← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

إبليس: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) (١) ٠ آمن بأن لله يدين اثنتين حقيقة لا مجاز فيها، لكن لا يجوز أن يقول كيفيتهما كذا وكذا، ولا أن يقول: إنهم مثل أيدي المخلوقين فلا يمثل ولا يكيف، وكذلك إذا قرأ قول النبي ﷺ " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" (٢) . فيثبت لله- أصابع، ولكن لا يمثل ولا يكيف، فلا يقول: إن أصابع الله- كأصابع المخلوق، ولا يكيف صفة معينة يقدرها في ذهنه لهذه الأصابع. ودليل هذا أن الله خاطبنا في القرآن باللغة العربية فما دل عليه اللفظ في اللغة العربية فهو ثابت لقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٣) . وقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (٤) . فبين الله تعالى أنه أنزل القرآن وصيره باللغة العربية من أجل أن نعقله ونفهمه، وهذه هي العادة في إرسال الله تعالى الرسل، يرسلهم الله تعالى بلغة

стр. 10432

أقوامهم ليبينوا لهم قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (١) . فنجري آيات الصفات على ما تقتضيه اللغة العربية لكننا لا نمثل ولا نكيف، أما عدم التمثيل فلأن الله تعالى نهانا أن نضرب له المثل فقال: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٢) . وأخبرنا- أنه لا مثل له فقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (٣) . وقال تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (٤) . وبهذه الآيات يتبين أنه لا يحل لنا أن نمثل صفات الله- وأما عدم التكييف فلقول الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (٥) . ولقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ

стр. 10433

تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (١) . ومن المعلوم أن الله أخبرنا عن صفاته ولم يخبرنا عن كيفيتها، فإذا حاولنا أن نكيف صرنا ممن افترى على الله كذباً. هذه القاعدة في باب أسماء الله وصفاته. فلو قال لك قائل: المراد باليدين النعمة أو القدرة. فبكل سهولة تقول: هذا باطل؛ لأن هذا خلاف مدلولها في اللغة العربية والقرآن نزل باللغة العربية ولا نقبل هذا التحريف إلا بدليل من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ أقوال السلف. وإذا قال لك قائل: المراد باستواء الله على العرش استيلاؤه عليه فقل: هذا باطل؛ لأن الاستواء على الشيء لا يعنى الاستيلاء عليه في اللغة العربية والقرآن نزل باللغة العربية، ومعنى الاستواء على الشيء في اللغة: العلو عليه علوًا خاصًا. وإذا قال لك قائل: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (٢) . أي: يبقى ثواب الله. فقل: هذا باطل، لأن الله وصف وجهه ذو الجلال والإكرام فقال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (٣) . فذو صفة لوجهه

стр. 10434

ومعلوم أن الثواب لا يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام. واثبت على هذا المنهج تسلم من البدع الضالة، فإن النبي ﷺ حذر من البدع. فقال ﵊: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١) . والعجب أن هؤلاء المنحرفين الذين يقولون: إن المراد باليد النعمة والقدرة، والمراد بالوجه: الثواب، والمراد بالاستواء: الاستيلاء، يدّعون أنهم فعلوا ذلك تنزيهاً لله عما لا يليق به، وفي الحقيقة بفعلهم هذا وصفوا الله بما لا يليق به. فقد أخبر عن شيء هو في نظرهم غير صحيح، فيقول في كلام الله إمَّا: الكذب. وإمَّا التلبيس والتعمية والله- يقول: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (٢) . ويقول الله : (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٣) . والله- قد بين لنا كل شيء ولا سيما ما يتعلق بأسمائه وصفاته، فقد بينه الله تعالى بيانًا كافيًا شافيًا لا يحتاج إلى أقيسة هؤلاء التي يدعونها عقلية وهى خيالات وهمية.

стр. 10435

ثم إني أنصح من أراد طلب العلم أن يختار له شيخاً: ١- موثوقًا في علمه. ٢- وموثوقًا في دينه. ٣- وسليم العقيدة. ٤- وسليم المنهج. ٥- ومستقيم الاتجاه؛ لأن التلميذ سوف يكون نسخة من أستاذه فإن وفق الله له أستاذًا سليمًا مستقيمًا صار على نهجه، وإن كان الآخر فسينحرف كما انحرف أستاذه، وإذا قدر أنه لا يستطيع الوصول إلى مثل هذا الأستاذ الموثوق به كما ذكرنا فقد تيسر الأمر- ولله الحمد- في الآونة الأخيرة، فصارت أصوات العلماء تصل إلى أقصى الدنيا عبر الشريط. ويمكنه أن يقرأ على الأستاذ بما يسمع من الشريط، ويقيد ما يشكل عليه من الكلام، ويراجع به الأستاذ المتكلم، وإما عن طريق الهاتف أو عن طريق المكاتبة. فكل شيء متاح في الآونة الأخيرة والحمد لله. ومعلوم أن تلقِّي العلم عن الشيخ أقرب في التحصيل وأسلم من الزلل، ولهذا نجد الذين يعتمدون على مجرد قراءة الكتب يخطئون خطئًا كبيرًا، ولا يصلون إلى الغاية من العلم إلا بعد زمن طويل، لكن عند الضرورة لا بأس أن تتعلم من الكتب والأشرطة وما أشبه ذلك، بشرط: أن تكون هذه الأشرطة والكتب من عالم مأمون في عقيدته ودينه وعلمه ومنهجه.

стр. 10436

س ٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: جاء في الحديث " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١) . فهل يدخل في ذلك العلم علوم الدنيا من الفيزياء والكيمياء أم هو مقيد بالشرعي ؟ فأجاب بقوله: كل علم يثاب عليه العبد ثم يعلمه الآخرين فإن المتعلمين منه يثابون عليه، وإذا أثيبوا عليه ناله من الأجر بعد موته ما يستحق، وأما ما لا ثواب في تعلمه فليس فيه أصلا ثواب حتى نقول: إنه يستمر، فمثلاً علم التفسير والتوحيد والفقه وأصوله والعربية كل هذه علوم يثاب الإنسان عليها فإن علمها أحدا من الناس أثيب هذا المتعلم فنال المعلم من ثوابه ما يستحقه. س ٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما مكانة وفضل أهل العلم في الإسلام ؟ فأجاب بقوله: مكانة أهل العلم أعظم مكانة؛ لأنهم ورثة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام-، ولهذا يجب عليهم من بيان العلم والدعوة إلى الله ما لا يجب على غيرهم، وهم في الأرض كالنجوم في

стр. 10437

السماء، يهدون الخلق الضالين التائهين ويبينون لهم الحق، ويحذرونهم من الشر، ولذلك كانوا في الأرض كالغيث يصيب الأرض القاحلة فتنبت بإذن الله، ويجب على أهل العلم من العمل والأخلاق والآداب ما لا يجب على غيرهم؛ لأنهم أسوة وقدوة فكانوا أحق الناس وأولى الناس بالتزام الشرع في آدابه وأخلاقه.

стр. 10438

حكم طلب العلم

стр. 10439

س ٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أسكن مع والديَّ وأعمل في مدينة مجاورة، وأفكر في السكن قرب عملي لأجل أن أحضر حلقات العلم في ذلك البلد، أرجو توجيه النصح لي وجزاكم الله خيرًا . فأجاب بقوله: إذا كان يشق عليه التردد إلى والديه في بلدهما فلا حرج عليه أن يستأجر مسكنًا في البلد الذي يعمل فيه، ولكن إذا كان الوالدان مضطرين إلى وجوده عندهما فإنه يجب عليه أن يحاول الانتقال إلى البلد الذي فيه الوالدان، وإذا علم الله من نيته أنه يريد دفع ضرورة الوالدين بالانتقال، فإن الله سييسر له الأمر لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (١) . فإذا لم يمكن هذا فليعرض على والديه الانتقال إلى البلد الذي يعمل فيها ليكون سكناهما معه فيقوم بوظيفته وبواجب والديه بدون تعب. س ٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أيهما أفضل الدراسة لكي ينال الشخص الشهادة أم التعليم الديني وحفظ القرآن ودروس

стр. 10440

فأجاب بقوله: يمكن للإنسان أن يجمع بين هذا وهذا، فيقرأ في المدارس والمعاهد والكليات النظامية، ويقرأ على المشايخ في المساجد ويحفظ القرآن ولا منافاة، وفى الوقت الحاضر أرى أنه لابد أن ينال الإنسان الشهادة؛ لأن الوظائف الآن أصبح ميزانها تلك الشهادات، ولا يمكن أن يتوصل الإنسان إلى منزلة ينفع بها المسلمين النفع المطلوب إلا بالشهادات حتى يتمكن من أن يكون مدرسًا في المعاهد والمدارس والجامعات، ويتمكن أن يكون عضوا في هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ لأن المجالات في هذه الأزمنة أصبحت مبنية على الشهادة، والإنسان إذا طلب العلم لينال الشهادة لغرض أن ينفع المسلمين بما يحصل له من الوظائف، فإن هذه النية لا تقدح بالإخلاص؛ لأنه اتخذ هذه الشهادة وسيلة وذريعة لنيل أمر مقصود شرعي. س ١٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما الأمور الشرعية التي يجب على المؤمن أن يتعلمها ؟ فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الأمور الشرعية التي يجب على الإنسان أن يتعلمها، كل ما أوجب الله عليه من طهارة، وصلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وبر للوالدين، وصلة

стр. 10441

للأرحام، وغير ذلك مما يتعلق بأمور دينه، فيجب على الإنسان أن يتعلم أمور دينه قبل كل شيء، قال الله ﵎: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (١) . قال البخاري- ﵀: (فبدأ الله تعالى بالعلم قبل العمل) فمثلاً: إذا أراد أن يتطهر الإنسان ويتوضأ للصلاة فلا بد أن يعرف كيف يتوضأ، وإذا أراد أن يصلى فيجب عليه أن يعرف كيف يصلي، وماذا عليه لو أخل بكذا أو كذا حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، وهذا معنى قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (٢) اهدنا الصراط المستقيم أي: دلنا ووفقنا إلى الصراط المستقيم الذي يوصلنا إليك يا ربنا. أما ما لا يحتاج إليها من الأمور فلا يلزمه تعلمه إلا أن يكون فرض كفاية عليه فمثلاً تعلم المعاملات، تعلم البيع الصحيح، والإجارة الصحيحة، والرهن الصحيح، والوقف الصحيح ليس بواجب على كل أحد، بل يجب على من أراد أن يتعامل بهذا، وأما غيره فلا يجب عليه إلا إذا قدرنا أنه ليس في العالم من يعرف هذا، فإنه يكون فرض كفاية وإن لم يقم به أحد فيجب على الإنسان.

стр. 10442

س ١١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: تعلم العلم الشرعي، هل يقتصر على المواد الشرعية فقط أم يدخل في ذلك المواد الأخرى ؟ فأجاب بقوله: العلوم الشرعية داخلة في العلم الشرير وتعلمها تعلم شرير لا إشكال في هذا. أما بقية العلوم فينظر: إن كانت تعين على العلم الشرعي، فإنها من العلوم النافعة التي ينتفع بها الإنسان في التقوي على معرفة العلوم الشرعية. مثل: علم النحو والبلاغة. وإن كانت لا تساعد على العلوم الشرعية نظرنا إن كانت نافعة في الدنيا فهي من الأمور المباحة إن كان النفع لا يتعدى للغير. وهي من الأمور المطلوبة إن كان النفع يتعدى إلى الغير. وإن كانت ضارة فهي: محرمة. وإن كانت لا ضارة ولا نافعة فهي: من اللغو الذي ينبغي للعاقل أن يتجنبه. س ١٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن رأيه في تعليم البنات ؟

стр. 10443

فأجاب بقوله: الذي أرى في ذلك أن تعليم البنت إذا كان على وجه يصونها، ويحفظ كرامتها، وتكون على الصفة الشرعية في الحجاب وغيره فلا بأس. وأما العلوم التي تتلقاها فإن كانت مما تحتاج إليه في دينها ودنياها ولم يحصل منها ضرر عليها فهي أيضًا لا بأس بها، بل يطلب منها تعلمها، وإن كانت مما لا تحتاج إليه فلا ينبغي أن يقرر عليها؛ لأنه إتعاب لذهنها وفكرها وصد لها عما كانت بصدده من الحقوق الزوجية وغيرها، وإذا كان منها ضرر عليها بخلع جلباب الحياء أو التطلع إلى مساواة الرجل فهي حرام؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد هذا بالنسبة للتعليم كمنهج. أما بالنسبة لبنت معينة فرأي ألا تواصل دراستها إلى حد يخرجها عما ينبغي أن تقوم به وتكون عليه بل إذا أخذت ما تحتاج إليه فلتتوقف. والله الموفق. س ١٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل العلوم كالطب والهندسة من التفقه في دين الله ؟ فأجاب بقوله: ليست هذه العلوم من التفقه في دين الله؛ لأن الإنسان لا يدرس فيها الكتاب ولا السنة، لكنها من الأمور التي

стр. 10444

يحتاجها المسلمون، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن تعلم الصناعات والطب والهندسة والجيولوجيا وما أشبه ذلك من فروض الكفايات لا لأنها من العلوم الشرعية، ولكن لأنها لا تتم مصالح الأمة إلا بها، ولهذا أنبه الإخوان الذين يدرسون مثل هذه العلوم أن يكون قصدهم بتعلم هذه العلوم نفع إخوانهم المسلمين ورفع أمتهم الإسلامية، فالأمة الإسلامية الآن ملايين لو أنها استغلت مثل هذه العلوم فيما ينفع المسلمين لكان في ذلك خير كثير، ولا ما احتجنا إلى الكفار في تحصيل كمالياتنا، بل وفي تحصيل ضرورياتنا أحيانًا، فهذه العلوم إذا قصد بها الإنسان القيام بمصالح العباد صارت مما يقرب إلى الله لا لذاتها ولكن لما قصد بها، أما أنها فقه في الدين فليست فقها في الدين؛ لأن الفقه في الدين؛ هو الفقه في أحكام الله تعالى الشرعية والقدرية، والفقه في ذات الله تعالى، وأسمائه وصفاته. س ١٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أيهما أفضل قيام الليل، أم طلب العلم ؟ فأجاب بقوله: طلب العلم أفضل من قيام الليل؛ لأن طلب العلم كما قال الإمام أحمد ﵀: " لا يعدله شيء لمن صحت نيته، ينوي به رفع الجهل عن نفسه وعن غيره".

стр. 10445

فإذا كان الإنسان يسهر في أول الليل لطلب العلم ابتغاء وجه الله سواء كان يدرسه يعلمه الناس فإنه خير من قيام الليل، وإن أمكنه أن يجمع الأمرين فهو أولى، لكن إذا تزاحم الأمران فطلب العلم الشرعي أفضل وأولى، ولهذا أمر النبي ﷺ أبا هريرة ﵁ أن يوتر قبل أن ينام (١) . قال العلماء: وسبب ذلك أن أبا هريرة ﵁ كان يحفظ أحاديث النبي ﷺ أول الليل، وينام آخر الليل، فأرشده النبي ﷺ إلى أن يوتر قبل أن ينام. س ١٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما الواجب على العامي ومن ليس له قدرة على طلب العلم ؟ فأجاب بقوله: يجب على من لا علم عنده ولا قدرة له على الاجتهاد أن يسال أهل العلم لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٢) . ولم يأمر الله تعالى بسؤالهم إلا من أجل الأخذ بقولهم وهذا هو التقليد، لكن الممنوع في التقليد أن يلتزم مذهبًا معينًا يأخذ

стр. 10446

به على كل حال، ويعتقد أن ذلك طريقه إلى الله- فيأخذ به وإن خالف الدليل. وأما من له قدرة على الاجتهاد كطالب العلم الذي أخذ بحظ وافر من العلم، فله أن يجتهد في الأدلة ويأخذ بما يرى أنه الصواب، أو الأقرب للصواب، وأما العامي وطالب العلم المبتدئ فيجتهد في تقليد من يرى أنه أقرب إلى الحق لغزارة علمه وقوة دينه وورعه. س ١٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن حكم تعلم اللغة الإنجليزية في الوقت الحاضر ؟ فأجاب بقوله: تعلمها وسيلة، فإذا كنت محتاجًا إليها كوسيلة في الدعوة إلى الله فقد يكون تعلمها واجبًا، وإن لم تكن محتاجًا إليها فلا تشغل وقتك بها، واشتغل بما هو أهم وأنفع، والناس يختلفون في حاجتهم إلى تعلم اللغة الإنجليزية، وقد أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود (١) . فتعلم اللغة الإنجليزية وسيلة من الوسائل إن احتجت إليها تعلمتها، وإن لم تحتج إليها فلا تُضِع وقتك فيها.

стр. 10447

س ١٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا كانت الأمة أحوج إلى العلوم المادية كالطب والهندسة وغيرها، فهل الأفضل للإنسان أن يتخصص في العلوم المادية أم العلوم الشرعية ؟ فأجاب بقوله: لا شك أن الأصل هو العلوم الشرعية، ولا يمكن لإنسان أن يعبد الله حق عبادته إلا بالعلم الشرير كما قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (١) . فلابد من العلم الشرعي الذي تقوم به حياة المرء في الدنيا والآخرة، ولا يمكن لأي دعوة أن تقوم إلا وهي مبنية على العلم، وبهذه المناسبة أود أن أحث إخواني الدعاة إلى الله أن يتعلموا قبل أن يدعوا، وليس معنى ذلك أن يتبحروا في العلم، لكن ألاَّ يتكلموا بشيء إلا وقد بنوه على العلم؛ لأنهم إذا تكلموا بما لا يعلمون كانوا داخلين تحت قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (٢) . والعلوم الشرعية تنقسم إلى قسمين: قسم: لابد للإنسان من تعلمه وهو ما يحتاجه في أمور دينه ودنياه.

стр. 10448

وقسم آخر وهو: فرض كفاية، فإنه هنا يمكن الموازنة بينه وبين ما تحتاجه الأمة من العلوم الأخرى التي ليست من العلوم الشرعية، وكذلك العلوم الأخرى التي ليست من العلوم الشرعية. تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- علوم ضارة؛ فيحرم تعلمها، ولا يجوز للإنسان أن يشتغل بهذه العلوم مهما تكن نتيجتها. ٢- علوم نافعة، فإنه يتعلم منها ما فيه النفع. ٣- العلوم التي جهلها لا يضر، والعلم بها لا ينفع وهذه لا ينبغي للطالب أن يقضى وقته في طلبها. س ١٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أنا طالب علم وأهلي لهم ظروف مادية، فقال لي والدي: اعمل علينا أفضل لك من طلب العلم، فهل أترك دراستي للعمل؟ وهل العمل على الأهل أفضل أم لا ؟ فأجاب بقوله: لا شك أن طلب العلم أفضل، اللهم إلا في حالة الضرورة إلا إنه يمكنه أن يجمع بينهما ولا سيما أن الحالة الاقتصادية - والحمد لله- أن أكثر الناس قد أوسع الله عليهم، فيمكن أن تقوم بحاجة أهلك، فتتزوج امرأة يكون عندها بعض المؤونة، وتكون

стр. 10449

مستمرًا في طلب العلم. س ١٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أنا طالب في الجامعة وكل دراستي نظريات غربية تنافي تعاليم الشرع، فما رأيكم إذا علمتَ أنني أنوي نقد مثل هذه النظريات ونفع الأمة الإسلامية في دراستي الحالية وبعد تخرجي ؟ فأجاب بقوله: أقول هذا لا شك أنه من الجهاد في سبيل الله، أن يدرس الإنسان هذه النظريات المخالفة للإسلام حتى يرد عليها عن علم، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ ﵁ وقد أرسله إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب " (١) . فأخبره بحالهم كي يستعد لهم، وكذلك العلماء الذين درسوا هذه الأمور، كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ درس من العلوم والنظريات الفلسفية وغيرها ما يستطيع أن يرد به على أصحابها. فإذا كنت تتعلم هذه الأمور للرد، وأنت واثق أن لديك المقدرة والحصانة على الرد بحيث لا تتأثر بها، بأن يكون لديك علم شرعي راسخ، ويكون لديك عبادة وتقوى فأرجو إن شاء الله تعالى أن يكون هذا خيرًا لك ونفعًا للمسلمين،

стр. 10450

وأما إذا كنت ترد عليه بشيء غير مقبول، أو ليس لديك دليل، فلا تنتهج هذا الطريق، وكذلك إذا كنت تعرف نفسك أنك لست على يقين كامل وثبات راسخ فأنا أشير عليك أن تدع هذه الأمور؛ لأنها خطيرة، ولا ينبغي للإنسان أن يتعرض للبلاء مع الخوف منه. س ٢٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أنا متخصص في علم الكيمياء وأتابع البحوث والدراسات التي تصدر في هذا المجال لكي أستفيد وأفيد من ذلك في أي مجال أعمل به سواء مدرسة أو مصنعًا، مع العلم بأن ذلك يشغلني عن طلب العلم الشرعي، فكيف أوفق بينهما ؟ فأجاب بقوله: أرى أن التوفيق بين العلمين يمكن بحيث تركز على العلم الشرعي ويكون هو الأصل لديك، ويكون طلب العلم الآخر على سبيل الفضول، ثم مع ذلك تمارس هذا العلم الثاني من أجل مصلحة تعود عليك وعلى أمتك بالخير، مثل أن تستدل بدراسة هذا العلم على كمال حكمة الله- ، وربط الأسباب بمسبباتها وما إلى ذلك مما يعرفه غيرنا ولا نعرفه في هذه العلوم. فأنا أقول: استمر في طلب العلم الشرعي، واطلب الآخر لكن اجعل الأهم والمركز عليه هو العلم الشرعي.

стр. 10451

س ٢١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يعذر الشخص في عدم طلبه للعلم بسبب انشغاله بدراسته التي ليس بها طلب للعلم الشرعي، أو بسبب عمله أو غير ذلك ؟ فأجاب بقوله: طلب العلم الشرعي فرض كفاية إذا قام به من يكفى صار في حق الآخرين سنة، وقد يكون واجبًا على الإنسان عينًا أي: فرض عين، كما لو أراد الإنسان أن يتعبد لله بعبادة فإنَّه يجب عليه أن يعرف كيف يتعبد لله بهذه العبادة، وعلى هذا، فهذا الذي يشغله عن طلب العلم الشرعي حاجة أهله أو غير ذلك من الصوارف مع محافظته على ما يجب الحفاظ عليه من العبادة نقول: إن هذا معذور ولا حرج عليه، ولكن ينبغي أن يتعلم من العلم الشرعي بقدر ما يستطيع. س ٢٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل تعليم الطالب الرياضيات إذا كان الشخص ينوي بها وجه الله له أجر أم لا ؟ فأجاب بقوله: إذا كانت هذه الرياضيات مما تنفع المسلمين في معاشهم، ونوى الشخص بذلك نفع الناس بها فإنه يؤجر على نيته، ولكنها ليست كالعلوم الشرعية فإنه إذا كانت من المباحات تكون وسيلة، فإذا كانت وسيلة إلى ما ينفع الناس في معاشهم أثيب

стр. 10452

الشخص عليها؛ لأن القاعدة الشرعية أن المباح قسم واسع فقد يكون حرامًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون واجبًا. ونقول مثلاً: إن الأصل في البيع الحلال، ولكن قد يكون واجبًا أحيانًا. وقد يكون حرامًا. وقد يكون مستحبًا. وقد يكون مكروهًا. فإذا أراد شخص أن يشتري منك شيئًا ينقذ به حياته مثل الطعام والشراب فحكم البيع: واجب. وشخص آخر أراد أن يشتري عنباً يجعله خمراً فهذا البيع: حرام. وشخص آخر أراد أن يشتري ماءً ليتوضأ به وليس عنده ماء فالشراء: واجب، فعلى هذا نقول: إن المباح إذا كان وسيلة لأمر مشروع كان مشروعًا، وإذا كان ذريعة لأمر محرم كان حرامًا. س ٢٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن طالب علم يريد أن يذهب مع إخوانه في الله لطلب العلم وكان الحائل بينه وبين الذهاب معهم هو أهله، والده وأمه، فما الحكم في خروج هذا الطالب ؟

стр. 10453

فأجاب بقوله: هذا الطالب إن كان هناك ضرورة لبقائه عندهم فهذا أفضل، مع أنه يمكنه أن يبقى عندهم مع طلب العلم؛ لأن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله، والعلم من الجهاد وبالتالي فيكون بر الوالدين مقدمَا عليه إذا كانا في حاجة إليه، أما إذا لم يكونا في حاجة إليه، ويتمكن من طلب العلم أكثر إذا خرج فلا حرج عليه أن يخرج في طلب العلم في هذه الحال، ولكنه مع هذا لا ينسى حق الوالدين في الرجوع إليهما وإقناعهما إذا رجع، وأما إذا علم كراهة الوالدين للعلم الشرعي فهؤلاء لا طاعة لهما، ولا ينبغي له أن يستأذن منهما إذا خرج؛ لأن الحامل لهما كراهة العلم الشرعي. س ٢٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز للمرء أن يترك عمله ويتفرغ لطلب العلم، فيكون عالة على أبيه وأخيه ؟ فأجاب بقوله: لا شك أن طلب العلم من أفضل الأعمال، بل هو من الجهاد في سبيل الله، ولا سيما في وقتنا هذا حين بدأت البدع تظهر في المجتمع الإسلامي وتنتشر وتكثر، وبدأ الجهل الكثير ممن يتطلع إلى الإفتاء بغير علم، وبدأ الجدل من كثير من الناس، فهذه ثلاثة أمور كلها تحتم على الشباب أن يحرص على طلب العلم: أولاً: بدع بدأت تظهر شرورها.

стр. 10454

ثانيًا: أناس يتطلعون إلى الإفتاء بغير علم. ثالثًا: جدل كثير في مسائل قد تكون واضحة لأهل العلم لكن يأتي من يجادل فيها بغير علم. فمن أجل ذلك فنحن في ضرورة إلى أهل علم عندهم رسوخ وسعة اطلاع، وعندهم أيضًا فقه في دين الله، وعندهم حكمة في توجيه عباد الله؛ لأن كثيرًا من الناس الآن يحصلون على علم نظري في مسألة من المسائل ولا يهمهم النظر إلى إصلاح الخلق وإلى تربيتهم، وأنهم إذا أفتوا بكذا وكذا صار وسيلة إلى شر أكبر لا يعلم مداه إلا الله. وهاهم الصحابة- ﵃ أحيانًا يلزمون بأشياء قد تكون النصوص دالة على عدم الإلزام بها من أجل تربية الخلق. عمر بن الخطاب- ﵁ ألزم الناس بإمضاء الطلاق الثلاث، كان الطلاق الثلاث في عهد الرسول ﷺ ، وعهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، كان الطلاق الثلاث أي في مجلس واحد واحدًا، لكن هو محرم أي طلاق المرأة ثلاثًا في مجلس واحد؛ لأنه تعدى حدود الله- قال عمر- ﵁: أرى الناس قد تتابعوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، وجعل الطلاق الثلاث ثلاثًا لا واحدًا بعد أن مضى عهد النبي ﷺ ،

стр. 10455

وعهد أبي بكر، وسنتان من خلافته- ﵁ ألزم الناس بالطلاق الثلاث، مع أن الإنسان لو راجع زوجته بعد هذا الطلاق لكان رجوعه صحيحًا في العهدين السابقين لعهد عمر وسنتين من خلافته، لكن رأى أن المصلحة تقتضي إمضاء الطلاق الثلاث، ومنع الإنسان من الرجوع إلى زوجته. أيضًا عقوبة الخمر في عهد النبي ﷺ يؤتى بالرجل الشارب فيضرب بطرف الثوب أو بالجريد أو النعال نحوًا من أربعين جلدة، وفى عهد أبى بكر يجلد أربعين، وفي عهد عمر يُجلد أربعين، ولكنه لما كثر الشرب جمع الصحابة واستشارهم فقال: عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون. فجعل عمر عقوبة شارب الخمر ثمانين جلدة (١) . كل هذا من أجل إصلاح الخلق فينبغي للمسلم أو المفتي والعالم في مثل هذه الأمور أن يراعي أحوال الناس وما يصلحهم.

стр. 10456

آداب طالب العلم

стр. 10457

آداب طالب العلم طالب العلم لابد له من التأدب بآداب، نذكر منها: الأمر الأول: إخلاص النية لله- : بأن يكون قصده بطلب العلم وجه الله والدار الآخرة؛ لأن الله حث عليه ورغب فيه، فقال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (١) . والثناء على العلماء في القرآن معروف، وإذا أثنى الله على شيء أو أمر به صار عبادة. إذن فيجب الإخلاص فيه لله بأن ينوي الإنسان في طلب العلم وجه الله- وإذا نوى الإنسان بطلب العلم الشرعي أن ينال شهادة ليتوصل بها إلى مرتبة أو رتبة، فقد قال رسول الله ﷺ : "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" (٢) يعني: ريحها. وهذا وعيد شديد.

стр. 10458

لكن لو قال طالب العلم: أنا أريد أن أنال الشهادة لا من أجل حظ الدنيا، ولكن لأن النظم أصبح مقياس العالم فيها شهادته. فنقول: إذا كانت نية الإنسان نيل الشهادة من أجل نفع الخلق تعليمًا أو إدارة أو نحوها فهذه نية سليمة لا تضره شيئا؛ لأنها نية حق. وإنما ذكرنا الإخلاص في أول آداب طالب العلم؛ لأن الإخلاص أساس، فعلى طالب العلم أن ينوي بطلب العلم امتثال أمر الله- لأن الله- أمر بالعلم فقال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (١) . فأمر بالعلم، فإذا تعلمت فإنك ممتثل لأمر الله- . الأمر الثاني: التمسك بالكتاب والسنة: يجب على طلبة العلم الحرص التام على تلقي العلم والأخذ من أصوله التي لا فلاح لطالب العلم إن لم يبدأ بها، وهي: ١- القرآن الكريم: فإنه يجب على طالب العلم الحرص عليه قراءة وحفظًا وفهمًا وعملاً به، فإن القرآن هو حبل الله المتين، وهو أساس العلوم، وقد كان السلف يحرصون عليه غاية الحرص فيذكر عنهم الشيء العجيب من حرصهم على القرآن، فتجد أحدهم حفظ القرآن وعمره سبع سنوات، وبعضهم حفظ القرآن في أقل من شهر،

стр. 10459

وفي هذا دلالة على حرص السلف- رضوان الله عليهم- على القرآن، فيجب على طالب العلم الحرص عليه وحفظه على يد أحد المعلمين؛ لأن القرآن يؤخذ عن طريق التلقي. وإنه مما يؤسف له أن تجد بعض طلبة العلم لا يحفظ القرآن، بل بعضهم لا يحسن القراءة، وهذا خلل كبير في منهج طلب العلم. لذلك أكرر أنه يجب على طلبة العلم الحرص على حفظ القرآن، والعمل به، والدعوة إليه، وفهمه فهمًا مطابقًا لفهم السلف الصالح. ٢- السنة الصحيحة: فهي ثاني المصدرين للشريعة الإسلامية، وهي الموضحة للقرآن الكريم، فيجب على طالب العلم الجمع بينهما والحرص عليهما، وعلى طالب العلم حفظ السنة، إما بحفظ نصوص الأحاديث أو بدراسة أسانيدها ومتونها وتمييز الصحيح من الضعيف، وكذلك يكون حفظ السنة بالدفاع عنها والرد على شبهات أهل الباع في السنة. فيجب على طالب العلم أن يلتزم بالقرآن والسنة الصحيحة، وهما له- أي طالب العلم- كالجناحين للطائر إذا انكسرا لم يطر. لذلك لا تراعي السنة وتغفل عن القرآن، أو تراعي القرآن وتغفل عن السنة، فكثير من طلبة العلم يعتني بالسنة وشروحها ورجالها، ومصطلحاتها اعتناءًا كاملاً، لكن لو سألته عن آية من

стр. 10460

كتاب الله لرأيته جاهلاً بها، وهذا غلط كبير، فلابد أن يكون الكتاب والسنة جناحين لك يا طالب العلم، وهناك شيء ثالث مهم وهو كلام العلماء، فلا تهمل كلام العلماء ولا تغفل عنه؛ لأن العلماء أشد رسوخًا منك في العلم، وعندهم من قواعد الشريعة وأسرارها وضوابطها ما ليس عندك، ولهذا كان العلماء الأجلاء المحققون إذا ترجح عندهم قول، يقولون: إن كان أحد قال به وإلا فلا نقول به، فمثلاً شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- على علمه وسعة اطلاعه إذا قال قولاً لا يعلم له قائلاً قال: (أنا أقول به إن كان قد قيل به) ، ولا يأخذ برأيه. لذا يجب على طالب العلم الرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وأن يستعين بكلام العلماء. والرجوع إلى كتاب الله يكون بحفظه وتدبره والعمل على ما جاء به؛ لأن الله يقول: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)) (١) . لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ) وتدبر الآيات يوصل إلى فهم المعنى، (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) والتذكر هو العمل بهذا القرآن. نزل هذا القرآن لهذه الحكمة، وإذا كان نزل لذلك فلنرجع إلى

стр. 10461

الكتاب لنتدبره ولنعلم معانيه، ثم نطبق ما جاء به، ووالله إن فيه سعادة الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)) (١) . ولهذا لا تجد أحدًا أنعم بالاً، ولا أشرح صدرًا، ولا أشد طمأنينة في قلبه من المؤمن أبدًا، حتى وإن كان فقيرًا، فالمؤمن أشد الناس انشراحًا، وأشد الناس اطمئنانًا، وأوسع صدرًا، واقرؤوا إن شئتم قول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٢) . ما هي الحياة الطيبة؟ الجواب: الحياة الطيبة هي انشراح الصدر وطمأنينة القلب، حتى ولو كان الإنسان في أشد بؤس، فإنه مطمئن القلب منشرح الصدر، قال النبي ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، ان أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له " (٣) .

стр. 10462

الكافر إذا أصابته الضراء هل يصبر؟ فالجواب: لا، بل يحزن وتضيق عليه الدنيا، وربما انتحر وقتل نفسه، ولكن المؤمن يصبر ويجد لذة الصبر انشراحًا وطمأنينة، ولذلك تكون حياته طيبة، وبذلك يكون قوله تعالى: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (١) . حياة طيبة في قلبه ونفسه. بعض المؤرخين الذين تكلموا عن حياة الحافظ ابن حجر ﵀ وكان قاضي قضاة مصر في عهده، وكان إذا جاء إلى مكان عمله يأتي بعربة تجرها الخيول والبغال في موكب. فمر ذات يوم برجل يهودي في مصر زيات- أي يبيع الزيت- وعادة يكون الزيات وسخ الثياب- فجاء اليهودي فأوقف الموكب. وقال للحافظ ابن حجر- ﵀: إن نبيكم يقول: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" (٢) . وأنت قاضي قضاة مصر، وأنت في هذا الموكب، وفي هذا النعيم، وأنا- يعني نفسه اليهودي- في هذا العذاب وهذا الشقاء. قال الحافظ ابن حجر- ﵀: "أنا فيما أنا فيه من الترف والنعيم يعتبر بالنسبة إلى نعيم الجنة سجنًا، وأما أنت بالنسبة للشقاء

стр. 10463

الذي أنت فيه يعتبر بالنسبة لعذاب النار جنة". فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأسلم. فالمؤمن في خير مهما كان، وهو الذي ربح الدنيا والآخرة. والكافر في شر وهو الذي خسر الدنيا والآخرة. تال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)) (١) . فالكفار والذين أضاعوا دين الله وتاهوا في لذاتهم وترفهم، فهم وإن بنوا القصور وشيدوها وازدهرت لهم الدنيا، فإنهم في الحقيقة في جحيم، حتى قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف ". أما المؤمنون فقد نعموا بمناجاة الله وذكره، وكانوا مع قضاء الله وقدره، فإن أصابتهم الضراء صبروا، وإن أصابتهم السراء شكروا، فكانوا في أنعم ما يكون، بخلاف أصحاب الدنيا فإنهم كما وصفهم الله بقوله: (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)) (٢) .

стр. 10464

وأما الرجوع إلى السنة النبوية: فسنة الرسول ﷺ ثابتة بين أيدينا، ولله الحمد، ومحفوظة، حتى ما كان مكذوبًا على الرسول ﷺ ، فإن أهل العلم بينوا سنته، وبينوا ما هو مكذوب عليه، وبقيت السنة- ولله الحمد- ظاهرة محفوظة، يستطيع أي إنسان أن يصل إليها إما بمراجعة الكتب- إن تمكن- وإلا ففي سؤال أهل العلم. ولكن إذا قال قائل: كيف توفق بين ما قلت من الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟ مع أننا نجد أن أناسًا يتبعون الكتب المؤلفة في المذاهب ويقول: أنا مذهبي كذا، وأنا مذهبي كذا!! حتى إنك لتفتي الرجل وتقول له: قال النبي ﷺ : كذا، فيقول: أنا مذهبي حنفي، أنا مذهبي مالكي، أنا مذهبي شافعي، أنا مذهبي حنبلي.. وما أشبه ذلك. فالجواب: أن نقول لهم إننا جميعًا نقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. فما معنى شهادة أن محمدًا رسول الله؟ قال العلماء: معناها: "طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع ". فإذا قال إنسان: أنا مذهبي كذا أو مذهبي كذا أو مذهبي كذا؛ فنقول له: هذا قول الرسول- ﵊ فلا تعارضه بقول أحد.

стр. 10465

حتى أئمة المذاهب ينهون عن تقليدهم تقليدًا محضًا ويقولون: "متى تبين الحق فإن الواجب الرجوع إليه ". فنقول لمن عارضنا بمذهب فلان أو فلان: نحن وأنت نشهد أن محمدَا رسول الله، وتقتضى هذه الشهادة ألا نتبع إلا رسول الله ﷺ ، وهذه السنة بين أيدينا واضحة جلية، ولكن لست أعني بهذا القول أن نقلل من أهمية الرجوع لكتب الفقهاء وأهل العلم، بل إن الرجوع إلى كتبهم للانتفاع بها ومعرفة الطرق التي بها تستنبط الأحكام من أدلتها من الأمور التي لا يمكن أن يحقق طلب العلم إلا بالرجوع إليها. ولذلك نجد أولئك القوم الذين لم يتفقهوا على أيدي العلماء نجد أن عندهم من الزلات شيئًا كثيرًا؛ لأنهم صاروا ينظرون بنظر أقل مما ينبغي أن ينظروا فيه، يأخذون مثلاً صحيح البخاري، فيذهبون إلى ما فيه من الأحاديث، مع أن في الأحاديث ما هو عام، ومخصص، ومطلق، ومقيد، وشيء منسوخ، لكنهم لا يهتدون إلى ذلك، فيحصل بهذا ضلال كبير. الأمر الثالث: رفع الجهل عن نفسه وعن غيره: أن ينوي بطلب العلم رفع الجهل عن نفسه وعن غيره؛ لأن الأصل في الإنسان الجهل، ودليل ذلك قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ

стр. 10466

مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١) . والواقع يشهد بذلك، فتنوي بطلب العلم رفع الجهل عن نفسك وبذلك تنال خشية الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (٢) . فتنوي رفع الجهل عن نفسك؛ لأن الأصل فيك الجهل، فإذا تعلمت وصرت من العلماء انتفى عنك الجهل، وكذلك تنوي رفع الجهل عن الأمة ويكون ذلك بالتعليم بشتى الوسائل لتنفع الناس بعلمك. وهل من شرط نفع العلم أن تجلس في المسجد حلقة؟ أو يمكن أن تنفع الناس بعلمك في كل حال. الجواب: بالثاني؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "بلغوا عني ولو آية" (٣) ؛ لأنك إذا علمت رجلاً علمًا وعلمه رجلاً آخر صار لك أجر رجلين، ولو علم ثالثًا صار لك أجر ثلاثة وهكذا، ومن ثم صار من البدع أن الإنسان إذا فعل عبادة قال: "اللهم اجعل ثوابها لرسول الله"؛ لأن الرسول ﷺ هو الذي علمك بها وهو الذي دلك عليها فله مثل أجرك.

стр. 10467

قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: "العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته ". قالوا: كيف ذلك؟ قال: "ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره "؛ لأن الأصل فيهم الجهل كما هو الأصل فيك، فإذا تعلمت من أجل أن ترفع الجهل عن هذه الأمة كنت من المجاهدين في سبيل الله الذين ينشرون دين الله. الأمر الرابع: الدفاع عن الشريعة: أن ينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة؛ لأن الكتب لا يمكن أن تدافع عن الشريعة، ولا يدافع عن الشريعة إلا حامل الشريعة، فلو أن رجلاً من أهل البدع جاء إلى مكتبة حافلة بالكتب الشرعية فيها ما لا يحصى من الكتب، وقام يتكلم ببدعة ويقررها فلا أظن أن كتابًا واحدًا يرد عليه، لكن إذا تكلم عند شخص من أهل العلم ببدعته ليقررها فإن طالب العلم يرد عليه، ويدحض كلامه بالقرآن والسنة. فعلى طالب العلم أن ينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة؛ لأن الدفاع عن الشريعة لا يكون إلا برجالها كالسلاح تمامًا، لو كان عندنا أسلحة ملأت خزائنها، فهل هذه الأسلحة تستطيع أن تقوم من أجل أن تلقي قذائفها على العدو، أو لا يكون ذلك إلا بالرجال؟ فالجواب: لا يكون ذلك إلا بالرجال، وكذلك العلم.

стр. 10468

ثم إن البدع تتجدد، فقد توجد بدع ما حدثت في الزمن الأول ولا توجد في الكتب فلا يمكن أن يدافع عنها إلا طالب العلم، ولهذا أقول: إن مما تجب مراعاته لطالب العلم الدفاع عن الشريعة، إذن فالناس في حاجة ماسة إلى العلماء؛ لأجل أن يردوا على كيد المبتدعين وسائر أعداء الله- ولا يكون ذلك إلا بالعلم الشرير المتلقى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . الأمر الخامس: رحابة الصدر في مسائل الخلاف: أن يكون صدره رحبًا في مواطن الخلاف الذي مصدره الاجتهاد؛ لأن مسائل الخلاف بين العلماء، إما أن تكون مما لا مجال للاجتهاد فيه، ويكون الأمر فيها واضحًا فهذه لا يعذر أحد بمخالفتها، وإما أن تكون مما للاجتهاد فيها مجال فهذه يعذر فيها من خالفها، ولا يكون قولك حجة على من خالفك فيها؛ لأننا لو قبلنا ذلك لقلنا بالعكس قوله حجة عليك. وأنا أريد بهذا ما للرأي فيه مجال، ويسع الإنسان فيه الخلاف، أما من خالف طريق السلف كمسائل العقيدة فهذه لا يقبل من أحد مخالفة ما كان عليه السلف الصالح، لكن في المسائل الأخرى التي للرأي فيها مجال فلا ينبغي أن يتخذ من هذا الخلاف مطعن في

стр. 10469

الآخرين، أو يتخذ منها سبب للعداوة والبغضاء. فالصحابة- ﵃ يختلفون في أمور كثيرة، ومن أراد أن يطلع على اختلافهم فليرجع إلى الآثار الواردة عنهم يجد الخلاف في مسائل كثيرة، وهي أعظم من المسائل التي اتخذها الناس هذه الأيام ديدنًا للاختلاف حتى اتخذ الناس من ذلك تحزبًا بأن يقولوا: أنا مع فلان وأنا مع فلان، كان المسألة مسألة أحزاب فهذا خطأ. من ذلك مثلاً كأن يقول أحد: إذا رفعت من الركوع فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى، بل أرسلها إلى جنب فخذيك فإن لم تفعل ذلك فأنت مبتدع. كلمة (مبتدع) ليست هينة على النفس، إذا قال لي هذا سيحدث في صدري شيء من الكراهة؛ لأن الإنسان بشر، ونحن نقول: هذه المسألة فيها سعة إما أن يضعها أو يرسلها، ولهذا نص الإمام أحمد- ﵀ على أنه يخير بين أن يضع يده اليمنى على اليسرى وبين الإرسال؛ لأن الأمر في ذلك واسع، ولكن ما هي السنة عند تحرير هذه المسألة؟ فالجواب: السنة أن تضع يدك اليمنى على اليسرى إذا رفعت من الركوع كما تضعها إذا كنت قائمًا، والدليل فيما رواه البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع

стр. 10470

الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (١) . فلتنظر هل يريد بذلك في حال السجود أو يريد بذلك في حال الركوع؛ أو يريد بذلك في حالة القعود؟ لا، بل يريد بذلك في حالة القيام وذلك يشمل القيام قبل الركوع والقيام بعد الركوع، فيجب ألا نأخذ من هذا الخلاف بين العلماء سببًا للشقاق والنزاع؛ لأننا كلنا نريد الحق، وكلنا فعل ما أداه اجتهاده إليه، فمادام هكذا فإنه لا يجوز أن نتخذ من ذلك سببًا للعداوة والتفرق بين أهل العلم؛ لأن العلماء لم يزالوا يختلفون حتى في عهد النبي ﷺ إذن فالواجب على طلبة العلم أن يكونوا يدًا واحدة، ولا يجعلوا مثل هذا الخلاف سببًا للتباعد والتباغض، بل الواجب إذا خالفت صاحبك بمقتضى الدليل عندك، وخالفك هو بمقتضي الدليل عنده أن تجعلوا أنفسكم على طريق واحد، وأن تزداد المحبة بينكما. ولهذا فنحن نحب ونهنئ شبابنا الذين عندهم الآن اتجاهًا قويًا إلى أن يقرنوا المسائل بالدلائل، وأن يبنوا علمهم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، نرى أن هذا من الخير وأنه يبشر بفتح أبواب العلم من مناهجه الصحيحة، ولا نريد منهم أن يجعلوا ذلك سببًا للتحزب والبغضاء، وقد قال الله لنبيه محمد ﷺ : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا
следующие страницы →