وهذا لا شك أنه نقص في البحث، وإن كان الباحث سيكون من وراء بحثه أستاذ يراجع البحث ويقوِّمه، لكن المطلوب من الباحث أن يكون لديه فكر مستقل، ومعنى الاستقلال: أن طالب العلم
يوازن بين الآراء ثم ينظر ما دل عليه الكتاب والسنة، فيأخذ به، حتى وإن خالف ما عليه كثير من الناس، ما دام الكتاب والسنة هو إمامه، فإنه على صواب، سواء وافق ما عليه أكثر الناس أم لم يوافق.
أما أن يأتي بفكر شاذ لا يوافقه عليه أحد من المعاصرين، ولم يسبقه إليه أحد من السابقين، فهذا ليس استقلالاً، بل يسمى عند العلماء: شذوذاً.
س ٥٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما أحسن وسيلة لتلقي العلم النافع ؟
فأجاب بقوله: الوسائل مختلفة وهي كثيرة- والحمد لله- في الوقت الحاضر.
فمن الوسائل: أن تتلقى العلم على شيخ مأمون في علمه ودينه، وهذه أحسن الوسائل وأقوى الوسائل، وأقرب الوسائل إلى تحصيل العلم.
ومن الوسائل: أن تتلقى العلم من الكتب المؤلفة التي ألفها علماء
стр. 10537
مأمونون موثوقون في علمهم ودينهم.
ومن الوسائل: أن تستمع إلى الأشرطة المنشورة من العلماء الموثقين بعلمهم وأماناتهم، هذه ثلاث طرق يمكن أن يحصل بها العلم، وأهم شيء هو الاجتهاد والمثابرة وحسن القصد فإن ذلك من
أسباب حصول العلم.
س ٥١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: لا يخفى على فضيلتكم ما أنعم الله به على عباده من تيسير طرق طلب العلم بخلاف ما كان عليه السابقون، فما نصيحة فضيلتكم لطلبة العلم
في هذه الأزمنة لاستغلال هذه النعم والجد في طلب العلم ؟
فأجاب بقوله: من نعم الله أن هيَّأ لطلبة العلم فُرص عظيمة لم تتهيأ لمن كان قبلهم، فقد كان السابقون يتحمَّلون المشاق في طلب العلم، ويتعرضون للأخطار والجوع والعطش وغير ذلك في سبيل طلب العلم، فالكتب لا يجدونها إلا بعد جهد شاق، أو يستنسخونه بأيديهم وبأقلامهم، ولو بلغ عدة مجلدات، ثم إنه فيما مضى لا يستطيع طالب العلم مقابلة العلماء والأخذ عنهم إلا بعد
التعب والعنت والسفر إليهم في أي بلد ذكروا لهم فيه.
أما طلبة العلم في هذه الأوقات فالحمد لله كل شيء وفر لهم، فقد
стр. 10538
بُنيت لهم المدارس والجامعات، ووفرت لهم الكتب، وصرفت لهم المكافآت التي تعينهم على قضاء حوائجهم، وجلب لهم المدرسون بدل ما كان أسلافهم يسافرون إلى المدرسين، فالآن المدرسون
يقدمون إليهم، ويحضرون عندهم من غير تعب ولا مشقة، فبدل أن يذهبوا إليهم هم يأتون إليهم في دور العلم.
فليتأمل طلبة العلم هذه النعمة وليشكروا الله عليها؛ لأن البلاد الراقية كما يسمونها لا تتوافر فيها هذه الفرص، بل إنهم ينفقون على أولادهم من الأموال في سبيل تعليمهم النفقات الطائلة، وأكثرهم لا يستطيعون الإنفاق على أولادهم وبناتهم.
أما طلبة العلم في هذه البلاد- والحمد لله- فإنه لا يطلب منهم إلا الحضور، فكل شيء ميسر بتوفيق الله تعالى، فهذه فرصة عظيمة فليغتنمها طلبة العلم، فإن الفرص لا تدوم، وليشتغلوا بما يعود
عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع والصلاح؛ لأنهم مهيؤون لتحمل مسؤولية وأمانة، فالله جل وعلا يقول: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (١) .
فهي أمانة عظيمة، وأعظم الأمانات أمانة العلم الذي أنزله الله
стр. 10539
سبحانه وتعالى لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهذا العلم لا يقوم هو بنفسه، إنما يقوم العلم برجاله وبحملته، فطلبة العلم تحملوا أمانة عظيمة يؤجرون عليها عظيم الأجر إذا هم قاموا بما يستطيعون منها، أما المسؤولية إذا قصروا فيها فسيتحملون المسؤولية أمام الله .
س ٥٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل ترى لطالب العلم أن يركز على حفظ القرآن حتى يحفظه، أو يطلب العلم ويحفظ المتون ولو ما حفظ من القرآن إلا قليل ؟
فأجاب بقوله: أنا أرى أن الأولى أن يحفظ القرآن، لاشك القرآن هو أصل العلم فحفظ القرآن أولى، لكن بمكانه أن يجمع بينهما، أظن إذا لم يكن هناك أشغال أخرى يجعل أول النهار لحفظ القرآن
وآخر النهار لمراجعة بعض المتون ويتمكن من هذا، وهذا إذا لم يستطع فالقرآن أولى نحن لا نفضل شيئًا على القرآن إطلاقًا.
س ٥٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كيف يتفقه المسلم في دينه ؟
فأجاب بقوله: يجب على علماء المسلمين أن يصبروا عامتهم؛ لأن
стр. 10540
العلماء بمنزلة النجوم في الأرض يهتدي بهم في ظلمات الجهل؛ فعلى العلماء أن يتقوا الله- وأن يستمدوا علمهم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ومنهج السلف الصالح ﵃، ثم يرشدوا الناس إلى هذا، والناس إذا صلُح علماؤهم صلحُوا، وإذا
انحرف علماؤهم صاروا سببًا لانحرافهم فعلى العلماء أن يتقوا الله تعالى في تبصير الأمة، ثم على العامة أن يأخذوا بقول علمائهم المعروفين بالعلم والأمانة دون أن يأخذوا من علماء جهال، أو من
علماء ليسوا أمناء على دين الله ولا على عباد الله، والكتب المبنية على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ كثيرة وذلك مثل: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم وغيرهما من العلماء المتقدمين والمتأخرين.
س ٥٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: طالب العلم هل يبدأ بحفظ القرآن الكريم أم بقراءة كتب العلم ؟
فأجاب بقوله: يبدأ بحفظ القرآن؛ لأنه لا شيء قبله مما يحفظه الإنسان؛ لأن القرآن كلام الله، وتلاوته عبادة، وتدبره عبادة والعمل بما يدل عليه عبادة، وتصديق خبره عبادة، فهو أفضل الكتب المنزلة من الله ، فليبدأ الإنسان بحفظ القرآن الكريم، ثم بما صح
стр. 10541
من سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كعمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي- ﵀ فإنه كتاب مختصر جدًا في الأحكام، ثم بما تيسر له من كتب أهل العلم في العقيدة وغيرها.
س ٥٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يحصل من بعض طلبة العلم المبتدئين في دراسة العلم من إتعاب أنفسهم في دراسة علوم متنوعة على أيدي علماء متعددين، والقراءة في كتب أهل
العلم بدون ضوابط، فأحيانا يقرأ في المطولات قبل المختصرات، ويحصل منهم إهمال لدروس الكليات الشرعية في فترة الصباح بحجة قلة بضاعة مدرسي الكليات وضعف المادة العلمية، فما
نصيحتكم ؟
فأجاب بقوله: أرى أن العلم لا ينال براحة الجسم، فلا بد من تعب، ولهذا قال بعض العلماء: (أعط العلم كُلك تنل بعضه، وأعطه بعضك يفتك كله) فلا بد من التعب والاجتهاد، لكن المحذور
تشتت جهد الطالب، لا سيما إذا قرأ فنّاً واحداً على شيخين يختلفان في الرأي، فإنه سوف يتذبذب.
ولنفرض مثلاً أنه قرأ في الفقه عند شيخ يقول: إن الماء قسمان:
طهور ونجس، وشيخ آخر يقول: إن الماء ثلاثة أقسام: طهور وطاهر
стр. 10542
ونجس، فماذا يفعل؟
ولهذا أرى أن الطالب إذا رتّب طلب العلم على شيخ معين في الحديث فلا يذهب إلى شيخ آخر في علم الحديث، وكذلك الحال في الفقه، فإذا رتّب طلب العلم في الفقه على شيخ معين فلا يذهب إلى
شيخ آخر فيه.
لكن من الممكن إذا كان عنده متسع من الوقت أن يقرأ على الشيخ الثاني في فن آخر، فيقرأ على شيخ في علم التوحيد، ويقرأ على الشيخ الثاني في علم الفقه، وعلى الشيخ الثالث في علم النحو أو
البلاغة، وما أشبه ذلك، وهذه مسألة يجب على الإنسان أن يتفطن لها؛ لأنه ربما يحصل كثيراً من العلم لكن ليس عنده رصيد راسخ في الأصول والقواعد مما يجعله يستطيع أن يُفرّع المسائل على أصولها وضوابطها، بل يبقى كالذي يلقط الجراد من الصحراء واحدة بعد الأخرى فإنه يتشتت ولا يستفيد.
وأما تنقص دروس الجامعة أو السخرية من بعض المدرسين؛ فهذا غلط، فالجامعة هي الدار التي ترتقي بها إلى أن تكون قياديّاً في هذه الأمة، والمدرسون ليسوا على حد سواء، لكن ينبغي احترام
المدرس؛ لأنه أمضى وقته وأتعب جسمه في مصلحتك.
стр. 10543
س ٥٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كيف يستطيع الشخص أن يوفق بين حفظ كتاب الله تعالى وبين حضور الدروس العلمية اليومية؛ لأنه يصعب عليه أن يوازن بينهما وأن
يوفق بينهما إلى جانب أعماله وأعمال الأهل ؟
فأجاب بقوله: هذا يعود إلى قدرة الإنسان الذاتية، والناس يختلفون فمن الناس من يستطيع أن يقوم بهذه الأعمال، ومنهم من لا يستطيع أن يقوم إلا بعمل واحد، ومنهم من يستطيع أن يقوم بعملين
أو ثلاثة، على كل حال ينظر الإنسان إلى نفسه فذا تزاحمت فإن القيام بحفظ كتاب الله أولى من حضور الدروس، ولكن إذا كان أحد الدروس مهمًّا وجدير بالعناية به فليحاول أن يحضر إليه حتى لا يفوته، أما حاجة الأهل فحاجة الأهل إذا لم يكن أحد يقضيها فإن قضاءها من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله- فإن النبي ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص ﵁: "واعلم أنك لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في فيِّ
امرأتك " (١) أي في فمها مع أن ما يجعله في فم امرأته من الواجب عليه إذ أن نفقة الزوجة واجبة ومع ذلك كان. له بها أجر؛ فإذا قام الإنسان
стр. 10544
على أهل بيته محتسبًا أجره عند الله آجره الله على ذلك.
س ٥٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يلاحظ على بعض الطلبة في الكليات الشرعية التكاسل في السنة الأولى وعدم الجدية في الطلب فما نصيحتكم ؟
فأجاب بقوله: يجب على طلاب العلم لا سيما طلاب العلم المنظَّم والذي يبدأ من أول السنة الدراسية وينتهي بنهايتها، أن يحرصوا على العلم من أول السنة، وأن يجتهدوا في تحصيله؛ لأنهم إن فعلوا ذلك استفادوا فائدتين عظيمتين:
الفائدة الأولى: أن العلم يرسخ في نفوسهم، وربما يكون هذا الاجتهاد سبباً لرغبتهم في العلم واجتهادهم فيه.
الفائدة الثانية: أنهم في آخر السنة يكونون قد استراحوا وأخذوا من العلم بنصيب، فيسهل عليهم أن يدركوا ما أخذوه في هذا العام، أما ذلك الكسلان الذي لا يهتم بدروسه من أول السنة، فإنه سوف تتراكم عليه الدروس ولا يكون إدراكه لها إدراكاً راسخاً وستضيع عليه.
стр. 10545
س ٥٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كان عندي رغبة شديدة في طلب العلم منذ سنوات عديدة ولكن حال بيني وبين هذه الرغبة طلب المعاش الذي كان يستغرق النهار كله، والآن
لقد من الله علي بدخل يغنيني عن العمل، فهل لي أن أتفرغ للعلم مع أن عمري قد وصل الثلاثين سنة ؟
فأجاب بقوله: نقول: تفرغ للعلم ولو بلغت ثلاثين سنة، ألم تعلم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يرسلون إلا إذا بلغوا أربعين سنة، فلا يخذلنك الشيطان، ويقول: تجاوزت الحد، بل اطلب العلم
ولو كان لك ثلاثون سنة؛ فنحث أخانا الذي مَنَّ عليه الله بالمال أن يبدأ بطلب العلم، ولكني أنصح ألا يجلس عند عالم دون أن يعرف عقيدته؛ لأن العقيدة مهمة، فقد يحضر عند مدرس عقيدته فاسدة
لكن الله أعطاه بياناً وفصاحة فيسحر الناس ببيانه وفصاحته كما جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرًا" (١) .
فأقول اختر العالم المعروف بسلامة العقيدة أولاً.
وثانياً: المعروف بسلامة مقصده، فلا يقصد الرياء والفخر والعلو على الناس.
стр. 10546
وثالثًا: سلامة منهجه؛ لأن بعض العلماء عقيدته سليمة وإرادته سليمة فلا يريد العلو ولا الاستكبار لكن منهجه رديء يتكلم في عيوب غيره، ولا يتكلم في عيوبه.
فتجده مثلاً: يتكلم في العلماء، أو يتكلم في الأمراء أو يتكلم في ولاة الأمر، ولاشك أننا الآن في زمن بعيد عن عهد النبوة، فبيننا وبين عهد النبوة أربعة عشر قرنًا، ولولا أن الله حمى هذا
الدين الإسلامي لانتكست الأمة كما انتكست الأمم، لكن لا تزال طائفة من أمة محمد ﷺ على الحق.
فأقول: إن البعض فيه رداة في المنهج فتجده مسلطًا على الكلام في أعراض العلماء، أو في أعراض الأمراء، كأنه موكل بتتبع عورات العلماء وعورات الأمراء.
ونحن لا نشك أن العلماء لهم أخطاء، وأنه ليس كل واحد منهم معصومًا، لكن إذا أخطأ العالم الذي يقتدى به فعلينا أن ننصحه فيما بيننا وبينه دون أن ننشر مساوئه؛ لأنك إذا نشرت مساوئ العالم
أسأت إليه شخصيًا، وأسات إلى الشريعة التي يحملها؛ لأن الناس إذا قلَّت ثقتهم في العالم لا يكون لقوله بينهم قيمة؛ فتهدم شريعة من الشرائع تأتي على لسان هذا العالم، فمن كان حقيقة ناصحًا فإنه
يناصح العالم فيما بينه وبين العالم، وليخاطبه بأدب واحترام. وليقل
стр. 10547
للعالم: يا حضرة الشيخ قلت: كذا وكذا وأنا أعرف خلاف ما قلتم فما هو الصواب؟
وكذلك نقول مع الأمراء، فالأمراء منذ عهد بعيد جدًا وهم يخطئون فخلفاء بني أمية، وخلفاء بني العباس، وغيرهم يخطئون، لكن تجد أئمة المسلمين يحذرون ما حذر منه النبي ﷺ من نشر مساوئ الأمراء والتمرد عليهم، ولكن البعض يكون عنده غيرة شديدة، فيصب غيرته على الأمراء، فيتكلم فيهم حتى يؤدي ذلك إلى التمرد على الحكام؛ بل وإلى الخروج عليهم، ويحصل في هذا مفاسد عظيمة، بحجة نصرة الإسلام، ونصر الإسلام واجب على كل مسلم؛ لكن بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق واللين وابتدائهم بالتي هي أحسن، أما نشر معايب الولاة فهذا يحصل فيه شر كثير، فكم من نفوس أزهقت بهذه الحجة؛ فأقول لطالب العلم الذي يريد أن يطلب العلم: اختر من يُعرف بسلامة العقيدة، وحسن القصد، وسلامة المنهج، وإذا اخترت مثل هذا العالم فإنه يُرجى لك النجاح بإذن الله وتوفيقه.
س ٥٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يحصل عند بعض طلبة العلم في الجامعات الإسلامية الاعتماد على مذكرات للمواد
стр. 10548
الدراسية، وأحياناً على مختصرات مع ترك الكتب المقررة فما نصيحتكم؟
فأجاب بقوله: أوجه النصيحة إلى إخواني الأساتذة بألا يعتمدوا على المذكرات؛ لأن الإنسان بشر قد يختصر ما يجب البسط فيه وقد يبسط ما يجب الاختصار فيه.
ثم إن تعويد التلاميذ على المذكرات يزهدهم في الرجوع إلى الأصول التي ألَّفها العلماء ومشى عليها طلبة العلم.
أما بالنسبة للطلبة: فالحقيقة أن الطلبة إذا وجَّههم المدرس إلى عدم الالتفات للمذكرات، فالطلبة سيتبعونه، لكن إذا كان المدرس هو الذي ألف مذكرة فإن الطالب يريد الأسهل.
لذلك المسؤولية الكبرى إنما تقع على الأساتذة، فالكتاب المقرر يجب أن يبقى مقرراً، وإذا كان الأستاذ يريد زيادة مسألة، أو إيضاح فإنه يمكن أن يرشد الطلبة بالكتابة على الهامش أو بالكتابة في دفتر خارجي، ويشار إلى الصفحات التي في الكتاب والحواشي عليها.
س ٦٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما المراحل التي ينبغي لطالب العلم أن يسير عليها ؟
فأجاب بقوله: المراحل التي ينبغي لطالب العلم أن يسير عليها في
стр. 10549
تحصيل العلم أن يبدأ بكتاب الله ، فإن الصحابة ﵃ كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل (١) ، ثم بما صح من سنة رسوله رسول الله ﷺ وليصبر على ذلك ما دام في ابتداء الطلب، ثم إذا ترعرع في الطلب واشتد
ساعده بدأ يرتقي إلى الكتب الكبيرة التي فيها ذكر الآراء والمناقشة فيها، وليكن مرجعه في ذلك شيخه الذي يدرس عليه، فالشيخ هو الذي يوجه التلميذ فيما يقرأ وفيما لا يقرأ.
س ٦١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كيف يجمع طالب العلم بين دروس الكليات الشرعية وبين دروس العلماء في المساجد ؟
فأجاب بقوله: لا أستطيع الجواب على هذا؛ لأن كل إنسان أدرى بنفسه، لكن أستطيع أن أقول: إذا تزاحمت الدروس النظامية الجامعية مع الدروس عند العلماء؟ فأرى أن الإنسان يحرص على الدروس الجامعية؛ لأن مدة الدراسة بالجامعة قليلة إذا وفق الإنسان للنجاح كل سنة، وكما تعلمون الآن أن المناصب القيادية في الدعوة والتعليم والإدارة والرئاسة مبنية على الشهادة، وأن الإنسان مهما بلغ علمه،
стр. 10550
إذا لم يكن لديه شهادة، فإنه لن يقام له وزن، وطالب العلم إذا طلب العلم في الجامعة من أجل أن ينال شهادة يستطيع بها أن يصل إلى مناصب قيادية، فهذه نية طيبة وليس فيها شيء من الشرك في النية.
ولهذا لو اجتمع شخصان: أحدهما معه الشهادة الجامعية.
والثاني: ليس معه شهادة، والثاني أعلم من الأول، فأنه يُقدّم في الوظائف القيادية منْ معه الشهادة.
وحيئذ أرى أنه إذا تزاحمت الدروس في الكليات الشرعية مع دروس المساجد فإنه يقدّم الطالب الدراسة الجامعية، أما إذا لم تتزاحم بأن تكون الدراسة في المساجد موافقة للدراسة في الجامعة، فالأمر ظاهر أنه يمكن أن يجمع بين هذا وهذا، على أن الدراسة في المساجد الآن أصبحت ميسرة؛ إذ إن غالب الذين يدرسون في المساجد يكون عندهم مسجِّل يسجِّل كلماتهم وأسئلة الطلاب وأجوبتهم، فإذا أخذ الإنسان من هذه الأشرطة وصار يستمع إليها في وقت فراغه فكأنه لم يفُته شيء.
س ٦٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عمن لا يحب دراسة العقيدة خصوصًا مسألة القدر خوفًا من الزلل ؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة كغيرها من المسائل المهمة التي لابد
стр. 10551
للإنسان منها في دينه ودنياه، لابد أن يخوض غمارها وأن يستعين بالله ﵎ على تحقيقها ومعرفتها حتى يتبين له الأمر؛ لأنه لا ينبغي أن يكون على شك في هذه الأمور المهمة، أما المسائل التي لا تخل بدينه لو أجلها، ولا يخشى أن تكون سببًا لانحرافه، فإنه لا بأس أن يؤجلها مادام غيرها أهم منها، ومسائل القدر من الأمور المهمة التي يجب على العبد أن يحققها تمامًا حتى يصل فيها إلى اليقين.
وهي في الحقيقة ليس فيها إشكال- ولله الحمد- والذي يثقل دروس العقيدة على بعض الناس هم أنهم مع الأسف الشديد يرجحون جانب "كيف" على جانب "لِمَ" والإنسان مسؤول عن
عمله بأداتين من أدوات الاستفهام "لِمَ" و "كيف"، فلم عملت كذا؛ هذا الإخلاص. كيف عملت كذا؛ هذا المتابعة للرسول ﷺ ، وأكثر الناس الآن مشغولون بتحقيق جواب "كيف" غافلون عن تحقيق جواب "لم" ولذلك تجدهم في جانب الإخلاص لا يتحرون كثيرًا، وفي جانب المتابعة يحرصون على أدق الأمور، فالناس الآن مهتمون كثيرًا بهذا الجانب، غافلون عن الجانب الأهم وهو جانب العقيدة وجانب الإخلاص وجانب التوحيد.
لهذا تجد بعض الناس في مسائل الدين يسأل عن مسألة يسيرة جدًا جدًا وقلبه منكب على الدنيا غافل عن الله مطلقًا في بيعه
стр. 10552
وشرائه، ومركوبه، ومسكنه، وملبسه، فقد يكون بعض الناس الآن عابدًا للدنيا وهو لا يشعر، وقد يكون مشركًا بالله في الدنيا وهو لا يشعر، لأنه مع الأسف الشديد لا يهتم بجانب التوحيد وجانب
العقيدة، وهذا ليس من العامة فقط، ولكن من بعض طلاب العلم وهذا أمر له خطورته.
كما أن التركيز على العقيدة فقط بدون العمل الذي جعله الشارع كالحامي والسور لها خطأ أيضًا، لأننا نسمع في الإذاعات ونقرأ في الصحف التركيز على أن الدين هو العقيدة السمحاء وما أشبه ذلك من العبارات، وفي الحقيقة أن هذا يخشى أن يكون بابًا يلج منه من يلج في استحلال بعض المحرمات بحجة أن العقيدة سليمة، ولكن لابد من ملاحظة الأمرين جميعًا ليستقيم الجواب على "لِمَ" وعلى "كيف".
وخلاصة الجواب: أنه يجب على المرء دراسة علم التوحيد والعقيدة، ليكون على بصيرة في إلهه ومعبوده- جل وعلا- على بصيرة بأسماء الله، وصفاته، وأفعاله، على بصيرة في أحكامه الكونية،
والشرعية، على بصيرة في حكمته، وأسرار شرعه وخلقه، حتى لا يضل بنفسه أو يضل بغيره.
وعلم التوحيد هو أشرف العلوم لشرف متعلقه ولهذا سماه أهل
стр. 10553
العلم (الفقه الأكبر) وقال النبي ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين " (١) وأول ما يدخل في ذلك وأولاه علم التوحيد والعقيدة، لكن يجب على المرء أيضًا أن يتحرى كيف يأخذ هذا العلم ومن أي مصدر يتلقاه؟
فليأخذ من هذا العلم أولاً: ما صفا منه وسلم من الشبهات، ثم ينتقل ثانيًا إلى النظر فيما أورد عليه من البدع والشبهات؛ ليقوم بردها وبيانها مما أخذه من قبل من العقيدة الصافية، وليكن المصدر الذي يتلقاه منه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم كلام الصحابة- رضي الله
عنهم- ثم ما قاله الأئمة بعدهم من التابعين وأتباعهم، ثم ما قاله العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم، خصوصًا شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم عليهما وعلى سائر المسلمين وأئمتهم سابغ الرحمة والرضوان.
س ٦٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما أفضل الطرق المعينة على طلب العلم ؟
فأجاب بقوله: أقرب الطرق أن تجاهد نفسك، فجاهد نفسك.
стр. 10554
وصبّرها على طلب العلم وبحفظ كتاب الله- ، ثم ما صح عن النبي ﷺ الأحكام، ثم ملازمة الشيوخ المعروفين بسلامة العقيدة والمقصد والمنهج. وإذا كان تجار المال يكدحون ليلاً ونهارًا لزيادة أموالهم فطالب العلم يطلب ما هو أشرف من المال،
فليكدح ليله ونهاره حتى ينال ما وعد الله به في قوله: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (١) .
س ٦٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجب التقليد لمذهب معين أم لا ؟
فأجاب بقوله: نعم، يجب التقليد لمذهب معين وجوبًا لازمًا، لكن هذا المذهب المعين الذي يجب تقليده مذهب الرسول ﷺ ؛ لأن الذي ذهب إليه الرسول ﷺ واجب الاتباع، وهو الذي به سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (٢) ، وقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٣) .
стр. 10555
فهذا هو المذهب الواجب الاتباع بإجماع أهل العلم، وأما غير هذا المذهب فإن اتباعه سائغ إذا لم يتبين الدليل بخلافه، فإن تبين الدليل بخلافه فاتباعه محرم.
حتى قال شيخ الإسلام- ﵀: من قال: إن أحدًا من الناس يجب طاعته في كل ما قال، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن في ذلك طاعة غير رسول الله ﷺ وصدق- ﵀ لا أحد من الناس يجب أن يؤخذ بقوله مطلقًا إلا النبي ﷺ فإنه يجب الأخذ بقوله، وقد قال ﷺ : " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" (١) .
وقال: "إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا " (٢) .
س ٦٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن أقسام الناس في طلب علم الكتاب والسنة الصحيحة ؟
فأجاب بقوله: انقسم الناس في طلب علم الكتاب والسنة إلى أربعة أقسام:
стр. 10556
القسم الأول: من تجده معرضًا عن الكتاب والسنة، مكبًا على الكتب الفقهية المذهبية يعمل بما فيها مطلقًا، ولا يرجع إلا إلى ما قاله فلان وفلان من أصحاب الكتب المذهبية.
القسم الثاني: من أكب على علوم القرآن، ثم علم التجويد أو ما يتصل بمعناه أو إعرابه وبلاغته، وأما بالنسبة للسنة وعلم الحديث فهو قليل البضاعة فيها، وهذا قصور كبير بلا شك.
القسم الثالث: من تجده مكبًا على علم الحديث وعلم تحقيق الأسانيد، وما فيها من علل وما يتعلق بالحديث من حيث القبول أو الرد، ولكنه في علوم القرآن ضعيف جدًا، فلو سألته عن تفسير
أوضح آية في كتاب الله فلا يعرف تفسيرها، وكذلك في علم التوحيد والعقيدة لو سئل لم يعرف، وهذا قصور كبير بلا شك.
القسم الرابع: من كان حريصًا على الجمع بين الكتاب والسنة الصحيحة، وما كان عليه سلف الأمة مما يتعلق بعلم الكتاب والسنة، ومع ذلك ليس معرضًا عما قاله أهل العلم في كتبهم، بل هو
يقيم له وزنًا ويستعين به على فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لأن العلماء- ﵏ وضعوا قواعد وضوابط وأصولاً ينتفع بها طالب العلم، حتى المفسر في تفسير القرآن، وحتى طالب السنة في معرفة السنة أو في شرح معانيها فيكون مركزًا على الكتاب والسنة،
стр. 10557
ومستعينًا بما قاله أهل العلم في كتبهم، وهذا هو خير الأقسام.
ولننظر هل نحن طبقنا سير العلم على هذه الطريقة الأخيرة أو أننا من القسم الأول أو الثاني أو الثالث.
فإذا كان غير القسم الأخير فإنه يجب أن نصحح طريقنا؛ لأن الله يقول في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (١) وأولي الأمر يشمل العلماء ويشمل الأمراء (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٢) .
ونحن دائمًا لاسيما إذا رجعنا إلى المأخوذ عن الصحابة ﵃ والتابعين نجدهم دائمًا يتحاكمون إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله ﷺ ، ومع ذلك فإني لا أقول: إنه يجب أن تهدر أقوال العلماء، بل أقوال العلماء لها قيمتها ووزنها واعتبارها ويستعان بها على فهم
كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
س ٦٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا أراد طالب العلم الفقه فهل له الاستغناء عن أصول الفقه ؟
فأجاب بقوله: إذا أراد طالب العلم أن يكون عالمًا في الفقه فلابد
стр. 10558
أن يجمع بين الفقه وأصول الفقه ليكون متبحرًا متخصصًا فيه، وإلا فيمكن أن تعرف الفقه بدون علم الأصول، ولكن لا يمكن أن تعرف أصول الفقه، وتكون فقيهًا بدون علم الفقه، أي أنه يمكن أن يستغني الفقيه عن أصول الفقه، ولا يمكن أن يستغني الأصولي عن الفقه إذا كان يريد الفقه، ولهذا اختلف علماء الأصول هل الأولى لطالب العلم أن يبدأ بأصول الفقه حتى يبني الفقه عليها، أو بالفقه لدعاء الحاجة إليه، حيث إن الإنسان يحتاج إليه في عمله، في عبادته ومعاملاته قبل أن يتقن أصول الفقه؟ والثاني هو الأولى، وهو المتبع غالبًا.
س ٦٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ذكر الخطيب البغدادي ﵀ جانبًا من جوانب تعلم العلم وهو لزوم أحد العلماء أو أحد المشائخ، فما رأي فضيلتكم ؟
فأجاب بقوله: هذا جيد كون الإنسان يركز على شيخ من المشائخ يجعله هو الأصل لاسيما المبتدئ الصغير، المتبدئ الصغير إذا طلب العلم على عدة علماء تذبذب؛ لأن الناس ليسوا على رأي واحد
خصوصًا في عصرنا الآن، كان فيما سبق أي قبل مدة كان الناس هنا في المملكة لا يخرجون أبدًا عن الإقناع والمنتهى، فتجد فتاواهم
стр. 10559
واحدة، وشروحهم واحدة، لا يختلف واحد عن الآخر إلا في الإلقاء وحسن الأسلوب، لكن الآن لما كان كل واحد حافظًا حديثًا أو حديثين قال: أنا الإمام المقتدى به، والإمام أحمد رجل ونحن رجال،
فصارت المسألة فوضى، صار كل إنسان يفتي، أحيانًا تأتى الفتاوى تبكي وتضحك، وكنت أهم أن أدون مثل هذه الفتاوى ولكن كنت أخشى أن أكون ممن تتبع عورات إخوانه فتركته تحاشيًا مني، وإلا لنقلنا أشياء بعيدة عن الصواب بعد الثريا عن الثرى.
فأقول: ملازمة عالم واحد مهمة جدًا مادام الطالب في أول الطريق لكي لا يتذبذب؛ ولهذا كان مشائخنا ينهوننا عن مطالعة المغني وشرح المهذب والكتب التي فيها أقوال متعددة عندما كنا في زمن
الطلبة، وذكر لنا بعض مشائخنا أن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بابطين- ﵀ وهو من أكبر مشائخ نجد مفتي الديار النجدية ذكروا أنه كان مكبًا على الروض المربع لا يطالع إلا إياه ويكرره، كلما انتهى منه كرره لكن يأخذه بالمفهوم والمنطوق والإشارة والعبارة فحصَّل خيراً كثيراً.
أما إذا توسعت مدارك الإنسان فهذا ينبغي له أن ينظر أقوال العلماء يستفيد منها فائدة علمية وفائدة تطبيقية، لكن في أول الطلب أنا أنصح الطالب أن يركز على شيخ معين لا يتعداه.
стр. 10560
س ٦٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ذكر عن ابن الوزير ﵀ أن الصحابة أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي- ﵃ لم يحفظوا القرآن الكريم، وكذلك ما ورد عن الأئمة
كعثمان ابن أبي شيبة على قدره أنه لم يحفظ القرآن، وهذه الأشياء تدعو بعض طلبة العلم لترك حفظ كتاب الله، هل هذا صحيح ؟
فأجاب بقوله: أنا أستبعد أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا وهؤلاء الأجلة من الصحابة- ﵃ أجمعين- لم يحفظوا كتاب الله- هذا بعيد- وتعلم أن القرآن جمع على عهد أبي بكر،
وعلى عهد عثمان- ﵃ كيف يجمعون ولا يحفظون؟ بعيد جدًا ولكن حتى لو روي عنه فيجب أن ننظر في الإسناد أولاً ثم إذا صح الإسناد فنقول: إن الذي تحدث عنهم وقال إنهم لم يحفظوا القرآن كله تحدث عما علم، ويبعده جدًا أن مثل هؤلاء لا يحفظون القرآن، ولا ينبغي أن يثني الرجل عن حفظ القرآن مثل هذه الروايات.
س ٦٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: من الأصول التي يرجع إليها طالب العلم الشرعي أقوال الصحابة- ﵃ فهل هي حجة يعمل بها ؟
стр. 10561
فأجاب بقوله: قول الصحابي أقرب إلى الصواب من غيره بلا ريب وقوله حجة، بشرطين:
أحدهما: ألا يخالف نص كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله ﷺ ، والثاني: ألا يخالفه صحابي آخر.
فإن خالف الكتاب أو السنة فالحجة في الكتاب أو السنة، ويكون قوله من الخطأ المغفور.
وإن خالف قول صحابي آخر طلب الترجيح بينهما، فمن كان قوله أرجح فهو أحق أن يتبع، وطرق الترجيح تعرف إما من حال الصحابي، أو من قرب قوله إلى القواعد العامة في الشريعة، أو نحو ذلك.
ولكن هل هذا الحكم عام لجميع الصحابة أو خاص بالخلفاء الراشدين أو بأبي بكر وعمر- ﵄.
أما أبو بكر وعمر- ﵄ فلا ريب أن قولهما حجة بالشرطين السابقين، وقولهما أرجح من غيرهما إذا خالفهما، وقول أبي بكر أرجح من قول عمر- ﵄ وقد روى الترمذي من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اقتدوا
بالذين من بعد أبي بكر وعمر" (١) ، وفي صحيح مسلم من حديث
стр. 10562
أبي قتادة- ﵁ في قصة نومهم عن الصلاة، قال النبي ﷺ : " فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا" (١) .
وفي صحيح البخاري في باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "هما المرءان يقتدى بهما" (٢) ، يعني رسول الله ﷺ ، وأبا بكر- ﵁.
وأما بقية الخلفاء الراشدين، ففي السنن والمسند من حديث العرباض بن سارية- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" (٣) . وأولى الناس بالوصف هذا الخلفاء الأربعة- ﵃ أجمعين- فيكون قولهم حجة.
وأما بقية الصحابة، فمن كان معروفًا بالعلم وطول الصحبة فقوله حجة، ومن لم يكن كذلك فمحل نظر، وقد ذكر ابن القيم- رحمه الله تعالى- في أول كتابه (إعلام الموقعين) : أن فتاوى الإمام
стр. 10563
مبنية على خمسة أصول، منها: فتاوى الصحابة- ﵃ أجمعين- والعلماء مختلفون فيها، لكن الغالب أو اللازم أن يكون هناك دليل يرجح قوله أو يخالفه فيعمل بذلك الدليل.
س ٧٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أرجو من فضيلتكم- حفظكم الله تعالى- توضيح المنهج الصحيح في طلب العلم في مختلف العلوم الشرعية، جزاكم الله خيرًا وكفر لكم .
فأجاب بقوله: العلوم الشرعية على أصناف منها:
١- علم التفسير: فينبغي لطالب العلم أن يقرن التفسير بحفظ كتاب الله- اقتداء بالصحابة- ﵃ أجمعين- حيث لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ولأجل أن يرتبط معنى القرآن الكريم بحفظ ألفاظه فيكون الإنسان ممن تلاه حق تلاوته لاسيما إذا طبقه.
٢- علم السنة:. فيبدأ بما هو أصح، وأصح ما في السنة ما اتفق عليه البخاري ومسلم.
لكن طلب السنة ينقسم إلى قسمين:
قسم يريد الإنسان معرفة الأحكام الشرعية سواء في علم العقائد والتوحيد، أو في علم الأحكام العملية، وهذا ينبغي أن يركز على
стр. 10564
الكتب المؤلفة في هذا فيحفظها، كبلوغ المرام، وعمدة الأحكام، وكتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب كتاب التوحيد، وما أشبه ذلك وتبقى الأمهات للمراجعة والقراءة، فهناك حفظ وهناك قراءة يقرأ الأمهات ويكثر من النظر فيها؛ لأن في ذلك فائدتين:
الأولي: الرجوع إلى الأصول.
الثانية: تكرار أسماء الرجال على ذهنه، فإنه إذا تكررت أسماء الرجال لا يكاد يمر به رجل مثلاً من رجال البخاري في سند كان، إلا عرف إنه من رجال البخاري، فيستفيد هذه الفائدة الحديثية.
٣- علم العقائد: كتبه كثيرة وأرى أن قراءتها في هذا الوقت يستغرق وقتًا كثيرًا، والفائدة موجودة في الزبد التي كتبها مثل شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ والعلامة ابن القيم ﵀، وعلماء
نجد مثل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ومن بعده من العلماء.
٤- علم الفقه: ولاشك أن الإنسان ينبغي له أن يركز على مذهب معين يحفظه ويحفظ أصوله وقواعده، لكن لا يعني ذلك أن يلتزم التزامًا تامّاً بما قاله الإمام في هذا المذهب، كما يلتزم بما قاله النبي ﷺ ، لكنه يبني الفقه على هذا، ويأخذ من المذاهب الأخرى ما قام الدليل على صحته، كما هي طريقة الأئمة من أتباع المذاهب كشيخ الإسلام
стр. 10565
ابن تيمية، والنووي وغيرهما هما حتى يكون قد بنى على أصل، لأني أرى أن الذين أخذوا بالحديث دون أن يرجعوا إلى ما كتبه العلماء في الأحكام الشرعية، أرى عندهم شطحات كثيرة، وإن كانوا أقوياء في الحديث وفي فهمه لكن يكون عندهم شطحات كثيرة؛ لأنهم بعيدون عما يتكلم به الفقهاء.
فتجد عندهم من المسائل الغريبة ما تكاد تجزم بأنها مخالفة للإجماع أو يغلب على ظنك أنها مخالفة للإجماع، لهذا ينبغي للإنسان أن يربط فقهه بما كتبه الفقهاء- ﵏ ولا يعني ذلك أن يجعل إمام هذا المذهب كالرسول- ﵊ يأخذ بأقواله وأفعاله على وجه الالتزام، بل يستدل بها ويجعل هذا قاعدة، ولا حرج بل يجب إذا رأى القول الصحيح في مذهب آخر أن يرجع إليه، والغالب في مذهب الإمام أحمد ﵀ أنه لا تكاد ترى مذهبًا من المذاهب إلا وهو قول للإمام أحمد ﵀، راجع كتب الروايتين في المذهب تجد أن الإمام أحمد ﵀ لا يكاد يكون مذهب من المذاهب إلا وله قول يوافقه، وذلك لأنه- ﵀ واسع الاطلاع ورجَّاع للحق أينما كان.
فلذلك أرى أن الإنسان يركز على مذهب من المذاهب التي يختارها، وأحسن المذاهب فيما نعلم من حيث اتباع السنة مذهب
стр. 10566
الإمام أحمد- ﵀ وإن كان غيره قد يكون أقرب إلى السنة من غيره، على إنه كما أشرت قبل قليل، لا تكاد تجد مذهبًا من المذاهب إلا والإمام أحمد يوافقه- ﵀.
وأهم شيء أيضًا في منهج طالب العلم- بعد النظر والقراءة- أن يكون فقيهًا، بمعنى أنه يعرف حكم الشريعة وآثارها ومغزاها، وأن يطبق ما علمه منها تطبيقًا حقيقيًا بقدر ما يستطيع (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (١) لكن يحرص على التطبيق بقدر ما يستطيع، وأنا أكرر دائمًا هذه النقطة "التطبيق " سواء في العبادات، أو الأخلاق، أو في المعاملات، طبق حتى يعرف أنك طالب علم عامل بما علمت.
ونضرب مثلاً: إذا مر أحدكم بأخيه هل يشرع له أن يسلم عليه؟
الجواب: نعم يشرع ولكن أرى الكثير يمر بإخوانه وكأنما مر بعمود لا يسلم عليه، وهذا خطأ عظيم حيث يمكن أن ننقد العامة إذا فعلوا مثل هذا الفعل، فكيف لا ينتقد الطالب؟ وما الذي يضرك
إذا قلت السلام عليكم؟ وكم يأتيك؟ عشر حسنات تساوي الدنيا كلها عشر حسنات.
لو قيل للناس: كل من مر بأخيه وسلم عليه سيدفع له ريال، لوجدت الناس في الأسواق يدورون لكي يسلموا عليه؛ لأنه
стр. 10567
سيحصل على ريال، لكن عشر حسنات نفرط فيها. والله المستعان. وفائدة أخرى: المحبة والألفة بين الناس، فالمحبة والألفة جاءت نصوص كثيرة بثباتها وتمكينها وترسيخها، والنهي عما يضادها
والمسائل التي تضاد كثيرة، كبيع المسلم على بيع أخيه، والخطبة على خطبة المسلم، وما أشبه ذلك، كل هذا دفعًا للعداوة والبغضاء وجلبًا للألفة والمحبة، وفيها أيضا تحقيق الإيمان لقوله ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا" (١) .
ومعلوم أن كل واحد منا يحب أن يصل إلى درجة يتحقق فيها الإيمان له؛ لأن أعمالنا البدنية قليلة وضعيفة.
الصلاة يمضي أكثرها ونحن ندبر شيئًا آخر، الصيام كذلك، الصدقة الله أعلم بها، فأعمالنا وإن فعلناها فهي هزيلة نحتاج إلى تقوية الإيمان، والسلام مما يقوي الإيمان؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أوَ لَا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم- يعني حصل لكم الإيمان- "أفشوا السلام بينكم " (٢) هذه نقطة واحدة مما علمناه ولكننا أخللنا به كثيرًا لذلك أقول: أسال الله أن يعينني وإياكم على تطبيق ما علمنا، لأننا نعلم
стр. 10568
كثيرًا ولكن لا نعمل إلا قليلاً، فعليكم يا إخواني بالعلم، وعليكم بالعمل، وعليكم بالتطبيق، فالعلم حجة عليكم، والعلم إذا غذيتموه بالعمل ازداد (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (١) إذا غذيتموه بالعمل ازددتم نورًا وبرهانًا. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (٢) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)) (٣) .
والآيات في هذا المعنى كثيرة، فعليكم بالتطبيق في العبادات، وفي الأخلاق، وفي المعاملات حتى تكونوا طلاب علم حقيقة، أسال الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 10569
رسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
نرجو من فضيلتكم التكرم بإفادتنا عما إذا كان تحديد موعد منتظم أسبوعيًا لإلقاء محاضرة دينية أو حلقة علم، بدعة منهيًا عنها باعتبار طلب العلم عبادة، والرسول ﷺ لم يكن يحدد موعدًا لهذه العبادة. وتبعًا لذلك هل إذا اتفق مجموعة من الأخوة على الالتقاء في المسجد ليلة محددة كل شهر لقيام الليل، هل يكون ذلك بدعة مع إيراد الدليل على ذلك؟ وجزاكم الله خيرًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
إن تحديد يوم معين منتظم لإلقاء محاضرة أو حلقة علم ليس ببدعة منهي عنها، بل هو مباح كما يقرر يوم معين في المدارس والمعاهد لحصة الفقه أو التفسير أو نحو ذلك. ولاشك أن طلب
العلم الشرعي من العبادات لكن توقيته بيوم معين تابع لما تقتضيه المصلحة، ومن المصلحة أن يعين يوم ذلك حتى لا يضطرب الناس.
стр. 10570
وطلب العلم ليس عبادة مؤقتة بل هو بحسب ما تقتضيه المصلحة والفراغ. لكن لو خص يومًا معينًا لطلب العلم باعتبار أنه مخصوص لطلب العلم وحده فهذا هو البدعة.
وأما اتفاق مجموعة على الالتقاء في ليلة معينة لقيام الليل فهذا بدعة؛ لأن إقامة الجماعة في قيام الليل غير مشروعة إلا إذا فعلت أحيانًا وبغير قصد كما جرى للنبي ﷺ مع عبد الله بن عباس ﵄.
كتبه محمد الصالح العثيمين
في ٢٨/٥/١٤١٥ هـ.
стр. 10571
س ٧١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا أراد الإنسان حفظ القرآن فبماذا تنصحونه ؟
فأجاب بقوله: الذي ننصحه به أن يبدأ من سورة البقرة، إلا إذا كان حفظه من المفصل أسهل له فليكن من المفصل؛ لأن بعض الناس يسهل عليه الحفظ من المفصل من أجل قصر سوره وآياته،
وكونه يسمعه من الأئمة في المساجد كثيرًا، فإذا كان هذا سهل عليه فليبدأ بما هو أسهل، وننصحه أيضًا بتعاهد حفظه كما أمر بذلك النبي ﷺ ، وننصحه أيضًا أن يهتم بما كان حفظه أكثر من اهتمامه بكثرة الحفظ؟ لأن العناية بالموجود أولى من العناية بالمفقود.
س ٧٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هناك بعض طلبة العلم يبدأ طلب العلم بكتب الحديث ويعرض عن المتون الفقهية وحجتهم بأن المتون الفقهية خالية من أدلة الكتاب والسنة فهل
هذا صحيح ؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أن يبدأ الطالب قبل كل شيء بفهم القرآن الكريم؟ لأن الله تعالى قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)) (١) ولأن القرآن لا يحتاج إلى أي
стр. 10572
عناء في ثبوته؛ لأنه ثابت بالتواتر، لكن السنة فيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، وفيها الموضوع، فهي تحتاج إلى عناء، ثم هي أيضًا تحتاج إلى جمع أطرافها، فقد يبلغ الإنسان حديث عن
الرسول ﵊ يكون له مخصص لعمومه، أو مقيد لإطلاقه، أو يكون هذا الحديث منسوخا وهو لا يعلم، ولهذا نجد كثيرا ممن زعموا أنهم مستندون إلى الحديث يخطئون في فهمه، أو في طريقة الاستدلال به. ولاشك أن السنة عن النبي ﷺ أصل من الأصول، فهي كالقرآن في وجوب العمل بها إذا حصلت عن النبي ﷺ . وأما قول السائل في سؤاله: أن بعض الطلبة يعرض عن المتون الفقهية؟ لأنها خالية مما قال الله وقال رسوله ﷺ .
فنقول: نعم، أكثر المتون الفقهية ليس فيها الدليل، ولكن توجد الأدلة في شروحها، فليست خالية من الأدلة باعتبار شروحها التي تذكر الأدلة وتحلل ألفاظها وتبين معانيها.
والذي أرى أن يكون الإنسان بادئا:
أولاً: بكتاب الله- .
وثانيًا: بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ .
وثالثًا: بكتب الفقه المبنية على الكتاب والسنة.
لأن هذه تضبط تصرفه وتصحح فهمه.
стр. 10573
س ٧٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: لكن هل الأولى أن يحفظ متنا من متون الفقه أو متنَا مختصرَا من الحديث ؟
فأجاب بقوله: الأولى أن يحفظ متنًا مختصرًا من الحديث كعمدة الأحكام، وبلوغ المرام، ولكن لا يدع الاستئناس بكلام أهل العلم وأهل الفقه.
س ٧٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما هي نصيحتكم لمن ابتدأفي طلب العلم؟ باي شيء يبدأ ؟
فأجاب بقوله: عندي أن أهم شيء في طلب العلم أن يتعلم الإنسان تفسير كلام الله- ؟ لأن كلام الله هو العلم كله، قال تعالى: (وَنَزلْنَا عَلَيكَ اَلكِتَابَ تِبيانًا لِكُلِ شئ وَهُدً ى) (١) وكان
الصحابة ﵃ لا يتجاوزون عشر اَيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل جميعًا، هذا أهم شيء عندي، وعلى هذا فيبدأ الشاب ولاسيما الصغار من الشباب بحفظ القرآن، والاَن حفظ القرآن- ولله الحمد- متيسر، ففي المسجد حلقات يحفظون القرآن، وعليهم أمناء من القراء يحفظونهم القرآن، ثم إنه في هذه المناسبة أود من إخواني الأغنياء أن يولوا أهمية لهذه الحلقات
стр. 10574
بتشجيعهم ماديًا ومعنويًا، وليعلموا أنهم إذا أعانوا في تعليم القرآن فإن لهم مثل أجر المعلم، لقول النبي ﷺ : " من جهز غازيا فقد غزى" (١) . ولأن الله تعالى قال: (وَتَعَاوَنوا عَلَى اَلبر وَاَلتقوَى) (٢) ولم يأمرنا بالتعاون إلا أن لنا أجرًا، لذا أحث إخواني الأغنياء على دعم
هذه الحلقات بالمال سواء كان المال نقدًا، أو كان عقارات توقف لهذه الحلقات تنفقه بعد موته.
وأحث أيضًا القائمين على الحلقات أن يهتموا بإنشاء ما يدر على هذه الحلقات في المستقبل؛ لأن التبرع المقطوع ينتهي، لكن إذا حرصوا على أن يؤسسوا منشاَت تؤجر كان هذا حماية لهذه الحلقات
من التوقف في المستقبل.
بعد ذلك على الطالب أن يهتم بالسنة؟ لأنها هي مصدر التشريع الثاني، ولا أقول الثاني بالترتيب المعنوي، لكن بالترتيب الذكري؟
لأن ما ثبت في السنة كما ثبت في القرآن سواء بسواء؟ لأن الله تعالى يقول: (وَأنزَلَ آلله عَلَيك الكَتابَ وَاَلحكمَة) (٣) فليحفظ السنة، ومن
стр. 10575
الكتب المختصرة في السنة "عمدة الأحكام " وهي أيضًا موثوقة؛ لأن جامعها- ﵀ جمع فيها ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه ولم يشذ عن هذا القيد إلا في أحاديث يسيرة، وإذا ترقى الإنسان شيئًا ما فليحفظ " بلوغ المرام " وهو من أحسن ما ألف في الحديث؛ لأنه يذكر الحديث ويذكر مرتبته فيعطي الإنسان قوة وقدرة على معرفة مرتبة الحديث؛ لأن الحديث ليس كالقرآن، فالقرآن لا يحتاج إلى البحث في سنده، لأنه ثابت متواتر، أما السنة فلا يتم الاستدلال بها إلا بامرين:
الأول: صحة الحديث.
الثاني: دلالة الحديث على الحكم المطلوب. ولهذا إذا قال لك إنسان: هذا حرام، والدليل: قوله ﷺ كذا وكذا، فعليك أن تطالبه بصحة النقل؛ لأن هناك أحاديث ضعيفة، وأحاديث مكذوبة على الرسول ﷺ .
س٧٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أنا طالب مبتدئ ولكن يشكل عليَّ بعض الأحيان أن أقرأ حديئا صححه مثلاً بعض المتقدمين، ويضعفه المتاخرون فماذا أفعل ؟
فأجاب بقوله: إذا كان عندك قدرة لمعرفة سبب التضعيف وأنه حقيقة، فاتبع ما ترى أنه الحق سواء كان من كلام المتقدمين أو من