← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 10606–10645 · переход к 10611.

стр. 10606

وأخلاقه كلها تواضع للخلق، لكن على كل حال إذا تعارض التواضع للحق مع التواضع للخلق أيهما يقدم؟ يقدم التواضع للحق، فمثلاً: لو كان هناك إنسان يسب الحق ويفرح بمعاداة من يعمل به، فهنا لا تتواضع له، تواضع للحق، وجادل هذا الرجل حتى وإن أهانك أو تكلم فيك فلا تهتم به، فلابد من نصرة الحق. الفائدة الثامنة في طريقة طلب العلم: زكاة العلم تكون بأمور: الأمر الأول: نشر العلم: نشر العلم من زكاته، فكما يتصدق الإنسان بشيء من ماله، فهذا العالم يتصدق بشيء من علمه، وصدقة العلم أبقى دومًا وأقل كلفة ومؤونة، أبقى دومًا، لأنه ربما كلمة من عالم تسمع ينتفع بها أجيال من الناس وما زلنا الآن ننتفع بأحاديث أبي هريرة- ﵁ ولم ننتفع بدرهم واحد من الخلفاء الذين كانوا في عهده، وكذلك العلماء ننتفع بكتبهم ومعهم زكاة وأي زكاة، وهذه الزكاة لا تنقص العلم بل تزيده كما قيل: يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شددت الأمر الثاني: العمل به: لأن العمل به دعوة إليه بلا شك، وكثير من الناس يتأسون بالعالم، بأخلاقه وأعماله أكثر مما يتأسون بأقواله، وهذا لا شك زكاة.

стр. 10607

الأمر الثالث: الصدع بالحق: وهذا من جملة نشر العلم، ولكن النشر قد يكون في حال السلامة وحال الأمن على النفس، وقد يكون في حال الخوف على النفس، فيكون صدعًا بالحق. الأمر الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لاشك أن هذا من زكاة العلم؛ لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارف للمعروف وعارف للمنكر، ثم قائم بما يجب عليه من هذه المعرفة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الفائدة التاسعة في طريقة طلب العلم: موقف طالب العلم من وَهْمِ وخطا العلماء: هذا الموقف له جهتان: الأولى: تصحيح الخطأ: وهذا أمر واجب، يجب على من عثر على وهم إنسان ولو كان من أكبر العلماء أن ينبه على هذا الوهم وعلى هذا الخطأ؛ لأن بيان الحق أمر واجب، وبالسكوت يمكن أن يضيع الحق لاحترام من قال بالباطل؛ لأن احترام الحق أولى بالمراعاة. لكن هل يصرح بقائل الوهم أو الخطأ؟ أو يقول توهم بعض الناس فقال كذا وكذا؟ الجواب: ينظر لما تقتضيه المصلحة، قد يكون من المصلحة ألا يصرح، كما لو كان يتكلم عن عالم مشهور في عصره موثوق عند

стр. 10608

الناس، محبوب إليهم، يقول: قال فلان: كذا، وكذا وهذا خطأ، فإن العامة لا يقبلون كلامه بل يسخرون منه ولا يقبلون الحق، ففي هذه الحال ينبغي أن يقول: من الخطأ أن يقول القائل كذا وكذا، ولا يذكر اسمه، وقد يكون هذا الرجل الذي توهم متبوعًا، يتبعه شرذمة من الناس وليس له قدر في المجتمع فحينئذٍ يصرح لئلا يغتر الناس به، فيقول: قال فلان كذا وكذا وهو خطأ. الثانية: أن يقصد بذلك بيان معايبه لا بيان الحق من الباطل، وهذه تقع من إنسان حاسد- والعياذ بالله- يتمنى أن يجد قولاً ضعيفًا أو خطأ لشخص ما فينشره بين الناس، ولهذا نجد أهل البدع يتكلمون في شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ وينظرون إلى أقرب شيء يمكن أن يقدح به فينشرونه ويعيبونه، مثلاً يقولون خالف الإجماع في أن الطلاق الثلاث واحدة فيقولون هذا شاذ ومن شذ شذَّ في النار، وأمثال هذا كثير. المهم أن يكون قصدك من البيان إظهار الحق، ومن كان قصده الحق وفق لقبوله، أما من كان قصده أن يظهر عيوب الناس فإنه جاء في الحديث عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ايا معشر من أسلم بلسانه ولم يُفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيّروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته، ومن

стр. 10609

تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله، (١) ، فإذا عثرت على وهم عالم، حاول أن تدفع اللوم عنه وأن تذب عنه، لاسيما إذا كان من العلماء المشهود لهم بالعدالة والخير ونصح الأمة. الفائدة العاشرة في طريقة طلب العلم: في المقصود ببركة العلم: قبل بيان المقصود بالبركة في العلم لابد أن نعرف البركة فهي كما يقول العلماء: "الخير الكثير الثابت ". ويعيدون ذلك إلى اشتقاق هذه الكلمة فنها من البِرْكة وهي مجمع الماء، والبركة التي هي مجمع الماء مكان واسع، ماؤه كثير ثابت، فالبركة هي الخيرات الكثيرة الثابتة من كل فيء، من المال ومن الولد ومن العلم وكل شيء أعطاه الله- لك تسأل الله سبحانه البركة فيه؛ لأن الله- إذا لم يبارك لك فيما أعطاك حرمت خيرًا كثيرًا. ما أكثر الناس الذين عندهم المال الكثير وهم في عداد الفقراء لماذا؟ لأنهم لا ينتفعون بمالهم، تجد عندهم من الأموال ما لا يحصى، لكن يُقصّر على أهله في النفقة، وعلى نفسه ولا ينتفع بماله، والغالب أن من كانت هذه حاله وبخل بما يجب عليه أن يسلط الله على أمواله آفات تذهبها، كثير من الناس عنده أولاد لكن أولاده لم ينفعوه،

стр. 10610

عندهم عقوق واستكبار على الأب، حتى إنه- أي الولد- يجلس إلى صديقه الساعات الطويلة يتحدث إليه ويأنس به ويفضي إليه أسراره- لكنه إذا جلس عند أبيه، فإذا هو كالطير المحبوس في القفص- والعياذ بالله- لا يأنس بأبيه، ولا يتحدث إليه، ولا يفضي إليه بشيء من أسراره، ويستثقل حتى رؤية والده: فهؤلاء لم يبارك لهم في أولادهم. أما البركة في العلم فتجد بعض الناس قد أعطاه الله علمًا كثيرًا لكنه بمنزلة الأمي فلا يظهر أثر العلم عليه في عباداته، ولا في أخلاقه، ولا في سلوكه، ولا في معاملته مع الناس، بل قد يكسبه العلم استكبارًا على عباد الله وعلوًا عليهم واحتقارًا لهم، وما علم هذا أن الذي منَّ عليه بالعلم هو الله، وأن الله لو شاء لكان مثل هؤلاء الجهال. تجده قد أعطاه الله علمًا، ولكن لم ينتفع الناس بعلمه. لا بتدريس ولا بتوجيه، ولا بتأليف، بل هو منحصر على نفسه، لم يبارك الله له في العلم، وهذا بلا شك حرمان عظيم، مع أن العلم من أبرك ما يعطيه الله العبد؛ لأن العلم إذا علمته غيرك، ونشرته بين الأمة، أجرت على دْلك من عدة وجوه: أولاً: أن في نشرك العلم نشرًا لدين الله- فتكون من

стр. 10611

المجاهدين، فالمجاهد في سبيل الله يفتح البلاد بلدًا بلدًا حتى ينشر فيها الدين، وأنت تفتح القلوب بالعلم حتى تنشر فيها شريعة الله . ثانيًا: من بركة نشر العلم وتعليمه، أن فيه حفظًا لشريعة الله وحماية لها، لأنه لولا العلم لم تحفظ الشريعة، فالشريعة لا تحفظ إلا برجالها رجال العلم، ولا يمكن حماية الشريعة إلا برجال العلم، فإذا نشرت العلم، وانتفع الناس بعلمك، حصل في هذا حماية لشريعة الله، وحفظ لها. ثالثًا: فيه أنك تُحسن إلى هذا الذي علمته، لأنك تبصره بدين الله فذا عبد الله على بصيرة، كان لك من الأجر مثل أجره، لأنك أنت الذي دللته على الخير، والدال على الخير كفاعل الخير، فالعلم في نشره خير وبركة لناشره ولمن نشر إليه. رابعًا: أن في نشر العلم وتعليمه زيادة له، فعلم العالم يزيد إذا علم الناس، لأنه استذكار لما حفظ، وانفتاح لما لم يحفظ، وما أكثر ما يستفيد العالم من طلبة العلم، فطلابه الذين عنده أحيانًا يأتون له بمعان ليست له على بال، ويستفيد منهم وهو يعلمهم، وهذا شيء مشاهد. ولهذا ينبغي للمعلم إذا استفاد من الطالب، وفتح له الطالب شيئًا

стр. 10612

من أبواب العلم- ينبغي له- أن يشجع الطالب، وأن يشكره على ذلك، خلافًا لما يظنه بعض الناس أن الطالب إذا فتح عليه، وبين له شيئًا كان خفيًا عليه تضايق المعلم، يقول هذا صبي يعلم شيخًا فيتضايق، ويتحاشى بعد ذلك أن يتناقش معه، خوفًا من أن يطلعه على أمر قد خفي عليه، وهذا من قصور علمه بل من قصور عقله، لأنه إذا من الله عليك بطلبة يذكرونك ما نسيت، ويفتحون عليك ما جهلت، فهذا من نعمة الله عليك، فهذا من فوائد نشر العلم أنه يزيد إذا علمت العلم كما قال القائل مقارنًا ببين المال والعمل يقول في العلم: يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفًّا شددت إذا شددت به كفا، وأمسكته نقص، أي تنساه، ولكن إذا نشرته يزداد. وينبغي للإنسان عند نشر العلم أن يكون حكيمًا في التعليم، بحيث يلقي على الطلبة المسائل التي تحتملها عقولهم فلا يأتي إليهم بالمعضلات، بل يربيهم بالعمل شيئًا فشيئًا. ولهذا قال بعضهم في تعريف العالم الرباني: العالم الرباني هو: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونحن نعلم جميعًا أن البناء ليس يؤتى به جميعًا حتى يوضع على

стр. 10613

الأرض فيصبح قصرًا مشيدًا بل يبني لبنة لبنة، حتى يكتمل البناء، فينبغي للمعلم أن يراعي أذهان الطلبة بحيث يلقي إليهم ما يمكن لعقولهم أن تدركه، ولهذا يؤمر العلماء أن يحدثوا الناس بما يعرفون. قال ابن مسعود- ﵁: إنك لن تحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. كذلك أيضًا ينبغي للمعلم أن يعتني بالأصول والقواعد؛ لأن الأصول والقواعد هي التي يبنى عليها العلم. وقد قال العلماء: من حرم الأصول حرم الوصول، أي لا يصل إلى الغاية إذا حرم الأصول، فينبغي أن يلقي على الطلبة القواعد والأصول التي تتفرع عليها المسائل الجزئية؛ لأن الذي يتعلم على المسائل الجزئية لا يستطيع أن يهتدي إذا أتته معضلة فيعرف حكمها، لأنه ليس عنده أصل.

стр. 10614

أخطاء يجب الحذر منها

стр. 10615

أخطاء يجب الحذر منها هناك أخطاء يرتكبها بعض طلبة العلم: منها الحسد: وهو: كراهة ما أنعم الله به على غيره، وليس هو تمني زوال نعمة الله على الغير، بل هو مجرد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره، فهذا هو الحسد، سواء تمنى زواله، أو أن يبقى ولكنه كاره له. كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ فقال: "الحسد كراهة الإنسان ما أنعم الله به على غيره ". والحسد قد لا تخلو منه النفوس، يعني قد يكون اضطراريًا للنفس، ولكن جاء في الحديث: "إذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق " (١) ، يعني أن الإنسان يجب عليه إذا رأى من قلبه حسدًا للغير عليه ألا يبغي عليه بقول أو فعل، فإن ذلك من خصال اليهود الذين قال الله عنهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (٢) . ثم إن الحاسد يقع في محاذير: أولاً: كراهته ما قدره الله، فإن كراهته ما أنعم الله به على هذا الشخص كراهة لما قدره كونًا ومعارضة لقضاء الله- .

стр. 10616

ثانيًا: إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب؛ لأن الغالب أن الحاسد يعتدي على المحسود بذكر ما يكره وتنفير الناس عنه، والحط من قدره وما أشبه ذلك، وهذا من كبائر الذنوب التي قد تحيط بالحسنات. ثالثًا: ما يقع في قلب الحاسد من الحسرة والجحيم والنار التي تأكله أكلاً، فكلما رأى نعمة من الله على هذا المحسود اغتم وضاق صدره، وصار يراقب هذا الشخص كلما أنعم الله عليه بنعمة حزن واغتم وضاقت عليه الدنيا. رابعًا: أن في الحسد تشبهًا باليهود، ومعلوم أن من أتى خصلة من خصال الكفار صار منهم في هذه الخصلة، لقول النبي ﷺ : " من تشبه بقوم فهو منهم " (١) . خامسًا: أنه مهما كان حسده ومهما قوي لا يمكن أبدًا أن يرفع نعمة الله عن الغير، فذا كان هذا غير ممكن فكيف يقع في قلبه الحسد. سادسًا: أن الحسد ينافي كمال الإيمان لقول النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٢) . ولازم هذا أن تكره أن

стр. 10617

تزول نعمة الله على أخيك، فإذا لم تكن تكره أن تزول نعمة الله عنه، فأنت لم تحب لأخيك ما تحب لنفسك وهذا ينافي كمال الإيمان. سابعًا: أن الحسد يوجب إعراض العبد عن سؤال الله تعالى من فضله، فتجده دائمًا مهتمًا بهذه النعمة التي أنعم الله بها على غيره ولا يسأل الله من فضله، وقد قال الله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)) (١) . ثامنا: أن الحسد يوجب ازدراء نعمة الله عليه، أي أن الحاسد يرى أنه ليس في نعمة، وأن هذا المحسود في نعمة أكبر منه، وحيئذ يحتقر نعمة الله عليه فلا يقوم بشكرها بل يتقاعس. تاسعًا: الحسد خلق ذميم؛ لأن الحاسد يتتبع نعم الله على الخلق في مجتمعه، ويحاول بقدر ما يمكنه أن يحول بين الناس وبين هذا المحسود بالحط من قدره أحيانًا، وبازدراء ما يقوم به من الخير أحيانًا إلى غير ذلك. عاشرًا: أن الحاسد إذا حسد فالغالب أن يعتدي على المحسود، وحينئذٍ يأخذ المحسود من حسناته، فن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاته فطرح عليه ثم طرح في النار.

стр. 10618

والخلاصة: أن الحسد خلق ذميم، ومع الأسف أنه أكثر ما يوجد بين العلماء وطلبة العلم، ويوجد بين التجار فيحسد بعضهم بعضاً، وكل ذي مهنة يحسد من شاركه فيها، لكن مع الأسف أنه بين العلماء أشد، وبين طلبة العلم أشد، مع أنه كان الأولى والأجدر أن يكون أهل العلم أبعد الناس عن الحسد، وأقرب الناس إلى كمال الأخلاق. وأنت يا أخي إذا رأيت الله قد أنعم على عبده نعمة ما فاسعى أن تكون مثله، ولا تكره ما أنعم الله عليه فقل: (اللهم زده من فضلك وأعطني أفضل منه) ، والحسد لا يغير شيئًا من الحال، لكنه كما ذكرنا آنفًا فيه هذه المفاسد وهذه المحاذير العشرة، ولعل من تأمل وجد أكثر والله المستعان. ومنها: الإفتاء بغير علم. الإفتاء منصب عظيم، به يتصدى صاحبه لبيان ما يشكل على العامة من أمور دينهم، ويرشدهم إلى الصراط المستقيم؛ لذلك كان هذا المنصب العظيم لا يتصدر له إلا ممن كان أهلاً له، لذلك يجب على العباد أن يتقوا الله وألا يتكلموا إلا عن علم وبصيرة، وأن يعلموا أن الله وحده له الخلق والأمر، فلا خالق إلا الله، ولا مدبر للخلق إلا الله، ولا شريعة للخلق سوى شريعة الله، فهو الذي يوجب الشيء، وهو يحرمه، وهو الذي يندب إليه ويحلله، ولقد أنكر الله على من يحللون

стр. 10619

ويحرمون بأهوائهم فقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (١) . وقال تعالى:) وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٢) . وإن من أكبر الجنايات أن يقول الشخص عن شيء: إنه حلال. وهو لا يدري ما حكم الله فيه، أو يقول عن الشيء: إنه حرام. وهو لا يدري عن حكم الله فيه، أو يقول عن الشيء: إنه واجب. وهو لا يدري أن الله أوجبه، ويقول عن الشيء: إنه غير واجب. وهو لا يدري أن الله لم يوجبه، إن هذه جناية وسوء أدب مع الله . كيف تعلم أيها العبد أن الحكم لله ثم تتقدم بين يديه فتقول في دينه وشريعته ما لا تعلم؟ لقد قرن الله القول عليه بلا علم بالشرك به، فقال سبحانه: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (٣) .

стр. 10620

وإن كثيرًا من العامة يفتي بعضهم بعضًا بما لا يعلمون فتجدهم يقولون: هذا حلال، أو حرام، أو واجب، أو غير واجب، وهم لا يدرون عن ذلك شيئاً، أفلا يعلم هؤلاء أن الله تعالى سائلهم عما قالوا يوم القيامة؟! أفلا يعلم هؤلاء أنهم إذا أضلوا شخصًا فأحلوا له ما حرم الله، أو حرموا ما أحل الله له، فقد باؤوا بإثمه وكان عليهم مثل وزر ما عمل؟ وذلك بسبب ما أفتوه به. وإن بعض العامة يجني جناية أخرى فإذا رأى شخصًا يريد أن يستفتي عالمًا يقول له هذا العامي: لا حاجة أن تستفتي، هذا أمر واضح، هذا حرام، مع أنه في الواقع حلال، فيحرمه ما أحل الله له، أو يقول له: هذا واجب فيلزمه بما لم يلزمه الله به، أو يقول: هذا غير واجب، وهو واجب في شريعة الله فيسقط عنه ما أوجب الله عليه، أو يقول: هذا حلال، وهو في الواقع حرام، وهذه جناية منه على شريعة الله، وخيانة لأخيه المسلم حيث أفتاه بدون علم، أريتم لو أن شخصًا سأل عن طريق بلد من البلدان، فقلت الطريق من هنا وأنت لا تعلم، أفلا يعد الناس ذلك خيانة منك؟ فكيف تتكلم عن طريق الجنة وهو الشريعة التي أنزل الله وأنت لا تعلم عنها شيئًا؟! وإن بعض المتعلمين أنصاف العلماء يقعون فيما يقع فيه العامة من

стр. 10621

الجرأة على الشريعة في التحليل والتحريم والإيجاب، فيتكلمون فيما لا يعلمون، ويجملون في الشريعة ويفصلون، وهم من أجهل الناس في أحكام الله، إذا سمعت الواحد منهم يتكلم فكأنما ينزل عليه الوحي فيما يقول من جزمه وعدم تورعه، لا يمكن أن ينطق ويقول: لا أدري، مع أن عدم العلم هو وصفة الحق الثابت، ومع ذلك يصر بناء على جهله على أنه عالم فيضر العامة؛ لأن الناس ربما يثقون بقوله ويغترون به، وليت هؤلاء القوم يقتصرون على نسبة الأمر إليهم بل تراهم ينسبون ذلك للإسلام فيقولون: الإسلام يقول كذا، الإسلام يرى كذا، وهذا لا يجوز إلا فيما علم القائل أنه من دين الإسلام، ولا طريق إلى ذلك إلا بمعرفة كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، أو إجماع المسلمين عليه. إن بعض الناس لجرأته، وعدم ورعه، وعدم حيائه من الله، وعدم خوفه منه يقول عن الشيء المحرم الواضح تحريمه: ما أظن هذا حرام، أو عن الشيء الواجب والواضح وجوبه يقول: ما أظن هذا واجبًا، إما جهلاً منه أو عنادًا ومكابرة، أو تشكيكًا لعباد الله في دين الله. وإن من العقل والإيمان ومن تقوى الله وتعظيمه أن يقول الرجل: عما لا يعلم لا أعلم، لا أدري، اسأل غيري، فإن ذلك من تمام العقل؛ لأن الناس إذا رأوا تثبته وثقوا به؛ ولأنه يعرف قدر نفسه

стр. 10622

حينئذ وينزلها منزلتها، وإن ذلك أيضًا من تمام الإيمان بالثه وتقوى الله حيث لا يتقدم بين يدي ربه ولا يقول عليه في دينه ما لا يعلم، ولقد كان رسول الله ﷺ وهو أعلم الخلق بدين الله كان يسأل عما لم ينزل عليه فيه الوحي فينتظر حتى ينزل عليه الوحي فيجيب الله سبحانه عما سئل عنه نبيه (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) (١) وقوله: (وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) (٢) وقوله: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) . ولقد كان الأجلاء من الصحابة ﵃ تعرض لهم المسألة لا يدرون حكم الله فيها فيهابونها ويتوقفون فيها. فها هو أبو بكر الصديق- ﵁ يقول: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله بغير علم ". وهاهو عمر بن الخطاب- ﵁ تنزل به الحادثة فيجمع لها الصحابة ويستشيرهم فيها، قال ابن سيرين: لم يكن أحد أهيب مما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا

стр. 10623

يعلم من عمر، وقال ابن مسعود- ﵁: "أيها الناس، من سئل عن علم يعلمه فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم". وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أحسنها، فقال له أصحابه: قد استحيينا لك، فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالت: (لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) (١) . وهناك أمثلة كثيرة على الإفتاء بغير علم، منها: أن المريض إذا تنجست ثيابه ولم يمكن أن يطهرها يفتى بأنه لا يصلي حتى يطهر ثيابه، وهذه فتوى كاذبة خاطئة باطلة، فالمريض يصلي ولو كان عليه ثياب نجسة، ولو كان بدنه نجسًا إذا كان لا يستطيع أن يطهر ذلك؛ لأن الله يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (٢) ؛ فيصلي المريض على حسب حاله وعلى حسب ما يقدر عليه، يصلي قائمًا، فإن لم يستطع أومأ بعينه عند بعض أهل العلم، فإن لم يستطع الإيماء بعينه وكان معه عقله فلينو الفعل بقلبه وليقل القول بلسانه، مثلاً يقول: الله أكبر ثم يقرأ الفاتحة وسورة، ثم يقول: الله أكبر وينوي أنه راكع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده وينوي أنه رفع من الركوع، ثم يقول: هكذا في

стр. 10624

السجود وبقية أفعال الصلاة، ينوي الفعل الذي لا يقدر عليه، ينويه بقلبه ولا يؤخر الصلاة عن وقتها. وبسبب هذه الفتوى الكاذبة الخاطئة يموت بعض المسلمين وهم لا يصلون من أجل هذه الفتوى الكاذبة، ولو أنهم علموا أن الإنسان المريض يصلي على أي حال لماتوا وهم يصلون. ومثل هذه المسألة وأشباهها كثير فيجب على العامة أن يتلقوا أحكامها من أهل العلم حتى يعرفوا بذلك حكم الله- ولا يقولوا في دين الله ما لا يعلمون. ومنها: الكبر: وقد فسره النبي ﷺ بأجمع التفسير وأبينه وأوضحه فقال: "الكبر بطر الحق، وغمط الناس " (١) . قوله: "وبطر الحق" هو: رد الحق. وقوله: "وغمط الناس" يعني: احتقارهم. ومن الكبرياء ردك على معلمك، والتطاول عليه، وسوء الأدب معه، وأيضًا استنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء، وهذا يقع لبعض الطلبة إذا أخبره أحد بشيء وهو دونه في العلم استنكف ولم يقبل، وتقصيرك عن العمل بالعلم عنوان حرمان- نسأل الله العافية-.

стр. 10625

وفي هذا يقول القائل: العلم حرب للفتى المتعالي كالسيل حرب للمكان العالي ومعنى البيت: إن الفتى المتعالي لا يمكن أن يدرك العلم؛ لأن العلم حرب له كالسيل حرب للمكان العالي؛ لأن المكان العالي ينفض عنه السيل يمينًا وشمالاً، ولا يستقر عليه، كذلك العلم لا يستقر مع الكبر والعلو، وربما يسلب العلم بسبب ذلك. ومنها: التعصب للمذاهب والآراء: فيجب على طالب العلم أن يتخلى عن الطائفية والحزبية بحيث يعقد الولاء والبراء على طائفة معينة، أو على حزب معين، فهذا لاشك خلاف منهج السلف، فالسلف الصالح ليسوا أحزابًا، بل هم حزب واحد، ينضوون تحت قول الله : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) (١) . فلا حزبية، ولا تعدد، ولا موالاة، ولا معاداة إلا على حسب ما جاء في الكتاب والسنة، فمن الناس مثلاً من يتحزب إلى طائفة معينة، ثم يقرر منهجًا ويستدل عليه بالأدلة التي قد تكون دليلاً عليه، ويحامي دونها، ويضلل من سواه، حتى وإن كانوا أقرب إلى الحق منها، ويأخذ مبدأ: من ليس معي. فهو علي، وهذا مبدأ خبيث؛ لأن هناك وسطًا بين

стр. 10626

أن يكون لك أو عليك، وإذا كان عليك بالحق، فليكن عليك وهو في الحقيقة معك؛ لأن النبي ﷺ قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (١) . ونصر الظالم أن تمنعه من الظلم، فلا حزبية في الإسلام، ولهذا لما ظهرت الأحزاب في المسلمين، وتنوعت الطرق، وتفرقت الأمة، وصار بعضهم يضلل بعضًا، ويكل لحم أخيه ميتًا، لحقهم الفشل كما قال الله تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (٢) . لذلك نجد بعض طلاب العلم يكون عند شيخ من المشايخ، ينتصر لهذا الشيخ بالحق والباطل ويعادي من سواه، ويضلله ويبدعه، ويرى أن شيخه هو العالم المصلح، ومن سواه إما جاهل أو مفسد، وهذا غلط كبير، بل يجب أخذ قول من وافق قوله الكتاب والسنة، وقول أصحاب رسول الله ﷺ . ومنها: التصدر قبل التأهُّل: مما يجب الحذر منه أن يتصدر طالب العلم قبل أن يكون أهلاً للتصدر، لأنه إذا فعل ذلك كان هذا دليلاً على أمور: الأمر الأول: إعجابه بنفسه حيث تصدر فهو يرى نفسه علم الأعلام.

стр. 10627

الأمر الثاني: أن ذلك يدل على عدم فقهه ومعرفته للأمور، لأنه إذا تصدر، ربما يقع في أمر لا يستطيع الخلاص منه، إذ أن الناس إذا رأوه متصدرًا أوردوا عليه من المسائل ما يبين عواره. الأمر الثالث: أنه إذا تصدر قبل أن يتأهل لزمه أن يقول على الله ما لا يعلم؛ لأن الغالب أن من كان هذا قصده، أنه لا يبالي ويجيب على كل ما سئل، ويخاطر بدينه وبقوله على الله- بلا علم. الأمر الرابع: أن الإنسان إذا تصدر فإنه في الغالب لا يقبل الحق؛ لأنه يظن بسفهه أنه إذا خضع لغيره ولو كان معه الحق كان هذا دليلاً على أنه ليس بعالم. ومنها سوء الظن: فيجب على طالب العلم الحذر من أن يظن بغيره ظنًا سيئًا مثل أن يقول: لم يتصدق هذا إلا رياء، لم يلق الطالب هذا السؤال إلا رياءً ليعرف أنه طالب فاهم، وكان المنافقون إذا أتى المتصدق من المؤمنين بالصدقة، إن كانت كثيرة قالوا: مرائياً، وإذا كانت قليلة قالوا: إن الله غني عن صدقة هذا، كما قال الله عنهم: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (١) .

стр. 10628

فإياك وسوء الظن بمن ظاهره العدالة، ولا فرق بين أن تظن ظنًا سيئًا بمعلمك أو بزميلك، فإن الواجب إحسان الظن بمن ظاهره العدالة، أما من ظاهره غير العدالة فلا حرج أن يكون في نفسك سوء ظن به، لكن مع ذلك عليك أن تتحقق حتى يزول ما في نفسك من هذا الوهم؛ لأن بعض الناس قد يسيء الظن بشخص ما بناء على وهم كاذب لا حقيقة له. فالواجب إذا أسأت الظن بشخص، سواء من طلبة العلم أو غيرهم، الواجب أن تنظر هل هناك قرائن واضحة تسوغ لك سوء الظن فلا بأس، وأما إذا كان مجرد أوهام فإنه لا يحل لك أن تسيء الظن بمسلم ظاهره العدالة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) (١) لم يقل (كل الظن) ؛ لأن بعض الظنون لها أصل ولها مبرر: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (٢) ، فالظن الذي يحصل فيه العدوان على الغير لاشك أنه إثم، وكذلك الظن الذي لا مستند له، وأما إذا كان له مستند فلا بأس أن تظن الظن السيء بحسب القرائن والأدلة. لذلك ينبغي للإنسان أن ينزل نفسه منزلتها، وألا يدنسها بالأقذار، وأن

стр. 10629

يحذر هذه الأخطاء مما تقدم؛ لأن طالب العلم شرفه الله بالعلم، وجعله أسوة وقدوة، حتى أن الله رد أمور الناس عند الإشكال إلى العلماء فقال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١) . وقال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (٢) ، فالحاصل أنك يا طالب العلم محترم، فلا تنزل بنفسك إلى ساحة الذل والضعة، بل كن كما ينبغي أن تكون. س ٩٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل مساعدة طلاب العلم في حل ما استشكل عليهم من واجبات أو مساعدتهم وإعانتهم في عمل أبحاث لمجرد إعانتهم في إكمال مشوارهم، وتشجيعًا لهم وأحيانًا لضيق الوقت، هل يعتبر هذا من باب التعاون على البر والتقوى ؟ فأجاب بقوله: هذا يرجع إلى الأنظمة، فإذا كان النظام أن الطالب إذا أعطى بحث يسمح له بأن يستعين من يستعينه من العلماء فلا بأس، وأما إذا كان المقصود أن الطالب نفسه هو الذي

стр. 10630

يبحث، ويفتش الكتب ويتعب، فإنه لا يجوز أن يستعين بأحد، لكن لو اضطر إلى مراجعة العالم لكونه بحث وبحث. وناظر وناقش مع إخوانه وزملائه ولكن لم يصلوا إلى نتيجة فسألوا من هو أعلم منهم عن هذا فأرجو ألا يكون في هذا بأس. س ٩٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: معلم أسند إليه تدريس أحد المواد التي قد لا يجيدها، ولكن لعدم وجود البديل وافق، فهل يأثم أم لا؟ أرجو الإفادة . فأجاب بقوله: لا يأثم إذا وافق ولكنه يأثم إذا قال بما لا يعلم لقول الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (١) . وربما يكون هذا الرجل لا يجيد هذا العلم الذي أسند إليه ولكن إذا أسند إليه حرص عليه وتابع وتعلم ثم ألقى ما علم على التلاميذ، فالمهم أن قبوله لتدريس هذا العلم لا يأثم به، لكنه يأثم إذا درس أو إذا تكلم بما لا يعلم.

стр. 10631

س ٩٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن طالب حريص على تعلم القرآن والسنة ولكنه ينشغل في أكثر أوقاته بنظم الشعر وقراءة كتب الشعراء، فما نصيحتكم ؟ فأجاب بقوله: إذا كان يقول الشعر المباح، أو الشعر الذي فيه خير للناس وتوجيههم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم فلا حرج عليه في ذلك، أما إذا كان يقول شعرًا محرمًا ساقطًا سافلاً، فإن هذا حرام عليه، ومع هذا فنقول: أن الأولى به وهو طالب علم، أن يدع هذا العمل، وأن يقبل على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة ﵃، والأئمة ﵏ من بعدهم حتى ينفعه الله بذلك؟ لأن ما هو عليه إما: أن يكون فيه سالمًا، أو مأجور بأجر لا يساوي طلب العلم الشرعي المبني على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأقوال الصحابة والأئمة. وإما أن يكون آثما، إذا كان ما يقوله من الشعر شعرًا ساقطًا، سافلاً، يدعو إلى الفجور والفحشاء. فنصيحتي لهذا الطالب: أن يدع ما هو عليه من الشعر ومراجعة الدواوين، وأن يقبل على العلم الشرعي لعل الله أن ينفعه بذلك.

стр. 10632

س ٩٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل لنا أن نسأل عن أمور لم تحدث مع فرض بعيد جدًا لحدوثها نرجو الإفادة ؟ فأجاب بقوله: الذي ينبغي للإنسان طالب العلم وغير طالب العلم ألا يسأل عن أمور بعيدة الوقوع؛ لأن ذلك من المعاياة والإعجاز وإضاعة الوقت، وإنما يسأل عن أمور واقعة، أو قريبة الوقوع، هذا بالنسبة للسائل. أما بالنسبة لمن يبحث أو يكتب: فلا حرج عليه أن يأتي بأمور لإيضاح القاعدة وإن كانت نادرة الوقوع وهذا طريق من طرق تعليم العلم، وأما السؤال فلا ينبغي أن يسأل إلا عن شيء واقع، أو شيء قريب الوقوع. وإنني بهذه المناسبة أود أن أوجه إخواني طلبة العلم الذين بدؤوا في طلب العلم والنقاش والبحث أوجههم فيما يتعلق بصفات الله تعالى ألا يكثروا السؤال، بل ألا يسألوا عن شيء سكت عنه الصحابة، والتابعون، وأئمة الأمة؛ لأننا في غنى عن هذا، ولأن الإنسان إذا دخل في هذه الأمور فيما يتعلق بصفات الله فإنه يقع في متاهات عظيمة يخشى عليه إما من التمثيل أو التعطيل، ولهذا أنكر الإمام مالك ﵀ وغيره من الأئمة على من سأل في صفات الله عما لم يسأل عنه الصحابة ﵃ فقد سئل الإمام مالك-

стр. 10633

رحمه الله- عن قوله تعالى: (الرحمَنُ عَلَى العَرش استوى) (١) كيف استوى؟ فأطرق برأسه حتى أعلاه العرق من شدة وقع السؤال عليه، ثم رفع رأسه وقال للسائل: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وإنما كان السؤال عن كيفية الاستواء بدعة؛ لأن ذلك لم يقع من الصحابة ﵃ الذين هم أحرص منا على العلم، وأشد منا تعظيمًا لله فلم يسألوا النبي ﷺ مع أنه أحرص الناس على البلاغ، لكن كيفية صفات الله وحقيقتها أمر مجهول لا يعلمه إلا الله ، ولو كان هذا من الأمور التي تلزم الإنسان في دينه، أو تكون من مكملات دينه لبينه الله وبلغه رسوله ﷺ لكن هذا أمر فوق عقولنا لا يمكننا إدراكه. ولهذا أحذر مرة أخرى إخواني من الغوص في هذه المسائل والتكلف والتنطع وأن يبقوا النصوص على ما هي عليه في معانيها الظاهرة البينة، وألا يسألوا عن شيء لم يسأل عنه السلف الصالح. أما مسائل الأحكام: فإن لطالب العلم أن يبحث ويناقش فيها، وأن يستخرج من الأحكام من الضوابط والقواعد ومن الأمثلة ما قد يكون بعيد الوقوع والله الموفق.

стр. 10634

س ٩٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن رجل حافظ لكتاب الله لكنه لا يصلي آخر الليل، ويأتي إلى المسجد قرب الإقامة، ولا يظهر عليه أثر حفظ القرآن الكريم، ولا يختم إلا في الشهرين مرة واحدة، هل يأثم بذلك ؟ فأجاب بقوله: لا يلزمه هذا لأن الإنسان متى أتى بواجبات الإسلام وأركان الإسلام فلا إثم عليه، لكن ينبغي ما دام الله منَّ عليه بحفظ القرآن أن يحرص على تلاوة القرآن؛ لأن تلاوة القرآن فيها ثواب عظيم، الحرف الواحد بحسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، فمن يحصي حروف القرآن؛ فلا ينبغي أن يحرم نفسه من كثرة قراءة القرآن من أجل احتساب الأجر على الله ، ومن أجل إمساك القرآن؛ لأن الإنسان إذا لم يتعاهد القرآن نسيه، ولهذا أوصى النبي ﷺ بتعاهد القرآن وقال: "والذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها" (١) . وهذا من حكمة الله أن يكون القرآن ينسى سريعًا لأجل أن يحرص القارئ على تعاهده وكثرة تلاوته فيحصل له الأجر ويزداد أجرًا، وليكون هذا امتحان واختبار من الله فيمن هو حريص على كتاب الله، أو ليس بحريص فأوصي إخواني الذين منَّ الله عليهم بحفظ القرآن أن يكثروا من قراءته لما في ذلك

стр. 10635

من الأجر والثواب، أسال الله أن يرزقنا جميعا تلاوة كتابه حق تلاوته حفظا وعلما وعملاً. س ٩٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن معلم يجد إحراجًا من قبل طلابه في أسئلة كثيرة، فما حكم الإجابة على أسئلتهم إذا كانت خارج المنهج ؟ فأجاب بقوله: الإجابة على أسئلة خارج المنهج المقرر لا تلزمه وهو في الفصل بل يقال للطالب: لا تسأل إلا في المقرر فقط؛ لأن السؤال خارج المقرر تشاغل بما لا يجب عما يجب. أما إذا كان خارج الفصل فإن المعلم يجيب الطلاب بما يعلمه، أما ما لا يعلمه فإنه يتوقف فيه، وإذا كان السؤال مما لا يليق فيُنصح عن مثل هذه الأسئلة ويتوجّه إلى ما هو خير. س ١٠٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز لطلبة العلم الشرعي التغيب عن بعض المحاضرات بحجة الاستذكار للاختبار في مادة أخرى خاصة إذا كان الطالب يقصر في البداية إذا بدأت الاختبارات؟ أو يتغيب عن المحاضرات للمذاكرة؟ وهل من نصيحة لطالب العلم ؟

стр. 10636

فأجاب بقوله: مسألة الجواز وعدم الجواز لا أستطيع أن أفتي فيها بشيء فالإنسان طبيب نفسه، ولا أدري لو كان يخصم على الإنسان إذا تغيب، هل يتغيب، أو لا؟ وأما النصيحة: فنصيحتي لكل إنسان دخل في جامعة يطلب فيها العلم الشرعي وما يسانده من العلوم الأخرى أن يخلص لله تعالى في طلب العلم بأن ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره من المسلمين، وأن ينوي بذلك حفظ شريعة الله، وحمايتها من أعدائها، وأن يذود عنها بقدر المستطاع بمقاله وقلمه حتى يؤدي ما يجب عليه، وقد قال الإمام أحمد ﵀: العلم لا يعدله شيء لمن صلحت نيته. قالوا: وكيف ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن أمته، وقال ﵀: تذاكر ليلة أحب إلي من إحيائها. وهذا يدل على فضيلة طلب العلم لكن بشرط الإخلاص، ولو لم يكن من فضل العلم إلا أن الله جعل العلماء شهداء على ألوهيته وتوحيده لقوله تعالى: (شَهدَ اللهُ أنهُ لَآ إلَهَ إِلا هوَ وَالمَلائِكةُ وَأولوا العلمِ) (١) والعلماء ورثة الأنبياء، ورثة في العلم، وورثة في العمل، وورثة في الأخلاق، وورثة في الدعوة إلى الله عز

стр. 10637

وجل فليؤت الإنسان هذا الإرث حقه، وليقم بواجبه حتى يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم. س ١٠١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل توجد فلسفة في الشريعة الإسلامية؟ وما الرد على من يدعي بذلك؟ وهل يجوز أن يدرس الطالب الفلسفة ويتعمق فيها ؟ فأجاب بقوله: الفلسفة بحث يوناني مستقل يتعمق فيه أصحابه حتى يؤول بهم إلى تحكيم العقل، ورد ما جاء في الكتاب والسنة، والفلسفة على هذا الوجه منكرة لا يجوز الخوض فيها ولا الدخول فيها، وأما الفلسفة بمعنى الحكمة فهذه موجودة في الشريعة الإسلامية والشريعة الإسلامية كلها مبنية على الحكمة قال الله ﵎: (أفَحُكمَ اَلجَاهلِيهِ يبغُون وَمَنْ أحسَنُ مِنَ اَلله حُكمَا لَقَوم يوقِنُونَ) (١) . لكنه لا ينبغي أن نقول عن الحكمة الشرعية أنها فلسفة؛ لأن هذه الكلمة يونانية، بل نقول عن الحكمة الشرعية: إنها حكمة وما من شيء في الشرع إلامعلل، لكن من الحكمة مانعلمه، ومنها ما لا

стр. 10638

نعلمه؛ لأن عقولنا قاصرة، وأعظم حكمة في الأحكام أن الحكم ثابت في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ؛ لأننا نؤمن بأن كل حكم ثبت في الكتاب والسنة فإنه حكمة وامتثاله حكمة؛ لأن في امتثاله طاعة الله، ورسوله ﷺ وحصول الثواب والأجر. وعلى هذا فلو سألنا سائل: عن حكمة شيء من الشرائع فإنه يكفيه إذا كان مؤمناً أن يقال: هكذا قال الله ورسوله؟ لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (١) وقد كان هذا هو المنهج الذي يسير عليه الصحابة ﵃؛ فقد سئلت أم المؤمنين عائشة ﵂ عن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فلماذا مع أن الصوم فرض والصلاة فرض، والصلاة أوكد من الصوم ومع ذلك لا تقضى، والصوم يقضى؛ فأجابت عائشة ﵂ بأن ذلك كان يصيبهم في عهد النبي ﷺ فيؤمرون بقضاء الصوم، ولا يؤمرون بقضاء الصلاة (٢) وهذا يعني أن الحكمة هي حكم الله ورسوله. س ١٠٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز لي أن أتعلَّم القرآن عند رجل مبتاع ؟

стр. 10639

فأجاب بقوله: لا تتعلم القرآن من مبتدع؛ لأنه يخشى منه أن يقلده المتعلمون منه، والناس سواه كثيرون. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٩/١/١٤١٩ هـ. س ١٠٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يعذر طلبة العلم الذين درسوا العقيدة على غير مذهب السلف الصالح محتجين بأن العالم الفلاني أو الإمام الفلاني يعتقد هذه العقيدة ؟ فأجاب بقوله: هذا لا يعذر به صاحبه حيث بلغه الحق؛ لأن الواجب عليه أن يتبع الحق أينما كان، وأن يبحث عنه حتى يتبين له. والحق- ولله الحمد- ناصع، بيِّن لمن صلحت نيته، وحسن منهاجه، فن الله- يقول في كتابه: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (١) ولكن بعض الناس- كما ذكر الأخ السائل - يكون لهم متبعون معظمون لا يتزحزحون عن آرائهم، مع أنه قد ينقدح في أذهانهم أن آراءهم ضعيفة أو باطلة، لكن التعصب والهوى يحملهم على موافقة متبوعيهم، وإن كان قد تبين لهم الهدى.

стр. 10640

س ١٠٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: من الملاحظ في الصحوة الإسلامية الاتجاه إلى العلم ولله الحمد والمنة، وخصوصاً علم السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم ومن الملاحظات: أ- التعرض للصحيحين (البخاري ومسلم) نقدًا، تضعيفًا وتصحيحًا من قبل بعض طلبة العلم الذين لم ترسخ أقدامهم في هذا العلم، علمًا بأن هذين الكتابين من أصول أهل السنة والجماعة وقد تلقتهما الأمة بالقبول. ب- رواج مذهب الظاهرية عند غالبية الشباب، والأعراض عن كتب فقهاء الأمة. جـ- انشغال بعض طلبة هذا العلم الشريف به عن العلوم الضرورية لطلبة العلم الشرعي مثل القرآن الكريم، واللغة العربية، والفقه والفرائض.. إلخ. د- شيوع ظاهرة التعالم والتصدر للتدريس والفتيا من قبل بعض طلبة العلم الذين لا يعرف لهم شيوخ ولا قدم ثابتة في العلم وإنما هي القراءة ومطالعة الكتب. فما توجيهكم حفظكم الله ورعاكم؟

стр. 10641

فأجاب بقوله: الجواب على الملاحظة الأولى: لاشك أن هذه الصحوة صاحبها ولله الحمد حب اتباع السنة والحرص عليها، ولكن كما ذكرت صار ينتهج هذا المنهج قوم لم يبلغوا ما بلغ أهل العلم من قبلهم في التحري والدقة، وربط الشريعة بعضها ببعض، وتقييد مطلقها، وتخصيص عامها، والرجوع إلى القواعد العامة المعروفة في الشريعة، فصاروا يلتقطون من كل وجه حتى من الأحاديث الضعيفة التي لا يعمل بها عند أهل العلم لشذوذها ومخالفتها لما في الكتب المعتمدة بين الأمة. تجدهم يتلقفونها ويحتدون فيها، وفي العمل بها وفي الإنكار على من خالفها، وكذلك أيضًا تجدهم قد بلغ ببعضهم العجب إلى أن صاروا يعترضون على الصحيحين أو أحدهما من الناحية الحديثية، ويعترضون على الأئمة من الناحية الفقهية، الأئمة الذين أجمعت الأمة على إمامتهم وحسن نيتهم وعلمهم، فتجد هؤلاء الذين لم يبلغوا ما بلغه من سبقهم يتعرضون لهؤلاء الأئمة، ويحطون من قدرهم، وهذه وصمة عظيمة لهذه الصحوة، والواجب على الإنسان أن يتريث، وأن يتعقل وأن يعرف لذوي الحق حقهم ولذوي الفضل فضلهم، وإنما يعرف الفضل من الناس أهله، نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق.

стр. 10642

وأما الجواب على الملاحظة الثانية فنقول: هذا أيضًا من البلاء، ولعل في جوابي السابق ما يدل عليه؛ لأن مذهب الظاهرية كما هو معروف مذهب يأخذ بالظاهر ولا يرجع إلى القواعد العامة النافعة، ولو أننا ذهبنا نتتبع من أقوالهم ما يتبين به فساد منهجهم، أو بعض منهجهم لوجدنا الكثير، ولكننا لا نحب أن نتتبع عورة الناس. والجواب على الملاحظة الثالثة: فلا شك أن الأولى بطالب العلم أن يبدأ أولاً بكتاب الله- فإن الصحابة- ﵃ كانوا لا يتعلمون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل (١) ، ثم بالسنة النبوية، ولا يقتصرون على معرفة الأسانيد والرجال والعلل إنما يحصرون على مسألة فقه هذه السنة؛ لأن النبي ﵊ يقول: "رب مبلغ أوعى من سامع" (٢) . ويقول "رب حامل فقه ليس بفقيه" (٣) . والناس الآن في

стр. 10643

ضرورة إلى معرفة الأسانيد وصحتها، وفي ضرورة أيضًا إلى الفقه في هذه السنن الواردة عن النبي ﷺ وتطبيقها على القواعد وأصول الشريعة حتى لا يضل الإنسان ويضل غيره. الجواب على الملاحظة الرابعة: يجب أن يعلم الإنسان المفتي، أنه سفير بين الله وبين خلقه، ووارث لرسول الله ﷺ ، فلابد أن يكون عنده علم راسخ يستطيع به أن يفتي عباد الله، ولا يجوز للإنسان أن يتصدر للفتوى والتدريس وليس معه علم؛ لأن الرسول ﷺ أخبر: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (١) . والحمد لله، الإنسان الذي يريد الخير ويتأنى حتى يدركه وينشره، إن فسح له الأجل حتى أدرك ما أراد فهذا هو مطلوبه، وإن لم يفسح له في الأجل وقف الله عليه الموت، فإنه كالذي يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله. وكم من إنسان تعجل في التدريس والفتيا فندم، لأنه تبين له أن ما كان يقرره في تدريسه أو يفتي به في فتواه كان خطأ، والكلمة إذا

стр. 10644

خرجت من فم صاحبها ملكته، وإذا كانت عنده ملكها. فليحذر الإخوة الذين هم في ريعان طلب العلم من التعجل، وليتأنوا حتى تكون فتواهم مبنية على أسس سليمة، وليس العلم كالمال يتطلب الإنسان فيه الزبائن ليدرك من يشتري منه، بل العلم إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيجب على الإنسان أن يكون مستشعرًا حين الفتوى شيئين: الأول: أنه يقول عن الله- وعن شريعة الله. الثاني: أنه يقول عن رسول الله ﷺ لأن العلماء ورثة الأنبياء. س ١٠٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما قول فضيلتكم في بعض الطلاب الذين يدرسون من أجل الوظيفة والراتب، وكذلك ما يفعله البعض من استئجار من يكتب لهم البحوث، أو يعد لهم الرسائل، أو يحقق بعض الكتب فيحصلون به على شهادات علمية ؟ فأجاب بقوله: يجب على طالب العلم إخلاص النية لله- وأن يعتقد أنه ما قرأ حرفًا ولا كلمة، ولا أتم صفحة في العلم الشرعي إلا وهو يقربه إلى الله .

стр. 10645

ولكن كيف يمكن أن ينوي التقرب إلى الله بطلب العلم؟ الجواب: يمكن ذلك؛ لأن الله أمر به، والله إذا أمر بشيء ففعله الإنسان امتثالاً لأوامر الله، فتلك عبادة الله؛ لأن عبادة الله هي امتثال أمره، واجتناب نهيه، وطلب مرضاته، واتقاء عقوبته. ومن إخلاص النية في طلب العلم أن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره من الأمة، وعلامة ذلك أن الرجل تجده بعد طلب العلم متأثرًا بما طلب، متغيرًا في سلوكه ومنهاجه، وتجده حريصًا على نفع غيره، وهذا يدل على أن نيته في طلب العلم رفع الجهل عنه وعن غيره فيكون قدوة، صالحًا مصلحًا، وهذا ما كان عليه السلف الصالح، أما ما عليه الخلف اليوم فيختلف كثيرًا عن ذلك، فتجد الأعداد الكبيرة من الطلاب في الجامعات والمعاهد، منهم من نيته لا تنفعه في الدنيا والآخرة، بل تضره، فهو ينوي أن يصل إلى الشهادة لكي يتوصل بها إلى الدنيا فقط، وقد جاء التحذير من الرسول ﷺ فقال: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" (١) . أي ريحها.
следующие страницы →