← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

له: أنت مؤمن كامل الإيمان كرجل فعل الواجبات والمستحبات وتجنب المحرمات أنت وهو في الإيمان واحد. فهؤلاء وأولئك على الضد في الاسم وفي الحكم. وأما المعتزلة؛ فقالوا: فاعل الكبيرة خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر؛ فهو في منزلة بين منزلتين؛ لا نتجاسر أن نقول: إنه كافر. وليس لنا أن نقول: إنه مؤمن؛ وهو يفعل الكبيرة؛ يزني ويسرق ويشرب الخمر. وقالوا: نحن أسعد الناس بالحق. حقيقة أنهم إذا قالوا: أن هذا لا يتساوى مع مؤمن عابد؛ فقد صدقوا. لكن كونهم يخرجونه من الإيمان، ثم يحدثون منزلة بين منزلتين: بدعة ما جاءت لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله، كل النصوص تدل على أنه لا يوجد منزلة بين منزلتين: كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] . وقوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢] . وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] . وفي الحديث: «القرآن حجة لك أو عليك» . فأين المنزلة بين المنزلتين؟ هم يقولون: في منزلة بين منزلتين. وفي باب الوعيد ينفذون عليه الوعيد، فيوافقون الخوارج في أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، أما في الدنيا؛ فقالوا: تجرى عليه أحكام الإسلام؛ لأنه هو الأصل؛ فهو عندهم في الدنيا بمنزلة الفاسق العاصي.

стр. 2592

وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج ــ فيا سبحان الله كيف نصلي عليه، ونقول: اللهم اغفر له. وهو مخلد في النار؟ فيجب عليهم أن يقولوا في أحكام الدنيا: إنه يتوقف فيه؛ لا نقول: مسلم، ولا: كافر، ولا نعطيه أحكام الإسلام، ولا أحكام الكفر؛ إذا مات لا نصلي عليه، ولا نكفنه، ولا نغسله، ولا يدفن مع المسلمين، ولا ندفنه مع الكفار؛ إذًا؛ نبحث له عن مقبرة بين مقبرتين!! - وأما أهل السنة والجماعة؛ فكانوا وسطا بين هذه الطوائف؛ فقالوا: نسمي المؤمن الذي يفعل الكبيرة مؤمنا ناقص الإيمان، أو نقول: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهذا هو العدل؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم. ويترتب على هذا: أن الفاسق لا يجوز لنا أن نكرهه كرها مطلقا، ولا أن نحبه حبا مطلقا، بل نحبه على ما معه من الإيمان، ونكرهه على ما معه من المعصية. الأصل الخامس: في الصحابة ﵃ " أصحاب ": جمع صاحب، والصحب اسم جمع صاحب، والصاحب: الملازم للشيء. والصحابي: هو الذي اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك. وهذا خاص في الصحابة، وهو من خصائص النبي ﷺ ؛ أن الإنسان يكون من أصحابه، وإن لم يجتمع به إلا لحظة واحدة؛ لكن بشرط أن يكون مؤمنا به.

стр. 2593

وأهل السنة والجماعة وسط فيهم بين الرافضة والخوارج. - فالرافضة: هم الذين يسمون اليوم: شيعة، وسموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، الذي ينتسب إليه الآن الزيدية؛ رفضوه لأنهم سألوه: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ يريدون منه أن يسبهما ويطعن فيهما ولكنه ﵁ قال لهم: نعم الوزيران وزيرا جدي. يريد بذلك رسول الله ﷺ ؛ فأثنى عليهما، فرفضوه، وغضبوا عليه، وتركوه فسموا رافضة. هؤلاء الروافض -والعياذ بالله- لهم أصول معروفة عندهم، ومن أقبح أصولهم: الإمامة التي تتضمن عصمة الإمام، وأنه لا يقول خطأ، وأن مقام الإمامة أرفع من مقام النبوة؛ لأن الإمام يتلقى عن الله مباشرة، والنبي بواسطة الرسول، وهو جبريل، ولا يخطئ الإمام عندهم أبدا، بل غلاتهم يدعون أن الإمام يخلق؛ يقول للشيء: كن فيكون. وهم يقولون: أن الصحابة كفار، وكلهم ارتدوا النبي ﷺ ؛ حتى أبو بكر وعمر عند بعضهم كانا كافرين وماتا على النفاق والعياذ بالله، ولا يستثنون من الصحابة إلا آل البيت، ونفرا قليلا ممن قالوا: إنهم أولياء آل البيت. وقد قال صاحب كتاب " الفصل ": " إن غلاتهم كفروا علي بن أبي طالب؛ قالوا: لأن عليا أقر الظلم والباطل حين بايع أبا بكر وعمر، وكان الواجب عليه أن ينكر بيعتهما، فلما لم يأخذ بالحق والعدل، ووافق على الظلم؛ صار ظالما كافرا ". - أما الخوارج؛ فهم على العكس من الرافضة؛ حيث إنهم كفروا علي

стр. 2594

بن أبي طالب، وكفروا معاوية بن أبي سفيان، وكفروا كل من لم يكن على طريقتهم، واستحلوا دماء المسلمين، فكانوا كما وصفهم النبي ﵊: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» ، وإيمانهم لا يتجاوز حناجرهم. فالشيعة غلوا في آل البيت وأشياعهم، وبالغوا في ذلك، حتى أن منهم من ادعى ألوهية علي، ومنهم من ادعى أنه أحق بالنبوة من محمد رسول الله ﷺ ، والخوارج بالعكس. - أما أهل السنة والجماعة؛ فكانوا وسطا بين الطائفتين؛ قالوا: نحن ننزل آل البيت منزلتهم، ونرى أن لهم حقين علينا: حق الإسلام والإيمان، وحق القرابة من رسول الله ﷺ . وقالوا: قرابة رسول الله ﷺ لها الحق علينا، لكن من حقها علينا أن ننزلها منزلتها، وأن لا نغلو فيها. ويقولون في بقية أصحاب الرسول ﷺ : لهم الحق علينا بالتوقير والإجلال والترضي، وأن نكون كما قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ، ولا نعادي أحدا منهم أبدا؛ لا آل البيت، ولا غيرهم؛ فكل منهم نعطيه حقه؛ فصاروا وسطا بين جفاة وغلاة.

стр. 2595

فصل: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليّ على خلقه ــ فصل في المعية وبيان الجمع بينها وبين علو الله واستوائه على عرشه سبق أن مما يدخل في الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وصفاته ومن ذلك الإيمان بعلو الله واستوائه على عرشه، والإيمان بمعيته وفي هذا الفصل بين المؤلف ﵀ الجمع بين العلو والمعية، فقال: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه عليّ على خلقه. هذه ثلاثة أدلة على علو الله تعالى: الكتاب والسنة والإجماع. ومر علينا دليل رابع وخامس، وهما العقل والفطرة. " من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه علي على خلقه " تقدم لنا أن علو الله نوعان: علو صفة، وعلو ذات. وأن علو الذات دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة وكذلك علو الصفة. فالكتاب مملوء من ذلك: تارة بالتصريح بالفوقية، وتارة بالتصريح بالعلو وتارة بالتصريح بأنه في السماء، وتارة بنزول الأشياء من عنده، وتارة بصعودها إليه ونحو ذلك.

стр. 2596

وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون ــ والسنة جاءت بالقول والفعل والإقرار وسبق ذكر ذلك. أما الإجماع فقد أجمع السلف على ذلك وطريق العلم بإجماعهم عدم نقل ضد ما جاء في الكتاب والسنة؛ فإنهم كانوا يقرؤون القرآن وينقلون الأخبار ويعلمون معانيها، ولما لم ينقل عنهم ما يخالف ظاهرها علم أنهم لا يعتقدون سواه وأنهم مجمعون على ذلك، وهذا طريق حسن لإثبات إجماعهم فاستمسك به ينفعك في مواطن كثيرة. وأما العقل، فمن وجهين: الوجه الأول: أن العلو صفة كمال، والله تعالى قد ثبت له كل صفات الكمال، فوجب إثبات العلو له سبحانه. الوجه الثاني: إذا لم يكن عاليا فإما أن يكون تحت أو مساويا وهذا صفة نقص، لأنه يستلزم أن تكون الأشياء فوقه أو مثله، فلزم ثبوت العلو له. أما الفطرة فلا أحد ينكرها إلا من انحرفت فطرته، فكل إنسان يقول: يا الله، يتجه قلبه إلى السماء، لا ينصرف عنه يمنة ولا يسرة لأن الله تعالى في السماء. هذا من الإيمان بالله وهو الإيمان بمعيته لخلقه. وقد سبق أن معية الله تنقسم إلى عامة، وخاصة، وخاصة الخاصة. فالعامة: التي تشمل كل أحد من مؤمن وكافر، وبر وفاجر ومثالها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]

стр. 2597

كما جمع بين ذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ــ والخاصة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] . والتي أخص: مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . وقوله عن رسوله محمد ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] . وسبق أن هذه المعية حقيقية، وأن من مقتضى المعية العامة العلم والسمع والبصر والقدرة والسلطان، وغير ذلك، ومن مقتضى الخاصة النصر والتأييد. قوله: " بين ذلك "؛ أي: بين العلو والمعية ففي قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، إثبات العلو، وفي قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ إثبات المعية، فجمع بينهما في آية واحدة، ولا منافاة بينهما كما سبق ويأتي. ووجه الجمع من وجوه ثلاثة: الأول: أنه ذكر استواءه على العرش، ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، وإذا جمع الله لنفسه بين وصفين، فإننا نعلم علم اليقين أنهما لا يتناقضان؛ لأنهما لو تناقضا لاستحال اجتماعهما؛ إذ المتناقضان لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فلا بد من وجود أحدهما وانتفاء الثاني، ولو كان هناك تناقض، لزم أن يكون أول الآية مكذبا لآخرها أو بالعكس. الثاني: أنه قد يجتمع العلو والمعية في المخلوقات، كما سيذكره المؤلف في قول الناس: ما زلنا نسير والقمر معنا.

стр. 2598

وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق ــ الثالث: لو فرض تعارضهما بالنسبة للمخلوق، لم يلزم ذلك بالنسبة للخالق، لأن الله ليس كمثله شيء. قوله: " وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق ": لأن هذا المعنى نقص، وقد سبق أنه لو كان هذا هو المعنى لزم أحد أمرين: إما تعدد الخالق أو تجزؤه، مع ما في ذلك أيضا من كون الأشياء تحيط به وهو سبحانه محيط بالأشياء. قوله: " فإن هذا لا توجبه اللغة " يعني: وإذا كانت اللغة لا توجبه لم يتعين، وهذا أحد الوجوه الدالة على بطلان مذهب الحلولية من الجهمية وغيرهم؛ القائلين بأن الله مع خلقه مختلطا بهم. ولم يقل: لا تقتضيه اللغة؛ لأن اللغة قد تقتضيه، وفرق بين كون اللغة تقتضي ذلك، وبين كونها توجب ذلك. فالمعية في اللغة قد تقتضي الاختلاط مثل الماء واللبن، تقول ماء مع لبن مخلوطا. قوله: " وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وخلاف ما فطر الله عليه الخلق ": وذلك لأن الإنسان مفطور على أن الخالق بائن من المخلوق، ليس أحد إذا قال: يا الله. إلا ويعتقد أن الله تعالى بائن من خلقه، لا يعتقد أنه حال في خلقه، فدعوى أنه مختلط بالخلق مخالف

стр. 2599

بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان ــ للشرع ومخالف للعقل ومخالف للفطرة. بل: للإضراب الانتقالي. هذا مثل ضربه المؤلف ﵀ تقريبا للمعنى، وتحقيقا لصحة كون الشيء مع الإنسان حقيقة مع تباعد ما بينهما؛ وذلك أن القمر من أصغر المخلوقات وهو في السماء ومع المسافر وغيره أينما كان. فإذا كان هذا المخلوق وهو من أصغر المخلوقات، نقول: إنه معنا وهو في السماء ولا يعد ذلك تناقضا ولا يقتضي اختلاطا فلماذا لا يصح أن نجري آيات المعية على ظاهرها، ونقول: هو معنا حقيقة، وإن كان هو في السماء فوق كل شيء؟ وكما قلنا سابقا: لو فرض أن هذا ممتنع في الخلق لكان في الخالق غير ممتنع فالرب هو في السماء حقيقة وهو معنا حقيقة ولا تناقض في ذلك، حتى وإن كان بعيدا في علوه، فإنه قريب في علوه. وهذا الذي حققه شيخ الإسلام في كتبه، وقال: إنه لا حاجة إلى أن نؤول الآية بل الآية على ظاهرها، لكن مع اعتقادنا بأن الله تعالى في السماء على عرشه فهو معنا حقا وهو على عرشه حقا، كما نقول: إنه ينزل إلى السماء الدنيا حقا وهو في العلو ولا أحد من أهل السنة ينكر هذا أبدا، كل أهل السنة يقولون: هو ينزل حقا، متفقون على أنه في العلو؛ لأن صفات الخالق ليس مثل صفات المخلوق. وقد عثرت على تقرير للشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ يبين هذا المعنى تماما، أي إن المعية حق على حقيقتها، ولا تستلزم أن يكون مختلطا

стр. 2600

بالخلق أو أنه في الأرض، قال جوابا على قول بعض السلف: " معهم بعلمه ". " إذا جاءت هذه الكلمة فهي تفسير للمعية بالمقتضى، ليس تفسيرا لحقيقة الكلمة، والذي يحمل ويحدو على التفسير بهذا أن المنازع في هذا المبتدعة الذين يقولون: إنه مختلط بهم، فيأتي البعض من السلف بالمراد بالسياق وهو أنه بكمال علمه ولكن لا يريدون أن كلمة " مع" مدلولها بكل شيء عليم، بل اجتمعت معها في العلم، وزادت المعية في المعنى وهو كونه معهم، فتفسيرها بالمقتضى لا يدل على أن معناها باطل، فالكل حق ... ". إلى أن قال: " ولهذا، شيخ الإسلام في عقيدته الأخرى المباركة المختصرة، بين أن قوله: معهم، حق على حقيقته، فمن فسرها من السلف بالمقتضى فلحاجة دعت إلى ذلك وهو الرد على أهل الحلول الجهمية الذين ينكرون العلو كما تقدم، والقرآن يفسر بالمطابقة وبالمفهوم وبالاستلزام والمقتضى وغير ذلك من الدلالات، وهؤلاء العلماء الذين روي عنهم التفسير بالمقتضى لا ينكرون المعية، بل هي عندهم كالشمس " اهـ من "الفتاوى"، تقريرا على الحموية. (مجموع فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ١ \١٢) . سؤال: هل يصح أن نقول: هو معنا بذاته؟ الجواب: هذا اللفظ يجب أن يبعد عنه، لأنه يوهم معنى فاسدا يحتج به من يقول بالحلول، ولا حاجة إليه، لأن الأصل أن كل شيء أضافه الله إلى نفسه فهو له نفسه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ هل

стр. 2601

وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم إلى غير ذلك من معاني ربوبيته وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة مثل أن يظن أن ظاهر قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أن السماء تقله أو تظله وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان ــ يحتاج أن نقول جاء بذاته؟ وإلى قوله ﷺ : "ينزل إلى السماء الدنيا هل يحتاج أن نقول ينزل بذاته؟ إننا لا نحتاج إلى ذلك، اللهم إلا في مجادلة من يدعي أنه جاء أمره أو ينزل أمره؛ لرد تحريفه. يقول ﵀: " وهو سبحانه فوق عرشه " مع أنه مع الخلق لكنه فوق عرشه. يعني: مراقبا حافظا لأقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم. أي: حاكم مسيطر على عباده فله الحكم وإليه يرجع الأمر كله، وأمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. يعني بذلك ما تضمنه معنى الربوبية من ملك وسلطان وتدبير وغير ذلك فإن معاني الربوبية كثيرة؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر، وهذه تحمل معاني كثيرة جدا. . هذه الجملة تأكيد لما سبق، وإنما كرر معنى ما سبق لأهمية الموضوع؛ فبين ﵀ أن ما ذكره الله من كونه فوق العرش حق على حقيقته، وكذلك ما ذكره من كونه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى

стр. 2602

تحريف يعني: لا يحتاج أن نصرف معنى الفوقية إلى فوقية القدر كما ادعاه أهل التحريف والتعطيل بل هي فوقية ذات وقدر كما لا يحتاج أن نصرف معنى المعية عن ظاهرها، بل نقول: هي حق على ظاهرها، ومن فسرها بغير حقيقتها فهو محرف، لكن ما ورد من تفسيرها بلازمها ومقتضاها وارد عن السلف لحاجة دعت إلى ذلك وهو لا ينافي الحقيقة؛ لأن اللازم الحق حق. ثم استدرك المؤلف ﵀ فقال: " ولكن يصان عن الظنون الكاذبة " مثل أن يظن أن ظاهر قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٧] أن السماء تقله أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان. الظنون الكاذبة هي الأوهام التي ليس لها أساس من الصحة فيجب أن يصان عنها كلام الله تعالى ورسوله ﷺ . مثال ذلك أن يظن أن ظاهر قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أن السماء تقله أي: تحمله كما يحمل سقف البيت من كان على ظهره، أو تظله، يعني تكون فوقه، كالسقف على الإنسان. إذا ظن الإنسان هذا فهو كاذب يجب صون الأدلة الدالة على أن الله في السماء عن ذلك. قال المؤلف: وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان. تنبيه: قد يقول قائل: كان على المؤلف أن يقول: ومثل أن يظن أن ظاهر قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] أنه مختلط بالخلق، لأن هذا الظن كاذب أيضا.

стр. 2603

فإن الله قد ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ــ وجوابه أن نقول: إن المؤلف ﵀ ذكر ذلك سابقا في قوله: وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ، أنه مختلط بالخلق. الكرسي: كما يروى عن ابن عباس: موضع القدمين. وسع كرسيه السماوات والأرض، يعني: أحاط بالسماوات والأرض السماوات السبع والأرضين السبع. فكيف يظن ظان أن السماء تظل الله أو تقله؟ فإذا كان قد وسع كرسيه السماوات والأرض فلا يظن أحد أبدا هذا الظن الكاذب وهو أن السماء تقله أو تظله. يمسكهما أن تزولا عن أماكنهما ولولا إمساك الله لهما لاضطربتا ومادتا وزالتا، ولكن الله بقدرته وقوته يمسك السماوات والأرض أن تزولا بل قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] ما أمسكهما أحد بعد الله أبدا. لو تزول نجمة من النجوم لا يستطيع أحد أن يمسكها فكيف لو زالت السماوات والأرض؟ ما يمسكهما إلا الله الذي خلقهما الذي يقول للشيء: كن فيكون، بيده ملكوت السماوات والأرض. قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . السماء فوق

стр. 2604

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ . ــ الأرض، ووالله لولا إمساك الله لها لوقعت على الأرض، لأنها أجرام عظيمة كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] فلولا أن الله يمسكها لوقعت على الأرض وإذا وقعت على الأرض أتلفتها. فالذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه هل يتصور متصور أن السماء تقله أو تظله؟ لا أحد يتصور ذلك. يعني: من العلامات الدالة على كماله من كل وجه. ﴿أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] الكوني والشرعي لأن أمره مبني على الحكمة والرحمة والعدل والإحسان، ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] والأهواء فساد للسماوات والأرض، وهي مخالفة للأمر الشرعي. إذًا فالسماوات والأرض تقوم بأمر الله الكوني والشرعي، ولو أن الحق اتبع أهواء الخلق لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن؛ ولهذا قال العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] أي: لا تفسدوا فيها بالمعاصي.

стр. 2605

فصل وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه مجيب ــ فصل في قرب الله تعالى وإجابته وأن ذلك لا ينافي علوه وفوقيته يعني: فيما وصف به نفسه. الإيمان بأنه قريب في نفسه ومجيب؛ يعني: لعباده. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] . في هذه الآية ستة ضمائر تعود على الله، وعلى هذا؛ فيكون القرب قربه ، ولكن نقول في ﴿قَرِيبٌ﴾ كما قلنا في المعية؛ أنه لا يستلزم أن يكون في المكان الذي فيه الإنسان. وإذا كان الرسول ﵊ يقول: «إنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» ، ولا يلزم أن يكون الله نفسه في الأرض بينه وبين عنق راحلته. وإذا كان قول الرسول ﵊: «فإن الله قبل وجه المصلي» : لا يستلزم أن يكون الله بينه وبين الجدار، إن كان يصلي إلى الجدار، ولا بينه وبين الأرض إن كان ينظر إلى الأرض. فكذلك لا يلزم من قربه أن يكون في الأرض؛ لأن الله ليس كمثله

стр. 2606

شيء في جميع صفاته، وهو محيط بكل شيء. واعلم أن من العلماء من قسم قرب الله تعالى إلى قسمين؛ كالمعية، وقال: القرب الذي مقتضاه الإحاطة قرب عام، والقرب الذي مقتضاه الإجابة والإثابة قرب خاص. ومنهم يقول: إن القرب خاص فقط؛ مقتض لإجابة الداعي وإثابة العابد، ولا ينقسم. ويستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ، وبقول النبي ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» ، وأنه لا يمكن أن يكون الله تعالى قريبا من الفجرة الكفرة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى. ولكن أورد على هذا القول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [قّ:١٦] ؛ فالمراد بـ (الإنسان) : كل إنسان، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ إلى أن قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٢ - ٢٤] ؛ فهو شامل. وأورد عليه أيضا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥] ، ثم قسم هؤلاء الذين بلغت أرواحهم الحلقوم إلى ثلاثة أقسام، ومنهم الكفار.

стр. 2607

كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية. «وقوله ﷺ للصحابة لما رفعوا أصواتهم بالذكر: " أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» . وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في دنوه، قريب في علوه. ــ وأجيب عن ذلك بأن قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [قّ:١٦] ؛ يعني: بملائكتنا، واستدل لذلك بقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [قّ:١٧] ؛ فإن (إذ) ظرف متعلق بـ (أقرب) ؛ يعني: ونحن أقرب إليه حين يتلقى المتلقيان، وهذا يدل على أن المراد بقربه تعالى قرب ملائكته. وكذلك قوله في المحتضر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ : المراد: قرب الملائكة، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ، وهذا يدل على أن هذا القريب موجود عندنا، لكن لا نبصره، وهذا يمتنع غاية الامتناع أن يكون المراد به الله ؛ لأن الله في السماء. وما ذهب إليه شيخ الإسلام؛ فهو عندي أقرب، ولكنه ليس في القرب بذاك. قوله: " كما جمع بين ذلك ": المشار إليه القرب الإجابة. "نعوته"؛ يعني: صفاته. هو علي مع أنه داني، قريب مع أنه عال، ولا تناقض في ذلك، وقد سبق بيان ذلك قريبا في الكلام على المعية.

стр. 2608

فصل: ومن الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ــ فصل: في الإيمان بأن القرآن كلام الله حقيقة وجه كون الإيمان بالقرآن على هذا الوجه من الإيمان بالله أن القرآن من كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، وأيضا؛ فإن الله وصف القرآن بأنه كلامه، وأنه منزل؛ فتصديق ذلك من الإيمان بالله. والدليل على ذلك قوله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] . قول المؤلف: "منزل"؛ أي: من عند الله تعالى: لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] . أي: ليس من مخلوقات الله التي خلقها. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] . والقرآن من الأمر؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] ، ولأن الكلام صفة المتكلم، والمخلوق مفعول للخالق، بائن منه؛ كالمصنوع؛ بائن من الصانع.

стр. 2609

منه بدأ وإليه يعود وأن الله تعالى تكلم به حقيقة ــ يعني: أن ابتداء تنزيله من الله، لا من جبريل ولا غيره؛ فجبريل نازل به من عند الله تعالى:؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٣] ، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٠٢] ، وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] . سبق الكلام عن معناها والدليل عليها في شرح الآيات عند البحث عن كلام الله. قوله: " وأن الله تكلم به حقيقة ": بناء على الأصل؛ أن جميع الصفات حقيقية، وإذا كان كلام الله حقيقة؛ فلا يمكن أن يكون مخلوقا؛ لأنه صفته، وصفة الخالق غير مخلوقة؛ كما أن صفة المخلوق مخلوقة. وقد قال الإمام أحمد: " من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع ". فنقول: اللفظ يطلق على معنيين: على المصدر الذي هو فعل الفاعل، وعلى الملفوظ به. أما على المعنى الأول الذي هو المصدر؛ فلا شك أن ألفاظنا بالقرآن وغير القرآن مخلوقة. لأننا إذا قلنا: أن اللفظ هو التلفظ؛ فهذا الصوت الخارج من حركة الفم واللسان والشفتين مخلوق. فإذا أريد باللفظ التلفظ؛ فهو مخلوق، سواء كان الملفوظ به قرآنا أو حديثا أو كلاما أحدثته من عندك.

стр. 2610

وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة ــ أما إذا قصد باللفظ الملفوظ به؛ فهذا منه مخلوق، ومنه غير مخلوق. وعليه؛ إذا قصد باللفظ الملفوظ به؛ فهذا منه مخلوق، ومنه غير مخلوق، وعليه؛ إذا كان الملفوظ به هو القرآن؛ فليس بمخلوق. هذا تفصيل القول في هذه المسألة. لكن الإمام أحمد ﵀ قال: " من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي " قال ذلك لأحد احتمالين: إما أن هذا القول من شعار الجهمية؛ كان الإمام أحمد يقول: إذا سمعت الرجل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فاعلم أنه جهمي. وإما أن يكون ذلك حين يريد القائل باللفظ الملفوظ به، وهذا أقرب؛ لأن الإمام أحمد نفسه فسره؛ قال: " من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ يريد القرآن؛ فهو جهمي ". وحينئذ يتضح معنى قوله: " من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي "؛ لأنه أراد الملفوظ به، ولا شك أن الذي يريد باللفظ هنا الملفوظ به جهمي. أما من قال: غير مخلوق؛ فالإمام أحمد يقول: مبتدع؛ لأن هذا ما عهد عن السلف، وما كانوا يقولون مثل هذا القول؛ يقولون: القرآن كلام الله، فقط. كرر المؤلف هذا؛ لأن المقام مقام عظيم؛ فإن هذه المسألة حصل فيها على علماء المسلمين من المحن ما هو معلوم، وهلك فيها أمم كثيرة، ولكن حمى الله الحق بالإمام أحمد وأشباهه، الذين أبوا أن يقولوا إلا أن القرآن كلام الله غير مخلوق.

стр. 2611

لا كلام غيره ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة عنه ــ قوله: " لا كلام غيره ": خلافا لمن قال: أن القرآن من كلام جبريل؛ ألهمه الله إياه، أو من محمد ... أو ما أشبه ذلك. فإن قلت: قول المؤلف هنا: " لا كلام غيره ": معارض بقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١] ، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠] ، والأول محمد ﷺ ، والثاني جبريل؟! فالجواب عن ذلك نقول: لا يمكن أن نحمل الآيتين على أن الرسولين تكلما به حقيقة، وأنه صدر منهما؛ لأن كلاما واحدا لا يمكن أن يصدر من متكلمين. قال: " لا يجوز إطلاق القول ": ولم يقل: لا يجوز القول؛ يعني: لا يجوز أن نقول: هذا القرآن عبارة عن كلام الله؛ على سبيل الإطلاق. والذين قالوا: إنه حكاية: هم الكلابية، والذين قالوا: إنه عبارة: هم الأشعرية. والكل اتفقوا على أن هذا القرآن الذي في المصحف ليس كلام الله، بل هو إما حكاية أو عبارة، والفرق بينهما: أن الحكاية المماثلة؛ يعني: كأن هذا المعنى الذي هو الكلام عندهم حكي بمرآة؛ كما يحكي الصدى كلام المتكلم.

стр. 2612

بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف؛ لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مبلغا مؤديا ــ أما العبارة؛ فيعني بها أن المتكلم عبر عن كلامه النفسي بحروف وأصوات خلقت. فلا يجوز أن نطلق أنه حكاية أو عبارة، لكن عند التفصيل؛ قد يجوز أن نقول: إن القارئ الآن يعبر عن كلام الله أو يحكي كلام الله؛ لأن لفظه بالقرآن ليس هو كلام الله. وهذا القول على هذا التقييد لا بأس به، لكن إطلاق أن القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله لا يجوز. وكان المؤلف ﵀ دقيقا في العبارة حيث قال: " لا يجوز إطلاق القول "؛ بل لا بد من التقييد والتعيين. يعني: مهما كتبه الناس في المصاحف أو حفظوه في صدورهم أو قرؤوه بألسنتهم؛ فإنه لا يخرج عن كونه كلام الله، ثم علل ذلك، فقال: " فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا". وهذا تعليل واضح؛ فالكلام يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئا، أما إضافته إلى من قاله مبلغا مؤديا؛ فعلى سبيل التوسع؛ فلو قرأنا الآن مثلا: حكم المحبة ثابت الأركان ... ما للصدود بفسخ ذاك يدان فإن هذا البيت ينسب حقيقة إلى ابن القيم. ولو قلت: كلامنا لفظ مفيد كاستقم ... واسم وفعل ثم حرف الكلم

стр. 2613

وهو كلام الله حروفه ومعانيه ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف. ــ فهذا ينسب حقيقة إلى ابن مالك. إذًا؛ الكلام يضاف حقيقة إلى القائل الأول. ف القرآن كلام من تكلم به أولا، وهو الله تعالى لا كلام من بلغه إلى غيره. قوله: " وهو كلام الله؛ حروفه ومعانيه " هذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ قالوا: إن الله تعالى تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه. قوله: " ليس كلام الله الحروف دون المعاني. " وهذا مذهب المعتزلة والجهمية؛ لأنهم يقولون: إن الكلام ليس معنى يقوم بذات الله، بل هو شيء من مخلوقاته؛ كالسماء والأرض والناقة والبيت وما أشبه ذلك فليس معنى قائما في نفسه؛ فكلام الله حروف خلقها الله ، وسماها كلاما له؛ كما خلق الناقة وسماها ناقة الله، وكما خلق البيت وسماه بيت الله. ولهذا كان الكلام عند الجهمية والمعتزلة هو الحروف؛ لأن كلام الله عندهم عبارة عن حروف وأصوات خلقها الله ونسبها إليه تشريفا وتعظيما. قوله: " ولا المعاني دون الحروف ": وهذا مذهب الكلابية والأشعرية؛ فكلام الله عندهم معنى في نفسه،

стр. 2614

ثم خلق أصواتا وحروفا تدل على هذا المعنى؛ إما عبارة أو حكاية. واعلم أن ابن القيم ﵀ ذكر أننا إذا أنكرنا أن الله يتكلم؛ فقد أبطلنا الشرع والقدر. - أما الشرع؛ فلأن الرسالات أنما جاءت بالوحي، والوحي كلام مبلغ إلى المرسل إليه، فإذا نفينا الكلام؛ انتفى الوحي، وإذا انتفى الوحي؛ انتفى الشرع. أما القدر؛ فلأن الخلق يقع بأمره بقوله: كن فيكون؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .

стр. 2615

فصل وقد دخل أيضا فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبرسله: الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانا بأبصارهم، كما يرون الشمس صحوا ليس دونها سحاب. ــ فصل: في الإيمان برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ومواضع الرؤية وجه كون الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة من الإيمان بالله ظاهر؛ لأن هذا مما أخبر الله به؛ فإذا آمنا به؛ فهو من الإيمان بالله. ووجه كونه من الإيمان بالكتب؛ لأن الكتب أخبرت بأن الله يرى؛ فالتصديق بذلك تصديق بالكتب. ووجه كونه من الإيمان بالملائكة؛ لأن نقل الوحي بواسطة الملائكة؛ فإن جبريل ينزل بالوحي من الله تعالى؛ فكان الإيمان بأن الله يرى من الإيمان بالملائكة. وكذلك نقول: من الإيمان بالرسل؛ لأن الرسل هم الذين بلغوا ذلك للخلق؛ فكان الإيمان بذلك من الإيمان بالرسل. بمعنى: معاينة. والمعاينة هي: الرؤية بالعين. دليل ذلك قوله ﵊: «ترونه كما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب» . "

стр. 2616

وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة ــ والمراد بالرؤية: بالعين؛ كما يدل عليه تشبيه الرؤية برؤية الشمس صحوا ليس دونها سحاب. سبق الكلام في ذلك. " عرصات ": جمع عرصة، وهو المكان الواسع الفسيح، الذي ليس فيه بناء؛ لأن الأرض تمد مد الأديم؛ كما قال الرسول ﵊؛ يعني: مد الجلد. فالمؤمنون يرون الله في عرصات يوم القيامة قبل أن يدخلوا الجنة؛ كما قال الله تعالى عن المكذبين بيوم الدين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] ؛ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ : يعني يوم الدين؛ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ، ويرونه كذلك بعد دخول الجنة. أما في عرصات القيامة؛ فالناس في العرصات ثلاثة أجناس: ١ - مؤمنون خلص ظاهرا وباطنا. ٢ - وكافرون خلص ظاهرا وباطنا. ٣ - ومؤمنون ظاهرا كافرون باطنا، وهم المنافقون. فأما المؤمنون؛ فيرون الله تعالى في عرصات القيامة وبعد دخول الجنة. وأما الكافرون؛ فلا يرون ربهم مطلقا، وقيل: يرونه؛ لكن رؤية

стр. 2617

ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله ــ غضب وعقوبة، ولكن ظاهر الأدلة يدل على أنهم لا يرون الله؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] . وأما المنافقون: فإنهم يرون الله في عرصات القيامة، ثم يحتجب عنهم، ولا يرونه بعد ذلك. يعني: يرون الله كما يشاء في كيفية رؤيتهم إياه، وكما يشاء الله في زمن رؤيتهم إياه، وفي جميع الأحوال؛ يعني: على الوجه الذي يشاؤه الله في هذه الرؤية. وحينئذ؛ فإن هذه الرؤية لا نعلم كيفيتها؛ بمعنى أن الإنسان لا يعلم كيف يرى ربه، ولكن معنى الرؤية معلوم؛ أنهم يرون الله كما يرون القمر؛ لكن على أي كيفية؟ هذه لا نعلمها، بل كما يشاء الله، وقد سبق التفصيل في الرؤية.

стр. 2618

فصل: ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت ــ فصل: في الإيمان باليوم الآخر شرع المؤلف رحمه الله تعالى في الكلام عن اليوم الآخر وعقيدة أهل السنة والجماعة فيه، فقال: " فصل: ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. " حكم الإيمان باليوم الآخر فريضة واجب، ومرتبته في الدين أنه أحد أركان الإيمان الستة. وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين الإيمان به تعالى والإيمان باليوم الآخر؛ الإيمان بالمبدأ والإيمان بالمعاد؛ لأن من لم يؤمن باليوم الآخر؛ لا يمكن أن يؤمن بالله؛ إذ أن الذي لا يؤمن باليوم الآخر؛ لن يعمل؛ لأنه لا يعمل إلا لما يرجوه من الكرامة في اليوم الآخر، وما يخافه من العذاب والعقوبة؛ فإذا كان لا يؤمن به؛ صار كمن حكى الله عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] . وسمي اليوم الآخر باليوم الآخر؛ لأنه يوم لا يوم بعده؛ فهو آخر المراحل. والإنسان له خمس مراحل: مرحلة العدم، ثم الحمل، ثم الدنيا،

стр. 2619

ثم البرزخ، ثم الآخرة. فأما مرحلة العدم فقد دل عليها قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥] . وأما مرحلة الحمل؛ فقال الله عنها: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر:٦] . وأما مرحلة الدنيا؛ فقال الله عنها: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] . وهذه المراحل هي التي عليها مدار السعادة والشقاء وهي دار الامتحان والابتلاء؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢] . وأما مرحلة البرزخ؛ فقال الله عنها: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] . وأما مرحلة الآخرة؛ فهي غاية المراحل، ونهاية الراحل؛ قال الله تعالى بعد ذكر المراحل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦] .

стр. 2620

فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر، وبنعيمه ــ وقوله ﵀: " الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت: كل هذا داخل في الإيمان باليوم الآخر. وذلك لأن الإنسان إذا مات؛ دخل في اليوم الآخر، ولهذا يقال: من مات؛ قامت قيامته؛ فكل ما يكون بعد الموت؛ فإنه من اليوم الآخر. إذًا؛ ما أقرب اليوم الآخر لنا؛ ليس بيننا وبينه إلا أن يموت الإنسان، ثم يدخل في اليوم الآخر ليس فيه إلا الجزاء على العمل. ولهذا يجب علينا أن ننتبه لهذه النقطة. فكر أيها الإنسان؛ تجد أنك على خطر؛ لأن الموت ليس له أجل معلوم عندنا؛ قد يخرج الإنسان من بيته ولا يرجع إليه، وقد يكون الإنسان على كرسي مكتبه ولا يقوم منه، وقد ينام الإنسان على فراشه ولكنه يحمل من فراشه إلى سرير غسله؛ وهذا أمر يستوجب منا أن ننتهز فرصة العمر بالتوبة إلى الله ، وأن يكون الإنسان دائما يستشعر بأنه تائب إلى الله وراجع ومنيب حتى يأتيه الأجل وهو على خير ما يرام. الفتنة هنا: الاختبار، والمراد بفتنة القبر: سؤال الميت إذا دفن عن ربه ودينه ونبيه. والضمير في " يؤمنون ": يعود على أهل السنة؛ أي أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بفتنة القبر، وذلك لدلالة الكتاب والسنة عليها. أما الكتاب؛ ففي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] ؛ فإن هذا في فتنة القبر؛ كما

стр. 2621

ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما السنة؛ فقد تظافرت بأن الإنسان يفتن في قبره، وهي فتنة قال فيها النبي ﷺ : «إنه قد أوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل (أو: قريبا من) فتنة الدجال» . وفتنة الدجال أعظم فتنة منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة؛ كما في "صحيح مسلم " عن عمران بن حصين ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال» . ولكن النبي ﷺ قال لأصحابه، بل قال لأمته: «إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم؛ فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم» . ومع ذلك؛ فإن نبينا محمدا ﷺ كيف نحاجه، وأعلمنا بأوصافه وميزاته حتى كأنا نشاهده رأي عين، وبهذه الأوصاف والميزات نستطيع أن نحاجه. ولهذا نقول: أن فتنة الدجال أعظم فتنة، والرسول عليه الصلاة

стр. 2622

فأما الفتنة فإن الناس يفتنون ــ والسلام قال: «إنكم تفتنون في قبوركم مثل -أو قريبا من- فتنة الدجال» . وما أعظمها من فتنة لأن الإنسان يتلقى فيها السؤال الذي لا يمكن الجواب عليه؛ إلا على أساس متين من العقيدة والعمل الصالح. هذا شروع في بيان كيفية فتنة الميت في قبره. وكلمة " الناس " عامة، وظاهر كلام المؤلف أن كل أحد، حتى الأنبياء والصديقون والشهداء والمرابطون وغير المكلفين من الصغار والمجانين، وفي هذا تفصيل؛ فنقول: أولا: أما الأنبياء؛ فلا تشملهم الفتنة، ولا يسألون، وذلك لوجهين: الأول: أن الأنبياء أفضل من الشهداء، وقد أخبر النبي ﷺ أن الشهيد يوقى فتنة القبر، وقال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» ؛ أخرجه النسائي. الثاني: أن الأنبياء يسأل عنهم؛ فيقال للميت: من نبيك؟ فهم مسؤول عنهم، وليسوا مسؤولين، ولهذا قال النبي ﷺ : «إنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم» ، والخطاب للأمة المرسل إليهم؛ فلا يكون الرسول داخلا فيهم. ثانيا: وأما الصديقون؛ فلا يسألون؛ لأن مرتبة الصديقين أعلى من مرتبة الشهداء؛ فإذا كان الشهداء لا يسألون؛ فالصديقون من باب أولى،

стр. 2623

ولأن الصديق على وصفه مصدق وصادق؛ فهو قد علم صدقه؛ فلا حاجة إلى اختباره؛ لأن الاختبار لمن يشك فيه؛ هل هو صادق أو كاذب، أما إذا كان صادقا؛ فلا حاجة تدعو لسؤاله، وذهب بعض العلماء إلى أنهم يسألون؛ لعموم الأدلة، والله أعلم. ثالثا: وأما الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؛ فإنهم لا يسألون؛ لظهور صدق إيمانهم بجهادهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١] . وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] . وقال النبي ﷺ : «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» . وإذا كان المرابط؛ إذا مات؛ أمن الفتان؛ لظهور صدقه؛ فهذا الذي قتل في المعركة مثله أو أولى منه؛ لأنه بذل وعرض رقبته لعدو الله؛ إعلاء لكلمة الله، وانتصارا لدينه، وهذا من أكبر الأدلة على صدق إيمانه. رابعا: وأما المرابطون؛ فإنهم لا يفتنون؛ ففي " صحيح مسلم "؛ أن رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات؛ جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان» . خامسا: الصغار والمجانين؛ هل يفتنون أو لا يفتنون؟

стр. 2624

في قبورهم ــ قال بعض العلماء: إنهم يفتنون؛ لدخولهم في العموم، ولأنهم إذا سقط التكليف عنهم في حالة الحياة؛ فإن حال الممات تخالف حال الحياة. وقال بعض العلماء: إن المجانين والصغار لا يسألون؛ لأنهم غير مكلفين، وإذا كانوا غير مكلفين؛ فإنه لا حساب عليهم؛ إذ لا حساب إلا على من كان مكلفا يعاقب على المعاصي، وهؤلاء لا يعاقبون، وليس لهم إلا الثواب؛ إن عملوا عملا صالحا يثابون عليه. إذًا؛ خرج من قول المؤلف: " فإن الناس ": خمسة أصناف: الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والمرابطون، ومن لا عقل له؛ كالمجانين والصبيان. تنبيه: الناس ثلاثة أقسام: مؤمنون خلص، ومنافقون، وهذان القسمان يفتنون، والثالث كفار خلص؛ ففي فتنتهم خلاف، وقد رجح ابن القيم في كتاب " الروح " أنهم يفتنون. وهل تسأل الأمم السابقة؟ ذهب بعض العلماء -وهو الصحيح- إلى أنهم يسألون؛ لأنه إذا كانت هذه الأمة -وهي أشرف الأمم- تسأل؛ فمن دونها من باب أولى. قوله: " في قبورهم ": جمع قبر، وهي مدفن الأموات، والمراد ما هو أعم؛ فيشمل البرزخ، وهو ما بين موت الإنسان وقيام الساعة، سواء دفن الميت أو أكلته السباع في البر أو الحيتان في البحر أو أتلفته الرياح. والظاهر أن الفتنة لا تكون إلا إذا انتهت الأحوال الدنيوية، وسلم إلى

стр. 2625

فيقال للرجل ــ عالم الآخرة؛ فإذا تأخر دفنه يوما أو أكثر؛ لم يكن السؤال حتى يدفن. قوله: " فيقال للرجل ": القائل ملكان يأتيان إلى الإنسان في قبره، ويجلسانه، ويسألانه، حتى إنه ليسمع قرع نعال المنصرفين عنه، وهما يسألانه، ولهذا كان من هدي النبي ﷺ ؛ أنه إذا دفن الميت؛ وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» . وورد في بعض الآثار أن اسمهما: منكر، ونكير. وأنكر بعض العلماء هذين الاسمين؛ قال: كيف يسمى الملائكة وهم الذين وصفهم الله تعالى بأوصاف الثناء بهذين الاسمين المنكرين، وضعف الحديث الوارد في ذلك. وذهب آخرون إلى أن الحديث حجة، وأن هذه التسمية ليس لأنهما منكران من حيث ذواتهما، ولكنهما منكران من حيث إن الميت لا يعرفهما، وليس له بهما علم سابق، وقد قال إبراهيم لأضيافه الملائكة: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذريات:٢٥] ؛ أنه لا يعرفهم، فهذان منكر ونكير؛ لأنهما غير معروفين للميت. ثم هذان الملكان هل هما ملكان جديدان، موكلان بأصحاب القبور أو هما الملكان الكاتبان عن اليمين وعن الشمال قعيد؟ منهم من قال: إنهما الملكان اللذان يصحبان المرء؛ فإن لكل إنسان ملكين في الدنيا يكتبان أعماله، وفي القبر يسألانه هذه الأسئلة الثلاثة.

стр. 2626

من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ــ ومنهم من قال: بل هما ملكان آخران، والله يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] ، والملائكة خلق كثير؛ قال النبي ﷺ : «أطت السماء، وحق لها أن تئط (والأطيط: صرير الرحل) ؛ ما من موضع شبر (أو قال: أربع أصابع) ؛ إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد» ، والسماء واسعة الأرجاء؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] . فالمهم أنه لا غرابة أن ينشئ الله لكل مدفون ملكين يرسلهما إليه، والله على كل شيء قدير. يعني: من ربك الذي خلقك وتعبده وتخصه بالعبادة؟ لأجل أن تنتظم هذه الكلمة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. يعني: ما عملك الذي تدين به لله ، وتتقرب به إليه؟ يعني: من النبي الذي تؤمن به وتتبعه؟ أي: يجعلهم ثابتين لا يترددون ولا يتلعثمون في الجواب. والقول الثابت: هو التوحيد؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٢٤] . وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يحتمل أنها متعلقة بـ يثبت؛ يعني: أن الله يثبت المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة ويحتمل....

стр. 2627

فيقول المؤمن ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد نبيي وأما المرتاب فيقول هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ــ أنها متعلقة بالثابت؛ فتكون وصفًا للقول؛ يعني: أن هذا القول ثابت في الدنيا وفي الآخرة. ولكن المعنى الأول أحسن وأقرب؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] ؛ وقال الله : ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] ، فهم يثبتون في الحياة الدنيا وفي الآخرة بالقول الثابت. فيقول المؤمن: ربي الله. عندما يقال له: من ربك؟ ويقول إذا قيل له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام ديني. ويقول كذلك: محمد ﷺ نبيي. إذا قيل له: من نبيك؟ وحينئذ يكون الجواب صوابا، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة. قوله: " وأما المرتاب فيقول هاه هاه! لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ": المرتاب: الشاك والمنافق وشبههما، " فيقول: هاه! هاه! لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته "؛ يعني: لم يلج الإيمان قلبه، وإنما كان يقول كما يقول الناس من غير أن يصل الإيمان إلى قلبه. وتأمل قوله: " هاه! هاه! "؛ كأن شيئا غاب عنه؛ يريد أن يتذكره، وهذا أشد في التحسر؛ أن يتخيل أنه يعرف هذا الجواب، ولكن يحال بينه وبينه، ويقول هاه! هاه! ثم يقول: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.

стр. 2628

فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق ــ ولا يقول: ربي الله! ولا: ديني الإسلام! ولا: نبيي محمد! لأنه في الدنيا مرتاب شاك! هذا إذا سئل في قبره وصار أحوج ما يكون إلى الجواب الصواب؛ يعجز ويقول: لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. إذا؛ إيمانه قول فقط!! يعني: الذي لم يجب، سواء كان الكافر أو المنافق والضارب له الملكان اللذان يسألانه. المرزبة: هي مطرقة من حديد، وقد ورد في بعض الروايات أنه لو اجتمع عليها أهل منى؛ ما أقلوها. فإذا ضرب، يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان أي: صياحا مسموعا، يسمعه كل شيء، يكون حوله مما يسمع صوته، وليس كل شيء في أقطار الدنيا يسمعه، وأحيانا يتأثر به ما يسمعه؛ كما مر النبي ﷺ بأقبر للمشركين على بغلته؛ فحادت به، حتى كادت تلقيه؛ لأنها سمعت أصواتهم يعذبون. قوله: " إلا الإنسان "؛ يعني: أنه لا يسمع هذا الصياح، وذلك لحكم عظيمة؛ منها: أولا: ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن»

стр. 2629

«يسمعكم من عذاب القبر» . ثانيا: أن في إخفاء ذلك سترًا للميت. ثالثًا: أن فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأن أهله إذا سمعوا ميتهم يعذب ويصيح؛ لم يستقر لهم قرار. رابعا: عدم تخجيل أهله؛ لأن الناس يقولون: هذا ولدكم! هذا أبوكم! هذا أخوكم! وما أشبه ذلك. خامسا: أننا قد نهلك؛ لأنها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد توجب أن تسقط القلوب من معاليقها، فيموت الإنسان أو يغشى عليه. سادسا: لو سمع الناس صراخ هؤلاء المعذبين؛ لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان؛ لأن الناس سوف يؤمنون بما شاهدوه قطعا؛ لكن إذا كان غائبا عنهم، ولم يعلموا به إلا عن طريق الخبر؛ صار من باب الإيمان بالغيب. تنبيه: قول المؤلف ﵀: " فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان؛ لصعق "؛ إنما ورد قوله: " يسمعها كل شيء إلا الإنسان. . . . " إلخ في قول الجنازة إذا احتملها الرجال على أعناقهم؛ كما قال النبي ﷺ : «فإن كانت صالحة؛ قالت: قدموني! وإن كانت غير صالحة؛»

стр. 2630

ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب ــ «قالت يا ويلها! أين يذهبون بها؟ ! يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه؛ لصعق» . أما الصيحة في القبر؛ فقال النبي ﷺ : «فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» . أخرجه البخاري بهذا اللفظ، والمراد بالثقلين: الإنس والجن. " ثم ": هذه لمطلق الترتيب، وليست للتراخي؛ لأن الإنسان يعذب أو ينعم فورا؛ كما سبق أنه إذا قال: لا أدري! يضرب بمرزبة، وأن ذاك الذي أجاب بالصواب؛ يفتح له باب الجنة، ويوسع له في قبره. * وهذا النعيم أو العذاب؛ هل هو على البدن أو على الروح أو يكون على البدن والروح جميعا؟ نقول: المعروف عند أهل السنة والجماعة أنه في الأصل على الروح، والبدن تابع لها، كما أن العذاب في الدنيا على البدن، والروح تابعة له، وكما أن الأحكام الشرعية في الدنيا على الظاهر، وفي الآخرة بالعكس، ففي القبر يكون العذاب أو النعيم على الروح، لكن الجسم يتأثر بهذا تبعا، وليس على سبيل الاستقلال، وربما يكون العذاب على البدن والروح تتبعه، والنعيم للروح والبدن تبع. لكن هذا لا يقع إلا نادرا؛ إنما الأصل العذاب على الروح والبدن تبع. وقوله: " إما نعيم وإما عذاب ": فيه إثبات النعيم والعذاب في القبر، وقد دل ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بل لنا أن نقول: وإجماع المسلمين:
следующие страницы →