وكلمات لكان التحدي غير مقبول، إذ لا يمكن التحدي إلا بشيء معلوم يدرى ما هو.
٣ - أن الله أخبر بأن القرآن يتلى عليهم ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ . ولا يتلى إلا ما هو حروف وكلمات.
٤ - أن الله أخبر بأنه محفوظ في صدور أهل العلم ومكتوب في اللوح المحفوظ ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ . ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . ولا يحفظ ويكتب إلا ما هو حروف وكلمات.
٥ - قول النبي، ﷺ : «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه فله بكل حرف حسنة» . صححه المؤلف ولم يعزه ولم أجد من خرجه.
٦ - قول أبي بكر وعمر: إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه.
٧ - قول علي ﵁: من كفر بحرف منه فقد كفر به كله.
٨ - إجماع المسلمين - كما نقله المؤلف - على أن من جحد منه سورة أو آية، أو كلمة، أو حرفا متفقا عليه فهو كافر.
وعدد سور القرآن ١١٤منها ٢٩ افتتحت بالحروف المقطعة.
أوصاف القرآن:
وصف الله القرآن الكريم بأوصاف عظيمة كثيرة ذكر المؤلف منها ما يلي:
стр. 1297
١ - أنه كتاب الله المبين، أي: المفصح عما تضمنه من أحكام وأخبار.
٢ - أنه حبل الله المتين، أي: العهد القوي الذي جعله الله سببا للوصول إليه والفوز بكرامته.
٣ - أنه سور محكمات أي: مفصل السور، كل سورة منفردة عن الأخرى، والمحكمات المتقنات المحفوظات من الخلل والتناقض.
٤ - أنه آيات بينات، أي علامات ظاهرات على توحيد الله، وكمال صفاته، وحسن تشريعاته.
٥ - أن فيه محكما ومتشابها، فالمحكم: ما كان معناه واضحا، والمتشابه: ما كان معناه خفيا ولا يعارض هذا ما سبق برقم "٣" لأن الإحكام هناك بمعنى الإتقان والحفظ من الخلل والتناقض، وهنا بمعنى وضوح المعنى، وإذا رددنا المتشابه هنا إلى المحكم صار الجميع محكما.
٦ - أنه حق لا يمكن أن يأتيه الباطل من أي جهة ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .
٧ - أنه بريء مما وصفه به المكذبون من قولهم: إنه شعر: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ . وقول بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ . فقال الله متوعدا هذا القائل: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ .
٨ - أنه معجزة لا يمكن لأحد أن يأتي بمثله وإن عاونه غيره
стр. 1298
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .
"رؤية الله في الآخرة "
رؤية الله في الدنيا مستحيلة لقوله تعالى لموسى وقد طلب رؤية الله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ .
ورؤية الله في الآخرة ثابتة بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . فلما حجب الفجار عن رؤيته دل على أن الأبرار يرونه وإلا لم يكن بينهما فرق.
وقال النبي، ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته» . متفق عليه، وهذا التشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ولا شبيه له ولا نظير.
وأجمع السلف على رؤية المؤمنين لله تعالى دون الكفار بدليل الآية الثانية.
يرون الله تعالى في عرصات القيامة وبعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى.
وهي رؤية حقيقية تليق بالله.
وفسرها أهل التعطيل بأن المراد بها رؤية ثواب الله، أو أن المراد بها رؤية العلم واليقين. ونرد عليهم باعتبار التأويل الأول بما سبق في القاعدة الرابعة، وباعتبار التأويل الثاني بذلك وبوجه رابع: أن العلم واليقين حاصل للأبرار في الدنيا وسيحصل للفجار في الآخرة.
стр. 1299
" القدر ":
من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ . فلا يخرج شيء عن إرادته وسلطانه، ولا يصدر شيء إلا بتقديره وتدبيره، بيده ملكوت السماوات والأرض، يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم يسألون لأنهم مربوبون محكومون.
والإيمان بالقدر واجب وهو أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي، ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» . رواه مسلم وغيره. وقال النبي، ﷺ : «آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه، ومره» . فالخير والشر باعتبار العاقبة والحلاوة والمرارة باعتبار وقت إصابته. وخير القدر ما كان نافعا وشره ما كان ضارا أو مؤذيا.
والخير والشر هو بالنسبة للمقدور وعاقبته، فإن منه ما يكون خيرا كالطاعات، والصحة، والغنى، ومنه ما يكون شرا كالمعاصي، والمرض، والفقر، أما بالنسبة لفعل الله فلا يقال: إنه شر لقول النبي، ﷺ ، في دعاء القنوت الذي علمه الحسن بن علي: «وقني شر ما قضيت» (١) . فأضاف الشر إلى ما قضاه لا إلى قضائه.
والإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور (٢) :
الأول: الإيمان بأن الله عالم كل ما يكون جملة وتفصيلا بعلم سابق
стр. 1300
لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
الثاني: أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي نخلق الخليقة، ولقوله ﷺ : «إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» . رواه مسلم.
الثالث: أنه لا يكون شيء في السماوات والأرض إلا بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم يسألون، وما وقع من ذلك فإنه مطابق لعلمه السابق ولما كتبه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ . ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ . فأثبت وقوع الهداية والضلال بإرادته.
الرابع: أن كل شيء في السماوات والأرض مخلوق لله تعالى، لا خالق غيره ولا رب سواه لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ . وقال على لسان إبراهيم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
القدر ليس حجة للعاصي على فعل المعصية:
أفعال العباد كلها من طاعات ومعاص كلها مخلوقة لله كما سبق
стр. 1301
ولكن ليس ذلك حجة للعاصي على فعل المعصية وذلك لأدلة كثيرة منها:
١ - أن الله أضاف عمل العبد إليه وجعله كسبا له فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ . ولو لم يكن له اختيار في الفعل وقدرة عليه ما نسب إليه.
٢ - أن الله أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . ولو كان مجبورا على العمل ما كان مستطيعا على الفعل، أو الكف؛ لأن المجبور لا يستطيع التخلص.
٣ - أن كل واحد يعلم الفرق بين العمل الاختياري والإجباري، وأن الأول يستطيع التخلص منه.
٤ - أن العاصي قبل أن يقدم على المعصية لا يدري ما قدر له، وهو باستطاعته أن يفعل أو يترك، فكيف يسلك الطريق الخطأ ويحتج بالقدر المجهول؟ ! أليس من الأحرى أن يسلك الطريق الصحيح ويقول: هذا ما قدر لي؟ !
٥ - أن الله أخبر أنه أرسل الرسل لقطع الحجة: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . ولو كان القدر حجة للعاصي لم تنقطع بإرسال الرسل.
التوفيق بين كون فعل العبد مخلوقا لله وكونه كسبا للفاعل:
عرفت مما سبق أن فعل العبد مخلوق لله، وأنه كسب للعبد يجازى عليه الحسن بأحسن، والسيئ بمثله فكيف نوفق بينهما؟
стр. 1302
التوفيق بينهما أن وجه كون فعل العبد مخلوقا لله تعالى أمران:
الأول: أن فعل العبد من صفاته، والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى.
الثاني: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية وقدرة بدنية، ولولاهما لم يكن فعل، والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله تعالى، وخالق السبب خالق للمسبب، فنسبة فعل العبد إلى خلق الله له نسبة مسبب إلى سبب، لا نسبة مباشرة؛ لأن المباشر حقيقة هو العبد فلذلك نسب الفعل إليه كسبا وتحصيلا، ونسب إلى الله خلقا وتقديرا، فلكل من النسبتين اعتبار، والله أعلم.
المخالفون للحق في القضاء والقدر والرد عليهم:
المخالفون للحق في القضاء والقدر طائفتان:
الطائفة الأولى: الجبرية يقولون: العبد مجبور على فعله وليس له اختيار في ذلك.
ونرد عليهم بأمرين:
١ - أن الله أضاف عمل الإنسان إليه وجعله كسبا له يعاقب ويثاب بحسبه، ولو كان مجبورا عليه ما صح نسبته إليه ولكان عقابه عليه ظلما.
٢ - أن كل واحد يعرف الفرق بين الفعل الاختياري والاضطراري في الحقيقة والحكم، فلو اعتدى شخص على آخر وادعى أنه مجبور على ذلك بقضاء الله وقدره لعد ذلك سفها مخالفا للمعلوم بالضرورة.
الطائفة الثانية: القدرية يقولون: العبد مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة، ولا قدرة، ولا خلق.
ونرد عليهم بأمرين:
١ -أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
стр. 1303
٢ - أن الله مالك السماوات والأرض فكيف يكون في ملكه ما لا تتعلق به إرادته وخلقه؟ !
أقسام الإرادة والفرق بينها:
إرادة الله تنقسم إلى قسمين كونية وشرعية:
فالكونية: هي التي بمعنى المشيئة كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ .
والشرعية: هي التي بمعنى المحبة كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ .
والفرق بينهما أن الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبا لله، وأما الشرعية فيلزم أن يكون المراد فيها محبوبا لله ولا يلزم وقوعه.
الإيمان:
الإيمان لغة: التصديق.
واصطلاحا: قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان.
مثال القول: لا إله إلا الله.
ومثال العمل: الركوع.
ومثال العقد: الإيمان بالله وملائكته وغير ذلك مما يجب اعتقاده.
والدليل على أن هذا هو الإيمان قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
стр. 1304
فجعل الإخلاص، والصلاة، والزكاة من الدين.
وقال النبي، ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» . رواه مسلم. بلفظ «فأفضلها قول: " لا إله إلا الله» وأصله في الصحيحين.
والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية لقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ . ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ .
وقال النبي، ﷺ : «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من إيمان» . رواه البخاري بنحوه فجعله النبي، ﷺ ، متفاضلا، وإذا ثبتت زيادته ثبت نقصه؛ لأن من لازم الزيادة أن يكون المزيد عليه ناقصا عن الزائد.
стр. 1305
" فصل في السمعيات "
السمعيات كل ما ثبت بالسمع أي بطريق الشرع ولم يكن للعقل فيه مدخل، وكل ما ثبت عن النبي، ﷺ ، من أخبار فهو حق يجب تصديقه سواء شاهدناه بحواسنا، أو غاب عنا، وسواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ . وقد ذكر المؤلف من ذلك أمورا:
الأمر الأول: الإسراء والمعراج:
الإسراء لغة: السير بالشخص ليلا وقيل: بمعنى سرى.
وشرعا: سير جبريل بالنبي، ﷺ ، من مكة إلى بيت المقدس لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ .
والمعراج لغة: الآلة التي يعرج بها وهي المصعد.
وشرعا: السلم الذي عرج به رسول الله، ﷺ ، من الأرض إلى السماء لقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ . إلى قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ . وكانا في ليلة واحدة عند الجمهور، وللعلماء خلاف متى كانت؟ فيروى بسند منقطع عن ابن عباس وجابر ﵃ أنها ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول
стр. 1306
ولم يعينا السنة رواه ابن أبي شبية.
ويروى عن الزهري وعروة أنها قبل الهجرة بسنة رواه البيهقي فتكون في ربيع الأول، ولم يعينا الليلة، وقاله ابن سعد وغيره وجزم به النووي. ويروى عن السدي أنها قبل الهجرة بستة عشر شهرا. رواه الحاكم. فتكون في ذي القعدة.
وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين. وقيل: بخمس. وقيل: بست.
وكان يقظة لا مناما؛ لأن قريشا أكبرته وأنكرته، ولو كان مناما لم تنكره لأنها لا تنكر المنامات.
وقصته: أن جبريل أمره الله أن يسري بالنبي، ﷺ ، إلى بيت المقدس على البراق، ثم يعرج به إلى السماوات العلا سماء، سماء، حتى بلغ مكانا سمع فيه صريف الأقلام، وفرض الله عليه الصلوات الخمس، وأطلع على الجنة والنار، واتصل بالأنبياء الكرام، وصلى بهم إماما، ثم رجع إلى مكة فحدث الناس بما رأى فكذبه الكافرون، وصدق به المؤمنون وتردد فيه آخرون.
الأمر الثاني: مجيء ملك الموت إلى موسى ﷺ :
«جاء ملك الموت بصورة إنسان إلى نبي الله موسى ﵊ ليقبض روحه، فلطمه موسى ففقأ عينه، فرجع الملك إلى الله وقال: " أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت " فرد الله عليه عينه وقال: " ارجع إليه، وقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطى يده بكل شعرة سنة " فقال موسى: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، قال النبي، ﷺ : " فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» . وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وإنما أثبته المؤلف في العقيدة لأن بعض المبتدعة أنكره معللا
стр. 1307
ذلك بأنه يمتنع أن موسى يلطم الملك. ونرد عليهم: بأن الملك أتى موسى بصورة إنسان لا يعرف موسى من هو؟ يطلب منه نفسه، فمقتضى الطبيعة البشرية أن يدافع المطلوب عن نفسه، ولو علم موسى أنه ملك لم يلطمه، ولذلك استسلم له في المرة الثانية حين جاء بما يدل أنه من عند الله، وهو إعطاؤه مهلة من السنين بقدر ما تحت يده من شعر ثور.
الأمر الثالث: أشراط الساعة:
الأشراط جمع شرط وهو لغة العلامة. والساعة لغة الوقت أو الحاضر منه. والمراد بها هنا: القيامة، فأشراط الساعة شرعا العلامات الدالة على قرب يوم القيامة قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ . وذكر المؤلف من أشراط الساعة ما يأتي:
١ - (خروج الدجال) وهو لغة صيغة مبالغة من الدجل، وهو الكذب والتمويه.
وشرعا: رجل مموه يخرج في آخر الزمان يدعي الربوبية. وخروجه ثابت بالسنة، والإجماع قال النبي، ﷺ : «قولوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» . رواه مسلم. وكان النبي، ﷺ ، يتعوذ منه في الصلاة متفق عليه.
وأجمع المسلمون على خروجه.
وقصته أنه يخرج من طريق بين الشام والعراق، فيدعو الناس إلى عبادته فأكثر من يتبعه اليهود والنساء والأعراب. ويتبعه سبعون ألفا من يهود أصفهان، فيسير في الأرض كلها كالغيث استدبرته الريح، إلا مكة والمدينة فيمنع منهما، ومدته أربعون يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم
стр. 1308
كجمعة، وباقي أيامه كالعادة، وهو أعور العين مكتوب بين عينه ك ف ر يقرؤه المؤمن فقط، وله فتنة عظيمة منها أنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، معه جنة ونار، فجنته نار، وناره جنة. حذر منه النبي، ﷺ ، وقال: " من سمع به فلينأ عنه، ومن أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، أو بفواتح سورة الكهف ".
٢ - (نزول عيسى ابن مريم) : نزول عيسى ابن مريم ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: موت عيسى وهذا حين نزوله كما فسره أبو هريرة بذلك.
وقال النبي، ﷺ : «والله لينزلن عيسى بن مريم حكما وعدلا» . الحديث متفق عليه.
وقد أجمع المسلمون على نزوله، فينزل عند المنارة البيضاء في شرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين، فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلب الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ويحج ويعتمر، كل هذا ثابت في صحيح مسلم وبعضه في الصحيحين كليهما. وروى الإمام أحمد وأبو داود أن عيسى يبقى بعد قتل الدجال أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون. وذكر البخاري في تاريخه أنه يدفن مع النبي، ﷺ ، فالله أعلم.
٣ - (يأجوج ومأجوج) اسمان أعجميان أو عربيان مشتقان من المأج وهو الاضطراب، أو من أجيج النار وتلهبها.
وهما أمتان من بني آدم موجودتان بدليل الكتاب، والسنة.
стр. 1309
قال الله تعالى في قصة ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ الآيات.
وقال النبي، ﷺ : «يقول الله يوم القيامة: يا آدم قم فابعث بعث النار من ذريتك» ، إلى أن قال رسول الله، ﷺ : «أبشروا فإن منكم واحدا ومن يأجوج ومأجوج ألفا» . أخرجاه في الصحيحين.
وخروجهم الذي يكون من أشراط الساعة لم يأت بعد، ولكن بوادره وجدت في عهد النبي، ﷺ ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي، ﷺ ، قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها» .
وقد ثبت خروجهم في الكتاب، والسنة.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ . وقال النبي، ﷺ : «إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات ". فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» . رواه مسلم وقصتهم في حديث النواس بن سمعان أن النبي، ﷺ ، قال في عيسى بن مريم بعد قتله الدجال: «فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر»
стр. 1310
«أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم ويقول: لقد كان بهذه مرة ماء، ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله» . رواه مسلم.
٤ - (خروج دابة) . الدابة لغة: كل ما دب على الأرض. والمراد بها هنا: الدابة التي يخرجها الله قرب قيام الساعة. . وخروجها ثابت بالقرآن والسنة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ .
وقال النبي، ﷺ : «إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات " وذكر منها الدابة» . رواه مسلم.
وليس في القرآن والسنة الصحيحة ما يدل على مكان خروج هذه الدابة وصفتها، وإنما وردت في ذلك أحاديث في صحتها نظر. وظاهر القرآن أنها دابة تنذر الناس بقرب العذاب والهلاك والله أعلم.
٥ - (طلوع الشمس من مغربها) طلوع الشمس من مغربها ثابت بالكتاب والسنة.
стр. 1311
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ . والمراد بذلك طلوع الشمس من مغربها.
وقال النبي، ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» . متفق عليه.
فتنة القبر:
الفتنة لغة: الاختبار، وفتنة القبر: سؤال الميت عن ربه، ودينه، ونبيه، وهي ثابتة بالكتاب والسنة.
قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ . وقال النبي، ﷺ : «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ » متفق عليه.
والسائل ملكان لقول النبي، ﷺ : «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه» . رواه مسلم. واسمهما منكر ونكير كما رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا وقال: حسن غريب. قال الألباني: وسنده حسن وهو على شرط مسلم، والسؤال عام للمكلفين من المؤمنين والكافرين، ومن هذه الأمة وغيرهم على القول الصحيح وفي غير المكلفين خلاف، وظاهر كلام ابن القيم في كتاب (الروح) ترجيح السؤال. ويستثنى من ذلك الشهيد لحديث رواه النسائي، ومن مات مرابطا في سبيل الله لحديث رواه مسلم.
стр. 1312
عذاب القبر أو نعيمه:
عذاب القبر أو نعيمه حق ثابت بظاهر القرآن، وصريح السنة، وإجماع أهل السنة. قال الله تعالى في سورة الواقعة: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ، إلى قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ . إلخ السورة. . وكان النبي، ﷺ ، يتعوذ بالله من عذاب القبر، وأمر أمته بذلك. وقال النبي، ﷺ ، في حديث البراء بن عازب المشهور في قصة فتنة القبر قال في المؤمن: «فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، والبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من ريحها، وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره. وقال في الكافر: فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا من النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه» . الحديث رواه أحمد وأبو داود.
وقد اتفق السلف وأهل السنة على إثبات عذاب القبر ونعيمه ذكره ابن القيم في كتاب (الروح) .
وأنكر الملاحدة عذاب القبر متعللين بأننا لو نبشنا القبر لوجدناه كما هو.
نرد عليهم بأمرين:
١ - دلالة الكتاب، والسنة، وإجماع السلف على ذلك.
٢ - أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا فليس العذاب أو النعيم في القبر المحسوس في الدنيا.
стр. 1313
هل عذاب القبر أو نعيمه على الروح أو على البدن؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة، أو معذبة وأنها تتصل بالبدن أحيانا فيحصل له معها النعيم أو العذاب.
النفخ في الصور:
النفخ معروف. والصور لغة: القرن.
وشرعا: قرن عظيم التقمه إسرافيل ينتظر متى يؤمر بنفخه، وإسرافيل أحد الملائكة الكرام الذين يحملون العرش، وهما نفختان:
إحداهما: نفخة الفزع ينفخ فيه فيفزع الناس ويصعقون إلا من شاء الله.
والثانية: نفخة البعث ينفخ فيه فيبعثون ويقومون من قبورهم.
وقد دل على النفخ في الصور الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ . ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ : «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا ثم لا يبقى أحد إلا صعق ثم ينزل الله مطرا كأنه الطل أو الظل (شك الراوي) فتنبت»
стр. 1314
«منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» . رواه مسلم في حديث طويل.
وقد اتفقت الأمة على ثبوته.
(البعث والحشر)
البعث لغة: الإرسال، والنشر.
وشرعا: إحياء الأموات يوم القيامة.
والحشر لغة: الجمع.
وشرعا: جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم.
والبعث والحشر حق ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين قال الله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وقال النبي، ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد» . متفق عليه.
وأجمع المسلمون على ثبوت الحشر يوم القيامة.
ويحشر الناس حفاة لا نعال عليهم، عراة لا كسوة عليهم، غرلا لا ختان فيهم لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . وقول النبي، ﷺ : «إنكم تحشرون حفاة، عراة، غرلا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ وأول من يكسى إبراهيم» . متفق عليه.
وفي حديث عبد الله بن أنيس المرفوع الذي رواه أحمد: «يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا، بهما ". قلنا: وما بهما؟ قال: " ليس معهم شيء» . الحديث.
стр. 1315
(الشفاعة)
الشفاعة لغة: جعل الوتر شفعا.
واصطلاحا: التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة.
والشفاعة يوم القيامة نوعان: خاصة بالنبي، ﷺ ، وعامة له ولغيره.
فالخاصة به، ﷺ ، شفاعته العظمى في أهل الموقف عند الله ليقضي بينهم حين يلحقهم من الكرب والغم ما لا يطيقون، فيذهبون إلى آدم، فنوح فإبراهيم، فموسى، فعيسى، وكلهم يعتذرون فيأتون إلى النبي، ﷺ ، فيشفع فيهم إلى الله فيأتي للقضاء بين عباده.
وقد ذكرت هذه الصفة في حديث الصور المشهور لكن سنده ضعيف متكلم فيه وحذفت من الأحاديث الصحيحة فاقتصر منها على ذكر الشفاعة في أهل الكبائر.
قال ابن كثير وشارح الطحاوية: وكان مقصود السلف من الاقتصار على الشفاعة في أهل الكبائر هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة.
وهذه الشفاعة لا ينكرها المعتزلة والخوارج ويشترط فيها إذن الله لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
النوع الثاني العامة: وهي الشفاعة فيمن دخل النار من المؤمنين أهل الكبائر أن يخرجوا منها بعدما احترقوا وصاروا فحما وحميما. لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله، ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس، أو كما قال تصيبهم النار بذنوبهم، أو قال: بخطاياهم فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أَذِنَ في الشفاعة» . الحديث رواه أحمد.
стр. 1316
قال ابن كثير في النهاية ص٢٠٤ ج٢: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه.
وهذه الشفاعة تكون للنبي، ﷺ ، وغيره من الأنبياء، والملائكة والمؤمنين لحديث أبي سعيد عن النبي، ﷺ ، وفيه: «فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما» . متفق عليه.
وهذه الشفاعة ينكرها المعتزلة والخوارج بناء على مذهبهم أن فاعل الكبيرة مخلد في النار فلا تنفعه الشفاعة.
ونرد عليهم بما يأتي:
١ - أن ذلك مخالف للمتواتر من الأحاديث عن النبي، ﷺ .
٢ - أنه مخالف لإجماع السلف.
ويشترط لهذه الشفاعة شرطان:
الأول: إذن الله في الشفاعة لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع له لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ . فأما الكافر فلا شفاعة له لقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ أي لو فرض أن أحدا شفع لهم لم تنفعهم الشفاعة.
وأما شفاعة النبي، ﷺ ، لعمه أبي طالب حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وإنه لأهون أهل النار عذابا، قال
стр. 1317
النبي، ﷺ : «ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» . رواه مسلم. فهذا خاص بالنبي، ﷺ ، وبعمه أبي طالب، فقط، وذلك والله أعلم لما قام به من نصرة النبي، ﷺ ، والدفاع عنه، وعما جاء به.
(الحساب)
الحساب لغة: العدد.
وشرعا: إطلاع الله عباده على أعمالهم.
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ . وكان النبي، ﷺ ، يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حسابا يسيرا ". فقالت عائشة ﵂: ما الحساب اليسير؟ قال: " أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه» . رواه أحمد. وقال الألباني: إسناده جيد.
وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.
وصفة الحساب للمؤمن: أن الله يخلو به فيقرره بذنوبه، حتى إذا رأى أنه قد هلك. قال الله له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته.
وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين. متفق عليه من حديث ابن عمر.
والحساب عام لجميع الناس إلا من استثناهم النبي، ﷺ ، وهم سبعون ألفا من هذه الأمة منهم عكاشة بن محصن يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب. متفق عليه. وروى أحمد من حديث ثوبان مرفوعا أن مع كل واحد سبعين ألفا، قال ابن كثير: حديث صحيح وذكر له شواهد.
стр. 1318
وأول من يُحاسب هذه الأمة لقول النبي، ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق» . متفق عليه، وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعا: «نحن آخر الأمم وأول من يحاسب» الحديث.
وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة لقول النبي، ﷺ : «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» . رواه الطبراني في الأوسط، وسنده لا بأس به إن شاء الله، قال المنذري في الترغيب والترهيب ص٢٤٦ ج١: وأول ما يقضى بين الناس في الدماء لقول النبي، ﷺ : «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» . متفق عليه.
(الموازين)
الموازين جمع ميزان، وهو لغة: ما تقدر به الأشياء خفة وثقلا.
وشرعا: ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد.
وقد دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ . ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ .
وقال النبي، ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» . متفق عليه.
стр. 1319
وأجمع السلف على ثبوت ذلك.
وهو ميزان حقيقي، له كفتان، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي، ﷺ ، في صاحب البطاقة قال: «فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة» . الحديث رواه الترمذي وابن ماجه. قال الألباني: إسناده صحيح.
واختلف العلماء هل هو ميزان واحد أو متعدد؟
فقال بعضهم: متعدد بحسب الأمم، أو الأفراد، أو الأعمال؛ لأنه لم يرد في القرآن إلا مجموعا، وأما إفراده في الحديث فباعتبار الجنس.
وقال بعضهم: هو ميزان واحد؛ لأنه ورد في الحديث مفردا، وأما جمعه في القرآن فباعتبار الموزون، وكلا الأمرين محتمل. والله أعلم.
والذي يوزن العمل لظاهر الآية السابقة والحديث بعدها.
وقيل: صحائف العمل لحديث صاحب البطاقة.
وقيل: العامل نفسه لحديث أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ". وقال اقرءوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ » . متفق عليه.
وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص بأن الجميع يوزن، أو أن الوزن حقيقة للصحائف، وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به قدره وحرمته. وهذا جمع حسن والله أعلم.
стр. 1320
(نشر الدواوين)
النشر لغة: فتح الكتاب أو بث الشيء.
وشرعا: إظهار صحائف الأعمال يوم القيامة وتوزيعها.
والدواوين: جمع ديوان وهو لغة: الكتاب يحصى فيه الجند ونحوهم.
وشرعا: الصحائف التي أحصيت فيها الأعمال التي كتبها الملائكة على العامل.
فنشر الدواوين إظهار صحائف الأعمال يوم القيامة، فتتطاير إلى الأيمان والشمائل، وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ . ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ .
«وعن عائشة ﵂ أنها سألت النبي، ﷺ : " هل تذكرون أهليكم؟ قال: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه، أم في شماله، أم وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز» . رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
وأجمع المسلمون على ثبوت ذلك.
стр. 1321
(صفة أخذ الكتاب)
المؤمن يأخذ كتابه بيمينه فيفرح ويستبشر ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ .
والكافر يأخذه بشماله، أو من وراء ظهره، فيدعو بالويل والثبور، ويقول: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ .
(الحوض)
الحوض لغة: الجمع. يقال: حاض الماء يحوضه إذا جمعه، ويطلق على مجتمع الماء.
وشرعا: حوض الماء النازل من الكوثر في عرصات القيامة للنبي، ﷺ .
ودل عليه السنة المتواترة، وأجمع عليه أهل السنة.
قال النبي، ﷺ : «إني فرطكم على الحوض» . متفق عليه.
وأجمع السلف أهل السنة على ثبوته، وقد أنكر المعتزلة ثبوت الحوض، ونرد عليهم بأمرين:
١ - الأحاديث المتواترة عن الرسول، ﷺ .
٢ - إجماع أهل السنة على ذلك.
(صفة الحوض)
طوله شهر، وعرضه شهر، وزواياه سواء، وآنيته كنجوم السماء، وماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من ريح المسك، فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والثاني من فضة، يرده المؤمنون من أمة محمد، ومن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا، وكل
стр. 1322
هذا ثابت في الصحيحين أو أحدهما.
وهو موجود الآن لقوله، ﷺ : «وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن» ، رواه البخاري.
واستمداده من الكوثر لقوله ﷺ : «وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوض» . رواه أحمد. قال ابن كثير: وهو حسن الإسناد والمتن.
ولكل نبي حوض، ولكن حوض النبي، ﷺ ، أكبرها وأعظمها وأكثرها واردة لقول النبي، ﷺ : «إن لكل نبي حوضا، وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة» . رواه الترمذي وقال: غريب، وروى ذلك ابن أبي الدنيا وابن ماجه من حديث أبي سعيد، وفيه ضعف، لكن صححه بعضهم من أجل تعدد الطرق.
(الصراط)
الصراط لغة: الطريق.
وشرعا: الجسر الممدود على جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة.
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وقول السلف.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ . فسرها عبد الله بن مسعود، وقتادة، وزيد بن أسلم بالمرور على الصراط.
وفسرها جماعة منهم ابن عباس بالدخول في النار لكن ينجون منها.
وقال النبي، ﷺ : «ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم» . متفق عليه.
واتفق أهل السنة على إثباته.
стр. 1323
(صفة الصراط)
«سئل النبي، ﷺ ، عن الصراط فقال: " مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السعدان» . رواه البخاري وله من حديث أبي هريرة: «وبه كلاليب مثل شوك السعدان» ، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، يخطف الناس بأعمالهم. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد ﵁، قال: «بلغني أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف» . وروى الإمام أحمد نحوه عن عائشة ﵂ مرفوعا.
(العبور على الصراط وكيفيته)
لا يعبر الصراط إلا المؤمنون على قدر أعمالهم لحديث أبي سعيد ﵁ عن النبي، ﷺ ، وفيه: «فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في جهنم» . متفق عليه. وفي صحيح مسلم: «تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: يارب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا» . وفي صحيح البخاري: «حتى يمر آخرهم يسحب سحبا» .
وأول من يعبر الصراط من الأنبياء محمد، ﷺ ، ومن الأمم أمته لقول النبي، ﷺ : «فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعاء الرسول يومئذ: اللهم سلم سلم» . رواه البخاري.
стр. 1324
(الجنة والنار)
الجنة لغة: البستان الكثير الأشجار.
وشرعا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للمتقين.
والنار لغة: معروفة.
وشرعا: الدار التي أعدها الله في الآخرة للكافرين.
وهما مخلوقتان الآن لقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ . والإعداد التهيئة، ولقوله، ﷺ ، حين صلى صلاة الكسوف: «إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع» . متفق عليه.
والجنة والنار لا تفنيان لقوله: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ . والآيات في تأبيد الخلود في الجنة كثيرة، وأما في النار فذكر في ثلاثة مواضع: في النساء ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ . وفي الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ . وفي الجن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ .
стр. 1325
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .
(مكان الجنة والنار)
الجنة في أعلى عليين لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . وقوله، ﷺ ، في حديث البراء بن عازب المشهور في قصة فتنة القبر: «فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض» .
والنار في أسفل سافلين لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ . وقوله، ﷺ ، في حديث البراء بن عازب السابق: «فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى» .
(أهل الجنة وأهل النار)
أهل الجنة كل مؤمن تقي لأنهم أولياء الله، قال الله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ . وأهل النار كل كافر شقي، قال الله تعالى في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ . ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ .
стр. 1326
(ذبح الموت)
الموت زوال الحياة، وكل نفس ذائقة الموت، وهو أمر معنوي غير محسوس بالرؤية، ولكن الله تعالى يجعله شيئا مرئيا مجسما، ويذبح بين الجنة والنار لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي، ﷺ ، قال: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه. فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ". ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ » . أخرجه البخاري في تفسير هذه الآية، وروى نحوه في صفة الجنة والنار من حديث ابن عمر مرفوعا.
стр. 1327
فصل
في حقوق النبي ﷺ وأصحابه
أفضل الخلق عند الله الرسل، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، وقد ذكر الله هذه الطبقات في كتابه في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ .
وأفضل الرسل أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلوات من الله والتسليم، وقد ذكرهم الله في موضعين من كتابه: في الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ . وفي الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ .
وأفضلهم محمد، ﷺ ، لقوله ﷺ : «أنا سيد الناس يوم القيامة» . متفق عليه، وصلاتهم خلفه ليلة المعراج وغير ذلك من الأدلة.
ثم إبراهيم؛ لأنه أبو الأنبياء وملته أصل الملل، ثم موسى؛ لأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل وشريعته أصل شرائعهم، ثم نوح وعيسى لا يجزم بالمفاضلة بينهما؛ لأن لكل منهما مزية.
стр. 1328
خصائص النبي ﷺ
اختص النبي، ﷺ ، بخصائص نتكلم على ما ذكر المؤلف منها:
١ - خاتم النبيين لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ .
٢ - سيد المرسلين، وسبق دليله.
٣ - لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن برسالته؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ . وغيره من الأنبياء يبعثون إلى أقوام معينين كل إلى قومه.
٤ - لا يقضى بين الناس إلا بشفاعته وسبق دليل ذلك في الشفاعة.
٥ - سبق أمته الأمم في دخول الجنة لعموم قوله، ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» . وسبق.
٦ - صاحب لواء الحمد يحمله، ﷺ ، يوم القيامة، ويكون الحامدون تحته، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي، ﷺ ، قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر» . رواه الترمذي، وقد روى الأولى والأخيرة مسلم.
٧ - صاحب المقام المحمود أي العمل الذي يحمده عليه الخالق والمخلوق لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ . وهذا
стр. 1329
المقام هو ما يحصل من مناقبه، ﷺ ، يوم القيامة من الشفاعة وغيرها.
٨ - صاحب الحوض المورود، والمراد الحوض الكبير الكثير واردوه، أما مجرد الحياض فقد مر أن لكل نبي حوضا.
٩ -١١ - إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم لحديث أبي بن كعب أن النبي، ﷺ ، قال: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر» . رواه الترمذي وحسنه.
١٢ - أمته خير الأمم لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ . فأما قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . فالمراد عالمي زمانهم.
فضائل الصحابة
الصحابي من اجتمع بالنبي، ﷺ ، مؤمنا به ومات على ذلك.
وأصحاب النبي، ﷺ ، أفضل أصحاب الأنبياء لقول النبي، ﷺ : «خير الناس قرني» . الحديث رواه البخاري وغيره.
وأفضل الصحابة المهاجرون لجمعهم بين الهجرة والنصرة، ثم الأنصار.
وأفضل المهاجرين الخلفاء الأربعة الراشدون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃.
فأبو بكر هو الصديق عبد الله بن عثمان بن عامر من بني تيم بن مرة بن كعب، أول من آمن برسول الله، ﷺ ، من الرجال وصاحبه في الهجرة، ونائبه في الصلاة والحج، وخليفته في أمته، أسلم على يديه خمسة من المبشرين بالجنة: عثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف،
стр. 1330
وسعد بن أبي وقاص، توفي في جمادى الآخرة سنة ١٣هـ عن٦٣ سنة وهؤلاء الخمسة مع أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، هم الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام قاله ابن إسحاق يعني من الذكور بعد الرسالة.
وعمر هو أبو حفص الفاروق عمر بن الخطاب من بني عدي بن كعب بن لؤي، أسلم في السنة السادسة من البعثة بعد نحو أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، ففرح المسلمون به وظهر الإسلام بمكة بعده. استخلفه أبو بكر على الأمة فقام بأعباء الخلافة خير قيام إلى أن قتل شهيدا في ذي الحجة سنة ٢٣هـ عن٦٣ سنة.
وعثمان هو أبو عبد الله ذو النورين عثمان بن عفان من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. أسلم قبل دخول النبي، ﷺ ، دار الأرقم كان غنيا سخيا، تولى الخلافة بعد عمر بن الخطاب باتفاق أهل الشورى إلى أن قتل شهيدا في ذي الحجة سنة ٣٥هـ عن ٩٠ سنة على أحد الأقوال.
وعلي وهو أبو الحسن علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، أول من أسلم من الغلمان، أعطاه رسول الله، ﷺ ، الراية يوم خيبر ففتح الله على يديه، وبويع بالخلافة بعد قتل عثمان ﵄ فكان هو الخليفة شرعا إلى أن قتل شهيدا في رمضان سنة ٤٠هـ عن ٦٣سنة.
وأفضل هؤلاء الأربعة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، لحديث ابن عمر ﵄: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي، ﷺ ، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان» . رواه البخاري ولأبي داود: «كنا نقول ورسول الله، ﷺ حي: أفضل أمة النبي، ﷺ ، بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان» زاد الطبراني في رواية:
стр. 1331
«فيسمع ذلك النبي، ﷺ ، فلا ينكره» . هذا ولم أجد اللفظ ذكره المؤلف بزيادة علي بن أبي طالب.
وأحقهم بالخلافة بعد النبي، ﷺ ، أبو بكر ﵁ لأنه أفضلهم وأسبقهم إلى الإسلام، ولأن النبي، ﷺ ، قدمه في الصلاة، ولأن الصحابة ﵃ أجمعوا على تقديمه ومبايعته ولا يجمعهم الله على ضلالة، ثم عمر ﵁ لأنه أفضل الصحابة بعد أبي بكر، ولأن أبا بكر عهد بالخلافة إليه، ثم عثمان ﵁ لفضله، وتقديم أهل الشورى له وهم المذكرون في هذا البيت:
علي وعثمان وسعد وطلحة ... زبير وذو عوف رجال المشورة
ثم علي ﵁ لفضله، وإجماع أهل عصره عليه.
وهؤلاء الأربعة هم الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال فيهم النبي، ﷺ : «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» .
وقال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» . رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال الألباني: وإسناده حسن. فكان آخرها خلافة علي هكذا قال المؤلف وكأنه جعل خلافة الحسن تابعة لأبيه، أو لم يعتبرها حيث إنه ﵁ تنازل عنها.
فخلافة أبي بكر ﵁ سنتان وثلاثة أشهر وتسع ليال من ١٣ ربيع الأول سنة ١١هـ إلى ٢٢ جمادى الآخرة سنة ١٣هـ.
وخلافة عمر ﵁ عشر سنوات وستة أشهر وثلاثة أيام من ٢٣ جمادى الآخرة سنة ١٣هـ إلى ٢٦ ذي الحجة سنة ٢٣هـ.
وخلافة عثمان ﵁ اثنتا عشرة سنة إلا اثني عشر يوما من ١ محرم سنة ٢٤هـ إلى ١٨ ذي الحجة سنة ٣٥ هـ.
стр. 1332
وخلافة علي ﵁ أربع سنوات وتسعة أشهر من ١٩ ذي الحجة سنة ٣٥هـ إلى ١٩ رمضان سنة ٤٠هـ.
فمجموع خلافة هؤلاء الأربعة تسع وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة أيام.
ثم بويع الحسن بن علي ﵄ يوم مات أبوه علي ﵁، وفي ربيع الأول سنة ٤١هـ سلم الأمر إلى معاوية وبذلك ظهرت آية النبي، ﷺ ، في قوله: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» وقوله في الحسن: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» . رواه البخاري.
الشهادة بالجنة أو النار
الشهادة بالجنة أو بالنار ليس للعقل فيها مدخل فهي موقوفة على الشرع، فمن شهد له الشارع بذلك شهدنا له، ومن لا فلا، لكننا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.
وتنقسم الشهادة بالجنة أو بالنار إلى قسمين عامة وخاصة.
فالعامة هي المعلقة بالوصف مثل أن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة أو لكل كافر بأنه في النار أو نحو ذلك من الأوصاف التي جعلها الشارع سببا لدخول الجنة أو النار.
والخاصة هي المعلقة بشخص مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة، أو لشخص معين بأنه في النار فلا نعين إلا ما عينه الله أو رسوله.
المعينون من أهل الجنة
المعينون من أهل الجنة كثيرون ومنهم: العشرة المبشرون بالجنة وخصوا بهذا الوصف لأن النبي، ﷺ ، جمعهم في حديث واحد فقال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة»
стр. 1333
«في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة» . رواه الترمذي وصححه الألباني.
وقد سبق الكلام على الخلفاء الأربعة وأما الباقون فجمعوا في هذا البيت:
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدح
فطلحة هو ابن عبيد الله من بني يتم بن مرة أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام قتل يوم الجمل في جمادى الآخرة سنة ٣٦هـ عن ٦٤سنة.
والزبير هو ابن العوام من بني قصي بن كلاب ابن عمة رسول الله، ﷺ ، انصرف يوم الجمل عن قتال علي فلقيه ابن جرموز فقتله في جمادى الأولى سنة ٣٦هـ عن ٦٧سنة.
وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة بن كلاب توفي سنة ٣٢هـ عن ٧٢ سنة ودفن بالبقيع.
وسعد بن أبي وقاص هو ابن مالك من بني عبد مناف بن زهرة أول من رمى بسهم في سبيل الله، مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة ودفن بالبقيع سنة ٥٥هـ عن ٨٢ سنة.
وسعيد بن زيد هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي كان من السابقين إلى الإسلام، توفي بالعقيق ودفن بالمدينة سنة ٥١هـ عن بضع وسبعين سنة.
وأبو عبيدة هو عامر بن عبد الله بن الجراح من بني فهر، من السابقين إلى الإسلام توفي في الأردن في طاعون عمواس سنة ١٨هـ عن ٥٨ سنة.
وممن شهد له النبي، ﷺ ، بالجنة الحسن، والحسين، وثابت بن قيس.
стр. 1334
قال النبي، ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» . رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
قال ﷺ ، في ثابت بن قيس: «إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة» . رواه البخاري.
فالحسن سبط رسول الله، ﷺ ، وريحانته وهو أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولد في ١٥ رمضان سنة ٣هـ ومات في المدينة ودفن في البقيع في ربيع الأول سنة ٥٠هـ.
والحسين سبط رسول الله، ﷺ ، وريحانته وهو ابن علي بن أبي طالب ﵁ ولد في شعبان سنة ٤هـ وقتل في كربلاء في ١٠ محرم سنة ٦١هـ.
وثابت وهو ابن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي خطيب الأنصار قتل شهيدا يوم اليمامة سنة ١١هـ في آخرها، أو أول سنة ١٢هـ.
المعينون من أهل النار في الكتاب والسنة
من المعينين بالقرآن: أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب عم النبي، ﷺ ، وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان لقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة.
ومن المعينين بالسنة: أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب لقول النبي، ﷺ : «أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل نعلين يغلي منهما دماغه» . رواه البخاري.
ومنهم عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي قال النبي، ﷺ : «رأيته يجر أمعاءه في النار» . رواه البخاري وغيره.
стр. 1335
تكفير أهل القبلة بالمعاصي
أهل القبلة هم المسلمون المصلون إليها، لا يكفرون بفعل الكبائر، ولا يخرجون من الإسلام بذلك، ولا يخلدون في النار لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ . فأثبت الأخوة الإيمانية مع القتال وهو من الكبائر، ولو كان كفرا لانتفت الأخوة الإيمانية.
وقال النبي، ﷺ ، يقول الله تعالى: «من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه» . يعني من النار. متفق عليه.
وخالف في هذا طائفتان:
الأولى: الخوارج قالوا: فاعل الكبيرة كافر خالد في النار.
الثانية: المعتزلة قالوا: فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان ليس بمؤمن ولا كافر في منزلة بين منزلتين وهو خالد في النار.
ونرد على الطائفتين بما يأتي:
١ - مخالفتهم لنصوص الكتاب، والسنة.
٢- مخالفتهم لإجماع السلف.
حقوق الصحابة ﵃
للصحابة ﵃ فضل عظيم على هذه الأمة حيث قاموا بنصرة الله، ورسوله، والجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وحفظ دين الله بحفظ كتابه، وسنة رسوله، ﷺ ، علما، وعملا، وتعليما حتى بلغوه الأمة نقيا طريا.