مهمة وهي: أن الله قد يملي للظالم، ويمهله ولا يأخذه بسرعة، حتى يلجأ المظلوم إلى الله حقيقة، وحتى يرتفع الظالم، ويظن أنه لا يمكن أن يضعه أحد، كما جاء في الحديث عن النبي لَخيم قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (١) .
إذا علمنا ذلك فإننا ننتظر الفرج من الله بإزالة الظلم عن كل مظلوم سواء، في فلسطين، أو في أفغانستان، أو في أي بلاد من بلاد الله ؟ لأننا نعلم أن الأمر كما أخبر الله
(إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) .
التاسع الحكم: أن هذه الكارثة أفادت الأمة الإسلامية الصبر والتحمل؟ لأن كثيراً من الناس لاسيما منْ هم صغار السن فقد عاشوا في ظل الأمن، وفي ظل الرخاء، ولم يكونوا يعرفون هذه الأمور الضيقة المحرجة، فتعود الناس من هذه الكارثة الصبر والتحمل، ولاشك أن الإنسان إذا وُفق بأمور على خلاف عادته التي يجري عليها اختباراً له، لاشك أنه يستفيد، ولهذا جاء في الحديث عن
النبي ﷺ " أنه كان ينهى عن كثرة الإرفاه ويأمر بالاحتفاء أحياناً " (٢)
стр. 10397
وكثرة الإرفاه هي: كثرة الترفه. وقوله: "ويأمر بالاحتفاء" يعني: أن يمشي الإنسان حافياً أحياناً، لا دائما، من أجل ألا يعود نفسه على الرفاهية دائماً.
العاشر من هذه الحكم: أن هذه الكارثة بيّنت دور شباب الصحوة في التعاون مع الأمة ونفع الدولة بخلاف الآخرين الذين لا ينشئون إلا في الظل.
فقد أظهرت هذه الكارثة- ولله الحمد- ما للشباب الصالحين من القوة والنشاط والإسراع في إنقاذ الأمة.
ففي الكويت لم يصمد أمام المحنة، ولم يبق أمام هذه الكارثة، إلا الشباب ذوو الصحوة الإسلامية.
وبهذا نعرف أنه يجب على الحكام الذين مكن الله لهم من الحكم أن يراعوا هؤلاء الشباب، وأن يجعلوهم هم الذخيرة لهم، وأنهم هم العضد الأيمن، والعضد المساعد لهم؟ لأن صديقك من يصدقك
الود عند حلول الكوارث، هذا هو الصديق حقيقة.
فإذا عرف أن هذا الشباب شباب الصحوة العلمية الشرعية والصحوة العملية الواقعية؟ لأنه ينبغي أن يكون الإنسان فقيهاً في شرع الله، فقيهاً فيما يقع في الأمة الإسلامية، ولهذا قال الفقهاء
﵏: إن من آداب القاضي أن يكون فقيهاً في الشرع، فقيهاً
стр. 10398
في أحوال الناس، وواقعهم حتى يُطبق الشرع على الواقع.
وأقول: إن شباب الصحوة- ولله الحمد- تبيّن في هذه الكارثة، وهذه المحنة بأنهم هم الدرع الحصين للأمة، وأنه هو الذي يجب أن يكون لهم الدور الفعّال في تكوين الأمة، وتوجيهها، ولكن على
هؤلاء الشباب أن يكونوا متخلقين بخلق النبي ﷺ ، وهو اللين والحكمة كما قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ) حَولِكَ (١) .
فإذا كان عند الشباب لين وحكمة ورحمة بالخلق، وتوجيههم ودعوتهم لا انتصاراً لأنفسهم، ولكن انتصاراً للحق ورحمة بالخلق، حصل على أيديهم خير كثير، وذلك بسبب حُسن القول ولطافته
وسهولته.
ويذكر أن بعض الملوك رأى رؤيا فأزعجته حيث رأى أن أسنانه سقطت فجمع الناس الذين يعبّرون الرؤيا، وقال لهم: إن أسنانه سقطت، فقام واحد منهم، وقال: جهلك أهل الملك، فأمر الملك بأن
يضرب هذا العابر؟ لأنه روّع الملك.
ثم قام رجل آخر وقال: في تفسير الرؤيا: يكون الملك أطول أهله عمراً، فقال: أكرموا هذا الرجل.
стр. 10399
ولو نظرنا فيما قال الرجل الأول في تعبيره وما قاله الرجل الثاني لوجدنا أن المعنى واحد، لأنه إذا هلك أهله قبله صار هو أطولهم عمراً، وإذا كان أطولهم عمراً، لزم من ذلك أن يهلك أهله قبله.
والمهم أن الإنسان ينبغي له أن يستعمل الألفاظ التي تقرب الناس إليه، وأن يستعمل اللين بقدر ما يستطيع، ولا يستطل الأمر.
صحيح أن الإنسان إذا أخذ الشيء بالقوة قد ينجح، لكنه نجاح مؤقت، ولكن إذا أخذ الشيء بالرفق واللين، ربما لا ينجح بسرعة، لكن في النهاية ينجح، ويكون نجاحه عن اقتناع المخاطب، والشيء الذي يأتي عن اقتناع، ليس كالشيء الذي يأتي عن إكراه وسيطرة.
فالذي يأتي عن اقتناع، يكون هذا الذي تدعوه عوناً لك، وداعية معك، لكن الذي يأتي عن قوة وسيطرة، ربما لا تكون الفائدة إلا أنك حصرته عن هذا الأمر الذي كان يريده فقط، وقد يكون في غفلة فيعود إلى ما كان عليه.
فهذه من الفوائد العظيمة وهي أن لشباب الصحوة الإسلامية دورأ كبيراً في إنقاذ المجتمع، والدفاع عنه، وأنه يجب على الحكام أن يراعوا هذا الشباب ذو الصحوة الإسلامية وأن يعرفوا قدرهم.
الحادي عشر من الحكم: ظهور المنافقين، وما أدراك ما المنافقون؟!
стр. 10400
قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (١) (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (٢) (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) (٣) تأمل أن الله قال عن الكفار:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (٤) قال: (عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ) . وقال عن المنافقين (هُمُ الْعَدُوُّ) فَاحْذَرْهُمْ "وهم العدو": جملة خبرية معرفة الطرفين، تفيد عند أهل البلاغة الحصر، كأنه لا عدو للمؤمنين سوى المنافقين. وذلك لأن عدواتهم أشد وأغلظ وأنكى؟ لأنهم كما قال الله تعالى عنهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) ْ (٥) يلاقيك المنافق، يسلقك بلسان من أحسن الألسن، وكلامٍ طيبٍ لينٍ
فيقول القائل: هذا هو عضدي، ونصيري، ولكنه إذا أدبر عنه كان عدوه. فالمنافق إذا لقي أحداً قام يتكلم عن الإسلام والأمة الإسلامية وما يجب على المسلم، وما يجب على المؤمن، فتقول: هذا
стр. 10401
المؤمن حقاً، لكن إذا ذهب إلى أصحابه ورفقائه قال: نكذب على هؤلاء البسطاء ونلعب بعقولهم (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) .
لقد ظهر في هذه المحنة، أو في هذه الكارثة تميّز المنافق من المؤمن، وذلك بما ظهر من المنافقين، من الكلمات والكتابات التي بيّنت حالهم. فالمؤمن ظاهره وباطنه سواء، والمنافق ظاهره مُعجب، ولكن
باطنه مُعذّب، على العكس من ظاهره، ولذلك كان من آية المنافق كما وصفه النبي ﷺ أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب " (١) فصار ظاهره خلاف باطنه، فإذا وعد أخلف، فصار باطنه خلاف ظاهره. وهكذا المنافق دائماً يكون باطنه خلاف ظاهره.
الثاني عشر: أن هذه المصيبة فيها تكفير للسيئات:
لأن المؤمن لا يصاب بأي شيء إلا كفّر الله به عنه، لا يلحقه هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها عنه من الخطايا، وهذه نعمة، كل منا يرجو أن يخفف الله من سيئاته، ونسأل الله أن يمحو عنا وعنكم السيئات.
وهذه المصائب التي ليس لنا بها حيلة، يُكفِّر الله بها السيئات، وهي إذا احتسب الإنسان بها الأجر عند الله صارت رفعة في
стр. 10402
الدرجات، فالإنسان إذا أصيب بمصيبة يكتسب بها شيئين:
الأول: أنها مكّفرة للذنوب.
الثاني: أنه إذا احتسب الأجر على الله بها، صارت سبباً لرفعة الدرجات، وزيادة الحسنات.
الثالث عشر من الحكم: أننا عرفنا قدر نعمة الله بالأمن، فلقد كانت المخاوف أو العبارات التي فيها الخوف تمر بنا، وكأنها شيء بارد، ولكن لما حصلت هذه الكارثة عرفنا الخوف، وعرفنا قدر نعمة
الله علينا بالأمن، وإلا فمن يُصدّق أن من الناس من خرج من بلده خوفاً من الهلاك في بلادنا، ولكن بهذا عرفنا قدر نعمة الله، وقد نبه الله على ذلك في قوله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (١) .
وقال تعالى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٢) .
فنحن لن نعرف قدر نعمة الله بهذا الليل والنهار
стр. 10403
اللذين يتعاقبان علينا إلا إذا قدرنا أن الوقت كله نهار، أو أن الوقت كله ليل، ولهذا من الحكم المأثورة: "بضدها تتبين الأشياء".
الرابع عشر من الحكم: من فوائد هذه الكارثة: أن تبين بها من هو صادق التوكل على الله، ومن يعتمد على الأسباب، دون المُسببّ، كثير من الناس بهذه الكارثة نسى التوكل على الله، وصار يعتمد على الوسائل، أو على الأسباب الحسية الظاهرة، وهذا بلا شك نقص في التوكل، وسبب للخذلان. ولعل الكثير منكم لا ينسى ما حصل لأشرف جندٍ على وجه الأرض، منذ خُلق آدم إلى قيام الساعة وهو النبي ﷺ وأصحابه في غزوة حنين، حين اعتمدوا على كثرتهم، وأعجبوا بها، وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، فغلبوا عن كثرة. فقد غلبوا وهم كثيرون، غلبهم عدوهم، وكانوا اثني عشر ألفا، وكان العدو ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل، ومع ذلك حصلت الهزيمة، ولكن النصر فيما بعد صار للمسلمين ولذلك قال الله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (١) وكانت النهاية ولله الحمد للمسلمين.
فنقول: في هذه الكارثة صار بعض الناس يعتمدون على
стр. 10404
الأسباب الحسية الظاهرة. ولكن من الناس من اعتمد على الله وجعل هذه الأسباب مجرد أسباب قد تنفع وقد لا تنفع. ونحن نعلم أن من الأسباب ما ينفع ومن الأسباب ما لا ينفع. ومن الأمور ما
ينفع فيها ما لا يخطر على البال أنه سبب.
فإن إبراهيم ﵊ ألقى في النار، والنار حارة مهلكة فقال الله لها (كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (١) فكانت برداً وسلاماً عليه، فلم يهلك بها، ولم تضره، فكانت برداَ وسلاماَ على
إبراهيم ﵊.
وبهذا نعرف أنه لا يجوز للإنسان أن يعتمد على الأسباب الحسية الظاهرة. بل يعتمد على الله- ، ويفعل الأسباب التي أذن الله تعالى فيها.
وفي الحقيقة أن هناك حكماَ وفوائد كثيرة من هذه الكارثة وكلما تأمل الإنسان في هذه القضية وجد أنه لابد أن نتخذ منها عبرة.
فأولاً: بالنسبة للشعوب والرعية: يرجعون إلى الله ويعلمون أن النصر من عند الله، وأنه لا نصر إلا بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وثانياَ: من جهة الولاة: بأن يراجعوا الأمر، وأن ينظروا في كل ما
стр. 10405
يتعلق في شئون الناس، حتى يقوّموا الناس على كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ظاهراً وباطناً في القول والعمل والعقيدة.
فأرى أن هذه الكارثة يجب أن تكون درساَ، لا أن نستنتج الفوائد الحاصلة بها فقط، بل ونجعل منها عبرة نصلح بها ما عسى أن يكون فساداَ في أعمالنا، حتى نستفيد منها الفائدة الكبرى، وألا نرجع إلى ما كان سبباً إلى هذه الكارثة، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
***
تم بحمد الله المجلد الخامس والعشرون
ويليه بمشيئة الله
المجلد السادس والعشرون.
стр. 10406
كتاب العلم*
стр. 10407
تعريف العلم
стр. 10408
تعريف العلم
العلم لغة: نقيض الجهل، وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازما.
اصطلاحًا: قال بعض أهل العلم، هو المعرفة، وهو ضد الجهل.
وقال آخرون من أهل العلم: إن العلم أوضح من أن يعرف.
والذي يعنينا هو العلم الشرعي، والمراد به: (علم ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى) .
فالعلم الذي فيه الثناء والمدح هو علم الوحي، علم ما أنزله الله فقط، قال النبي ﷺ : "من يرد الله به خيراً يُفقهه في الدين" (١) وقال النبي ﷺ : " إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنمَّا ورثوا العلم، فمن أخذه أَخَذَ بحظ وافر" (٢) .
ومن المعلوم أن الذي ورثه الأنبياء هو علم شريعة الله- وليس غيره فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما ورثوا للناس
стр. 10409
علم الصناعات وما يتعلق بها، بل إن الرسول ﷺ حين قَدِمَ المدينة وجد الناس يؤبرون النخل- أي يلقحونها- فقال لهم لما رأى من تعبهم كلامًا أنه لا حاجة إلى هذا، ففعلوا وتركوا التلقيح، ولكن النخل فسد ثم قال لهم النبي ﷺ : " أنتم أعلم بأمر دنياكم " (١) .
ولو كان هذا هو العلم الذي عليه الثناء لكان الرسول ﷺ أعلم الناس به؛ لأن أكثر من يثنى عليه بالعلم والعمل هو النبي ﷺ ، إذن فالعلم الشرعي هو الذي يكون فيه الثناء ويكون الحمد لفاعله، ولكني مع ذلك لا أنكر أن يكون للعلوم الأخرى فائدة، ولكنها فائدة ذات حدين إن أعانت على طاعة الله، وعلى نصر دين الله، وانتفع بها عباد الله فيكون ذلك خيراً ومصلحة، وقد يكون تعلمها واجبا في بعض الأحيان إذا كان ذلك داخلا في قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) (٢) .
وقد ذكر كثير من أهل العلم أن تعلم الصناعات فرض كفاية، وذلك لأن الناس لا بد لهم من أوانٍ يطبخون بها، ويشربون بها، وغير ذلك من الأمور التي ينتفعون بها، فإذ لم يوجد من يقوم بهذه
المصانع صار تعلمها فرض كفاية، وهذا محل جدل بين أهل العلم،
стр. 10410
وعلى كل حال أود أن أقول: إن العلم الذي هو محل الثناء هو العلم الشرعي الذي هو فقه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما عدا ذلك فإما أن يكون وسيلة إلى خير، أو وسيلة إلى شر، فيكون حكمه بحسب ما يكون وسيلة إليه.
стр. 10411
فضائل العلم
стр. 10412
فضائل العلم
لقد مدح الله العلم وأهله، وحث عباده على العلم والتزود منه، وكذلك السنة المطهرة.
فالعلم: من أفضل الأعمال الصالحة وهو من أفضل وأجلِّ عبادات التطوع؛ لأنه نوع من الجهاد في سبيل الله، فإن دين الله- إنما قام بأمرين:
أحدهما: العلم والبرهان.
والثاني: القتال والسنان، فلا بد من هذين الأمرين، ولا يمكن أن يقوم دين الله ويظهر إلا بهما جميعاً، والأول منهما مقدم على الثاني، ولهذا كان النبي ﷺ لا يغيرعلى قوم حتى تبلغهم الدعوة إلى الله- فيكون العلم قد سبق القتال.
قال تعالى: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) (١) . فالاستفهام هنا لابد فيه من مقابل أمَّن هو قائم قانت آناء الليل والنهار أي كمن ليس كذلك؟ والطرف الثاني المفضل عليه محذوف للعلم به فهل يستوي من هو قانت آناء الليل ساجداً أو قائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، هل يستوي هو ومن هو مستكبر عن طاعة الله؟
стр. 10413
الجواب: لا يستوي فهذا الذي هو قانت يرجو ثواب الله ويحذر الآخرة. هل فعله ذلك عن علم أو عن جهل؟
الجواب: عن علم ولذلك قال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (١) . لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم؛ كما لا يستوي الحي والميت والسميع والأصم
والبصير والأعمى.
العلم نور يهتدي به الإنسان ويخرج به من الظلمات إلى النور.
العلم يرفع الله به من يشاء من خلقه: (يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (٢) . ولهذا نجد أن أهل العلم محل الثناء، كلما ذكروا أثنى الناس عليهم، وهذا رفع لهم في الدنيا، أما في الآخرة فإنهم يرتفعون درجات بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله والعمل بما عملوا
إن العابد حقاً هو الذي يعبد ربه على بصيرة، ويتبين له الحق وهذه سبيل النبي ﷺ قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٣) .
стр. 10414
فالإنسان الذي يتطهر وهو يعلم أنه على طريق شرعي هل هو كالذي يتطهر من أجل أنه رأى أباه أو أمه يتطهر؟ أيهما أبلغ في تحقيق العبادة رجل يتطهر؛ لأنه علم أن الله أمر بالطهارة، وأنها هي طهارة النبي ﷺ ، يتطهر امتثالاً لأمر الله واتباعاً لسنة رسول الله ﷺ أم رجل آخر يتطهر؛ لأن هذا المعتاد عنده؟
فالجواب: بلا شك أن الأول هو الذي يعبد الله على بصيرة فهل يستوي هذا وذاك؟ وإن كان فعل كل منهما واحدًا، لكن هذا عن علم وبصيرة يرجو الله- ويحذر الآخرة، ويشعر بأنه
متبع للرسول ﷺ .
وأقف عند هذه النقطة وأسال: هل نستشعر عند الوضوء بأننا نمتثل لأمر الله في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (١) ؟ هل الإنسان عند وضوئه يستحضر هذه الآية وأنه يتوضأ امتثالاً لأمر الله؟ هل يستشعر أن هذا وضوء رسول الله ﷺ ؟ وأنه يتوضأ إتباعًا لرسول الله ﷺ .
الجواب: نعم الحقيقة أن منا من يستحضر ذلك، ولهذا يجب عند فعل العبادات أن نكون ممتثلين لأمر الله بها حتى يتحقق لنا بذلك
стр. 10415
الإخلاص، وأن نكون متبعين لرسول الله ﷺ ، نحن نعلم أن من شروط الوضوء النية، لكن النية قد يراد بها نية العمل، وهذا الذي يبحث في الفقه، وقد يراد بها نية المعمول له، وحينئذ علينا أن نتنبه لهذا الأمر العظيم، وهو أن نستحضر ونحن نقوم بالعبادة أننا نتمثل
أمر الله بها لتحقيق الإخلاص، وأن نستحضر ونحن نقوم بالعبادة أن الرسول ﷺ فعلها ونحن له فيها متبعون لتحقيق المتابعة؛ لأن من شروط صحة العمل الإخلاص والمتابعة اللذين بهما تتحقق شهادة أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ .
نعود إلى ما ذكرنا أولاً من فضائل العلم، إذ بالعلم يعبد الإنسان ربه على بصيرة فيتعلق قلبه بالعبادة ويتنور قلبه بها، ويكون فاعلاً لها على أنها عبادة لا على أنها عادة، ولهذا إذا صلَّى الإنسان على هذا
النحو فإنه مضمون له ما أخبر الله به من أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
ومن أهم فضائل العلم ما يلي:
١- أنه إرث الأنبياء، فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- لم يوِّرثوا درهمًا ولا دينارًا وإنمَّا ورَّثوا العلم فمن أخذ بالعلم فقد أخذ بحظ وافرٍ من إرث الأنبياء. فأنت الآن في القرن الخامس عشر إذا
كنت من أهل العلم ترث محمدًا ﷺ ، وهذا من أكبر الفضائل.
стр. 10416
٢- أنه يبقى والمال يفنى، فهذا أبو هريرة- ﵁ من فقراء الصحابة حتى إنه يسقط من الجوع كالمغمى عليه وأسألكم بالله، هل يجري لأبى هريرة ذكر بين الناس في عصرنا أم لا؟ نعم
يجري كثيرًا فيكون لأبي هريرة ﵁ أجر من انتفع بأحاديثه.
إذًا العلم يبقى والمال يفنى. فعليك- يا طالب العلم- أن تستمسك بالعلم فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) .
٣- أنه لا يتعب صاحبه في الحراسة؛ لأنه إذا رزقك الله علمًا فحمله في القلب لا يحتاج إلى صناديق أو مفاتيح أو غيرها هو في القلب محروس، وفي النفس محروس وفي الوقت نفسه هو حارس لك؛ لأنه يحميك من الخطر بإذن الله- ؛ فالعلم يحرسك، ولكن المال أنت تحرسه تجعله في صناديق وراء الأغلاق ومع ذلك تكون غير مطمئن جمليه.
٤- أن الإنسان يتوصل به إلى أن يكون من الشهداء على الحق، والدليل قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو
стр. 10417
الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) (١) فهل قال (أولو المال) ؟ لا بل قال: (وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) فيكفيك فخرًا يا طالب العلم أن تكون ممن شهد لله أنه لا إله إلا هو، مع الملائكة الذين يشهدون بوحدانية الله- .
٥- أن أهل العلم هم أحد صنفي ولاة الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٢) . فإن ولاة الأمور هنا تشمل ولاة الأمور من الأمراء والحكام والعلماء وطلبة العلم، فولاية أهل العلم في بيان شريعة الله ودعوة الناس إليها، وولاية الأمراء في تنفيذ شريعة الله وإلزام الناس بها.
٦- أن أهل العلم هم القائمون على أمر الله تعالى حتى تقوم الساعة، ويستدل لذلك بحديث معاوية- ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله " (٣) . وقد قال الإمام أحمد
стр. 10418
رحمه الله عن هذه الطائفة: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم ". وقال القاضي عياض- ﵀: " أراد أحمد: أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث ".
٧- أن الرسول ﷺ لم يرغب أحدًا أن يغبط أحدًا على شيءٍ من النعم التي أنعم الله بها إلا على نعمتين هما:
١- طلب العلم والعمل به.
٢- التاجر الذي جعل ماله خدمةً للإسلام.
فعن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : " لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (١) .
٨- ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبى موسى الأشعري- ﵁ أن النبي ﷺ : " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقيةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب
стр. 10419
منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِمَ وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " (١) .
٩- أنه طريق الجنة كما دل على ذلك حديث أبى هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة " (٢) .
١٠- ما جاء في حديث معاوية- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من يُرِد الله به خيرًا يفقهه في الدين " (٣) أي: يجعله فقيها في دين الله- والفقه في الدين ليس المقصود به فقه الأحكام العملية المخصوصة عند أهل العلم بعلم الفقه فقط، ولكن
المقصود به هو علم التوحيد وأصول الدين، وما يتعلق بشريعة الله ولو لم يكن من نصوص الكتاب والسنة إلا هذا الحديث في فضل العلم لكان كافياً في الحث على طلب علم الشريعة والفقه فيها.
стр. 10420
١١- أن العلم نور يستضيء به العبد، فيعرف كيف يعبد ربه وكيف يعامل عباده فتكون مسيرته في ذلك على علم وبصيرة.
١٢- أن العالم نور يهتدي به الناس في أمور دينهم ودنياهم، ولا يخفى على كثير منَّا قصَّة الرجل الذي من بنى إسرائيل حيث قتل تسعا وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل
عابد، فسأله هل له من توبة؟ فكأنَّ العابد استعظم الأمر فقال: لا، فقتله. فأتم به المئة، ثم ذهب إلى عالم فسأله، فأخبره أن له توبة، وأنه لا شيء يحول بينه وبين التوبة، ثم دلَّه على بلد أهله صالحون ليخرج إليها، فخرج فأتاه الموت في أثناء الطريق. والقصة مشهورة (١) فانظر الفرق بين العالم والجاهل.
١٣- أن الله يرفع أهل العلم في الآخرة وفي الدنيا. أما في الآخرة فإن الله يرفعهم درجات. بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله- والعمل بما علموا وفي الدنيا يرفعهم الله بين عباده بحسب ما قاموا به قال الله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (٢) .
стр. 10421
س ١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما المقصود بقوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (١) ؟
فأجاب بقوله: هذه الآية اشتملت على جملة عظيمة، وهى: انحصار خشية الله في العلماء.
والخشية: هي الخوف مع تعظيم المخوف أي أنها خوف ناتج عن عظمة المخوف. والله أحق أن يخشى، وأحق أن يعظم، وأحق أن يخاف منه، لكن لا يخشاه إلا من كان عالمًا بما له من العظمة، والكبرياء، والقدرة، والعزة.
والعلماء هنا المراد بهم العلماء بالله، العلماء بأسمائه، وصفاته، وآياته، وليس المراد بهم علماء الصناعة والتكنولوجيا وما أشبه ذلك فإن هؤلاء علماء في الدنيا يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وذلك أن
الخشية لا تكون إلا عن علم بحال المخشي، ومعلوم أن العلم بهذه الصنائع لا تعلق له بعظمة الله- ؛ فهو مادي محض بخلاف المعرفة بالله وعظمته، فأهل المعرفة به هم أهل خشيته.
стр. 10422
س ٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يقول الله ﵎ (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (١) فكيف يعرف العالم ؟
فأجاب بقوله: يعرف العالم بكونه يقول في الأشياء بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وشهادة الناس له بأنه عالم، أما الخشية فمحلها القلب، وكم من عالم قد سلب من قلبه الهدى فلم يخش الله، واستكبر عن عبادة الله- والعياذ بالله- لأن النبي ﷺ قال: "القرآن حجة لك أو عليك " (٢) لكن العالم حقًا لابد أن يخشى الله- إذا عرف قوته وسلطانه وشدة عقابه للمخالف خشى الله وخاف منه؛ ولهذا تجد أكثر الناس ورعًا من كان أعلم، وفي المقولة المشهورة (من كان بالله أعرف، كان منه أخوف) .
س ٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما المقصود بالعلماء في قوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (٣) ؟
فأجاب بقوله: المقصود بهم: العلماء الذين يوصلهم علمهم إلى خشية الله، وليس المراد بالعلماء من علموا شيئاً من أسرار الكون كأن
стр. 10423
يعلموا شيئاً من أسرار الفلك وما أشبه ذلك، أو ما يسمى بالإعجاز العلمي، فالإعجاز العلمي في الحقيقة لا ننكره، لا ننكر أن في القرآن أشياء ظهر بيانها في الأزمنة المتأخرة، لكن غالى بعض الناس في الإعجاز العلمي، حتى رأينا من جعل القرآن كأنه كتاب رياضة، وهذا خطأ.
فنقول: إن المغالاة في إثبات الإعجاز العلمي لا تنبغي؛ لأن هذه قد تكون مبنية على نظريات، والنظريات تختلف، فإذا جعلنا القرآن دالاًّ على هذه النظرية، ثم تبين بعد أن هذه النظرية خطأ، معنى ذلك أن دلالة القرآن صارت خاطئة، وهذه مسألة خطيرة جدًّا. ولهذا اعتني في الكتاب والسنة ببيان ما ينفع الناس من العبادات والمعاملات، وبين دقيقها وجليلها حتى آداب الأكل والجلوس
والدخول وغيرها، لكن علم الكون لم يأتِ على سبيل التفصيل.
ولذلك فأنا أخشى من انهماك الناس في الإعجاز العلمي وأن يشتغلوا به عما هو أهم. إن الشيء الأهم هو تحقيق العبادة؛ لأن القرآن نزل بهذا، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (١) .
стр. 10424
أما علماء الكون الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه فننظر إن اهتدوا بما وصلوا إليه من العلم، واتقوا الله- وأخذوا بالإسلام صاروا من علماء المسلمين الذين يخشون الله، وإن بقوا على كفرهم، وقالوا: إن هذا الكون له محدث، فإن هذا لا يعدو أن يكونوا قد خرجوا من
كلامهم الأول إلى كلام لا يستفيدون منه. فكل يعلم أن لهذا الكون محدثاً؛ لأن هذا الكون إما أن يحدث نفسه، وإما أن يحدث صدفة، وإما أن يحدثه خالق وهو الله- فكونه يحدث نفسه مستحيل؛ لأن الشيء لا يخلق نفسه؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقاً، ولا
يمكن أن يوجد صدفة لأن كل حادث لا بد له من محدث، ولأن وجوده على هذا النظام البديع والتناسق المتآلف والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعاً باتاً أن يكون وجوده صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف
يكون منتظماً حال بقائه وتطوره؟ وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها ولا توجد صدفة تعين أن يكون لها موجد، وهو الله رب العالمين.
стр. 10425
س ٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يوجد من شباب اليوم من صرف اهتمامه في مذاكرة الحديث والتفسير والتوحيد والفقه فقط، مع إهمالهم لمواد أخرى مثل الرياضيات والعلوم، ونرى من هؤلاء من يتشددون في الدين تشدداً عظيماً، فما نصيحتكم ؟
فأجاب بقول: لا شك أن ما ذكره السائل من أن العلم لا يقتصر على العلوم الشرعية كعلم التفسير والحديث والتوحيد والفقه وما يتعلق بذلك، لكن العلم المحمود على كل حال
هو هذه العلوم التي أمر الله بها، وهي التي فيها الفضل، وهي التي قال الله تعالى فيها: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (١) وقال فيها: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (٢) . وقال فيها النبي ﷺ : "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة" (٣) . وقال فيها النبي ﷺ : "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " (٤) . أما العلوم
стр. 10426
الأخرى التي تتعلق بالدنيا فهي من العلوم المباحة التي إن اتخذها الإنسان وسيلة إلى خير كانت خيراً، وإن اتخذها وسيلة إلى شر كانت شراً، فهي لا تحمد لذاتها ولا تذم لذاتها؛ بل هي بحسب ما توصل إليه.
وهناك علوم أخرى علوم ضارة، إمَّا في العقيدة، وإمَّا في الأخلاق، وإمَّا في السلوك، فهذه محرمة وممنوعة بكل حال.
فالعلوم ثلاثة أقسام: محمودة بكل حال.
ومذمومة بكل حال.
ومباحة يتعلق الذم فيها، أو المدح بحسب ما تكون وسيلة له.
والنصوص الواردة في فضل العلم والحث عليه تتعلق بالقسم الأول فقط. وهو المحمود بكل حال، وإذا كانت العلوم التي تتعلق بالدنيا نافعة للخلق ولا تشغل عما هو أهم منها كان طلبها محموداً لما توصل إليه من النفع العام أو الخاص، ولا ينبغي لنا أن نحتقرها حتى لا نجعل لها قيمة في حال تكون مفيدة للخلق.
وأما قول السائل: من أنه يرى من هؤلاء من يتشددون في الدين تشددّاً عظيماً.
فالتشدد والتفريط أمر نسبي، فقد يرى الإنسان الشيء شديداً
стр. 10427
فالتشدد والتفريط أمر نسبي، فقد يرى الإنسان الشيء شديدًا وهو في نظر غيره يسير، وقد يرى الإنسان الشيء يسيراً وهو في نظر غيره شديد. والمرجع في ذلك إلى ما تقتضيه الشريعة المبنية على كتاب الله- وعلى سنة الرسول ﷺ فإن كان ما يقومون به من
أعمال موافقة للكتاب والسنة فليس بتشديد، بل هو اليسر والسهولة، وإن كان بعض المتهاونين المفرطين يرونه تشديداً فلا عبرة بما يرونه، فإنه إذا وافق الكتاب والسنة فهو يسير لقول النبي ﷺ : " إن هذا الدين يسر" (١) . لكن قد يستنكر بعض المفرطين شيئاً من شريعة الإسلام، ويظن أن القيام به تشديد فيصف المتمسكين به بالتشدد في دينهم، ونحن لا ننكر أنه يوجد فئة من الناس تتنطع في دينها، وتزيد فيه وتعنف على من خالفها في بعض الأمور التي يسوغ فيها الاجتهاد، وشمع الأمة فيها الخلاف، وهؤلاء لا عبرة بهم؛ لأنهم مُفْرِطُون، والذين يتساهلون ويرون أن التمسك بالشريعة تشديد لا عبرة بهم أيضًا؛ لأنهم مُفَرِّطُون، والدين بين الغالي فيه والجافي عنه.
س ٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن أهمية العلم الشرعي بالنسبة لطالب العلم، وما هي الطريقة المثلى لطالب العلم
стр. 10428
الشرعي؟ وماذا يجب عليه في حفظ القرآن الكريم؟ وكيف نستطيع أن نفهم العقيدة الإسلامية خاصة إذا كان الشخص وحيداً وليس لديه من يساعده على ذلك في مسألة الصفات والأسماء؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. طلب العلم الشرعي فرض على كل مسلم، لكنه على قسمين:
الأول: فرض عين.
والثاني: فرض كفاية.
أما فرض العين: فيجب على كل مسلم أن يتعلم من شرع الله ما يحتاج إلى فهمه، فمثلاً إذا كان عنده مال يجب عليه أن يتعلم ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة، وما مقدار الزكاة الواجبة، وما
شروطها، ومن هم المستحقون لها؛ ليعبد الله تعالى على علم وبصيرة، وإذا كان تاجرًا فعليه أن يتعلم من أحكام تجارته ما يستعين به على تطبيق التجارة على القواعد الشرعية، وإذا كان ناظراً على الأوقاف فيجب عليه أن يتعلم من أحكام الأوقاف ما يستعين به على أداء مهمته وهلم جرا.
أما فرض الكفاية: فهو ما عدا ذلك من العلوم الشرعية، فإن على الأمة الإسلامية أن تحفظ دينها بتعلم أحكامه. وعلى هذا فكل
стр. 10429
طالب علم يعتبر قائماً بفرض كفاية يثاب على طلبه ثواب الفريضة، وهذه بشرى سارة لطلاب العلم أن يكونوا على طلبهم قائمين بفريضة من فرائض الله- ومن المعلوم أن القيام بالفرائض أحب إلى الله تعالى من القيام بالنوافل كما ثبت في الحديث الصحيح القدسي أن الله تبارك
وتعالى قال: "وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه " (١) .
وأما كيفية الطلب فيبدأ الإنسان بما هو أهم، وأهم شيء علم كتاب الله- وفهمه لقول الله : (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) (٢) . أي أنه وبَّخهم- لعدم تدبرهم كلام الله- وقال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (٣) . وقال الله ﵎: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (٤) . والتدبر يعني التمعن في المعنى؛ ولهذا كان الصحابة- ﵃
لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، ثم بعد ذلك ما صح عن النبي ﷺ من أقواله،
стр. 10430
وأعماله، وتقريراته، ثم ما كتبه أهل العلم مما استنبطوه من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . وعلى آله وأصحابه وسلم، وعلى رأسهم وفى مقدمتهم الصحابة- ﵃ فإنهم خير القرون بنص الحديث عن النبي ﷺ ، فهم أقرب الناس إلى فهم كتاب الله، وفهم سنة رسول الله ﷺ ويبدأ طالب العلم في الأصول بالمختصرات قبل المطولات؛ لأن طلب العلم كالسلم إلى السقف يبدأ فيه الإنسان من أول درجة، ثم يصعد درجة حتى يبلغ الغاية.
وقولي: (حتى يبلغ الغاية) : ليس معناه أن الإنسان يمكن أن يحيط بكل شيء علماً، هذا لا يمكن، وفوق كل ذي علم عليم، ولكن يبدأ.
بالأهم فالأهم ويبدأ بالمختصرات قبل المطولات.
وخير ما نراه في باب الأسماء والصفات من الكتب المختصرة:
(العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لأنها عقيدة مختصرة جامعة شاملة نافعة أكثر ما جاء به في صفات الله من القرآن الكريم.
وأما كيف تستعمل هذه الأدلة؟
فإن الطريق الصحيح والمنهج السليم فيها أن يجريها الإنسان على ظاهرها اللائق بالله- فيجريها على ما يدل عليه ظاهرها، لكن من غير تمثيل ولا تكييف، فإذا قرأ قول الله تعالى يخاطب
стр. 10431
إبليس: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) (١) ٠ آمن بأن لله يدين اثنتين حقيقة لا مجاز فيها، لكن لا يجوز أن يقول كيفيتهما كذا وكذا، ولا أن يقول: إنهم مثل أيدي المخلوقين فلا يمثل ولا يكيف، وكذلك إذا قرأ قول النبي ﷺ " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" (٢) . فيثبت لله- أصابع، ولكن لا يمثل ولا يكيف، فلا يقول: إن أصابع الله- كأصابع المخلوق، ولا يكيف صفة معينة يقدرها في ذهنه لهذه الأصابع. ودليل هذا أن الله خاطبنا في القرآن باللغة العربية فما دل عليه اللفظ في اللغة العربية فهو ثابت لقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٣) . وقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (٤) . فبين الله تعالى أنه أنزل القرآن وصيره باللغة العربية من أجل أن نعقله ونفهمه، وهذه هي العادة في إرسال الله تعالى الرسل، يرسلهم الله تعالى بلغة
стр. 10432
أقوامهم ليبينوا لهم قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (١) . فنجري آيات الصفات على ما تقتضيه اللغة العربية لكننا لا نمثل ولا نكيف، أما عدم التمثيل فلأن الله تعالى نهانا أن نضرب له المثل فقال: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٢) . وأخبرنا- أنه لا مثل له فقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (٣) .
وقال تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (٤) . وبهذه الآيات يتبين أنه لا يحل لنا أن نمثل صفات الله- وأما عدم التكييف فلقول الله
تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (٥) .
ولقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ
стр. 10433
تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (١) . ومن المعلوم أن الله أخبرنا عن صفاته ولم يخبرنا عن كيفيتها، فإذا حاولنا أن نكيف صرنا ممن افترى على الله كذباً. هذه القاعدة في باب أسماء الله وصفاته.
فلو قال لك قائل: المراد باليدين النعمة أو القدرة.
فبكل سهولة تقول: هذا باطل؛ لأن هذا خلاف مدلولها في اللغة العربية والقرآن نزل باللغة العربية ولا نقبل هذا التحريف إلا بدليل من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ أقوال السلف.
وإذا قال لك قائل: المراد باستواء الله على العرش استيلاؤه عليه فقل: هذا باطل؛ لأن الاستواء على الشيء لا يعنى الاستيلاء عليه في اللغة العربية والقرآن نزل باللغة العربية، ومعنى الاستواء على الشيء في اللغة: العلو عليه علوًا خاصًا.
وإذا قال لك قائل: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (٢) . أي: يبقى ثواب الله.
فقل: هذا باطل، لأن الله وصف وجهه ذو الجلال والإكرام فقال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (٣) . فذو صفة لوجهه
стр. 10434
ومعلوم أن الثواب لا يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام.
واثبت على هذا المنهج تسلم من البدع الضالة، فإن النبي ﷺ حذر من البدع. فقال ﵊: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١) .
والعجب أن هؤلاء المنحرفين الذين يقولون: إن المراد باليد النعمة والقدرة، والمراد بالوجه: الثواب، والمراد بالاستواء: الاستيلاء، يدّعون أنهم فعلوا ذلك تنزيهاً لله عما لا يليق به، وفي الحقيقة بفعلهم هذا وصفوا الله بما لا يليق به. فقد أخبر عن شيء هو في نظرهم غير صحيح، فيقول في كلام الله إمَّا: الكذب.
وإمَّا التلبيس والتعمية والله- يقول: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (٢) . ويقول الله : (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٣) .
والله- قد بين لنا كل شيء ولا سيما ما يتعلق بأسمائه وصفاته، فقد بينه الله تعالى بيانًا كافيًا شافيًا لا يحتاج إلى أقيسة هؤلاء التي يدعونها عقلية وهى خيالات وهمية.
стр. 10435
ثم إني أنصح من أراد طلب العلم أن يختار له شيخاً:
١- موثوقًا في علمه.
٢- وموثوقًا في دينه.
٣- وسليم العقيدة.
٤- وسليم المنهج.
٥- ومستقيم الاتجاه؛ لأن التلميذ سوف يكون نسخة من أستاذه فإن وفق الله له أستاذًا سليمًا مستقيمًا صار على نهجه، وإن كان الآخر فسينحرف كما انحرف أستاذه، وإذا قدر أنه لا يستطيع الوصول إلى مثل هذا الأستاذ الموثوق به كما ذكرنا فقد تيسر الأمر- ولله الحمد- في الآونة الأخيرة، فصارت أصوات العلماء تصل إلى أقصى الدنيا عبر الشريط. ويمكنه أن يقرأ على الأستاذ بما يسمع من الشريط، ويقيد ما يشكل عليه من الكلام، ويراجع به الأستاذ المتكلم، وإما عن طريق الهاتف أو عن طريق المكاتبة. فكل شيء متاح في الآونة الأخيرة والحمد لله. ومعلوم أن تلقِّي العلم عن الشيخ أقرب في التحصيل وأسلم من الزلل، ولهذا نجد الذين يعتمدون على مجرد قراءة الكتب يخطئون خطئًا كبيرًا، ولا يصلون إلى الغاية من العلم إلا بعد زمن طويل، لكن عند الضرورة لا بأس أن تتعلم من الكتب والأشرطة وما أشبه ذلك، بشرط: أن تكون هذه الأشرطة والكتب من عالم مأمون في عقيدته ودينه وعلمه ومنهجه.