى المسؤولين عن هذه المسألة ولا نملك فيه شيئاً. والسبب الثاني: هو الذي بمقدور كل واحد منا، وهو الرجوع إلى الله بالتوبة وإصلاح العمل حتى يجلي الله عنا هذه الغمة. الحقيقة الثالثة: أن الواجب علينا إزاء هذا الحدث العظيم أن تجتمع الكلمة وألا نتفرق، وأن يكون هدفنا وغايتنا نصر شريعة النبي ﷺ ونصر كل من يكون إليها أقرب من البشر، ننصر الشريعة بقدر ما نستطيع، وننصر أقرب من يكون إليها من البشر؛ لأننا إذا فعلنا ذلك فإن النصر حليفنا؛ لأن الله تعالى يقول: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ

стр. 10376

إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (١) . ويقول : (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (٢) . فالنصر حليفنا إذا كنا ننصر شريعة الله، وننصر من يكون أقوم بشريعة الله؛ لأن هذا هو الواجب فلنكن أمة واحدة بدون تفرق، واعلموا أيها الأخوة: إن الفتن التي حصلت في صدر هذه الأمة وحصل منها ما حصل من تفرق الأمة وتشتت كلمتهم إنما نزلت بمثل هذه الأمور باختلاف الرأي عن غير علم ونظر في النتائج والعواقب. أقول: لا تأخذك العاطفة، فالعاطفة إن لم تكن مبنية على العقل والشرع صارت عاصفة، تعصف بك وتطيح بك في الهاوية، اجعل سيرك في القلب، وفي اللسان، وفي الجوارح، مبنيا على العقل مستمدا من الشرع، فإن كون الإنسان يندفع بدون تروي ونظر في العواقب وميزان بين الأمور، أنا لا أقول أن كل ما حصل على صواب، ولكني أقول حنانيك، بعض الشر أهون من بعض، لينظر الإنسان في النتيجة والعاقبة قبل أن يحكم بان هذا خطأ أو هذا صواب، قبل أن يحكم بأنه يجب أن يكون كذا أو لا يكون كذا، حتى يكون على بينة من

стр. 10377

أمره، حتى يبرئ ذمته أمام الله ، وحتى لا يجعل الناس في بلبلة، كل واحد يتهم الآخر، وكل واحد يتكلم في الآخر، فانظر للعواقب والنتائج ثم احكم فإن العاقبة للمتقين، كما قال الله عز وجل: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (١) . حتى لو كان في نفسك شيء من الأشياء فلا تبديه لغيرك حتى تعلم أن في إبدائه خيراً؛ لأن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت (٢) . وانظر ماذا يترتب على كلمتك من خير أو شر، فإن ترتب عليها خير فافعل وقل وصرِّح ولا تخش في الله لومة لائم، وإن لم يترتب عليها الخير فاسكت، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت. وانتبه يا أخي فلتقل خيراً إذا كان الشيء خيراً في نفسه كالذكر مثلاً، أو خيراً فيما يؤدي إليه كالكلام أمام الناس؛ لأن الناس ولاسيما في هذه الظروف ربما يسمعون الكلمة فيؤولونها تأويلات حسب مفهومهم، وحسب أمزجتهم فيحصل بذلك شر كثير من

стр. 10378

جراء كلمة، وانظر إلى أحكم الخلق محمد ﷺ إذ قال لعائشة ﵂: "لولا أن قومك حديث عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين باب يدخل منه الناس وباب يخرجون منه (١) ، لكنه ﷺ ترك بناء الكعبة مع أنه خير خوفاً من الفتنة، خوفاً مما يترتب عليه لو أنه فعل. نرتقي إلى أعظم من ذلك، فمثلاً لو قام رجل يسب آلهة المشركين ويقدح فيها، وسب آلهة المشركين خير لا شك، لكن إن كان سب آلهة المشركين يؤدي إلى سب الله صار شراً، فهو خير لكن لما كان يؤدي إلى شر مُنع، قال الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (٢) . إذن: فالميزان أنه لا بد أن ينظر الإنسان بين المصالح والمفاسد قد يكون الشيء مصلحة في ذاته لكن يكون مفسدة في غيره، وحينئذٍ يجب علينا الكف ونجعل للكلام وقتاً آخر يكون الكلام فيه مثمراً، ويكون الكلام فيه خيراً. هذه هي الحقيقة الثالثة التي يجب علينا أن نعقلها وأن نكون أمة واحدة ملتفين حول الحق أينما كان، وعلينا أيضاً في إطار هذه الحقيقة أن نتبصر وأن نقارن بين المصالح والمفاسد، وأن نقارن بين البدايات

стр. 10379

والنهايات، لاسيما في مثل هذه الحوادث المؤلمة الخطيرة. الحقيقة الرابعة: أن كثيراً من الناس لما طلبت القوات الأجنبية إلى هذه البلد اعتمدوا عليها واتكلوا عليها وعلقوا آمالهم ورجاءهم بها وهذا لا شك أنه مخل بالعقيدة، ومخل بالإيمان، وأن الاعتماد عليها سبب للخذلان، يقول موسى ﵇ لقومه: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١) . وكذلك قال الله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (٢) . ففي هذه الآية تقدم المعمول في قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ) على عامله، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر والاختصاص، فلا يجوز أن نعتمد على أحد غير الله أبداً، وأن نعلق رجاءنا بغير الله، وأن نعلم أن الأسباب إنما هي أسباب محضة ليس لها في تغيير الأمر الواقع شيء إلا بأمر الله . وأنا أضرب أمثلة في أن الأسباب أسباب محضة وأن المسبب هو الله . المثال الأول: النار محرقة لا شك، لكن في يوم من الأيام جعلها الله غير محرقة لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار، قال الله تعالى: (كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (٣) . انتفت الحرارة وانتفى الإحراق فسلم ولم

стр. 10380

ولم يحترق، ولم تصبه حرارة النار، بل كانت برداً، حتى إن بعض العلماء ذكر أن الله لو قال: برداً على إبراهيم، ولم يقل: (سلاماً) لأهلكته ببردها، لكن الله قال: (كُونِي بَرْداً وَسَلاماً) وهذا السبب المحرق الذي يعلم الجميع أنه محرق صار غير محرق، إذن فهل الأسباب مؤثرة بذاتها، أم بما أودع الله فيها من القوى؟ والجواب: أن نقول: الثاني بلا شك. فما بال البعض يعتمد على غير الله، وعلى هذا لا يجوز الاعتماد على غير الله ؛ إلا باعتقاد أنه سبب فقط، قد يتخلف مسببه؛ لأن السبب قد يوجد فيه مانع. المثال الثاني: ما وقع في جيش النبي ﷺ وهو أعظم جيش وأفضل جيش وأحق جيش بالنصر، ولكن لما اعتمدوا على كثرتهم وقع الخذلان، قال الله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (١) . وكان عدد جيش النبي ﷺ يوم حنين اثني عشر ألفاً، وكان عدوهم ثلاثة آلاف وخمس مئة. ولهذا قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم: "لن نغلب اليوم من قلة" (٢) .

стр. 10381

فهذا الجيش الذي قائده أعظم قائد وهو رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وجيشه أعظم جيش، وأحق جيش بالنصر، ومع ذلك لما أعجبتهم كثرتهم لم ينصروا حتى تداركهم الله- عز وجل- بعفوه وأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين. المثال الثالث: ما وقع لنبي الله سليمان ﵊ حينما قال: "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل: (إن شاء الله) فلم يقل: (إن شاء الله) لأنه ﵊ عازم على هذا الفعل، فطاف على تسعين امرأة ولم يلد منهن إلا امرأة واحدة ولدت نصف إنسان. قال نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركاً لحاجته وقاتلوا في سبيل الله" (١) . فالإنسان يجب عليه أن لا يعتمد في جميع أموره إلا على الله وحده، لهذا من اعتمد على قوته فقط فإنه سبب لخذلانه. فالواجب ألا نعلق رجاءنا بمخلوق، بل يجب ألا نعلق الرجاء إلا بالله وحده لا شريك له، قال سبحانه: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٢) . وما أهون الخلق على الله إن هم عصوه.

стр. 10382

ولنتأمل فيما يقع من الزلازل وما تدمره من بلدان كثيرة في لحظة واحدة، فلا أحد فوق الله ، فالله فوق كل شيء، قال سبحانه: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (١) . فالواجب على مَن سمع منْ يعتمد على القوى البشرية فقط، أن يُبيِّن له أن فعله حرام، وأنه خلل في عقيدة التوكل على الله . فالقوى البشرية ما هي إلا سبب قد يؤدي مفعوله وقد لا يؤدي، فلا يجوز الاعتماد إلا على الله وحده؟ حتى يتحقق النصر بإذن الله . أسأل الله- أن يفرِّج عن بلاد المسلمين الغمة، وأن يجعلنا ممن يتعظون بالمواعظ، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهَّاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 10383

الحكم المستفادة من أحداث حرب الخليج بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: إننا نحمد الله أن منَّ علينا بالبقاء حتى أدركنا هذا الشهر المبارك (١) . ونسأل الله أن يجعل بقاءنا في هذا الدنيا على زيادة عمل صالح. إن علينا- أيها الأخوة- أن نتفكر وأن نتذكر من كانوا معنا في مثل هذا المكان وفي غيره في العام الماضي، من أقارب لنا، وأصحاب وزملاء، كيف غادروا الدنيا وارتحلوا عنها إلى دار الجزاء، ارتحلوا عنها كما وصفهم تعالى الله في قوله: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) (٢) وقال النبي ﷺ : "يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وأهله، ويبقى عمله" (٣) . ينتقل الإنسان من الدنيا، وما من

стр. 10384

ميت يموت إلا ندم، إن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون استعتب. ينتقل من الدنيا وهو يقول بلسان الحال أو المقال ما ذكره الله تعالى في قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (١) قال الله تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (٢) ينتقل الإنسان من الدنيا إلى الآخرة وكأنه لم يبق في الدنيا إلا ساعة واحدة مهما طالت به الدنيا قال الله تعالى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) (٣) (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (٤) . واعتبر أيها الأخ ما سيأتي بما مضى، كل ما خلَّفت من الزمن فإنه كأنه لحظة واحدة، كأنك لم تعش في الدنيا إلا هذه اللحظة التي أنت عائش فيها الآن، وهكذا إذا حضر الموت فكأنك لم تعش إلا تلك اللحظة التي أتاك فيها الموت، فالإنسان العاقل البصير ينتهز الفرصة في عمره، ولاسيما في مواسم الخيرات مثل: شهر رمضان، وعشر ذي الحجة التي قال فيها النبي ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيهن

стр. 10385

أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (١) . إن الإنسان العاقل ينتهز هذه الفرص بالأعمال الصالحة المقربة إلى الله- واجتناب ما حرم الله ونهى عنه. ونحن الآن في أول ليلة من ليالي العشر الأخيرة من رمضان التي فيها ليلة القدر التي قال الله عنها: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) . قال النبي ﷺ في قيامها: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (٢) . إن الواجب على المؤمن أن يقدر أنفاس عمره، وأن يعرف أن كل نفس تنفسه لن يعود إليه مرة أخرى، وأن كل يوم مضى من حياته لن يعود إليه مرة أخرى، وأن كل لحظة، وكل ساعة، وكل يوم، وكل شهر يقربه من الآخرة، ويبعده من الدنيا، لذلك يجب أن نستقبل هذه العشر الأخيرة بالعزيمة الصادقة، والجد والاجتهاد، وكما كان النبي ﷺ يفعل إذا دخل العشر "شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" (٣) وأنتم والحمد لله في هذا المكان في المسجد الحرام تحيون أكثر

стр. 10386

الليل ما بين صلاة، وقراءة، ومجالس علم، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى. فنسأل الله أن يعيننا وإياكم على طاعته، وأن يتقبل منا ومن إخواننا المسلمين. ثم إنه أود أن أهنئ نفسي وإياكم، بل وجميع المسلمين، بما مَنَّ الله به من إطفاء الفتنة التي أثارها أهل الظلم والعدوان، والتي كانت سبباً في أضرار كثيرة، ليس في المنطقة التي نحن فيها، ولكن في جميع الدول العربية والإسلامية وغيرها كما نسمع هذا من الأخبار. وإن هذه الفتنة وهذه الكارثة العظيمة التي أصابت هذه البلاد، لاشك أنها واقعة بقضاء الله وقدره، ودليل ذلك قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (١) فقوله تعالى: (مِنْ مُصِيبَةٍ) : نكرة في سياق النفي. قال علماء البلاغة وعلماء الأصول: إن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، لاسيما أن هذا العموم مؤكد بـ"من" الزائدة في قوله تعالى: (مِن مُّصِيبَةٍ) و"من" زائدة بحسب الإعراب، أما بحسب المعنى: فإن لها معنى عظيماً؛ لأنه ليس في القرآن شيء زائد ليس له معنى أبداً، فالقرآن كلام الله محكم من كل وجه.

стр. 10387

وقوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) أي: من قبل أن نبرأ هذه الخليقة، وذلك كما ثبت عن رسول الله ﷺ "أن الله تعالى كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" (١) . إذا علمنا أن هذه المصيبة بتقدير الله فإنه يترتب على هذا العلم شيئان: الشيء الأول: أن نرضى بهذه المصيبة؛ لأنها بتقدير الله، وكل ما قدره الله فإن الواجب على المؤمن أن يرضى به. ولا يتم الرضاء بالله رباً إلا بالرضاء بقضائه وقدره، فحينئذٍ نرضى بهذه المصيبة، ونسلم ونطمئن؛ لأنها من قضاء الله تعالى وقدره، قال علقمة- ﵀ وهو من أكابر أصحاب عبد الله بن مسعود- ﵁ في قوله تعالى: () مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (٢) قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلّم. الشيء الثاني مما يترتب على هذا: أن نعلم أن الله تعالى لم يقدر هذه المصيبة إلا لحكمة؛ لأنه ما من شيء قدره الله إلا وله حكمة بالغة، قد نعلمها وقد لا نعلمها، ولكننا قد علمنا شيئاً من الحكمة فيما قدره الله

стр. 10388

سبحانه وتعالى من هذه المصيبة والكارثة تتبين فيما نذكره فيما بعد. والدليل على أن كل شيء قضاه الله فإنه لحكمة قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (١) فلما قال: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) علمنا بأنه لا يشاء شيئاً إلا لحكمة؛ لأنه من أسمائه: الحكيم، وهذا الاسم العظيم يقتضى أن كل ما صدر من الله من أمور كونية، أو أمور شرعية، فإنه لحكمة. والحكمة هي: وضع الشيء في موضعه؛ لأنها مأخوذة من الإِحكَام وهو: الإتقان، والإتقان لا يكون إلا إذا كان الشيء في موضعه، وكل شيء قدره الله فإنه في موضعه ولا يمكن أن يصلح في هذا الموضع إلا ما قضاه الله. وكل شيء شرعه الله من واجب، أو محرم، أو مكروه، أو مستحب، أو مباح فهو في موضعه، فلا يمكن أن يكون غير الواجب في محل الواجب أنسب من الواجب في محله، وهكذا بقية الأحكام. وكذلك القضاء الكوني لا يمكن أن يحل محله ما هو أوفق منه، وأنفع للعباد في معاشهم ومعادهم.

стр. 10389

أما الحكمة من هذه الكارثة: فنقول أولاً: من الحكمة أن كثيراً من الناس عادوا إلى الله ؛ لأنهم علموا أن ما أصابهم فإنه بذنوبهم، فكل ما وقع من المصائب فإنه بسبب الذنوب، والدليل على هذا: قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (١) وقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) (٢) . وكلمة: الفساد في قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ) كلمة عامة تشمل كل ما يتصور من فساد. فمثلاً: جدب الأرض، وعدم نباتها، هذا من الفساد. وفساد البحر بموت الحيتان، وخروجها على الأرض اليابسة وكذلك الأمواج العظيمة التي قد تدمر السفن، وتتلف الأموال، وتهلك النفوس، هذا أيضاً من الفساد. وإغراق المزارع هذا أيضاً وما أشبهه من الفساد. أما سبب الفساد فجوابه: في قوله تعالى: (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ) .

стр. 10390

ولقد قال الله لأشرف الخلق نبينا محمد ﷺ حينما أصابهم ما أصابهم في أحد، فقد استشهد من المسلمين في تلك الغزوة، سبعون رجلاً، وعلى رأسهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب- ﵁ عم رسول الله ﷺ وحصل من الأذية لرسول الله ﷺ ما حصل، فقد شج وجهه (١) ، وكسرت رباعيته، وسقط في حفرة حفرها بعض المشركين وأصابهم غم بغم قال الله : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (٢) ، فقد أصاب المسلمون مثليها في بدر، فإن المسلمين قتلوا سبعين رجلاً وأسروا سبعين، وإذا أضفت سبعين إلى سبعين صار المجموع مئة وأربعين والذي أصيب به المسلمون في أحد سبعون رجلاً، إذن أصابوا في بدر مثلي ما أصابهم، في أحد. فنقول: ما وقع من هذه المصيبة التي اجتاحت هذه البلاد وما جاورها لاشك أنها من عند أنفسنا بسبب الظلم وخروج بعض الحكام عن شريعة الله، وتحكيمهم للقوانين والنظم المخالفة لشريعة الله، وفسق بعض الناس بالخروج عن طاعة الله من إضاعة الصلوات، وإتباع الشهوات وغير ذلك.

стр. 10391

وهذه الأمور التي ذكرنا تغضب الخالق ، وإذا غضب الله على قوم، فإنه سوف ينزل بهم العذاب المطابق للحكمة تماماً. لهذا نقول: لما حصلت هذه المصيبة، رجع كثير من الناس إلى الله ، حتى إننا سمعنا: أن بعض الناس الذين كان عندهم من الفسق ما كان قبل هذه الكارثة، بدؤا يقومون الليل، ويصومون من كل أسبوع يومي الاثنين والخميس، وهذا لاشك أنه رجوع إلى طاعة الله . كذلك كثير من الناس تاب من الربا، وكذلك كثير منهم تاب من الغناء، وكثير منهم فكر في أهله، وصار يراعيهم، ويؤدي حقهم. فكثير من الناس ولله الحمد والمنّة عاد إلى طاعة ربه ، إلا من كان قلبه قاسياً ميتاً، فهذا لن ينتفع كما قال الله ﵎: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (١) . فإن من الناس من قلبه قاسٍ لم ينتفع من هذه الموعظة وبقي على ما هو عليه من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله ﷺ .

стр. 10392

الثاني من الحكمة في هذه الكارثة: تميز الخبيث من الطيب: فقد تبيّن الصادق في إيمانه من الكاذب، وذلك لأن بعض الناس استغل هذه الفتنة، وهذه الكارثة في مآرب، أبدى شيئاً من ظواهرها، فتبين بذلك بعض المكنونات التي يكنها بعض الناس في حفيظة نفسه، وهذا الشيء معروف لمن تأمله في وقت هذه الكارثة. الثالث من هذه الحكم نشاط أهل الدعوة إلى الخير:. وذلك بما يلقونه من المواعظ والتذكير للخلق الغافلين، فإن أهل الخير كثرت دعوتهم إلى الله ، في هذه الكارثة، بل إنك لتسمع في البيت من لا يعرفون شيئاً، يتحدث بعضهم إلى بعض، بأن هذا الذي أصابنا ما هو إلا من الذنوب، ويكثرون من أجل ذلك من الاستغفار، والتوبة إلى الله ، ولا شك أن لهذه الحكمة فائدة عظيمة. الرابع من الحكم: أن الاعتصام الحقيقي الذي لا ينفصم هو الاعتصام بحبل الله : كما قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (١) والاعتصام بحبل الله وهو: الإسلام هو الذي يجمع الأمة. أما الاعتصام بغير الإسلام، فإن ذلك لا يفيد الأمة أبداً، ولن

стр. 10393

تجتمع الأمة على شيء اجتماعها على الإسلام. لما كانت الأمة تعتمد على النسب، وعلى القبائل، كانت متفرقة كما ذكر الله فيما من به على المسلمين أنهم على شفاء حفرة من النار فأنقذهم منها، وأن المسلمين كانوا متفرقين فأصبحوا بنعمة الله إخواناً كما قال الله ﵎ (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (١) فلا يمكن أن يجتمع المسلمون على شيء سوى دين الإسلام. فالجنسية لا يمكن أن يُجتمع عليها، ولهذا فإن الاعتصام بالقومية لم يفد الأمة شيئاً بل إن الأمة تمزقت في الحال التي يجب أن تكون متماسكة، في الحال التي يجب أن يأخذ حليمها على يد سفيهها، نجدها تفرقت وتمزقت وصارت شماتة للأعداء، حتى إن أعداء هذه القومية، صاروا يضحكون بها أمام العالم، ويقولون: انظروا إليهم تمزقوا، وتفرقوا، وصار بعضهم يقتل بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً. ولاشك أن هذه من الحكم التي يجب أن نتخذ منها عبرة، وأن يكون مبدؤنا هو الالتفاف والاعتصام بالإسلام لا بأي شيء سواه، حتى نكون أمة واحدة، لا فضل لعربي على عجمي، إلا بتقوى الله .

стр. 10394

الخامس من الحكم: أن هناك أشياء مجهولة لكثير من الناس تذكر، أو يسمع عنها لفظاً، ولم يُعرف معناها إلا عند حصول هذه الكارثة. فإن الناس عرفوا معاني كثير من هذه المصطلحات، وعرفوا كيف يستعدون لمواجهة المتصفين بها، وهذا لاشك أنه ثمرة جيدة. السادس من الحكم: عرفنا بهذه الكارثة، حماية الله ، ودفاع الله عمن شاء من عباده. فإننا كنا نتوقع أن هذه الحرب ستكون طاحنة، وسيتلف بها أموال كثيرة، وستهلك بها نفوس كثيرة، ولكن الأمر وقع- ولله الحمد- على أقل ما يمكن من تقدير، ليس هذا بحولنا وقوتنا، ولكن بلطف الله ، حيث لطف بالأمة، وحسمت القضية بسرعة، ولم يحصل من الهلاك والتلف، إلا أقل ما يتصور، حتى لو أننا حُدِّثْنَا أن المسألة ستنحسم بهذه السرعة، لقلنا: إن هذا خيال لا يمكن أن يتحقق، ولكن الله بلطف منه حققه- فلله الحمد والشكر-. السابع من الحكم: عرفنا أيضاً لطف الله بما حصل من أمور نعلم أنها ليست بقوة البشر. فقد ذكر لنا أن البقعة الزيتية التي تسربت من تفجر أنابيب النفط

стр. 10395

كان منها كتلة كبيرة جداً وواسعة وعميقة، كانت تهدد موانئ بلادنا، ولاسيما حينما قربت من محطة مصفاة الماء، وأنها عند القرب من المصفاة، وتهديدها للمصفاة، أرسل الله تعالى ريحاً جنوبية دفعتها عن المصفاة. فتفرقت بقعة الزيت في البحر وتمزقت. وقد حدثنا بذلك من نثق بهم، ولاشك أن هذا ليس بقدرة البشر، ولكن هذا بقدرة الله ﵎. إذن تبين بهذا أن النصر من عند الله تعالى، وأن الله إذا أراد نصر أحد، قيض له من أسباب النصر ما لم يخطر له على البال، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) . الثامن: تبين أن الظلم مرتعه وخيم، وأن الظالم لن يفلح. وهذا والله قد وثقنا به تماماً؟ لأن الله تعالى قال: (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) وهذا خبر من الله الذي يصدق خبره وهو أيضاً خبر من قادر على إنفاذ ما وعد به (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (٢) وقال تعالى: (ُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (٣) فالمُفسد لن يصلح عمله، والظالم لن يفلح أبداً، ولكن يجب ألا يغيب عن بالنا مسألة

стр. 10396

مهمة وهي: أن الله قد يملي للظالم، ويمهله ولا يأخذه بسرعة، حتى يلجأ المظلوم إلى الله حقيقة، وحتى يرتفع الظالم، ويظن أنه لا يمكن أن يضعه أحد، كما جاء في الحديث عن النبي لَخيم قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (١) . إذا علمنا ذلك فإننا ننتظر الفرج من الله بإزالة الظلم عن كل مظلوم سواء، في فلسطين، أو في أفغانستان، أو في أي بلاد من بلاد الله ؟ لأننا نعلم أن الأمر كما أخبر الله (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) . التاسع الحكم: أن هذه الكارثة أفادت الأمة الإسلامية الصبر والتحمل؟ لأن كثيراً من الناس لاسيما منْ هم صغار السن فقد عاشوا في ظل الأمن، وفي ظل الرخاء، ولم يكونوا يعرفون هذه الأمور الضيقة المحرجة، فتعود الناس من هذه الكارثة الصبر والتحمل، ولاشك أن الإنسان إذا وُفق بأمور على خلاف عادته التي يجري عليها اختباراً له، لاشك أنه يستفيد، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ " أنه كان ينهى عن كثرة الإرفاه ويأمر بالاحتفاء أحياناً " (٢)

стр. 10397

وكثرة الإرفاه هي: كثرة الترفه. وقوله: "ويأمر بالاحتفاء" يعني: أن يمشي الإنسان حافياً أحياناً، لا دائما، من أجل ألا يعود نفسه على الرفاهية دائماً. العاشر من هذه الحكم: أن هذه الكارثة بيّنت دور شباب الصحوة في التعاون مع الأمة ونفع الدولة بخلاف الآخرين الذين لا ينشئون إلا في الظل. فقد أظهرت هذه الكارثة- ولله الحمد- ما للشباب الصالحين من القوة والنشاط والإسراع في إنقاذ الأمة. ففي الكويت لم يصمد أمام المحنة، ولم يبق أمام هذه الكارثة، إلا الشباب ذوو الصحوة الإسلامية. وبهذا نعرف أنه يجب على الحكام الذين مكن الله لهم من الحكم أن يراعوا هؤلاء الشباب، وأن يجعلوهم هم الذخيرة لهم، وأنهم هم العضد الأيمن، والعضد المساعد لهم؟ لأن صديقك من يصدقك الود عند حلول الكوارث، هذا هو الصديق حقيقة. فإذا عرف أن هذا الشباب شباب الصحوة العلمية الشرعية والصحوة العملية الواقعية؟ لأنه ينبغي أن يكون الإنسان فقيهاً في شرع الله، فقيهاً فيما يقع في الأمة الإسلامية، ولهذا قال الفقهاء ﵏: إن من آداب القاضي أن يكون فقيهاً في الشرع، فقيهاً

стр. 10398

في أحوال الناس، وواقعهم حتى يُطبق الشرع على الواقع. وأقول: إن شباب الصحوة- ولله الحمد- تبيّن في هذه الكارثة، وهذه المحنة بأنهم هم الدرع الحصين للأمة، وأنه هو الذي يجب أن يكون لهم الدور الفعّال في تكوين الأمة، وتوجيهها، ولكن على هؤلاء الشباب أن يكونوا متخلقين بخلق النبي ﷺ ، وهو اللين والحكمة كما قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ) حَولِكَ (١) . فإذا كان عند الشباب لين وحكمة ورحمة بالخلق، وتوجيههم ودعوتهم لا انتصاراً لأنفسهم، ولكن انتصاراً للحق ورحمة بالخلق، حصل على أيديهم خير كثير، وذلك بسبب حُسن القول ولطافته وسهولته. ويذكر أن بعض الملوك رأى رؤيا فأزعجته حيث رأى أن أسنانه سقطت فجمع الناس الذين يعبّرون الرؤيا، وقال لهم: إن أسنانه سقطت، فقام واحد منهم، وقال: جهلك أهل الملك، فأمر الملك بأن يضرب هذا العابر؟ لأنه روّع الملك. ثم قام رجل آخر وقال: في تفسير الرؤيا: يكون الملك أطول أهله عمراً، فقال: أكرموا هذا الرجل.

стр. 10399

ولو نظرنا فيما قال الرجل الأول في تعبيره وما قاله الرجل الثاني لوجدنا أن المعنى واحد، لأنه إذا هلك أهله قبله صار هو أطولهم عمراً، وإذا كان أطولهم عمراً، لزم من ذلك أن يهلك أهله قبله. والمهم أن الإنسان ينبغي له أن يستعمل الألفاظ التي تقرب الناس إليه، وأن يستعمل اللين بقدر ما يستطيع، ولا يستطل الأمر. صحيح أن الإنسان إذا أخذ الشيء بالقوة قد ينجح، لكنه نجاح مؤقت، ولكن إذا أخذ الشيء بالرفق واللين، ربما لا ينجح بسرعة، لكن في النهاية ينجح، ويكون نجاحه عن اقتناع المخاطب، والشيء الذي يأتي عن اقتناع، ليس كالشيء الذي يأتي عن إكراه وسيطرة. فالذي يأتي عن اقتناع، يكون هذا الذي تدعوه عوناً لك، وداعية معك، لكن الذي يأتي عن قوة وسيطرة، ربما لا تكون الفائدة إلا أنك حصرته عن هذا الأمر الذي كان يريده فقط، وقد يكون في غفلة فيعود إلى ما كان عليه. فهذه من الفوائد العظيمة وهي أن لشباب الصحوة الإسلامية دورأ كبيراً في إنقاذ المجتمع، والدفاع عنه، وأنه يجب على الحكام أن يراعوا هذا الشباب ذو الصحوة الإسلامية وأن يعرفوا قدرهم. الحادي عشر من الحكم: ظهور المنافقين، وما أدراك ما المنافقون؟!

стр. 10400

قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (١) (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (٢) (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) (٣) تأمل أن الله قال عن الكفار: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (٤) قال: (عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ) . وقال عن المنافقين (هُمُ الْعَدُوُّ) فَاحْذَرْهُمْ "وهم العدو": جملة خبرية معرفة الطرفين، تفيد عند أهل البلاغة الحصر، كأنه لا عدو للمؤمنين سوى المنافقين. وذلك لأن عدواتهم أشد وأغلظ وأنكى؟ لأنهم كما قال الله تعالى عنهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) ْ (٥) يلاقيك المنافق، يسلقك بلسان من أحسن الألسن، وكلامٍ طيبٍ لينٍ فيقول القائل: هذا هو عضدي، ونصيري، ولكنه إذا أدبر عنه كان عدوه. فالمنافق إذا لقي أحداً قام يتكلم عن الإسلام والأمة الإسلامية وما يجب على المسلم، وما يجب على المؤمن، فتقول: هذا
следующие страницы →