← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.

стр. 10501

السلف الصالح في طلب العلم إذا علموا مسألة عملوا بها، وكثير منهم لا يخفى عليه ما يقع من سرعة الامتثال والمبادرة للصحابة فيما علموا، حتى أن النبي ﷺ حث النساء على الصدقة في يوم العيد، فجعل النساء يلقين ما على آذانهن من الحلي يلقينه في ثوب بلال- ﵁ (١) ولم يقلن إذا وصلنا إلى البيت تصدقن، ولكن بادرن بذلك. وكذلك الرجل الذي طرح النبي ﷺ خاتمه الذي كان من ذهب وألقاه في الأرض ما رجع إليه بعد أن علم التحريم حتى قيل له: خذ خاتمك لتنتفع به؛ فقال: والله لا آخذ خاتمًا طرحه النبي ﷺ (٢) بل إن الرسول ﷺ عندما قال اخرجوا إلى بني قريظة: " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (٣) فخرجوا بعد أن كانوا مرهقين حتى إن الصلاة أدركتهم في الطريق فمنهم من صلى خوفًا من فوات الوقت ومنهم من أخر؛ لقول النبي ﷺ : "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة". فانظر يا أخي طالب العلم إلى سرعة امتثال الصحابة لما علموا

стр. 10502

من تعليم الرسول ﷺ ؛ فهل إذا طبقنا هذا الأمر على ما هو الواقع الآن فهل نحن على هذا الأمر في هذا الوقت؟ أعتقد أن هذا يفوت كثيرًا، وما أكثر ما علمنا أن الصلاة ركن من أركان الإسلام يكفر المرء بتركها، وما أكثر ما علمنا أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان ولابد منه، وما أكثر ما علمنا أشياء كثيرة هي من المحظورات، ومع ذلك نجد في طلبة العلم من ينتهك هذا المحظور، وكذلك من يترك هذا الواجب ولا يبالي به؛ فهذا فرق عظيم بين طلب العلم في الماضي وطلبه في الحاضر. س ٣٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما نصيحة فضيلتكم لطلبة العلم في محبة الخير لغيرهم ؟ فأجاب بقوله: على طالب العلم أن يظهر أثر العلم عليه في محبة الخير لعباد الله، فإن طالب العلم حقيقة هو الذي يحب لإخوانه الخير كما يحب لنفسه، وكما أن هذا من خصال طالب العلم، فإنه من الإيمان، قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، (١) . وقال النبي ﷺ : "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل

стр. 10503

الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، (١) ، وكلنا يحب أن يزحزح عن النار، وُيدخل الجنة، فذا كان هذا هو الواقع فيجب أن نستمسك بالدين حتى الموت، ويجب على طالب العلم وغيره أن يأتي إلى الناس ما يحب أن يُؤتى إليه، ومعلوم أن الإنسان إذا أتى إلى الناس بما يحب أن يؤتى إليه، فلا بد أن يعينهم في شؤونهم، ويكف الأذى عنهم، وأن يحرص غاية الحرص على أن يتقدموا في معلوماتهم وفي أعمالهم، كما يحب أن يتقدم هو في ذلك.

стр. 10504

الأسباب المعينة على طلب العلم

стр. 10505

الأسباب المعينة على طلب العلم الأسباب المعينة على طلب العلم كثيرة، نذكر منها: أولاً: التقوى: وهي وصية الله للأولين والآخرين من عباده، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) (١) . وهي أيضًا وصية الرسول ﷺ لأمته، فعن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع فقال: "اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا لأمرائكم تدخلوا جنة ربكم " (٢) . وكان ﷺ إذا أميرًا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا. ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها في خطبهم ومكاتباتهم ووصاياهم عند الوفاة، كتب عمر بن الخطاب- ﵁ إلى ابنه عبد الله: أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله- فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، وأوصى عليٌّ ﵁ رجلاً فقال:

стр. 10506

(أوصيك بتقوى الله الذي لابد لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة) ، وكتب أحد الصالحين إلى أخ له في الله تعالى: (أما بعد ... أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك. وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك، وليكثر وجلك، والسلام) . ومعنى التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه وقاية تقيه منه. وتقوى العبد ربه: أن يجعل بينه وبين من يخشاه من غضبه وسخطه وقاية تقيه من ذلك، بفعل طاعته، واجتناب معاصيه. واعلم أن التقوى أحيانًا تقترن بالبر، فيقال: بر وتقوى كما في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (١) وتارة تذكر وحدها، فإذا قرنت بالبر صار البر: فعل الأوامر، والتقوى: ترك النواهي. وإذا أفردت صارت شاملة تعم فعل الأوامر، واجتناب النواهي، وقد ذكر الله في كتابه أن الجنة أعدت للمتقين، فأهل التقوى هم أهل الجنة- جعلنا الله وإياكم منهم- ولذلك يجب على الإنسان أن يتقي

стр. 10507

الله- امتثالاً لأمره، وطلبًا لثوابه، والنجاة من عقابه. قال الله- : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (١) . وهذه الآيات فيها ثلاث فوائد مهمة: الفائدة الأولى: (يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) (٢) أي يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، وهذا يدخل فيه العلم بحيث يفتح الله على الإنسان من العلوم ما لا يفتح لغيره، فإن التقوى يحصل بها زيادة الهدى، وزيادة العلم، وزيادة الحفظ، ولهذا يذكر عن الشافعي- ﵀ أنه قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال: اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي ولا شك أن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد معرفة وفرقانًا بين الحق والباطل، والضار والنافع، وكذلك يدخل فيه ما يفتح الله على الإنسان من الفهم؛ لأن التقوى سبب لقوة الفهم، وقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم، فنك ترى الرجلين يحفظان آية من كتاب الله يستطيع أحدهما أن يستخرج منها ثلاثة أحكام، ويستطيع الآخر أن يستخرج

стр. 10508

أكثر من هذا بحسب ما أتاه الله من الفهم، فالتقوى سبب لزيادة الفهم. ويدخل في ذلك أيضًا الفراسة أن الله يعطي المتقي فراسة يميز بها حتى بين الناس، فبمجرد ما يرى الإنسان يعرف أنه كاذب أو صادق، أو بر أو فاجر حتى أنه ربما يحكم على الشخص وهو لم يعاشره، ولم يعرف عنه شيئًا بسبب ما أعطاه الله من الفراسة. الفائدة الثانية: (وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) (١) وتكفير السيئات يكون بالأعمال الصالحة، فإن الأعمال الصالحة تكفر الأعمال السيئة كما قال النبي ﷺ : " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (٢) . وقال الرسول ﷺ : " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " (٣) . فالكفارة تكون بالأعمال الصالحة، وهذا يعني أن الإنسان إذا اتقى الله سهل له الأعمال الصالحة التي يكفر الله بها عنه. الفائدة الثالثة: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (١) بأن ييسركم للاستغفار والتوبة،

стр. 10509

فإن هذا من نعمة الله على العبد أن ييسر للاستغفار والتوبة. ثانيًا: المثابرة والاستمرار على طلب العلم: يتعين على طالب العلم أن يبذل الجهد في إدراك العلم والصبر عليه، وأن يحفظ به بعد تحصيله، فإن العلم لا ينال براحة الجسم، فيسلك المتعلم جميع الطرق الموصلة إلى العلم وهو مثاب على ذلك، لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" (٢) فليثابر طالب العلم، ويجتهد، ويسهر الليالي، ويدع عنه كل ما يصرفه أو يشغله عن طلب العلم. وللسلف الصالح قضايا مشهورة في المثابرة على طلب العلم حتى أنه يروى عن ابن عباس- ﵁ أنه سئل بما أدركت العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول، وبدن غير كسول، وعنه أيضًا- ﵁ قال: ".... إن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه- وهو قائل- فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح عليَّ من التراب، فيخرج فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأساله عن الحديث ... " فابن

стр. 10510

عباس- ﵁ تواضع للعلم فرفعه الله به. وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يثابر المثابرة الكبيرة، ويروى أيضًا عن الشافعي- ﵀ أنه استضافه الإمام أحمد ﵀ ذات ليلة فقدم له العشاء، فأكل الشافعي ثم تفرق الرجلان إلى منامهما، فبقي الشافعي- ﵀ يفكر في استنباط أحكام من حديث، وهو قول النبي ﷺ : "يا أبا عمير ما فعل النغير" (١) . وأبو عمير كان معه طائر صغير يسمى النغير، فمات هذا الطائر فحزن عليه الصبي، وكان النبي ﷺ يداعب الصبيان ويكلم كل إنسان بما يليق به، فظل طول الليل يستنبط من هذا الحديث. ويقال: إنه استنبط منه أكثر من ألف فائدة، ولعله إذا استنبط فائدة جر إليها حديث آخر، وهكذا حتى تتم؛ فلما أذن الفجر قام الشافعي- ﵀ ولم يتوضأ ثم انصرف إلى بيته، وكان الإمام أحمد ﵀ يثني عليه عند أهله. فقالوا له: يا أبا عبد الله كيف تثني على هذا الرجل الذي أكل فشرب ونام ولم يقم، وصلى الفجر بدون وضوء؟ فسأل الإمام الشافعي فقال: (أما كوني أكلت حتى أفرغت الإناء

стр. 10511

فذلك لأني ما وجدت طعامًا أطيب من طعام الإمام أحمد فأردت أن أملأ بطني منه، وأما كوني لم أقم لصلاة الليل فإن العلم أفضل من قيام الليل، وقد كنت أفكر في هذا الحديث، وأما كوني لم أتوضأ لصلاة الفجر فكنت على وضوء من صلاة العشاء) ولا يحب أن يكلفهم بماء الوضوء. أقول على كل حال: إن المثابرة في طلب العلم أمر مهم، فلننظر في حاضرنا الآن، هل نحن على هذه المثابرة أم لا؟ أما الذين يدرسون دراسة نظامية فإنهم إذا انصرفوا من الدراسة ربما يتلهون بأشياء لا تعين على الدرس، وإني أضرب مثلاً وأحب ألا يكون وألا يوجد له نظير، أحد الطلبة في بعض المواد أجاب إجابة سيئة. فقال المدرس: لماذا؟ فقال: لأني قد أيست من فهم هذه المادة، فأنا لا أدرسها ولكن أريد أن أكون حاملاً لها، كيف اليأس؟ هذا خطأ عظيم، فيجب أن نثابر حتى نصل إلى الغاية. وقد حدثني شيخنا المثابر عبد الرحمن السعدي- ﵀ أنه ذكر عن الكسائي إمام أهل الكوفة في النحو أنه طلب علم النحو فلم يتمكن، وفي يوم من الأيام وجد نملة تحمل طعامًا لها وتصعد به

стр. 10512

إلى الجدار وكلما صعدت سقطت، ولكنها ثابرت حتى تخلصت من هذه العقبة وصعدت الجدار، فقال الكسائي: هذه النملة ثابرت حتى وصلت الغاية، فثابر حتى صار إمامًا في النحو. ولهذا ينبغي لنا أيها الطلبة أن نثابر ولا نيأس؛ فإن اليأس معناه سد باب الخير، وينبغي لنا ألا نتشاءم بل نتفاءل وأن نعد أنفسنا خيرًا. ثالثًا: الحفظ: فيجب على طالب العلم الحرص على المذاكرة وضبط ما تعلمه إما بحفظه في صدره، أو كتابته، فإن الإنسان عرضة للنسيان، فإذا لم يحرص على المراجعة وتكرير ما تعلمه فإن ذلك يضيع منه وينساه وقد قيل: العلم صيد والكتابة قيده فقيد صيودك بالحبال الواثقة فمن الحماقة أن تصيد غزالة وتتركها بين الخلائق طالقة ومن الطرق التي تعين على حفظ العلم وضبطه: أن يهتدي الإنسان بعلمه، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (١) .

стр. 10513

وقال: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) (١) ، فكلما عمل الإنسان بعلمه زاده الله حفظًا وفهمًا، لعموم قوله: (زَادَهُمْ هُدًى) (٢) . رابعًا: ملازمة العلماء: يجب على طالب العلم أن يستعين بالله- ثم بأهل العلم، ويستعين بما كتبوا في كتبهم؛ لأن الاقتصار على مجرد القراءة والمطالعة يحتاج إلى وقت طويل بخلاف من جلس إلى عالم يبين له، ويشرح له، وينير له الطريق، وأنا لا أقول: إنه لا يدرك العلم إلا بالتلقي من المشايخ، فقد يدرك الإنسان بالقراءة والمطالعة لكن الغالب أنه إذا ما أكب أكبابًا تامًا ليلاً ونهارًا ورزق الفهم فإنه قد يخطئ كثيرًا؛ ولهذا يقال: (من كان دليله كتابه فخطؤه أكثر من صوابه) ، ولكن هذا ليس على الإطلاق في الحقيقة. ولكن الطريقة المثلى أن يتلقى العلم على المشايخ، وأنا أنصح طالب العلم أيضًا ألا يتلقف من كل شيخ في فن واحد، مثل أن يتعلم الفقه من أكثر من شيخ؛ لأن العلماء يختلفون في طريقة استدلالهم من الكتاب والسنة، ويختلفون في آرائهم، أيضا فأنت تجعل لك عالماً تتلقى علمه في الفقه أو البلاغة وهكذا، أي تتلقى

стр. 10514

العلم في فن واحد من شيخ واحد، وإذا كان الشيخ عنده أكثر من فن فتلتزم معه؛ لأنك إذا تلقيت علم الفقه مثلاً من هذا وهذا واختلفوا في رأيهم فماذا يكون موقفك وأنت طالب؟ يكون موقفك الحيرة والشك، لكن التزامك بعالم في فن معين فهذا يؤدي إلى راحتك.

стр. 10515

س ٣٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما هي الأمور المعينة على طلب العلم ؟ فأجاب بقوله: أهم شيء يعين على طلب العلم النية الخالصة أن ينوي الإنسان بطلب العلم حفظ شريعة الله- والانتفاع بها بالعمل ونشرها بين الناس ودعوة الناس إليها؛ فإذا تصور الإنسان هذه العبادات العظيمة وما يترتب عليها من الثواب فهذا مما يعين على طلب العلم، كذلك مما يعين على طلب العلم أن ييسر الله للطالب زملاء يساعدونه ويعينونه، وييسر الله للجميع معلمًا يوضح ويبين، فإن التبيين والتوضيح مما ينشط طالب العلم، ومما يعين على طلب العلم الفراغ ألا يكون الإنسان عنده مشاكل اجتماعية، أو مشاكل في أهله، وأن يكون عنده ما يقوته هذا من الأسباب وربما يكون أيضًا هناك أسباب أخرى لكن هذه من الأسباب. س ٣٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يلاحظ ضعف الهمة والفتور في طلب العلم، فما الوسائل والطرق التي تدفع إلى علو الهمة والحرص على العلم ؟ فأجاب بقوله: ضعف الهمة في طلب العلم الشرعي من المصائب

стр. 10516

الكبيرة وهناك أمور لابد منها: الأمر الأول: الإخلاص لله في الطلب، والإنسان إذا أخلص لله في الطلب، وعَرفَ أنه يُثاب على طلبه، وسيكون في الدرجة الثالثة من درجات الأمة، فإن همته تنشط (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)) (١) . ثانيًا: أن يلازم زملاء يحثونه على العلم ويساعدونه على المناقشة والبحث ولا يمل من صحبتهم ماداموا يعينونه على العلم. ثالثًا: أن يصبر نفسه بمعنى يحبسها لو أرادت أن تتفلت، قال الله تعالى للنبي ﷺ : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (٢) فليصبر، وإذا صبر وتعود الطلب صار الطلب سجية له، وصار اليوم الذي يفقد فيه الطلب يومًا طويلاً عليه، أما إذا أعطى نفسه العنان فلا، فالنفس أمارة بالسوء والشيطان يحثه على الكسل وعدم التعلم.

стр. 10517

س ٣٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما توجيهكم حول استغلال الوقت وحفظه من الضياع ؟ فأجاب بقوله: ينبغي لطالب العلم أن يحفظ وقته عن الضياع، وضياع الوقت يكون على وجوه: الوجه الأول: أن يدع المذاكرة ومراجعة ما قرأ. الوجه الثاني: أن يجلس إلى أصدقائه ويتحدث بحديث لغو ليس فيه فائدة. الوجه الثالث: وهو أضرها على طالب العلم ألا يكون له هم إلا تتبع أقوال الناس وما قيل وما قال، وما حصل وما يحصل في أمر ليس معنيًا به، وهذا لاشك أنه من ضعف الإسلام؛ لأن النبي ﷺ قال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " (١) والاشتغال بالقيل والقال وكثرة السؤال مضيعة للوقت، وهو في الحقيقة مرض إذا دب في الإنسان- نسأل الله العافية- صار أكبر همه، وربما يعادي من لا يستحق العداء، أو يوالي من لا يستحق الولاء، من أجل اهتمامه بهذه الأمور التي تشغله عن طلب العلم بحجة أن هذا من باب الانتصار للحق، وليس كذلك، بل هذا من إشغال النفس بما لا يعني الإنسان،

стр. 10518

أما إذا جاءك الخبر بدون أن تتلقفه وبدون أن تطلبه، فكل إنسان يتلقى الأخبار، لكن لا ينشغل بها، ولا تكون أكبر همه؛ لأن هذا يشغل طالب العلم، ويفسد عليه أمره ويفتح في الأمة باب الحزبية فتتفرق الأمة. س ٣٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كيف نرد على من قال: إن العلماء السابقين لم تكن لديهم المشاغل التي تؤثر على حفظهم كما هو حاصل لعلماء هذا الزمان، ومنهم من يكون ليس لديه إلا التفرغ لطلب العلم وحفظه والجلوس بلا مشاغل، أما الآن فكثرت المشاغل الدنيوية التي تأخذ كل الوقت، والإنسان قد لا يستطيع الاستغناء عن هذه المشاغل ؟ فأجاب بقوله: أقول لطالب العلم: ما دمت أنك قد فرغت نفسك للعلم فكن طالب علم حقًا، وأعتقد أن البناء الذي فرغ نفسه للبناء لا يلتفت إلى عمل آخر، بل يلتفت إلى مهمته التي كرس نفسه لها ورأى أنها هي الخير له، فما دمت تعلم أن طلب العلم هو الخير وتريد أن تتخذه طريقًا لك فلا تلتفت إلى غيره. وفي ظني أن الرجل إذا ثابر مع الإيمان والإخلاص وصدق النية فإن الله- يعينه ولا يعبأ بهذه المشكلات، والله عز

стр. 10519

وجل يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (١) ، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (٢) . فعليك بصدق النية في الطلب تجد أن الأمر سهل وميسر. س ٣٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا كان آفة العلم النسيان فما الأمور أو الطرق التي تعين على ضبط وحفظ العلم ؟ فأجاب بقوله: من أعظم الطرق التي تعين على ضبط العلم: أن يهتدي الإنسان بعلمه قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (٣) . فإذا عمل العالم بعلمه، ازداد علمًا وأوتي تقوى، أي عبادة وخشية. ومنها: أن يفرغ قلبه للعلم بحيث لا يتشاغل بغيره عنه، بل يكون هو همه وهاجسه. ومنها: أن يتعاهده بالحفظ والمذاكرة. ومنها: أن يستحضر الحكم ودليله عند كل عمل يقوم به.

стр. 10520

ومنها: أن يكب على طلب العلم فلا يجعل طلب العلم عند التفرغ فقط، ولهذا يقولون: أعط العلم كلك يعطك بعضه، وأعطِ العلم بعضك لا يعطيك شيئًا، فلابد من الإكباب على طلب العلم ليلاً ونهارًا، والمناقشة وتطبيق ما علمت على ما عملت حتى يبقى العلم. س ٤٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما توجيهكم- حفظكم الله- لطلاب العلم حيث يلاحظ الإهمال وعدم الجد مما له آثار سيئة في التحصيل العلمي ؟ فأجاب بقوله: يجب على طلاب العلم أن يبذلوا غاية الجهد في تحصيل العلم، حتى يدركوا المعلومات إدراكًا قويًا، راسخًا في نفوسهم؛ لأنهم إذا اجتهدوا وأخذوا العلوم شيئًا فشيئًا سهلت عليهم ورسخت في نفوسهم وسيطروا عليها سيطرة تامة، وإن أنتم يا طلاب العلم أهملتم وتهاونتم انطوى عنكم الزمن، وتراكمت عليكم الدروس، فأصبحتم عاجزين عن تصورها فضلاً عن تحقيقها فندمتم حين لا تنفع الندامة.

стр. 10521

س ٤١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما نصيحتكم لمن ينسى ما يقرأ ويتعلم ؟ فأجاب بقوله: أهم شيء في حفظ العلم أن يعمل الإنسان بما حفظه؛ لقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (١) وقال: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) (٢) . فكلما عمل الإنسان بعلمه زاده الله حفظًا وفهمًا، لعموم قوله: (زَادَهُمْ هُدًى) (٣) . وقد روي عن الشافعي- ﵀ قوله: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بان العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي ومن أسباب ذلك الإعراض عن الشواغل التي تأخذ الفكر عن العلم؛ لأن الإنسان بشر إذا تشتت همته ضعفت قدرته على تحصيل العلم. وكذلك كثرة البحث مع الزملاء بغرض الوصول للحق وليس للغلبة، ولاشك أن الإخلاص من جملة ما يحفظ به العلم.

стр. 10522

طرق تحصيل العلم

стр. 10523

طرق تحصيل العلم من المعلوم أن الإنسان إذا أراد مكانًا فلابد أن يعرف الطريق الموصل إليه، وإذا تعددت الطرق فإنه يبحث عن أقربها وأيسرها، لذلك كان من المهم لطالب العلم أن يبني طلبه للعلم على أصول، ولا يتخبط خبط عشواء، فمن لم يتقن الأصول حرم الوصول، قال الناظم: وبعد فالعلم بحور زاخرة ... لن يبلغ الكادح فيه آخره لكن في أصوله تسهيلاً لنيله ... فاحرص تجد سبيلاً اغتنم القواعد الأصولا ... فمن تفُته يحرم الوصولا فالأصول هي: العلم، والمسائل فروع، كأصل الشجرة وأغصانها، فإذا لم تكن الأغصان على أصل جيد فإنها تذبل وتهلك. لكن ما هي الأصول؟ هل هي الأدلة الصحيحة؟ أو هي القواعد والضوابط؟ أو كلاهما؟ الجواب: الأصول هي أدلة الكتاب والسنة، والقواعد والضوابط المأخوذة بالتتبع والاستقراء من الكتاب والسنة، وهذه من أهم ما يكون لطالب العلم. مثلاً: المشقة تجلب التيسير هذا من الأصول مأخوذ من الكتاب والسنة، من الكتاب من قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ

стр. 10524

حَرَجٍ) (١) ومن السنة: قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمران بن حصين ﵁: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب " (٢) . وقوله ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (٣) هذا أصل لو جاءتك ألف مسألة بصور متنوعة لأمكنك أن تحكم على هذه المسائل بناء على هذا الأصل، لكن لو لم يكن عندك هذا الأصل وتأتيك مسألتان أشكل عليك الأمر. ولنيل العلم طريقان: أحدهما: أن يتلقى ذلك من الكتب الموثوق بها، والتي ألفها علماء معروفون بعلمهم، وأمانتهم، وسلامة عقيدتهم من البدع والخرافات. وأخذ العلم من بطون الكتب لابد أن الإنسان يصل فيه إلى غاية ما. لكن هناك عقبتان: العقبة الأولى: الطول، فإن الإنسان يحتاج إلى وقت طويل، ومعاناة شديدة، وجهد جهيد حتى يصل إلى ما يرومه من العلم،

стр. 10525

وهذه عقبة قد لا يقوى عليها كثير من الناس، لاسيما وهو يرى من حوله قد أضاعوا أوقاتهم بلا فائدة، فيأخذه الكسل ويكل ويمل ثم لا يدرك ما يريد. العقبة الثانية: أن الذي يأخذ العلم من بطون الكتب علمه ضعيف غالبًا، لا ينبني على قواعد أو أصول، ولذلك نجد الخطأ الكثير من الذي يأخذ العلم من بطون الكتب؛ لأنه ليس له قواعد وأصول يقعد عليها، ويبني عليها الجزئيات التي في الكتاب والسنة. نجد بعض الناس يمر بحديث ليس مذكورًا في كتب الحديث المعتمدة من الصحاح والمسانيد، وهذا الطريق يخالف ما في هذه الأصول المعتمدة عند أهل العلم، بل عند الأمة، ثم يأخذ بهذا الحديث ويبني عقيدته عليه، وهذا لاشك أنه خطأ؛ لأن الكتاب والسنة لهما أصول تدور عليها الجزئيات، فلابد أن ترد هذه الجزئيات إلى أصول، بحيث إذا وجدنا في هذه الجزئيات شيئًا مخالفًا لهذه الأصول مخالفة لا يمكن الجمع فيها، فإننا ندع هذه الجزئيات. الثاني من طرق تحصيل العلم: أن تتلقى ذلك من معلم موثوق في علمه ودينه، وهذا الطريق أسرع وأتقن للعلم؛ لأن الطريق الأول قد يضل فيه الطالب وهو لا يدري إما لسوء فهمه، أو قصور علمه، أو لغير ذلك من الأسباب.

стр. 10526

أما الطريق الثاني فيكون فيه المناقشة والأخذ والرد مع المعلم فينفتح بذلك للطالب أبواب كثيرة في الفهم، والتحقيق، وكيفية الدفاع عن الأقوال الصحيحة، ورد الأقوال الضعيفة، وإذا جمع الطالب بين الطريقين كان ذلك أكمل وأتم، وليبدأ الطالب بالأهم فالأهم، وبمختصرات العلوم قبل مطولاتها، حتى يكون مترقيًا من درجة إلى درجة أخرى، فلا يصعد إلى درجة حتى يتمكن من التي قبلها ليكون صعوده سليمًا.

стр. 10527

س ٤٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما هي أفضل طريقة لحفظ القرآن الكريم؟ وهل يجوز أن أقرأ جزاً معينًا مثل الجزء السادس والعشرون لكي أحفظ ذلك وأترك باقي القرآن أفيدوني مأجورين ؟ فأجاب بقوله: الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم أن تحفظه وأنت صغير السن؛ لأن صغير السن يسهل عليه الحفظ وليسن فيما بعد؛ ففي حفظ القرآن حال الصغر فائدتان: الفائدة الأولى: سهولة الحفظ. الفائدة الثانية: رسوخ المحفوظ في القلب بحيث لا ينساه هذا بالنسبة للسن الذي ينبغي أن يحفظ القرآن فيه. أما الوقت: فأحسن ما يكون في أول النهار إذا صليت الفجر أن تقرأ القرآن لتحفظه. وأما كيفية الحفظ: فالناس يختلفون؛ فمن الناس من يقرأ خمسة أسطر مثلاً فيحفظها ثم يعيدها مرة بعد أخرى حتى ترسخ في قلبه ثم ينتقل إلى خمسة أسطر أخرى وهكذا كلما أنهى خمسة أسطر حفظ ما بعدها، ومن الناس من يقرأ صفحة كاملة ويكررها ثم يحفظها، ومن الناس من يأخذ أكثر من هذا. المهم أن كيفية الحفظ ترجع إلى الإنسان وهو يعرف بنفسه ما هو أهون عليه. وقول السائل: وهل يجوز أن أقتصر على حفظ جزء معين في

стр. 10528

وسط القرآن؟ والجواب أن نقول: نعم يجوز ذلك ولا حرج عليك، لكن احرص على أن تبدأ من أول القرآن حتى تكمله. س ٤٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: مجموعة من النساء لا يستطعن أن يحضرن إلى المساجد لسماع الندوات فتضطر إحداهن لشراء أشرطة المسجل لسماع هذه الندوات. فهل ثواب السامع من الشريط هو نفس ثواب الجالس في المسجد مباشرة من تنزل الملائكة عليهم وإحاطتهم بالرحمة ؟ فأجاب بقوله: الذين يستمعون إلى الأشرطة ليسوا كالذين يحضرون إلى حلقة الذكر ويشاركون الذاكرين في مجالسهم، ولكن السامع للأشرطة له أجر الانتفاع وطلب العلم الذي يحصلونه من هذه الأشرطة، وما أكثر ما حصل من الهدى والاستقامة بواسطة هذه الأشرطة، والشريط كما نعلم خفيف المحمل سهل الاستفادة، فالإنسان يمكن أن يستمع إليه وهو في شغله، ويمكن أن يستمع إليه في سيارته ماشيًا في طريقه، ومن أجل ذلك كانت هذه الأشرطة فضل كبير من الله ، فعلينا أن نشكر الله على هذا التسهيل والتيسير.

стр. 10529

س ٤٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل تعتبر أشرطة التسجيل طريقة من طرق العلم؟ وما هي الطريقة المثلى للاستفادة منها ؟ فأجاب بقوله: أما كون هذه الأشرطة وسيلة من وسائل تحصيل العلم فهذا لا يشك فيه أحد، ولا نجحد نعمة الله علينا في هذه الأشرطة التي استفدنا كثيرًا من العلم بها، لأخمها توصل إلينا أقوال العلماء في أي مكان كنا. ونحن في بيوتنا قد يكون بيننا وبين هذا العالم مفاوز ويسهل علينا أن نسمع كلامه من خلال هذا الشريط، وهذه من نعم الله- علينا، وهي في الحقيقة حجة لنا وعلينا، فإن العلم انتشر انتشارًا واسعًا بواسطة هذه الأشرطة. وأما كيف يستفاد منها؟ فهذا يرجع إلى حال الإنسان نفسه، فمن الناس من يستطيع أن يستفيد منها، وهو يقود السيارة، ومنهم من يستمع إليه أثناء تناوله لطعام الغداء أو العشاء أو القهوة. المهم أن كيفية الاستفادة منها ترجع إلى كل شخص بنفسه، ولا يمكن أن نقول فيها ضابطًا عامًا.

стр. 10530

س ٤٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن المسجلات الصوتية التي يسجل فيها العلم، وهل هناك حرج من استعمالها ؟ فأجاب بقوله: لاشك أن المسجلات الصوتية من نعم الله تعالى، إذا كان يسجل بها ما يفيد المسلم في دينه ودنياه، وأنه يحصل بها علم كثير مفيد، إذا كان المتحدث من أهل العلم المعروفين بالتحقيق والأمانة، وهي بمنزلة الكتب المؤلفة، ومن المعلوم أنه لا أحد يُنهى عن تأليف الكتب إذا كان من أهل التحقيق والأمانة، وهي لا تصد عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، بل هي بيان وتفسير لكلام الله تعالى ورسوله ﷺ ونشر لما تضمنه الكتاب والسنة من الأحكام، لكن الذي يخشى منه أن كثيرًا مما يسمع منها يكون مواعظ تشتمل على أحاديث وآثار ضعيفة، أو مكذوبة لقصد الترغيب أو الترهيب أو كليهما، والذين يسمعونها ممن لا معرفة لهم بالصحيح والضعيف يغترون بها ويأخذون بها مسلمة من غير بحث فيها ولا سؤال عنها، فالله المستعان. س ٤٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض طلبة العلم يكتفون بسماع أشرطة العلماء من خلال دروسهم، فهل تكفي في تلقي العلم؟ وهل يعتبرون طلاب علم؟ وهل يؤثر في معتقدهم ؟

стр. 10531

فأجاب بقوله: لاشك أن هذه الأشرطة تكفيهم عن الحضور إلى أهل العلم إذا كان لا يمكنهم الحضور، وإلا فإن الحضور إلى العلماء أفضل وأحسن وأقرب للفهم والمناقشة، لكن إذا لم يمكنهم الحضور فهذا يكفيهم. ثم هل يمكن أن يكونوا طلبة علم وهم يقتصرون على هذا؟ نقول: نعم يمكن إذا اجتهد الإنسان اجتهادًا كثيرًا، كما يمكن أن يكون الإنسان عالمًا إذا أخذ العلم من الكتب. لكن الفرق بين أخذ العلم من الكتب والأشرطة، وبين التلقي من العلماء مباشرة: أن التلقي من العلماء مباشرة أقرب إلى حصول العلم، لأنه طريق سهل، تمكن فيه المناقشة بخلاف المستمع أو القارئ فإنه يحتاج إلى عناء كبير في جمع أطراف العلم والحصول عليه. وأما قول السائل: هل يؤثر الاكتفاء بالأشرطة في معتقدهم؟ فالجواب: نعم يؤثر في معتقدهم إذا كانوا يستمعون إلى أشرطة بدعية ويتبعونها، أما إذا كانوا يستمعون إلى أشرطة من علماء موثوق بهم، فلا يؤثر على معتقداتهم، بل يزيدهم إيمانًا ورسوخًا واتباعًا للمعتقد الصحيح.

стр. 10532

س ٤٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل سماع الأشرطة والدروس العلمية تغني عن الرحلة في الطلب ؟ فأجاب بقوله: سماع الأشرطة لا تغني عن الرحلة في الطلب فالرحلة في الطلب أفضل؛ لأن الطالب يجلس إلى العالم ويتلقى منه مباشرة، وربما يحصل إشكال أو مراجعة فلا يحصل عليه فيما إذا استمع إلى الأشرطة، لكن لاشك أنه إذا استمع الأشرطة سيستفيد فهي خير من الترك، لكن إذا ارتحل في طلب العلم فهو أفضل وأنفع، ولكن من كان في بلدٍ لا يوجد فيها علماء فتوجيهنا أن يستمع إلى أشرطة العلماء الموثوق بعلمهم، من حيث سعة العلم، ومن حيث الأمانة في أدائهم. س ٤٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بماذا تنصح طالب العلم المبتدئ ؟ فأجاب بقوله: أنصح طالب العلم المبتدئ أن يلزم شيخًا معينًا ممن يثق بعلمه وأمانته، وألا يشتت ذهنه بين فلان وفلان؛ فما دام مقتنعًا بأن هذا الشيخ عنده من العلم والأمانة والثقة ما يعتمد عليه فليلزمه، وإذا قدر أنه لم يكن عند هذا الشيخ علم مما يحتاجه الطالب فليطلب شيخًا آخر يدرسه في هذا العلم فقط مثال ذلك مثلاً: لزمت

стр. 10533

شيخاً في علم العقيدة، أو في علم الفقه، لكن ليس عنده علم في النحو فتذهب إلى شيخ آخر لا تقرأ عنده علم العقيدة والفقه، بل اقرأ عنده علم النحو؛ لأنك ربما يتصادم قول هذا الشيخ والشيخ الآخر فيبقى الطالب في حيرة ويتشتت ذهنه. النصيحة الثانية: أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره فيبدأ بالكتب المختصرة الواضحة قبل أن يرتقي إلى الكتب التي فوقها؛ فإذا قدرنا أنه يريد القراءة في الفقه يقرأ الكتب المختصرة في الفقه كزاد المستنقع مثلاً، ولا يقرأ ما فوقه من الكتب الكبيرة؛ لأن ذلك يضيعه كالرجل الذي يتعلم السباحة هل يذهب إلى العميق من الماء؟ والجواب: لا بل يبدأ بالضحل شيئًا فشيئًا حتى يتعلم النصيحة الثالثة: أن يحرص على أن يطبق كل ما تعلمه، يطبق إذا علم أن الصلاة واجبة يصلي، علم أن بر الوالدين واجب يبر الوالدين، علم أن إلقاء السلام سنة يلقي السلام، علم أن معونة الإنسان في دابته يحمله عليها أو يعينه على حمل المتاع، علم أنه خير فيفعل؛ لأن الإنسان إذا طبق العلم ورّثه الله تعالى علم ما لم يكن يعلمه من قبل، ولا طريق أفضل في كسب العلم من العمل به واقرأ قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (١) لما اهتدوا

стр. 10534

بالعلم زادهم الله علمًا وزادهم تقى، آتاهم تقواهم، وهذه تعوز كثيرًا من طلاب العلم، كثيرًا من طلاب العلم أخذوا العلم نظريًا لا عمليًا فتجد عنده من قوة الحفظ والذاكرة والمجادلة والمناظرة شيئًا كثيرًا لكنه في العمل مفرط وهذا خطر عظيم؛ لأن الإنسان إذا لم يعمل بالعلم فعلمه وبالٌ عليه لاشك، وربما يُنزّع منه كما قال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (١) ولهذا قيل: (العلم يهتف بالعمل فمان أجاب وإلا ارتحل) ويهتف بمعنى: ينادي العمل إن أجاب وإلا ارتحل العلم. النصيحة الرابعة: أن يكون مكبًا على العلم لا يمل ولا يكل ولا يتعب، وإذا تعب استراح بقدر ما يعود إليه نشاطه؛ لأن ابن عباس ﵄ وهو الذي دعا له الرسول ﵊ أن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل (٢) ، كان يتابع الناس حتى قيل: إنه يأتي في القائلة، والذي يطلب منه العلم قد نام، فيتوسد رداءه وينام عند عتبة بابه ولا يوقظه فإذا استيقظ طلب منه الحديث فيقول له ابن عم رسول الله (تبقى عند بابي) قال (إني صاحب الحاجة ولا

стр. 10535

أوقظك من منامك) وقيل له: (بما أدركت العلم) قال: (أدركت العلم بلسان سؤول، وقلب عقول، وبدن غير ملول) ويشهد لهذا قول النبي ﷺ : "تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عقلها" (١) فالمثابرة مهمة لطالب العلم، وبعض الطلبة ينشط في أول الأمر ويتعب فذا به يتراجع فمن الأمور المهمة أن يكون الإنسان صبورًا في طلب العلم مثابرًا عليه والله الموفق. س ٤٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يقوم طلبة العلم بعمل بحوث دراسية في الجامعات فما توجيه فضيلتكم ؟ فأجاب بقوله: ينبغي لطالب العلم عند إسناد البحث إليه أن يكون له حرية الفكر؛ ذلك لأن بعض الطلاب إذا قدم بحثه تجده مجرد نُقول ينقلها من هنا وهناك ولا تراى فيها الفكر المستقل، وهذا لا شك أنه نقص، بل إن بعض البحوث تجد الطالب فيها يسوق كلاماً نقله من غيره ويبتره ولا يكمله؛ مما يدل على أنه ينقل ما لا يعرف معناه، بل بمجرد أن رأى في الفهرس هذا الموضوع ظن أنه يخدمه فنقله وبتر منه ما قد يكون هو المقصود.

стр. 10536

وهذا لا شك أنه نقص في البحث، وإن كان الباحث سيكون من وراء بحثه أستاذ يراجع البحث ويقوِّمه، لكن المطلوب من الباحث أن يكون لديه فكر مستقل، ومعنى الاستقلال: أن طالب العلم يوازن بين الآراء ثم ينظر ما دل عليه الكتاب والسنة، فيأخذ به، حتى وإن خالف ما عليه كثير من الناس، ما دام الكتاب والسنة هو إمامه، فإنه على صواب، سواء وافق ما عليه أكثر الناس أم لم يوافق. أما أن يأتي بفكر شاذ لا يوافقه عليه أحد من المعاصرين، ولم يسبقه إليه أحد من السابقين، فهذا ليس استقلالاً، بل يسمى عند العلماء: شذوذاً. س ٥٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما أحسن وسيلة لتلقي العلم النافع ؟ فأجاب بقوله: الوسائل مختلفة وهي كثيرة- والحمد لله- في الوقت الحاضر. فمن الوسائل: أن تتلقى العلم على شيخ مأمون في علمه ودينه، وهذه أحسن الوسائل وأقوى الوسائل، وأقرب الوسائل إلى تحصيل العلم. ومن الوسائل: أن تتلقى العلم من الكتب المؤلفة التي ألفها علماء

стр. 10537

مأمونون موثوقون في علمهم ودينهم. ومن الوسائل: أن تستمع إلى الأشرطة المنشورة من العلماء الموثقين بعلمهم وأماناتهم، هذه ثلاث طرق يمكن أن يحصل بها العلم، وأهم شيء هو الاجتهاد والمثابرة وحسن القصد فإن ذلك من أسباب حصول العلم. س ٥١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: لا يخفى على فضيلتكم ما أنعم الله به على عباده من تيسير طرق طلب العلم بخلاف ما كان عليه السابقون، فما نصيحة فضيلتكم لطلبة العلم في هذه الأزمنة لاستغلال هذه النعم والجد في طلب العلم ؟ فأجاب بقوله: من نعم الله أن هيَّأ لطلبة العلم فُرص عظيمة لم تتهيأ لمن كان قبلهم، فقد كان السابقون يتحمَّلون المشاق في طلب العلم، ويتعرضون للأخطار والجوع والعطش وغير ذلك في سبيل طلب العلم، فالكتب لا يجدونها إلا بعد جهد شاق، أو يستنسخونه بأيديهم وبأقلامهم، ولو بلغ عدة مجلدات، ثم إنه فيما مضى لا يستطيع طالب العلم مقابلة العلماء والأخذ عنهم إلا بعد التعب والعنت والسفر إليهم في أي بلد ذكروا لهم فيه. أما طلبة العلم في هذه الأوقات فالحمد لله كل شيء وفر لهم، فقد

стр. 10538

بُنيت لهم المدارس والجامعات، ووفرت لهم الكتب، وصرفت لهم المكافآت التي تعينهم على قضاء حوائجهم، وجلب لهم المدرسون بدل ما كان أسلافهم يسافرون إلى المدرسين، فالآن المدرسون يقدمون إليهم، ويحضرون عندهم من غير تعب ولا مشقة، فبدل أن يذهبوا إليهم هم يأتون إليهم في دور العلم. فليتأمل طلبة العلم هذه النعمة وليشكروا الله عليها؛ لأن البلاد الراقية كما يسمونها لا تتوافر فيها هذه الفرص، بل إنهم ينفقون على أولادهم من الأموال في سبيل تعليمهم النفقات الطائلة، وأكثرهم لا يستطيعون الإنفاق على أولادهم وبناتهم. أما طلبة العلم في هذه البلاد- والحمد لله- فإنه لا يطلب منهم إلا الحضور، فكل شيء ميسر بتوفيق الله تعالى، فهذه فرصة عظيمة فليغتنمها طلبة العلم، فإن الفرص لا تدوم، وليشتغلوا بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع والصلاح؛ لأنهم مهيؤون لتحمل مسؤولية وأمانة، فالله جل وعلا يقول: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (١) . فهي أمانة عظيمة، وأعظم الأمانات أمانة العلم الذي أنزله الله

стр. 10539

سبحانه وتعالى لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهذا العلم لا يقوم هو بنفسه، إنما يقوم العلم برجاله وبحملته، فطلبة العلم تحملوا أمانة عظيمة يؤجرون عليها عظيم الأجر إذا هم قاموا بما يستطيعون منها، أما المسؤولية إذا قصروا فيها فسيتحملون المسؤولية أمام الله . س ٥٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل ترى لطالب العلم أن يركز على حفظ القرآن حتى يحفظه، أو يطلب العلم ويحفظ المتون ولو ما حفظ من القرآن إلا قليل ؟ فأجاب بقوله: أنا أرى أن الأولى أن يحفظ القرآن، لاشك القرآن هو أصل العلم فحفظ القرآن أولى، لكن بمكانه أن يجمع بينهما، أظن إذا لم يكن هناك أشغال أخرى يجعل أول النهار لحفظ القرآن وآخر النهار لمراجعة بعض المتون ويتمكن من هذا، وهذا إذا لم يستطع فالقرآن أولى نحن لا نفضل شيئًا على القرآن إطلاقًا. س ٥٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كيف يتفقه المسلم في دينه ؟ فأجاب بقوله: يجب على علماء المسلمين أن يصبروا عامتهم؛ لأن

стр. 10540

العلماء بمنزلة النجوم في الأرض يهتدي بهم في ظلمات الجهل؛ فعلى العلماء أن يتقوا الله- وأن يستمدوا علمهم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ومنهج السلف الصالح ﵃، ثم يرشدوا الناس إلى هذا، والناس إذا صلُح علماؤهم صلحُوا، وإذا انحرف علماؤهم صاروا سببًا لانحرافهم فعلى العلماء أن يتقوا الله تعالى في تبصير الأمة، ثم على العامة أن يأخذوا بقول علمائهم المعروفين بالعلم والأمانة دون أن يأخذوا من علماء جهال، أو من علماء ليسوا أمناء على دين الله ولا على عباد الله، والكتب المبنية على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ كثيرة وذلك مثل: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم وغيرهما من العلماء المتقدمين والمتأخرين. س ٥٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: طالب العلم هل يبدأ بحفظ القرآن الكريم أم بقراءة كتب العلم ؟ فأجاب بقوله: يبدأ بحفظ القرآن؛ لأنه لا شيء قبله مما يحفظه الإنسان؛ لأن القرآن كلام الله، وتلاوته عبادة، وتدبره عبادة والعمل بما يدل عليه عبادة، وتصديق خبره عبادة، فهو أفضل الكتب المنزلة من الله ، فليبدأ الإنسان بحفظ القرآن الكريم، ثم بما صح
следующие страницы →