← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.

стр. 10781

حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) (١) . وفي السنة جاء قتل شارب الخمر في الرابعة إذا تكررت عقوبته ثلاثًا ولم يقلع (٢) ، مع أن عقوبة شارب الخمر في الأصل لا تبلغ القتل. فإذا كانت حال المستفتي أو المحكوم عليه تقتضي أن يعامل معاملة خاصة عومل بمقتضاها ما لم يخالف النص. وكذلك إذا كان الأمر قد وقع وكان في إفتائه بأحد القولين مشقة وأفتى بالقول الثاني فلا حرج، مثل أن يطوف في الحج أو العمرة، بغير وضوء ويشق عليه إعادة الطواف لكونه نزح عن مكة أو غير ذلك، فيفتي بصحة الطواف بناء على القول بعدم اشتراط الوضوء فيه. وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي- ﵀ يفعل ذلك أحيانًا ويقول لي: هناك فرق بين من فعل ومن سيفعل، وبين ما وقع وما لم يقع. وفي مقدمات (المجموع) للنووي- ﵀ ١/٨٨ ط المكتبة العالمية: قال الصيمري: إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ وهو مما لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز ذلك زجرًا له، كما روي عن ابن عباس- ﵁ أنه سئل عن توبة القاتل

стр. 10782

فقال: لا توبة له، وسأله آخر فقال: له توبة، ثم قال: أما الأول: فرأيت في عينه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكينًا قد قتل فلم أقنطه (١) . وهذا الذي ذكرناه لا يكون مطردًا في كل صورة، فلو أراد قاض أو مفت أن يأخذ في ميراث الأخوة مع الجد بقول من يرى توريثهم إذا رأى أنهم فقراء وأن التركة كثيرة، وبقول من لا يرى توريثهم إذا كان المال قليلاً وهم أغنياء لم يكن ذلك سائغًا؛ لأن في هذا إسقاط لحق الغير لمصلحة الآخرين بلا موجب شرعي. هذا والله أسأل أن يلهمنا جميعًا الصواب في القول والعمل والاعتقاد. س ١٨١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما سبب توقف العالم عن الفتوى ؟ فأجاب بقوله: توقف العالم عن الفتوى إذا كان أهلاً للفتوى وعنده علم قد يكون لتعارض الأدلة عنده، وقد يكون لظنه أن هذا المستفتي متلاعب؛ لأن بعض المستفتين لا يستفتي للحق إنما يريد التلاعب والنظر فيما عند هذا العالم، والعالم الثاني، والعالم الثالث

стр. 10783

وهكذا، فيتوقف العالم أو يعرض عن إجابة هذا السائل الذي يعلم أو يغلب على ظنه أنه متلاعب لينظر ماذا عند الناس، أو يريد أن يضرب أقوال الناس بعضها ببعض، وهذا أشد فيذهب ويقول: قال العالم الفلاني كذا، وقال العالم الفلاني كذا، فهذا من أسباب توقف المفتي. س ١٨٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن معنى "الاجتهاد" و"التقليد" وهل التقليد كان موجودًا في زمن الصحابة والتابعين فيقلد بعضهم بعضًا أم لا ؟ فأجاب بقوله: الاجتهاد هو: "بذل الجهد في الوصول إلى حكم شرعي من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح" هذا هو الاجتهاد، ومن المعلوم أنه لا يصلح للاجتهاد إلا من كان عارفًا بطرقه وعنده علم ودراية حتى يتمكن من الوصول إلى استنباط الأحكام من أدلتها التي أشرت إليها. وأما التقليد فهو: "الأخذ بقول مجتهد من غير معرفة دليله بل يقلده ثقة بقوله". والتقليد في الواقع حاصل من عهد الصحابة ﵃ فإن الله تعالى يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١)

стр. 10784

ولاشك أن من الناس في عهد الصحابة ﵃ وإلى عهدنا هذا من لا يستطيع الوصول إلى الحكم نفسه لجهله وقصوره، ووظيفة هذا أن يسأل أهل العلم، وسؤال أهل العلم يستلزم الأخذ بما قالوا والأخذ بما قالوا هو التقليد. وعلى هذا فنقول: من لا يتمكن من الوصول إلى الحق بنفسه فليتمكن من الوصول إليه بتقليد غيره من أهل العلم الذين أُمر بسؤالهم إن لم يكن عالمًا. ولكن إذا سألنا سائل من أقلد؟ فالجواب: أن الواجب أن تقلد من تراه أقرب إلى الحق؛ لأن أهل العلم كالأطباء فهم أطباء القلب، وإذا كان الواحد منا إذا مرض وكان في البلد أطباء كثيرون، فنه سوف يختار من كان أحذق وأعرف بالطب والأدوية والعلاج ولا يمكن لأحد أن يذهب إلى طبيب قاصر مع وجود من هو أحذق منه إلا عند الضرورة، كذلك في التقليد اختر من تراه أقرب إلى الحق لكونه أعلم، وأتقى لله ، وفي هذه الحال تكون قد امتثلت قول الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١) .

стр. 10785

س ١٨٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل هناك شروط للاجتهاد ؟ فأجاب بقوله: العلماء ذكروا للاجتهاد شروطًا أهمها أن يكون عند الإنسان علم وملكة، علم بأدلة الشرع، وملكة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها؛ لأن من ليس عنده علم من الشرع كيف يكون مجتهدًا في شيء لا علم له فيه، ومن عنده علم لكن ليس عنده ملكة يتمكن بها من استنباط الأحكام صار كمن بيده سيف لا يعرف أن يقتل به، فلابد من أن يكون عند الإنسان علم وملكة، فإذا كان عند الإنسان علم وملكه صار من أهل الاجتهاد، ولا فرق بين أن يكون مجتهدًا اجتهادًا عامًا، أو اجتهادًا خاصًا. فإن بعض الناس قد يكون مجتهدًا في مسألة معينة يعلم أدلتها ويتمكن من التطبيق على هذه الأدلة، ولكنه في مسائل أخرى جاهل بمنزلة الأميِّ، فيوجد من طلبة العلم من يكون عنده علم في مسائل العبادات يمكن أن يجتهد به، ولكن في المعاملات ليس عنده علم، أو يكون عنده علم في المعاملات العَقْدِية كالبيوع والإجارة والرهن والوقف وما أشبه ذلك، وليس عنده علم في مسائل المواريث والفرائض، فعلى كل حال قد يتجزأ الاجتهاد فيكون الإنسان مجتهدًا في مسألة أو باب من أبواب العلم دون المسائل الأخرى.

стр. 10786

س ١٨٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن امرأة سألت أخرى عن حكم مسألة شرعية فقالت: لا أدري، وكان إلى جانبهما امرأة تعرف الحكم الشرعي، فهل تخبر هذه السائلة مع أنها لم تسألها ؟ فأجاب بقوله: تخبرها لأنها محتاجة كما لو أن المرأة سألت أخرى درهمًا لتشتري به خبزًا لها؛ فقالت: ليس معي شيء، والأخرى معها فتعطيها، بل هذا أبلغ؛ لأنه علم شرعي فتقول: مثلاً المرأة الثالثة إني سمعت أن هذه المسالة حكمها كذا وكذا وحينئذٍ تنتفع السائلة والمسئولة. س ١٨٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا سئل المسلم عن شيء يعرفه في أمور الدين، وهو ليس متفقهًا في أمور الدين، فهل يجب عليه أن يخبره بهذا الشيء ؟ فأجاب بقوله: إذا سئل المسلم عن شيء يعرفه من أمور الدين فإن عليه أن يجيب لقول النبي ﷺ : "بلغوا عني ولو آية" (١) ولكن إذا قال له السائل مثلاً: من أين علمت أن هذا حكمه كذا وكذا؟ فليسنده إلى من سمعه منه من العلماء حتى يكون السائل مطمئنًا، أما

стр. 10787

إذا كان لا يعلم فإنه لا يجوز له أن يخبره، ولا عبرة لما يشتهر بين العامة، فإن العامة قد يشتهر عندهم أن هذا الشيء جائز وليس بجائز، وقد يشتهر عندهم أن هذا ليس بجائز وهو جائز، ولكن إذا كان يعلم الحكم عن عالم من العلماء الموثوق بعلمهم فعليه أن يخبر به، وإلا فإنه يجب عليه أن يتوقف لقول الله ﵎: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (١) . ولقولة تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)) (٢) . س ١٨٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا أفتى أحد العلماء بفتوى وبعد فترة تبيَّن لهذا العالم أن ما أفتى به خطأ فماذا يلزمه ؟ فأجاب بقوله: إذا كانت الفتوى الأولى عن اجتهاد، وكان هو جديرًا بأن يجتهد ثم بعد البحث والمناقشة تبين له خطأ اجتهاده الأول فإنه لا شيء عليه، وقد كان الأئمة الكبار يفعلون مثل هذا

стр. 10788

فتجد للواحد منهم في المسألة الواحدة عدة أقوال، أما إذا كانت فتواه الأولى عن غير علم وعن غير اجتهاد ولكنه يظن ظنًا وبعض الظن إثم، فإنه يحرم عليه أصلاً أن يفتي بمجرد الظن أو الخرص؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد قال على الله بلا علم، والقول على الله بلا علم من أكبر الذنوب لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (١) . وعليه أن يبحث عن الذي استفتاه حتى يخبره بأن فتواه خطأ وغلط فإذا فعل هذا فأرجو أن يتوب الله عليه، ومسألة الفتيا بغير علم مسألة خطيرة؛ لأنه لا يضل بها المستفتي وحده بل ربما ينشرها المستفتي بين الناس ويضل بها فئات من الناس، وهي خطأ وظلم. س ١٨٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن الشروط التي يجب أن تتوفر في المفتي . فأجاب بقوله: الشروط يمكن أن يكون مطلعًا على غالب أقوال أهل العلم، ومطلعًا على الأدلة الشرعية في هذا الحكم الذي أفتى به، وأما مجرد الظن والتقليد فإنه لا يفتي به، لكن التقليد إذا لم يكن هناك

стр. 10789

مجتهد، وليس بإمكان الإنسان أن يجتهد وهو من طلبة العلم الذين يعرفون ما كتبه العلماء فلا حرج عليه أن يفتي به للضرورة. س ١٨٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكم الإفتاء إذا علمت فتوى السؤال من شيخ من كبار العلماء ؟ فأجاب بقوله: الإفتاء بقول بعض العلماء الذين تثق بهم لا بأس به، ولكن لتكن صيغة الإفتاء بقولك قال: فلان كذا وكذا، إذا كنت متيقنًا من قوله، ومن أن هذه الصورة التي سئلت عنها هي التي يقصدها هذا العالم، وأما أن تفتي به جزمًا فهذا لا ينبغي؛ لأنك إذا أفتيت به جزمًا نسبت الفتوى إليك، وأما إذا نقلتها عن غيرك فأنت راوٍ تسلم من تبعة هذه الفتوى، وتسلم من أن ينسب إليك ما لست أهلاً له. فالإنسان المقلد ينبغي له أن ينسب القول إلى من قلده لا إلى نفسه، بخلاف الذي يستدل على حكم المسألة من الكتاب والسنة وهو من أهل الاستدلال فلا بأس أن يفتي ناسبًا الشيء إلى نفسه. س ١٨٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عن رجل يفتي زملاءه في كل صغيرة وكبيرة . فأجاب بقوله: المفتي في أمور شرعية معبر عن الله عز وجل

стр. 10790

ومعبر عن دين الله فلا يحل لأحد أن يفتي بغير علم فإن ذلك من كبائر الذنوب قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣) (١) . وقال الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (٢) . وقال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٣) . ومن أفتى بغير علم فقد وضع نفسه شريكًا مع الله في تشريع الأحكام. فنصيحتي لهذا الذي نصب نفسه مفتيًا في كل صغير وكبير أن يتوب إلى الله وألا يفتي إلا بما علم أنه من شرع الله ، أو غلب على ظنه أنه من شرع الله بعد الاجتهاد التام، وقد اتخذ بعض الناس الفتوى حرفة يترفع بها على من أفتاه، ويري الناس

стр. 10791

أنه ذو علم، وهذا خطأ وسفه في العقل وضلال في الدين، إن الله تعالى قال في كتابه: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (١) ولم يقل: الذين يفتون فعلى المرء أن يعرف قدر نفسه، وأن يكل الأمر إلى أهله، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويذكر الوعيد فيمن قال على الله ما لا يعلم. س ١٩٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض الناس يتصدون للفتوى وليس عندهم علم شرعي يؤهلهم لذلك، فما نصيحتكم لمثل هؤلاء جزاكم الله خيرًا ؟ فأجاب بقوله: نصيحتي لهؤلاء الناس أن يقرؤوا قول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (٢) . وقوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (٣) .

стр. 10792

وقوله تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)) (١) . فكل إنسان يفتي بغير علم فإنه ظالم لنفسه، وظالم لإخوانه فلا يوفق للصواب لأن الله قال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٢) . فعلى هؤلاء أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتقوا الله في إخوانهم وألا يتعجلوا إن كان الله أراد بهم خيرًا ألهمهم رشدًا وعلمًا، وصاروا أئمة يُهتدى بهم في الفتوى فلينتظروا وليصبروا. أما بالنسبة للمُستفتين فإنا نحذرهم من الاستفتاء من أمثال هؤلاء، ونقول: العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم والحمد لله موجودون إما في البلاد نفسها، وإما في بلد آخر يمكن الاتصال عليهم بالهاتف، ويحصل المقصود إن شاء الله. س ١٩١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: إذا سئلت عن أمر من أمور الشرع، فهل أجيبه بما أعرف مما قرأته من الكتب الشرعية أو ما سمعته من الأشرطة الدينية أو ما سمعته من برنامج نور على الدرب أو أقول له لا أعلم ؟

стр. 10793

فأجاب بقوله: الواجب إذا سألك أحد عن مسألة وأنت تعلم حكمها من الكتب الموثوق من مؤلفيها، أو الأشرطة الموثوق بقائلها، أو من برنامج نور على الدرب أن تخبره بالحكم الشرعي؛ لأنك الآن تعلم هذا الحكم، وإلا كنت داخلاً في الذين يكتمون العلم، ولكن يحسن في تقديري أن تقول: قال فلان في نور على الدرب: كذا. قال فلان: في كذا الفلاني في الكتاب الفلاني كذا حتى تخرج من العدة. س ١٩٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز للعالم في العقيدة أن يفتي في الفقه ؟ فأجاب بقوله: لا يجوز لأحد أن يفتي بشيء لا يعلمه سواء كان عالمًا في شيء آخر أو لا؛ لقول الله ﵎: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (١) . ولقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)) (٢) . وإذا كان له اختصاص في العقيدة لكن عنده علم من الفقه فأفتى

стр. 10794

في الفقه بما يعلم فلا بأس، وكذلك العكس لو كان عنده اختصاص في علم الفقه وأفتى في العقيدة فلا بأس، فالممنوع هو أن يفتي الإنسان بغير علم سواء كان في أمر تخصصه أو في أمر خارج عن تخصصه. س ١٩٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هناك ممن ينتسبون إلى العلم من يفتي بدون دليل، فن طولب بالدليل غضب وثار وقال: هل أفني عمري في البحث عن الأدلة، ومن العجب أنه علّم تلاميذه عبارة غريبة فحواها بأن العالم لا يسال عن الدليل، ما الحكم في مقولة هذا الذي ينتسب إلى العلم؟ وما الحكم في فتواه؟ وما الحكم في مقولة تلاميذه ومريديه من أن العالم لا يسأل عن الدليل؟ وما الحكم في استفتاء من هذه حاله؟ أفيدونا في هذا الأمر الخطير جزاكم الله خيرًا على أن تكون الإجابة مشفوعة بالأدلة ؟ فأجاب بقوله: الحقيقة أن ما ذكره السائل قد يوجد من بعض الناس ولاسيما من كان أكبر همه أن يكون ذا جاه بين العامة؛ فإن من الناس من يفتي سواء كانت فتواه مستندة إلى دليل، أم كانت فتواه مجرد تقليد لمن يعظمه من العلماء السابقين أو اللاحقين، وقد ذكر ابن

стр. 10795

عبد البر ﵀ إجماع العلماء على أن المقلد لا يعد من العلماء؛ لأن المقلد ليس إلا نسخة كتاب من مذهب من يقلده، وليس من العلماء في شيء. ولهذا أرى أن التقليد لا يجوز إلا عند الضرورة، وقد شبه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ التقليد بكل الميتة يجوز عند الضرورة، وأما مع القدرة على الدليل فإن التقليد لا يجوز وهذا مفهوم من قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١) . أما حال هذا الرجل الذي إذا طلب منه الدليل غضب، وقال: كيف أفني عمري في طلب الدليل؟! فإن هذا يدل على جهله وعلى جهالته أيضاً؛ لأن الإنسان العالم ينبغي له أن يفرح إذا طلب منه السائل الدليل؛ لأن طلب السائل للدليل إذا لم يكن المقصود به الإعنات والإشقاق يدل على محبة هذا السائل لكونه يبني عقيدته، أو قوله، أو عمله على أساس من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ليعبد الله على بصيرة، فإن الحقيقة أن العلم معرفة الهدى بدليل، والإنسان سوف يسأل يوم القيامة ماذا أجاب المرسلين كلما قال الله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (٢) وليس يقال له: ماذا أجبت فلانًا أو فلانًا من الناس سوى الرسل عليهم الصلاة والسلام.

стр. 10796

ونصيحتي لهذا العالم أن يتقي الله تعالى في نفسه، وألا يفتي إلا بدليل من الكتاب والسنة، اللهم إلا عند الضرورة، وأن يحرص تلاميذه على طلب الدليل من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ويمرنهم عليه وعلى استنباط الأحكام من أدلتها حتى ينفع الله به، ونحن جربنا بأنفسنا فأحيانًا تمر بنا المسألة نطلبها فيما عندنا من كتب أهل العلم فلا نجد لها حكمًا ثم إذا رجعنا إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وجدناها قريبة يتناولها اللفظ بعمومه، أو بمفهومه، أو بإشارته، أو بلازمه أو غير ذلك من أنواع الدلالة المعروفة. وهذا يدل على قصور بني آدم وأنه مهما بلغوا من الذكاء وتنزيل الأحكام على دلائلها فإنهم لم يحيطوا بما تتطلبه أحوال الخلق، وما يجب عليهم لكن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ هما اللذان يحتويان ذلك كله، ولكن هذا أيضًا يعتمد على قوة الفهم لكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وقوة الفهم تكون هبة من الله على العبد إما تفضلاً منه، وإما بهداية الله له بمدارسة الكتاب والسنة والتأمل فيهما والنظر في دلالاتهما. ولهذا فإن أحث إخواني ولاسيما طلبة العلم أن يكون مرجعهم دائمًا إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأن يستعينوا على فهمهما واستنباط الأحكام منها بما كتبه أهل العلم الراسخون فيه من

стр. 10797

القواعد والضوابط التي تعين طالب العلم على استنباط الأحكام من أدلتها، فإنه في الحقيقة لا غنى لطالب العلم عما كتبه السلف في كيفية استخراج الأحكام من أدلتها. وأما قول هذا الشيخ: (إن العالم لا يطلب منه الدليل) فهذا خطأ، بل العالم حقًا هو الذي يعرض الدليل أولاً بقدر ما يستطيع وبحسب فهم السائل، فإن لم يفعل وطلب منه الدليل فليكن منشرح الصدر في طلب الدليل، وليأتِ بالدليل، وكما أسلفت آنفًا أن تمرين الطلبة على استخراج الأحكام من أدلتها من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ هو في الحقيقة من أكبر الوسائل التي تعين على انتشار الأحكام، واستخراج أحكام المسائل الجديدة التي لم تكن معروفة في سلفنا الصالح. س ١٩٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: لقد شاع في هذا الزمان التسرع بالفتوى من غير علم ولا بصيرة، فما حكم الشرع في نظركم في مثل هذا الموضوع ؟ فأجاب بقوله: حكم الشرع فيما نراه ويراه غيرنا من أهل العلم أنه لا يجوز التسرع في الفتوى بغير علم، بل إن الفتوى بغير علم من أعظم الذنوب قرنها الله تعالى بالشرك في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا

стр. 10798

بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (١) . فالفتي معبر عن الله ؛ لأنه يتكلم عن أحكام الله في عباد الله، والمفتي معبر عن رسول الله ﷺ ؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء؛ فإذا كان الأمر كذلك فيا ويله إن افترى على الله كذبًا وعلى رسوله؛ فليتحرز الإنسان من التسرع في الفتوى، وليقتدِ بالسلف الصالح حيث كانوا يتدافعونها، كل منهم يدفعها إلى الآخر ليسلم من مسئوليتها، وليعلم إن الإمامة في الدين لا تكون بمثل هذا، بل إن الناس إذا رأوا متسرعاً في الفتوى وعرفوا كثرة خطئه فإنهم سوف ينصرفون عنه ولا يثقوا بفتواه، وأما إذا كان رصينًا متأنيًا لا يفتي إلا عن علم، أو عن غلبة ظن فيما يكفي فيه غلبة ظن، فنه حينئذ يكون وقورًا محترمًا بين الناس ويكون لكلامه اعتبار وقبول.

стр. 10799

رسالة حوله خطر الفتوى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم صاحب الفضيلة الشيخ..... حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فإن كتابكم الكريم وصل وكان وقت وصوله زمن امتحان الطلبة وانشغالي بتصحيح أوراق إجابة الطلبة في دروسي. وقد فهمت ما فيه من انشغالكم حين وفاة والدتي في التجول في بلدة...... على المدارس والتوعية أرجو الله تعالى أن يعينكم وينفع بكم. هذا وأشكركم على مجيئكم للتعزية بها جزاكم الله عني خيرًا وغفر لي ولكم ولسائر المسلمين. ثم ما ذكرتم من خطر الفتوى وأن المفتي معبر عن شرع الله تعالى أمام المستفتين، فالأمر كما ذكرتم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصالحين مصلحين، ونعوذ بالله أن نَزلّ أو نُزلّ، أو نَضلّ أو نُضل، أو نَجهل أو يُجهل علينا، أو نَظلم أن نُظلم. ولولا معرة كتم العلم وخوف عقاب الله تعالى ما أفتيت أحدًا، ولكني أفتي أرجو أن أسلم من ذلك.

стр. 10800

ولولا وجوب اتباع ما ظهر للإنسان أنه الحق ما أفتيت بما تفضلتم به في كتابكم الآنف الذكر. ولا ريب أن سلوك الاحتياط أسلم للمرء، وأبرأ لذمته، ولكن الاحتياط ليس في لزوم الأشد، إنما الاحتياط في سلوك ما ظهر للمرء أنه الحق سواء كان الأشد أو الأسهل. ولا يخفى على فضيلتكم أن الله تعالى ساوى بين تحليل الحرام وتحريم الحلال فيما خالف شرع الله فقال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) (١) . وفي كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى عن عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) (٢) ، فقلت له إنا لسنا نعبدهم قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه " فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم " (٣) . ففي هذا الحديث أن تحريم الحلال كتحليل الحرام.

стр. 10801

وعلى الإنسان أن يتثبت كل التثبت فيما يخالف الجمهور من أهل العلم من أهل مذهبه وغيرهم، لكن إذا تبين له الحق في قول الأخرين لم يكن له بد من القول به؛ لأن المسألة إذا لم يكن عليها إجماع صارت من مسائل النزاع، ولا يخفى على فضيلتكم مرد النزاع، وكم من قول ظن الإنسان أنه ضعيف بادي الأمر، أو أنه قوي، وبعد التأمل والتثبت تبين له في خلاف ذلك. وما الروايات المختلفة عن الإمام أحمد ﵀، وغيره من الأئمة في حكم المسألة الواحدة إلا من هذا الباب، ومن هذا يعرف الإنسان قصوره واضطراره إلى ربه في تثبته وتوفيقه للصواب. هذا وقد كتبت لكم برفقة هذا الكتاب تعليقًا مختصرًا على كل مسألة ذكرتموها في كتابكم المشار له ليتبين مأخذ كل مسألة من الكتاب والسنة وكلام أهل العلم، وأنه ما من مسألة منها إلا ولي فيها سلف من أهل العلم، ودليل من الكتاب والسنة أو قواعد الشرع، فإن كنت مصيبًا في. ذلك فمن منّة الله وفضله والحمد لله على توفيقه، صان كنت مخطئًا فمن عند نفسي، وأسال الله أن يعفو عني ويلهمني الصواب. وما ذكر فضيلتكم من أنكم لا تحبون التشهير بين طلبة العلم براد ومردود عليه وأنك نصحت من ردوا عليّ في مسألة المعية، فلا ريب

стр. 10802

أن هذا من محاسن خلقك، وتمام نصيحتك لإخوانك وأمتك، فإن انشغال الإخوان بتتبع بعضهم بعضًا فيما يظنونه خطأ، ونشر الردود بينهم فيما هو من مسائل النزاع ومواقع الاجتهاد يحصل به ضرر كبير خاص وعام، وإضعاف لجبهة العلماء الراد والمردود عليه، حتى إنه قد يحصل التندر من بعض السفهاء في هذه الأمور والنزاعات. أما ما ذكرت من مسألة المعية فقد حصل من جراء ذلك خير كثير خاص بيّ وعام ولله الحمد. وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا. وختامًا أسأل الله لي ولكم التوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل في مساعيكم الخير والبركة. وبلغوا سلامي الأبناء ومن سأل عني. والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٢/٦/١٤٠٨ هـ

стр. 10803

س ١٩٥: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: يعلم فضيلتكم أن للإمام الشافعي- ﵀ فقهًا في العراق، فلما انتقل إلى مصر كان له فقه آخر اختلفت فيه بعض الأحكام الشرعية، ونحن بطبيعة الحال نجزم بأن العقائد من الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان ولا المكان. السؤال المطروح هو: إذا اختلف فقه الإمام الشافعي في بعض المسائل حين انتقل من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي آخر تحتضنهما دولة واحدة، فكيف تكون مسائل الفقه لمن انتقل إلي بلاد يعتبر الإسلام فيها غريبًا؟ ألا ترون أنه من الضروري معالجة كثير من الأمور التي تواجه المسلمين ولا تزال الآراء مختلفة بل متضاربة حولها ؟ فأجاب بقوله: إن دين الله تعالى لا يتغير لكن الذي يتغير هو علم الإنسان أو فقهه؛ فأما علمه فربما يحصل على علم أكثر مما كان عليه من قبل فيزداد بذلك علمًا، وأما فقهه فربما يظهر له من معاني الكتاب والسنة ما لم يكن قد ظهر له من قبل، وهذا أمر مشاهد حتى في البلد الواحد، فإن الإنسان يظهر له بعض الأحيان أكثر مما سبق وذلك بالمناقشة وإبداء الآراء يتغير الإنسان عن رأيه الأول. وكذلك أيضًا من العلم فكلما ازداد علمًا ازداد معرفة بالأحكام الشرعية.

стр. 10804

س ١٩٦: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عندما يطرح سؤال شرعي يتسابق عامة الناس إذا كانوا في مجلس مثلاً بالفتيا في تلك المسألة وبغير علم غالبًا، فما تعليقكم على هذه الظاهرة ؟ وهل يعتبر هذا الأمر من التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله ﷺ ؟ فأجاب بقوله: من المعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم في دين الله بغير علم، لأن الله تعالى يقول: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (١) . والواجب على الإنسان أن يكون ورعًا خائفًا من أن يقول على الله بغير علم، وليس هذا من الأمور الدنيوية التي للعقل فيها مجال، فإن الإنسان ينبغي له أن يتأنى وأن يتروَّى، وربما يكون الجواب الذي في نفسه يجيب به غيره فيكون هو كالحكم بين المجيبين وتكون كلمته هي الأخيرة الفاصلة، وما أكثر ما يتكلم الناس بآرائهم، أعني غير المسائل الشرعية، فإذا تأنى الإنسان وتأخر ظهر له من الصواب من أجل تعدد الآراء ما لم يكن على باله. ولهذا فإني أنصح كل إنسان أن يتأنى وأن يكون هو الأخير في التكلم ليكون كالحاكم بين هذه الآراء، ومن أجل أن تظهر له في

стр. 10805

الآراء المختلفة ما لم يظهر له قبل سماعها، هذا بالنسبة للأمور الدنيوية، أما الأمور الدينية فلا يجوز أبدًا أن يتكلم الإنسان إلا بعلم يعلمه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو أقوال أهل العلم. س ١٩٧: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: متى يكون الخلاف في الدين معتبرًا؟ وهل يكون الخلاف في كل مسألة أم له مواضع معينة؟ نرجو بيان ذلك . فأجاب بقوله: أولاً: اعلم أن خلاف علماء الأمة الإسلامية إذا كان صادرًا عن اجتهاد فإنه لا يضر من لم يوفق للصواب؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (١) . ولكن من تبين له الحق وجب عليه اتباعه بكل حال، والاختلاف الذي يقع بين علماء الأمة الإسلامية لا يجوز أن يكون سببًا لاختلاف القلوب؛ لأن اختلاف القلوب يحصل فيه مفاسد عظيمة كبيرة كما قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)) (٢)

стр. 10806

والخلاف المعتبر بين العلماء والذي ينقل ويذكر هو الخلاف الذي له حظ من النظر، أما خلاف العامة الذين لا يفهمون ولا يفقهون فلا عبرة به، ولهذا يجب على العامي أن يرجع إلى أهل العلم كما قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (١) . وأما قول السائل: هل يكون الخلاف في كل مسألة؟ فالجواب: أن الخلاف قد يكون في بعض المسائل التي يختلف فيها الاجتهاد، أو يكون بعض الناس أعلم من بعض في الاطلاع على نصوص الكتاب والسنة، أما المسائل الأصلية فإنها يقل فيها الخلاف. س ١٩٨: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما حكم الاجتهاد في الإسلام ؟ فأجاب بقوله: الاجتهاد في الإسلام هو: بذل الجهد لإدراك حكم شرعي من أدلته الشرعية. وهو واجب على من كان قادرًا عليه؛ لأن الله- يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٢) والقادر على الاجتهاد يمكنه معرفة الحق بنفسه، ولكن لابد أن يكون ذا سعة في

стр. 10807

العلم والاطلاع على النصوص الشرعية، وعلى الأصول المرعية، وعلى أقوال أهل العلم لئلا يقع فيما يخالف ذلك، فإن من طلبة العلم من لم يدركوا من العلوم إلا الشيء اليسير، ثم ينصب نفسه مجتهدًا فتجده يعمل بأحاديث عامة، لها ما يخصها، أو يعمل بأحاديث منسوخة لا يعلم ناسخها، أو يعمل بأحاديث أجمع العلماء على أنها على خلاف ظاهرها، ولا يدري عن إجماع العلماء، ومثل هذا على خطر عظيم. فالمجتهد لابد أن يكون عنده علم بالأدلة الشرعية، وعنده علم بالأصول التي إذا عرفها استطاع أن يستنبط الأحكام من أدلتها وعلم بما عليه العلماء لئلا يخالف الإجماع وهو لا يدري، فإذا كانت هذه الشروط في حقه موجودة متوافرة فإنه يجتهد، ويمكن أن يتجزأ الاجتهاد بأن يجتهد الإنسان في مسألة من مسائل العلم فيبحثها ويحققها ويكون مجتهدًا فيها، أو في باب من أبواب العلم كأبواب الطهارة مثلاً يبحثه ويحققه ويكون مجتهدًا فيه. س ١٩٩: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز لطالب العلم إذا كان في مجلس عام أن يقول لهم: مَنْ عنده مسألة أو مشكلة فليطرحها حتى أجيب عليها وتحصل الفائدة ؟

стр. 10808

فأجاب بقوله: يجوز عرض العالم على المتعلم، وعامة الناس أن يسألوا عما بدا لهم،. ولا يعد ذلك إعجابًا من العالم بنفسه، لأنه قد يقول قائل: لماذا يقول اسأل عما بدالك، هذا تعظيم لنفسه، وكبر منه؟ نقول: ليس هذا المراد بل المراد نشر العلم، والإنسان لا يعلم عما في قلب أخيه حتى يحدثه به، لذلك لا يقال هذا الفعل خطأ مادام الإنسان ليس قصده الإعجاب بالنفس، وإنما قصده بث العلم فلا حرج في ذلك. س ٢٠٠: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: عما يحصل من اختلاف الفتيا من عالم لآخر في موضوع واحد. ما مرد ذلك؟ وما موقف متلقي الفتيا ؟ فأجاب بقوله: مرد ذلك إلى شيئين: الأول: العلم، فقد يكون أحد المفتين ليس عنده من العلم ما عند المفتي الآخر، فيكون المفتي الآخر أوسع اطلاعًا منه، يطلع على ما لم يطلع عليه الآخر والثاني: الفهم، فإن الناس يختلفون في الفهم اختلافًا كثيرًا، قد يكونون في العلم سواء، ولكن يختلفون في الفهم، فيعطي الله تعالى هذا فهمًا واسعًا ثاقبًا، يفهم مما علم أكثر مما فهمه الآخر، وحينئذٍ

стр. 10809

يكون اكثر علمًا والأقوى فهمًا أقرب إلى الصواب من الآخر. أما بالنسبة للمستفتي فإنه إذا اختلف عليه عالمان مفتيان فإنه يتبع من يرى أنه أقرب إلى الصواب، إما لعلمه، وإما لورعه ودينه، كما أنه لو كان الإنسان مريضًا واختلف عليه طبيبان فإنه سوف يأخذ بقول من يرى أنه أقرب إلى الصواب، فإن تساوى عنده الأمران ولم يرجح أحد المفتين على الآخر، فإنه يخير إن شاء أخذ بهذا، وإن شاء أخذ بهذا وما اطمأنت إليه نفسه أكثر فليأخذ به. س ٢٠١: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: انتشرت الفتوى حتى صار الصغير يفتي، فما تعليقكم- غفر الله لكم -؟ فأجاب بقوله: كان السلف- ﵏ يتدافعون الفتوى لعظم أمرها ومسئوليتها، وخوفًا من القول على الله بلا علم؛ لأن المفتي مخبر عن الله مبين لشرعه، فإن قال على الله بلا علم فقد وقع فيما هو صنو للشرك، واستمع إلى قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣)) (١) فقرن سبحانه القول عليه بلا علم بالشرك، وقال سبحانه: (وَلَا تَقْفُ مَا

стр. 10810

لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)) (١) . فلا ينبغي أن يتسرع الإنسان في الفتوى، بل ينتظر ويتدبر ويراجع، فإن ضاق الوقت فيحول المسألة إلى من هو أعلم منه ليسلم من القول على الله بلا علم. وإذا علم الله من نيته الإخلاص وإرادة الإصلاح فسوف يصل إلى المرتبة التي يريدها بفتواه، فمن اتقى الله فسيوفقه الله ويرفعه. والذي يفتي بلا علم أضل من الجاهل، فالجاهل يقول: لا أدري ويعرف قدر نفسه، ويلتزم الصدق، أما الذي يقارن نفسه بأعلام العلماء بل ربما فضل نفسه عليهم فيضل ويضل ويخطئ في مسائل يعرفها أصغر طالب علم فهذا شره عظيم وخطره كبير. س ٢٠٢: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: هل يجوز لطالب العلم أن يرجح بعض الآراء الفقهية على بعض ثم يلزم بها غيره؟ وهل له أن يأخذ بالرأي المرجوح في بعض الأحوال وهو يعلم الراجح ؟ فأجاب بقوله: إذا لم يتبين الحكم بيانًا تامًا لطالب العلم ويبقى

стр. 10811

عنده شك منه، فله أن يلزم نفسه به احتياطًا، ولا يلزم غيره بذلك؛ لأنه ليس عنده دليل بيّن يكون حجة له أمام الله- حين يحرم أو يوجب على عباد الله ما لم يثبت شرعًا، وكثيرًا ما يتردد المجتهد في بعض الأشياء؛ فيحب أن يطبقها على نفسه ويتحمل ما يكون فيها من المشقة، ولكنه يخشى من إلزام عباد الله بها. ولذلك نقول: لا مانع أن يسلك الإنسان هذا المسلك، ولكنه لا يترك إعادة النظر مرة بعد أخرى حتى يتبين الأمر، ويلزم الناس بمقتضى الدليل، ولا يكون مقصرًا في طلب الدليل فيكون مقصرًا في بيان الشرع. ولا يجوز له العمل بالمرجوح، بل يتعين عليه أن يعمل بالراجح إذا تبين له أنه راجح.

стр. 10812

نصائح عامة لطلبة العلم

стр. 10813

نصيحة من الشيخ ﵀ لأحد طلابه حول منهج يسير عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد الصالح العثيمين إلى الابن.... حفظه الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد فقد سألتني بارك الله فيك أن أضع لك منهجاً تسير عليه في حياتك، وإني لأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لما فيه الهدى والرشاد والصواب والسداد، وأن يجعلنا هداة مهتدين مصلحين فأقول: أولاً: مع الله ١- احرص على أن تكون دائماً مع الله ، مستحضراً عظمته، متفكراً في آياته الكونية مثل: خلق السماوات والأرض وما أودع فيهما من بالغ حكمته، وباهر قدرته، وعظيم رحمته ومنته. وآياته الشرعية التي بعث بها رسله ولا سيما خاتمهم محمد ﷺ . ٢- أن يكون قلبك مملوءاً بمحبة الله تعالى لما يغذوك به من النعم ويدفع عنك من النقم ولا سيما نعمة الإسلام، والاستقامة عليه حتى يكون أحب شيء إليك. ٣- أن يكون قلبك مملوءاً بتعظيم الله ، حتى يكون في

стр. 10814

نفسك أعظم شيء. وباجتماع محبة الله تعالى، وتعظيمه في قلبك، تستقيم على طاعته، قائماً بما أمر به لمحبتك إياه، تاركاً لما نهى عنه لتعظيمك له. ٤- أن تكون مخلصاً له جل وعلا في عباداتك متوكلاً عليه في جميع أحوالك لتحقق بذلك مقام (إياك نعبد وإياك نستعين) . وتستحضر بقلبك أنك إنما تقوم بما أمر امتثالاً لأمره، وتترك ما نهى عنه امتثالاً لنهيه، فإنك بذلك تجد للعبادة طعماً لا تدركه مع الغفلة، وتجد في الأمور عوناً منه لا يحصل لك مع الاعتماد على نفسك. ثانياً: مع رسول الله ﷺ . ١- أن تقدم محبته على محبة كل مخلوق، وهديه وسنته على كل هدي وسنة. ٢- أن تتخذه إماماً لك في عباداتك وأخلاقك بحيث تستحضر عند فعل العبادة أنك متبع له، وكأنه أمامك تترسم خطاه وتنهج نهجه. وكذلك في مخالقة الناس أنك متخلق بأخلاقه التي قال الله له عنها (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (١) . ومتى التزمت بهذا فستكون حريصاً غاية الحرص على العلم

стр. 10815

بشريعته وأخلاقه. ٣- أن تكون داعياً لسنته ناصراً لها مدافعاً عنها فإن الله تعالى سينصرك بقدر نصرك لشريعته. ثالثاً: عملك اليومي غير المفروضات ١- إذا قمت من الليل فاذكر الله تعالى وادع الله بما شئت فإن الدعاء في هذا الموطن حريّ بالإجابة، واقرأ قول الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (١) حتى تختم السورة سورة آل عمران وهي عشر آيات. ٢- صل ما كتب لك في آخر الليل، واختم صلاتك بالوتر. ٣- حافظ على ما تيسر لك من أذكار الصباح. قل مئة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. ٤- صل ركعتي الضحى. ٥- حافظ على أذكار المساء ما تيسر لك منها. رابعاً: طريقه طلب العلم. ١- احرص على حفظ كتاب الله تعالى، واجعل لك كل يوم شيئاً معيناً تحافظ على قراءته، ولتكن قراءتك بتدبر وتفهم. وإذا

стр. 10816

عنت لك فائدة أثناء القراءة فقيدها. ٢- احرص على حفظ ما تيسر من صحيح سنة الرسول ﷺ ومن ذلك حفظ عمدة الأحكام. ٣- احرص على التركيز والثبات بحيث لا تأخذ العلم نُتَفاً من هذا شيء وهذا شي؛ لأن هذا يضيع وقتك ويشتت ذهنك. ٤- ابدأ بصغار الكتب وتأملها جيداً، ثم انتقل إلى ما فوقها، حتى تحصل على العلم شيئاً فشيئاً على وجه يرسخ في قلبك وتطمئن إليه نفسك. ٥- احرص على معرفة أصول المسائل وقواعدها وقيّد كل شيء يمر بك من هذا القبيل فقد قيل: من حرم الأصول حرم الوصول. ٦- ناقش المسائل مع شيخك، أو من تثق به علماً وديناً من أقرانك ولو بأن تقدر في ذهنك أن أحداً يناقشك فيها إذا لم تمكن المناقشة مع من سمينا. هذا وأسأل الله تعالى أن يعلمك ما ينفعك، وينفعك بما عملك، ويزيدك علماً، ويجعلك من عباده الصالحين وحزبه المفلحين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتبه محمد الصالح العثيمين في ٣ رجب سنة ١٤١٢ هـ

стр. 10817

س ٢٠٣: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: بعض الطلبة في الكليات الشرعية بقوم بإحراج المشايخ بطلب حذف بعض المنهج، وتجد بعض الطلبة أيضاً يفرح إذا غاب أحد الأساتذة، لأنه ينقص من المنهج حينئذٍ، فما نصيحتكم ؟ فأجاب بقوله: لا ينبغي للطالب الحازم أن يُلجئ الأساتذة إلى أمر محرج، بل عليه الأدب والابتعاد عن هذه الخصلة، ثم إن الأستاذ لا يملك أن يحذف شيئاً من المقرر، وقد جاءت الأنظمة بأن الامتحان على حسب المنهج والمقرر، ليس على حسب الدراسة. ولهذا ينبغي للأستاذ ألا يُضيّع وقت الدراسة بأمور خارجة عن الموضوع فيضيع على الطلبة مقررهم إلى أمر ليسوا بحاجة إليه، وإذا جاء آخر العام إذا بهم لم يأخذوا إلا اكثر من نصف المادة أو النصف منها فقط، فيقع المدرس في حرج أو الطلبة يقعون في حرج؛ لأن المدرس إما أن يقتصر على المقروء، وحينئذٍ يقع هو في حرج؛ لأن أنظمة المسؤولين عن التعليم تنص على أن الامتحان يكون في جميع المقرر. وإما أن يقع الطلبة في حرج فتوضع لهم أسئلة في شيء لم يقرؤه، وهذا لا شك أنه حرج. فالحاصل: أننا ننصح الطلبة ألا يحرجوا الأساتذة في هذه المسألة، وننصح الأساتذة أيضاً أن يحرصوا على إكمال المقرر بدون ضرر، وألا يشغلوا أوقات الدراسة ببحوث لا فائدة منها.

стр. 10818

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى نرجو من فضيلتكم الإجابة عن هذا السؤال: نحن- بعض المدرسات- نلاحظ على كثير من المدرسات أنهن يتأخرن عن الحضور في قاعة الدراسة في الوقت المحدد، فتتأخر المدرسة بعض الوقت، وتكون جالسة مع المدرسات في غرفتهن وليس هناك ضرورة لذلك، فما حكم ذلك؟ مع أننا سمعنا نفس المشكلة عند المدرسين وجزاكم الله خيراً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا حرام عليهن فلا يحل للمعلم ولا للمعلمة التأخر عن دخول الفصل (قاعة التدريس) من حين إعلان دخول الحصة، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (١) . وقوله: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (٢) وقوله: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٣) . أي اعدلوا، وليس من العدل أن يأخذ الموظف من معلم، أو معلمة، أو غيرهما، راتبه كاملاً، ويتساهل في أداء وظيفته التي

стр. 10819

جعل له الراتب في مقابلة القيام بها، فإن حصل ذلك منه فليتحمل الوعيد المذكور في قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (١) . وفق الله الجميع للخيرات وأداء الأمانات. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٣/٥/١٤١١ هـ

стр. 10820

س ٢٠٤: سئل فضيلة الشيخ- ﵀: ما توجيهكم حول ما يحصل من البعض من التفرق والتحزب ؟ فأجاب بقوله: لاشك أن التحزب والتفرق في دين الله منهي عنه محذر منه، لقوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (١) وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (٢) . فلا يجوز للأمة الإسلامية أن يتفرقوا أحزابًا، لكل طائفة منهج مغاير لمنهج الأخرى، بل الواجب اجتماعهم على دين الله على منهج واحد وهو هدي النبي ﷺ وخلفائه الراشدين الصحابة المرضيين، لقول النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (٣) . وليمس من هدي النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃ أن
следующие страницы →