س ٧١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا أراد الإنسان حفظ القرآن فبماذا تنصحونه ؟
فأجاب بقوله: الذي ننصحه به أن يبدأ من سورة البقرة، إلا إذا كان حفظه من المفصل أسهل له فليكن من المفصل؛ لأن بعض الناس يسهل عليه الحفظ من المفصل من أجل قصر سوره وآياته،
وكونه يسمعه من الأئمة في المساجد كثيرًا، فإذا كان هذا سهل عليه فليبدأ بما هو أسهل، وننصحه أيضًا بتعاهد حفظه كما أمر بذلك النبي ﷺ ، وننصحه أيضًا أن يهتم بما كان حفظه أكثر من اهتمامه بكثرة الحفظ؟ لأن العناية بالموجود أولى من العناية بالمفقود.
س ٧٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هناك بعض طلبة العلم يبدأ طلب العلم بكتب الحديث ويعرض عن المتون الفقهية وحجتهم بأن المتون الفقهية خالية من أدلة الكتاب والسنة فهل
هذا صحيح ؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أن يبدأ الطالب قبل كل شيء بفهم القرآن الكريم؟ لأن الله تعالى قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)) (١) ولأن القرآن لا يحتاج إلى أي
стр. 10572
عناء في ثبوته؛ لأنه ثابت بالتواتر، لكن السنة فيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، وفيها الموضوع، فهي تحتاج إلى عناء، ثم هي أيضًا تحتاج إلى جمع أطرافها، فقد يبلغ الإنسان حديث عن
الرسول ﵊ يكون له مخصص لعمومه، أو مقيد لإطلاقه، أو يكون هذا الحديث منسوخا وهو لا يعلم، ولهذا نجد كثيرا ممن زعموا أنهم مستندون إلى الحديث يخطئون في فهمه، أو في طريقة الاستدلال به. ولاشك أن السنة عن النبي ﷺ أصل من الأصول، فهي كالقرآن في وجوب العمل بها إذا حصلت عن النبي ﷺ . وأما قول السائل في سؤاله: أن بعض الطلبة يعرض عن المتون الفقهية؟ لأنها خالية مما قال الله وقال رسوله ﷺ .
فنقول: نعم، أكثر المتون الفقهية ليس فيها الدليل، ولكن توجد الأدلة في شروحها، فليست خالية من الأدلة باعتبار شروحها التي تذكر الأدلة وتحلل ألفاظها وتبين معانيها.
والذي أرى أن يكون الإنسان بادئا:
أولاً: بكتاب الله- .
وثانيًا: بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ .
وثالثًا: بكتب الفقه المبنية على الكتاب والسنة.
لأن هذه تضبط تصرفه وتصحح فهمه.
стр. 10573
س ٧٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: لكن هل الأولى أن يحفظ متنا من متون الفقه أو متنَا مختصرَا من الحديث ؟
فأجاب بقوله: الأولى أن يحفظ متنًا مختصرًا من الحديث كعمدة الأحكام، وبلوغ المرام، ولكن لا يدع الاستئناس بكلام أهل العلم وأهل الفقه.
س ٧٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما هي نصيحتكم لمن ابتدأفي طلب العلم؟ باي شيء يبدأ ؟
فأجاب بقوله: عندي أن أهم شيء في طلب العلم أن يتعلم الإنسان تفسير كلام الله- ؟ لأن كلام الله هو العلم كله، قال تعالى: (وَنَزلْنَا عَلَيكَ اَلكِتَابَ تِبيانًا لِكُلِ شئ وَهُدً ى) (١) وكان
الصحابة ﵃ لا يتجاوزون عشر اَيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل جميعًا، هذا أهم شيء عندي، وعلى هذا فيبدأ الشاب ولاسيما الصغار من الشباب بحفظ القرآن، والاَن حفظ القرآن- ولله الحمد- متيسر، ففي المسجد حلقات يحفظون القرآن، وعليهم أمناء من القراء يحفظونهم القرآن، ثم إنه في هذه المناسبة أود من إخواني الأغنياء أن يولوا أهمية لهذه الحلقات
стр. 10574
بتشجيعهم ماديًا ومعنويًا، وليعلموا أنهم إذا أعانوا في تعليم القرآن فإن لهم مثل أجر المعلم، لقول النبي ﷺ : " من جهز غازيا فقد غزى" (١) . ولأن الله تعالى قال: (وَتَعَاوَنوا عَلَى اَلبر وَاَلتقوَى) (٢) ولم يأمرنا بالتعاون إلا أن لنا أجرًا، لذا أحث إخواني الأغنياء على دعم
هذه الحلقات بالمال سواء كان المال نقدًا، أو كان عقارات توقف لهذه الحلقات تنفقه بعد موته.
وأحث أيضًا القائمين على الحلقات أن يهتموا بإنشاء ما يدر على هذه الحلقات في المستقبل؛ لأن التبرع المقطوع ينتهي، لكن إذا حرصوا على أن يؤسسوا منشاَت تؤجر كان هذا حماية لهذه الحلقات
من التوقف في المستقبل.
بعد ذلك على الطالب أن يهتم بالسنة؟ لأنها هي مصدر التشريع الثاني، ولا أقول الثاني بالترتيب المعنوي، لكن بالترتيب الذكري؟
لأن ما ثبت في السنة كما ثبت في القرآن سواء بسواء؟ لأن الله تعالى يقول: (وَأنزَلَ آلله عَلَيك الكَتابَ وَاَلحكمَة) (٣) فليحفظ السنة، ومن
стр. 10575
الكتب المختصرة في السنة "عمدة الأحكام " وهي أيضًا موثوقة؛ لأن جامعها- ﵀ جمع فيها ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه ولم يشذ عن هذا القيد إلا في أحاديث يسيرة، وإذا ترقى الإنسان شيئًا ما فليحفظ " بلوغ المرام " وهو من أحسن ما ألف في الحديث؛ لأنه يذكر الحديث ويذكر مرتبته فيعطي الإنسان قوة وقدرة على معرفة مرتبة الحديث؛ لأن الحديث ليس كالقرآن، فالقرآن لا يحتاج إلى البحث في سنده، لأنه ثابت متواتر، أما السنة فلا يتم الاستدلال بها إلا بامرين:
الأول: صحة الحديث.
الثاني: دلالة الحديث على الحكم المطلوب. ولهذا إذا قال لك إنسان: هذا حرام، والدليل: قوله ﷺ كذا وكذا، فعليك أن تطالبه بصحة النقل؛ لأن هناك أحاديث ضعيفة، وأحاديث مكذوبة على الرسول ﷺ .
س٧٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أنا طالب مبتدئ ولكن يشكل عليَّ بعض الأحيان أن أقرأ حديئا صححه مثلاً بعض المتقدمين، ويضعفه المتاخرون فماذا أفعل ؟
فأجاب بقوله: إذا كان عندك قدرة لمعرفة سبب التضعيف وأنه حقيقة، فاتبع ما ترى أنه الحق سواء كان من كلام المتقدمين أو من
стр. 10576
كلام المتأخرين. أما إذا لم يكن عندك قدرة، وأنت تقول إنك طالب مبتدئ فاتبع ما يقوله الأقدمون، لأنهم أقرب إلى الصواب من المتأخرين.
س ٧٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: متى يكون طالب العلم متبعًا لمذهب الإمام أحمد ﵀ ؟
فأجاب بقوله: مذهب الإمام أحمد وغيره من الأئمة ﵏ قسمان:
مذهب شخصى.
ومذهب اصطلاحي.
فأنت تكون متبعًا له شخصيًا إذا أخذت برواية من الروايات عنه، ولكنك لست آخذَا بالمذهب المصطلح عليه إذا كان يخالف المصطلح عليه، والمذهب المصطلح عليه، أحيانَا ينص الإمام أحمد
﵀ على أنه رجع عنه وعلى أنه لا يقول به، لكن لكل أناس من أصحاب المذاهب طريقة يمشون عليها.
س ٧٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما توجيه فضيلتكم- حفظكم الله تعالى- لطالب العلم المبتدئ هل يقلد إمامَا من أئمة
стр. 10577
المذاهب أم يخرج عنه؟
فأجاب بقوله: قال الله- : (فسئَلُوأ أهلَ اَلذِكرِ إن كُنتُم لَا تَعلَمُون) (١) فإذا كان هذا طالبًا ناشئًا لا يعرف كيف يخرج الأدلة فليس له إلا التقليد سواء قلد إمامًا سابقًا ميتًا، أو قلد إمامًا
حاضرًا- عالم من العلماء- وسأنه، هذا هو الأحسن، لكن إذا تبين له أن هذا القول مخالف للحديث الصحيح وجب عليه أن ياخذ بالحديث الصحيح.
س ٧٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما طريقة طلب العلم باختصار؟ جزاكم الله خيرًا .
فأجاب بقوله: طريقة طلب العلم باختصار في نقاط:
١- احرص على حفظ كتاب الله تعالى، واجعل لك كل يوم شيئًا معينًا تحافظ على قراءته، ولتكن قراءتك بتدبر وتفهم، وإذا ظهرت لك فائدة أثناء القرأءة فقيدها.
٢- احرص على حفظ ما تيسر من صحيح سنة الرسول ﷺ ومن ذلك حفظ عمدة الأحكام.
٣- احرص على التركيز والثبات بحيث لا تأخذ العلم نتفًا من
стр. 10578
هذا شيئًا ومن هذا شيئًا؛ لأن هذا يضيع وقتك ويشتت ذهنك.
٤- ابدأ بصغار الكتب وتأملها جيدًا ثم انتقل إلى ما فوقها، حتى تحصل على العلم شيئًا فشيئًا على وجه يرسخ في قلبك وتطمئن إليه نفسك.
٥- احرص على معرفة أصول المسائل وقواعدها وقيد كل شيء يمر بك من هذا القبيل فقد قيل: من حرم الأصول حرم الوصول.
٦- ناقش المسائل مع شيخك، أو مع من تثق به علمًا ودينًا من أقرانك، ولو بأن تقدر في ذهنك أن أحدًا يناقشك فيها إذا لم تمكن المناقشة مع من سمينا.
س ٧٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كثيرة الأسئلة عن كيفية الطلب، وباي شيء يبدأ من أراد أن يطلب العلم، وبأي المتون يبدأ حفظًا، فما توجيهكم لهؤلاء الطلبة وجزاكم الله خيرًا ؟
فأجاب بقوله: أولاً وقبل أن أذكر التوجيه لهؤلاء الطلبة أوجه الطلبة أن يتلقوا العلم عن عالم؟ لأن تلقي العلم عن العالم فيه فائدتان عظيمتان:
الأولى: أنه أقرب تناولاً؟ لأن العالم عنده اطلاع وعنده معرفة ويعطيك العلم ناضجًا سهلاً.
стр. 10579
الثانية: أن الطلب على عالم يكون أقرب إلى الصواب، بمعنى أن الذي يطلب العلم على غير عالم يكون له شطحات وآراء شاذة بعيدة عن الصواب، وذلك لأنه لم يقرأ على عالم راسخ في علمه حتى يربيه على طريقته التي يختارها.
فالذي أرى أن يحرص الإنسان على أن يكون له شيخ يلازمه لطلب العلم، لأنه إذا كان له شيخ فإنه سوف يوجهه التوجيه الذي يرى أنه مناسب له.
أما بالنسبة للجواب على سبيل العموم فإننا نقول:
أولاً: الأولى أن يحفظ الإنسان كتاب الله تعالى قبل كل شيء؛ لأن هذا هو دأب الصحابة- ﵁ كانوا لا يتجاوزون عشر اَيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، وكلام الله أشرف الكلام على الإطلاق.
ثانيًا: يأخذ من متون الأحاديث المختصرة ما يكون ذخرًا له في الاستد لال بالسنة مثل: عمدة الأحكام، وبلوغ المرام، والأربعين النووية وما أشبه ذلك.
ثالثًا: يحفظ من متون الفقه ما يناسبه ومن أحسن المتون التي نعلمها "زاد المستقنع في اختصار المقنع " لأن هذا الكتاب قد خدم من قبل شارحه منصور بن يونس البهوتي ﵀ ومن قبلِ من بعده
стр. 10580
ممن خدموا هذا الشرح والمتن بالحواشي الكثيرة.
رابعًا: النحو وما أدراك ما النحو الذي لا يعرفه من الطلبة إلا القليل حتى إنك لترى الرجل قد تخرج من الكلية وهو لا يعرف عن النحو شيئًا يتمثل بقول الشاعر:
لا بارك الله في النحو ولا أهله إذاكان منسوبًا إلى نفطويه أحرقه الله بنصف اسمه وجعل الباقي صراخًا عليه ولماذا قال الشاعر هذا الكلام؟
الجواب: لأنه عجز عن النحو، ولكن أقول: إن النحو بابه من حديد، ودهاليزه قصب، يعني: أنه شديد وصعب عند أول الدخول فيه، ولكنه إذا انفتح الباب لطالبه سهل عليه الباقي بكل يسر وصار سهلاً عليه، حتى إن بعض طلبة العلم الذين بدؤوا في النحو صاروا يعشقونه فإذا خاطبتهم بخطاب عادي جعل يعربه ليتمرن على الإعراب، ومن أحسن متون النحو الأجرومية، كتاب مختصر مركز غاية التركيز، ولهذا أنصح من يبدأ أن يبدأ به فهذه الأصول التي ينبغي أن يبني عليها طالب العلم.
خامسًا: أما ما يتعلق بعلم التوحيد فالكتب في هذا كثيرة منها: "كتاب التوحيد" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومنها: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهي
стр. 10581
كثيرة معروفة ولله الحمد.
والنصيحة العامة لطالب العلم أن يكون عليه أثار علمه من تقوى الله- والقيام بطاعته، وحسن الخلق، والاحسان إلى الخلق بالتعليم والتوجيه، والحرص على نشر العلم بجميع
الوسائل سواء كان ذلك عن طريق الصحف، أو المجلات، أو الكتب أو الوسائل أو النشرات وغير ذلك من الوسائل.
وأنصح طالب العلم أيضًا ألا يتسرع في الحكم على الشيء؛ لأن بعض طلبة العلم المبتدئين تجده يتسرع في الإفتاء، وفي الأحكام وربما يخطئ العلماء الكبار وهو دونهم بكثير، حتى إن بعض الناس يقول: ناظرت شخصًا من طلبة العلم المبتدئين فقلت له: إن هذا قول الإمام أحمد بن حنبل. فقال: (وما الإمام أحمد بن حنبل، الإمام أحمد بن حنبل رجل ونحن رجال) سبحان الله!! صحيح أن الإمام أحمد ﵀ رجل وأنت رجل، فأنتما مستويان في الذكورة، أما في العلم فبينكما فرق عظيم، وليس كل رجل رجلاً بالنسبة للعلم.
وأقول: إن على طالب العلم أن يكون متأدبًا بالتواضع وعدم الإعجاب بالنفس وأن يعرف قدر نفسه.
ومن المهم لطالب العلم المبتدئ: ألا يكون كثير المراجعة لأقوال العلماء، لأنك إذا أكثرت مراجعتك لأقوال العلماء وجعلت تطالع
стр. 10582
المغني في الفقه لابن قدامة، والمجموع للنووي والكتب الكبيرة التي تذكر الخلاف وتناقشه فإنك تضيع.
ابدأ أولاً كما قلنا بالمتون المختصرة شيئَا فشيئَا حتى تصل إلى الغاية، وأما أن تريد أن تصعد الشجرة من فروعها فهذا خطأ.
س٨٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كثُرَ عند بعض الشباب الصالح القول بعدم التقليد مستندين إلى بعض أقوال ابن القيم عليه رحمة الله، فما قولكم ؟
فأجاب بقوله: الحقيقة إنني أؤيد هذا، أن الإنسان لا يركن إلى التقليد؟ لأن المقلد قد يخطئئ ولكني مع ذلك لا أرى أن نبتعد عن أقوال أهل العلم السابقين حتى لا نتشتت وناخذ من كل مذهب،
لأننا وجدنا أن الإخوة الذين ينكرون التقليد وجدناهم أحيانَا يضيعون حتى يقولوا بما لم يسبقهم إليه أحد.
ولكن إذا دعت الضرورة إلى التقليد فإنه لابد منه لقول الله تعالى: (فَسئلُوا أهلَ اَلذِكرِ إن كُنتُم لَا تَعلَمُون) (١) فأوجب سبحانه سؤال أهل الذكر إذا كنا لا نعلم، وسؤالهم يتضمن اعتماد
قولهم وإلا لم يكن لسؤالهم فائدة.
стр. 10583
فالتقليد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - بمزلة الميتة إن اضطررت إليها فكلها، وإن اسغنيت عنها فهى حرام عليك فمتى نزل بالإنسان ةنازلة ولا يتمكن من مطالعتها فى الكتب
التى تسوق الأدلة فلا حرج عليه حينئذ أن يقلد، ولكنه يقلد منت يراه أقرب إلى الحق فى علمه وأمانته، وأما من عنده قدره على استنباط الاحكام من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فإنه لايقلد.
س٨١: سئل فضيلة الشيخ ﵀: ما فائدة تعلم طلاب العلم فرق المعتزلة والجهمية والخوارج مع عدم وجودها فى هذا العصر ؟
فأجاب بقوله: تعلم فرق المبتدعة فى هذا الزمان فيه فائدة وهى: أن نعرف مآخذ هذه الفرق لنرد عليهم إذا وجدوا، وهم موجودون فعلا وقول السائل: (إنه لا يوجد لهم الآن) مبنى على علمه هو، ولكن المعلوم عندنا وعند غيرنا ممن يطلعون على أحوال الناس أن هذه الفرق موجودة وأن لها نشاطا أيضا فى نشر بدعهم، ولذلك لابد من أن نتعلم هذه الأراء حتى نعرف زيفها ونعرف الحق ونرد على من يجادلون فيها
стр. 10584
س ٨٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بماذا تنصح من يريد طلب العلم الشرعي ولكنه بعيد عن العلماء مع العلم بأن لديه مجموعة كتب منها الأصول والمختصرات ؟
فأجاب بقوله: أنصحه بأن يثابر على طلب العلم ويستعين بالله- ثم بأهل العلم؛ لأن تلقي الإنسان العلم على يدي العالم يختصر له الزمن بدلاً من أن يذهب ليراجع عدة كتب وتختلف عليه الآراء، ولست أقول كمن يقول إنه لا يمكن إدراك العلم إلا على عالم أو على شيخ فهذا ليس بصحيح؟ لأن الواقع يكذبه، لكن دراستك على الشيخ تنور لك الطريق وتختصره.
س ٨٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: من الملاحظ انصراف كثير من طلاب العلم عن إتقان قواعد اللغة العربية مع أهميتها، فماتعليقكم ؟
فأجاب بقوله: فهم اللغة العربية مهم سواء في قواعد الإعراب، أو قواعد البلاغة، كلها مهمة، ولكن بناء على أننا والحمد لله عرب فإنه يمكننا أن نتعلم دون أن نعرف قواعد اللغة العربية، لكن من الكمال أن يتعلم الإنسان قواعد اللغة العربية، فأنا أحث على تعلم اللغة العربية في جميع قواعدها. "
стр. 10585
س ٨٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوزتعلم العلم من الكتب فقط دون العلماء وخاصة إذا كان يصعب تعلم العلم من العلماء لندرتهم؟ وما رأيكم في القول القائل: من كان شيخه
كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه ؟
فأجاب بقوله: لا شك أن العلم يحصل بطلبه عند العلماء وبطلبه في الكتب، لأن كتاب العالم هو العالم نفسه، فهو يحدثك من خلال كتابه، فإذا تعذر الطلب على أهل العلم، فإنه يطلب العلم من
الكتب، ولكن تحصيل العلم عن طريق العلماء أقرب من تحصيله عن طريق الكتب؟ لأن الذي يحصله عن طريق الكتب يتعمب أكثر ويحتاج إلى جهد كبير جدَا، ومع ذلك فإنه قد تخفى عليه بعض الأمور كما في القواعد الشرعية التي قعدها أهل العلم والضوابط، فلابد أن يكون له مرجع من أهل العلم بقدر الإمكان.
وأما قوله: " من كان دليله كتابه فخطؤه أكثر من صوابه "، فهذا ليس صحيحًا على إطلاقه ولا فاسدَا على إطلاقه، أما الإنسان الذي ياخذ العلم من أي كتاب يراه فلاشك أنه يخطئ كثيرَا، وأما الذيْ يعتمد في تعلمه على كتب رجال معروفين بالثقة والأمانة والعلم فإن هذا لا يكثر خطؤه بل قد يكون مصيبَا في أكثر ما يقول.
стр. 10586
س٨٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ذكرتم- جزاكم الله خيرًا- أن الاعتماد على أقوال الرجال خطأ يضر طالب العلم، فهل يفهم من هذا عدم التمذهب أو الرجوع إلى مذهب معين فيما
يشكل من أحكام ؟
فأجاب بقوله: التمذهب بمذهب معين إذا كان المقصود منه أن الإنسان يلتزم بهذا المذهب معرضَا عما سواه سواء كان الصواب في مذهبه، أو مذهب غيره فهذا لا يجوز ولا أقول به.
أما إذا كان الإنسان يريد أن ينتسب إلى مذهب معين لينتفع بما فيه من القواعد والضوابط ولكنه يرد ذلك إلى الكتاب والسنة، وإذا تبين له الرجحان في مذهب آخر ذهب إليه فهذا لا بأس به، والعلماء المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره هم من هذا النوع هم محققون لهم مذهب معين ولكنهم لا يخالفون الدليل إذا تبين لهم.
س ٨٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أمامي مجال لدخول كلية علمية، فهل أدخلها لنفع المسلمين أم أسلك المجال في كلية الشريعة؟ أفيدوني جز اكم الله خيرًا .
فأجاب بقوله: الذي أرى أن أفضل الكليات في الجامعات هي الكليات الدينية، وأما المواد الأخرى فربما يقوم بها رجل آخر، لاسيما
стр. 10587
من كانت له رغبة في دراسة العلوم الدينية، وما دام عندك رغبة في دخول كلية الشريعة فإن ذلك أفضل.
س ٨٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل هناك دعاء لحفظ القرآن؟ وما طريقة حفظه ؟
فأجاب بقوله: لا أعرف في ذلك دعاء يحفظ به القرآن إلا حديثَا (١) ، روي أن النبي علمه علي بن أبي طالب- ﵁، وفي صحته نظر، قال عنه ابن كثير- رحمه الله تعالى-: إنه من
البين غرابته بل نكارته.
وقال السيد محمد رشيد رضا- في التعليق عليه-: بل أسلوبه أسلوب الموضوعات لا أسلوب أفصح البشر محمد ﷺ وعلي- ﵁ ولا أسلوب عصرهما.
وقال الذهبي: هذا الحديث منكر شاذ.
ولكن الطريق إلى حفظه هو أن يواظب الإنسالن على حفظه، وللناس في حفظه طريقان:
أحدهما: أن يحفظه آية آية، أو آيتين آيتين، أو ثلاثَا ثلاثَا حسب طول الآيات وقصرها.
стр. 10588
الثاني: أن يحفظة صفحة صفحة.
والناس يختلفون منهم من يفضل أن يحفظه صفحة يرددها حتى يحفظها، ومنهم من يفضل أن يحفظ الآية ثم يرددها حتى يحفظها، ثم يحفظ اَية أخرى كذلك وهكذا حتى يتم.
ثم إنه أيضًا ينبغي سواء حفظ بالطريقة الأولى أو الثانية ألا يتجاوز شيئًا حتى يكون قد أتقنه لئلا يبني على غير أساس، وينبغي أن يستعيد ما حفظه كل يوم خصوصًا في الصباح، فإذا عرف أنه قد
أجاد ما حفظه أخذ درسًا جديدًا.
س ٨٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أريد أن أتعلم العلم الشرعى وأبدأ في التعلم ولا أعرف كيف أبدأ، فبماذا تنصحوني في ذلك ؟
فأجاب بقوله: خير منهج لطالب العلم أن يبدأ الطالب بفهم كلام الله- من كتب التفسير الموثوق بها: كتفسير ابن كثير، والبغوي، ثم بفهم ما صح عن النبي من السنة من الكتب
الحديثة الموثوقة: كبلوغ المرام، والمنتقى، وأصول كتبِ الحديث الملتزمة بالصحيح: كصحيحي البخاري ومسلم رحمهما الله، ثم بكتب العقيدة السليمة مثل: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية
стр. 10589
رحمه الله، وكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، ثم بكتب الفقه المختصرة ليتفقه بها على المذهب الذي يراه أقرب إلى الكتاب والسنة، وحين يترقى في العلم يقرأ الكتب المطولة ليزداد بها علمًا.
س ٨٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: طالب العلم المبتدئ هل يبدأ في طلب العلم بالبحث عن الأدلة أم يقلد في ذلك أئمة أحد المذاهب؟ ما توجيه سماحتكم- حفظكم الله تعالى -؟
فأجاب بقوله: الطالب المبتدئ في العلم يجب عليه البحث عن الدليل بقدر إمكانه؟ لأن المطلوب الوصول إلى الدليل، ولأجل أن يحصل له التمرن على طلب الأدلة وكيفية الاستدلال فيكون سائرًا
إلى الله على بصيرة وبرهان، ولا يجوز له التقليد إلا لضرورة كما لو بحث فلم يستطع الوصول إلى نتيجة، أو حدثت له حادثة تتطلب الفورية فلم يتمكن من معرفة الحكم بالدليل قبل فوات الحاجة إليها فله حينئذٍ أن يقلد بنية أنه متى تبين له الدليل رجع إليه، وإذا اختلف عليه المفتون، فقيل يخير، وقيل ياخذ بالأيسر لأنه الموافق لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر) (١) وقيل: يأخذ بالأشد لأنه أحوط وغيره
стр. 10590
مشتبه، وقد قال النبي ﷺ : "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " (١) . والأرجح أن ياخذ بما يغلب على ظنه أنه أقرب إلى الصواب لكون قائله أعلم وأورع، والله أعلم.
س٩٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يقع بعض طلبة العلم المبتدئين في الكليات الشرعية في حيرة هل يكتفون بطلب العلم في الكليات أم يجمعون مع ذلك طلب العلم في المساجد فما
نصيحة فضيلتكم ؟
فأجاب بقوله: العلم لا يقتصر طلبه في الحضور إلى الكليات ودراسة موادها، بل إن من أبرك العلم تحصيلاً وتأثيراً في النفس وفي العمل والمنهج هو ما يحصل في المساجد.
فما أبرك علم المساجد! لأن المساجد فيها خير وبركة.
ولذلك أنا أقول لكم عن نفسي: إن العلم الحقيقي الذي أدركته هو العلم الذي قرأته على المشايخ، وإن كنت استفدت من الجامعة في فنون أخرى، لكن العلم الراسخ المبارك هو ما يدركه الإنسان عند المشايخ، حتى إن مظهر الطالب عند المشايخ غير مظهر الطالب
стр. 10591
الذي يقتصر على دروس الجامعة غالباً، وإن كان يوجد من هؤلاء وهؤلاء ما يختلف عن القاعدة العامة.
لذلك أنا أحث الطلاب على ألا يقتصروا على مواد الجامعة إذا كان لديهم وقت وقدرة، أما إذا كان لا يمكن الجمع؛ لكثرة الدروس في الجامعة ولكون الإنسان يجب أن ترسخ علوم الجامعة في ذهنه؛ فإنه يحرص على علوم الجامعة، ولا سيما في أول الدراسة؛ لأن بعض الطلاب تجده يهمل في أول العام فإذا جاء آخر العام اجتهد اجتهاداً بالغاً، والعلم الذي يحصل على هذا الوجه يذهب وينتهي بمجرد انتهاء الاختبارات.
س ٩١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بماذا تنصح من بدأ في طلب العلم على كبر سنه؟ وإن لم يتيسر له شيخ يأخذ منه ويلازمه فهل ينفعه طلب العلم بلا شيخ؟
فأجاب بقوله: نسأل الله تعالى أن يعين من أكرمه الله بالاتجاه إلى طلب العلم، ولكن العلم في ذاته صعب يحتاج إلى جهد كبير، لأننا نعلم أنه كلما تقدمت السن من الإنسان زاد حجمه وقل فهمه، فهذا الرجل الذي بدأ الآن في طلب العلم ينبغي له أن يختار عالمًا يثق بعلمه ليطلب العلم عليه؛ لأن طلب العلم عن طريق المشائخ أوفر
стр. 10592
وأقرب وأيسر، فهو أوفر؛ لأن الشيخ عبارة عن موسوعة علمية، لاسيما الذي عنده علم نافع في النحو والتفسير والحديث والفقه وغيره.
فبدلاً من أن يحتاج إلى قراءة عشرين كتابًا يتيسر تحصيله من الشيخ، وهو لذلك يكون أقصر زمنًا، وهو أقرب للسلامة كذلك، لأنه ربما يعتمد على كتاب ويكون نهج مؤلفه مخالفًا لنهج السلف
سواء في الاستدلال أو في الأحكام.
فننصح هذا الرجل الذي يريد طلب العلم على الكبر أن يلزم شيخًا موثوقًا، ويأخذ منه؛ لأن ذلك أوفر له، ولا ييأس، ولا يقول بلغت من الكبر عتيًا، لأنه بذلك يحرم نفسه من العلم.
وقد ذكر أن بعض أهل العلم دخل المسجد يومًا بعد صلاة الظهر فجلس، فقال له أحد الناس: قم فصل ركعتين، فقام فصلى ركعتين، وذات يوم دخل المسجد بعد صلاة العصر فكبر ليصلي ركعتين فقال له الرجل: لا تصل فهذا وقت نهي، فقال: لابد أن أطلب العلم، وبدأ في طلب العلم حتى صار إمامًا، فكان هذا الجهل سببًا لعلمه، وإذا علم الله منك حسن النية منَّ عليك بالتوفيق فقد تجمع الشيء الكثير.
стр. 10593
س ٩٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما هي الطريقة الصحيحة في طلب العلم؟ هل يكون بحفظ المتون في علوم الشريعة أم فهمها؟ نرجو التوضيح حفظكم الله تعالى .
فأجاب بقوله: على طالب العلم أن يبدأ شيئًا فشيئًا، فعليك أن تبدأ في الأصول والقواعد والضوابط وما أشبه ذلك من المختصرات مع المتون؛ لأن المختصرات سلم إلى المطولات، لكن لابد من معرفة
الأصول والقواعد ومن لم يعرف الأصول حرم الوصول. وكثير من طلبة العلم تجده يحفظ مسائل كثيرة لكن ليس عنده أصل لو تأتيه مسألة واحدة شاذة عما كان يحفظه ما استطاع أن يعرف لها حلاً، لكن إذا عرف الضوابط والأصول استطاع أن يحكم على كل مسألة جزئية من مسائله، ولهذا فأنا أحث إخواني على معرفة الأصول والضوابط والقواعد لما فيها من الفائدة العظيمة وهذا شيء جربناه وشاهدناه مع غيرنا على أن الأصول هي المهم، ومنها حفظ المختصرات، وقد أراد بعض الناس أن يمكروا بنا فقالوا لنا: (إن الحفظ لا فائدة فيه، وإن المعنى هو الأصل) ، ولكن الحمد لله أنه أنقذنا من هذه الفكرة وحفظنا ما شاء الله أن نحفظ من متون النحو وأصول الفقه والتوحيد.
وعلى هذا فلا يستهان بالحفظ، فالحفظ هو الأصل، ولعل أحدًا منكم الآن يذكر عبارات قرأها من قبل مدة طويلة، فالحفظ مهم
стр. 10594
لطالب العلم حتى وإن كان فيه صعوبة، ونسأل الله أن نكون ممن اهتدوا بطريقة سلفنا الصالح وأن يجعلنا من الهداة المهتدين، إنه جواد كريم.
س ٩٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأي فضيلتكم في تعلم التجويد والالتزام به ؟
وهل صحيح ما يذكر عن فضيلتكم- حفظكم الله تعالى- من الوقوف بالتاء في نحو (الصلاة، الزكاة) ؟
فأجاب بقوله: لا أرى وجوب الالتزام بأحكام التجويد التي فصلت بكتب التجويد، وإنما أرى أنها من باب تحسين القراءة، وباب التحسين غير باب الإلزام، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس
ابن مالك- ﵄ أنه سئل كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كانت مدًا، ثم قرأ "بسم الله الرحمن الرحيم " يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم (١) .
والمد هنا طبيعي لا يحتاج إلى تعمده، والنص عليه هنا يدل على أنه فوق الطبيعي.
ولو قيل بأن العلم بأحكام التجويد المفصلة في كتب التجويد
стр. 10595
واجب للزم تأثيم أكثر المسلمين اليوم، ولقلنا لمن أراد التحدث باللغة الفصحى: طبق أحكام التجويد في نطقك بالحديث وكتب أهل العلم وتعليمك ومواعظك.
وليعلم أن القول بالوجوب يحتاج إلى دليل تبرأ به الذمة أمام الله في إلزام عباده بما لا دليل على إلزامهم به من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ أو إجماع المسلمين، وقد ذكرنا شيخنا عبد الرحمن بن سعدي- ﵀ في جواب له أن التجويد حسب
القواعد المفصلة في كتب التجويد غير واجب.
وقد اطلعت على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ حول حكم التجويد قال فيه ص ٥٠ مجلد ١٦ من مجموع ابن قاسم ﵀ للفتاوى: "ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها، وإمالتها، والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك، فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من
كلامه، وكذلك شغل النطق بـ (أأنذرتهم) وضم الميم من (عليهم) ووصلها بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت) .
وأما ما سمعتم من أني أقف بالتاء في نحو "الصلاة، والزكاة" فغير صحيح بل أقف في هذا وأمثاله على الهاء.
стр. 10596
فوائد متنوعة في طريقة طلب العلم
الفائدة الأولى: لابد لطالب العلم من مراعاة عدة أمور عند طلبه لأي علم من العلوم:
أولاً: حفظ متن مختصر فيه.
فإذا كنت تطلب النحو:
فإن كنت مبتدئًا فلا أرى أحسن من متن الأجرومية، لأنه واضح وجامع وحاصر وفيه بركة، ثم متن ألفية ابن مالك، لأنها خلاصة علم النحو كما قال هو نفسه:
أحصى من الكفاية الخلاصة كما أقتضى غنى بلا خصاصة
وأما في الفقه:
فمتن زاد المستقنع، لأنه كتاب مخدوم بالشروح والحواشي والتدريس، وإن كان بعض المتون الأخرى أحسن منه من وجه، لكن هو أحسن من حيث كثرة المسائل الموجودة فيه، ومن حيث إنه مخدوم.
وأما في الحديث:
فمتن عمدة الأحكام، وإن ترقيت فبلوغ المرام، وإن كنت تقول هذا أو هذا، فبلوغ المرام أحسن، لأنه كثر جمعًا للأحاديث، ولأن الحافظ ابن حجر- ﵀ بيّن درجة الحديث.
стр. 10597
وأما في التوحيد:
فمن أحسن ما قرأنا متن كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب ﵀.
وأما في توحيد الأسماء والصفات:
فمن أحسن ما قرأت العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فهو كتاب جامع مبارك مفيد، وهلم جرا، خذ من كل فن تطلبه متنًا مختصرًا فيه واحفظه.
ثانيًا: ضبطه وشرحه على شيخ متقن وتحقيق ألفاظه وما كان زائدًا أو ناقصًا.
ثالثًا: عدم الاشتغال بالمطولات، وهذه الفقرة مهمة لطالب العلم، فلابد لطالب العلم أن يتقن المختصرات أولاً حتى ترسخ العلوم في ذهنه ثم يفيض إلى المطولات، لكن بعض الطلبة قد يغرب
فيطالع المطولات، ثم إذا جلس مجلسًا قال: قال صاح المغني، قال صاحب المجموع، قال صاحب الإنصاف، قال صاحب الحاوي، ليظهر أنه واسع الاطلاع، وهذا خطأ نحن نقول: ابدأ بالمختصرات
حتى ترسخ العلوم في ذهنك، ثم إذا من الله عليك، فاشتغل بالمطولات، وقياس ذلك بالأمر المحسوس أن ينزل من لم يتعلم السباحة إلى بحر عميق فإنه لا يستطيع أن يتخلص فضلاً عن أن يتقن.
стр. 10598
رابعًا: لا تنتقل من مختصر إلى أخر بلا موجب فهذا من باب الضجر، وهذه آفة عظيمة تقطع على الطالب طلبه وتضيّعُ عليه أوقاته، فإذا كان كل يوم له كتاب يقرأ فيه، فهذا خطأ في منهج طالب
العلم، فإذا قررت كتابًا في كتب العلم فاستمر فيه، ولا تقول أقرأ كتابًا أو فصلاً من هذا الكتاب ثم أنتقل للآخر، فإن هذا مضيعة للوقت.
خامسًا: اقتناص الفوائد والضوابط العلمية: فهناك فوائد لا تكاد تطرأ على الذهن، أو يندر ذكرها والتعرض لها، أو تكون مستجدة تحتاج إلى بيان الحكم فيها، فهذه اقتنصها، وقيدها بالكتابة، ولا تقل هذه معلومة عندي، ولا حاجة أن أقيدها، لأنها سرعان ما تنسى، وكم من فائدة تمر بالإنسان فيقول هذه سهلة ما تحتاج إلى قيد، ثم بعد فترة وجيزة يتذكرها ولا يجدها.
لذلك احرص على اقتناص الفوائد التي يندر وقوعها أو يتجدد وقوعها، ومن أحسن ما ألف في هذا الموضوع كتاب العلامة ابن القيم- ﵀ "بدائع الفوائد" فقد جمع فيه من بدائع العلوم، ما
لا تكاد تجده في كتاب آخر، فهو جامع في كل فن، كلما طرأ على باله مسألة أو سمع فائدة قيدها، ولهذا تجد فيه من علم العقائد، والفقه، والحديث، والتفسير، والنحو، والبلاغة وغيرها.
стр. 10599
وأيضًا احرص على الاهتمام بالضوابط.
ومن الضوابط: ما يذكره العلماء تعليلاً للأحكام، فإن كل التعليلات للأحكام الفقهية تعتبر ضوابط؛ لأنها تبنى عليها الأحكام، فهذه احتفظ بها، وسمعت أن بعض الإخوان يتتبع هذه
الضوابط في الروض المربع ويحررها، وقلت من الأحسن أن يقوم بهذا طائفة، تتبع الروض المربع من أوله إلى آخره كلما ذكر علة تقيد؛ لأن كل علة يبنى عليها مسائل كثيرة، إذ أن العلم له ضابط، فكل ضابط يدخل تحته جزئيات كثيرة.
فمثلاً إذا شك في طهارة ماء أو بنجاسته فنه يبني على اليقين، فهذه العلة تعتبر حكما وتعتبر ضابطًا.
أيضًا يعلل بأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا شك في نجاسة طاهر فهو طاهر، أو في طهارة نجس فهو نجس؛ لأن الأصل بقاء ماكان على ماكان.
فإذا حرص طالب العلم ودوّن كل ما مر عليه من هذه التعليلات وحررها وضبطها ثم حاول في المستقبل أن يبني عليها مسائل جزئية لكان في هذا فائدة كبيرة له ولغيره.
سادسًا: جمع النفس للطلب: فلا يشتتها يمينًا ويسارًا، اجمع النفس على الطلب ما دمت مقتنعًا بان هذا منهجك وسبيلك، وأيضًا
стр. 10600
اجمع نفسك على الترقي فيه لا تبقى ساكنًا. فكر فيما وصل إليه علمك من المسائل والدلائل حتى تترقى شيئًا فشيئًا، واستعن بمن تثق به من زملائك وإخوانك فيما إذا احتاجت المسألة إلى استعانة،
ولا تستح أن تقول يا فلان ساعدني على تحقيق هذه المسألة بمراجعة الكتب، الحياء لا ينال العلم به أحد، فلا ينال العلم مستحي ولا مستكبر.
الفائدة الثانية في طريقة طلب العلم:
مما ينبغي لطالب العلم مراعاته تلقي العلم عن الأشياخ، لأنه يستفيد بذلك فوائد عدة:
١- اختصار الطريق، فبدلاً من أن يذهب يقلب في بطون الكتب وينظر ما هو القول الراجح وما سبب رجحانه، وما هو القول الضعيف وما سبب ضعفه، بدلاً من ذلك كله، يمد إليه المعلم ذلك
بطريق سهل ويعرض له خلاف أهل العلم في المسائل على قولين أو ثلاثة مع بيان الراجح، والدليل كذا، وهذا لاشك أنه نافع لطالب العلم.
٢- السرعة في الإدراك، فطالب العلم إذا كان يقرأ على عالم فإنه يدرك بسرعة أكثر مما لو ذهب يقرأ في الكتب، لأنه إذا قرأ في الكتب تمر عليه العبارات المشكلة والغامضة فيحتاج إلى التدبير وتكرار
стр. 10601
العبارات مما يأخذ منه الوقت والجهد، وربما فهمها على وجه خطأ وعمل بها.
٣- الربط بين طلاب العلم والعلماء الربانيين، لذلك القراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه.
الفائدة الثالثة في طريقة طلب العلم:
إذا دعت الحاجة للسؤال فليحسن طالب العلم السؤال، أما إذا لم تدع الحاجة فلا يسأل، لأنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل إلا إذا احتاج هو أو ظن أن غيره يحتاج إلى السؤال، فقد يكون مثلاً في درس، وهو فاهم الدرس ولكن فيه مسائل صعبة تحتاج إلى بيانها لبقية الطلبة، فيسأل من أجل حاجة غيره، والسائل لحاجة غيره كالمعلم؛ لأن النبي ﷺ لما جاءه جبريل ﵇ وسأله عن الإيمان، والإحسان، والإسلام، والساعة وأشراطها، قال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " (١) ، فإذا كان الباعث على السؤال حاجة السائل فسؤاله وجيه، أو حاجة غيره وسأل ليعلم غيره فهذا أيضًا وجيه وطيب.
أما إذا سأل ليقول الناس: ما شاء الله فلان عنده حرص على العلم، كثير السؤال، فهذا غلط، وعلى العكس من ذلك من يقول: لا
стр. 10602
أسأل حياء، فالثاني مفرِّط والأول مُفرِط، وخير الأمور الوسط. كذلك ينبغي أن يكون عند طالب العلم حسن الاستماع لجواب العالم، وصحة الفهم للجواب، فبعض الطلبة إذا سأل وأجيب تجده
يستحي أن يقول ما فهمت.
والذي ينبغي لطالب العلم إذا لم يفهم أن يقول ما فهمت، لكن بأدب وتوقير للعالم.
الفائدة الرابعة في طريقة طلب العلم: الحفظ ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: غريزي: يهبه الله تعالى لمن يشاء، فتجد الإنسان ترد عليه المسألة والبحث فيحفظه ولا ينساه.
والقسم الثاني: كسبي: بمعنى أن يمرن الإنسان نفسه على الحفظ، ويتذكر ما حفظ فإذا عود نفسه تذكر ما حفظ، سهل عليه حفظه.
الفائدة الخامسة في طريقة طلب العلم: المجادلة والمناظرة نوعان:
النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء ويريد أن ينتصر قوله فهذه مذمومة.
النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه، فهذه محمودة مأمور بها، وعلامة ذلك- أي المجادلة الحقة- أن الإنسان إذا بان له الحق اقتنع وأعلن الرجوع، أما المجادل الذي يريد الانتصار لنفسه
فتجده لو بان أن الحق مع خصمه، يورد إيرادات يقول: لو قال قائل،
стр. 10603
ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم تكون سلسلة لا منتهى لها، ومثل هذا عليه خطر ألا يقبل قلبه الحق، لا بالنسبة للمجادلة مع الآخر ولكن في خلوته، ربما يورد الشيطان عليه هذه الإيرادات فيبقى في شك وحيرة، كما قال الله ﵎:
(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)) (١) وقال الله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)) (٢) .
فعليك يا أخي بقبول الحق سواء مع مجادلة غيرك أو مع نفسك، فمتى تبين لك الحق فقل: سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا.
ولهذا تجد الصحابة ﵃ يقبلون ما حكم به الرسول ﵊ أو ما أخبر به دون أن يوردوا عليه الاعتراضات.
فالحاصل أن المجادلة إذا كان المقصود بها إثبات الحق وإبطال الباطل فهي خير، وتعودها وتعلمها خير لاسيما في وقتنا هذا، فإنه كثر فيه الجدال والمراء، حتى أن الشيء يكون ثابتًا وظاهرًا في القرآن
والسنة ثم يورد عليه إشكالات.
стр. 10604
وهنا مسألة: وهي أن بعض الناس يتحرج من المجادلة حتى وإن كانت حقًا استدلالاً بحديث: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا" (١) فيترك هذا الفعل.
فالجواب: من ترك المراء في دين الله فليس بمحق إطلاقًا؛ لأن هذا هزيمة للحق، لكن قد يكون محقًا إذا كان تخاصمه هو وصاحبه في شيء ليس له علاقة بالدين أصلاً، قال: رأيت فلانًا في السوق،
ويقول الآخر: بل رأيته في المسجد، ويحصل بينهما جدال وخصام فهذه هي المجادلة المذكورة في الحديث، أما من ترك المجادلة في نصرة الحق فليس بمحق إطلاقًا فلا يدخل في الحديث.
الفائدة السادسة في طريقة طلب العلم:
من الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يهتم بها المذاكرة، والمذاكرة نوعان:
النوع الأول: مذاكرة مع النفس، بأن تجلس مثلاً جلسة وحدك ثم تعرض مسألة من المسائل أو مسألة قد مرت عليك، ثم تأخذ في محاولة عرض الأقوال وترجيح ما قيل في هذه المسألة بعضها على
بعض، وهذه سهلة على طالب العلم، وتساعد على مسألة المناظرة السابقة.
стр. 10605
النوع الثاني: مذاكرة مع الغير، بن يختار من إخوانه الطلبة من يكون عونًا له على طلب العلم، مفيدًا له، فيجلس معه ويتذاكرون، يقرآ مثلاً ما حفظاه، كل واحد يقرأ على الآخر قليلاً، أو يتذاكران في
مسألة من المسائل بالمراجعة أو بالمفاهمة إن قدرا على ذلك فإن هذا مما ينمي العلم ويزيده، لكن إياك والشغب والصلف؛ لأن هذا لا يفيد.
الفائدة السابعة في طريقة طلب العلم: كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق:
وهذا يبتلى بها بعض الناس فيزكي نفسه، ويرى أن ما قاله هو الصواب وأن غيره إذا خالفه فهو مخطئ وما أشبه ذلك، كذلك حب المدح تجده يسأل عما يقال عنه؛ فإذا وجد أنهم مدحوه انتفخ وزاد انتفاخه حتى يعجز جلده عن تحمل بدنه، كذلك التكبر على الخلق، بعض الناس- والعياذ بالله- إذا آتاه الله علمًا تكبر، ربما يتكبر الغني بالمال، ولهذا جعل النبي ﷺ : " العائل المستكبر من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم " (١) ، لأنه ليس عنده مال يوجب الكبرياء، لكن العالم لا ينبغي أن يكون كالغني كلما ازداد علمًا ازداد تكبرًا، بل ينبغي العكس كلما ازداد علمًا ازداد تواضعًا؛ لأن من العلوم التي يقرأها أخلاق النبي ﷺ ،
стр. 10606
وأخلاقه كلها تواضع للخلق، لكن على كل حال إذا تعارض التواضع للحق مع التواضع للخلق أيهما يقدم؟
يقدم التواضع للحق، فمثلاً: لو كان هناك إنسان يسب الحق ويفرح بمعاداة من يعمل به، فهنا لا تتواضع له، تواضع للحق، وجادل هذا الرجل حتى وإن أهانك أو تكلم فيك فلا تهتم به، فلابد
من نصرة الحق.
الفائدة الثامنة في طريقة طلب العلم: زكاة العلم تكون بأمور:
الأمر الأول: نشر العلم: نشر العلم من زكاته، فكما يتصدق الإنسان بشيء من ماله، فهذا العالم يتصدق بشيء من علمه، وصدقة العلم أبقى دومًا وأقل كلفة ومؤونة، أبقى دومًا، لأنه ربما كلمة من عالم تسمع ينتفع بها أجيال من الناس وما زلنا الآن ننتفع بأحاديث أبي هريرة- ﵁ ولم ننتفع بدرهم واحد من الخلفاء الذين كانوا في عهده، وكذلك العلماء ننتفع بكتبهم ومعهم زكاة وأي زكاة، وهذه الزكاة لا تنقص العلم بل تزيده كما قيل:
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شددت
الأمر الثاني: العمل به: لأن العمل به دعوة إليه بلا شك، وكثير من الناس يتأسون بالعالم، بأخلاقه وأعماله أكثر مما يتأسون بأقواله، وهذا لا شك زكاة.
стр. 10607
الأمر الثالث: الصدع بالحق: وهذا من جملة نشر العلم، ولكن النشر قد يكون في حال السلامة وحال الأمن على النفس، وقد يكون في حال الخوف على النفس، فيكون صدعًا بالحق.
الأمر الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لاشك أن هذا من زكاة العلم؛ لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارف للمعروف وعارف للمنكر، ثم قائم بما يجب عليه من هذه المعرفة من
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الفائدة التاسعة في طريقة طلب العلم: موقف طالب العلم من وَهْمِ وخطا العلماء:
هذا الموقف له جهتان:
الأولى: تصحيح الخطأ: وهذا أمر واجب، يجب على من عثر على وهم إنسان ولو كان من أكبر العلماء أن ينبه على هذا الوهم وعلى هذا الخطأ؛ لأن بيان الحق أمر واجب، وبالسكوت يمكن أن يضيع الحق لاحترام من قال بالباطل؛ لأن احترام الحق أولى بالمراعاة.
لكن هل يصرح بقائل الوهم أو الخطأ؟ أو يقول توهم بعض الناس فقال كذا وكذا؟
الجواب: ينظر لما تقتضيه المصلحة، قد يكون من المصلحة ألا يصرح، كما لو كان يتكلم عن عالم مشهور في عصره موثوق عند
стр. 10608
الناس، محبوب إليهم، يقول: قال فلان: كذا، وكذا وهذا خطأ، فإن العامة لا يقبلون كلامه بل يسخرون منه ولا يقبلون الحق، ففي هذه الحال ينبغي أن يقول: من الخطأ أن يقول القائل كذا وكذا، ولا يذكر اسمه، وقد يكون هذا الرجل الذي توهم متبوعًا، يتبعه شرذمة من الناس وليس له قدر في المجتمع فحينئذٍ يصرح لئلا يغتر الناس به، فيقول: قال فلان كذا وكذا وهو خطأ.
الثانية: أن يقصد بذلك بيان معايبه لا بيان الحق من الباطل، وهذه تقع من إنسان حاسد- والعياذ بالله- يتمنى أن يجد قولاً ضعيفًا أو خطأ لشخص ما فينشره بين الناس، ولهذا نجد أهل البدع يتكلمون في شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ وينظرون إلى أقرب شيء يمكن أن يقدح به فينشرونه ويعيبونه، مثلاً يقولون خالف الإجماع في أن الطلاق الثلاث واحدة فيقولون هذا شاذ ومن شذ شذَّ في النار، وأمثال هذا كثير.
المهم أن يكون قصدك من البيان إظهار الحق، ومن كان قصده الحق وفق لقبوله، أما من كان قصده أن يظهر عيوب الناس فإنه جاء في الحديث عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ايا معشر من أسلم بلسانه ولم يُفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيّروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته، ومن
стр. 10609
تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله، (١) ، فإذا عثرت على وهم عالم، حاول أن تدفع اللوم عنه وأن تذب عنه، لاسيما إذا كان من العلماء المشهود لهم بالعدالة والخير ونصح الأمة.
الفائدة العاشرة في طريقة طلب العلم: في المقصود ببركة العلم:
قبل بيان المقصود بالبركة في العلم لابد أن نعرف البركة فهي كما يقول العلماء: "الخير الكثير الثابت ".
ويعيدون ذلك إلى اشتقاق هذه الكلمة فنها من البِرْكة وهي مجمع الماء، والبركة التي هي مجمع الماء مكان واسع، ماؤه كثير ثابت، فالبركة هي الخيرات الكثيرة الثابتة من كل فيء، من المال ومن الولد
ومن العلم وكل شيء أعطاه الله- لك تسأل الله سبحانه البركة فيه؛ لأن الله- إذا لم يبارك لك فيما أعطاك حرمت خيرًا كثيرًا.
ما أكثر الناس الذين عندهم المال الكثير وهم في عداد الفقراء لماذا؟ لأنهم لا ينتفعون بمالهم، تجد عندهم من الأموال ما لا يحصى، لكن يُقصّر على أهله في النفقة، وعلى نفسه ولا ينتفع بماله، والغالب أن من كانت هذه حاله وبخل بما يجب عليه أن يسلط الله على أمواله آفات تذهبها، كثير من الناس عنده أولاد لكن أولاده لم ينفعوه،
стр. 10610
عندهم عقوق واستكبار على الأب، حتى إنه- أي الولد- يجلس إلى صديقه الساعات الطويلة يتحدث إليه ويأنس به ويفضي إليه أسراره- لكنه إذا جلس عند أبيه، فإذا هو كالطير المحبوس في
القفص- والعياذ بالله- لا يأنس بأبيه، ولا يتحدث إليه، ولا يفضي إليه بشيء من أسراره، ويستثقل حتى رؤية والده: فهؤلاء لم يبارك لهم في أولادهم.
أما البركة في العلم فتجد بعض الناس قد أعطاه الله علمًا كثيرًا لكنه بمنزلة الأمي فلا يظهر أثر العلم عليه في عباداته، ولا في أخلاقه، ولا في سلوكه، ولا في معاملته مع الناس، بل قد يكسبه
العلم استكبارًا على عباد الله وعلوًا عليهم واحتقارًا لهم، وما علم هذا أن الذي منَّ عليه بالعلم هو الله، وأن الله لو شاء لكان مثل هؤلاء الجهال.
تجده قد أعطاه الله علمًا، ولكن لم ينتفع الناس بعلمه. لا بتدريس ولا بتوجيه، ولا بتأليف، بل هو منحصر على نفسه، لم يبارك الله له في العلم، وهذا بلا شك حرمان عظيم، مع أن العلم من أبرك ما يعطيه الله العبد؛ لأن العلم إذا علمته غيرك، ونشرته بين الأمة، أجرت على دْلك من عدة وجوه:
أولاً: أن في نشرك العلم نشرًا لدين الله- فتكون من