فأجاب بقوله: كتاب "بدائع الزهور" رأيت فيه أشياء كثيرة غير صحيحة، ولا أرى أن يقتنيه الإنسان، ولا أن يجعله بين أيدي أهله لما فيه من الأشياء المنكرة.
وأما كتاب "الروض الفائق" فلا أعرفه.
وأما كتاب "تنبيه الغافلين" فهو كتاب وعظ، وغالب كتاب الوعظ يكون فيها الضعيف، وربما الموضوع، ويكون فيها حكايات غير صحيحة، يريد المؤلفون بها أن يرققوا القلوب، وأن يبكوا
العيون، ولكن هذا ليس بطريق سديد؛ لأن فيما جاء في كتاب الله تعالى وصح عن رسول الله ﷺ من المواعظ كفاية، ولا ينبغي أن يوعظ الناس بأشياء غير صحيحة سواء نسبت إلى الرسول ﷺ ، أو نسبت إلى قوم صالحين قد يكونوا أخطئوا فيما ذهبوا إليه من الأقوال أو الأعمال، والكتاب فيه أشياء لا بأس بها، ومع ذلك فإني لا أنصح
أن يقرأه إلا شخص عنده علم وفهم وتمييز بين الصحيح والضعيف والموقوف.
س ١٥٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن طالب علم جع عداً كبيراً من الكتب الشرعية ولكن لم يقم بقراءتها، وعندما يطلب منه أحد الإعارة فإنه يعيره فهل عليه شيء؟ وهل صحيح
стр. 10747
أن زكاة الكتب إعارتها؟
فأجاب بقوله: أقول في الجواب على هذا إنه لا بأس أن يقتني الإنسان الكتب التي يرجو بها النفع حاضرًا أو مستقبلاً؛ لأن الكتب إن أردت أن تكون مالاً فهي مال، وإن أردت أن تكون علمًا وتثقيفًا فهي علم وتثقيف، وإن أردت أن تكون غنيمة لورثتك من بعدك لمن شاء الله هدايتهم إلى قراءتها فهي كذلك، فالكتب من خير ما يقتنيه الإنسان في حياته سواء كان ينتفع بها مباشرة في الوقت الحاضر، أو لا ينتفع بها مباشرة، أو لا ينتفع بها إلا في المستقبل فليس عليه في
ذلك حرج إطلاقًا، وكون هذا الرجل يعير ما عنده من الكتب لمن طلب الإعارة لينتفع بها هو خير له وإحسان إلى عباد الله، وقد قال الله تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١) ويرجى أن يناله من الأجر بقدر ما ينتفغ بها هذا المستعير من العمل الصالح الذي يستنير بها فيه.
وأما قول السائل: هل صحيح أن زكاة الكتب عاريتها؟
فنقول: الكتب المقتناة للانتفاع ليس فيها زكاة، لا نقود ولا إعارة؛ لأن كل شيء يقتنيه الإنسان لنفسه من غير الذهب والفضة ليس فيه زكاة؛ لقول النبي ﷺ "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه
стр. 10748
صدقة" (١) ولكن لاشك أن إعارة الكتب من أفضل الإعارات لما فيها من النفع للمستعير وللمعير أيضًا.
س ١٥٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأيكم في هذه الكتب:
١- (مروج الذهب) للمسعودي.
٢- (الحصن الحصين) .
٣- (المأثورات) .
٤- (الدعاء المستجاب) .
٥- (العواصم من القواصم) ؟ لأبي بكر ابن العربي وما الفرق بينه وبين ابن عربي؟
فأجاب بقوله: كتاب "مروج الذهب" للمسعودي كغيره من كتب التاريخ يكون فيه الضعيف والصحيح، ويحتاج إلى أن يحترز الإنسان منه فيما إذا ورد على سمعه أو على بصره ما يستنكره فإنه
يجب عليه أن يتوقف فيه ويبحث عنه ويحققه.
أما كتاب "الحصن الحصين" وكتاب "المأثورات" فلم أقرأ فيهما شيئًا.
стр. 10749
أما كتاب "الدعاء المستجاب" فيه أشياء بدعية لا صحة لها، فلا أشير أن يقرأه إلا شخص طالب علم يعرف ما فيه من البدع حتى يجتنبها وفيه أشياء مفيدة.
أما كتاب:"العواصم من القواصم" فهو كتاب جيد ينبغي للإنسان قراءته.
أما الفرق بين ابن العربي وبين ابن عربي فنقول: يجب أن يفرق بينهما؛ لأن ابن عربي معروف بأن له شطحات تصل إلى حد الكفر والعياذ بالله، وأما ابن العربي فهو من علماء المالكية، ومن أهل السنة
فيما نعلم، فهناك فرق بين الرجلين كما بين المشرق والمغرب، أو ما بين السماء والأرض.
س ١٥٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يعتقد البعض - وفقهم الله- بان كتب المتقدمين صمَّاء وصعبة العبارة والمعاني، وأنها لا تصلح لوقتنا المعاصر الذي كثرت فيه المعاصي، وأن الحاجة لكتب الرقائق وغيرها أكثر من كتب العقيدة والفقه، فما قولكم ؟
فأجاب بقوله: من خلال طلبي للعلم وجدت الخير كل الخير في كلام من سلف، ولهذا تجد العلماء السابقين يتكلم أحدهم بنحو
стр. 10750
سطرين أو ثلاثة فتحصل منها على خير كثير، بينما كتب المتأخرين تقرأ فيها الصفحة أو الصفحتين فلا تحصل على شيء، فهي كالإسفنج لا تثبت أمام الحقائق.
لذلك النصيحة لطلبة العلم أولاً: بتدبُّر كلام الله ، فهو والله كل الخير (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) (١) . وهو- أي تدبر القرآن والعمل به- الذي من أجله أنزل الله القرآن (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (٢) .
ثانياً: ما صح عن النبي ﷺ السنة القولية والفعلية والتقريرية، لا سيما سيرة الرسول ﷺ وتاريخ حياته فإنها تحيي القلب وتزيد في الإيمان، والمسلم مأمور باتباع النبي ﷺ ، ولا يمكن أن يتبع هذا النبي الكريم ﵊ إلا بعد معرفة سنته.
ثالثاً: كتب السلف الصالح، التي جمعت من الآثار الواردة عن الصحابة- ﵃ وعن التابعين- ﵏.
أما كتب المتأخرين فغالبها كلام طويل لا يُستفاد منها إلا فائدة قليلة، وإن كانت لا تخلو من معالجة الأمور المستجدة وما يحصل في
стр. 10751
العصر الحاضر، مع العلم أن ما يحصل في العصر الحاضر إذا وفق الله الإنسان إلى فهم قوي؛ أمكنه أن يأخذ معالجته وبيان ما يتعلق به من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح.
ويذكر عن أحد العلماء الأزهريين أنه كان في أوروبا فقال له أحد النصارى: إن القرآن تبيان لكل شيء، فأين بيان كيف تصنع هذه الأطعمة التي نأكل؟
قال له العالم الأزهري: نعم هذا موجود في القرآن، فدعا الأزهري صاحب المطعم وقال له: كيف تصنع هذه الأشياء؟
قال: أصنعها بكذا وكذا، ووصف له الطريقة، قال العالم الأزهري: هكذا جاء في القرآن قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١) .
فهذه قاعدة نمشي عليها، فكل شيء لا نعلمه نسأل عنه أهل العلم فيه. فإذا أشكل عليَّ مثلاً مسألة نحوية فهل أذهب إلى محدث يعلمني إياها؟ الجواب: لا، بل أذهب إلى صاحب النحو.
وإذا أشكل عليَّ مسألة حديثية، فأذهب لصاحب الحديث، وهذا موجود في القرآن، أعني التوجيه لسؤال أهل العلم وأنا جئت بهذا المثال للإشارة إلى أن القرآن تبياناً لكل شيء، وأن كتب المتأخرين لا
стр. 10752
شك أن فيها فائدة، لكن لا ينبغي أن نعكف عليها وننسى كتب السلف الصالح ﵏.
س ١٦٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما رأي فضيلتكم في (مجموع فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية) رحمه الله تعالى، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ ؟
فأجاب بقوله: رأينا أنها من خير ما كتب؛ لأنها من عالم فقيه ناصح وإنني أحث أخي السائل وغيره على اقتناء كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكذلك تلميذه ابن القيم ﵀ لما فيها من
الخير والبركة والعلم الغزير الذي لا تجده في غيرها، ولما فيها من قوة الاستنباط من أحكام الكتاب والسنة، فهي كتب لم يخرج مثلها فيما أعلم فعليك يا طالب العلم بها.
س ١٦١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما هو أفضل كتاب للحفظ في علم العقيدة، وأفضل شرح له، وعدة شروح أخرى ؟
فأجاب بقوله: من أحسن ما كتب في العقيدة (العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فإنها رسالة مختصرة مفيدة جدًا، فيها قواعد عظيمة من القواعد التي ينتفع بها الإنسان في كل مسألة
стр. 10753
من مسائل العقيدة، ومنها أيضًا شرح العقيدة الطحاوية فإنها كتاب جيد مفيد ينتفع به طالب العلم، ومنها الصواعق المرسلة ومختصره لابن القيم ﵀.
س ١٦٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما أفضل كتاب للحفظ في علم الحديث؟ وأفضل شرح له ؟
فأجاب بقوله: أفضل الكتب (عمدة الأحكام) للحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ فإنها عمدة؛ لأنه انتقاها ﵀ مما اتفق عليه البخاري ومسلم، ولها شروح متعددة من أنفعها لطالب العلم
شرح ابن دقيق العيد، وأما للمبتدئين فلها شروح متعددة من المعاصرين معروفة بأيدي الطلبة.
س ١٦٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن أفضل متون في الفقه للحفظ ؟
فأجاب بقوله: كتاب "زاد المستنقع في اختصار المقنع" لموسى الحجاوي ﵀، وشرحه "الروض المربع" لمنصور البهوتي ﵀ فإنه كتاب مختصر مفيد، هذا لمن أراد التفقه على مذهب الإمام
أحمد بن حنبل ﵀.
стр. 10754
س ١٦٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن أفضل متون النحو للحفظ ؟
فأجاب بقوله: متن " الأجرومية " للمبتدئين ثم " الألفية " لمن أخذ حظًا وافرًا من النحو، ويا حبذا لو أن الطالب حفظ هذه المتون المختصرة حتى ينتفع بها بعد أن يحتاج إليها في المستقبل.
س ١٦٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن كتاب رياض الصالحين ؟
فأجاب بقوله: يجب أن نعلم أن أهم ما يجب الاعتناء به هو كتاب الله فقد كان الصحابة- ﵃ لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل (١) .
فالاعتناء بكتاب الله- أمر واجب، وتدبر معناه هو الحكمة من إنزاله، والتذكر به حكمة أخرى تتفرع على تدبره قال الله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (٢) كثير من الناس يعتني بالكتب الحديثية وبالسنة، ولاشك أن هذا خير، ولكن تجده مهملاً القرآن الكريم لا يعرف
стр. 10755
معناه، ولا يتدبره، ولا يطالع عليه ما كتبه أهل العلم في تفسيره وهذا نقص.
فالذي ينبغي للإنسان في ترتيب تعلمه أن يبدأ قبل كل شيء في فهم كتاب الله ، ثم يثنَّي بسنة رسول الله ﷺ ، وما كتبه أهل العلم فيها من المؤلفات.
وأما الكتاب الذي ذكره السائل فنقول: إن هذا الكتاب الذي أشار إليه وهو (رياض الصالحين) كتاب قيم نافع، به آيات يصدر بها المؤلف ﵀ الأبواب في كثير من أبواب الكتاب، وفيه أحاديث صحيحة وحسنة، ويندر فيه جدًا أن توجد أحاديث ضعيفة لكن الكتاب مفيد لطالب العلم ومفيد للعامة.
س ١٦٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: "حادي الأرواح "، وكتاب "الروح" لابن القيم. وعن كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي، وكتاب "الفقه على المذاهب الأربعة "؟
فأجاب بقوله: أما الكتابان الأولان "حادي الأرواح" و "الروح" لابن القيم ﵀ فهما كتابان نافعان فيهما خير كثير، وإن كانا لا يخلوان من الشيء الذي يكون سببًا للتردد في صحته،
لكنهما بلا شك مفيدان عظيمان.
стр. 10756
وأما كتاب: "العقد الفريد" لابن عبد ربه، وكتاب: " الفقه على المذاهب الأربعة" فالأول: لا أدري عنه ولم أطلع عليه.
وأما الثاني: فالذي أشير به على إخواني إذا كانوا يحبون الاطلاع على أقوال العلماء ولديهم قدرة على معرفة الراجح من المرجوح ألا يراجع إلا الكتب الذي تذكر الأقوال وأدلتها حتى يكونوا على بينة من أمرهم مثل (المغني) لابن قدامة ﵀، و (المجموع شرح المهذب) للنووي ﵀، وما أشبهها من الكتب التي إذا ذكرت أقوال العلماء ذكرت الأدلة وبينت الراجح، أما مجرد أقوال: هذا
مذهب فلان، وهذا مذهب فلان، فهو قليل الفائدة بلا شك، وأن الزاد منه هو أن يطلع الإنسان على أقوال فقط دون أن يعرف الراجح من المرجوح، فاشتغاله بما هو أحسن أولى وأحوط.
س ١٦٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما الكتب التي تنصحون بها طالب العلم المتوسط ؟
فأجاب بقوله: أولاً أقول: لا كتاب أفضل من كتاب الله ، والذي أحث إخواني عليه أن يعتنوا بالقرآن الكريم حفظًا وفهمًا وعملاً، فقد كان الصحابة ﵃ لا يتجاوزون عشر
آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل (١) ، يتعلمون العلم
стр. 10757
والعمل جميعًا.
ثم بعد ذلك الاعتناء بما صح عن النبي ﷺ من الأحاديث، ومعلوم أن الأحاديث التي صحت عن النبي ﷺ كثيرة جدًا، وطالب العلم المبتدئ أو المتوسط لا يمكنه الإحاطة بها، لكن هناك كتب مصنفة في هذا الباب يمكن الرجوع إليها مثل: كتاب (عمدة الأحكام) لعبد الغني المقدسي ﵀، وكتاب (الأربعين النووية) للنووي ﵀ وغير ذلك من الكتب المختصرة، ثم بعد هذا يرتقي إلى الكتب المطولة نوعًا ما مثل كتاب: (بلوغ المرام) و (المنتقى من أخبار المصطفى) ، ثم بعد هذا يزداد في قراءة كتب الأحاديث المصنفة: كصحيح البخاري وصحيح مسلم.
أما في الفقه: فينظر إلى أفضل كتاب ألف في ذلك يقرأه لينتفع به ويطبقه على ما عرفه من الأدلة حتى يكون جامعًا بين المسائل والدلائل.
أما في النحو: فيأخذ بالكتب المختصرة أولاً مثل كتاب (الأجرومية) فإنه كتاب مختصر مبارك مفيد، مقسم تقسيمًا يحيط به المبتدئ، ولاسيما إذا يسر الله له من يقربه بالشرح، ثم بعد هذا أنصحه بأن يحفظ ألفية ابن مالك ﵀ ويتفهم معناها؛ لأنها ألفية مباركة فيها خير كثير.
стр. 10758
ثم إني أنصح أيضًا أن يلازم شيخًا يثق به في علمه ودينه وأخلاقه؛ لأن تلقي العلم على المشايخ أقرب إلى الإحاطة بالعلم، وإلى معرفة الصواب، وأخصر إلى طلب العلم؛ لأن طالب العلم
الذي يقرأه من الكتب إذا لم يكرس جهوده ليلاً ونهارًا، فإنه لا يحصل شيئًا، ثم إن الكتب أيضًا متنوعة، منها ما هو ملتزم بترجيح ما ينبغي ترجيحه، أو منها ما هو متعصب للمذهب الذي هو عليه، حتى إن بعض المؤلفين- عفا الله عنا وعنهم- أحيانًا يلوون أعناق النصوص لتكون مطابقة لما يذهبون إليه، لذلك أرى أن يعتمد الإنسان على الشيخ الذي يدرس عليه في علمه ودينه وخلقه.
س ١٦٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين ﵀ ؟
فأجاب بقوله: رأينا فيه ألا يطالعه الإنسان، وألا يعتمد عليه، وذلك لأن المرائي تختلف بحسب الرائي، فقد يرى الرجلان رؤيا صورتها واحدة ولكنها تختلف فتفسر بشيء، وتفسر للآخر بشيء
آخر؛ ولهذا لا نشير بقراءة كتب تفاسير الأحلام سواء كانت لابن سيرين أو غيره؛ لأن الإنسان لا يعرف الفرق في تعبير الرؤيا بين أن تكون من شخص وآخر فربما يعبر رؤيا رآها وهي على خلاف ما
стр. 10759
رآها وتقع كما عبر كما جاء في حديث أبي رزين أن رسول الله ﷺ قال: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبر فإذا عُبّرت وقعت" (١) . لهذا نحذر من التعلق بهذه التفاسير للأحلام؛ لأنها تختلف من شخص لآخر.
س ١٦٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن شاب تعلم كثيراً من العلوم الدنيوية ثم وفقه الله للعلم الشرعي ويسأل عن أفضل التفاسير ؟
فأجاب بقوله: أهنئ هذا السائل بما منَّ الله عليه التحول من العلوم الدنيوية إلى العلوم الشرعية، وأسأل الله أن يتمم له مقصوده، ولاشك أن أهم شيء يبدأ به طالب العلم من العلوم الشرعية هو:
العلم بكتاب الله وتفسيره وما ينتج عنه من الفوائد العظيمة؛ لأن هذا دأب الصحابة ﵃، فكانوا لا يتجاوزن عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل (٢) .
وأما أفضل التفاسير فنقول: هو تفسير ابن كثير ﵀، وكذلك تفسير الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي ﵀ فإنه تفسير سهل يفهمه حتى المبتدئ.
стр. 10760
رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عضو هيئة كبار العلماء:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
نرفق لفضيلتكم نموذجًا من مكتبة طالب العلم التي تحتوي على عدد من الكتب منها:
١- رياض الصالحين.
٢- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج/١.
٣- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج/٢.
٤- اقتضاء الصراط المستقيم.
٥- فتح المجيد.
٦- منهاج المسلم.
٧- عقيدة أهل السنة والجماعة.
٨- العقيدة الواسطية.
٩- رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
١٠- الكلم الطيب في أذكار النبي ﷺ .
١١- الإبانة عن أصول الديانة.
١٢- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
نرجو من فضيلتكم التفضل بتوجيهنا باقتراح عناوين أخرى
стр. 10761
ترون مناسبة لطباعتها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بقوله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أرى أن يضاف إلى ذلك:
١- المغني لابن قدامة.
٢- المجموع للنووي.
٣- التمهيد لابن عبد البر.
٤- زاد المعاد لابن القيم.
٥- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
زادكم الله توفيقًا ونشاطًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتبه محمد بن صالح العثيمين ٢٢/٦/١٤١٩ هـ
стр. 10762
س ١٧٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا أراد طالب العلم أن ينقل الأحاديث التي زادت من بلوغ المرام على المحرر لابن عبد الهادي، فهل هذه الطريقة مفيدة ؟
فأجاب بقوله: لا شيء في ذلك، هذه طريقة خاصة، لكن على سبيل العموم كونه يدرس الكتب المشهورة المتداولة بين الناس أحسن.
س ١٧١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أيهما أفضل كتاب المحرر لابن عبد الهادي ﵀، أو بلوغ المرام لابن حجر ﵀ ؟
فأجاب بقوله: (بلوغ المرام) متداول بين الناس، وصاحبه محقق ﵀ والشيء المتداول ينبغي للإنسان أن يعتني به أكثر من غيره؛ لأن الشيء المهجور لا ينتفع به الناس كثيرًا، والبلوغ كما هو
معلوم خدم، وقرأ به علماؤنا ومشائخنا.
س ١٧٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أي كتب تفسير القرآن تنصح بقراءتها؟ وحفظ القرآن، إذا حفظ الإنسان ونسي ،
стр. 10763
فهل هناك وعيد فيه؟ وكيف يحافظ الإنسان على ما حفظ؟ فأجاب بقوله: القرآن وعلومه متنوعة، وكل مفسر يفسر القرآن يتناول طرفًا من هذه العلوم، ولا يمكن أن يكون تفسيرًا واحدًا
يتناول القرآن من جميع الجوانب.
فمن العلماء من ركز في تفسيره على التفسير الأثري- أي على ما يؤثر عن الصحابة والتابعين- كابن جرير وابن كثير رحمهما الله.
ومنهم من ركز على التفسير النظري كالزمخشري وغيره، ولكن أنا أرى أن يفسر الآية هو بنفسه- أولاً- أي يكرر في نفسه أن هذا هو معنى الآية- ثم بعد ذلك يراجع ما كتبه العلماء فيها؛ لأن هذا
يفيده أن يكون قويًا في التفسير غير عالة على غيره، وكلام الله- منذ بعث الرسول ﷺ إلى اليوم (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (١) .
وإن كان يجب الرجوع إلى تفسير الصحابة، لأنهم أدرى الناس بمعانيه، ثم إلى كتب المفسرين التابعين، لكن مع ذلك لا أحد يستوعب كلام الله- .
فالذي أرى أن الطريقة المثلى أن يكرر الإنسان تفسير الآية في نفسه، ثم بعد ذلك يراجع كلام المفسرين فذا وجده مطابقًا فهذا مما يمكنه من تفسير القرآن وييسره له، وإن وجده مخالفًا رجع إلى الصواب.
стр. 10764
وأما حفظ القرآن: فطريقة حفظه تختلف من شخص لآخر، بعض الناس يحفظ القرآن آية آية، بمعنى أنه يحفظ آية يقرؤها أولاً ثم يرددها ثانيًا وثالثًا حتى يحفظها ثم يحفظ التي بعدها، ثم يكمل ثمن
أو ربع الجزء أو ما أشبه ذلك، وبعض الناس يقرأ إلى الثمن جميعًا ويردده حتى يحفظه، ومثل هذا لا يمكن أن نحكم عليه بقاعدة عامة فنقول للإنسان: استعمل ما تراه مناسبًا لك في حفظ القرآن.
لكن المهم أن يكون عندك علم لما حفظت متى أردت الرجوع إليه، وأحسن ما رأيت في العلم أن الإنسان إذا حفظ شيئًا اليوم يقرؤه مبكرًا في الصباح التالي فإن هذا مما يعين كثيرًا على حفظ ما
حفظه في اليوم الأول، وهذا شيء فعلته فكان مما يعين على الحفظ جيدًا. أما الوعيد على من ينسى، قال الإمام أحمد: "ما أشد ما ورد فيه " أي حفظ آية ونسيها والمراد بذلك من أعرض عنها حتى تركها، وأما من نسيها لسبب طبيعي أو لأسباب كانت واجبة أشغلته فإن هذا لا يلحق به إثم (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (١) .
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى بأصحابه فنسى آية فذكره أحد الصحابة بها بعد الصلاة فقال: "هلا أذكرتنيها" (٢) فالإنسان الذي
стр. 10765
ينساه تهاونًا به وإعراضًا عنه لاشك أنه خاسر وأنه مستحق الإثم، وأما الذي ينساه لشيء واجب عليه أوجبه الله- عليه، أو نسيانا طبيعيًا فهذا لا يلحقه شيء.
س ١٧٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن كتاب فقه السنة ؟
فأجاب بقوله: لاشك أنه من خير الكتب؛ لأن فيه مسائل كثيرة مقرونة بالأدلة، لكنه لا يسلم من الأخطاء، وكما قال ابن رجب- ﵀ في مقدمة القواعد الفقهية: "يأبى الله العصمة لكتاب غير
كتابه، ولكن المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه "، فالكتاب لاشك أنه نافع لكن لا أرى أن يقتنيه إلا طالب علم يميز بين الصحيح والضعيف؛ لأن به مسائل ضعيفة كثيرة.
ومن ذلك القول باستحباب صلاة التسبيح (١) فإن صلاة التسبيح قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ إن حديثها كذب، وقال: إنه لا يستحبها أحد من الأئمة، ولما سئل عنها الإمام أحمد، نفض يده كالمنكر لها.
стр. 10766
س ١٧٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: في هذا الزمن يجري تسمية بعض العلوم التجريبية بالعلم، حتى إن المدارس الثانوية سميت بعلمي وأدبي، فهل هذا صحيح؟ إضافة لذلك إن هذا
التقسيم في المدارس يعلق بآذان الطلاب مما يؤثر عليهم مستقبلاً .
فأجاب بقوله: هذا التقسيم إلى علمي وأدبي هو اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح، لأنهم يرون أن المواد العلمية هي ما يتعلق بعلم الكون والأحياء والنباتات وما أشبه ذلك، ولكن الذي يجب أن
نفهمه أن هذا ليس هو العلم الذي حث الله عليه وأثنى على طالبيه، فإن العلم الذي أثنى الله على أصحابه، والذي أصحابه هم أهل خشية الله، إنما هو علم الشريعة فقط، وأما العلوم الأخرى فإنها إن كانت نافعة فإنها تكون مطلوبة لا لذاتها ولكن لما يرجى فيها من نفع، وأما إذا كانت ضارة وجب اجتنابها، وأما إذا كانت غير نافعة ولا ضارة فإن الإنسان لا ينبغي أن يضيع وقته فيها.
س ١٧٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما هي الكتب التي تنصح بها؟ ونرجو توجيه نصيحة للطلاب جزاكم الله خيرًا .
فأجاب بقوله: من أحسن ما يطالعه الطلاب من الكتب، كتب التفسير الموثوقة كتفسير ابن كثير، والشيخ عبد الرحمن السعدي
стр. 10767
رحمهما الله، وكتب الحديث كفتح الباري شرح صحيح البخاري، وسبل السلام شرح بلوغ المرام، ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، ورياض الصالحين.
وننصح أبناءنا الطلبة بالحرص على العلم النافع، والعمل الصالح والأخلاق الحسنة، وكسب الوقت فيما فيه خيرهم، وصلاحهم في دينهم ودنياهم، وأن يمرنوا أنفسهم على فعل الجميل والصبر على الأمور التي فيها مصلحتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
стр. 10768
طالب العلم والفتوى
стр. 10769
س ١٧٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز استفتاء أكثر من عالم؟ وفي حالة اختلاف الفتيا؟ وهل يأخذ المستفتي بالأيسر أم بالأحوط ؟
فأجاب بقوله: لا يجوز للإنسان إذا استفتى عالماً واثقًا بقوله أن يستفتي غيره؛ لأن هذا يؤدي إلى التلاعب بدين الله وتتبع الرخص، بحيث يسأل فلانًا، فإن لم يناسبه سأل الثاني، وإن لم يناسبه سأل
الثالث وهكذا.
وقد قال العلماء: (من تتبع الرخص فسق) ، لكن أحيانًا يكون الإنسان ليس عنده من العلماء إلا فلان مثلاً، فيسأله من باب الضرورة، وفي نيته أنه إذا التقى بعالم أوثق منه في علمه ودينه سأله،
فهذا لا بأس به، أن يسأل الأول للضرورة، ثم إذا وجد من هو أفضل سأله.
وإذا اختلفت العلماء عليه في الفتيا أو فيما يسمع من مواعظهم ونصائحهم مثلاً، فإنه يتبع من يراه إلى الحق أقرب في علمه ودينه، فإن تساوى عنده الرجلان في العلم والدين، فقال بعض العلماء: يتبع الأحوط وهو الأشد.
وقيل يتبع الأيسر، وهذا هو الصحيح، أنه إذا تعادلت الفتيا عندك، فإنه يتبع الأيسر؛ لأن دين الله- مبني على اليسر
стр. 10770
والسهولة، لا على الشدة والحرج.
وكما قالت عائشة- ﵂: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثًما" (١) . ولأن الأصل البراءة وعدم التأثيم، والقول بالأشد يستلزم شغل الذمة والتأثيم.
س ١٧٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز لإنسان أن يجتهد في إفتاء بعض الناس إذا كان لا يوجد من يفتي أو لم يتيسر سؤال العلماء ؟
فأجاب بقوله: إذا كان جاهلاً فكيف يجتهد؟ وعلى أي أساس يبني اجتهاده؟ والواجب على من لا يعلم الحكم أن يتوقف، وإذا سئل يقول: لا علم عندي، فالملائكة لما قال الله- لهم: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (٢) .
أما كونه يقول: (إذا لم يجد عالمًا يفتي أنا أفتي صواب أم خطأ) فهذا خطأ ولا يجوز، فالواجب أن يقول للمستفتي: اسأل العلماء،
стр. 10771
والآن ولله الحمد الاتصالات سهلة يتصل عن طريق الهاتف أو البريد.
س ١٧٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: كثيرًا ما يشاع بأن الفتوى تتغير بتغير الزمان أو المكان، مثل: المذياع في أول ظهوره حرمه البعض، فنرجو من سماحتكم بيان الحق في هذه المسألة،
والله يحفظكم ولرعاكم .
فأجاب بقوله: الفتوى في الحقيقة لا تتغير بتغير الزمان، ولا بتغير المكان، ولا بتغير الأشخاص.
ولكن الحكم الشرعي إذا علق بعلة فإنه إذا وجدت فيه العلة ثبت الحكم الشرعي، وإذا لم توجد لم يثبت الحكم الشرعي، وقد يرى المفتي أن يمنع الناس من شيء أحله الله لهم لما يترتب على فعل الناس
له من المحرم كما فعل عمر- ﵁ في الطلاق الثلاث حين رأى الناس تتايعوا فيها فألزمهم بها، وكان الطلاق الثلاث في عهد النبي ﷺ ، وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فلما رأى عمر الناس تتايعوا في هذا ألزمهم بالثلاث ومنعهم
من الرجوع إلى زوجاتهم (١) .
стр. 10772
وكذلك ما حصل في عقوبة شارب الخمر كانت العقوبة في عهد النبي ﵊ وعهد أبي بكر ﵁ لا تزيد على أربعين جلدة، ثم إن الناس كثر شربهم الخمر فاستشار عمر الصحابة ﵃ فأشاروا بأن يجعل العقوبة ثمانين جلدة (١) .
فالأحكام الشرعية لا يمكن أن يتلاعب بها الناس، كلما شاءوا حرموا، وكلما شاءوا أوجبوا، وإنما يرجع إلى العلل الشرعية التي تقتضي الوجوب أو عدمه.
وأما بالنسبة للمذياع: فلم يقل أحد بتحريمه من علماء التحقيق، وإنما قال بتحريمه أناس جهلوا حقيقة الأمر، وإلا فإن العلماء المحققين، وأخص منهم شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀، لم
يروا أن هذا من المحرمات، بل رأوا أن هذا من الأشياء التي علمها الله- الخلق، وقد تكون نافعة، وقد تكون ضارة بحسب ما فيها، وكذلك مكبر الصوت (المكرفون) ، أيضًا أنكره بعض الناس أول ما ظهر، لكن بدون تحقيق، وأما المحققون فلم ينكروه، بل رأوا أنه من نعمة الله- أن يسر لهم ما يوصلوا خطبهم ومواعظهم إلى الأبعدين.
стр. 10773
س ١٧٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هناك من الناس من يفتي بغير علم، ما حكم ذلك ؟
فأجاب بقوله: هذا العمل من أخطر الأمور وأعظمها إثمًا، وقد قرن الله- القول عليه بلا علم، بالشرك به، فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (١) .
وهذا يشمل القول على الله في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، أو شرائعه، فلا يحل لأحد أن يفتي بشيء حتى يعلم أن هذا هو شرع الله وحتى تكون عنده أداة وملكة يعرف بها ما دلت عليه
النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وحينئذٍ يفتي. والمفتي معبر عن الله- ومبلغ عن رسول الله ﷺ ، فإذا قال قولاً وهو لا يعلم أو لا يغلب على ظنه- بعد النظر والاجتهاد والتأمل في الأدلة- فإنه يكون قد قال على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ ، قولاً بلا علم، فليتأهب للعقوبة، فإن الله
يقول: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)) (٢)
стр. 10774
س ١٨٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: أنا طالب في السنوات الأولى من كلية الشريعة، وكثيرًا ما يرد علينا مسائل مختلف فيها، وقد يكون الراجح في بعض هذه المسائل مخالفًا لبعض أقوال العلماء الآن، أو نأخذ المسائل ولكن لا شيء يرجح بينها، فنصبح في حيرة من أمرنا، فماذا نفعل في حكم المسألة المختلف فيها أو عندما نسأل من عامة الناس؟ جزاكم الله خيرًا ؟
فأجاب بقوله: هذا السؤال الذي أورده السائل لا يحصل لطالب الشريعة فقط بل هو عام لكل أحد، إذا رأى اختلاف العلماء حول فتوى فإنه يقف حيران، ولكن الحقيقة ألا حيرة في ذلك؛ لأن
الإنسان إذا اختلفت عليه الفتوى فإنه يتبع من يراه أقرب إلى الحق، لغزارة علمه، وقوة إيمانه، كما أن الإنسان إذا كان مريضًا ثم اختلف عليه طبيبان فإنه يأخذ بقول من يرى أنه أرجح لما وصفه له من دواء.
وإن تساوى عنده الأمران، أي لم يرجح أحد العالمين المختلفين. فقال بعض العلماء: إنه يتبع القول الأشد لأنه أحوط.
وقال بعض العلماء: يتبع الأيسر؛ لأنه الأصل في الشريعة الإسلامية، وقيل: يخيَّر بين هذا وهذا.
والراجح: أنه يتبع الأيسر؛ لأن هذا موافق ليسر الدين الإسلامي لقول الله ﵎: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ
стр. 10775
الْعُسْرَ) (١) وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٢) .
ولقوله ﷺ : "يسروا ولا تعسروا" (٣) ، ولأن الأصل براءة الذمة حتى يثبت ما يرفع هذا الأصل، وهذه القاعدة لمن لا يستطيع أنه يتوصل إلى معرفة الحق بنفسه، فإن كان يستطيع ذلك كطالب العلم الذي يستطيع أن يقرأ ما قيل في هذه المسألة فيرجح ما يراه راجحًا
بالأدلة الشرعية عنده، فإنه في هذه الحال لابد أن يبحث ويقرأ ليعرف ما هو أصح من هذه الأقوال التي اختلف فيها العلماء.
стр. 10776
رسالة
حول مسائل متعددة في الإفتاء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم.....
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جوابًا لكتابكم ذي الرقم ... والتاريخ ٢٤- ٢٥/٩/١٤٠٩ هـ.
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله تعالى أن يحبك كما أحببتني فيه، وأن يجعلنا جميعًا من دعاة الحق وأنصاره، ويوفقنا للصواب في الاعتقاد والقول والعمل.
ثم إن كتابكم المذكور تضمن ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: إذا تبين لكم رجحان قول كنتم تفتون أو تحكمون بخلافه، فهل يجوز لكم الرجوع فيما أفتيتم به أو حكمتم؟
المسألة الثانية: إذا تبين لكم رجحان قول كنتم تفتون أو تحكمون بخلافه، فهل يجوز لكم مستقبلاً أن تفتوا أو تحكموا بما تبين لكم رجحانه؟
المسألة الثالثة: هل يجوز للإنسان في مسائل الخلاف أن يفتي لشخص بأحد القولين، ولشخص آخر بالقول الثاني.
والجواب على هذه المسائل العظيمة بعون الله وتوفيقه أن نقول
стр. 10777
مستمدين من الله تعالى الهداية والصواب.
أما المسألة الأولى:
فمتى تبين للإنسان ضعف ما كان عليه من الرأي، وأن الصواب في غيره، وجب عليه الرجوع عن رأيه الأول إلى ما يراه صوابًا بمقتضى الدليل الصحيح، وقد دل على وجوب الرجوع كتاب الله
تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وقول الخلفاء الراشدين ﵃، وإجماع المسلمين وعمل الأئمة.
أما كتاب الله تعالى: فمن أدلته قوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (١) فمتى كان الحكم في مسائل الخلاف إلى الله وجب الرجوع فيها إلى ما دل عليه كتاب الله. وقال تعالى:
(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)) (٢) وقال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)) (٣) ومن سبيل المؤمنين
الرجوع إلى ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
стр. 10778
وأما السنة: فمن أدلتها قوله ﷺ : " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " (١) .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وأما أقوال الخلفاء الراشدين: فمن أشهرها قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ في المشركة، وهي زوج وأم وإخوة لأم، وإخوة أشقاء، حيث منع الإخوة الأشقاء من الميراث
لكونهم عصبة، وقد استغرقت الفروض التركة، ثم قضى بعد ذلك بتشريكهم مع الإخوة لأم، فقال له رجل: قد قضيت في هذا عام الأول بغير هذا، فقال: وكيف قضيت؟ قال: جعلته للإخوة للأم ولم تجعل للإخوة من الأب والأم شيئًا، فقال عمر: (ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي) . أخرجه ابن أبي شيبة ١١/٢٥٣، وقال- ﵁ في كتابه لأبي موسى ﵁ في القضاء: (لا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك، فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل) .
стр. 10779
وأما الإجماع: فقال الشافعي- ﵀: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
وأما عمل الأئمة: فها هو الإمام أحمد ﵁ يقول القول، ويقول بخلافه، فتارة يصرح بالرجوع كما صرح بالرجوع عن القول: بوقوع طلاق السكران.
وتارة يصرح أصحابه برجوعه عنه كما صرح الخلال برجوع الإمام عن قوله فيمن ابتدأ مسح خفيه مقيمًا ثم سافر أنه يتم مسح مقيم إلى القول بأن يتم مسح مسافر.
وتارة لا يصرح ولا يصرح عنه برجوع فيكون له في المسألة قولان.
والمهم أنه متى تبين للإنسان ضعف رأيه الأول وجب عليه الرجوع عنه، ولكن لا يسوغ له نقض حكمه الأول ولا يلزمه إخبار المستفتي بالرجوع؛ لأن كلا من الرأيين الأول والثاني صادر عن
اجتهاده، والاجتهاد لا ينقض بمثله، وظهور خطأ اجتهاده الأول لا يمنع احتمال خطئه في الثاني، فقد يكون الاجتهاد الأول هو الصواب في الواقع، وإن ظهر له خلافه؛ لأن الإنسان غير معصوم في اجتهاده لا الثاني ولا الأول.
стр. 10780
وأما المسألة الثانية:
فجوابها يعلم من جواب المسألة الأولى وهو أنه يجب على الإنسان الرجوع إلى ما تبين له أنه الصواب، وإن كان يفتي أو يحكم بخلافه سابقًا.
وأما المسالة الثالثة:
فإن كان في المسألة نص، كان الناس فيها سواء، ولا يفرق فيها بين شخص وآخر، وأما المسائل الاجتهادية فإنها مبنية على الاجتهاد، وإن كان الاجتهاد فيها في الحكم فكذلك في محله، ولهذا لما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ أن الناس كثر شربهم الخمر زادهم في عقوبتها (١) ، ولما رآهم تتايعوا في الطلاق الثلاث أمضاه عليهم (٢) ، ولهذا ما يؤيده من كلام الله تعالى، وما جاءت به السنة ففي كتاب الله تعالى يقول جل ذكره: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)) (٣) فعاملهم الله بما تقتضيه حالهم وحرم عليهم هذه الطيبات ببغيهم وظلمهم: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا
стр. 10781
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) (١) .
وفي السنة جاء قتل شارب الخمر في الرابعة إذا تكررت عقوبته ثلاثًا ولم يقلع (٢) ، مع أن عقوبة شارب الخمر في الأصل لا تبلغ القتل.
فإذا كانت حال المستفتي أو المحكوم عليه تقتضي أن يعامل معاملة خاصة عومل بمقتضاها ما لم يخالف النص.
وكذلك إذا كان الأمر قد وقع وكان في إفتائه بأحد القولين مشقة وأفتى بالقول الثاني فلا حرج، مثل أن يطوف في الحج أو العمرة، بغير وضوء ويشق عليه إعادة الطواف لكونه نزح عن مكة أو غير ذلك، فيفتي بصحة الطواف بناء على القول بعدم اشتراط الوضوء فيه. وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي- ﵀ يفعل ذلك أحيانًا ويقول لي: هناك فرق بين من فعل ومن سيفعل، وبين ما وقع وما لم يقع. وفي مقدمات (المجموع) للنووي- ﵀ ١/٨٨ ط المكتبة
العالمية: قال الصيمري: إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ وهو مما لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز ذلك زجرًا له، كما روي عن ابن عباس- ﵁ أنه سئل عن توبة القاتل
стр. 10782
فقال: لا توبة له، وسأله آخر فقال: له توبة، ثم قال: أما الأول: فرأيت في عينه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكينًا قد قتل فلم أقنطه (١) .
وهذا الذي ذكرناه لا يكون مطردًا في كل صورة، فلو أراد قاض أو مفت أن يأخذ في ميراث الأخوة مع الجد بقول من يرى توريثهم إذا رأى أنهم فقراء وأن التركة كثيرة، وبقول من لا يرى توريثهم إذا كان المال قليلاً وهم أغنياء لم يكن ذلك سائغًا؛ لأن في هذا إسقاط لحق الغير لمصلحة الآخرين بلا موجب شرعي.
هذا والله أسأل أن يلهمنا جميعًا الصواب في القول والعمل والاعتقاد.
س ١٨١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما سبب توقف العالم عن الفتوى ؟
فأجاب بقوله: توقف العالم عن الفتوى إذا كان أهلاً للفتوى وعنده علم قد يكون لتعارض الأدلة عنده، وقد يكون لظنه أن هذا المستفتي متلاعب؛ لأن بعض المستفتين لا يستفتي للحق إنما يريد
التلاعب والنظر فيما عند هذا العالم، والعالم الثاني، والعالم الثالث
стр. 10783
وهكذا، فيتوقف العالم أو يعرض عن إجابة هذا السائل الذي يعلم أو يغلب على ظنه أنه متلاعب لينظر ماذا عند الناس، أو يريد أن يضرب أقوال الناس بعضها ببعض، وهذا أشد فيذهب ويقول: قال العالم الفلاني كذا، وقال العالم الفلاني كذا، فهذا من أسباب توقف المفتي.
س ١٨٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن معنى "الاجتهاد" و"التقليد" وهل التقليد كان موجودًا في زمن الصحابة والتابعين فيقلد بعضهم بعضًا أم لا ؟
فأجاب بقوله: الاجتهاد هو: "بذل الجهد في الوصول إلى حكم شرعي من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح" هذا هو الاجتهاد، ومن المعلوم أنه لا يصلح للاجتهاد إلا
من كان عارفًا بطرقه وعنده علم ودراية حتى يتمكن من الوصول إلى استنباط الأحكام من أدلتها التي أشرت إليها.
وأما التقليد فهو: "الأخذ بقول مجتهد من غير معرفة دليله بل يقلده ثقة بقوله".
والتقليد في الواقع حاصل من عهد الصحابة ﵃ فإن الله تعالى يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١)
стр. 10784
ولاشك أن من الناس في عهد الصحابة ﵃ وإلى عهدنا هذا من لا يستطيع الوصول إلى الحكم نفسه لجهله وقصوره، ووظيفة هذا أن يسأل أهل العلم، وسؤال أهل العلم يستلزم الأخذ
بما قالوا والأخذ بما قالوا هو التقليد.
وعلى هذا فنقول: من لا يتمكن من الوصول إلى الحق بنفسه فليتمكن من الوصول إليه بتقليد غيره من أهل العلم الذين أُمر بسؤالهم إن لم يكن عالمًا.
ولكن إذا سألنا سائل من أقلد؟
فالجواب: أن الواجب أن تقلد من تراه أقرب إلى الحق؛ لأن أهل العلم كالأطباء فهم أطباء القلب، وإذا كان الواحد منا إذا مرض وكان في البلد أطباء كثيرون، فنه سوف يختار من كان
أحذق وأعرف بالطب والأدوية والعلاج ولا يمكن لأحد أن يذهب إلى طبيب قاصر مع وجود من هو أحذق منه إلا عند الضرورة، كذلك في التقليد اختر من تراه أقرب إلى الحق لكونه
أعلم، وأتقى لله ، وفي هذه الحال تكون قد امتثلت قول الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١) .
стр. 10785
س ١٨٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل هناك شروط للاجتهاد ؟
فأجاب بقوله: العلماء ذكروا للاجتهاد شروطًا أهمها أن يكون عند الإنسان علم وملكة، علم بأدلة الشرع، وملكة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها؛ لأن من ليس عنده علم من الشرع
كيف يكون مجتهدًا في شيء لا علم له فيه، ومن عنده علم لكن ليس عنده ملكة يتمكن بها من استنباط الأحكام صار كمن بيده سيف لا يعرف أن يقتل به، فلابد من أن يكون عند الإنسان علم وملكة، فإذا كان عند الإنسان علم وملكه صار من أهل الاجتهاد، ولا فرق بين أن يكون مجتهدًا اجتهادًا عامًا، أو اجتهادًا خاصًا.
فإن بعض الناس قد يكون مجتهدًا في مسألة معينة يعلم أدلتها ويتمكن من التطبيق على هذه الأدلة، ولكنه في مسائل أخرى جاهل بمنزلة الأميِّ، فيوجد من طلبة العلم من يكون عنده علم في مسائل
العبادات يمكن أن يجتهد به، ولكن في المعاملات ليس عنده علم، أو يكون عنده علم في المعاملات العَقْدِية كالبيوع والإجارة والرهن والوقف وما أشبه ذلك، وليس عنده علم في مسائل المواريث
والفرائض، فعلى كل حال قد يتجزأ الاجتهاد فيكون الإنسان مجتهدًا في مسألة أو باب من أبواب العلم دون المسائل الأخرى.