متحيرًا، ولهذا نرى أن ابن القيم ﵀ حينما يناقش قولين لأهل العلم سواء في زاد المعاد، أو أعلام الموقعين، إذا ساق أدلة القول الأول وعلله نقول هذا هو القول الصواب، ولا يجوز العدول عنه بأي حال من الأحوال، ثم ينقضه ويأتي بالقول المقابل ويذكر أدلته وعلله فتقول: هذا هو القول الصواب، فيحصل عندك من الإشكال والتردد، فلابد أن تكون قراءتك على شيخ متقن أمين
س ١٢١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض طلبة العلم يأتي إلى مسألة من مسائل العلم فيبحثها ويحققها بأدلتها ومناقشتها مع العلماء، فإذا حضر مجلس عالم يشار إليه بالبنان، قال: ما تقول - أحسن الله إليك- في كذا وكذا، قال: هذا حرام مثلاً، قال: كيف؟
بم تجيب عن قوله ﷺ كذا؟ عن قول فلان كذا؟ ثم أتى بأدلة لا يعرفها العالم؛ لأن العالم ليس محيطًا بكل شيء حتى يظهر نفسه أنه أعلم من هذا العالم، فما رأي فضيلتكم ؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة تقع كثيرًا يأتي الإنسان يكون باحثًا المسألة بحثًا دقيقًا جيدًا ثم يباغت العلماء بمثل هذا، وعلى الإنسان أن يكون سؤاله لطلب العلم ومعرفة الحق لا ليظهر علمه وضعف
علم غيره.
стр. 10677
والحاصل أن الإنسان يجب أن يكون متأدبًا مع من هو أكبر منه، وإذا حصل خطأ بمن هو أكبر، فالخطأ يجب أن يبين بحال لبقة أو ينتظر حتى يخرج مع هذا العالم ويكلمه بأدب، والعالم الذي يتقي الله إذا بان له الحق فإنه سوف يرجع إليه، وسوف يبين للناس أنه رجع عن قوله.
س ١٢٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا اجتهد العالم في مسألة من المسائل ولم يصب الحكم الصحيح، فبم يحكم عليه ؟
فأجاب بقوله: العالم إذا اجتهد في مسألة من المسائل قد يصيب وقد يخطئ لما ثبت من حديث بريدة- ﵁: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا" (١) .
وقال النبي ﷺ : "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (٢) . وعليه، فهل نقول: إن
стр. 10678
المجتهد مصيب ولو أخطأ؟
الجواب: قيل: كل مجتهد مصيب.
وقيل: ليس كل مجتهد مصيبًا.
وقيل: كل مجتهد مصيب في الفروع دون الأصول، حذرًا من أن نصوب أهل البدع في باب الأصول.
والصحيح: أن كل مجتهد مصيب من حيث اجتهاده، أما من حيث موافقته للحق فإنه يخطئ ويصيب، ويدل قوله ﷺ : " فاجتهد فأصاب، واجتهد فأخطا" (١) فهذا واضح في تقسيم المجتهدين إلى مخطئ ومصيب، وظاهر الحديث والنصوص أنه شامل للفروع
والأصول حيث دلت تلك النصوص على أن الله لا يكلف نفسًا إلى وسعها، لكن الخطأ المخالف لإجماع السلف خطأ ولو كان من المجتهدين، لأنه لا يمكن أن يكون مصيبًا والسلف غير مصيبين
سواء في علم الأصول أو الفروع.
على أن شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله أنكرا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وقالا: إن هذا التقسيم محدث بعد عصر الصحابة، ولهذا نجد القائلين بهذا التقسيم يلحقون شيئًا من
أكبر أصول الدين بالفروع، مثل الصلاة وهي ركن من أركان
стр. 10679
الإسلام، ويخرجون أشياء في العقيدة اختلف فيها السلف يقولون: إنها من الفروع، لأنها ليست من العقيدة ولكن فرع من فروعها، ونحن نقول: إن أردتم بالأصول ما كان عقيدة فكل الدين أصول؛
لأن العبادات المالية أو البدنية لا يمكن أن تتعبد لله بها إلا أن تعتقد أنها مشروعة فهذه عقيدة سابقة على العمل، ولو لم تعتقد ذلك لم يصح تعبدك لله بها.
والصحيح: أن باب الاجتهاد مفتوح فيما سمي بالأصول أو الفروع، لكن ما خرج عن منهج السلف فليس بمقبول مطلقًا.
стр. 10680
صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين حفظه الله آمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
حصل نقاش في مكان حضره بعض طلبة العلم المبتدئين وكان نقاشهم حول موضوع الفرقة الناجية وتطرقوا إلى أمور كثيرة من ضمنها أنهم تعرضوا للإمامين الجليلين ابن حجر العسقلاني
صاحب الفتح، والنووي صاحب المجموع حيث قال بعضهم أنهما ليسا من الفرقة الناجية؛ لأن عندهما خلل في العقيدة وليسوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وهم مسلمون وتحت المشيئة ولكنهم مبتدعة، وقال بعضهم: إنهما إمامان من أئمة أهل السنة
والجماعة ولهم سبق في الإسلام وعندهم خلل في العقيدة لكن ذلك عن اجتهاد وتأويل ولا يخرجهما ذلك عن دائرة أهل السنة والجماعة، وهذا خطأ ولهما على اجتهادهما أجر، ورد عليه صاحبه وقال: الخطأ في العقيدة ليس مثل الأخطاء الأخرى، فإذا أخطأ في العقيدة فيخرج عن أهل السنة والجماعة، وإذا أخطأ في غير العقيدة وهو مجتهد فيكون مأجوراً ولو أخطأ، والسؤال يا صاحب الفضيلة هو كالتالي:
١- ما رأيكم في قول الرجلين؟
٢- هل الخطأ في العقيدة ولو كان عن اجتهاد وتأويل يلحق صاحبه بالطوائف المبتدعة كالأشاعرة والمعتزلة.
стр. 10681
٣- هل هذا التقسيم وهو الخطأ في العقيدة أنه ليس كغيره له أصل في الشرع.
آمل من فضيلتكم التكرم علينا بتوضيح هذه المسألة وما يدور حولها لعل الله أن يجعل في جوابكم الخير والنفع للجميع، وفقكم الله والسلام عليكم.
بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
جـ١: إن الشيخين الحافظين (النووي وابن حجر) لهما قدم صدق ونفع كبير في الأمة الإسلامية، ولئن وقع منهما خطأ في تأويل بعض نصوص الصفات إنه لمغمور بما لهما من الفضائل والمنافع الجمة، ولا نظن أن ما وقع منهما إلا صادرًا عن اجتهاد وتأويل سائغ- ولو في رأيهما- وأرجو الله تعالى أن يكون من الخطأ المغفور، وأن يكون ما قدماه من الخير والنفع من السعي المشكور، وأن يصدق عليهما قول الله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (١) والذي نرى أنهما من أهل السنة والجماعة، ويشهد لذلك خدمتها لسنة رسول الله ﷺ ، وحرصهما على تنقيتها مما ينسب إليها من الشوائب، وعلى تحقيق ما دلت عليه من أحكام ولكنهما خالفا في آيات الصفات وأحاديثها أو بعض ذلك عن جادة أهل السنة عن اجتهاد أخطآ فيه، فنرجو الله
стр. 10682
تعالى أن يعاملهما بعفوه.
جـ٢: وأما الخطأ في العقيدة: فإن كان خطأ مخالفاً لطريق السلف، فهو ضلال بلا شك، ولكن لا يحكم على صاحبه بالضلال حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة، وأصر على خطئه وضلاله، كان مبتدعًا فيما خالف فيه الحق، وإن كان سلفيًا فيما سواه، فلا يوصف بأنه مبتدع على وجه الإطلاق، ولا بأنه سلفي على وجه الإطلاق، بل يوصف بأنه سلفي فيما وافق السلف، مبتدع فيما خالفهم، كما قال أهل السنة في الفاسق: إنه مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما معه من العصيان، فلا يعطي الوصف المطلق ولا ينفى عنه مطلق الوصف، وهذا هو العدل الذي أمر الله به، إلا أن يصل المبتدع إلى حد يخرجه من الملة فإنه لا كرامة له في هذه الحال.
جـ٣: لا أعلم أصلاً للتفريق بين الخطأ في الأمور العلمية، والعملية لكن لما كان السلف مجمعين فيما نعلم على الإيمان في الأمور العلمية الخبرية والخلاف فيها إنما هو في فروع من أصولها لا في
أصولها كان المخالف فيها أقل عددًا وأعظم لومًا.
وقد اختلف السلف في شيء من فروع أصولها كاختلافهم، هل رأى النبي ﷺ ربه في اليقظة؟
واختلافهم في اسم الملكين اللذين يسألان الميت في قبره.
стр. 10683
واختلافهم في الذي يوضع في الميزان أهو الأعمال أم صحائف الأعمال، أم العامل؟
واختلافهم هل يكون عذاب القبر على البدن وحده دون الروح؟
واختلافهم هل يسأل الأطفال وغير المكلفين في قبورهم؟
واختلافهم هل الأمم السابقة يسألون في قبورهم كما تسأل هذه الأمة؟
واختلافهم في صفة الصراط المنصوب على جهنم؟
واختلافهم هل النار تفنى أو مؤبدة؟ وأشياء أخرى وإن كان الحق مع الجمهور في هذه المسائل، والخلاف فيها ضعيف.
وكذلك يكون في الأمور العملية خلاف، يكون قويًا تارة وضعيفًا تارة.
وبهذا تعرف أهمية الدعاء المأثور: " اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء
إلى صراط مستقيم، (١) .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه محمد الصالح العثيمين
في ١٧/٥/١٤١٤ هـ.
стр. 10684
س ١٢٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما قولكم فيمن يتخذ من أخطاء العلماء طريقًا للقدح فيهم ورميهم بالبهتان؟ وما النصيحة التي توجهها لطلبة العلم في ذلك ؟
فأجاب بقوله: العلماء- بلا شك- يخطئون ويصيبون وليس أحد منهم معصومًا، ولا ينبغي لنا بل ولا يجوز أن نتخذ من خطئهم سلمًا للقدح فيهم، فإن هذا طبيعة البشر كلهم أن يخطئوا إذا لم يوفقوا للصواب، ولكن علينا إذا سمعنا عن عالم أو عن داعية من الدعاة أو عن إمام من أئمة المساجد إذا سمعنا خطأ أن نتصل به، حتى يتبين لنا؛ لأنه قد يحصل في ذلك خطأ في النقل عنه، أوخطأ في الفهم لما يقول، أو سوء قصد في تشويه سمعة الذي نقل عنه هذا الشيء.
وعلى كل حال فمن سمع منكم عن عالم، أو عن داعية، أو عن إمام مسجد، أو أي إنسان له ولاية، من سمع منه ما لا ينبغي أن يكون، فعليه أن يتصل به وأن يسأله: هل وقع ذلك منه، أم لم يقع،
ثم إذا كان قد وقع فليبين له ما يرى أنه خطأ، فإما أن يكون قد أخطأ فيرجع عن خطئه، وإما أن يكون هو المصيب، فيبين وجه قوله حتى تزول الفوضى التي قد نراها أحيانًا ولاسيما بين الشباب.
وإن الواجب على الشباب وعلى غيرهم إذا سمعوا مثل ذلك أن يكفوا ألسنتهم، وأن يسعوا بالنصح، والاتصال بمن نقل عنه ما نقل
стр. 10685
حتى يتبين الأمر، أما الكلام في المجالس ولاسيما مجالس العامة أن يقال ما تقول في فلان؟
ما تقول في فلان الآخر الذي يتكلم ضد الآخرين؟
فهذا أمر لا ينبغي بثه إطلاقًا، لأنه يثير الفتنة والفوضى فيجب حفظ اللسان، قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل- ﵁: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله"؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فاخذ بلسانه، وقال: "كف عليك هذا". قلت: يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال:
" ثكلتك أمك يا معاد وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم " (١) .
وأنصح طلبة العلم وغيرهم أن يتقوا الله وألا يجعلوا أعراض العلماء والأمراء مطية يركبونها كيفما شاءوا، فنه إذا كانت الغيبة في عامة الناس من كبائر الذنوب فهي في العلماء والأمراء أشد وأشد،
حمانا الله وإياكم عما يغضبه، وحمانا عما فيه العدوان على إخواننا، إنه جواد كريم.
стр. 10686
س ١٢٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عما يحصل من البعض من الوقوع في أعراض العلماء الربانيين، والقدح فيهم، وغيبتهم ؟
فأجاب بقوله: لاشك أن الوقوع في أعراض أهل العلم المعروفين بالنصح، ونشر العلم والدعوة إلى الله تعالى من أعظم أنواع الغيبة التي هي من كبائر الذنوب.
والوقيعة في أهل العلم أمثال هؤلاء ليست كالوقيعة في غيرهم؛ لأن الوقيعة فيهم تستلزم كراهتهم، وكراهة ما يحملونه، وينشرونه من شرع الله- فيكون في التنفير عنهم تنفير عن شرع الله
وفي هذا الصد عن سبيل الله ما يتحمل به الإنسان إثمًا عظيمًا وجرمًا كبيرًا، ثم إنه يلزم من إعراض الناس عن أمثال هؤلاء العلماء، أن يلتفتوا إلى قوم جهلاء يضلون الناس بغير علم؛ لأن الناس لابد لهم من أئمة يأتمون بهم ويهتدون بهديهم، فإما أن يكونوا أئمة يهدون بأمر الله، وأما أن يكونوا أئمة يدعون إلى النار، فإذا انصرف الناس عن أحد الجنسين مالوا إلى الجنس الآخر.
وعلى المرء الواقع في أعراض أمثال هؤلاء العلماء أن ينظر في عيوب نفسه، فإن أول عيب يخدش به نفسه، وقوعه في أعراض هؤلاء العلماء، مع ما عنده من العيوب الأخرى التي يبرأ منها أهل
العلم، ويبرؤون أنفسهم من الوقيعة فيه من أجلها.
стр. 10687
س ١٢٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: متى ينكر على المخالف في المسائل الخلافية التي بين أهل العلم ؟
فأجاب بقوله: مسائل الخلاف نوعان:
النوع الأول: نوع يكون الدليل فيها واضحًا لا يمكن فيه الاجتهاد، فهذا ينكر على المخالف فيها لمخالفة النص، وذلك كحلق اللحية، وإسبال الثوب أسفل من الكعبين، والتفرق في دين الله وغير
ذلك.
لكن لا يجعل ذلك وسيلة للتشاتم والتباغض، لاسيما مع العلم بحسن نية المخالف، بل تعالج الأمور بحكمة حتى يحصل الوفاق.
النوع الثاني: يكون فيها الدليل غير واضح، إما لخفاء ثبوت الدليل، أو الدلالة، أو وجود شبهة مانعة، وغير ذلك، فهذا لا ينكر فيه على المخالف؛ لأن قول أحد المختلفين ليس حجة على الآخر،
وأمثلة هذا كثيرة.
س ١٢٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: قلتم: إن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب الإمام أحمد ﵀، فكيف حكمنا على المذاهب الثلاثة الباقية ؟
стр. 10688
فأجاب بقوله: لا أظن أننا قلنا هذا باعتبار أن المذاهب الثلاثة ليست على مذهب أهل السنة، لكن الإمام أحمد- ﵀ معروف بين أهل العلم أنه إمام أهل السنة، وأنه قام بالدفاع عن
السنة قيامًا لم يقمه أحد فيما نعلم. ومحنته مع المأمون ومن بعده مشهورة، وإلا فلا شك أن أئمة الإسلام- ولله الحمد- كلهم على خير وعلى حق، ولكن ذلك لا يعني أن نبرئ كل واحد منهم من
الخطأ، بل كل واحد منهم قد يقع منه الخطأ، بل الإمام أحمد نفسه قد يصرح بالرجوع عن القول وإن كان قد قاله من قبل، كما في قوله في طلاق السكران (حتى تبينته) ، يعني فتبين له أنه لا يقع، لأنه إذا أوقعه أتى خصلتين: تحريم هذه الزوجة على زوجها الذي طلقها وحلها لغيره، وإذا قال بعدم الوقوع أتى خصلة واحدة وهي حلها لهذا الزوج الذي لم يتحقق بينونتها منه.
س ١٢٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأي فضيلتكم فيمن ينفر من قراءة كتب الدعاة المعاصرين ويرى الاقتصار على كتب السلف الأخيار، وأخذ المنهج منها؟ ثم ما هي النظرة
الصحيحة أو الجامعة لكتب السلف- ﵏ وكتب الدعاة المعاصرين والمفكرين ؟
стр. 10689
فأجاب بقوله: أرى أن أخذ الدعوة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فوق كل شيء، وهذا رأينا جميعًا بلا شك، ثم يلي ذلك ما ورد عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة ﵃ وعن أئمة الإسلام فيمن سلف.
أما ما يتكلم به المتأخرون والمعاصرون، فإنه يتناول أشياء حدثت هم بها أدرى، فإذا اتخذ الإنسان من كتبهم ما ينتفع به في هذه الناحية فقد أخذ بحظ وافر، ونحن نعلم أن المعاصرين إنما أخذوا ما أخذوا من العلم ممن سبق فلنأخذ نحن مما أخذوا منه، ولكن أمورًا قد استجدت هم بها أبصر منا، ثم إنها لم تكن معلومة لدى السلف بأعيانها، ولهذا أرى أن يجمع الإنسان بين الحسنيين، فيعتمد أولاً: على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وثانيًا: على كلام السلف الصالح من الخلفاء الراشدين والصحابة وأئمة المسلمين، ثم على ما كتبه المعاصرون الذين يكتبون عن أشياء حدثت في زمانهم لم تكن معلومة بأعيانها عند السلف.
س ١٢٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأي فضيلتكم فيمن صار ديدنهم تجريح العلماء، وتنفير الناس عنهم والتحذير منهم؟ هل هذا عمل شرعي يثاب عليه أو يعاقب عليه ؟
стр. 10690
فأجاب بقوله: الذي أرى أن هذا عمل محرم فإذا كان لا يجوز لإنسان أن يغتاب أخاه المؤمن، وإن لم يكن عالماً فكيف يسوغ له أن يغتاب إخوانه العلماء من المؤمنين؟ والواجب على الإنسان المؤمن أن
يكف لسانه عن الغيبة في إخوانه المؤمنين. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)) (١) .
وليعلم هذا الذي ابتلي بهذه البلوى أنه إذا جرح العالم فسيكون سببًا في رد ما يقوله هذا العالم من الحق، فيكون وبال رد الحق وإثمه على هذا الذي جرح العالم؛ لأن جرح العالم في الواقع ليس جرحًا
شخصيًا بل هو جرح لإرث محمد ﷺ .
فإن العلماء ورثة الأنبياء فإذا جرح العلماء وقدح فيهم لم يثق الناس بالعلم الذي عندهم وهو موروث عن رسول الله ﷺ ، وحينئذ لا يثقون بشيء من الشريعة التي يأتي بها هذا العالم الذي جرح.
ولست أقول: إن كل عالم معصوم، بل كل إنسان معرض للخطأ، وأنت إذا رأيت من عالم خطأ فيما تعتقده، فاتصل به وتفاهم معه،
стр. 10691
فإن تبين لك أن الحق معه وجب عليك اتباعه، وإن لم يتبين لك ولكن وجدت لقوله مساغًا وجما عليك الكف عنه، وإن لم تجد لقوله مساغًا فحذر من قوله؛ لأن الإقرار على الخطأ لا يجوز، لكن لا
تجرحه وهو عالم معروف بحسن النية، ولو أردنا أن نجرح العلماء المعروفين بحسن النية لخطأ وقعوا فيه من مسائل الفقه، لجرحنا علماء كبارًا، ولكن الواجب هو ما ذكرت وإذا رأيت من عالم خطا فناقشه وتكلم معه، فإما أن يتبين لك أن الصواب معه فتتبعه أو يكون الصواب معك فيتبعك، أولا يتبين الأمر ويكون الخلاف بينكما من الخلاف السائغ، وحينئذ يجب عليك الكف عنه وليقل هو ما يقول، ولتقل أنت ما تقول.
والحمد لله، الخلاف ليس في هذا العصر فقط، الخلاف من عهد الصحابة إلى يومنا.، وأما إذا تبين الخطأ ولكنه أصر انتصارًا لقوله وجب عليك أن تبين الخطا وتنفر منه، لكن لا على أساس القدح في
هذا الرجل وإدرادة الانتقام منه؛ لأن هذا الرجل قد يقول قولاً حقًا في غير ما جادلته فيه.
فالمهم أنني أحذر إخواني من هذا البلاء وهو تجريح العلماء والتنفير منهم، وأسال الله لي ولهم الشفاء من كل ما يعيبنا أو يضرنا في ديننا ودنيانا.
стр. 10692
س ١٢٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ماذا يجب عليَّ تجاه أحد الأساتذة عندما يخطئ وخصوصًا في المواد الدينية، وأنا متأكد من الجواب الصحيح ؟
فأجاب بقوله: هذا سؤال مهم حيث نجد أن بعض الأساتذة لا يريد لأحد أن يخطئه مهما ارتكب من الخطأ، وهذا ليس بصحيح، فكل إنسان معرض للخطأ، والإنسان إذا أخطأ ونُبّه فهذا من نعمة
الله عليه، حتى لا يغتر الناس بخطئه، ولكن ينبغي للطالب أن يكون عنده شيء من اللباقة، فلا يقوم أمام الطلبة يرد على هذا المدرس فهذا خلاف الأدب، ولكن يكون ذلك بعد انتهاء الدرس، فإن اقتنع المدرس فعليه أن يعيد ذلك أمام الطلبة في الدرس المقبل وإن لم يقتنع فعلى الطالب أن يقوم أمام الطلبة في الدرس المقبل، ليقول: يا أستاذ إنك قلت: كذا وكذا وهذا ليس بصحيح.
س ١٣٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: البعض - هداهم الله- يقلل من العلماء بحجة عدم معرفة الواقع ويقدم الدعاة وطلبة العلم عليهم؛ لأنهم على اطلاع واسع بخلاف العلماء فما قولكم ؟
فأجاب بقوله: رأيي أنه يجب على الإنسان أن يحكم بين الناس
стр. 10693
بالقسط، فمن استحق شيئاً أُعطي إياه، ومن لم يستحق شيء فلا يُعطى إياه.
ونحن نرى: أن من علماء الشريعة من لديهم علماً كثيراً ويكون عند بعضهم تفريط في بعض العبادات، أو في بعض الأخلاق، أو في بعض المعاملات، فهؤلاء يجب أن يُعطوا حقهم، فيُحمدون على ما عندهم من العلم، ويذمون على ما لديهم من التقصير، لكن ليس معناه أننا نغتابهم بل نناصحهم بأدب وتقدير واحترام.
ونرى أيضاً من الدعاة من عنده قدرة على الدعوة وعلى التأثير فينتفع الناس به، لكن نرى من بعض الدعاة من يغلو في بعض الأمور وتحمله العاطفة على سلوك ما لا ينبغي أن يسلكه.
أما بالنسبة لعموم الناس فإننا نقول لهم: الواجب أن تنظروا إلى العلم؛ لأن العلم هو الأصل.
وأما القدرة على التأثير وعلى الدعوة فهذا باب آخر، فكم من إنسانٍ جاهلٍ في ميزان أهل العلم بالشريعة، لكن عنده قوة تأثير حينما يتكلم بوعظٍ أو ما أشبه ذلك، فالواجب على الإنسان ألا يأخذ
دينه إلا ممن هو أهل للأخذ منه، كما قال بعض السلف: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) (١) .
стр. 10694
ولا يكفي الإنسان أن يكون قوي الحجة عظيم البيان. فالواجب أن ينظر إلى ما عنده من العلم وما عنده من السلوك.
أما ما يقدح به بعض الناس في العلماء الكبار من أنهم لا يفقهون الواقع، فلا شك أن هذا من باب الافتراء، ومن باب قفو ما ليس له به علم.
فهل هم ناقشوا هؤلاء العلماء ووجدوا أنه ليس عندهم فهم للواقع؟
وهل الفقه الذي يُحمد عليه الإنسان أن يفقه الواقع؟
كم من إنسان كافرٍ ملحدٍ في الدول الغربية أو غيرها عنده من معرفة أحوال الواقع ما ليس عند كثير من الناس، فهل يحمد الإنسان على مجرد أن عنده علماً من الواقع؟!
فالنبي ﷺ قال: "من يُرِد الله به خيراً يفقهه في الدين" (١) ولم يذكر فقه الواقع، فالفقه الذي يُحمد عليه الإنسان هو: الفقه في الدين.
ونقول أيضاً: الفقه في الواقع يقع من إنسان عابد لله معظم لله، ويقع ممن ليس في قلبه دين إطلاقاً، وهذا شيء مشاهد.
ولو نظرنا في كلام الساسة مما ينشر في الإذاعات ويقرأ في
стр. 10695
الصحف، لوجدوا عندهم من معرفة الواقع ما لا يوجد عند كثير من المسلمين.
ثم إن دعوى: أن العلماء الكبار لا يفقهون الواقع: قول بغير حق، أو لأن العلماء صامتون، ويرون أنه من الحكمة أن لا يُثار الشعب على الولاة.
فمنْ يصف العلماء بأنهم لم يفقهوا الواقع، هل ناقشهم؟
فقد يكون عند العلماء من علم الواقع ما ليس عند منْ وصفهم بقلة فقه الواقع الذي قد انغر به من انغر من الناس. والله المستعان.
стр. 10696
طالب العلم والدعوة إلى الله
стр. 10697
س ١٣١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يقول: شخص لديه علم شرعي وهو متخرج من أحد الكليات الشرعية، ويقوم بالتدريس للمرحلة الثانوي، ويطلب منه جماعة المسجد أو طلبة
العلم أن يلقي كلمة أو محاضرة في المسجد أو في مناسبة، لكنه يمتنع ويصر على عدم المشاركة في أي درس في المسجد أو في قاعة أو في غيرها، ويعتذر ويقول: يكفي أنني أدرس المواد الشرعية في
الثانوية، فهل يؤاخذ على ذلك ؟
فأجاب بقوله: الذي ينبغي للإنسان إذا أعطاه الله علمًا أن يحرص على بث العلم الذي أعطاه الله بكل وسيلة، لا سيما إذا كان علمًا شرعيًا يهدي الله به على يديه من شاء من عباده، ومن المعلوم أن الإنسان إذا سئل عن العلم وجبت عليه الإجابة ما لم يخش ضررًا على نفسه؛ لأن الله تعالى قال: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (١) .
فالواجب على هذا الأخ إذا سأل عن علم أن يُبيِّنه، والأفضل إذا طلب منه أن يعطي درساً بالمسجد أن يستجيب لذلك لما فيه من الخير والمصلحة له ولأهل المسجد.
стр. 10698
س ١٣٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: العلماء والدعاة المصلحون عليهم مسئولية عظيمة في بيان التوحيد والتحذير من الشرك والخرافات، فما نصيحتكم ؟
فأجاب بقوله يجب على الداعية إلى الله أن يراعي أحوال المدعوين، فإذا كانوا مقصرين في الصلاة مثلاً فليركز على الحث على الصلاة وعدم التهاون بها، وبيان عقوبة من تركها،
وحكمه في الدنيا والآخرة، وإذا كان عندهم شيء من الشرك فليركز على التوحيد والإخلاص وما أشبه ذلك، وإذا كان عندهم تهاون بالزكاة فليركز على الزكاة.
المهم أن الداعية من الحكمة أن يراعي أحوال المدعوين، كذلك أيضًا يراعي أحوالهم بالنسبة للشدة واللين فإذا رأى منهم انقيادًا وسهولة قابلهم باللين والسهولة، وإذا رأى منهم عتوًا ونفورًا
فليقابلهم بما تقتضيه الحال وتحصل به المصلحة، ثم إن من أهم ما يكون في الداعية أن يكون هو أول من يتلبس بما أمر به، ويبتعد عما نهي عنه، فليس من اللائق شرعًا ولا عقلاً أن يأمر بشيء ولا يفعله، أو أن ينهي عن شيء ويفعله فإن الإنسان إذا كان على هذا الحال لم يقبل منه الناس، اللهم إلا من لا يعرف عن حاله، وأما من عرف حاله فإنه يقول: إن هذا الرجل كاذب لو كان صادقًا فيما أمر به لكان
стр. 10699
هو أول من يلتزم له، ولو كان صادقًا فيما نهي عنه لكان أول من يجتنبه، وعلى الداعية أيضا أن يلاحظ الزمان والمكان في الدعوة إلى الله فيدعو في المكان الذي تكون فيه الإجابة أقرب وكذلك في الزمان؛ لأن مراعاة هذه الأمور من الحكمة التي قال الله تعالى فيها: (الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (١) .
س ١٣٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يختلف الكثير من طلبة العلم في معاملة العاصي، فما التوجيه الصحيح جزاكم الله خيرًا ؟
فأجاب بقوله: نقول هذه المسألة وهي أن بعض طلبة العلم إذا رأوا المنحرف خلقيًا، أو فكريًا، أو عمليًا يكرهونه ويتخذون من هذه الكراهة نفورًا منه وبعدًا عنه، ولا يحاولون أبدًا أن يصلحوا- إلا من شاء الله من طلبة العلم الذين أنار الله قلوبهم- ويرون أن هجره وكراهته والبعد عنه والتنفير منه يرون ذلك قربة. وهذا لاشك أنه خطأ، وأن الواجب على طلبة العلم أن ينصحوا، وينظروا كم من
إنسان في غفلة فإذا نصح استجاب.
стр. 10700
وما أشد تأثير جماعة أهل الدعوة الذين يسمون أنفسهم (أهل الدعوة والتبليغ) . ما أشد تأثيرهم على الناس. وكم من فاسق اهتدى فأطاع، وكم من كافر اهتدى فأسلم على أيديهم؛ لأنهم وسعوا الناس بحسن الأخلاق، فلذلك نحن نسأل الله أن يجعل إخواننا الذين أعطاهم الله العلم أن يطعمهم من أخلاق هؤلاء حتى ينفعوا الناس أكثر، وإن كان يؤخذ على جماعة الدعوة والتبليغ ما يؤخذ، لكنهم في حسن الخلق والتأثير بسبب أخلاقهم لا أحد ينكر فضلهم، وقد رأيت كتابًا للشيخ عبد العزيز بن باز- حفظه الله- وجهه إلى شخص كتب إليه ينتقد هؤلاء الجماعة، فقال في جملة رده:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سددوا المكان الذين سدوا
وحسن الخلق لاشك أن له تأثيرًا عظيمًا في استجابة الناس للداعي.
أما إذا رأوا الإنسان خشنًا فإنهم يسبونه ويذمونه على ما فيه من الأخلاق الشرعية، تجدهم مثلاً يسبونه على لحيته، واللحية أخلاق شرعية، ويسبونه على تقصير الثوب، يسبونه على المشي حافيًا. لماذا؟
لأنه ليس حسن الأخلاق مع الناس. لا يدعو بالأخلاق إنما يدعو بالجفاء والغلظة، ويريد أن يصلح الناس كلهم في ساعة واحدة، هذا
стр. 10701
خطأ لا يمكن أن يصلح الناس في ساعة واحدة أبدًا. أليس النبي ﷺ قد بقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس؟ وفي النهاية أخرج من مكة حين تآمروا عليه (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) يثبتوك يعني يحبسوك (أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (١) فلا يمكن أن تصلح الخلق بمجرد دعوة أو دعوتين لاسيما إذا لم تكن ذا قيمة بينهم لكن اصبر، وأطل النّفَس، وادع بالحكمة، وأحسن الخلق وسيتبين لك الأمر فيما بعد.
ولاشك أن حسن المنطق له تأثير عظيم بالغ. ويحكى أن رجلاً من أهل الحسبة مر على فلاح يسقي إبله وكان في آذان المغرب. وكان هذا الفلاح يغني لأن الإبل إذا سمعت الغناء تمشي كأنها مجنونة،
لأنها تطرب، فكان يغني غافلاً ولا يسمع الآذان فتكلم عليه رجل الحسبة بكلام شديد. فقال له صاحب الإبل: (سوف أغني وأستمر في الغناء، وإذا ما ذهبت فالعصا لمن عصا) ، يقول هذا الكلام: بسبب أنه جاءه بعنف فذهب صاحب الحسبة إلى الشيخ القاضي وقال له: أنا ذهبت لفلان وسمعته يغني على إبله والمؤذن يؤذن المغرب ونصحته لم يستجب. فلما كان من الغد ذهب الشيخ القاضي إلى مكان صاحب الإبل في الوقت نفسه فلما أذن جاء إلى الفلاح وقال
стр. 10702
له: يا أخي أذن المؤذن فعليك أن تذهب وتصلي فإن الله يقول: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (١) فقال صاحب الإبل: جزاك الله خيرًا، ووضع العصا التي يسوق بها الإبل وتوضأ ومشى معه.
ماذا حصل؟ حصل المقصود.
أما الأول: لو تمادى معه لحصل الشر وترك الخير، ولكن الثاني: أتاه بالتي هي أحسن فانقاد تمامًا.
فلذلك أقول: إن بعض طلبة العلم يكون عندهم غيرة لكن لا يحسنون التصرف، والواجب أن الإنسان يكون في تصرفاته على علم وبصيرة، وعلى قدر كبير من الحكمة. نسأل الله للجميع التوفيق، والحمد لله رب العالمين.
س ١٣٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل من توجيه إلى طلبة العلم حتى يكونوا دعاة؟ حيث إنهم يحتجون بطلب العلم وأنه يشغلهم عن الدعوة والبعض يحتج بالدعوة عن طلب العلم ؟
فأجاب بقوله: الدعوة التي تكون دون طلب العلم لا خير فيها،
стр. 10703
بمعنى أنها تفوت خيرًا كثيرًا، والواجب على طالب العلم أن يطلب العلم مع الدعوة إلى الله.
ما المانع لطالب العلم إذا رأى شخصًا معرضًا بالمسجد الذي يطلب فيه العلم أن يدعوه إلى الله- ؟ ما المانع إذا خرج إلى السوق ليقضي حوائجه أن يدعو إلى الله- في السوق
إذا رأى معرضًا عن دين الله؟
ما المانع إذا كان بالمدرسة ورأى من الطلبة من هو معرض أن يدعوه إلى الله- ويأخذ بيده؟ لكن المشكلة أن الإنسان إذا رأى مخالفاً له بمعصية أو ترك أمر كرهه واشمأز منه، وأبعد عنه،
ويئس من إصلاحه، والله- بين لنا أن نصبر، وأن نحتسب.
قال الله لنبيه: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) (١) فالإنسان يجب عليه أن يصبر ويحتسب، ولو رأى في نفسه شيئًا أو على نفسه شيئًا من الغضاضة فليجعل ذلك في ذات الله- . إن النبي ﵊ لما أدميت إصبعه في الجهاد، قال: هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت (٢)
стр. 10704
س ١٣٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما نصيحتكم لطلبة العلم حول دعوة الناس وتعليمهم العلم الشرعي، لأنه قد يوجد من بعضهم- هداهم الله تعالى- شيء من الغلظة والشدة في التعامل،
نرجو التوجيه والإرشاد، سدد الله خطاكم ووفقكم لما يحبه ويرضاه ؟
فأجاب بقوله: الذي تدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة المطهرة، سنة النبي ﷺ أن الواجب على الإنسان أن يدعو إلى الله تعالى بالحكمة وباللين وبالتيسير فقد قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١) وقال الله تعالى له: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) (٢)
وقال الله تعالى حين أرسل موسى وهارون إلى فرعون: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (٣) .
وأخبر النبي ﷺ : "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف " (٤) . وكان يقول إذا بعث بعثًا: "يسروا ولا
стр. 10705
تعسروا وبشروا ولا تنفروا فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين " (١) .
وهكذا ينبغي على الداعية أن يكون لينًا طليق الوجه منشرح الصدر حتى يكون ذلك أدعى لقبول صاحبه الذي يدعوه إلى الله.
ويجب أن تكون دعوته إلى الله- لا إلى نفسه، ليحب الانتصار أو الانتقام ممن خالف السبيل، لأنه إذا دعا إلى الله وحده صار بذلك مخلصًا، ويسر الله له الأمر، وهدى على يديه من شاء من عباده، لكن إذا كان يدعو لنفسه كأنه يريد أن ينتصر لها، وكأنه يشعر بأن هذا عدو له يريد أن ينتقم منه، فإن الدعوة ستكون ناقصة وربما تنزع بركتها.
فنصيحتي لإخواني طلبة العلم أن يشعروا هذا الشعور، أي أنهم يدعون الخلق رحمة بالخلق، وتعظيمًا لدين الله- ونصرة له.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وهدانا إلى صراطه المستقيم.
س ١٣٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأي فضيلتكم في طلبة العلم الذين قد جمعوا أسس العلم في العقيدة ومعرفة
стр. 10706
الأحكام الفقهية أخذًا من العلماء، فهل يقومون بالدعوة في المساجد، أم ينتظرون حتى يكون عندهم إذن رسمي من الجهات المختصة؟ وجزاكم الله خيرًا.
فأجاب بقوله: الذي أرى ألا يتكلموا فيما يمنع فيه الكلام إلا بإذن؛ لأن طاعة ولي الأمر في تنظيم الأمور واجبة، ونعلم أنه لو أذن للصغار الذين ابتدءوا طلب العلم بالكلام لتكلموا بما لا يعلمون،
وحصل بذلك مفسدة واضطراب للناس، ربما في العقائد فضلاً عن الأعمال البدنية.
فمنع الناس من الكلام إلا بإذن وبطاقة ليس منعًا تامًا حتى نقول لا طاعة لولاة الأمر في ذلك؛ لأن فيه منعًا لتبليغ الشريعة، لكنه منع مقيد بما يضبطه بحيث يعرف من هو أهل لذلك أو لا، وكما تعلمون الآن كل من تقدم إلى المسؤولين لهذا الأمر وعلموا أنه أهل لذلك أعطوه إذنًا، لم نعلم بأنهم قالوا لأحد تقدم وهو أهل لنشر العلم لا تفعل، والأمر- والحمد لله- أمر يطمئن إليه الإنسان، ولا يجوز لأحد أن يتكلم في موضع يمنع فيه من الكلام من جهة ولي الأمر، إلا بإذن يعني مثلاً في المساجد أو في الأماكن العامة، لكن بينه وبين إخوانه، وفي غرفته، في حجرته فهذا لا بأس به، ولا يمنع أحد منه.
стр. 10707
س ١٣٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما الواجب على طالب العلم والعالم تجاه الدعوة إلى الله ؟
فأجاب بقوله: الدعوة إلى الله واجبة كما قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١) وقد جعل الله الدعوة على ثلاث مراتب: الدعوة بالحكمة،
وبالموعظة، وبالمجادلة؛ لأن من تدعوه إما أن يكون لا علم عنده ولا منازعة عنده ولا مخالفة فهذا يُدعى بالحكمة، والحكمة هي بيان الحق، وبيان حكمة الحق أن تيسر لك، والموعظة تكون مع من عنده شيء من الإعراض وتوقف عن قبول الحق، فإنك تعظه بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة أخرى، وبهما جميعًا إن اقتضت الحال ذلك، والمجادلة تكون مع من عنده إعراض ومنازعة في الحق فإنك تجادله بالتي هي أحسن من القول، أو بالتي هي أحسن بالإقناع.
وانظر إلى مجادلة إبراهيم- ﵇ مع الذي حاجه في
ربه، قال الله عن ذلك: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)) (٢)
стр. 10708
وكيف هذا؟ يؤتى بالرجل مستحقًا للقتل فلا يقتله، وهذا بزعمه إحياؤه، ويؤتى بالرجل لا يستحق القتل فيقتله وهذا بزعمه إماتته، يمكن أن يجادل هذا بأن يقال: إنك إذا أوتيت بالرجل المستحق
القتل فلم تقتله، إنك ما أحييته؛ لأن الحياة موجودة فيه من قبل، ولكنك أبقيت الحياة بعدم قتله، ويمكن أن تقول: إنه إذا قتل من لا يستحق القتل إنه لم يمته وإنما فعل سببًا يكون به الموت.
ولهذا ذكر النبي ﷺ في قصة الدجال أنه يؤتى إليه بشاب فيشهد هذا الشاب أنه الدجال الذي أخبر عنه النبي ﷺ فيقتله الدجال، ويجعله قطعتين ويمشي بينهما تحقيقًا للتباين بينهما، ثم يناديه الدجال فيقوم متهلهلاً يضحك يقول: أشهد أنك الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله ﷺ ، ثم يأتي ليقتله فلا يقدر (١) . فهذا دليل على أن الأمر كله بيد الله.
فيمكن أن يحاج هذا الرجل بمثل ذلك، ولكن إبراهيم ﵇، أراد أن يأتي بدليل آخر لا يحتاج إلى محاجة ولا مجادلة، قال إبراهيم: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)
فنكص عن الجواب (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) (٢) .
стр. 10709
فقوله تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١) أي الأحسن في الأسلوب والإقناع، وبالتالي يجب علينا أن ندعو إلى الله مادام الإنسان قادرًا على ذلك، ولكن الدعوة إلى الله فرض كفاية إذا قام به
من يكفي سقط عن الباقين، فإذا رأيت شخصًا منحرفًا وليس حولك من يدعوه صار الآن فرض عين عليك؛ لأن العلماء يقولون عن فرض الكفاية: إنه إذا لم يوجد سوى هذا الرجل تعين عليه.
س ١٣٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأي فضيلتكم في تعلم طالب العلم اللغة الإنجليزية، لاسيما في سبيل استخدامها في الدعوة إلى الله ؟
فأجاب بقوله: رأينا في تعلم اللغة الإنجليزية وسيلة لاشك، وتكون وسيلة طيبة إذا كانت لأهداف طيبة، وتكون رديئة إذا كانت لأهداف رديئة، لكن الشيء الذي يجب اجتنابه أن تتخذ بديلاً عن
اللغة العربية، فإن هذا لا يجوز، وقد سمعنا بعض السفهاء يتكلم بها بدلاً من اللغة العربية، حتى إن بعض السفهاء من المغرمين الذين أعتبرهم أذنابًا لغيرهم كانوا يعلمون أولادهم تحية غير المسلمين
يعلمونهم أن يقولوا (باي باي) عند الوداع وما أشبه ذلك.
стр. 10710
لأن إبدال اللغة العربية التي هي لغة القرآن وأشرف اللغات بهذه اللغة محرم، وقد صح عن السلف النهي عن رطانة الأعاجم وهم مَنْ سوى العرب.
أما استعمالها وسيلة للدعوة فإنه لاشك أنه يكون واجبًا أحيانًا، وأنا لم أتعلمها وأتمنى أنني كنت تعلمتها، ووجدت في بعض الأحيان أني أضطر إليها، حتى المترجم لا يمكن أن يعبر عما في قلبي تمامًا.
وأذكر لكم قصة حدثت في مسجد المطار بجدة مع رجال التوعية الإسلامية نتحدث بعد صلاة الفجر عن مذهب التيجاني وأنه مذهب باطل وكفر بالإسلام، وجعلت أتكلم بما أعلم عنه فجاءني
رجل فقال: أريد أن تأذن لي أن أترجم بلغة الهوسا.
فقلت: لا مانع. فترجم، فدخل رجل مسرع فقال: هذا الرجل الذي يترجم عنك يمدح التيجانية فدهشت وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فلو كنت أعلم مثل هذه اللغة ما كنت أحتاج إلى مثل
هؤلاء الذين يخدعون، فالحاصل أن معرفة لغة من تخاطب لاشك أنها مهمة في إيصال المعلومات قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (١) .
стр. 10711
س ١٣٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أيهما أفضل: التفرغ للدعوة إلى الله- أم التفرغ لطلب العلم ؟
فأجاب بقوله: طلب العلم أفضل وأولى، وبإمكان طالب العلم أن يدعو وهو يطلب العلم، ولا يمكن أن يقوم بالدعوة إلى الله وهو على غير علم، قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (١) فكيف يكون هناك دعوة بلا علم؟ ولا أحد دعا بدون علم أبدًا، ومن يدعو بدون علم لا يوفق.
س ١٤٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أيهما أفضل: مخالطة الناس بعد العشاء لتعليمهم وإرشادهم ونصحهم بحيث لا يمكن قيام الليل أو اعتزالهم حتى يتم قيام الليل ؟
فأجاب بقوله: طلب العلم أفضل من قيام الليل؛ لأن طلب العلم كما قال الإمام أحمد ﵀: "لا يعدله شيء لمن صحت نيته " قالوا: كيف ذلك؟ قال: "ينوي به رفع الجهل عن نفسه وعن غيره"،
فإذا كان الإنسان يسهر في أول الليل في طلب العلم ابتغاء لوجه الله سواء كان يدرسه أو يدرسه أو يعلمه، ثم يقوم الليل فهو أفضل، لكن إذا تزاحم الأمران فطلب العلم الشرعي أفضل وأولى، ولهذا
стр. 10712
أمر النبي ﷺ أبا هريرة ﵁ أن يوتر قبل أن ينام (١) .
قال العلماء: وسبب ذلك أن أبا هريرة كان يحفظ أحاديث الرسول أول الليل وينام آخر الليل، فأرشده النبي ﷺ إلى أن يوتر قبل أن ينام.
س ١٤١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأيكم بمن ترك الدعوة بحجة التفرغ لطلب العلم، وأنه لا يتمكن من الجمع بين الدعوة والعلم في بداية الطريق، لأنه يغلب على ظنه ترك العلم إذا
اشتغل بالدعوة، ويرى أن يطلب العلم حتى إذا أخذ منه نصيبًا اتجه لدعوة الناس وتعليمهم وإرشادهم ؟
فأجاب بقوله: لاشك أن الدعوة إلى الله تعالى مرتبة عالية ومقام عظيم، لأنه مقام الرسل- عليهم الصلاة والسلام- وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٢) وأمر الله تعالى نبيه محمداً ﷺ أن يقول: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (٣) .
стр. 10713
ومن المعلوم أنه لا يمكن الدعوة بغير علم كما في قوله هنا (على بصيرة) وكيف يدعو الشخص إلى شيء لا يعلمه؟ ومن دعا إلى الله تعالى بغير علم كان قائلاً على الله ما لا يعلم، فالعلم هو المرتبة الأولى للدعوة.
ويمكن الجمع بين العلم والدعوة في بداية الطريق ونهايته، فإن تعذر الجمع كان البدءُ بالعلم؛ لأنه الأصل الذي ترتكز عليه الدعوة، قال البخاري- ﵀ في صحيحه في الباب العاشر من كتاب العلم: باب العلم قبل القول والعمل واستدل بقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (١) .
قال فبدأ بالعلم.
ومن ظن أنه لا يمكن الجمع بين العلم والدعوة فقد أخطأ، فن الإنسان يمكنه أن يتعلم ويدعو أهله وجيرانه وأهل حارته وأهل بلدته وهو في طلب العلم.
والناس اليوم في حاجة بل في ضرورة إلى طلب العلم الراسخ المتمكن في النفوس المبني على الأصول الشرعية، وأما العلم السطحي الذي يعرف الإنسان به شيئاً من المسائل التي يتلقاها كما يتلقاها العامة دون معرفة لأصولها وما بنيت عليه فإنه علم قاصر جدًا لا يمكن الإنسان به من الدفاع عن الحق وقت الضرورة وجدال المبطلين.
стр. 10714
فالذي أنصح به شباب المسلمين أن يكرسوا جهودهم لطلب العلم مع القيام بالدعوة إلى الله بقدر استطاعتهم، وعلى وجه لا يصدهم عن طلب العلم؛ لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله تعالى،
ولهذا قال أهل العلم: إذا تفرغ شخص قادر على التكسب من أجل طلب العلم فإنه يعطى من الزكاة؛ لأن ذلك من الجهاد في سبيل الله، بخلاف ما إذا تفرغ للعبادة، فإنه لا يعطى من الزكاة، لأنه قادر على التكسب.