فأجاب بقوله: الجواب على الملاحظة الأولى: لاشك أن هذه الصحوة صاحبها ولله الحمد حب اتباع السنة والحرص عليها، ولكن كما ذكرت صار ينتهج هذا المنهج قوم لم يبلغوا ما بلغ أهل
العلم من قبلهم في التحري والدقة، وربط الشريعة بعضها ببعض، وتقييد مطلقها، وتخصيص عامها، والرجوع إلى القواعد العامة المعروفة في الشريعة، فصاروا يلتقطون من كل وجه حتى من
الأحاديث الضعيفة التي لا يعمل بها عند أهل العلم لشذوذها ومخالفتها لما في الكتب المعتمدة بين الأمة.
تجدهم يتلقفونها ويحتدون فيها، وفي العمل بها وفي الإنكار على من خالفها، وكذلك أيضًا تجدهم قد بلغ ببعضهم العجب إلى أن صاروا يعترضون على الصحيحين أو أحدهما من الناحية الحديثية،
ويعترضون على الأئمة من الناحية الفقهية، الأئمة الذين أجمعت الأمة على إمامتهم وحسن نيتهم وعلمهم، فتجد هؤلاء الذين لم يبلغوا ما بلغه من سبقهم يتعرضون لهؤلاء الأئمة، ويحطون من
قدرهم، وهذه وصمة عظيمة لهذه الصحوة، والواجب على الإنسان أن يتريث، وأن يتعقل وأن يعرف لذوي الحق حقهم ولذوي الفضل فضلهم، وإنما يعرف الفضل من الناس أهله، نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق.
стр. 10642
وأما الجواب على الملاحظة الثانية فنقول: هذا أيضًا من البلاء، ولعل في جوابي السابق ما يدل عليه؛ لأن مذهب الظاهرية كما هو معروف مذهب يأخذ بالظاهر ولا يرجع إلى القواعد العامة النافعة،
ولو أننا ذهبنا نتتبع من أقوالهم ما يتبين به فساد منهجهم، أو بعض منهجهم لوجدنا الكثير، ولكننا لا نحب أن نتتبع عورة الناس.
والجواب على الملاحظة الثالثة: فلا شك أن الأولى بطالب العلم أن يبدأ أولاً بكتاب الله- فإن الصحابة- ﵃ كانوا لا يتعلمون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من
العلم والعمل (١) ، ثم بالسنة النبوية، ولا يقتصرون على معرفة الأسانيد والرجال والعلل إنما يحصرون على مسألة فقه هذه السنة؛ لأن النبي ﵊ يقول: "رب مبلغ أوعى من
سامع" (٢) . ويقول "رب حامل فقه ليس بفقيه" (٣) . والناس الآن في
стр. 10643
ضرورة إلى معرفة الأسانيد وصحتها، وفي ضرورة أيضًا إلى الفقه في هذه السنن الواردة عن النبي ﷺ وتطبيقها على القواعد وأصول الشريعة حتى لا يضل الإنسان ويضل غيره.
الجواب على الملاحظة الرابعة: يجب أن يعلم الإنسان المفتي، أنه سفير بين الله وبين خلقه، ووارث لرسول الله ﷺ ، فلابد أن يكون عنده علم راسخ يستطيع به أن يفتي عباد الله، ولا يجوز للإنسان أن يتصدر للفتوى والتدريس وليس معه علم؛ لأن الرسول ﷺ أخبر: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (١) . والحمد لله، الإنسان الذي يريد الخير ويتأنى حتى يدركه وينشره، إن فسح له الأجل حتى أدرك ما
أراد فهذا هو مطلوبه، وإن لم يفسح له في الأجل وقف الله عليه الموت، فإنه كالذي يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.
وكم من إنسان تعجل في التدريس والفتيا فندم، لأنه تبين له أن ما كان يقرره في تدريسه أو يفتي به في فتواه كان خطأ، والكلمة إذا
стр. 10644
خرجت من فم صاحبها ملكته، وإذا كانت عنده ملكها.
فليحذر الإخوة الذين هم في ريعان طلب العلم من التعجل، وليتأنوا حتى تكون فتواهم مبنية على أسس سليمة، وليس العلم كالمال يتطلب الإنسان فيه الزبائن ليدرك من يشتري منه، بل العلم
إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيجب على الإنسان أن يكون مستشعرًا حين الفتوى شيئين:
الأول: أنه يقول عن الله- وعن شريعة الله.
الثاني: أنه يقول عن رسول الله ﷺ لأن العلماء ورثة الأنبياء.
س ١٠٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما قول فضيلتكم في بعض الطلاب الذين يدرسون من أجل الوظيفة والراتب، وكذلك ما يفعله البعض من استئجار من يكتب لهم البحوث، أو
يعد لهم الرسائل، أو يحقق بعض الكتب فيحصلون به على شهادات علمية ؟
فأجاب بقوله: يجب على طالب العلم إخلاص النية لله- وأن يعتقد أنه ما قرأ حرفًا ولا كلمة، ولا أتم صفحة في العلم الشرعي إلا وهو يقربه إلى الله .
стр. 10645
ولكن كيف يمكن أن ينوي التقرب إلى الله بطلب العلم؟
الجواب: يمكن ذلك؛ لأن الله أمر به، والله إذا أمر بشيء ففعله الإنسان امتثالاً لأوامر الله، فتلك عبادة الله؛ لأن عبادة الله هي امتثال أمره، واجتناب نهيه، وطلب مرضاته، واتقاء عقوبته.
ومن إخلاص النية في طلب العلم أن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره من الأمة، وعلامة ذلك أن الرجل تجده بعد طلب العلم متأثرًا بما طلب، متغيرًا في سلوكه ومنهاجه، وتجده حريصًا على نفع
غيره، وهذا يدل على أن نيته في طلب العلم رفع الجهل عنه وعن غيره فيكون قدوة، صالحًا مصلحًا، وهذا ما كان عليه السلف الصالح، أما ما عليه الخلف اليوم فيختلف كثيرًا عن ذلك، فتجد الأعداد الكبيرة من الطلاب في الجامعات والمعاهد، منهم من نيته لا تنفعه في الدنيا والآخرة، بل تضره، فهو ينوي أن يصل إلى الشهادة لكي يتوصل بها إلى الدنيا فقط، وقد جاء التحذير من الرسول ﷺ فقال: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" (١) . أي ريحها.
стр. 10646
وهذا خطر عظيم، علم شرعي تجعله وسيلة إلى عرض الدنيا، هذا قلب للحقائق.
والطالب إذا أخلص النية جاءته الدنيا تبعًا ولن يفوته شيء وسيخرج هو ومن يريد الشهادة للدنيا على حد سواء، بل المخلص أكثر تحصيلاً للعلم وأبلغ رسوخًا فيه.
وإن مما يؤسف له- كما ذكر السائل- أن بعض الطلاب يستأجرون من يعد لهم بحوثًا أو رسائل يحصلون بها على شهادات علمية، أو من يحقق بعض الكتب فيقول لشخص حضر لي تراجم
هؤلاء، وراجع البحث الفلاني، ثم يقدمه رسالة ينال بها درجة يستوجب بها أن يكون في عداد المعلمين أو ما أشبه ذلك، فهذا في الحقيقة مخالف لمقصود الجامعة ومخالف للواقع، وأرى أنه نوع من
الخيانة؛ لأنه لابد أن يكون المقصود من الرسالة هو الدراسة والعلم قبل كل شيء، فإذا كان المقصود من ذلك الشهادة فقط فإنه لو سئل بعد أيام عن الموضوع الذي حصل على الشهادة فيه لم يجب.
لهذا أحذر إخواني الدين يحققون الكتب، أو الذين يحضرون رسائل على هذا النحو من العاقبة الوخيمة، وأقول: إنه لا بأس من الاستعانة بالغير ولكن ليس على وجه أن تكون الرسالة كلها من صنع غيره، وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع مجيب.
стр. 10647
س ١٠٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض المبتدئين يبدؤون في القراءة من كتاب (المحلى) لابن حزم ﵀ بحجة التمرن على المناظرة، وحينما تنصحهم بأن هذا سابق لأوانه
يقولون: نريد التمرن، فهل هذا صحيح ؟
فأجاب بقوله: مناظرة ابن حزم- ﵀ مناظرة صعبة، يشدد على خصمه، ويحصل منه أحيانًا سبّ لمخالفه، فهو- ﵀ كان شديدًا جدًا، وأخشى أن يكون طالب العلم الصغير إذا تعود
على مثل ما كان عليه ابن حزم أخشى عليه من المماراة، فلو أنه سلك مسلكًا سهلاً لكان أحسن، وإذا حصل على قدر كبير من العلم- إن شاء الله- وعرف كيف يستفيد من ابن حزم فليطالع في كتابه، لذلك لا أنصح بمطالعته للطالب المبتدئ، لكن التمرن على المجادلة لإثبات الحق أمر لابد منه، فكثير من الناس عنده علم واسع ولكنه عند المجادلة لا يستطيع إثبات الحق.
س ١٠٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما نصيحة فضيلتكم لمن يجعل الولاء والبراء لإخوانه في موافقتهم له في مسألة أو عدم موافقتهم له، وكذلك ما يحصل من الحسد والبغض من طلاب العلم ؟
стр. 10648
فأجاب بقوله: هذا صحيح، فإن بعض الناس يجعلون الولاء والبراء مقيد بالموافقة له أو عدم الموافقة، فتجد الشخص يتولى الشخص، لأنه وافقه فيها، ويتبرأ منه لأنه خالفه، وأذكر لكم قصة
مرت علينا في منى بين طائفتين من الإفريقيين كل واحد يلعن الثاني ويكفره، فجيء بهم إلينا، وهم يتنازعون.
قلنا: ما الذي حدث؟
قال الأول: هذا الرجل إذا قام إلى الصلاة يضع يده اليمنى على اليسرى فوق الصدر وهذا كفر بالسنة.
وقال الثاني: هذا إذا قام للصلاة يرسل يديه على الفخذين دون أن يجعل اليمنى على اليسرى وهذا كفر؛ لأن النبي ﷺ قال: "فمن رغب عن سنتي فليس مني " (١) .
وعلى هذا يكفر بعضهم بعضًا، مع العلم أن هذه المسألة مسألة سنة، وليست واجبة ولا ركناً ولا شرطاً للصحة. وبعد جهد وعناء كبير اقتنعوا أمامنا والله أعلم بما وراءنا، والآن تجد بعض الإخوان مع الأسف يرد على إخوانه أكثر مما يرد على الملحدين الذين كفرهم صريح، يعاديهم أكثر مما يعادي هؤلاء ويشهر بهم في كلام لا أصل
стр. 10649
له، ولا حقيقة له، لكن حسد وبغي، ولاشك أن الحسد من أخلاق اليهود أخبث عباد الله.
ثم إن الحسد لا يستفيد منه الحاسد إطلاقًا، بل لا يزيده إلا غمًا وحسرة، ابغ الخير للغير يحصل لك الخير، واعلم أن فضل الله يؤتيه من يشاء، لو حسدت فإنك لن تمنع فضل الله، ربما تمنع فضل الله
عليك بمحبتك زوال فضل الله على غيرك وكراهتك نعمة الله على غيرك، لذلك الحاسد من طلبة العلم مشكوك في نيته وإخلاصه في طلب العلم؛ لأنه إنما حسد لكون الثاني صار له جاه عند الناس، وله كلمة والتفَّ الناس حوله فحسده، لكونه يريد الدنيا، أما لو كان يريد الآخرة حقًا، ويريد العلم حقًا، لسأل عن هذا الرجل الذي التفّ الناس حوله وأخذوا بقوله. تسأل عن علمه لتكون مثله أيضًا، تجيء أنت لتستفيد منه، أما أن تحسده وتشوه سمعته، وتذكر فيه من العيوب ما ليس فيه فهذا لاشك أنه بغي وعدوان وخصلة ذميمة.
س ١٠٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: نحن طلبة نتلقى العلم، وندرس العقيدة على معلمين يدرسونا العقيدة الأشعرية، ويفسرون يد الله تعالى بقدرته أو نعمته، واستواءه على عرشه بالاستيلاء عليه ونحو ذلك، فما حكم الدراسة على هؤلاء المعلمين ؟
стр. 10650
فأجاب بقوله: هؤلاء الذين يفسرون القرآن بهذا التفسير سميناهم أشعرية أو غير هذا الاسم، لاشك أنهم أخطئوا طريقة السلف الصالح. فإن السلف الصالح لم يرد عنهم حرف واحد فيما
ذهب إليه هؤلاء المتأولون، فليأتوا بحرف واحد عن رسول الله ﷺ ، أو عن أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي- ﵃ أجمعين- أنهم أولوا اليد بالقدرة أو بالقوة، أو أولوا الاستواء بالاستيلاء، أو أولوا الوجه بالثواب، أو أولوا المحبة بالثواب أو بغير الثواب، ليأتوا
بحرف واحد عن هؤلاء أنهم فسروا هذه الآيات وأمثالها بما فسر به هؤلاء، فإذا لم يأتوا فيقال: إما أن يكون السلف الصالح وعلى رأسهم رسول الله ﷺ وهو إمام المتقين ﵊ إما أن يكونوا على جهل بمعاني هذه العقيدة العظيمة، وإما أن يكونوا على
علم، ولكن كتموا الحق وكلا الأمرين لا يمكن أن يوصف به رسول الله ﷺ ولا أحد من خلفائه الراشدين ولا من صحابته المرضيين، فإذا كان ذلك لا يمكن في هؤلاء وجب أن نسير على هديهم.
وإن نصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله ، وأن يدعوا قول فلان وفلان، وأن يرجعون إلى كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وأن يعلموا أن لهم مرجعًا يرجعون إلى الله تعالى فيه، ولا يمكن أن يكون لهم حجة فيما قال فلان وفلان،
стр. 10651
والله إنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئًا، إن الله تعالى يقول: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (١) ولم يقل: (ويوم يناديهم فيقول: ماذا أجبتم فلان وفلان) وإن الله ﵎ يقول في كتابه العظيم: (فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (٢) فأمر بالإيمان به واتباعه وإذا كان كذلك فهل يمكن أن يكون الإنسان مؤمنًا بالله ورسوله تمام الإيمان ثم يعدل عن سنة رسوله ﷺ في عقيدته بربه، ويحرف ما
وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه به رسول الله ﷺ لمجرد وهميات يدعونها عقليات؟
إنني أنصحهم أن يرجعوا إلى الله- وأن يدعوا كل قول، لقول الله ورسوله ﷺ فإنهم إن ماتوا على ذلك ماتوا على خير وحق وإن خالفوا ذلك فهم على خطر عظيم، ولن يغنوا عنهم من الله شيئًا، قال الله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)) (٣) .
أكرر النصيحة لكل مؤمن أن يرجع إلى كتاب الله تعالى وسنة
стр. 10652
رسوله ﷺ ، فيما يعتقده بربه ومعبوده- جل وعلا- وفيما يعتقده في الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وفيما كان عليه أئمة المسلمين الذين قادوا الناس بسنة رسول الله ﷺ ، دون التحكيم إلى العقول التي هي وهميات في الحقيقة فيما يتعلق بالله تعالى وأسمائه وصفاته.
ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حق الإجادة في قوله عن أهل الكلام: (إنهم أوتوا فهمًا ولم يؤتوا علومًا، وأوتوا ذكاء ولم يؤتوا زكاء) ، فعلى الإنسان أن يوسع مداركه في العلوم المبنية على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن يزكي نفسه باتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
أسأل الله تعالى أن يتوفانا جميعًا على الإيمان، وأن نلقاه وهو راض عنا إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أملاه محمد الصالح العثيمين.
س ١٠٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هناك بعض الناس يتعصبون لأقوالهم جدًا، وينكرون على الآخرين الذين لم يأخذوا بأقوالهم، وقد يقعون في أصحاب هذه الأقوال الأخرى بالغيبة
والسب، فما قولكم في هذا ؟
فأجاب بقوله: أرى أن هذا مما يلقيه الشيطان بين الناس ليفسد ما
стр. 10653
بينهم من روابط الدين والأخوَّة والمحبة، فإن الشيطان لما رأى الفتح في عهد النبي ﷺ وقوة الإسلام يئس من أن يعبد في هذه الجزيرة، ولكن لم ييأس من التحريش بينهم، وهذا هو الواقع، والذي نرى أن الواجب على الشباب وغير الشباب أن يتقوا الله ،
ويصلحوا ذات بينهم، كما أمر الله بذلك في قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)) (١) وألا يكون همهم القيل والقال وكثرة السؤال، بل على كل إنسان أن ينظر مصلحته الدينية والدنيوية ويقوم بها، وأما التعرض لأناس بأشخاصهم، بالقدح فيهم وقد يكونون ليسوا محلاً للقدح فهذا خطأ عظيم، وقد سئل النبي ﷺ عن الغيبة فقال: "ذكرك أخاك بما يكره ".
قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " (٢) .
وغيبة العلماء والأمراء أشد من غيبه غيرهم؛ لأن غيبة العلماء يحصل بها انحطاط قدر العالم بين الناس، وإذا انحط قدر العالم بين الناس لم يقبلوا قوله ولا ما يجيء به من شريعة الله، فتكون غيبة العالم
قدحًا فيه، ومنعًا لما ينتفع به الناس مما يبينه من شريعة الله .
стр. 10654
وغيبة الأمراء أيضًا عظيمة؛ لأن الناس إذا انحط قدر أمرائهم عندهم، فإنهم لن ينصاعوا لأوامرهم، وسوف يحتقرونهم، فتحصل الفوضى، ويختل الأمن، ولهذا قال الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)) (١) وهذا يشمل العلماء والأمراء، فإذا كان هؤلاء قد أمرنا بطاعتهم في غير معصية الله، فالواجب احترامهم واحترام
أعراضهم، وإذا علمنا من أحد منهم خطأ أو زللاً، فالواجب النصيحة له حتى يزول الإشكال.
فعلى الشباب ألا يتعصبوا للأشخاص، بل يأخذوا الحق ممن جاء به كائنًا من كان، وألا يجعلوا الخلاف يقودهم إلى احتقار الآخرين وهتك أستارهم وغيبتهم، فإن هذا مما لا يجوز بحال.
س ١١٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: نحن طلاب العلم نحفظ الكثير من الآيات على سبيل الاستشهاد، وفي نهاية العام نكون قد نسينا الكثير منها، فهل ندخل في حكم من يعذبون
بسبب نسيان ما حفظوه ؟
стр. 10655
فأجاب بقوله: نسيان القرآن له سببان:
الأول: ما تقتضيه الطبيعة.
الثاني: الإعراض عن القرآن وعدم المبالاة به.
فالأول: لا يأثم به الإنسان ولا يعاقب عليه، فقد وقع من رسول الله ﷺ حين صلى بالناس ونسي آية، فلما انصرف ذكره بها أبي بن كعب رضي الله عنة، فقال له النبي ﷺ : "هلا كنت أذكرتنيها" (١) .
وسمع رسول الله قارئًا يقرأ، فقال: "يرحم الله فلانًا فقد ذكرني آية كنت أنسيتها" (٢) . وهذا يدل على أن النسيان الذي يكون بمقتضى الطبيعة ليس فيه لوم على الإنسان.
أما ما سببه الإعراض وعدم المبالاة فهذا قد يأثم به.
وبعض الناس يكيد له الشيطان ويوسوس له ألا يحفظ القرآن لئلا ينساه ويقع في الإثم، والله يقول: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)) (٣) فليحفظ الإنسان
القرآن، لأنه خير وليؤمل عدم النسيان، والله سبحانه عند ظن عبده به.
стр. 10656
ونظير هذا ما يستدل به بعض الناس بقول الله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (١) فيترك السؤال والعلم والتعلم.
ولكن كان هذا حين نزول الوحي والتشريع، فقد يسأل البعض عن أشياء سكت الله عنها فتبين لهم فيكون فيها تشديد على المسلمين بالإيجاب أو التحريم. أما الآن فلا تغيير في الأحكام ولا نقص فيها فيجب السؤال عن الدين.
س ١١١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: قد يعلم الإنسان شيئًا ويأمر غيره وهو نفسه لا يعمله سواء كان فرضًا أو نفلاً، فهل يحل له أن يأمر غيره بما لا يعمل؟
وهل يجب على المأمور امتثال أمره أم يحل له الاحتجاج عليه بعدم عمله ثم لا يعمل ما أمر به تبعًا لذلك ؟
فأجاب بقوله: هنا أمران:
الأمر الأول: هذا الذي يدعو إلى الخير وهو لا يفعله نقول له:
قال الله- : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (٢) .
стр. 10657
وأنا أعجب كيف رجل يؤمن بأن هذا هو الحق، ويؤمن بأن التعبد لله به يقربه إليه، ويؤمن بأنه عبد لله، ثم لا يفعله، فهذا شيء يعجب له ويدل على السفه وأنه محط التوبيخ واللوم لقوله تعالى:
(لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) (١) فنقول لهذا الرجل: أنت آثم بتركك العمل بما علمت وبما تدعو إليه، ولو بدأت بنفسك لكان ذلك من العقل والحكمة.
أما الأمر الثاني: بالنسبة للمأمور فإنه لا يصح له أن يحتج على هذا الرجل بفعله فإذا أمره بخير وجب عليه القبول، يجب أن يقبل الحق من كل من قال به ولا يأنف من العلم.
س ١١٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يقع من بعض طلبة العلم- هداهم الله- الاشتغال بالقيل والقال والكلام فيما لا ينفع مما يترتب عليه إضاعة الأوقات، فما نصيحتكم ؟
فأجاب بقوله: ما ذكره السائل من أن البعض يخوضون في أشياء كثيرة، سواءً كان في أمور العامة، أو في العلماء، أو في الأمراء، أو في الدعاة، أو في المؤلفين، أو في أشياء كثيرة، وهذا الكلام الذي يخوض الناس فيه هو من الأمر الذي نهى عنه الرسول ﵊، فقد كان
стр. 10658
ينهى عن "قيل وقال وكثرة السؤال" (١) .
والمعنى لقوله: "قيل وقال" النهي عن الكلام الذي ليس له أصل وليس ثابتاً، ومثاله: كان يقول قائل: والله سمعنا كذا وكذا، وقال فلان كذا، بدون تثبُّت.
ومعنى قوله: "وعن كثرة السؤال" النهي عن كثرة الأسئلة التي لا تتعلق بها مصلحة عامة أو خاصة.
ثم إنه ﷺ نهى عن إضاعة المال، وإذا كان إضاعته سفه، فإضاعة الوقت أشد سفهاً، والوقت أغلى على الإنسان من المال، ويظهر ذلك إذا حضره الموت؛ علم أن الوقت أهم من المال؛ يقول الله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (٢) . لم يقل: ارجعون لأتمتع بالدنيا، قال: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) هذا المال الذي تركته وخلفته ردني إليه يا رب لعلي أعمل صالحاً فيه، قال تعالى: (كَلاَّ) . يعني لا رجوع، أو بمعنى: (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (٤) .
فالاشتغال بالقيل والقال وماذا طرأ على فلان وفلان، يوجب للطالب شيئين ليس أمرهما بالهين:
стр. 10659
الأول: أنه يصرفه عن الإقبال إلى الله؛ لأن قلبه يكون مشغولاً بأخبار الناس، وماذا قال فلان، وماذا قيل له، وماذا قيل عنه؟
فينصرف عن طاعة الله؛ لأن القلب إناءٌ، إذا امتلأ من شيء لم يحتمل الشيء الآخر، فلو ملأت إناء لبناً هل يمكن أن تضيف إليه ماءً؟ لا، ولو أضفنا إليه ماءً لساح، فكذلك القلب إذا تعلق بشيء
فإنه يغفل عن الشيء الآخر.
قال الله : (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (١) .
الشيء الثاني: مما يحصل: يتتبع الأقوال وقيل وقال: أنه يحصل به الغفلة عما هو أهم، أو الانشغال عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن مصالح كثيرة.
فنصيحتي لطلبة العلم: بألا يتشاغلوا بأمرٍ يُضيّع عليهم الأوقات وأن يتجهوا إلى التشاغل بالعلم والعمل به والدعوة إلى الله ، دون إعجاب بالنفس ودون احتقار للغير؛ لأن هذين داءان
عظيمان: الإعجاب بالنفس والاحتقار للغير.
стр. 10660
موقف طالب العلم من العلماء
стр. 10661
س ١١٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يقع من بعض الناس- هداهم الله تعالى- التقليل من شأن العلماء بدعوى عدم فقه الواقع، فما توجيه سماحتكم جزاكم الله خيرًا ووفقكم لما يحبه
ويرضاه ؟
فأجاب بقوله: لاشك أن فقه الواقع أمر مطلوب، وأن الإنسان لا ينبغي أن يكون في عزلة عما يقع حوله وفي بلده، بل لابد أن يفقه لكن لا ينبغي بأي حال من الأحول أن يكون الاشتغال بفقه الواقع
مشغلاً عن فقه الشريعة والدين، الذي قال فيه الرسول ﷺ : " من يرد
الله به خيرًا يفقهه في الدين " (١) ، لم يقل: يفقهه في الواقع، فإذا كان عند الإنسان علم بما يقع حوله لكنه قد صرف جهده وجل أمره إلى الفقه في دين الله، فهذا طيب، أما أن ينشغل بالواقع والتفقه فيه- كما زعم - والاستنتاجات التي يخالفها ما يقع فيما بعد؛ لأن كثيرًا من المشتغلين بفقه الواقع يقدمون حسب ما تمليه عليهم مخيلتهم، ويقدرون أشياء يتبين أن الواقع بخلافها، فإذا كان فقه الواقع لا يشغله عن فقه الدين، فلا بأس به، لكن لا يعني ذلك أن نقلل من شأن علماء يشهد لهم بالخير وبالعلم وبالصلاح لكنهم يخفى عليهم
стр. 10662
بعض الواقع، فإن هذا غلط عظيم، فعلماء الشريعة أنفع للمجتمع من علماء فقه الواقع.
ولهذا تجد بعض الذين عندهم اشتغال كثير في فقه الواقع وانشغال عن فقه الدين لو سألتهم عن أدنى مسألة في دين الله لوقفوا حيارى، أو تكلموا بلا علم، يتخبطون تخبطًا عشوائيًا.
والتقليل من شأن العلماء الراسخين في العلم المعروفين بالإيمان والعلم الراسخ جناية، ليس على هؤلاء العلماء بأشخاصهم، بل على ما يحملونه من شريعة الله تعالى أيضًا، ومن المعلوم أنه إذا قلَّت هيبة العلماء، وقلت قيمتهم في المجتمع فسوف يقل بالتبع الأخذ عنهم، وحينئذ تضيع الشريعة التي يحملونها أو بعضها، ويكون في هذا جناية عظيمة على الإسلام وعلى المسلمين أيضًا.
والذي أرى أنه ينبغي أن يكون عند الإنسان اجتهاد بالغ، ويصرف أكبر همه في الفقه في دين الله- وأن يعرف ما حوله من الأمور التي يعملها أعداء الإسلام للإسلام.
ومع ذلك أكرر أنه لا ينبغي للإنسان أن يصرف جل همه ووقته للبحث عن الواقع، بل أهم شيء أن يفقه في دين الله وأن يفقه من الواقع ما يحتاج إلى معرفته فقط- وكما أشرت سابقًا في أول
الجواب- أن من فقهاء الواقع من أخطئوا في ظنهم وتقديراتهم
стр. 10663
وصار المستقبل على خلاف ما ظنوا تمامًا.
لكن هم يقدرون ثم يبنون الأحكام على ما يقدرونه فيحصل بذلك الخطأ، وأنا أكرر أنه لابد أن يكون الفقيه بدين الله عنده شيء من فقه أحوال الناس وواقعهم حتى يمكن أن يطبق الأحكام
الشريعة على مقتضى ما فهم من أحوال الناس، ولهذا ذكر العلماء في باب القضاء: أن من صفات القاضي أن يكون عارفًا بأحوال الناس ومصطلحاتهم في كلامهم وأفعالهم.
س ١١٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يذكر البعض: بأنه لا تجوز المذهبية ولا تقليد أحد المذاهب الأربعة وإنما العلم بالدليل، لكن ذلك يجعلني أتساءل دائمًا لقد كانت منابع هؤلاء
الأئمة الكتاب والسنة والسؤال، فهل يجوز تقليد أي مذهب من المذاهب الأربعة دون التعصب لها ؟
فأجاب بقوله:. إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يستخرج الحكم بنفسه من الكتاب والسنة، فما عليه إلا التقليد لقول الله ﵎: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١) ومن
стр. 10664
المعلوم أن العامي لا يمكن أن يستخلص الحكم من الأدلة لأنه عامي فما عليه إلا أن يقلد، وفي هذه الحال يجب عليه أن يقلد من يرى أنه أقرب إلى الصواب لسعة علمه، وقوة دينه، وأمانته، ولا يحل
لإنسان أن يُقلّد على وجه التّشهي فإذا رأى القول السّهل الميسَّر تبعه سواء كان من فلان أو من فلان، فهذا ربما يقلد عشرة أشخاص في يوم واحد حسبما يقتضيه مزاجه، والواجب اتباع من يرى أنه أقرب إلى الصواب لعلمه وأمانته.
أما التزام التمذهب بمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه على كل حال فهذا ليس بجائز؛ وذلك لأنه فيه طاعة غير الله ورسوله ﷺ على وجه الإطلاق، ولا أحد جدير بطاعته والعمل بقوله على وجه الإطلاق إلا الله ورسوله ﷺ .
س ١١٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: نقرأ في بعض الكتب أن للإمام أحمد بن حنبل ﵀ في المسألة الفلانية قولين أو ثلاثة، فلا أدري هل يعني ذلك أن هذه الأقوال هي عدة آراء
رآها الإمام أحمد ﵀ ولم يترجح عنده أحدها، أم أنها آراء قد نسخ اللاحق منها السابق أم ماذا؟ نرجو بيان ذلك .
стр. 10665
فأجاب بقوله: بيان ذلك أن العلماء الكبار المجتهدين قد تختلف اجتهاداتهم من آن لأخر بحسب ما يبلغهم من العلم، والإنسان بشر وطاقة محدودة، قد يكون عنده في هذا الوقت علم ثم يتبين له أن
الأمر بخلافه في وقت آخر، إما بسبب البحث ومراجع الكتب، وإما بالمناقشة فإن الإنسان قد يركن إلى قول من الأقوال، ولا يظن أن هناك معارضة له ثم بالمناقشة مع يتبين له أن الصواب في خلافه
فيرجع، والحاصل أن الإمام أحمد ﵀ إذا روي عنده في مسألة أقوال متعددة فإن معنى ذلك أنه ﵀ اطلع في القول الثاني إلى أمر لم يطلع عليه في الأمر الأول فيقول به.
ثم هل نقول: إن هذه الآراء باقية؟
أو نقول: إن آخرها نسخ أولها؟
نقول: إن هذه الآراء باقية، وذلك لأن هذه الآراء صادرة عن اجتهاد، والاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله فقد يكون الصواب في قوله الأول فتبقى هذه الأقوال.
اللهم إلا إذا صرح برجوعه عن القول الأول.
مثل قوله ﵀: كنت أقول بطلاق السكران حتى تبينته فتبينت أنني إذا قلت بوقوع الطلاق أتيت بخصلتين حرمتها على زوجها الأول، وأحللتها إلى زوج آخر، وإذا قلت بعدم الطلاق أتيت
стр. 10666
خصلة واحدة أحللتها للزوج الأول فهذا صريح في أنه رجع عن القول الأول فيؤخذ بالقول الثاني، أما إذا لم يصرح فإن القولين كلاهما ينسب إليه ولا يكون الثاني ناسخًا.
وربما يقال: إنه إذا أيد القول الثاني بنص واستدل له فإنه يعتبر رجوعًا عن القول الأول؛ لأن النص واجب الاتباع، فإذا قيل بهذا فله وجه، وحينئذٍ يكون قوله الثاني هو مذهبه.
والله أعلم.
стр. 10667
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم/ ... حفظه الله تعالى.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فقد قرأت كتابكم هذا وفهمت ما فيه وما أبداه بعض الإخوان من مراجعتي قبل أن تظهروه فهذا طيب، وأطيب منه أن يحصل الاجتماع بيننا للاطلاع على ما كتبتموه، فلعله يتبين ما لم يكن
معلوماً من قبل حتى لا يحصل بين الإخوان طلبة العلم ما تقر به أعين الأعداء من الخلافات والردود.
ولا يخفاكم أننا في أمس الحاجة إلى لمِّ الشعث ورأب الصدع؛ لأن من الناس من يتربص الدوائر بالإخوان ويسعى بكل جهده إلى تفريق كلمتهم وتشتيت شملهم.
فهناك ملحدون منحرفون يرون الخلافات بين الإخوان فرصة لنيل مآربهم.
وهناك مبتدعون يرون الخلاف بين الإخوان فرصة تشغلهم عن الرد عليهم.
وهناك خرافيون يريدون مثل هذا الخلاف.. وهناك وهناك.
وإن هؤلاء وأمثالهم يريدون أن يقع الخلاف والشقاق والتفرق
стр. 10668
بين الإخوان؛ لأن في ذلك الفشل وذهاب الريح وضعف الجانب وتمزق الأمة إلى أحزاب، هذا ينصر هذا، وهذا ينصر هذا.
ولست أعني بذلك أن يُسكت عن بيان الحق، ولكن يمكن أن يُبيّن الحق بطريق لا تُحصل فيه مفسدة وانقسام.
وأخيراً أؤكد لكم أن من الخير أن يحصل الاجتماع ودراسة ما كتبتم في الموضوع والتشاور فيما يحقق المصلحة، وأبين لكم أن رأيي تحريم اقتناء الصور سواء كانت مرسومة باليد، أم ملتقطة بالآلة
الفوتغرافية حتى ما يفعله بعض الناس اليوم مما يسمونه جمع الصور للذكرى، لكن ما دعت الضرورة إليه والحاجة كالرخصة والتابعية وجواز السفر لا نستطيع أن نمنع الناس منه لما في ذلك من الحرج
والمشقة. ولم أزل على ذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه محمد العثيمين ١٨/٩/١٤٠٧ هـ.
стр. 10669
س ١١٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يقول: ما حكم تقليد مذهب من المذاهب الأربعة ؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ينقسم الناس إلى أقسام بالنسبة لالتزام المذاهب.
القسم الأول: من ينتسب إلى مذهب معين لظنه أنه أقرب المذاهب إلى الصواب، لكنه إذا تبين له الحق اتبعه وترك ما هو مقلد له، وهذا لا حرج فيه، وقد فعله علماء كبار كشيخ الإسلام ابن تيمية
﵀ بالنسبة لمذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، فإنه- أعني ابن تيمية- كان من أصحاب الإمام أحمد ويعد من الحنابلة، ومع ذلك فإنه حسب ما اطلعنا عليه في كتبه وفتاويه إذا تبين له الدليل اتبعه ولا يبالي أن يخرج بما كان عليه أصحاب المذهب، وفعله كثيراً، فهذا لا بأس به؛ لأن الانتماء إلى المذهب ودراسة قواعده وأصوله يعين الإنسان على فهم الكتاب والسنة وعلى أن تكون أفكاره مرتبة.
القسم الثاني: من الناس من هو متعصب لمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه دون أن ينظر في الدليل، بل دليله كتب أصحابه، وإذا تبين الدليل على خلاف ما في كتب أصحابه ذهب يؤوله تأويلاً مرجوحًا من أجل أن يوافق مذهب أصحابه، وهذا مذموم وفيه شبه
стр. 10670
من الذين قال الله فيهم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)) (١) .
وهم وإن لم يكونوا بهذه المنزلة لكن فيهم شبه منهم فهم على خطر عظيم؛ لأنهم يوم القيامة سوف يقال لهم ماذا أجبتم المرسلين، لا يقال: ماذا أجبتم الكتاب الفلاني، أو الكتاب الفلاني، أو الإمام
الفلاني.
القسم الثالث: مَنْ ليس عنده علم وهو عامي محض فيتبع مذهبًا معينًا؛ لأنه لا يستطيع أن يعرف الحق بنفسه، وليس من أهل الاجتهاد أصلاً، فهذا داخل في قول الله : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٢) .
ويتفرع على هذا السؤال سؤال آخر وهو: إذا سال العامي شيخًا من العلماء فأفتاه وسمع شيخًا آخر يقول خلاف ما أفتى به، فمن يأخذ بقوله؟ يتحير العامي أيأخذ بقول هذا أو هذا، وهو ليس عنده
стр. 10671
قدرة على أن يرجح أحد القولين بالدليل.
فيقال في جواب هذا السؤال: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها انظر إلى قول فلان لكونه أعلم وأورع فاتبعه، وإذا تساوى عندك الرجلان.
فقيل: يؤخذ بأشدهما وأغلظهما احتياطًا وقيل: يؤخذ بأيسرهما وأسهلهما؛ لأنه الأقرب إلى القاعدة الشرعية، والأصل براءة الذمة.
وقيل: يخير.
والأقرب: أنه يأخذ بالأيسر لقول الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (١) والأدلة متكافئة؛ لأن المفتيين كلاهما في نظر السائل على حد سواء.
س ١١٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يذكر بعض الأخوة بأنه من الواجب علينا إذا مر ذكر صحابي أثناء قراءتنا أننا نقول: ﵁، ولكن إذا مر ذكر تابعي أو من السلف وقلنا: رضي
الله عنه، هل في ذلك حرج ؟
فأجاب بقوله: ليس من الواجب أن نقول كلما مر بنا ذكر صحابي ﵁، هذا ليس من الواجب، لكن من حق
стр. 10672
الصحابة علينا أن ندعو الله لهم كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)) (١) أما أن نترضى عنهم كلما ذكر اسم واحد منهم فهذا ليس بواجب، والترضي يكون عن الصحابة، ويكون عن التابعين، ويكون عن تابعي التابعين، ويكون عمن كان عابدًا لله على الوجه الذي يرضاه إلى يوم القيامة، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (٢) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)) (٣) ذلك لمن خشي ربه إلى يوم القيامة، لكن جرت عادة المحدثين ﵏ أن يخصوا الصحابة بالترضي عنهم، ومن بعدهم بالترحم عليهم، ويقولوا في الصحابي ﵁ وأن يقولوا فيمن بعد الصحابة: ﵀ ، ولكن لو أنك قلت في الصحابي: ﵀ وفي غيره
стр. 10673
(﵁ فلا حرج عليك إلا إذا خشيت أن يتوهم السامع بأن التابعي صحابي والصحابي تابعي فهنا لابد أن تبين فتقول قال عبد الله ابن مسعود، وهو من الصحابة ﵀، أو قال مجاهد وهو من التابعين ﵁؛ حتى لا يتوهم أحد أن ابن مسعود من التابعين، ومجاهد من الصحابة.
س ١١٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض الناس يعتقد أن دور علماء المسلمين مقصور على الأحكام الشرعية، وأنه لا دخل لهم في العلوم الأخرى كالسياسة والاقتصاد ونحوهما، فما
رأيكم في هذا الاعتقاد ؟
فأجاب بقوله: رأينا في هذا الاعتقاد أنه مبني على الجهل في حال العلماء، ولا ريب أن علماء الشريعة عندهم علم في الاقتصاد وفي السياسة، وفي كل ما يحتاجون إليه في العلوم الشريعة، وإذا شئت أن تعرف ما قلته فانظر إلى محمد رشيد رضا- ﵀ صاحب مجلة المنار في تفسيره وفي غيرها من كتبه.
وانظر أيضًا إلى من قبله من أهل العلم بالشرع من يكون مقدمًا للأهم على المهم، فتجده في العلم الشرعي بلغ إلى نصيب كبير، وفي العلوم الأخرى يكون أقل من ذلك بناء على قاعدة أن تبدأ بالأهم
стр. 10674
قبل المهم؛ لأن النبي ﷺ قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في
الدين " (١) .
س ١١٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هناك بعض طلبة العلم يحرص على حضور دروس طلبة العلم دون أن يلقي اهتمامًا بدروس العلماء الذين جمعوا ما لم يجمعه طلبة العلم. فما توجيه
فضيلتكم- حفظكم الله تعالى -؟
فأجاب بقوله: الذي أراه أن الإنسان ينبغي أن يطلب العلم على عالم ناضج؛ لأن بعض طلبة العلم يتصدر للتدريس فيحقق المسألة من المسائل سواءً حديثية، أو فقهية، أو عقائدية يحققها تمامًا ويراجع
عليها، فإذا سمعه الناشيء من طلبة العلم ظن أنه من أكابر العلماء، لكن لو خرج قيد أنملة عن هذا الموضوع الذي حققه ونقحه وراجع عليه وجدت أنه ليس عنده علم؛ لذلك يجب على طالب العلم
المبتدئ أن يتلقى العلم على يد العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم ودينهم.
стр. 10675
س ١٢٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما الأمور التي يجب توافرها فيمن يتلقى عنه العلم ؟
فأجاب بقوله: لابد أن يطلب العلم على شيخ متقن ذي أمانة، لأن الإتقان قوة، والقوة لابد معها من أمانة، قال الله تعالى:
(إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (١) ربما يكون العالم عنده إتقان وسعة علم وقدرة على التفريع والتقسيم، ولكن ليس عنده أمانة، فربما أضلك من حيث لا تشعر.
وليعلم أن أخذ العلم عن الشيخ أفيد من الكتب من وجوه:
الأول: قصر المدة.
الثاني: قلة التكلفة.
الثالث: أن ذلك أحرى بالصواب.
لأن هذا الشيخ قد علم وتعلم ورجح وفهم فيعطيك الشيء ناضجًا، لكنه يمرنك على المطالعة والمراجعة إذا كان عنده شيء من الأمانة.
أما من اعتمد على الكتب فلابد أن يكرس جهوده ليلاً ونهارًا، ثم إذا طالع الكتب التي يقارن فيها بين أقوال العلماء فسيقت أدلة هؤلاء، وسيقت أدلة هؤلاء من يدله على أن هذا أصوب؟ يبقى
стр. 10676
متحيرًا، ولهذا نرى أن ابن القيم ﵀ حينما يناقش قولين لأهل العلم سواء في زاد المعاد، أو أعلام الموقعين، إذا ساق أدلة القول الأول وعلله نقول هذا هو القول الصواب، ولا يجوز العدول عنه بأي حال من الأحوال، ثم ينقضه ويأتي بالقول المقابل ويذكر أدلته وعلله فتقول: هذا هو القول الصواب، فيحصل عندك من الإشكال والتردد، فلابد أن تكون قراءتك على شيخ متقن أمين
س ١٢١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض طلبة العلم يأتي إلى مسألة من مسائل العلم فيبحثها ويحققها بأدلتها ومناقشتها مع العلماء، فإذا حضر مجلس عالم يشار إليه بالبنان، قال: ما تقول - أحسن الله إليك- في كذا وكذا، قال: هذا حرام مثلاً، قال: كيف؟
بم تجيب عن قوله ﷺ كذا؟ عن قول فلان كذا؟ ثم أتى بأدلة لا يعرفها العالم؛ لأن العالم ليس محيطًا بكل شيء حتى يظهر نفسه أنه أعلم من هذا العالم، فما رأي فضيلتكم ؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة تقع كثيرًا يأتي الإنسان يكون باحثًا المسألة بحثًا دقيقًا جيدًا ثم يباغت العلماء بمثل هذا، وعلى الإنسان أن يكون سؤاله لطلب العلم ومعرفة الحق لا ليظهر علمه وضعف
علم غيره.
стр. 10677
والحاصل أن الإنسان يجب أن يكون متأدبًا مع من هو أكبر منه، وإذا حصل خطأ بمن هو أكبر، فالخطأ يجب أن يبين بحال لبقة أو ينتظر حتى يخرج مع هذا العالم ويكلمه بأدب، والعالم الذي يتقي الله إذا بان له الحق فإنه سوف يرجع إليه، وسوف يبين للناس أنه رجع عن قوله.
س ١٢٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا اجتهد العالم في مسألة من المسائل ولم يصب الحكم الصحيح، فبم يحكم عليه ؟
فأجاب بقوله: العالم إذا اجتهد في مسألة من المسائل قد يصيب وقد يخطئ لما ثبت من حديث بريدة- ﵁: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا" (١) .
وقال النبي ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (٢) . وعليه، فهل نقول: إن
стр. 10678
المجتهد مصيب ولو أخطأ؟
الجواب: قيل: كل مجتهد مصيب.
وقيل: ليس كل مجتهد مصيبًا.
وقيل: كل مجتهد مصيب في الفروع دون الأصول، حذرًا من أن نصوب أهل البدع في باب الأصول.
والصحيح: أن كل مجتهد مصيب من حيث اجتهاده، أما من حيث موافقته للحق فإنه يخطئ ويصيب، ويدل قوله ﷺ : " فاجتهد فأصاب، واجتهد فأخطا" (١) فهذا واضح في تقسيم المجتهدين إلى مخطئ ومصيب، وظاهر الحديث والنصوص أنه شامل للفروع
والأصول حيث دلت تلك النصوص على أن الله لا يكلف نفسًا إلى وسعها، لكن الخطأ المخالف لإجماع السلف خطأ ولو كان من المجتهدين، لأنه لا يمكن أن يكون مصيبًا والسلف غير مصيبين
سواء في علم الأصول أو الفروع.
على أن شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله أنكرا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وقالا: إن هذا التقسيم محدث بعد عصر الصحابة، ولهذا نجد القائلين بهذا التقسيم يلحقون شيئًا من
أكبر أصول الدين بالفروع، مثل الصلاة وهي ركن من أركان
стр. 10679
الإسلام، ويخرجون أشياء في العقيدة اختلف فيها السلف يقولون: إنها من الفروع، لأنها ليست من العقيدة ولكن فرع من فروعها، ونحن نقول: إن أردتم بالأصول ما كان عقيدة فكل الدين أصول؛
لأن العبادات المالية أو البدنية لا يمكن أن تتعبد لله بها إلا أن تعتقد أنها مشروعة فهذه عقيدة سابقة على العمل، ولو لم تعتقد ذلك لم يصح تعبدك لله بها.
والصحيح: أن باب الاجتهاد مفتوح فيما سمي بالأصول أو الفروع، لكن ما خرج عن منهج السلف فليس بمقبول مطلقًا.
стр. 10680
صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين حفظه الله آمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
حصل نقاش في مكان حضره بعض طلبة العلم المبتدئين وكان نقاشهم حول موضوع الفرقة الناجية وتطرقوا إلى أمور كثيرة من ضمنها أنهم تعرضوا للإمامين الجليلين ابن حجر العسقلاني
صاحب الفتح، والنووي صاحب المجموع حيث قال بعضهم أنهما ليسا من الفرقة الناجية؛ لأن عندهما خلل في العقيدة وليسوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وهم مسلمون وتحت المشيئة ولكنهم مبتدعة، وقال بعضهم: إنهما إمامان من أئمة أهل السنة
والجماعة ولهم سبق في الإسلام وعندهم خلل في العقيدة لكن ذلك عن اجتهاد وتأويل ولا يخرجهما ذلك عن دائرة أهل السنة والجماعة، وهذا خطأ ولهما على اجتهادهما أجر، ورد عليه صاحبه وقال: الخطأ في العقيدة ليس مثل الأخطاء الأخرى، فإذا أخطأ في العقيدة فيخرج عن أهل السنة والجماعة، وإذا أخطأ في غير العقيدة وهو مجتهد فيكون مأجوراً ولو أخطأ، والسؤال يا صاحب الفضيلة هو كالتالي:
١- ما رأيكم في قول الرجلين؟
٢- هل الخطأ في العقيدة ولو كان عن اجتهاد وتأويل يلحق صاحبه بالطوائف المبتدعة كالأشاعرة والمعتزلة.