مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١) . والواقع يشهد بذلك، فتنوي بطلب العلم رفع الجهل عن نفسك وبذلك تنال خشية الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (٢) . فتنوي رفع الجهل عن نفسك؛ لأن الأصل فيك الجهل، فإذا تعلمت وصرت من العلماء انتفى عنك الجهل، وكذلك تنوي رفع الجهل عن الأمة ويكون ذلك بالتعليم بشتى الوسائل لتنفع الناس بعلمك.
وهل من شرط نفع العلم أن تجلس في المسجد حلقة؟
أو يمكن أن تنفع الناس بعلمك في كل حال.
الجواب: بالثاني؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "بلغوا عني ولو آية" (٣) ؛ لأنك إذا علمت رجلاً علمًا وعلمه رجلاً آخر صار لك أجر رجلين، ولو علم ثالثًا صار لك أجر ثلاثة وهكذا، ومن ثم صار من البدع أن الإنسان إذا فعل عبادة قال: "اللهم اجعل ثوابها لرسول الله"؛ لأن الرسول ﷺ هو الذي علمك بها وهو الذي دلك عليها فله مثل
أجرك.
стр. 10467
قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: "العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته ". قالوا: كيف ذلك؟ قال: "ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره "؛ لأن الأصل فيهم الجهل كما هو الأصل فيك، فإذا
تعلمت من أجل أن ترفع الجهل عن هذه الأمة كنت من المجاهدين في سبيل الله الذين ينشرون دين الله.
الأمر الرابع: الدفاع عن الشريعة:
أن ينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة؛ لأن الكتب لا يمكن أن تدافع عن الشريعة، ولا يدافع عن الشريعة إلا حامل الشريعة، فلو أن رجلاً من أهل البدع جاء إلى مكتبة حافلة بالكتب الشرعية
فيها ما لا يحصى من الكتب، وقام يتكلم ببدعة ويقررها فلا أظن أن كتابًا واحدًا يرد عليه، لكن إذا تكلم عند شخص من أهل العلم ببدعته ليقررها فإن طالب العلم يرد عليه، ويدحض كلامه بالقرآن
والسنة.
فعلى طالب العلم أن ينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة؛ لأن الدفاع عن الشريعة لا يكون إلا برجالها كالسلاح تمامًا، لو كان عندنا أسلحة ملأت خزائنها، فهل هذه الأسلحة تستطيع أن تقوم من أجل أن تلقي قذائفها على العدو، أو لا يكون ذلك إلا بالرجال؟
فالجواب: لا يكون ذلك إلا بالرجال، وكذلك العلم.
стр. 10468
ثم إن البدع تتجدد، فقد توجد بدع ما حدثت في الزمن الأول ولا توجد في الكتب فلا يمكن أن يدافع عنها إلا طالب العلم، ولهذا أقول:
إن مما تجب مراعاته لطالب العلم الدفاع عن الشريعة، إذن فالناس في حاجة ماسة إلى العلماء؛ لأجل أن يردوا على كيد المبتدعين وسائر أعداء الله- ولا يكون ذلك إلا بالعلم
الشرير المتلقى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
الأمر الخامس: رحابة الصدر في مسائل الخلاف:
أن يكون صدره رحبًا في مواطن الخلاف الذي مصدره الاجتهاد؛ لأن مسائل الخلاف بين العلماء، إما أن تكون مما لا مجال للاجتهاد فيه، ويكون الأمر فيها واضحًا فهذه لا يعذر أحد بمخالفتها، وإما أن تكون مما للاجتهاد فيها مجال فهذه يعذر فيها من خالفها، ولا يكون قولك حجة على من خالفك فيها؛ لأننا لو قبلنا ذلك لقلنا بالعكس قوله حجة عليك.
وأنا أريد بهذا ما للرأي فيه مجال، ويسع الإنسان فيه الخلاف، أما من خالف طريق السلف كمسائل العقيدة فهذه لا يقبل من أحد مخالفة ما كان عليه السلف الصالح، لكن في المسائل الأخرى التي
للرأي فيها مجال فلا ينبغي أن يتخذ من هذا الخلاف مطعن في
стр. 10469
الآخرين، أو يتخذ منها سبب للعداوة والبغضاء.
فالصحابة- ﵃ يختلفون في أمور كثيرة، ومن أراد أن يطلع على اختلافهم فليرجع إلى الآثار الواردة عنهم يجد الخلاف في مسائل كثيرة، وهي أعظم من المسائل التي اتخذها الناس هذه
الأيام ديدنًا للاختلاف حتى اتخذ الناس من ذلك تحزبًا بأن يقولوا: أنا مع فلان وأنا مع فلان، كان المسألة مسألة أحزاب فهذا خطأ.
من ذلك مثلاً كأن يقول أحد: إذا رفعت من الركوع فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى، بل أرسلها إلى جنب فخذيك فإن لم تفعل ذلك فأنت مبتدع.
كلمة (مبتدع) ليست هينة على النفس، إذا قال لي هذا سيحدث في صدري شيء من الكراهة؛ لأن الإنسان بشر، ونحن نقول: هذه المسألة فيها سعة إما أن يضعها أو يرسلها، ولهذا نص الإمام أحمد-
﵀ على أنه يخير بين أن يضع يده اليمنى على اليسرى وبين الإرسال؛ لأن الأمر في ذلك واسع، ولكن ما هي السنة عند تحرير هذه المسألة؟
فالجواب: السنة أن تضع يدك اليمنى على اليسرى إذا رفعت من الركوع كما تضعها إذا كنت قائمًا، والدليل فيما رواه البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع
стр. 10470
الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (١) . فلتنظر هل يريد بذلك في حال السجود أو يريد بذلك في حال الركوع؛ أو يريد بذلك في حالة القعود؟ لا، بل يريد بذلك في حالة القيام وذلك
يشمل القيام قبل الركوع والقيام بعد الركوع، فيجب ألا نأخذ من هذا الخلاف بين العلماء سببًا للشقاق والنزاع؛ لأننا كلنا نريد الحق، وكلنا فعل ما أداه اجتهاده إليه، فمادام هكذا فإنه لا يجوز أن نتخذ من ذلك سببًا للعداوة والتفرق بين أهل العلم؛ لأن العلماء لم يزالوا يختلفون حتى في عهد النبي ﷺ إذن فالواجب على طلبة العلم أن يكونوا يدًا واحدة، ولا يجعلوا
مثل هذا الخلاف سببًا للتباعد والتباغض، بل الواجب إذا خالفت صاحبك بمقتضى الدليل عندك، وخالفك هو بمقتضي الدليل عنده أن تجعلوا أنفسكم على طريق واحد، وأن تزداد المحبة بينكما.
ولهذا فنحن نحب ونهنئ شبابنا الذين عندهم الآن اتجاهًا قويًا إلى أن يقرنوا المسائل بالدلائل، وأن يبنوا علمهم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، نرى أن هذا من الخير وأنه يبشر بفتح أبواب العلم من مناهجه الصحيحة، ولا نريد منهم أن يجعلوا ذلك سببًا للتحزب
والبغضاء، وقد قال الله لنبيه محمد ﷺ : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا
стр. 10471
شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (١) . فالذين يجعلون أنفسهم أحزابًا يتحزبون إليها لا نوافقهم على ذلك؛ لأن حزب الله واحد، ونرى أن اختلاف الفهم لا يوجب أن يتباغض الناس وأن يقع أحدهم في عرض أخيه.
فيجب على طلبة العلم أن يكونوا إخوة، حتى وإن اختلفوا في بعض المسائل الفرعية، وعلى كل واحد أن يدعو الآخر بالهدوء والمناقشة التي يراد بها وجه الله والوصول إلى العلم، وبهذا تحصل
الألفة، ويزول هذا العنت والشدة التي تكون في بعض الناس، حتى قد يصل بهم الأمر إلى النزاع والخصام، وهذا لاشك يفرح أعداء المسلمين، والنزاع بين الأمة من أشد ما يكون في الضرر قال الله
تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٢) .
وكان الصحابة.﵃ يختلفون في مثل هذه المسائل، ولكنهم على قلب واحد، على محبة وائتلاف، بل إني أقول بصراحة: إن الرجل إذا خالفك بمقتضى الدليل عنده فإنه موافق لك في الحقيقة؛ لأن كلاً منكما طالب للحقيقة، وبالتالي فالهدف واحد وهو
стр. 10472
الوصول إلى الحق عن دليل، فهو إذن لم يخالفك ما دمت تقر أنه إنما خالفك بمقتضي الدليل عنده، فأين الخلاف؟ وبهذه الطريقة تبقى الأمة واحدة وإن اختلفت في بعض المسائل لقيام الدليل عندها، أما من عاند وكابر بعد ظهور الحق فلا شك أنه يجب أن يعامل بما يستحقه بعد العناد والمخالفة، ولكل مقام مقال.
الأمر السادس: العمل بالعلم:
أن يعمل طالب العلم بعلمه عقيدة، وعبادة، وأخلاقًا، وآدابًا، ومعاملة؛ لأن هذا هو ثمرة العلم، وهو نتيجة العلم، وحامل العلم كالحامل لسلاحه إما له وإما عليه، ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "القرآن حجة لك أو عليك " (١) . لك إن عملت به وعليك إن لم تعمل
به، وكذلك يكون العمل بما صح عن النبي ﷺ بتصديق الأخبار، وامتثال الأحكام، إذا جاء الخبر من الله ورسوله فصدقه وخذه بالقبول والتسليم ولا تقل: لِمَ؟ وكيف؟ فن هذا طريقة غير المؤمنين فقد قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)) (٢) .
стр. 10473
والصحابة كان النبي ﷺ يحدثهم بأشياء قد تكون غريبة وبعيدة عن أفهامهم، ولكنهم يتلقون ذلك بالقبول، لا يقولون: لِمَ؟ وكيف؟
بخلاف ما عليه المتأخرون من هذه الأمة، نجد الواحد منهم إذا حدث بحديث عن الرسول ﷺ وحار عقله فيه نجده يورد على كلام الرسول ﷺ الإيرادات التي تستشف منها أنه يريد الاعتراض لا الاسترشاد، ولهذا يحال بينه وبين التوفيق، حتى يرد هذا الذي جاء عن الرسول ﷺ ؛ لأنه لم يتلقه بالقبول والتسليم.
وأضرب لذلك مثلاً ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "يتنزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " (١) .
هذا الحديث حدث به النبي ﷺ وهو حديث مشهور بل متواتر، ولم يرفع أحد من الصحابة لسانه ليقول: يا رسول الله، كيف ينزل؟ وهل يخلو منه العرش أم لا؟ وما أشبه ذلك؟
لكن نجد بعض الناس يتكلم في مثل هذا، ويقول كيف يكون على العرش وهو ينزل إلى السماء الدنيا؟ وما أشبه ذلك من
стр. 10474
الإيرادات التي يوردونها، ولو أنهم تلقوا هذا الحديث بالقبول وقالوا: إن الله- مستو على عرشه، والعلو من لوازم ذاته، وينزل كما يشاء- لاندفعت عنهم هذه الشبهة ولم
يتحيروا فيما أخبرهم النبي ﷺ عن ربه.
إذن الواجب علينا أن نتلقى ما أخبر الله به ورسوله ﷺ من أمور الغيب بالقبول والتسليم، وألا نعارضها بما يكون في أذهاننا من المحسوس والمشاهد؛ لأن أمر الغيب أمر فوق ذلك، والأمثلة على ذلك كثيرة لا أحب أن أطيل بذكرها، إنما موقف المؤمن من مثل هذه
الأحاديث هو القبول والتسليم بأن يقول صدق الله ورسوله كما أخبر الله عن ذلك في قوله: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ) (١) .
فالعقيدة يجب أن تكون مبنية على كتاب الله وسنة رسوله، وأن يعلم الإنسان أنه لا مجال للعقل فيها، لا أقول لا مدخل للعقل فيها، وإنما أقول لا مجال للعقل فيها؛ لأن ما جاءت به من نصوص في كمال الله شاهدة به العقول، وإن كان العقل لا يدرك تفاصيل ما يجب لله من كمال لكنه يدرك أن الله قد ثبت له كل صفات الكمال، لابد أن يعمل بهذا العلم الذي مَنَّ الله به عليه من ناحية العقيدة.
كذلك من ناحية العبادة، التعبد لله- وكما يعلم كثير
стр. 10475
منا أن العبادة مبنية على أمرين أساسين:
أحدهما: الإخلاص لله- .
والثاني: المتابعة للرسول ﷺ ، فيبني الإنسان عبادته على ما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ ، لا يبتدع في دين الله ما ليس منه لا في أصل العبادة، ولا في وصفها، ولهذا نقول: لابد في العبادة أن تكون ثابتة بالشرع في هيئتها، وفي مكانها، وفي زمانها، وفي سببها، وفي عددها، وفي جنسها، فلابد أن تكون ثابتة بالشرع في هذه الأمور كلها.
فلو أن أحدًا أثبت شيئًا من الأسباب لعبادة تعبَّد لله بها دون دليل رددنا عليه ذلك، وقلنا: إن هذا غير مقبول، لأنه لابد أن يثبت بأن هذا سبب لتلك العبادة، وإلا فليس بمقبول منه، ولو أن أحدًا شرع شيئًا من العبادات لم يأتِ به الشرع أو أتى بشيء ورد به الشرع لكن على هيئة ابتدعها أو في زمان ابتدعه، قلنا: إنها مردودة عليك؛ لأنه لابد أن تكون العبادة مبنية على ما جاء به الشرع؛ لأن هذا هو مقتضى ما علمك الله تعالى من العلم ألا تتعبد لله تعالى إلا بما شرع.
ولهذا قال العلماء: إن الأصل في العبادات الحظر حتى يقوم دليل على المشروعية، واستدلوا على ذلك بقوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (١) .
стр. 10476
وبقول النبي ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث عائشة- ﵂: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) .
حتى لو كنت مخلصًا وتريد الوصول إلى الله، وتريد الوصول إلى كرامته، ولكنه على غير الوجه المشروع فإن ذلك مردود عليك، ولو أنك أردت الوصول إلى الله من طريق لم يجعله الله تعالى طريقًا
للوصول إليه فإن ذلك مردود عليك.
إذن فواجب طالب العلم أن يكون متعبدًا لله تعالى بما علمه من الشرع لا يزيد ولا ينقص، لا يقول إن هذا الأمر الذي أريد أن أتعبد لله به أمر تسكن إليه نفسي ويطمئن إليه قلبي وينشرح به صدري، لا يقول هكذا حتى لو حصل هذا فليزنها بميزان الشرع فإن شهد الكتاب والسنة لها بالقبول فعلى العين والرأس وإلا فإنه قد يزين له سوء عمله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) (٢) .
كذلك لابد أن يكون عاملاً بعلمه في الأخلاق والمعاملة، والعلم الشرعي يدعو إلى كل خلق فاضل من الصدق والوفاء، ومحبة الخير للمؤمنين حتى قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما
стр. 10477
يحب لنفسه " (١) . وقال ﵊: "مَنْ أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" (٢) ، وكثير من الناس عندهم غيرة وحب للخير، ولكن لا يسعون الناس بأخلاقهم، نجد عنده شدة وعنف حتى
في مقام الدعوة إلى الله- نجده يستعمل العنف والشدة، وهذا خلاف الأخلاق التي أمر بها الله- .
واعلم أن حسن الخلق مما يقرب إلى الله- ، وأولى الناس برسول الله ﷺ وأدناهم منه منزلة أحاسنهم أخلاقًا كما قال ﷺ : "إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، صان أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون ". قالوا يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: االمتكبرون، (٣) .
الأمر السابع: الدعوة إلى الله:
أن يكون داعيًا بعلمه إلى الله- يدعو في كل مناسبة
стр. 10478
في المساجد، وفي المجالس، وفي الأسواق، وفي كل مناسبة، هذا النبي ﷺ بعد أن آتاه الله النبوة والرسالة لم يجلس في بيته بل كان يدعو الناس ويتحرك، وأنا لا أريد من طلبة العلم أن يكونوا نسخًا من كتب، ولكني أريد منهم أن يكونوا علماء عاملين.
الأمر الثامن: الحكمة:
أن يكون متحليًا بالحكمة، حيث يقول الله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (١) .
والحكمة أن يكون طالب العلم مربياً لغيره بما يتخلق به من الأخلاق، وبما يدعو إليه من دين الله- بحيث يخاطب كل إنسان بما يليق بحاله، وإذا سلكنا هذا الطريق حصل لنا خير كثير كما قال ربنا- : (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (٢) .
والحكيم هو: الذي ينزل الأشياء منازلها؛ لأن الحكيم مأخوذ من الإحكام وهو الإتقان، وإتقان الشيء أن ينزله منزلته، فينبغي بل يجب على طالب العلم أن يكون حكيمًا في دعوته.
وقد ذكر الله مراتب الدعوة في قوله تعالما: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (٣) .
стр. 10479
وذكر الله تعالى مرتبة رابعة في جدال أهل الكتاب فقال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (١) .
فيختار طالب العلم من أساليب الدعوة ما يكون أقرب إلى القبول، ومثال ذلك في دعوة الرسول ﷺ : جاء أعرابي فبال في جهة المسجد، فقام إليه الصحابة ﵃ يزجرونه، فنهاهم النبي ﷺ ، ولما قضى بوله دعاه النبي ﷺ وقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن " (٢) أو كما قال النبي ﷺ ، أرأيتم أحسن من هذه الحكمة؟ فهذا الأعرابي انشرح صدره واقتنع حتى إنه قال: "اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا " (٣) .
وقصة أخرى: عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلما رأيتهم
يصمتونني، سكتّ. فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي! ما
стр. 10480
رأيت معلمًا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله! ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني. قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " (١) . ومن هنا نجد أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالحكمة كما أمر الله- .
ومثال آخر: أن النبي ﷺ رأى رجلاً وفي يده خاتم ذهب، وخاتم الذهب حرام على الرجال، فنزعه النبي ﷺ من يده ورمى به، وقال:
"يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده " (٢) ولما انصرف النبي ﷺ قيل للرجل: خذ خاتمك انتفع به. فقال: والله لا آخذ خاتمًا طرحه رسول الله ﷺ .
فأسلوب التوجيه هنا أشد؛ لأن لكل مقام مقالاً، وهكذا ينبغي لكل من يدعو إلى الله أن ينزل الأمور منازلها، وألا يجعل الناس على حد سواء، والمقصود حصول المنفعة.
وإذا تأملنا ما عليه كثير من الدعاة اليوم وجدنا أن بعضهم تأخذه الغيرة حتى ينفر الناس من دعوته، لو وجد أحدًا يفعل شيئًا محرمًا لوجدته يشهر به بقوة وبشدة يقول: ما تخاف الله، ما تخشى الله، وما
أشبه ذلك حتى ينفر منه، وهذا ليس بطيب؛ لأن هذا يقابل بالضد،
стр. 10481
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ لما نقل عن الشافعي- ﵀ ما يراه في أهل الكلام، حينما قال: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام ".
قال شيخ الإسلام: إن الإنسان إذا نظر إلى هؤلاء وجدهم مستحقين لما قاله الشافعي من وجه، ولكنه إذا نظر إليهم بعين القدر، والحيرة قد استولت عليهم والشيطان قد استحوذ عليهم، فإنه يرق
لهم ويرحمهم، ويحمد الله أن عافاه مما ابتلاهم به، أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، أو أتوا فهومًا، وما أوتوا علومًا، أو أتوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء.
هكذا ينبغي لنا أيها الإخوة أن ننظر إلى أهل المعاصي بعينين: عين الشرع.
وعين القدر.
عين الشرع أي: لا تأخذنا في الله لومة لائم، كما قال تعالى عن الزانية والزاني: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) (١) .
وننظر إليهم بعين القدر فنرحمهم ونرق لهم ونعاملهم بما نراه
стр. 10482
أقرب إلى حصول المقصود وزوال المكروه، وهذا من آثار طالب العلم بخلاف الجاهل الذي عنده غيرة، لكن ليس عنده علم، فطالب العلم الداعية إلى الله يجب أن يستعمل الحكمة.
الأمر التاسع: أن يكون الطالب صابرًا على العلم أي مثابرًا عليه لا يقطعه ولا يمل بل يكون مستمرًا في تعلمه بقدر المستطاع، وليصبر على العلم، ولا يمل فإن الإنسان إذا طرقه الملل استحسر وترك، ولكن إذا كان مثابرًا على العلم فإنه ينال أجر الصابرين من وجه، وتكون له العاقبة من وجه آخر، واستمع إلى قول الله- مخاطبًا نبيه: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)) (١) .
الأمر العاشر: احترام العلماء وتقديرهم:
إن على طلبة العلم احترام العلماء وتقديرهم، وأن تتسع صدورهم لما يحصل من اختلاف بين العلماء وغيرهم، وأن يقابلوا هذا بالاعتذار عمن سلك سبيلاً خطأ في اعتقادهم، وهذه نقطة
مهمة جدًا؛ لأن بعض الناس يتتبع أخطاء الآخرين، ليتخذ منها ما ليس لائقًا في حقهم، ويشوش على الناس سمعتهم، وهذا من أكبر
стр. 10483
الأخطاء، وإذا كان اغتياب العامي من الناس من كبائر الذنوب فإن اغتياب العالم أكبر وأكبر؛ لأن اغتياب العالم لا يقتصر ضرره على العالم، بل عليه وعلى ما يحمله من العلم الشرعي.
والناس إذا زهدوا في العالم أو سقط من أعينهم تسقط كلمته أيضًا، وإذا كان يقول الحق ويهدي إليه فإن غيبة هذا الرجل لهذا العالم تكون حائلاً بين الناس وبين علمه الشرعي، وهذا خطره كبير وعظيم.
أقول: إن على هؤلاء الشباب أن يحملوا ما يجري بين العلماء من الاختلاف على حسن النية، وعلى الاجتهاد، وأن يعذروهم فيما أخطؤوا فيه، ولا مانع أن يتكلموا معهم فيما يعتقدون أنه خطأ،
ليبينوا لهم هل الخطأ منهم، أو من الذين قالوا إنهم أخطؤوا؟ لأن الإنسان أحيانًا يتصور أن قول العالم خطأ، ثم بعد المناقشة يتبين له صوابه. والإنسان بشر قال ﵊: "كل ابن آدم
خطاء، وخير الخطائين التوابون " (١) .
أما أن يفرح بزلة العالم وخطئه، ليشيعها بين الناس فتحصل الفرقة، فن هذا ليس من طريق السلف.
وكذلك أيضًا ما يحصل من الأخطاء من الأمراء، لا يجوز لنا أن نتخذ ما يخطئون فيه سلمًا للقدح فيهم في كل شيء، ونتغاضى عما لهم من
стр. 10484
الحسنات؛ لأن الله يقول في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) (١) .
يعني لا يحملكم بغض قوم على عدم العدل، فالعدل واجب، ولا يحل للإنسان أن يأخذ زلات أحد من الأمراء، أو العلماء، أو غيرهم فيشيعها بين الناس، ثم يسكت عن حسناتهم، فإن هذا ليس بالعدل.
وقس هذا الشيء على نفسك لو أن أحدًا سلط عليك وصار ينشر زلاتك وسيئاتك، ويخفي حسناتك وإصاباتك، لعددت ذلك جناية منه عليك. فإذا كنت ترى ذلك في نفسك، فإنه يجب عليك أن ترى ذلك في غيرك، وكما أشرت آنفًا إلى أن علاج ما تظنه خطأ أن تتصل
بمن رأيت أنه أخطأ، وأن تناقشه، ويتبين الموقف بعد المناقشة.
فكم من إنسان بعد المناقشة يرجع عن قوله إلى ما يكون قوله هو الصواب، وظننا هو الخطأ. "فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (٢) .
وقد قال النبي ﷺ : "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " (٣) ، وهذا هو العدل والاستقامة.
стр. 10485
الأمر الحادي عشر: التثبت والثبات:
ومن أهم الآداب التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم التثبت فيما ينقل من الأخبار، والتثبت فيما يصدر من الأحكام، فالأخبار إذا نقلت فلابد أن تثبت أولاً، هل صحت عمن نقلت إليه أو لا؟ ثم إذا صحت فتثبت في الحكم ربما يكون الحكم الذي سمعته مبنيًا على أصل تجهله أنت، فتحكم أنه خطأ، والواقع أنه ليس بخطأ.
ولكن كيف العلاج في هذه الحال؟
العلاج: أن تتصل بمن نسب إليه الخبر وتقول: نقل عنك كذا وكذا، فهل هذا صحيح؟
ثم تناقشه فقد يكون استنكارك ونفور نفسك منه أول وهلة سمعته؛ لأنك لا تدري ما سبب هذا المنقول، ويقال: إذا علم السبب بطل العجب.
فلابد أولاً: من التثبت في الخبر والحكم.
ثم بعد ذلك تتصل بمن نقل عنه وتسأله هل صح ذلك أم لا؟
ثم تناقشه: إما أن يكون هو على حق وصواب فترجع إليه، أو يكون الصواب معك فيرجع إليه.
وهناك فرق بين الثبات والتثبت فهما شيئان متشابهان لفظًا، مختلفان معنى.
стр. 10486
فالثبات معناه: الصبر والمثابرة وألا يمل، ولا يضجر، وألا يأخذ من كل كتاب نتفة، أو من كل فن قطعة ثم يترك؛ لأن هذا الذي يضر الطالب، ويقطع عليه الأيام بلا فائدة، فمثلاً بعض الطلاب يقرأ في النحو: في الأجرومية، ومرة في متن قطر الندى، ومرة في الألفية.
وكذلك الحال في: المصطلح، مرة في النخبة، ومرة في ألفية العراقي.
وكذلك في الفقه: مرة في زاد المستقنع، ومرة في عمدة الفقه، ومرة في المغني، ومرة في شرح المهذب.
وهكذا في كل كتاب، وهلم جرًا، هذا في الغالب لا يحصل علمًا، ولو حصل علمًا فإنه يحصل مسائل لا أصولاً، وتحصيل المسائل كالذي يلتقط الجراد واحدة بعد الأخرى، لكن التأصيل والرسوخ والثبات هو المهم، فكن ثابتًا بالنسبة للكتب التي تقرأ أو تراجع، وثابتًا بالنسبة للشيوخ الذين تتلقى عنهم، لا تكن ذواقًا كل أسبوع عند شيخ، كل شهر عند شيخ، قرر أولاً من ستتلقى العلم عنده، ثم إذا قررت ذلك فاثبت ولا تجعل كل شهر، أو كل أسبوع لك شيخًا، ولا فرق بين أن تجعل لك شيخًا في الفقه وتستمر معه في الفقه، وشيخًا آخر في النحو وتستمر معه في النحو، وشيخًا آخر في العقيدة والتوحيد وتستمر معه، المهم أن تستمر لا أن تتذوق، وتكون كالرجل المطلاق كلما تزوج امرأة وجلس عندها أيامًا طلقها وذهب
стр. 10487
يطلب أخرى.
أيضًا التثبت أمر مهم؛ لأن الناقلين تارة تكون لهم نوايا سيئة، ينقلون ما يشوه سمعة المنقول عنه قصدًا وعمدًا، وتارة لا يكون عندهم نوايا سيئة ولكنهم يفهمون الشيء على خلاف معناه الذي
أريد به، ولهذا يجب التثبت، فإذا ثبت بالسند ما نقل أتى دور المناقشة مع صاحبه الذي نقل عنه قبل أن تحكم على القول بأنه خطأ أو غير خطأ، وذلك لأنه ربما يظهر لك بالمناقشة أن الصواب مع هذا الذي نقل عنه الكلام.
والخلاصة أنه: إذا نقل عن شخص ما ترى أنه خطأ فاسلك طرقًا ثلاثة على الترتيب:.
الأول: التثبت في صحة الخبر.
الثاني: النظر في صواب الحكم، فإن كان صوابًا فأيده ودافع عنه، وإن رأيته خطأ فاسلك الطريق.
الثالث: وهو الاتصال بمن نسب إليه لمناقشته فيه، وليكن ذلك بهدوء واحترام.
الأمر الثاني عشر: الحرص على فهم مراد الله تعالى، ومراد رسوله ﷺ :
من الأمور المهمة في طلب العلم قضية الفهم، أي فهم مراد الله
стр. 10488
عز وجل ومراد رسوله ﷺ ؛ لأن كثيرًا من الناس أوتوا علمًا ولكن لم يؤتوا فهمًا. لا يكفي أن تحفظ كتاب الله وما تيسر من سنة رسول الله ﷺ بدون فهم. لابد أن تفهم عن الله ورسوله ما أراده الله ورسوله، وما أكثر الخلل من قوم استدلوا بالنصوص على غير مراد الله ورسوله فحصل بذلك الضلال.
وهنا أنبه على نقطة مهمة ألا وهي: أن الخطأ في الفهم قد يكون أشد خطراً من الخطأ بالجهل؛ لأن الجاهل الذي يخطئ بجهله يعرف أنه جاهل ويتعلم، لكن الذي فهم خطأ يعتقد في نفسه أنه عالم
مصيب، ويعتقد أن هذا هو مراد الله ورسوله، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة ليتبين لنا أهمية الفهم:
المثال الأول: قال الله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)) (١) .
فضل الله- سليمان على داود في هذه القضية بالفهم (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) ولكن ليس هناك نقص في علم داود (وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) .
стр. 10489
وانظر إلى هذه الآية الكريمة لما ذكر الله- ما امتاز به سليمان من الفهم، فنه ذكر أيضًا ميزة داود ﵇، فقال تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ) وذلك حتى يتعادل كل منهما، فذكر الله تعالى ما اشتركا فيه من الحكم والعلم، ثم ذكر ما امتاز به كل واحد منهما عن الآخر.
وهذا يدلنا على أهمية الفهم، وأن العلم ليس كل شيء.
المثال الثاني: إذا كان عندك وعاءان: أحدهما فيه ماء ساخن دافئ، والآخر فيه ماء بارد قارس، والفصل فصل الشتاء، فجاء رجل يريد الاغتسال من الجنابة؛ فقال بعض الناس: الأفضل أن تستخدم الماء البارد وذلك لأن الماء البارد فيه مشقة؛ لأن النبي ﷺ قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات "، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغ الوضوء على المكاره " (١) .
يعني إسباغ الوضوء في أيام البرد، فإذا أسبغت الوضوء بالماء البارد كان أفضل من أن تسبغ الوضوء بالماء الدافئ المناسب لطبيعة الجو.
فالرجل أفتى بأن استخدام الماء البارد أفضل واستدل بالحديث السابق.
стр. 10490
فهل الخطأ في العلم أم في الفهم؟
الجواب: أن الخطأ في الفهم؛ لأن الرسول ﷺ قال: "إسباغ الوضوء على المكاره " ولم يقل: أن تختار الماء البارد للوضوء، وفرق بين التعبيرين. لو كان الوارد في الحديث التعبير الثاني لقلنا نعم اختر الماء البارد. ولكن قال: "إسباغ الوضوء على المكاره ". أي أن الإنسان
لا يمنعه برودة الماء من إسباغ الوضوء.
ثم نقول: هل يريد الله بعباده اليسر أم يريد العسر؟
الجواب: في قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (١) . وفي قول النبي ﷺ : "إن الدين يسر" (٢) .
فأقول لطلبة العلم: إن قضية الفهم قضية مهمة؛ فعلينا أن نفهم ماذا أراد الله من عباده؟ هل أراد أن يشق عليهم في أداء العبادات أم أراد بهم اليسر؟
لاشك أن الله- يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر.
فهذه بعض الآداب مما ينبغي لطالب العلم أن يكون متأثرًا بها في علمه حتى يكون قدوة صالحة، وحتى يكون داعيًا إلى الخير، وإمامًا في دين الله- ؛ فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، كما
стр. 10491
قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)) (١) .
س ٢٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل صحيح أن للعلم زكاة، وهي بذله للناس وتعليمهم إياه ؟
فأجاب بقوله: نعم يجب على العالم أن يبين علمه للناس إذا احتاجوا إلي سواء بالإجابة على أسئلتهم، أو ببيان العلم إذا احتاج الناس إليه وإن لم يسألوا لقول الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)) (٢) . وهذا الواجب يسميه بعض العامة (زكاة العلم التعليم، وزكاة المال
الصدقة، وزكاة الجاه الشفاعة) ، وما أشبه ذلك من العبارة التي يقولها العامة، ولكن نحن نقول سواء سميتموه زكاة أم لم تسموه يجب على أهل العلم أن يبينوا العلم للناس لئلا يكونوا من الذين
أوتوا العلم فكتموهم. نسأل الله أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح، والرزق الطيب الواسع الذي يغنينا به عن خلقه إنه جواد
стр. 10492
كريم وص الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
س ٢٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض الناس يكتبون حرف (ص) بين قوسين، ويقصدون به رمز لجملة ﷺ فهل يصح استعمال حرف (ص) رمزًا لكلمة ( ﷺ -) فأجاب بقوله: من آداب كتابة الحديث كما نص عليه علماء المصطلح: ألا يرمز إلى هذه الجملة بحرف: (ص) ، وكذلك لا يعبر عنها بالنعت مثل: ﷺ ، ولا ريب أن الرمز، أو النعت يفوت الإنسان أجر الصلاة على النبي ﷺ فإنه إذا كتبها ثم قرأها الكتاب من بعده وتلا القارئ هذه الجملة صار للكاتب الأول نيل ثواب من قرأها، ولا يخفى علينا أن رسول الله ﷺ قال فيما ثبت عنه: "أن من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً" (١) .
فلا ينبغي للمؤمن أن يحرم نفسه الثواب والأجر لمجرد أن يسرع في إنهاء ما كتبه.
س ٢٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يتحرج بعض طلبة العلم الشرعي عند قصدهم العلم والشهادة، فكيف يتخلص
стр. 10493
طالب العلم من هذا الحرج؟
فأجاب بقوله: يجاب على ذلك بأمور:
أحدها: أن لا يقصدوا بذلك الشهادة لذاتها، بل يتخذوا هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس غالبًا لا يستطيعون
الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة وبذلك تكون النية سليمة.
الثاني: أن من أراد العلم قد لا يجده إلا في هذه الكليات فيدخل فيها بنية طلب العلم ولا يؤثر عليه ما يحصل له من الشهادة فيما بعد.
الثالث: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين حسنى الدنيا، وحسنى الآخرة فلا شيء عليه في ذلك؛ لأن الله يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (١) .
وهذا ترغيب في التقوى بأمر دنيوي.
فإن قيل: من أراد بعمله الدنيا كيف يقال بأنه مخلص؟
الجواب: أنه أخلص العبادة ولم يرد الخلق إطلاقاً فلم يقصد مراءاة الناس ومدحهم على عبادته بل قصد أمرًا ماديًا من ثمرات العبادة، فليس كالمرائي الذي يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله
ويريد أن يمدحوه به، لكنه بإرادة هذا الأمر المادي نقص إخلاصه
стр. 10494
فصار معه نوع من الشرك، وصارت منزلته دون منزلة من أراد الآخرة إرادة محضة.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه على أن بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية، فمثلاً يقولون في الصلاة رياضة وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة لإزالة
الفضلات وترتيب الوجبات، والمفروض ألا تجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف الإخلاص والغفلة عن إرادة الآخرة، ولذلك بين الله تعالى في كتابه حكمة الصوم- مثلاً-
أنه سبب للتقوى، فالفوائد الدينية هي الأصل، والدنيوية ثانوية، وعندما نتكلم عند عامة الناس فإننا نخاطبهم بالنواحي الدينية، وعندما نتكلم عند من لا يقتنع إلا بشيء مادي فإننا نخاطبه بالنواحي الدينية والدنيوية، ولكل مقام مقال.
س ٢٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بم يكون الإخلاص في طلب العلم ؟
فأجاب بقوله: الإخلاص في طلب العلم يكون بأمور:
الأمر الأول: أن تنوي بذلك امتثال أمر الله؛ لأن الله أمر بذلك
стр. 10495
فقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (١) وحث على العلم، والحث على الشيء يستلزم محبته والرضا به والأمر به.
الأمر الثاني: أن تنوي بذلك حفظ شريعة الله؛ لأن حفظ شريعة الله يكون بالتعلم، والحفظ في الصدر ويكون كذلك بالكتابة.
الأمر الثالث: أن تنوي حماية الشريعة والدفاع عنها؛ لأنه لولا العلماء ما حميت الشريعة ولا دافع عنها أحد، ولهذا نجد- مثلاً- شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أهل العلم تصدوا لأهل
البدع وبينوا بطلان بدعهم، نرى أنهم حصلوا على خير كثير.
الأمر الرابع: أن تنوي بذلك اتباع شريعة محمد ﷺ ؛ لأنك لا يمكن أن تتبع شريعته حتى تعلم هذه الشريعة.
الأمر الخامس أن تنوي بذلك رفع الجهل عن نفسك وعن غيرك.
س ٢٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يقول بعض الناس: إن إخلاص النية في عصرنا الحاضر صعب، أو قد يكون مستحيلاً؛ لأن الذين يطلبون العلم ولاسيما الطلب النظامي يطلبون العلم
لنيل الشهادة فحسب ؟
стр. 10496
فأجاب بقوله: نقول إذا كنت تطلب العلم لنيل الشهادة فإن كنت تريد من هذه الشهادة أن ترتقي مرتقى دنيويًا فالنية فاسدة، أما إذا كنت تريد أن ترتقي إلى مرتقى تنفع الناس به؛ لأنك تعرف اليوم
أنه لا يُمكَّن الإنسان من ارتقاء المناصب العالية النافعة للأمة إلا إذا كان معه شهادة، فإذا قصدت بهذه الشهادة أن تنال ما تنفع الناس به فهذه نية طيبة لا تنافي الإخلاص.
س ٣٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما نصيحة فضيلتكم حول العمل بالعلم ؟
فأجاب بقوله: لابد من العمل بالعلم؛ لأن ثمرة العلم العمل؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه صار من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة وقد قيل:
وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن فماذا لم يعمل بعلمه أورث الفشل في العلم وعدم البركة ونسيان العلم؛ لقول الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (١) وهذا النسيان يشمل:
стр. 10497
١- النسيان الذهني.
٢- والنسيان العملي.
فيكون بمعنى ينسونه ذهنيًا، أو ينسونه يتركونه؛ لأن النسيان في اللغة العربية يطلق بمعنى الترك، أما إذا عمل الإنسان بعلمه فإن الله تعالى يزيده هدى، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) ويزيده
تقوى؛ ولهذا قال تعالى: (وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (١) .
فإذا عمل بعلمه ورثه الله علم ما لم يعلم، ولهذا قال بعض السلف: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
س ٣١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أنا طالب أحب أن آخذ درجات عالية ومعدلاً ممتازًا، وأنا مع ذلك نيتي طيبة، فما رأيك في الفرح بالدرجات العالية والغضب من الدرجات
الضعيفة؟ هل هذا خدش للإخلاص ؟
فأجاب بقوله: الظاهر إن شاء الله أنه ليس في هذا خدش للإخلاص؛ لأن هذا أمر طبيعي أن الإنسان يسر بالحسنة ويساء بالسيئة، والله تعالى سمى الأشياء التي لا تلائم المرء سماها سيئة، فلابد أن تسوؤه وكذلك الحسنة لابد أن تسره.
стр. 10498
فهذا لا يؤثر على إخلاصك إذا كان الأمر كما قلت عندك نية طيبة، أما إذا كان همك هو الدرجات، أو الشهادة فهذا شيء آخر، فها هو عبد الله بن عمر بن الخطاب- ﵁ لما ألقى النبي ﷺ على أصحابه مسألة قال:" إن في الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن فحدثوني ما هي؟ فجعل الصحابة- ﵃ يخوضون في أشجار البوادي قال ابن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة، ولكني كنت صغيرًا فما أحببت أن أتكلم (١) ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: "هي النخلة". وعمر- ﵁ قال لابنه: "وودت أنك قلتها"، وهذا يدل على أن فرح الإنسان بنجاح وما أشبه ذلك لا يضر.
س ٣٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يلاحظ على بعض طلبة العلم قلة العبادة والذكر فما نصيحتكم ؟
فأجاب بقوله: يجب على طالب العلم أن يظهر أثر طلب العلم عليه:.
١- في العبادة.
٢- وفي المنهج.
стр. 10499
٣- وفي المعاملة.
فيُعرف بكثرة العبادة، واللجوء إلى الله تعالى، والخشوع بين يديه، ودوام ذكره ﵎، فإن العبد كما جاء في الحديث: "إذا ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه، وإذا ذكر الله في ملأ ذكره الله في ملأ خير منه، وإذا تقرب إليه شبراً تقرب الله إليه ذراعاً، وإذا تقرب إليه ذراعاً تقرب الله إليه باعاً، وإذا أتى الله يمشي أتاه الله تعالى هرولة، (١) .
فالرب إلى الثواب أسرع من العبد إلى العمل.
فليظهر أثر العلم على طالب العلم في عبادته لله ، واللجوء إليه، والإنابة إليه، وألا يغفل قلبه عن ذكر الله، فإن غفلة القلب عن ذكر الله سبب للفشل وضياع الوقت، وعدم النجاح، كما
قال الله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (٢) . ومعنى أمره: أي: شأنه كله، يكن فرطاً: ليس فيه بركة، لكن إذا كان الإنسان دائم ذكر الله باللسان والقلب والجوارح، حصل في عمره البركة والخير يكثر، قال الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (٣) .
стр. 10500
أي لأصحاب العقول (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (١) . يعني: يقولون بقلوبهم وألسنتهم: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (٢) .
س ٣٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يلاحظ التقصير في العمل بالعلم والدعوة، فما نصيحة فضيلتكم ؟
فأجاب بقوله: يجب على من علم شيئًا صحيحًا من الشريعة أن يبلغه للناس؛ لأن العمل بما علم الإنسان يستوجب حفظه بالعمل، ويزيده الله تعالى بالقرآن نورًا، فيكتسب من حفظ العلم بطريقة
العمل به أن الله- يهبه نورًا زائدًا على من عنده، قال الله تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)) (٣) ولهذا قيل: العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل.
стр. 10501
السلف الصالح في طلب العلم إذا علموا مسألة عملوا بها، وكثير منهم لا يخفى عليه ما يقع من سرعة الامتثال والمبادرة للصحابة فيما علموا، حتى أن النبي ﷺ حث النساء على الصدقة في يوم العيد، فجعل النساء يلقين ما على آذانهن من الحلي يلقينه في ثوب بلال-
﵁ (١) ولم يقلن إذا وصلنا إلى البيت تصدقن، ولكن بادرن بذلك.
وكذلك الرجل الذي طرح النبي ﷺ خاتمه الذي كان من ذهب وألقاه في الأرض ما رجع إليه بعد أن علم التحريم حتى قيل له: خذ خاتمك لتنتفع به؛ فقال: والله لا آخذ خاتمًا طرحه النبي ﷺ (٢) بل إن الرسول ﷺ عندما قال اخرجوا إلى بني قريظة: " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (٣) فخرجوا بعد أن كانوا مرهقين حتى إن الصلاة أدركتهم في الطريق فمنهم من صلى خوفًا من فوات الوقت ومنهم من أخر؛ لقول النبي ﷺ : "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة".
فانظر يا أخي طالب العلم إلى سرعة امتثال الصحابة لما علموا
стр. 10502
من تعليم الرسول ﷺ ؛ فهل إذا طبقنا هذا الأمر على ما هو الواقع الآن فهل نحن على هذا الأمر في هذا الوقت؟ أعتقد أن هذا يفوت كثيرًا، وما أكثر ما علمنا أن الصلاة ركن من أركان الإسلام يكفر المرء بتركها، وما أكثر ما علمنا أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان
ولابد منه، وما أكثر ما علمنا أشياء كثيرة هي من المحظورات، ومع ذلك نجد في طلبة العلم من ينتهك هذا المحظور، وكذلك من يترك هذا الواجب ولا يبالي به؛ فهذا فرق عظيم بين طلب العلم في الماضي وطلبه في الحاضر.
س ٣٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما نصيحة فضيلتكم لطلبة العلم في محبة الخير لغيرهم ؟
فأجاب بقوله: على طالب العلم أن يظهر أثر العلم عليه في محبة الخير لعباد الله، فإن طالب العلم حقيقة هو الذي يحب لإخوانه الخير كما يحب لنفسه، وكما أن هذا من خصال طالب العلم، فإنه من الإيمان، قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه، (١) . وقال النبي ﷺ : "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل
стр. 10503
الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، (١) ، وكلنا يحب أن يزحزح عن النار، وُيدخل الجنة، فذا كان هذا هو الواقع فيجب أن نستمسك بالدين حتى
الموت، ويجب على طالب العلم وغيره أن يأتي إلى الناس ما يحب أن يُؤتى إليه، ومعلوم أن الإنسان إذا أتى إلى الناس بما يحب أن يؤتى إليه، فلا بد أن يعينهم في شؤونهم، ويكف الأذى عنهم، وأن يحرص غاية الحرص على أن يتقدموا في معلوماتهم وفي أعمالهم، كما يحب أن يتقدم هو في ذلك.
стр. 10504
الأسباب المعينة على طلب العلم
стр. 10505
الأسباب المعينة على طلب العلم
الأسباب المعينة على طلب العلم كثيرة، نذكر منها:
أولاً: التقوى:
وهي وصية الله للأولين والآخرين من عباده، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) (١) .
وهي أيضًا وصية الرسول ﷺ لأمته، فعن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع فقال: "اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا لأمرائكم تدخلوا جنة ربكم " (٢) . وكان ﷺ إذا أميرًا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا. ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها في خطبهم ومكاتباتهم ووصاياهم عند الوفاة، كتب عمر بن الخطاب- ﵁ إلى ابنه عبد الله: أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله- فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، وأوصى عليٌّ ﵁ رجلاً فقال: