← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

السرايا المحصورة في العراق فقال لقائدها واسمه سارية بن زنيم: الجبل يا سارية فسمعه القائد فاعتصم بالجبل. ٢ - في القدرة والتأثيرات: بأن يحصل للولي من القدرة والتأثيرات ما لا يحصل لغيره كما وقع للعلاء بن الحضرمي حين عبر البحر يمشي على متن الماء. طريقة أهل السنة والجماعة في سيرتهم وعملهم: طريقتهم في ذلك: أولًا: اتباع آثار النبي ﷺ ظاهرًا وباطنًا وآثار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار امتثالًا لقوله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» .. " الحديث. والخلفاء الراشدون هم الذين خلفوا النبي ﷺ في أمته في العلم والإيمان والدعوة إلى الحق وأولى الناس بهذا الوصف الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. ثانيًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة والمعروف ما عرف حسنه شرعًا والمنكر ما عرف قبحه شرعًا فما به أَمَر الشارع فهو معروف وما نهى عنه فهو منكر. وللأمر بالمعروف شروط: (ا) أن يكون المتولي لذلك عالمًا بالمعروف وبالمنكر. (ب) أن لا يخاف ضررًا على نفسه. (ج) أن لا يترتب على ذلك مفسدة أكبر. ثالثًا: النصح لولاة الأمور وإقامة الحج والجهاد والجمع والأعياد معهم أبرارًا كانوا أو فجارًا والتزام السمع والطاعة لهم ما لم يأمروا بمعصية الله. رابعًا: النصح لجميع الأمة وبث المحبة والألفة والتعاون بين المسلمين مطبقين في ذلك قول النبي ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدٌّ بعضه»

стр. 1262

«بعضًا» . وقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» . خامسًا: الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال كالصدق والبر والإحسان إلى الخلق والشكر عند النعم والصبر على البلاء وحسن الجوار والصحبة وغير ذلك من الأخلاق المحمودة شرعًا وعرفًا. سادسًا: النهي عن مساوئ الأخلاق: كالكذب والعقوق والإساءة إلى الخلق والتسخط من القضاء والكفر بالنعمة والإساءة إلى الجيران والأصحاب وغير ذلك من الأخلاق المذمومة شرعًا أو عرفًا. الأمور التي يزن بها أهل السنة والجماعة ما كان عليه الناس من العقائد والأعمال والأخلاق: الأمور التي يزن بها ذلك هي الكتاب والسنة والإجماع. فالكتاب هو القرآن،والسنة قول النبي ﷺ وفعله وإقراره، والإجماع هو اتفاق العلماء المجتهدين من هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم شرعي. والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة. ولم يذكر المؤلف القياس لأن مرده إلى هذه الأصول الثلاثة. الصديقون والشهداء والصالحون والأبدال: الصديقون هم الصادقون باعتقادهم وقولهم وعملهم والمصدقون بالحق. والشهداء هم الذين قتلوا في سبيل الله وقيل: العلماء. والصالحون هم الذين صلحت قلوبهم وجوارحهم بما قاموا به من الأعمال الصالحة.

стр. 1263

والأبدال هم الذين يخلف بعضهم بعضًا في نصر الدين والدفاع عنه كلما ذهب منهم واحد خلفه آخر بدله. وكل هؤلاء الأصناف الأربعة موجودون في أهل السنة والجماعة. الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة وما المراد بقيامها؟: الطائفة المنصورة هم أهل السنة والجماعة الذين قال فيهم النبي ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله" وفي رواية "حتى تقوم الساعة". والمراد بقيام الساعة قرب قيامها بالفعل وإنما أولناه بذلك لأجل أن يصح الجمع بينه وبين حديث " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ". وأهل السنة والجماعة هم خيار الخلق بعد الأنبياء فلا يمكن أن تدركهم الساعة. فنسأل الله أن يجعلنا منهم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تم بحمد الله - تعالى - المجلد الرابع ويليه بمشيئة الله المجلد الخامس

стр. 1264

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد

стр. 1265

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فهذا تعليق مختصر على كتاب (لمعة الاعتقاد) الذي ألفه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي المولود في شعبان سنة ٥٤١ هـ بقرية من أعمال نابلس، المتوفى يوم عيد الفطر سنة ٦٢٠هـ بدمشق رحمه الله تعالى. وهذا الكتاب جمع فيه مؤلفه زبدة العقيدة، ونظرا لأهمية الكتاب موضوعا، ومنهجا، وعدم وجود شرح له فقد عقدت العزم - مستعينا بالله مستلهما منه الصواب في القصد والعمل - على أن أضع عليه كلمات يسيرة تكشف غوامضه، وتبين موارده، وتبرز فوائده. والله أرجو أن لا يكلني إلى نفسي طرفة عين، وأن يمدني بروح من عنده، وتوفيق، وأن يجعل عملي مباركا ونافعا إنه جواد كريم. وقبل الدخول في صميم الكتاب أحب أن أقدم قواعد مهمة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته. القاعدة الأولى: " في الواجب نحو نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته ": الواجب في نصوص الكتاب والسنة إبقاء دلالتها على ظاهرها من

стр. 1266

غير تغيير؛ لأن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين، والنبي ﷺ ، يتكلم باللسان العربي، فوجب إبقاء دلالة كلام الله، وكلام رسوله على ما هي عليه في ذلك اللسان؛ ولأن تغييرها عن ظاهرها قول على الله بلا علم، وهو حرام لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ . مثال ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فإن ظاهر الآية أن لله يدين حقيقيتين، فيجب إثبات ذلك له. فإذا قال قائل: المراد بهما القوة. قلنا له: هذا صرف للكلام عن ظاهره، فلا يجوز القول به؛ لأنه قول على الله بلا علم. القاعدة الثانية: في أسماء الله، وتحت هذه القاعدة فروع: الفرع الأول: أسماء الله كلها حسنى، أي بالغة في الحسن غايته؛ لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ . مثال ذلك: " الرحمن " فهو اسم من أسماء الله تعالى، دال على صفة عظيمة هي الرحمة الواسعة. ومن ثم نعرف أنه ليس من أسماء الله: " الدهر" لأنه لا يتضمن معنى يبلغ غاية الحسن، فأما قوله ﷺ : «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» فمعناه: مالك الدهر المتصرف فيه،

стр. 1267

بدليل قوله في الرواية الثانية عن الله تعالى: «بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» . الفرع الثاني: أسماء الله غير محصورة بعدد معين لقوله، ﷺ ، في الحديث المشهور: «أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» ، وما استأثر الله به في علم الغيب عنده لا يمكن حصره ولا الإحاطة به. والجمع بين هذا، وبين قوله في الحديث الصحيح: «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» : أن معنى هذا الحديث: أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة. وليس المراد حصر أسمائه تعالى بهذا العدد، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة. فلا ينافي أن يكون عندك دراهم أخرى أعددتها لغير الصدقة. الفرع الثالث: أسماء الله لا تثبت بالعقل، وإنما تثبت بالشرع فهي توقيفية، يتوقف إثباتها على ما جاء عن الشرع فلا يزاد فيها ولا ينقص؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على الشرع، ولأن تسميته بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى فوجب سلوك الأدب في ذلك. الفرع الرابع: كل اسم من أسماء الله فإنه يدل على ذات الله، وعلى الصفة التي تضمنها، وعلى الأثر المترتب عليه إن كان متعديا، ولا يتم الإيمان بالاسم إلا بإثبات ذلك كله. مثال ذلك في غير المتعدي: " العظيم " فلا يتم الإيمان به حتى نؤمن بإثباته اسما من أسماء الله دالا على ذاته تعالى، وعلى ما تضمنه من الصفة وهي العظمة.

стр. 1268

ومثال ذلك في المتعدي: " الرحمن " فلا يتم الإيمان به حتى نؤمن بإثباته اسما من أسماء الله دالا على ذاته تعالى، وعلى ما تضمنه من الصفة وهي الرحمة وعلى ما ترتب عليه من أثر وهو أنه يرحم من يشاء. القاعدة الثالثة: " في صفات الله " وتحتها فروع أيضا: الفرع الأول: صفات الله كلها عليا، صفات كمال ومدح، ليس فيها نقص بوجه من الوجوه كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والحكمة، والرحمة، والعلو، وغير ذلك لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ . ولأن الرب كامل فوجب كمال صفاته. وإذا كانت الصفة نقصا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حقه كالموت والجهل، والعجز، والصمم، والعمى، ونحو ذلك لأنه سبحانه عاقب الواصفين له بالنقص، ونزه نفسه عما يصفونه به من النقائص، ولأن الرب لا يمكن أن يكون ناقصا لمنافاة النقص للربوبية. وإذا كانت الصفة كمالا من وجه، ونقصا من وجه لم تكن ثابتة لله، ولا ممتنعة عليه على سبيل الإطلاق بل لا بد من التفصيل فتثبت لله في الحال التي تكون كمالا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصا كالمكر، والكيد، والخداع ونحوها فهذه الصفات تكون كمالا إذا كانت في مقابلة مثلها؛ لأنها تدل على أن فاعلها ليس بعاجز عن مقابلة عدوه بمثل فعله، وتكون نقصا في غير هذه الحال فتثبت لله في الحال الأولى دون الثانية قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾

стр. 1269

﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ . ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ . إلى غير ذلك. فإذا قيل: هل يوصف الله بالمكر مثلا؟ فلا تقل: نعم، ولا تقل: لا، ولكن قل: هو ماكر بمن يستحق ذلك والله أعلم. الفرع الثاني: صفات الله تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية: فالثبوتية: ما أثبتها الله لنفسه كالحياة، والعلم، والقدرة، ويجب إثباتها لله على الوجه اللائق به؛ لأن الله أثبتها لنفسه وهو أعلم بصفاته. والسلبية: هي التي نفاها الله عن نفسه كالظلم، فيجب نفيها عن الله لأن الله نفاها عن نفسه لكن يجب اعتقاد ثبوت ضدها لله على الوجه الأكمل؛ لأن النفي لا يكون كمالا حتى يتضمن ثبوتا. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ، فيجب نفي الظلم عن الله مع اعتقاد ثبوت العدل لله على الوجه الأكمل. الفرع الثالث: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية. فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفا بها كالسمع والبصر. والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها كالاستواء على العرش، والمجيء. وربما تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام فإنه باعتبار أصل

стр. 1270

الصفة صفة ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال متكلما وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام متعلق بمشيئته يتكلم بما شاء متى شاء. الفرع الرابع: كل صفة من صفات الله فإنه يتوجه عليها ثلاثة أسئلة: السؤال الأول: هل هي حقيقية؟ ولماذا؟ السؤال الثاني: هل يجوز تكييفها؟ ولماذا؟ السؤال الثالث: هل تماثل صفات المخلوقين؟ ولماذا؟ فجواب السؤال الأول: نعم حقيقية؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة فلا يعدل عنها إلا بدليل صحيح يمنع منها. وجواب الثاني: لا يجوز تكييفها لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ، ولأن العقل لا يمكنه إدراك كيفية صفات الله. وجواب الثالث: لا تماثل صفات المخلوقين لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، ولأن الله مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه فلا يمكن أن يماثل المخلوق لأنه ناقص. والفرق بين التمثيل والتكييف أن التمثيل ذكر كيفية الصفة مقيدة بمماثل، والتكييف ذكر كيفية الصفة غير مقيدة بمماثل. مثال التمثيل: أن يقول القائل: يد الله كيد الإنسان. ومثال التكييف: أن يتخيل ليد الله كيفية معينة لا مثيل لها في أيدي المخلوقين فلا يجوز هذا التخيل.

стр. 1271

القاعدة الرابعة: " فيما نرد به على المعطلة ". المعطلة هم الذين ينكرون شيئا من أسماء الله، أو صفاته، ويحرفون النصوص عن ظاهرها، ويقال لهم: " المؤولة " والقاعدة العامة فيما نرد به عليهم أن نقول: إن قولهم خلاف ظاهر النصوص، وخلاف طريقة السلف، وليس عليه دليل صحيح، وربما يكون في بعض الصفات وجه رابع أو أكثر.

стр. 1272

" لمعة الاعتقاد " " اللمعة " تطلق في اللغة على معان منها: البلغة من العيش وهذا المعنى أنسب معنى لموضوع هذا الكتاب، فمعنى لمعة الاعتقاد هنا: البلغة من الاعتقاد الصحيح المطابق لمذهب السلف رضوان الله عليهم. والاعتقاد: الحكم الذهني الجازم فإن طابق الواقع فصحيح وإلا ففاسد. " ما تضمنته خطبة الكتاب " تضمنت خطبة المؤلف في هذا الكتاب ما يأتي: ١ - البداءة بالبسملة، اقتداء بكتاب الله العظيم، واتباعا لسنة رسول الله، ﷺ . ومعنى "بسم الله الرحمن الرحيم": أي أفعل الشيء مستعينا ومتبركا بكل اسم من أسماء الله تعالى الموصوف بالرحمة الواسعة. ومعنى (الله) المألوه أي: المعبود حبا وتعظيما تألها وشوقا، و (الرحمن) ذو الرحمة الواسعة، و (الرحيم) الموصل رحمته من شاء من خلقه فالفرق بين الرحمن والرحيم أن الأول باعتبار كون الرحمة وصفا له، والثاني باعتبارها فعلا له يوصلها من شاء من خلقه. ٢ - الثناء على الله بالحمد، والحمد: ذكر أوصاف المحمود الكاملة وأفعاله الحميدة مع المحبة له والتعظيم. ٣ - أن الله محمود بكل لسان ومعبود بكل مكان أي مستحق وجائز أن يحمد بكل لغة ويعبد بكل بقعة. ٤ - سعة علم الله بكونه لا يخلو من علمه مكان وكمال قدرته وإحاطته حيث لا يلهيه أمر عن أمر.

стр. 1273

٥ - عظمته وكبرياؤه وترفعه عن كل شبيه وند ومماثل لكمال صفاته من جميع الوجوه. ٦ - تنزهه وتقدسه عن كل زوجة وولد وذلك لكمال غناه. ٧ - تمام إرادته وسلطانه بنفوذ قضائه في جميع العباد فلا يمنعه قوة ملك ولا كثرة عدد ومال. ٨ - عظمة الله فوق ما يتصور بحيث لا تستطيع العقول له تمثيلا ولا تتوهم القلوب له صورة؛ لأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ٩ - اختصاص الله بالأسماء الحسنى والصفات العلا. ١٠ - استواء الله على عرشه وهو علوه واستقراره عليه على الوجه اللائق به. ١١ - عموم ملكه للسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى. ١٢ - سعة علمه، وقوة قهره، وحكمه وأن الخلق لا يحيطون به علما لقصور إدراكهم عما يستحقه الرب العظيم من صفات الكمال والعظمة. " تقسيم نصوص الصفات وطريقة الناس فيها " تنقسم نصوص الكتاب والسنة الواردة في الصفات إلى قسمين واضح جلي، ومشكل خفي. فالواضح: ما اتضح لفظه ومعناه، فيجب الإيمان به لفظا، وإثبات معناه حقا بلا رد ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل؛ لأن الشرع ورد به فوجب الإيمان به، وتلقيه بالقبول والتسليم. وأما المشكل: فهو ما لم يتضح معناه لإجمال في دلالته، أو قصر في فهم قارئه فيجب إثبات لفظه لورود الشرع به، والتوقف في معناه وترك التعرض له لأنه مشكل لا يمكن الحكم عليه، فنرد علمه إلى الله ورسوله. وقد انقسمت طرق الناس في هذا المشكل إلى طريقين:

стр. 1274

الطريقة الأول: طريقة الراسخين في العلم الذين آمنوا بالمحكم والمتشابه وقالوا: كل من عند ربنا وتركوا التعرض لما لا يمكنهم الوصول إلى معرفته والإحاطة به، تعظيما لله ورسوله وتأدبا مع النصوص الشرعية، وهم الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ . الطريقة الثانية: طريقة الزائغين الذين اتبعوا المتشابه طلبا للفتنة وصدًّا للناس عن دينهم وعن طريقة السلف الصالح، فحاولوا تأويل هذا المتشابه إلى ما يريدون لا إلى ما يريده الله ورسوله، وضربوا نصوص الكتاب والسنة بعضها ببعض، وحاولوا الطعن في دلالتها بالمعارضة والنقص ليشككوا المسلمين في دلالتها ويعموهم عن هدايتها، وهؤلاء هم الذين ذمهم الله بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ . " تحرير القول في النصوص من حيث الوضوح والإشكال " إن الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي، يختلف فيه الناس بحسب العلم والفهم، فقد يكون مشكلا عند شخص ما هو واضح عند شخص آخر، والواجب عند الإشكال اتباع ما سبق من ترك التعرض له والتخبط في معناه، أما من حيث واقع النصوص الشرعية فليس فيها بحمد الله ما هو مشكل لا يعرف أحد من الناس معناه فيما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم؛ لأن الله وصف القرآن بأنه نور مبين، وبيان للناس، وفرقان، وأنه أنزله تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة، وهذا يقتضي أن لا

стр. 1275

يكون في النصوص ما هو مشكل بحسب الواقع بحيث لا يمكن أحدا من الأمة معرفة معناه. " معنى الرد، والتأويل، والتشبيه، والتمثيل، وحكم كل منها " الرد: التكذيب والإنكار، مثل أن يقول قائل: ليس لله يد لا حقيقة ولا مجازا. وهو كفر لأنه تكذيب لله ورسوله. والتأويل: التفسير والمراد به هنا تفسير نصوص الصفات بغير ما أراد الله بها ورسوله وبخلاف ما فسرها به الصحابة والتابعون لهم بإحسان. وحكم التأويل على ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون صادرا عن اجتهاد وحسن نية بحيث إذا تبين له الحق رجع عن تأويله، فهذا معفو عنه لأن هذا منتهى وسعه وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . الثاني: أن يكون صادرا عن هوى وتعصب، وله وجه في اللغة العربية فهو فسق وليس بكفر إلا أن يتضمن نقصا أو عيبا في حق الله فيكون كفرا. القسم الثالث: أن يكون صادرا عن هوى وتعصب وليس له وجه في اللغة العربية، فهذا كفر لأن حقيقته التكذيب حيث لا وجه له. والتشبيه: إثبات مشابه لله فيما يختص به من حقوق أو صفات، وهو كفر؛ لأنه من الشرك بالله، ويتضمن النقص في حق الله حيث شبهه بالمخلوق الناقص. والتمثيل: إثبات مماثل لله فيما يختص به من حقوق أو صفات، وهو كفر لأنه من الشرك بالله وتكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .

стр. 1276

ويتضمن النقص في حق الله حيث مثله بالمخلوق الناقص. والفرق بين التمثيل والتشبيه: أن التمثيل يقتضي المساواة من كل وجه بخلاف التشبيه. " ما تضمنه كلام الإمام أحمد في أحاديث النزول وشبهها " تضمن كلام الإمام أحمد - رحمه لله - الذي نقله عنه المؤلف ما يأتي: ١ - وجوب الإيمان والتصديق بما جاء عن رسول الله، ﷺ ، من أحاديث الصفات من غير زيادة ولا نقص ولا حد ولا غاية. ٢ - أنه لا كيف ولا معنى أي لا نكيف هذه الصفات لأن تكييفها ممتنع لما سبق، وليس مراده أنه لا كيفية لصفاته لأن صفاته ثابتة حقا وكل شيء ثابت فلا بد له من كيفية لكن كيفية صفات الله غير معلومة لنا. وقوله: ولا معنى أي: لا نثبت لها معنى يخالف ظاهرها كما فعله أهل التأويل وليس مراده نفي المعنى الصحيح الموافق لظاهرها الذي فسرها به السلف فإن هذا ثابت، ويدل على هذا قوله: " ولا نرد شيئا منها ونصفه بما وصف به نفسه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت ولا نعلم كيفية كنه ذلك " فإن نفيه لرد شيء منها، ونفيه لعلم كيفيتها دليل على إثبات المعنى المراد منها. ٣ - وجوب الإيمان بالقرآن كله محكمه وهو ما اتضح معناه، ومتشابهه وهو ما أشكل معناه، فنرد المتشابه إلى المحكم ليتضح معناه فإن لم يتضح وجب الإيمان به لفظا، وتفويض معناه إلى الله تعالى. " ما تضمنه كلام الإمام الشافعي " تضمن كلام الإمام الشافعي ما يأتي: ١ - الإيمان بما جاء عن الله تعالى في كتابه المبين على ما أراده الله من غير زيادة، ولا نقص، ولا تحريف.

стр. 1277

٢ - الإيمان بما جاء عن رسول الله، ﷺ ، في سنة رسول الله، ﷺ ، على ما أراده رسول الله، ﷺ ، من غير زيادة ولا نقص ولا تحريف. وفي هذا الكلام رد على أهل التأويل، وأهل التمثيل؛ لأن كل واحد منهم لم يؤمن بما جاء عن الله ورسوله على مراد الله ورسوله فإن أهل التأويل نقصوا، وأهل التمثيل زادوا. " طريق السلف الذي درجوا عليه في الصفات " الذي درج عليه السلف في الصفات هو الإقرار والإثبات لما ورد من صفات الله تعالى في كتاب الله وسنة رسوله، ﷺ ، من غير تعرض لتأويله بما لا يتفق مع مراد الله ورسوله. والاقتداء بهم في ذلك واجب لقوله، ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح وصححه الألباني وجماعة. " السنة والبدعة وحكم كل منهما " السنة لغة: " الطريقة ". واصطلاحا: " ما كان عليه النبي، ﷺ ، وأصحابه من عقيدة أو عمل ". واتباع السنة واجب لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ . وقوله، ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» . والبدعة لغة: " الشيء المستحدث ".

стр. 1278

واصطلاحا: " ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي، ﷺ ، وأصحابه من عقيدة أو عمل ". وهي حرام لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ . وقوله، ﷺ : «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» . الآثار الواردة في الترغيب في السنة والتحذير من البدعة: ١ - من أقوال الصحابة: قال ابن مسعود ﵁ الصحابي الجليل المتوفى سنة ٣٢هـ عن بضع وستين سنة: (اتبعوا) أي التزموا آثار النبي، ﷺ ، من غير زيادة ولا نقص (ولا تبتدعوا) ولا تحدثوا بدعة في الدين (فقد كفيتم) أي كفاكم السابقون مهمة الدين حيث أكمل الله تعالى الدين لنبيه، ﷺ ، وأنزل قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ . فلا يحتاج الدين إلى تكميل. ٢ - من أقوال التابعين: قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المولود سنة ٦٣هـ المتوفى سنة ١٠١هـ قولا يتضمن ما يأتي: وجوب الوقوف حيث وقف القوم - يعني بهم النبي، ﷺ ، وأصحابه - فيما كانوا عليه من الدين عقيدة وعملا، لأنهم وقفوا عن علم وبصيرة ولو كان فيما حدث بعدهم خير لكانوا به أحرى. ب - أن ما أحدث بعدهم فليس فيه إلا مخالفة هديهم، والزهد في سنتهم وإلا فقد وصفوا من الدين ما يشفي وتكلموا فيه بما يكفي. جـ - أن من الناس من قصر في اتباعهم فكان جافيا،

стр. 1279

ومن الناس من تجاوزهم فكان غاليا، والصراط المستقيم ما بين الغلو والتقصير. ٣ - من أقوال تابعي التابعين: قال الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو المتوفى سنة ١٥٧هـ: (عليك بآثار من سلف) الزم طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان لأنها مبنية على الكتاب والسنة (وإن رفضك الناس) أبعدوك واجتنبوك (وإياك وآراء الرجال) احذر آراء الرجال وهي ما قيل بمجرد الرأي من غير استناد إلى كتاب الله وسنة رسوله، ﷺ ، (وإن زخرفوه) جملوا اللفظ وحسنوه فإن الباطل لا يعود حقا بزخرفته وتحسينه. " مناظرة جرت عند خليفة بين الأدرمي وصاحب بدعة " لم أطلع على ترجمة للأدرمي ومن معه ولا أعلم نوع البدعة المذكورة والمهم أن نعرف مراحل هذه المناظرة لنكتسب منها طريقا لكيفية المناظرة بين الخصوم وقد بنى الأدرمي ﵀ مناظرته هذه على مراحل ليعبر من كل مرحلة إلى التي تليها حتى يفحم خصمه. المرحلة الأولى: " العلم " فقد سأله الأدرمي هل علم هذه البدعة النبي، ﷺ ، وخلفاؤه؟ قال البدعي: لم يعلموها. وهذا النفي يتضمن انتقاص النبي، ﷺ ، وخلفائه حيث كانوا جاهلين بما هو من أهم أمور الدين، ومع ذلك فهو حجة على البدعي إذا كانوا لا يعلمونه ولذلك انتقل به الأدرمي إلى: المرحلة الثانية: إذا كانوا لا يعلمونها فكيف تعلمها أنت؟ هل يمكن أن يحجب الله عن رسوله، ﷺ ، وخلفائه الراشدين علم شيء من الشريعة ويفتحه لك؟ فتراجع البدعي وقال: أقول: قد علموها فانتقل به إلى: المرحلة الثالثة: إذا كانوا قد علموها فهل وسعهم أي أمكنهم أن لا يتكلموا

стр. 1280

بذلك ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ فأجاب البدعي: بأنهم وسعهم السكوت وعدم الكلام. فقال له الأدرمي: فشيء وسع رسول الله، ﷺ ، وخلفاءه لا يسعك أنت، فانقطع الرجل وامتنع عن الجواب لأن الباب انسد أمامه. فصوب الخليفة رأي الأدرمي، ودعا بالضيق على من لم يسعه ما وسع النبي، ﷺ ، وخلفاءه. وهكذا كل صاحب باطل من بدعة أو غيرها فلا بد أن يكون مآله الانقطاع عن الجواب. " الصفات التي ذكرها المؤلف من صفات الله تعالى " ذكر المؤلف ﵀ من صفات الله الصفات الآتية وسنتكلم عليها حسب ترتيب المؤلف. الصفة الأولى: " الوجه ". الوجه ثابت لله تعالى بدلالة الكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ . وقال النبي، ﷺ ، لسعد بن أبي وقاص: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها» . متفق عليه. وأجمع السلف على إثبات الوجه لله تعالى، فيجب إثباته له بدون تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو وجه حقيقي يليق بالله. وقد فسره أهل التعطيل بالثواب. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة. الصفة الثانية: "اليدان". اليدان من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.

стр. 1281

قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ . وقال النبي، ﷺ : «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار» . إلى قوله: «بيده الأخرى القبض يرفع ويخفض» . رواه مسلم والبخاري معناه. وأجمع السلف على إثبات اليدين لله، فيجب إثباتهما له بدون تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهما يدان حقيقيتان لله تعالى تليقان به. وقد فسرهما أهل التعطيل بالنعمة أو القدرة ونحوها. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة، وبوجه رابع أن في السياق ما يمنع تفسيرهما بذلك قطعا كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ . وقوله، ﷺ : «وبيده الأخرى القبض» . الأوجه التي وردت عليها صفة اليدين وكيف نوفق بينها: الأول: الإفراد كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ . الثاني: التثنية كقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ . الثالث: الجمع كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ . والتوفيق بين هذه الوجوه أن نقول: الوجه الأول مفرد مضاف فيشمل كل ما ثبت لله من يد ولا ينافي الثنتين، وأما الجمع فهو للتعظيم لا لحقيقة العدد الذي هو ثلاثة فأكثر وحينئذ لا ينافي التثنية، على أنه قد قيل:

стр. 1282

إن أقل الجمع اثنان فإذا حمل الجمع على أقله فلا معارضة بينه وبين التثنية أصلا. الصفة الثالثة: " النفس ". النفس ثابتة لله تعالى بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ . وقال عن عيسى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ . وقال النبي، ﷺ : «سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته» . رواه مسلم. وأجمع السلف على ثبوتها على الوجه اللائق به، فيجب إثباتها لله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. الصفة الرابعة: " المجيء ". مجيء الله للفصل بين عباده يوم القيامة ثابت بالكتاب، والسنة وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ . و ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ . وقال النبي، ﷺ : «حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين» . متفق عليه، في حديث طويل. وأجمع السلف على ثبوت المجيء لله تعالى، فيجب إثباته له من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو مجيء حقيقي يليق بالله تعالى.

стр. 1283

وقد فسره أهل التعطيل بمجيء أمره. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة. الصفة الخامسة " الرضا ". الرضا من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ . وقال النبي، ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» . رواه مسلم. وأجمع السلف على إثبات الرضا لله تعالى فيجب إثباته له من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وهو رضا حقيقي يليق بالله تعالى. وقد فسره أهل التعطيل بالثواب. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة. الصفة السادسة: " المحبة ". المحبة من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ . وقال النبي، ﷺ ، يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» . متفق عليه. وأجمع السلف على ثبوت المحبة لله يحب، ويحب، فيجب إثبات ذلك حقيقة من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.

стр. 1284

وهي محبة حقيقية تليق بالله تعالى. وقد فسرها أهل التعطيل بالثواب والرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة. الصفة السابعة: " الغضب ". الغضب من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى فيمن قتل مؤمنا متعمدا: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ . وقال النبي، ﷺ : «إن الله كتب كتابا عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي» . متفق عليه. وأجمع السلف على ثبوت الغضب لله، فيجب إثباته من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وهو غضب حقيقي يليق بالله. وفسره أهل التعطيل بالانتقام، ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع: أن الله تعالى غاير بين الغضب والانتقام فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ .أي أغضبونا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ . فجعل الانتقام نتيجة للغضب فدل على أنه غيره. الصفة الثامنة: " السخط ". السخط من صفات الله الثابتة بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ . وكان من دعاء النبي، ﷺ : «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك» . الحديث رواه مسلم.

стр. 1285

وأجمع السلف على ثبوت السخط لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وهو سخط حقيقي يليق بالله. وفسره أهل التعطيل بالانتقام. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة. الصفة التاسعة: " الكراهة ". الكراهة من الله لمن يستحقها ثابتة بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ . وقال النبي، ﷺ : «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» . رواه البخاري. وأجمع السلف على ثبوت ذلك لله فيجب إثباته من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وهي كراهة حقيقية من الله تليق به. وفسر أهل التعطيل الكراهة بالإبعاد. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة. الصفة العاشرة: " النزول ". نزول الله إلى السماء الدنيا من صفاته الثابتة له بالسنة، وإجماع السلف. قال النبي، ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له.» .". الحديث متفق عليه. وأجمع السلف على ثبوت النزول لله فيجب إثباته له من غير تحريف

стр. 1286

ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وهو نزول حقيقي يليق بالله. وفسره أهل التعطيل بنزول أمره، أو رحمته، أو ملك من ملائكته ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة وبوجه رابع: أن الأمر ونحوه لا يمكن أن يقول: من يدعوني فأستجيب له. . إلخ. الصفة الحادية عشرة: " العجب ". العجب من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ . على قراءة ضم التاء. وقال النبي، ﷺ : «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة» . رواه أحمد وهو في المسند ص ١٥١ج٤ عن عقبة بن عامر مرفوعا وفيه ابن لهيعة. وأجمع السلف على ثبوت العجب لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وهو عجب حقيقي يليق بالله. وفسره أهل التعطيل بالمجازاة ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة. والعجب نوعان: أحدهما: أن يكون صادرا عن خفاء الأسباب على المتعجب فيندهش له ويستعظمه ويتعجب منه، وهذا النوع مستحيل على الله؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء.

стр. 1287

الثاني: أن يكون سببه خروج الشيء عن نظائره، أو عما ينبغي أن يكون عليه مع علم المتعجب، وهذا هو الثابت لله تعالى. الصفة الثانية عشرة: " الضحك ". الضحك من صفات الله الثابتة له بالسنة، وإجماع السلف. قال النبي، ﷺ : «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة» . وتمام الحديث: «يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد» . متفق عليه. وأجمع السلف على إثبات الضحك لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وهو ضحك حقيقي يليق بالله تعالى. وفسره أهل التعطيل بالثواب. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة. الصفة الثالثة عشرة: " الاستواء على العرش ": استواء الله على العرش من صفاته الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . وذكر استواءه على عرشه في سبعة مواضع من القرآن. وقال النبي، ﷺ : «إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي» . رواه البخاري. وقال النبي، ﷺ ، فيما رواه أبو داود في سننه: «إن بعد ما بين سماء إلى سماء إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة إلى أن قال في العرش:»

стр. 1288

«بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله تعالى فوق ذلك» . وأخرجه أيضا الترمذي، وابن ماجه، وفيه علة أجاب عنها ابن القيم ﵀ في تهذيب سنن أبي داود ص٩٢-٩٣ج٧. وأجمع السلف على إثبات استواء الله على عرشه فيجب إثباته من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وهو استواء حقيقي معناه: العلو والاستقرار على وجه يليق بالله تعالى. وقد فسره أهل التعطيل بالاستيلاء. ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة ونزيد وجها رابعا: أنه لا يعرف في اللغة العربية بهذا المعنى. ووجها خامسا: أنه يلزم عليه لوازم باطلة مثل أن العرش لم يكن ملكا لله ثم استولى عليه بعد. والعرش لغة: السرير الخاص بالملك. وفي الشرع: العرش العظيم الذي استوى عليه الرحمن ﷻ ، وهو أعلى المخلوقات وأكبرها، وصفه الله بأنه عظيم، وبأنه كريم، وبأنه مجيد. والكرسي غير العرش؛ لأن العرش هو ما استوى عليه الله تعالى، والكرسي موضع قدميه لقول ابن عباس ﵄: " الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره ". رواه الحاكم في مستدركه. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. الصفة الرابعة عشرة: " العلو ". العلو من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .

стр. 1289

«وكان النبي، ﷺ ، يقول في صلاته في السجود: " سبحان ربي الأعلى» . رواه مسلم من حديث حذيفة. وأجمع السلف على إثبات العلو لله، فيجب إثباته له من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو علو حقيقي يليق بالله. وينقسم إلى قسمين: علو صفة بمعنى أن صفاته تعالى عليا ليس فيها نقص بوجه من الوجوه ودليله ما سبق. وعلو ذات بمعنى أن ذاته تعالى فوق جميع مخلوقاته ودليله مع ما سبق: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ . وقول النبي، ﷺ : «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك. .. .» الحديث رواه أبو داود وفيه زيادة ابن محمد قال البخاري: منكر الحديث. «وقوله، ﷺ ، للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: " أعتقها فإنها مؤمنة» . رواه مسلم في قصة معاوية بن الحكم. وقوله، ﷺ ، لحصين بن عبيد الخزاعي والد عمران بن حصين: «اترك الستة، واعبد الذي في السماء» هذا هو اللفظ الذي ذكره المؤلف، وذكره في الإصابة من رواية ابن خزيمة في قصة إسلامه بلفظ غير هذا وفيه إقرار النبي، ﷺ ، لحصين حين قال: " ستة في الأرض وواحدا في السماء ". وأجمع السلف على ثبوت علو الذات لله وكونه في السماء فيجب إثباته له من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وقد أنكر أهل التعطيل كون الله بذاته في السماء وفسروا معناها أن في السماء ملكه، وسلطانه، ونحوه ونرد عليهم بما سبق في القاعدة الرابعة

стр. 1290

وبوجه رابع: أن ملك الله وسلطانه في السماء وفي الأرض أيضا. وبوجه خامس: وهو دلالة العقل عليه لأنه صفة كمال. وبوجه سادس: وهو دلالة الفطرة عليه لأن الخلق مفطورون على أن الله في السماء. معنى كون الله في السماء المعنى الصحيح لكون الله في السماء أن الله تعالى على السماء، ففي بمعنى على وليست للظرفية لأن السماء لا تحيط بالله، أو أنه في العلو، فالسماء بمعنى العلو وليس المراد بها السماء المبنية. تنبيه: ذكر المؤلف ﵀ أنه نقل عن بعض الكتب المتقدمة أن من علامات النبي، ﷺ ، وأصحابه أنهم يسجدون بالأرض ويزعمون أن إلههم في السماء، وهذا النقل غير صحيح لأنه لا سند له، ولأن الإيمان بعلو الله والسجود له لا يختصان بهذه الأمة وما لا يختص لا يصح أن يكون علامة، ولأن التعبير بالزعم في هذا الأمر ليس بمدح لأن أكثر ما يأتي الزعم فيما يشك فيه. جواب الإمام مالك بن أنس بن مالك وليس أبوه أنس بن مالك الصحابي بل غيره وكان جد مالك من كبار التابعين وأبو جده من الصحابة. ولد مالك سنة ٩٣هـ بالمدينة ومات فيها سنة ١٧٩هـ وهو في عصر تابعي التابعين. سئل مالك فقيل: يا أبا عبد الرحمن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . كيف استوى؟ فقال ﵀: (الاستواء غير مجهول) أي معلوم المعنى وهو العلو والاستقرار (والكيف غير معقول) أي كيفية الاستواء غير مدركة بالعقل لأن الله تعالى أعظم وأجل من أن تدرك العقول كيفية صفاته (والإيمان به) أي الاستواء (واجب) لوروده في الكتاب والسنة (والسؤال عنه) أي عن الكيف (بدعة) لأن السؤال عنه لم يكن في عهد النبي، ﷺ ،

стр. 1291

وأصحابه. ثم أمر بالسائل فأخرج من المسجد خوفا من أن يفتن الناس في عقيدتهم وتعزيرا له بمنعه من مجالس العلم. الصفة الخامسة عشرة: "الكلام". الكلام صفة من صفات الله الثابتة له بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ . ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ . وقال النبي، ﷺ : «إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي» . أخرجه ابن خزيمة وابن جرير وابن أبي حاتم. وأجمع السلف على ثبوت الكلام لله فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. وهو كلام حقيقي يليق بالله، يتعلق بمشيئته بحروف وأصوات مسموعة. والدليل على أنه بمشيئته قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ . فالتكليم حصل بعد مجيء موسى فدل على أنه متعلق بمشيئته تعالى. والدليل على أنه حروف قوله تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ . فإن هذه الكلمات حروف وهي كلام الله. والدليل على أنه بصوت قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾

стр. 1292

والنداء والمناجاة لا تكون بصوت. وروي عن عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ ، أنه قال: «يحشر الله الخلائق فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان» . علقه البخاري بصيغة التمريض، قال في الفتح: وأخرجه المصنف في الأدب المفرد وأحمد، وأبو يعلى في مسنديهما وذكر له طريقين آخرين. وكلام الله تعالى قديم النوع، حادث الآحاد، ومعنى قديم النوع أن الله لم يزل، ولا يزال متكلما ليس الكلام حادثا منه بعد أن لم يكن. ومعنى حادث الآحاد: أن آحاد كلامه أي الكلام المعين المخصوص حادث لأنه متعلق بمشيئته متى شاء تكلم بما شاء كيف شاء. المخالفون لأهل السنة في كلام الله تعالى: خالف أهل السنة في كلام الله طوائف نذكر منهم طائفتين: الطائفة الأولى: الجهمية، قالوا: ليس الكلام من صفات الله وإنما هو خلق من مخلوقات الله يخلقه الله في الهواء، أو في المحل الذي يسمع منه وإضافته إلى الله إضافة خلق، أو تشريف مثل ناقة الله، وبيت الله. ونرد عليهم بما يلي: أنه خلاف إجماع السلف. ٢ - أنه خلاف المعقول؛ لأن الكلام صفة للمتكلم وليس شيئا قائما بنفسه منفصلا عن المتكلم. ٣ - أن موسى سمع الله يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ . ومحال أن يقول ذلك أحد إلا الله .

стр. 1293

الطائفة الثانية: الأشعرية، قالوا: كلام الله معنى قائم بنفسه لا يتعلق بمشيئته، وهذه الحروف والأصوات المسموعة مخلوقة للتعبير عن المعنى القائم بنفس الله. ونرد عليهم بما يلي: ١ - أنه خلاف إجماع السلف. ٢ - أنه خلاف الأدلة لأنها تدل على أن كلام الله يسمع، ولا يسمع إلا الصوت ولا يسمع المعنى القائم بالنفس. ٣ - أنه خلاف المعهود لأن الكلام المعهود هو ما ينطق به المتكلم لا ما يضمره في نفسه. تعليق على كلام المؤلف في فصل الكلام: قوله: (متكلم بكلام قديم) يعني قديم النوع حادث الآحاد لا يصلح إلا هذا المعنى على مذهب أهل السنة والجماعة، وإن كان ظاهر كلامه أنه قديم النوع والآحاد. قوله: (سمعه موسى من غير واسطة) لقوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ . قوله: (وسمعه جبريل) لقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ . قوله: (ومن إذن له من ملائكته ورسله) أما الملائكة فلقوله، ﷺ : «ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ فيخبرونهم» .الحديث رواه

стр. 1294

مسلم. وأما الرسل فقد ثبت أن الله كلم محمدا، ﷺ ليلة المعراج. قوله: (وإنه سبحانه يكلم المؤمنين ويكلمونه) لحديث أبي سعيد الخدري أن النبي، ﷺ ، قال: «يقول الله لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك» . الحديث متفق عليه. قوله: (ويأذن لهم فيزورونه) لحديث أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، قال: «إن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم» . . ." الحديث رواه ابن ماجه والترمذي وقال: غريب وضعفه الألباني. وقوله: (وقال ابن مسعود: «إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء» وروي ذلك عن النبي، ﷺ أثر ابن مسعود لم أجده بهذا الفظ وذكر ابن خزيمة طرقه في كتاب التوحيد بألفاظ منها: «سمع أهل السماوات للسماوات صلصلة» ، وأما المروي عن النبي، ﷺ ، فهو من حديث النواس بن سمعان مرفوعا «إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي فإذا تكلم أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة من خوف الله، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا. . .» الحديث. رواه ابن خزيمة وابن أبي حاتم. (١) " القول في القرآن ": القرآن الكريم من كلام الله تعالى، منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، فهو كلام الله حروفه ومعانيه. دليل أنه من كلام الله قوله

стр. 1295

تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ . يعني القرآن. ودليل أنه منزل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ . ودليل أنه غير مخلوق قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ . فجعل الأمر غير الخلق والقرآن من الأمر لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ ، ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ . ولأن كلام الله صفة من صفاته وصفاته غير مخلوقة. ودليل أنه منه بدأ، أن الله أضافه إليه، ولا يضاف الكلام إلا إلى من قاله مبتدئا. ودليل أنه إليه يعود أنه ورد في بعض الآثار أنه يرفع من المصاحف والصدور في آخر الزمان. القرآن حروف وكلمات: القرآن حروف وكلمات، وقد ذكر المؤلف ﵀ لذلك أدلة ثمانية: ١ - أن الكفار قالوا: إنه شعر، ولا يمكن أن يوصف بذلك إلا ما هو حروف وكلمات. ٢ - أن الله تحدى المكذبين به أن يأتوا بمثله، ولو لم يكن حروفا

стр. 1296

وكلمات لكان التحدي غير مقبول، إذ لا يمكن التحدي إلا بشيء معلوم يدرى ما هو. ٣ - أن الله أخبر بأن القرآن يتلى عليهم ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ . ولا يتلى إلا ما هو حروف وكلمات. ٤ - أن الله أخبر بأنه محفوظ في صدور أهل العلم ومكتوب في اللوح المحفوظ ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ . ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . ولا يحفظ ويكتب إلا ما هو حروف وكلمات. ٥ - قول النبي، ﷺ : «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة» . صححه المؤلف ولم يعزه ولم أجد من خرجه. ٦ - قول أبي بكر وعمر: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. ٧ - قول علي ﵁: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله. ٨ - إجماع المسلمين - كما نقله المؤلف - على أن من جحد منه سورة أو آية، أو كلمة، أو حرفا متفقا عليه فهو كافر. وعدد سور القرآن ١١٤منها ٢٩ افتتحت بالحروف المقطعة. أوصاف القرآن: وصف الله القرآن الكريم بأوصاف عظيمة كثيرة ذكر المؤلف منها ما يلي:

стр. 1297

١ - أنه كتاب الله المبين، أي: المفصح عما تضمنه من أحكام وأخبار. ٢ - أنه حبل الله المتين، أي: العهد القوي الذي جعله الله سببا للوصول إليه والفوز بكرامته. ٣ - أنه سور محكمات أي: مفصل السور، كل سورة منفردة عن الأخرى، والمحكمات المتقنات المحفوظات من الخلل والتناقض. ٤ - أنه آيات بينات، أي علامات ظاهرات على توحيد الله، وكمال صفاته، وحسن تشريعاته. ٥ - أن فيه محكما ومتشابها، فالمحكم: ما كان معناه واضحا، والمتشابه: ما كان معناه خفيا ولا يعارض هذا ما سبق برقم "٣" لأن الإحكام هناك بمعنى الإتقان والحفظ من الخلل والتناقض، وهنا بمعنى وضوح المعنى، وإذا رددنا المتشابه هنا إلى المحكم صار الجميع محكما. ٦ - أنه حق لا يمكن أن يأتيه الباطل من أي جهة ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . ٧ - أنه بريء مما وصفه به المكذبون من قولهم: إنه شعر: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ . وقول بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ . فقال الله متوعدا هذا القائل: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ . ٨ - أنه معجزة لا يمكن لأحد أن يأتي بمثله وإن عاونه غيره

стр. 1298

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . "رؤية الله في الآخرة " رؤية الله في الدنيا مستحيلة لقوله تعالى لموسى وقد طلب رؤية الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ . ورؤية الله في الآخرة ثابتة بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف. قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . فلما حجب الفجار عن رؤيته دل على أن الأبرار يرونه وإلا لم يكن بينهما فرق. وقال النبي، ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته» . متفق عليه، وهذا التشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ولا شبيه له ولا نظير. وأجمع السلف على رؤية المؤمنين لله تعالى دون الكفار بدليل الآية الثانية. يرون الله تعالى في عرصات القيامة وبعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى. وهي رؤية حقيقية تليق بالله. وفسرها أهل التعطيل بأن المراد بها رؤية ثواب الله، أو أن المراد بها رؤية العلم واليقين. ونرد عليهم باعتبار التأويل الأول بما سبق في القاعدة الرابعة، وباعتبار التأويل الثاني بذلك وبوجه رابع: أن العلم واليقين حاصل للأبرار في الدنيا وسيحصل للفجار في الآخرة.

стр. 1299

" القدر ": من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ . فلا يخرج شيء عن إرادته وسلطانه، ولا يصدر شيء إلا بتقديره وتدبيره، بيده ملكوت السماوات والأرض، يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم يسألون لأنهم مربوبون محكومون. والإيمان بالقدر واجب وهو أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي، ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» . رواه مسلم وغيره. وقال النبي، ﷺ : «آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه، ومره» . فالخير والشر باعتبار العاقبة والحلاوة والمرارة باعتبار وقت إصابته. وخير القدر ما كان نافعا وشره ما كان ضارا أو مؤذيا. والخير والشر هو بالنسبة للمقدور وعاقبته، فإن منه ما يكون خيرا كالطاعات، والصحة، والغنى، ومنه ما يكون شرا كالمعاصي، والمرض، والفقر، أما بالنسبة لفعل الله فلا يقال: إنه شر لقول النبي، ﷺ ، في دعاء القنوت الذي علمه الحسن بن علي: «وقني شر ما قضيت» (١) . فأضاف الشر إلى ما قضاه لا إلى قضائه. والإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور (٢) : الأول: الإيمان بأن الله عالم كل ما يكون جملة وتفصيلا بعلم سابق

стр. 1300

لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . الثاني: أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي نخلق الخليقة، ولقوله ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» . رواه مسلم. الثالث: أنه لا يكون شيء في السماوات والأرض إلا بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم يسألون، وما وقع من ذلك فإنه مطابق لعلمه السابق ولما كتبه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ . ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ . فأثبت وقوع الهداية والضلال بإرادته. الرابع: أن كل شيء في السماوات والأرض مخلوق لله تعالى، لا خالق غيره ولا رب سواه لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ . وقال على لسان إبراهيم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ . القدر ليس حجة للعاصي على فعل المعصية: أفعال العباد كلها من طاعات ومعاص كلها مخلوقة لله كما سبق
следующие страницы →