Полный текст (10 899 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كماله في ذاته وصفاته وأفعاله.
وكما أن علو الله تعالى الذاتي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف، فقد دل عليه العقل والفطرة.
أما دلالة العقل: فيقال: لا ريب أن العلو صفة كمال، وأن ضده صفة نقص، والله تعالى قد ثبت له صفات الكمال فوجب ثبوت العلو له تعالى، ولا يلزم على إثباته له شيء من النقص، فإنا نقول: إن علوه تعالى ليس متضمنا لكون شيء من مخلوقاته محيطا به، ومن ظن أن إثبات العلو له يستلزم ذلك فقد وهم في ظنه، وضل في عقله.
وأما دلالة الفطرة على علو الله تعالى بذاته: فإن كل داع لله تعالى دعاء عبادة، أو دعاء مسألة لا يتجه قلبه حين دعائه إلا إلى السماء، ولذلك تجده يرفع يديه إلى السماء بمقتضى فطرته، كما قال ذلك الهمداني لأبي المعالي الجويني: " ما قال عارف قط: يا رب إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو ". فجعل الجويني يلطم على رأسه ويقول: "حيرني الهمداني، حيرني الهمداني ". هكذا نقل عنه، سواء صحت عنه أم لم تصح، فإن كل أحد يدرك ذلك، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ ذكر الرجل يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب» إلى آخر الحديث. ثم إنك تجد الرجل يصلي وقلبه نحو السماء لا سيما حين يسجد. ويقول: "سبحان ربي الأعلى" لأنه يعلم أن معبوده في السماء .
وأما قولهم: "إن الله تعالى عن الجهات الست خال"، فهذا
стр. 107
القول على عمومه باطل؛ لأنه يقتضي إبطال ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له أعلم خلقه به، وأشدهم تعظيما له، وهو رسوله محمد ﷺ من أنه سبحانه في السماء التي هي في جهة العلو، بل إن ذلك يقتضي وصف الله تعالى بالعدم؛ لأن الجهات الست هي الفوق، والتحت، واليمين، والشمال، والخلف، والأمام، وما من شيء موجود إلا تتعلق به نسبة إحدى هذه الجهات، وهذا أمر معلوم ببداهة العقول، وإن نفيت هذه الجهات عن الله تعالى لزم أن يكون معدوما، والذهن وإن كان قد يفرض موجودا خاليا من تعلق هذه النسب به لكن هذا شيء يفرضه الذهن، ولا يوجد في الخارج، ونحن نؤمن ونرى لزاما على كل مؤمن بالله أن يؤمن بعلوه تعالى فوق خلقه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة، كما قررناه من قبل. ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى محيط بكل شيء، وأنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، وأنه سبحانه غني عن خلقه فلا يحتاج لشيء من مخلوقاته. ونحن نرى أيضا أنه لا يجوز لمؤمن أن يخرج عما يدل عليه الكتاب والسنة، لقول أحد من الناس كائنا من كان، كما أسلفنا الأدلة على ذلك في أول جوابنا هذا.
وأما قولهم: "إن الله تعالى في قلب المؤمن". فهذا لا دليل عليه من كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله ﷺ ولا كلام أحد من السلف الصالح فيما نعلم، وهو أيضا على إطلاقه باطل، فإنه إن أريد به أن الله تعالى حال في قلب العبد فهو باطل قطعا، فإن الله تعالى أعظم وأجل من ذلك، ومن العجائب - والعجائب جمة - أن ينفر شخص مما دل عليه الكتاب والسنة من كون الله تعالى في السماء، ثم يطمئن بما لم يدل عليه الكتاب والسنة من زعمه أن الله تعالى في قلب
стр. 108
المؤمن، إذ ليس في الكتاب والسنة حرف واحد يدل على ذلك.
وإن أريد بكون الله تعالى في قلب العبد المؤمن أنه دائما يذكر ربه في قلبه، فهذا حق، ولكن يجب أن يعبر عنه بعبارة تدل على حقيقته وينتفي عنها المدلول الباطل، فيقال مثلا: إن ذكر الله تعالى دائما في قلب العبد المؤمن. ولكن الذي يظهر من كلام من يتكلم بها أنه يريد أن يستبدلها عن كون الله تعالى في السماء، وهي بهذا المعنى باطلة كما سبق.
فليحذر المؤمن من إنكار ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله، وأجمع عليه السلف إلى عبارات مجملة غامضة تحتمل من المعاني الحق والباطل، وليلتزم سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، حتى يدخل في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
جعلنا الله وإياكم منهم، ووهب لنا جميعا منه رحمة، إنه هو الوهاب.
(٥٥) سئل فضيلة الشيخ: عن قول بعض الناس إذا سئل: "أين الله"؟ قال: "الله في كل مكان". أو "موجود". فهل هذه الإجابة صحيحة على إطلاقها ؟
فأجاب بقوله: هذه إجابة باطلة لا على إطلاقها ولا تقييدها فإذا
стр. 109
سئل أين الله؟ فليقل: "في السماء"، كما أجابت بذلك «المرأة التي سألها النبي ﷺ : "أين الله" قالت: في السماء» .
وأما من قال: "موجود" فقط. فهذا حيدة عن الجواب ومراوغة منه.
وأما من قال: "إن الله في كل مكان". وأراد بذاته فهذا كفر؛ لأنه تكذيب لما دلت عليه النصوص، بل الأدلة السمعية، والعقلية، والفطرية من أن الله - تعالى - عليٌّ على كل شيء وأنه فوق السماوات مستو على عرشه.
(٥٦) سئل الشيخ: عن توضيح ما جاء في كتاب "عقيدة أهل السنة والجماعة" من قول فضيلته: "ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم على عرشه حقيقة ".
فأجاب بقوله: فقولنا: "ومن كان هذا شأنه كان مع خلقه حقيقة، وإن كان فوقهم على عرشه حقيقة". نريد بذلك أن هذه الآية كغيرها من آيات الصفات يراد بها حقيقة معناها مع تنزيه الله تعالى، عما لا يليق به من كونه مختلطا بخلقه، بل هو سبحانه على عرشه بائن من خلقه.
وحقيقة المعية لا تستلزم الاختلاط، ولهذا تقول العرب: "ما زلنا نسير والقمر معنا"، مع أن القمر في السماء، ولا يفهم أحد من ذلك أن القمر في الأرض، فالرب جل وعلا أعظم وأجل فهو مع خلقه، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، حيث قال: "وكل هذا الكلام الذي ذكره الله - من أنه فوق العرش وأنه معنا - حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف". وقال قبل ذلك: "وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾
стр. 110
أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان" ا. هـ. كلامه. وبهذا التقرير علم أن الله تعالى مع خلقه حقا وإن كان بذاته فوق عرشه ولا تناقض بين هذا وهذا.
وبه أيضا بطل احتجاج أهل التأويل من الأشعرية وغيرهم على أهل السنة، حيث قالوا لأهل السنة: لم تنكرون علينا التأويل فيما نئوله من آيات الصفات وأحاديثها بصرفها عن حقيقتها، وأنتم تئولون نصوص المعية وتصرفونها عن حقيقتها.
(٥٧) سئل فضيلة الشيخ: عن تفسير استواء الله على عرشه بأنه علوه تعالى على عرشه على ما يليق بجلاله .
فأجاب بقوله: تفسير استواء الله تعالى على عرشه بأنه علوه تعالى على عرشه على ما يليق بجلاله هو تفسير السلف الصالح. قال ابن جرير إمام المفسرين في تفسيره: "من معاني الاستواء: العلو والارتفاع كقول القائل: استوى فلان على سريره يعني علوه عليه". وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ "يقول: جل ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا". اهـ. ولم ينقل عن السلف ما يخالفه.
ووجهه: أن الاستواء في اللغة يستعمل على وجوه:
الأول: أن يكون مطلقا غير مقيد فيكون معناه الكمال كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ .
стр. 111
الثاني: أن يكون مقرونا بالواو فيكون بمعنى التساوي كقولهم: استوى الماء والعتبة.
الثالث: أن يكون مقرونا بإلى فيكون بمعنى القصد كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾ .
الرابع: أن يكون مقرونا بعلى فيكون بمعنى العلو والارتفاع كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
وذهب بعض السلف إلى أن الاستواء المقرون بإلى كالمقرون بعلى فيكون معناه الارتفاع والعلو، كما ذهب بعضهم إلى أن الاستواء المقرون بعلى بمعنى الصعود والاستقرار إذا كان مقرونا بعلى.
وأما تفسيره بالجلوس فقد نقل ابن القيم في الصواعق ٤ \ ١٣٠٣ عن خارجة بن مصعب في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قوله: "وهل يكون الاستواء إلا الجلوس" ا. هـ. وقد ورد ذكر الجلوس في حديث أخرجه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ مرفوعا. والله أعلم.
(٥٨) سئل فضيلته: عن قول من يقول: إن الله مستو على عرشه بطريقة رمزية كما بُيِّنَ كثير من أشياء الجنة للبشر في لغتهم كي يفهموا ويدركوا معانيها .
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: لو تأمل المتكلم الكلام وأعطاه حقه من التأمل لعلم أن القرآن المبين ليس فيه شيء تكون معانيه رمزية، فإن الرموز مخالفة لبيان القرآن الكريم، بعيدة عن دلالاته كيف وقد قال الله عنه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى﴾ . وقال
стр. 112
تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . وقال في وصفه: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ . فكيف يكون هذا القرآن العظيم الذي نزل تبيانا لكل شيء، وفصلت آياته، ووصفه من أنزله بأنه مبين، وأنه جعله قرآنا عربيا من أجل عقله وفهمه أقول: كيف يكون ما هذا شأنه ووصفه رموزا في أعظم المطالب وهي صفات الله ؟!!
إذا كنا نمنع منعا باتا الدلالات الرمزية في الأحكام التكليفية التي متعلقها أعمال العباد التي قد يسوغ الاجتهاد في بعضها حسبما تقتضيه الشريعة، فكيف نسوغ لأنفسنا أن نعمل بالدلالات الرمزية في الأخبار المحضة التي لا مجال للرأي فيها بوجه من الوجوه، لا سيما ما يتعلق بأسماء الله وصفاته؟
إننا لو سوغنا ذلك لأنفسنا لتلاعب الناس في كلام الله، وكلام رسوله وصار كل واحد من الناس، أو كل طائفة من الناس تدعي أن هذه الآية أو هذا الحديث رمز لكذا وكذا، فتبطل الشريعة بهذا المعيار عقيدة ومنهجا.
ولا أدري هل يمكن لقدم مؤمن أن تثبت في الدنيا، أو إذا لاقى ربه يوم القيامة على دعوى أن في كلام الله تعالى ما دلالته رمزية، وقد أخبر الله تعالى عنه أنه جعله قرآنا عربيا لنعقله ونفهمه على مقتضى اللسان العربي الذي نزل به؟
إذن يجب علينا أن نفهم كلام الله تعالى على مقتضى اللسان العربي وقد علم من ذلك اللسان العربي أن الاستواء إذا تعدى بـ (على) كان معناه العلو والارتفاع، لكن يجب أن نفهم فيما يتعلق باستواء الله
стр. 113
تعالى على عرشه أمرين:
أحدهما: أن استواءه على عرشه ليس كاستواء الإنسان على الفلك والأنعام والسرر لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ولأنه لا يمكن أن تكون صفات الخالق كصفات خلقه لتباين ما بين الخالق والمخلوق.
ثانيهما: أنا لا نعلم كيفية استوائه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ولأن الله تعالى أخبرنا عن استوائه ولم يخبرنا عن كيفيته، والغائب المخبر عنه لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو الخبر الصادق عنه. ولهذا لمّا سئل مالك إمام دار الهجرة عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". فبين ﵀ أن الاستواء معلوم حيث نفى جهله وهو العلو والارتفاع. وأن الكيف لا يدرك بالعقل وإنما يدرك بالسمع، ولم يرد به فيبقى مجهولا، وأن الإيمان بالاستواء واجب على حسب مراد الله تعالى سواء فهمنا كيفيته أم لم نفهمها، وأن السؤال عنه أي عن الكيف بدعة، لأنه من سمات أهل البدع، ولأنه لم يسبق السؤال عنه من الصحابة الذين هم أحرص الناس على سلامة العقيدة وتصحيحها وفهم كلام الله ورسوله.
وهذا هو القول الحق الصحيح في استواء الله تعالى على عرشه وفي بقية صفاته أن تجري على ظاهر الخطاب المفهوم بمقتضى اللسان العربي لكن بدون تكييف ولا تمثيل.
فإن قال قائل: إذا فسرتم استواء الله على عرشه بعلوه عليه وارتفاعه لزمكم أن تقولوا: إنه مستو على كل شيء كما أنه عال على كل شيء.
فالجواب على ذلك أن هذا ليس بلازم لنا؛ لأن الاستواء على الشيء
стр. 114
أخص من مطلق العلو عليه، فهو علو خاص بما يكون عليه الاستواء ولهذا فسره بعض السلف بالاستقرار.
وقوله: "كما بين كثير من أشياء الجنة للبشر في لغتهم كي يفهموا ويدركوا معانيها". فهذا حق ولكن هل يقول: أحد إن قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ لا يدل على أن في الجنتين فاكهة ونخلا، ورمانا، وإنما يدل على أن فيهما شيئا رمز إليه بفاكهة، ونخل، ورمان. أو يقول: إن في الجنتين فاكهة، ونخلا، ورمانا على وجه الحقيقة ولكن لا تماثل ما في الدنيا من النخل، والرمان، والفاكهة.
فإن قال بالأول لم يكن للتعبير بالفاكهة، والنخل، والرمان فائدة أصلا إذ الرمز إلى المراد بهذه الثلاثة أو غيرها سواء. وإن قال بالثاني فهو حق؛ لأن في الجنة فاكهة، ونخلا، ورمانا، لكن لا يماثل ما في الدنيا لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» .
وهكذا نقول في استواء الله على عرشه: إنه حق على ما تقتضيه اللغة العربية لكن لا يماثل استواء المخلوقين لما سبق من انتفاء التماثل بينهما سمعا وعقلا.
(٥٩) سئل فضيلة الشيخ: قلتم - حفظكم الله - في استواء الله على عرشه: "إنه علو خاص على العرش يليق بجلال الله تعالى وعظمته، فنأمل التكرم من فضيلتكم بإيضاح ذلك ؟
فأجاب بقوله: قولنا في استواء الله تعالى على عرشه: "إنه علو خاص على العرش يليق بجلال الله تعالى وعظمته" نريد به أنه علو
стр. 115
يختص به العرش وليس هو العلو العام الشامل لجميع المخلوقات، ولهذا لا يصح أن نقول: استوى على المخلوقات، أو على السماء، أو على الأرض مع أنه عال على ذلك، وإنما نقول: هو عال على جميع المخلوقات عال على السماء، عال على الأرض ونحو ذلك، وأما العرش فنقول: إن الله تعالى عال على عرشه ومستو على عرشه، فالاستواء أخص من مطلق العلو. ولهذا كان استواء الله تعالى على عرشه من صفاته الفعلية المتعلقة بمشيئته بخلاف علوه فإنه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها.
وقد صرح بمثل ما قلنا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في شرح حديث النزول ص ٥٢٢ مج ٥ مجموع الفتاوي جمع ابن قاسم: "فإن قيل: فإذا كان إنما استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام فقبل ذلك لم يكن على العرش؟ قيل: الاستواء علو خاص فكل مستو على شيء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستويا عليه، ولهذا لا يقال: لكل ما كان عاليا على غيره: إنه مستو عليه واستوى عليه، ولكن كل ما قيل فيه: استوى على غيره فإنه عال عليه". اهـ. المقصود منه وتمامه فيه.
وأما قولنا: "يليق بجلاله وعظمته" فالمراد به أن استواءه على عرشه كسائر صفاته يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل استواء المخلوقين، فهو عائد إلى الكيفية التي عليها هذا الاستواء؛ لأن الصفات تابعة للموصوف، فكما أن لله تعالى ذاتا لا تماثل الذوات، فإن صفاته لا تماثل الصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ليس كمثله شيء في ذاته ولا صفاته. ولهذا قال الإمام مالك ﵀ في الاستواء حين سئل كيف استوى؟ قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب،
стр. 116
والسؤال عنه بدعة". وهذا ميزان لجميع الصفات فإنها ثابتة لله تعالى كما أثبتها لنفسه على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وبهذا تبين فائدة القول بأن الاستواء على العرش علو خاص على العرش مختص به؛ لأن العلو العام ثابت لله قبل خلق السماوات والأرض، وحين خلقهما، وبعد خلقهما، لأنه من صفاته الذاتية اللازمة كالسمع، والبصر، والقدرة، والقوة ونحو ذلك بخلاف الاستواء.
(٦٠) وسئل: عن صحة حديث: «لو دليتم بحبل إلى الأرض السابعة لوقع على الله» ؟ وما معناه ؟
فأجاب بقوله: هذا الحديث اختلف العلماء في تصحيحه، والذين قالوا: إنه صحيح يقول: ون: إن معنى الحديث لو أدليتم بحبل لوقع على الله لأن الله تعالى محيط بكل شيء، فكل شيء هو في قبضة الله وكل شيء فإنه لا يغيب عن الله تعالى، حتى إن السماوات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن كخردلة في يد أحدنا يقول: الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون دالا على أن الله في كل مكان، أو على أن الله تعالى في أسفل الأرض السابعة فإن هذا ممتنع شرعا، وعقلا، وفطرة؛ لأن علو الله قد دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله صلّى الله عليه
стр. 117
وسلم والإجماع، والعقل، والفطرة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ . وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ والآيات في هذه كثيرة جدا في كتاب الله فكل آية تدل على صعود الشيء إلى الله، أو رفع الشيء إلى الله، أو نزول الشيء من الله فإنها تدل على علو الله .
وأما السنة: فإنها متواترة على علو الله والسنة دلت على علو الله من قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره. قال النبي ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» . فهذا قول منه ﷺ يدل على علو الله «وخطب النبي ﷺ في أمته يوم عرفة فقال لهم: "ألا هل بلغت"؟ قالوا: نعم. فرفع إصبعه إلى السماء يقول: "اللهم اشهد» . فهذا فعل منه ﷺ يدل على علو الله وإقراره «حين سأل الجارية "أين الله" قالت: في السماء. قال: " أعتقها فإنها مؤمنة» . وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون لهم بإحسان من أئمة هذه الأمة وعلمائها على أن الله فوق كل شيء، ولم ينقل عنهم حرف واحد أن الله ليس في السماء، أو أنه مختلط بالخلق أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا مباين، ولا محاذ، بل النصوص عنهم كلها متفقة على أن الله تعالى في العلو وفوق كل شيء.
стр. 118
أما العقل: فقد دل على علو الله بأن نقول: هل العلو صفة كمال أو السفل؟ الجواب بالعلو والله قد قال في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ فكل وصف أكمل فهو الله وإذا كان العقل يدل على أن العلو كمال وجب أن يثبت العلو لله ، وتقرير ذلك أن يقال: إن الله إما أن يكون في الأعلى، أو في الأسفل، أو في المحاذي ففي الأسفل مستحيل لنقصه، وفي المحاذي مستحيل أيضا لنقصه، لأنه يلزم أن يكون مساويا للمخلوق، فلم يبق إلا العلو فالله عال فوق كل شيء.
أما الفطرة: فإن كل إنسان مفطور على أن الله تعالى في السماء تجد الإنسان يقول: يا الله ويتجه إلى السماء فما يجد في قلبه ضرورة إلا إلى العلو. إذن فنحن نقول: إن الله تعالى فوق كل شيء، وإذا كان فوق كل شيء فإنه لا يمكن أن يكون المراد بهذا الحديث: " «لو دليتم بحبل إلى الأرض السابعة لوقع على الله» أن الله في الأرض.
فإن قيل: هل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ يقتضي أن الله في الأرض كما هو في السماء؟
فالجواب: لا لأن الله تعالى يخبر عن الألوهية، ولا يخبر عن مكانه أنه في السماء والأرض، لكن يخبر أنه إله في السماء وإله في الأرض، كما تقول: فلان أمير في مكة وأمير في المدينة، فالمعنى أن إمارته ثابتة في مكة وفي المدينة وإن كان هو قطعا في أحد البلدين وليس فيهما جميعا. فهذه الآية
стр. 119
تدل على أن ألوهية الله ثابتة في الأرض وفي السماء، وإن كان هو في السماء.
(٦١) سئل فضيلة الشيخ: عن المعية في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ؟ هل هي معية ذاتية أو معية علم وإحاطة ؟
فأجاب بقوله: نحن نعلم أن الله فوق كل شيء، وأنه استوى على العرش فإذا سمعنا قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ فلا يمكن أن يفهم أحد أنه معنا على الأرض، لا يتصور ذلك عاقل فضلا عن مؤمن ولكنه معنا سبحانه وهو فوق العرش فوق سماواته.
ولا يستغرب هذا فإن المخلوقات وهي لا تنسب للخالق تكون في السماء ونقول: إنها معنا. فيقول: شيخ الإسلام: تقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا. ومع ذلك فالقمر مكانه في السماء. فالله مع خلقه، ولكنه في السماء، ومن زعم بأنه مع خلقه في الأرض كما تقول الجهمية فأرى أنه كافر يجب أن يتوب إلى الله ويقدر ربه حق قدره، ويعظمه حق تعظيمه، وأن يعلم أنه سبحانه وسع كرسيه السماوات والأرض فكيف تكون الأرض محلا له.
وقد جاء في الحديث: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض» . والحلقة الصغيرة. مع أن العرش مخلوق والكرسي مخلوق، فما بالك بالخالق سبحانه. فكيف يقال: إن الأرض تسع الله سبحانه أو أنه في الأرض، ومن مخلوقاته سبحانه ما وسع السماوات والأرض، ولا يقول: عن رب العزة مثل هذه المقولات إلا من لا يقدر الله حق قدره، ولم يعظمه حق تعظيمه. بل الرب فوق كل شيء مستو على عرشه وهو سبحانه بكل شيء عليم.
стр. 120
(٦٢) سئل فضيلة الشيخ: هل سبق أحد شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في أن المعية حقيقية تليق بالله ينزه فيها الباري عن أن يكون مختلطا بالخلق أو حالا في أمكنتهم؟ وعن الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل» . . ."؟ وعن قول ابن القيم في الصواعق مختصرها: "فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته" هل هو صحيح وهل سبقه أحد في ذلك ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم أحدا صرح بذلك، لكن الذي يظهر أن الكلام فيها كغيرها من الصفات، تفهم على حقيقتها مع تنزيه الله عما لا يليق به، كما يفهم الاستواء والنزول وغيرهما، ولهذا لم يتكلم الصحابة فيما أعلم بلفظ الذات في الاستواء والنزول، أي لم يقولوا: استوى على العرش بذاته، أو ينزل إلى السماء الدنيا بذاته؛ لأن ذلك مفهوم من اللفظ، فإن الفعل أضيف إلى الله تعالى، إما إلى الاسم الظاهر، أو الضمير، فإذا أضيف إليه كان الأصل أن يراد به ذات الله لكن لما حدث تحريف معنى الاستواء والنزول احتاجوا إلى توكيد الحقيقة بذكر الذات، وكذلك لما حدث القول بالحلول وشبه القائلون به بآيات المعية بين السلف بطلان تلبيسهم، وأنه لا يراد بها أنه معهم بذاته مختلطا بهم، كما فهم أولئك الحلولية، وأن المراد بها بيان إحاطته بالخلق علما، وذكروا العلم؛ لأنه أعم الصفات متعلقا، ولأنها جاءت في سياقه.
والمهم أن هذه المسألة كغيرها من مسائل الصفات تجري على ظاهرها على ما يليق بالله وما ورد عن السلف فإنه داخل في
стр. 121
معناها، لأنه من لوازمه، واقتصروا عليه خوف المحذور، وإلا فلا يخفى أن حقيقة المعية أوسع من العلم وأبلغ، ولظهور هذه المسألة وأنها لم تخرج عن نظائرها لم يكن فيها كلام عن الصحابة ﵃ اللهم إلا ما ذكر عن ابن عباس ﵄ ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره عنه، قال: "هو على العرش، وعلمه معهم"، ثم اشتهر ذلك بين السلف حين انتشر تفسير الجهمية لها بالحلول.
وأما سؤالكم عن الحديث القدسي: " «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه» . فأنت ترى أن الله تعالى ذكر في الحديث عبدا ومعبودا، ومتقربا ومتقربا إليه، ومحبا ومحبوبا، وسائلا ومسئولا، ومعطيا ومعطى، ومستعيذا، ومستعاذا به، ومعيذا ومعاذا فالحديث يدل على اثنين متباينين، كل واحد منهما غير الآخر، فإذا كان كذلك لم يكن ظاهر قوله: " كنت سمعه وبصره ويده ورجله" أن الخالق يكون جزءا من المخلوق، أو وصفا فيه، تعالى الله عن ذلك وإنما ظاهره وحقيقته أن الله تعالى يسدد هذا العبد في سمعه، وبصره، وبطشه، ومشيه، فيكون سمعه لله تعالى إخلاصا وبه استعانة وفيه شرعا، واتباعا، وهكذا بصره، وبطشه ومشيه.
وأما سؤالكم عن قول ابن القيم في الصواعق (مختصرها) : فهو قريب من المحسنين بذاته، ورحمته، فهل يصح؟ وهل سبقه أحد في ذلك؟
فإن ابن القيم - رحمه الله تعالى - قاله أخذا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
стр. 122
فهذه الضمائر: عِبَادِي، عَنِّي فَإِنْ ي، قَرِيبٌ، أُجِيبُ، دَعَانِ، لَيْ، بِي، كلها تعود إلى الله فكما أنه نفسه المعبود المسئول عنه المجيب لدعوة الداعي الواجب الإيمان به فهو القريب كذلك، ولا يلزم من ذلك الحلول؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فهو قريب في علوه.
وقد سبقه إلى مثل ذلك شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - حيث قال في شرح النزول ص ٥٠٨ ج ٥ من مجموع الفتاوي: "ولهذا لما ذكر الله سبحانه قربه من داعيه وعابديه قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ . فهنا هو نفسه سبحانه القريب الذي يجيب دعوة الداع". إلى أن قال ص ٥١٠: "وأما قرب الرب قربا يقوم به بفعله القائم بنفسه فهذا تنفيه الكلابية، ومن يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته، وأما السلف وأئمة الحديث والسنة فلا يمنعون ذلك، وكذلك كثير من أهل الكلام". اهـ.
(٦٣) سئل فضيلة الشيخ: عن إثبات العينين لله تعالى، ودليل ذلك ؟
فأجاب بقوله: الجواب على ذلك يتحرر في مقامين:
المقام الأول: أن لله تعالى عينين، فهذا هو المعروف عن أهل السنة والجماعة، ولم يصرح أحد منهم بخلافه فيما أعلم. وقد نقل ذلك عنهم أبو الحسن الأشعري في كتابه: "اختلاف المصلين ومقالات
стр. 123
الإسلاميين". قال: مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث فذكر أشياء ثم قال: "وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ . نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص ٩٠\٥ من مجموع الفتاوى لابن قاسم، ونقل عنه أيضا مثله في ص ٩٢ عن كتابه: "اختلاف أهل القبلة في العرش". ونقل عنه أيضا مثله في ص ٩٤ عن كتابه: "الإبانة في أصول الديانة". وذكر له في هذا الكتاب ترجمة باب بلفظ: "باب الكلام في الوجه، والعينين، والبصر، واليدين". ونقل شيخ الإسلام في هذه الفتوى ص ٩٩ عن الباقلاني في كتابه: "الإبانة". قوله: صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال متصفا بها هي الحياة والعلم، إلى أن قال: "والعينان واليدان".
ونقل ابن القيم ص ١١٨، ١١٩، ١٢٠ في كتابه: "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية " عن أبي الحسن الأشعري وعن الباقلاني في كتابيه: "الإبانة والتمهيد" مثل ما نقل عنه شيخ الإسلام، ونقل قبل ذلك في ص ١١٤ عن الأشعري في كتابه: "الإبانة" أنه ذكر ما خالفت به المعتزلة كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وإجماع الصحابة إلى أن قال: "وأنكروا أن يكون لله عينان مع قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ .
وقال الحافظ ابن خزيمة في: "كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب" ص ٣٠ بيان النبي ﷺ الذي جعله الله مبينا عنه في قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ .
стр. 124
فبين النبي ﷺ أن لله عينين، فكان بيانه موافقا لبيان محكم التنزيل، ثم ذكر الأدلة، ثم قال في ص ٣٥: "نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى".
وقال في ص ٥٥، ٥٦: "فتدبروا يا أولي الألباب ما نقوله في هذا الباب في ذكر اليدين ليجري قولنا في ذكر الوجه والعينين تستيقنوا بهداية الله إياكم، وشرحه جل وعلا صدوركم للإيمان بما قصه الله في محكم تنزيله، وبينه على لسان نبيه ﷺ من صفات خالقنا وتعلموا بتوفيق الله إياكم أن الحق والصواب والعدل في هذا الجنس مذهبا مذهب أهل الآثار ومتبعي السنن، وتقفوا على جهل من يسميهم مشبهة" اهـ.
فتبين بما نقلناه أن مقالة أهل السنة والحديث أن لله تعالى عينين تليقان بجلاله وعظمته لا تكيفان، ولا تشبهان أعين المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . روى عثمان بن سعيد الدارمي ص ٤٧ من رده على المريسي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: «قرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . فوضع أصبعه الدعاء على عينيه وإبهامه على أذنيه» .
المقام الثاني: في ذكر الأدلة على إثبات العينين:
قال البخاري رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى:
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾
стр. 125
وقوله جل ذكره: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ثم ساق بسنده حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال ذكر الدجال عند النبي ﷺ فقال: «إنه لا يخفى عليكم أن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية» .
وقد استدل بحديث الدجال على أن لله تعالى عينين عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه: "الرد على بشر المريس " الذي أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال: "إن فيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما" يعني هذا الكتاب وكتابه الثاني: "الرد على الجهمية " قال الدارمي في الكتاب المذكور (ص ٤٣ ط أنصار السنة المحمدية) ، بعد أن ساق آيتي صفة العينين: ثم ذكر رسول الله ﷺ الدجال فقال: إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، قال: والعور عند الناس ضد البصر، والأعور عندهم ضد البصير بالعينين.
وقال في ص ٤٨ ففي تأويل قول رسول الله ﷺ : إن الله ليس بأعور بيان أنه بصير ذو عينين خلاف الأعور.
واستدل به أيضا الحافظ ابن خزيمة في كتاب التوحيد كما في ص ٣١ وما بعدها.
ووجه الاستدلال به ظاهر جدا فإن النبي ﷺ أراد أن يبين لأمته شيئا مما ينتفي به الاشتباه عليهم في شأن الدجال في أمر محسوس، يتبين لذوي التفكير العالمين بالطرق العقلية وغيرهم، بذكر أن
стр. 126
الدجال أعور العين والرب سبحانه ليس بأعور، ولو كان لله تعالى أكثر من عينين لكان البيان به أولى لظهوره وزيادة الثناء به على الله تعالى، فإن العين صفة كمال فلو كان لله أكثر من اثنتين كان الثناء بذلك على الله أبلغ.
وتقرير ذلك أن يقال: ما زاد على العينين فإما أن يكون كمالا في حق الله تعالى أو نقصا، فإن كان نقصا فهو ممتنع على الله تعالى لامتناع صفات النقص في حقه، وإن كان كمالا فكيف يهمله النبي ﷺ مع كونه أبلغ في الثناء على الله تعالى!! فلما لم يذكره النبي ﷺ ، علم أنه ليس بثابت لله وهذا هو المطلوب.
فإن قيل: ترك ذكره من أجل بيان نقص الدجال بكونه أعور.
قلنا: يمكن أن يذكر مع بيان نقص الدجال فيجمع بين الأمرين حتى لا يفوت ذكر كمال صفة الله .
واعلم أن النبي ﷺ ذكر هذه العلامة الحسية ليبين نقص الدجال وأنه ليس بصالح؛ لأن يكون ربا، ولظهورها لجميع الناس لكونها علامة حسية بخلاف العلامات العقلية، فإنها قد تحتاج إلى مقدمات تخفى على كثير من الناس، لا سيما عند قوة الفتنة، واشتداد المحنة، كما في هذه الفتنة فتنة الدجال، وكان هذا من حسن تعليمه ﷺ ، حيث يعدل في بيانه إلى ما هو أظهر وأجلى مع وجود علامات أخرى.
وقد ذكر ابن خزيمة ﵀ في "كتاب التوحيد" ص ٣١ حديثا ساقه في ضمن الأدلة على أن النبي ﷺ بين أن لله تعالى عينين، فساقه بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أنه يقرأ قوله
стр. 127
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ . إلى قوله: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . فيضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه. ويقول: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع أصبعيه.
وقد سبقت رواية الدارمي له بلفظ التثنية، وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (ص ٣٧٣\١٣ ط خطيب) أن البيهقي ذكر له شاهدا من حديث عقبة بن عامر ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: على المنبر: «إن ربنا سميع بصير وأشار إلى عينيه» وسنده حسن. اهـ.
وقد ذكر صاحب مختصر الصواعق (ص ٣٥٩ ط الإمام) ، قبيل المثال السادس حديثا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إن العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه بين عيني الرحمن» الحديث. لكنه لم يعزه فلينظر في صحته.
وبهذا تبين وجوب اعتقاد أن لله تعالى عينين، لأنه مقتضى النص وهو المنقول عن أهل السنة والحديث.
فإن قيل: ما تصنعون بقوله تعالى: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ حيث ذكر الله تعالى العين بلفظ الجمع؟
قلنا: نتلقاها بالقبول والتسليم، ونقول: إن كان أقل الجمع اثنين كما قيل به إما مطلقا أو مع الدليل فلا إشكال؛ لأن الجمع هنا قد دل
стр. 128
الدليل على أن المراد به اثنتان فيكون المراد به ذلك، وإن كان أقل الجمع ثلاثة فإننا نقول جمع العين هنا كجمع اليد في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ . يراد به التعظيم والمطابقة بين المضاف والمضاف إليه، وهو "نا" المفيد للتعظيم دون حقيقة العدد، وحينئذ لا يصادم التثنية.
فإن قيل: فما تصنعون بقوله تعالى يخاطب موسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ . حيث جاءت بالإفراد؟
قلنا: لا مصادمة بينها وبين التثنية؛ لأن المفرد المضاف لا يمنع التعدد فيما كان متعددا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ . فإن النعمة اسم مفرد، ومع ذلك فأفرادها لا تحصى.
وبهذا تبين ائتلاف النصوص واتفاقها وتلاؤمها، وأنها - ولله الحمد - كلها حق، وجاءت بالحق، لكنها تحتاج في بعض الأحيان إلى تأمل وتفكير، بقصد حسن، وأداة تامة، بحيث يكون عند العبد صدق نية بطلب الحق واستعداد تام لقبوله، وعلم بمدلولات الألفاظ، ومصادر الشرع وموارده، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ . فحث على تدبر القرآن الكريم وأشار إلى أنه بتدبره
стр. 129
يزول عن العبد ما يجد في قلبه من الشبهات، حتى يتبين له أن القرآن حق يصدق بعضه بعضا. والله المستعان.
(٦٤) سئل فضيلة الشيخ: عما ذكره الرازي من أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ . يقتضي أن يكون موسى مستقرا على تلك العين لاصقا بها مستعليا عليها. وأن قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ . يقتضي أن تكون آلة تلك الصنعة هي تلك العين ؟
فأجاب بقوله: ما ذكره الرازي من أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ . يقتضي أن يكون موسى مستقرا على تلك العين لاصقا بها مستعليا عليها، وأن قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ يقتضي أن تكون آلة تلك الصنعة هي تلك العين.
أقول: إن ادعاءه أن ذلك ظاهر الآيتين ادعاء باطل؛ لأن هذا المعنى الذي ادعى أنه ظاهر الكلام معنى باطل، لا يقوله عاقل، كما اعترف به هو، فإذا كان معنى باطلا لا يقوله عاقل، فكيف يسوغ لمؤمن بل لعاقل أن يقول: إن هذا ظاهر كلام الله تعالى؟!
إن من جوز أن يكون هذا ظاهر كلام الله فقد قدح في الله وفي كلامه الكريم، حيث جعل مدلوله معنى باطلا، لا يقوله العقلاء، وإذا تعذر أن يكون هذا المعنى الباطل ظاهر هذا الكلام تعين أن يكون ظاهره معنى آخر يليق بالله تعالى، وهو في الآية الأولى
стр. 130
أن تربية موسى على عين الله تعالى، وينظر إليه بعينه، كما تقول: جرى هذا الشيء على عيني، أي حصل وأنا أشاهده وأراه بعيني.
والمعنى في الآية الثانية أن صنع نوح، ﵊، السفينة كان بعين الله تعالى، أي مصحوبا بعينه يراه الله تعالى بعينه، فيسدده ويصلح صنيعه، كما تقول: صنعت هذا بعيني، أي صنعته وأنا أرعاه بعيني، وإن كانت آلة الصنع اليد أو الآلة. وتقول: كتبته بعيني، أي كتبته وأنا أنظر إليه بعيني وإن كانت الكتابة باليد أو بالآلة.
وهذا التعبير لهذا المعنى تعبير عربي مشهور، والقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، فهو محمول على ما تقتضيه اللغة العربية، إلا أن يكون هناك حقيقة شرعية انتقل المعنى إليها كالصلاة والصيام ونحوها، فيحمل على الحقيقة الشرعية. وكتاب التأسيس الذي نقل السائل منه هذه الكلمات قد نقضه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فليت السائل يحصل على نسخة من نقضه.
(٦٥) سئل فضيلة الشيخ: عمن يقول: إن كون الدجال أعور لا يثبت أن الله ذو عينين وإنما يثبت أنه يرى كل شيء يمر ؟
فأجاب حفظه الله بقوله: لو تأمل القائل حديث الدجال لرأى أنه يدل دلالة واضحة على أن الله تعالى له عينان اثنتان فقط، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في الدجال: «أعور العين كأن عينه عنبة طافية» .
стр. 131
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ ذكر الدجال فقال: «إن الله ليس بأعور ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية» .
ووجه الدلالة من الحديث أنه لو كان لله تعالى أكثر من عينين لكان الزائد كمالا بلا شك؛ لأنه لا يمكن أن يتصف الله تعالى بما ليس بكمال، وهذا الكمال يحصل به التمييز فيقول: إن الله له أعين، فلو كان ثابتا لكان ذكره هو الواجب، لأنه أبلغ في وصف الرب بالكمال مع التمييز.
وقد نقل أبو الحسن الأشعري وغيره أن هذا هو ما عليه أهل السنة، أعني إثبات أن الله تعالى له عينان فقط، وإنما جمعت في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ لأنها أضيفت إلى اسم جمع فكان جمعها أولى من أجل التناسب بين المتضايفين كما جمعت اليد في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ من أجل التناسب بين المتضايفين.
قال ابن القيم ﵀ في الصواعق ١\٢٥٤: "إن دعوى الجهمي أن ظاهر القرآن يدل على أن لله تعالى أيديا كثيرة على جنب واحد وأعينا كثيرة على وجه واحد عضن للقرآن، وتنقص له وذم، ولا يدل ظاهر القرآن ولا باطنه على ذلك بوجه ما، ولا فهمه من له عقل".
إلى أن قال: "فهذا الأشعري والناس قبله وبعده ومعه لم يفهموا من الأعين أعينا كثيرة على وجه، ولا أيديا كثيرة على شق واحد، حتى جاء هذا الجهمي فعضن القرآن وادعى أن هذا ظاهره، وإنما قصد هذا وأمثاله التشنيع على من بدعه وضلله من أهل السنة والحديث". اهـ.
(٦٦) سئل فضيلة الشيخ: ما الأمور التي يجب تعليقها بالمشيئة والأمور التي لا ينبغي تعليقها بالمشيئة ؟
стр. 132
فأجاب بقوله: كل شيء مستقبل فإن الأفضل أن تعلقه بالمشيئة لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ . أما الشيء الماضي فلا يعلق بالمشيئة إلا إذا قصد بذلك التعليل.
فمثلا لو قال لك شخص: دخل شهر رمضان هذا العام ليلة الأحد إن شاء الله. فلا يحتاج أن نقول: إن شاء الله لأنه مضى وعلم. ولو قال لك قائل: لبست ثوبي إن شاء الله - وهو لابسه - فلا يحسن أن يعلق بالمشيئة؛ لأنه شيء مضى، وانتهى إلا إذا قصد التعليل أي قصد أن اللبس كان بمشيئة الله. فهذا لا بأس به.
فلو قال قائل حين صلى: صليت إن شاء الله إن قصد فعل الصلاة فإن الاستثناء هنا لا ينبغي، لأنه صلى وإن قصد إن شاء الله الصلاة المقبولة فهنا يصح أن يقول: إن شاء الله، لأنه لا يعلم أقبلت أم لم تقبل.
(٦٧) وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى - ورعاه: عن أقسام الإرادة ؟
فأجاب بقوله: الإرادة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إرادة كونية.
القسم الثاني: إرادة شرعية.
فما كان بمعنى المشيئة فهو إرادة كونية، وما كان بمعنى المحبة فهو إرادة شرعية، مثال الإرادة الشرعية قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ لأن يُرِيدُ هنا بمعنى يحب ولا تكون بمعنى المشيئة؛ لأنه لو كان المعنى: "والله يشاء أن يتوب عليكم"، لتاب على جميع العباد وهذا
стр. 133
أمر لم يكن فإن أكثر بني آدم من الكفار، إذن ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني يحب أن يتوب عليكم، ولا يلزم من محبة الله للشيء أن يقع؛ لأن الحكمة الإلهية البالغة قد تقتضي عدم وقوعه.
ومثال الإرادة الكونية قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ لأن الله لا يحب أن يغوي العباد، إذا لا يصح أن يكون المعنى إن كان الله يحب أن يغويكم، بل المعنى إن كان الله يشاء أن يغويكم.
ولكن بقي لنا أن نقول: ما الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية من حيث وقوع المراد؟
فنقول: الكونية لا بد فيها من وقوع المراد إذا أراد الله شيئا كونا فلا بد أن يقع ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
أما الإرادة الشرعية فقد يقع المراد وقد لا يقع قد يريد الله هذا الشيء شرعا ويحبه ولكن لا يقع؛ لأن المحبوب قد يقع وقد لا يقع.
فإذا قال قائل: هل الله يريد المعاصي؟
فنقول: يريدها كونا لا شرعا؛ لأن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة والله لا يحب المعاصي، ولكن يريدها كونا أي مشيئة فكل ما في السماوات والأرض فهو بمشيئة الله.
(٦٨) سئل فضيلة الشيخ: عن الإلحاد في أسماء الله تعالى وأنواعه ؟
стр. 134
فأجاب قائلا: الإلحاد في اللغة: هو الميل، ومنه قول الله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . ومنه اللحد في القبر فإنه سمي لحدا لميله إلى جانب منه، ولا يعرف الإلحاد إلا بمعرفة الاستقامة، لأنه كما قيل: بضدها تتبين الأشياء. فالاستقامة في باب أسماء الله وصفاته أن نجري هذه الأسماء والصفات على حقيقتها اللائقة بالله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، على القاعدة التي يمشي عليها أهل السنة والجماعة في هذا الباب، فإذا عرفنا الاستقامة في هذا الباب فإن خلاف الاستقامة هو الإلحاد، وقد ذكر أهل العلم للإلحاد في أسماء الله تعالى أنواعا يجمعها أن نقول: هو الميل بها عما يجب اعتقاده فيها. وهو على أنواع:
النوع الأول: إنكار شيء من الأسماء، أو ما دلت عليه من الصفات، ومثاله: من ينكر أن اسم الرحمن من أسماء الله تعالى كما فعل أهل الجاهلية، أو يثبت الأسماء، ولكن ينكر ما تضمنته من الصفات كما يقول: بعض المبتدعة: أن الله تعالى رحيم بلا رحمة، وسميع بلا سمع.
النوع الثاني: أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه. ووجه كونه إلحادا أن أسماء الله توقيفية، فلا يحل لأحد أن يسمي الله تعالى باسم لم يسم به نفسه؛ لأن هذا من القول على الله بلا علم ومن العدوان في حق الله وذلك كما صنع الفلاسفة فسموا الإله بالعلة الفاعلة، وكما صنع النصارى فسموا الله تعالى باسم الأب ونحو ذلك.
النوع الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماء دالة على أوصاف
стр. 135
المخلوقين، فيجعلها دالة على التمثيل.
ووجه كونه إلحادا: أن من اعتقد أن أسماء الله دالة على تمثيل الله بخلقه فقد أخرجها عن مدلولها ومال بها عن الاستقامة، وجعل كلام الله وكلام رسوله ﷺ دالا على الكفر؛ لأن تمثيل الله بخلقه كفر لكونه تكذيبا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . ولقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ . قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري رحمهما الله: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه".
النوع الرابع: أن يشتق من أسماء الله - تعالى - أسماء للأصنام، كاشتقاق اللات من الآلهة، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.
ووجه كونه إلحادا: أن أسماء الله تعالى خاصة به، فلا يجوز أن تنقل المعاني الدالة عليها هذه الأسماء إلى أحد من المخلوقين ليعطى من العبادة ما لا يستحقه إلا الله . هذه أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى.
(٦٩) وسئل فضيلة الشيخ: عن اسم الله تعالى الجبار ؟
فأجاب بقوله: الجبار له ثلاثة معان:
الأول: جبر القوة، فهو الجبار الذي يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته، فكل جبار وإن عظم فهو تحت قهر الله عز
стр. 136
وجل وجبروته وفي يده وقبضته.
الثاني: جبر الرحمة، فإنه سبحانه يجبر الضعيف بالغنى والقوة، ويجبر الكسير بالسلامة، ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها، وإحلال الفرج والطمأنينة فيها، وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله.
الثالث: جبر العلو فإنه سبحانه فوق خلقه عال عليهم، وهو مع علوه عليهم قريب منهم يسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويعلم ما توسوس به نفوسهم. قال ابن القيم في النونية في معنى الجبار:
وكذلك الجبار من أوصافه ... والجبر في أوصافه قسمان
جبر الضعيف وكل قلب قد غدا ... ذا كسرة فالجبر منه دان
والثانِ جبر القهر بالعز الذي ... لا ينبغي لسواه من إنسان
وله مسمى ثالث وهو العلو ... فليس يدنو منه من إنسان
من قولهم جبارة للنخلة ال ... عليا التي فاقت لكل بنان
(٧٠) سئل فضيلة الشيخ: هل من أسماء الله تعالى: "الحي القيوم "؟
فأجاب بقوله: لا شك أن من أسماء الله الحسنى "الحي القيوم" بل ورد أنهما اسم الله الأعظم، لتضمنهما معاني أسماء الله وصفاته الذاتية والفعلية، وهما مذكوران في ثلاث آيات من القرآن الكريم: في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ . وفي أول سورة آل عمران:
стр. 137
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ . وفي سورة طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ . وآية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
(٧١) سئل فضيلة الشيخ: عما جاء في الترغيب والترهيب عن أنس بن مالك ﵁ قال: «مر النبي ﷺ بأبي عياش وهو يصلي ويقول: "اللهم إني أسالك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت يا حنان، يا منان، يا بديع السماوات والأرض» . ." رواه الإمام أحمد، واللفظ له، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، فهل الحنان من أسماء الله تعالى ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لقد راجعت الأصول مسند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، فقد أورده الإمام أحمد في المسند في عدة مواضع من الجزء الثالث، ص ١٢٠ -١٥٨ - ٢٤٥ - ٢٦٥، وأورده أبو داود في الجزء الأول باب الدعاء ص ٣٤٣، وأورده النسائي في الجزء الثالث باب الدعاء بعد الذكر ص ٤٤، وأورده ابن ماجه في الجزء الثاني كتاب الدعاء باب اسم الله الأعظم ص ١٢٦٨، وليس فيهن ذكر الحنان سوى طريق واحدة عند الإمام أحمد فيها الحنان دون المنان وهي التي في ص ١٥٨، وليست باللفظ المذكور في الترغيب، واللفظ المذكور في
стр. 138
الترغيب ليس فيه عند أحمد سوى ذكر المنان وقد رأيت كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنكر فيه أن يكون الحنان من أسماء الله تعالى فإذا كانت الروايات أكثرها بعدم إثباته، فالذي أرى أن يتوقف فيه. والله أعلم.
(٧٢) سئل فضيلة الشيخ: هل من أسماء الله "المنان"، "المنتقم"، "الهادي"، "المعين "؟
فأجاب بقوله: أما المنان فقد صح عن النبي ﷺ .
وأما المنتقم فليس من أسماء الله؛ لأن الله تعالى لم يذكر هذا الوصف لنفسه إلا مقيدا، وكل وصف جاء مقيدا فهو ليس من أسماء الله؛ لأن أسماء الله كمال على الإطلاق لا تحتاج إلى تقييد، والله إنما ذكر المنتقم في مقابلة الإجرام فقال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ وحينئذ لا يكون المنتقم من أسماء الله.
أما "الهادي" فبعض العلماء أثبته من أسماء الله وبعضهم قال: بل هذا من أوصاف الله وليس اسما.
"والمعين" كذلك ليس من أسماء الله، ولكنه من صفاته فإنه هو الذي يعين من شاء من عباده.
ومن العلماء من قال: إنه من أسمائه لأنه دال على معنى حسن وليس فيه نقص بوجه من الوجوه.
والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ .
стр. 139
(٧٣) سئل فضيلة الشيخ: هل الدهر من أسماء الله ؟
فأجاب بقوله: الدهر ليس من أسماء الله ومن زعم ذلك فقد أخطأ وذلك لسببين:
السبب الأول: أن أسماءه حسنى، أي بالغة في الحسن أكمله، فلا بد أن تشتمل على وصف ومعنى هو أحسن ما يكون من الأوصاف والمعاني في دلالة هذه الكلمة، ولهذا لا تجد في أسماء الله تعالى اسما جامدا، والدهر اسم جامد لا يحمل معنى إلا أنه اسم للأوقات.
السبب الثاني: أن سياق الحديث يأبى ذلك، لأنه قال: «أقلب الليل والنهار» والليل والنهار هما الدهر فكيف يمكن أن يكون المقلب بفتح اللام هو المقلب بكسر اللام؟!
(٧٤) سئل الشيخ - غفر الله له: عن قول النبي ﷺ في الحديث القدسي: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» ؟
فأجاب قائلا: قوله في الحديث المشار إليه في السؤال: «يؤذيني ابن آدم» أي إنه سبحانه يتأذى بما ذكر في الحديث، لكن ليست الأذية التي أثبتها الله لنفسه كأذية المخلوق، بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فقدم نفي المماثلة على الإثبات، لأجل أن يرد الإثبات على قلب خال من توهم المماثلة، ويكون الإثبات حينئذ على
стр. 140
الوجه اللائق به تعالى، وأنه لا يماثل في صفاته، كما لا يماثل في ذاته، وكل ما وصف الله به نفسه ليس فيه احتمال للتمثيل، إذ لو أجزت احتمال التمثيل في كلامه سبحانه وكلام رسوله ﷺ في صفات الله، لأجزت احتمال الكفر في كلام الله سبحانه وكلام رسوله ﷺ لأن تمثيل صفات الله تعالى بصفات المخلوقين كفر لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
وقوله: أنا الدهر أي مدبر الدهر ومصرفه. كما قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ . كما قال في هذا الحديث: «أقلب الليل والنهار» والليل والنهار هما الدهر.
ولا يقال: بأن الله نفسه هو الدهر، ومن قال ذلك فقد جعل المخلوق خالقا، والمقلب مقلبا.
فإن قيل: أليس المجاز ممنوعا في كلام الله وكلام رسوله ﷺ وفي اللغة؟
أجيب: بلى، ولكن الكلمة حقيقة في معناها الذي دل عليه السياق والقرائن، وهنا في الكلام محذوف تقديره "وأنا مقلب الدهر" لأنه فسره بقوله: «أقلب الليل والنهار» ولأن العقل لا يمكن أن يجعل الخالق الفاعل هو المخلوق المفعول.
(٧٥) سئل فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قول النبي ﷺ : «المقسطون على منابر من نور على يمين»
стр. 141
«الرحمن وكلتا يديه يمين» وبين قوله ﷺ : «ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن بشماله» ؟
فأجاب بقوله: كلمة "بشماله" اختلف فيها الرواة: فمنهم من أثبتها، ومنهم من أنكرها، وقال: لا تصح عن رسول الله ﷺ وأصل هذه التخطئة هو ما ثبت في صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: «المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين» . وهذا يقتضي أنه ليس هناك يد يمين ويد شمال.
ولكن قد روى مسلم في صحيحه إثبات الشمال لله تعالى فإذا كانت محفوظة فهي عندي لا تنافي «كلتا يديه يمين» لأن المعنى أن اليد الأخرى ليست كيد الشمال بالنسبة للمخلوق ناقصة عن اليد اليمنى، فقال: «كلتا يديه يمين» أي ليس فيهما نقص. فلما كان الوهم ربما يذهب إلى أن إثبات الشمال يعني النقص في هذه اليد دون الأخرى قال: «كلتا يديه يمين» ويؤيده قوله: «المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن» فإن المقصود بيان فضلهم ومرتبتهم وأنهم على يمين الرحمن سبحانه.
وعلى كل فإن يديه سبحانه اثنتان بلا شك، وكل واحدة غير الأخرى وإذا وصفنا اليد الأخرى بالشمال فليس المراد أنها أنقص من اليد اليمنى بل كلتا يديه يمين.
والواجب علينا أن نقول: إن ثبتت عن رسول الله ﷺ نؤمن بها، وإن لم تثبت فنقول: كلتا يديه يمين.
(٧٦) سئل فضيلة الشيخ: ما معنى قول النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورته» ؟
стр. 142
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث أعني قول النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورته» . ثابت في الصحيح، ومن المعلوم أنه لا يراد به ظاهره بإجماع المسلمين والعقلاء؛ لأن الله وسع كرسيه السماوات والأرض، والسماوات والأرض كلها بالنسبة للكرسي موضع القدمين كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة فما ظنك برب العالمين؟ لا أحد يحيط به وصفا ولا تخيلا، ومن هذا وصفه لا يمكن أن يكون على صورة آدم ستون ذراعا لكن يحمل على أحد معنيين:
الأول: أن الله خلق آدم على صورة اختارها، وأضافها إلى نفسه تعالى تكريما وتشريفا.
الثاني: أن المراد خلق آدم على صورته تعالى من حيث الجملة، ومجرد كونه على صورته لا يقتضي المماثلة والدليل قوله ﷺ : «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أضوء كوكب في السماء» ولا يلزم أن تكون هذه الزمرة مماثلة للقمر؛ لأن القمر أكبر من أهل الجنة بكثير، فإنهم يدخلون الجنة طولهم ستون ذراعا، فليسوا مثل القمر.
(٧٧) سئل فضيلة الشيخ: عما أضافه الله تعالى إلى نفسه مثل وجه الله، ويد الله ونحو ذلك ؟
فأجاب قائلا: أقسام ما أضافه الله إلى نفسه ثلاثة:
القسم الأول: العين القائمة بنفسها، فإضافتها من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وهذه الإضافة قد تكون على سبيل العموم كقوله
стр. 143
تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ . وقد تكون على سبيل الخصوص لشرفيته كقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ . وهذا القسم مخلوق.
القسم الثاني: العين التي يقوم بها غيرها مثل قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ . فإضافة هذه الروح إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه تشريفا فهي روح من الأرواح التي خلقها الله، وليست جزءا من الله، إذ إن هذه الروح حلت في عيسى، ﵇، وهو عين منفصلة عن الله وهذا القسم مخلوق.
القسم الثالث: أن يكون وصفا محضا يكون فيه المضاف صفة الله وهذا القسم غير مخلوق؛ لأن جميع صفات الله غير مخلوقة، ومثاله قدرة الله وعزة الله وهو في القرآن كثير.
(٧٨) وسئل: عن حكم إضافة الحوادث إلى صفة من صفات الله ؟
فأجاب بقوله: إضافة الحوادث إلى صفة من صفات الله بمعنى أنه من مقتضى هذه الصفة لا بأس به، مثل أن نقول: اقتضت حكمة الله أن يعذب الظالم، أو أوجب القضاء والقدر أن يشقى فلان أو يسعد فلان ويدل لذلك قول النبي ﷺ : «لو سبق القضاء والقدر»
стр. 144
«شيء لسبقته العين» .
أما إذا أضيفت الحوادث إلى صفة من صفات الله وكأن الصفة هي التي فعلت دون الموصوف فلا يجوز؛ لأن المؤثر هو الله تعالى وهو الخالق المدبر لجميع الأمور.
(٧٩) سئل فضيلة الشيخ: هل أهل السنة يئولون اليد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ؟
فأجاب بقوله: ينبغي أن نعلم أن التأويل عند أهل السنة ليس مذموما كله، بل المذموم منه ما لم يدل عليه دليل، وما دل عليه الدليل يسمى تفسيرا، سواء كان الدليل متصلا بالنص، أو منفصلا عنه، فصرف الدليل عن ظاهره ليس مذموما على الإطلاق.
ومثال التأويل بالدليل المتصل ما جاء في الحديث الثابت في صحيح مسلم في قوله تعالى في الحديث القدسي: «عبدي جعت فلم تطعمني، ومرضت فلم تعدني» فظاهر هذا الحديث أن الله نفسه هو الذي جاع وهو الذي مرض، وهذا غير مراد قطعا، ففسر هذا الحديث بنفس الحديث: «فقال: أما علمت أن عبدي فلانا جاع فلم تطعمه، وعبدي فلانا مرض فلم تعده» . فالذي صرف ظاهر اللفظ الأول إلى هذا المعنى هو الحديث القدسي نفسه، فلا يقال: إن صرف ظاهر اللفظ الأول إلى هذا المعنى الثاني تأويل مذموم.
стр. 145
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ . ظاهر اللفظ أنك إذا بدأت القراءة لم تستعذ. لكن قد دل الدليل المنفصل على أن معنى: إِذَا قَرَأْتَ أي إذا أردت أن تقرأ. لكن عبر عن الإرادة بالفعل ليبين أن المراد بذلك الإرادة المقترنة بالفعل لا الإرادة السابقة، ولو أراد التعبير بالفعل لكان الإنسان إذا أراد في الصباح أن يقرأ في المساء قلنا له: استعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأنك ستقرأ في آخر الليل، لكن لما عبر بالفعل عن الإرادة دل على أن الإرادة هي الإرادة التي يقترن بها الفعل.
فإذا فهمنا هذه القاعدة، وهي أن التأويل الذي قام الدليل عليه ليس مذموما عرفنا الجواب عن الآية التي ساقها السائل.
فهل الصحابة في صلح الحديبية كانوا يبايعون الله؟ هم في الحقيقة كانوا يبايعون النبي ﷺ ، مباشرة وذلك في قوله سبحانه: ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾ لكن لما كان الرسول مبلغا عن الله سبحانه صارت مبايعة الرسول كمبايعة الله، وصار الذي يبايعه كأنما يبايع الله.
وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ المعلوم أن يد الله حقيقة ليست فوق أيديهم، وأن التي فوق أيديهم عند المبايعة هي يد الرسول ﷺ لكن الرسول كان مبلغا عن الله.
ويجوز أن نقول: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ على سبيل العلو المطلق، فالله سبحانه بذاته فوق كل شيء. والله أعلم.
следующие страницы →