Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فـ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾
ــ
ومنهم من قال: بل هما ملكان آخران، والله يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] ، والملائكة خلق كثير؛ قال النبي ﷺ : «أطت السماء، وحق لها أن تئط (والأطيط: صرير الرحل) ؛ ما من موضع شبر (أو قال: أربع أصابع) ؛ إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد» ، والسماء واسعة الأرجاء؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] .
فالمهم أنه لا غرابة أن ينشئ الله لكل مدفون ملكين يرسلهما إليه، والله على كل شيء قدير.
يعني: من ربك الذي خلقك وتعبده وتخصه بالعبادة؟ لأجل أن تنتظم هذه الكلمة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
يعني: ما عملك الذي تدين به لله ، وتتقرب به إليه؟
يعني: من النبي الذي تؤمن به وتتبعه؟
أي: يجعلهم ثابتين لا يترددون ولا يتلعثمون في الجواب.
والقول الثابت: هو التوحيد؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم:٢٤] .
وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يحتمل أنها متعلقة بـ يثبت؛ يعني: أن الله يثبت المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة ويحتمل....
стр. 2627
فيقول المؤمن ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد نبيي
وأما المرتاب فيقول هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته
ــ
أنها متعلقة بالثابت؛ فتكون وصفًا للقول؛ يعني: أن هذا القول ثابت في الدنيا وفي الآخرة.
ولكن المعنى الأول أحسن وأقرب؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] ؛ وقال الله : ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] ، فهم يثبتون في الحياة الدنيا وفي الآخرة بالقول الثابت.
فيقول المؤمن: ربي الله. عندما يقال له: من ربك؟ ويقول إذا قيل له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام ديني. ويقول كذلك: محمد ﷺ نبيي. إذا قيل له: من نبيك؟
وحينئذ يكون الجواب صوابا، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة.
قوله: " وأما المرتاب فيقول هاه هاه! لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ":
المرتاب: الشاك والمنافق وشبههما، " فيقول: هاه! هاه! لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته "؛ يعني: لم يلج الإيمان قلبه، وإنما كان يقول كما يقول الناس من غير أن يصل الإيمان إلى قلبه.
وتأمل قوله: " هاه! هاه! "؛ كأن شيئا غاب عنه؛ يريد أن يتذكره، وهذا أشد في التحسر؛ أن يتخيل أنه يعرف هذا الجواب، ولكن يحال بينه وبينه، ويقول هاه! هاه! ثم يقول: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.
стр. 2628
فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق
ــ
ولا يقول: ربي الله! ولا: ديني الإسلام! ولا: نبيي محمد! لأنه في الدنيا مرتاب شاك!
هذا إذا سئل في قبره وصار أحوج ما يكون إلى الجواب الصواب؛ يعجز ويقول: لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.
إذا؛ إيمانه قول فقط!!
يعني: الذي لم يجب، سواء كان الكافر أو المنافق والضارب له الملكان اللذان يسألانه.
المرزبة: هي مطرقة من حديد، وقد ورد في بعض الروايات أنه لو اجتمع عليها أهل منى؛ ما أقلوها.
فإذا ضرب، يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان
أي: صياحا مسموعا، يسمعه كل شيء، يكون حوله مما يسمع صوته، وليس كل شيء في أقطار الدنيا يسمعه، وأحيانا يتأثر به ما يسمعه؛ كما مر النبي ﷺ بأقبر للمشركين على بغلته؛ فحادت به، حتى كادت تلقيه؛ لأنها سمعت أصواتهم يعذبون.
قوله: " إلا الإنسان "؛ يعني: أنه لا يسمع هذا الصياح، وذلك لحكم عظيمة؛ منها: أولا: ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن»
стр. 2629
«يسمعكم من عذاب القبر» .
ثانيا: أن في إخفاء ذلك سترًا للميت.
ثالثًا: أن فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأن أهله إذا سمعوا ميتهم يعذب ويصيح؛ لم يستقر لهم قرار.
رابعا: عدم تخجيل أهله؛ لأن الناس يقولون: هذا ولدكم! هذا أبوكم! هذا أخوكم! وما أشبه ذلك.
خامسا: أننا قد نهلك؛ لأنها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد توجب أن تسقط القلوب من معاليقها، فيموت الإنسان أو يغشى عليه.
سادسا: لو سمع الناس صراخ هؤلاء المعذبين؛ لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان؛ لأن الناس سوف يؤمنون بما شاهدوه قطعا؛ لكن إذا كان غائبا عنهم، ولم يعلموا به إلا عن طريق الخبر؛ صار من باب الإيمان بالغيب.
تنبيه: قول المؤلف ﵀: " فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان؛ لصعق "؛ إنما ورد قوله: " يسمعها كل شيء إلا الإنسان. . . . " إلخ في قول الجنازة إذا احتملها الرجال على أعناقهم؛ كما قال النبي ﷺ : «فإن كانت صالحة؛ قالت: قدموني! وإن كانت غير صالحة؛»
стр. 2630
ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب
ــ
«قالت يا ويلها! أين يذهبون بها؟ ! يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه؛ لصعق» . أما الصيحة في القبر؛ فقال النبي ﷺ : «فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» . أخرجه البخاري بهذا اللفظ، والمراد بالثقلين: الإنس والجن.
" ثم ": هذه لمطلق الترتيب، وليست للتراخي؛ لأن الإنسان يعذب أو ينعم فورا؛ كما سبق أنه إذا قال: لا أدري! يضرب بمرزبة، وأن ذاك الذي أجاب بالصواب؛ يفتح له باب الجنة، ويوسع له في قبره.
* وهذا النعيم أو العذاب؛ هل هو على البدن أو على الروح أو يكون على البدن والروح جميعا؟
نقول: المعروف عند أهل السنة والجماعة أنه في الأصل على الروح، والبدن تابع لها، كما أن العذاب في الدنيا على البدن، والروح تابعة له، وكما أن الأحكام الشرعية في الدنيا على الظاهر، وفي الآخرة بالعكس، ففي القبر يكون العذاب أو النعيم على الروح، لكن الجسم يتأثر بهذا تبعا، وليس على سبيل الاستقلال، وربما يكون العذاب على البدن والروح تتبعه، والنعيم للروح والبدن تبع. لكن هذا لا يقع إلا نادرا؛ إنما الأصل العذاب على الروح والبدن تبع.
وقوله: " إما نعيم وإما عذاب ": فيه إثبات النعيم والعذاب في القبر، وقد دل ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بل لنا أن نقول: وإجماع المسلمين:
стр. 2631
-أما من كتاب الله؛ فالثلاثة أصناف التي في آخر الواقعة ظاهرة في ثبوت عذاب القبر ونعيمه.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٤] .
وهذا أمر مشاهد؛ يسمع المحتضر يرحب بالقادمين عليه من الملائكة، ويقول: مرحبًا! وأحيانا يقول: مرحبًا؛ أجلس هنا! كما ذكره ابن القيم في كتاب " الروح "، وأحيانا يحس بأن هذا الرجل أصيب بشيء مخيف، فيتغير وجهه عند الموت إذا نزلت عليه ملائكة العذاب والعياذ بالله.
ومن أدلة القرآن قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ، وهذا قبل قيام الساعة؛ بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] .
ومن أدلة القرآن أيضا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ ، وهم شاحون بأنفسهم، لا يريدونها أن تخرج؛ لأنهم قد بشروا بالعذاب والعقوبة، فتجد الروح تأبى الخروج، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] : ﴿الْيَوْمَ﴾ : (الـ) : للعهد الحضوري؛ كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] يعني: اليوم الحاضر.
стр. 2632
وكذلك ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ : (الـ) للعهد الحضوري، والمراد به: يوم حضور الملائكة لقبض أرواحهم، وهذا يقتضي أنهم يعذبون من حين أن تخرج أرواحهم، وهذا هو عذاب القبر.
ومن أدلة القرآن أيضا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل:٣٢] ، وذلك في حال الوفاة.
ولهذا جاء في الحديث الصحيح: " يقال لنفس المؤمن: اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى مغفرة من الله ورضوان "؛ فتفرح بهذه البشرى، وتخرج منقادة سهلة، وإن كان البدن قد يتألم، لكن الروح منقادة مستبشرة.
وأما السنة في عذاب القبر ونعيمه؛ فمتواترة، ومنها ما ثبت في " الصحيحين " من حديث ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ مر بقبرين؛ فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير.» . . " الحديث.
وأما الإجماع؛ فكل المسلمين يقولون في صلاتهم: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر. . . ولو أن عذاب القبر غير ثابت؛ ما صح أن يتعوذوا بالله منه؛ إذ لا تعوذ من أمر ليس موجودا، وهذا يدل على أنهم يؤمنون به.
فإن قال قائل: هل العذاب أو النعيم في القبر دائم أو ينقطع؟
فالجواب أن يقال:
стр. 2633
أما العذاب للكفار؛ فإنه دائم، ولا يمكن أن يزول العذاب عنهم؛ لأنهم مستحقون لذلك، ولأنه لو زال العذاب عنهم؛ لكان هذا راحة لهم، وهم ليسوا أهلا لذلك؛ فهم باستمرار في عذاب إلى يوم القيامة، ولو طالت المدة؛ فقوم نوح الذين أغرقوا ما زالوا يعذبون في هذه النار التي أدخلوا فيها، ويستمر عذابهم إلى يوم القيامة، وكذلك آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا.
وذكر بعض العلماء أنه يخفف عن الكفار ما بين النفختين، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] ، ولكن هذا ليس بلازم؛ لأن قبورهم مرقد لهم، وإن عذبوا فيها.
أما عصاة المؤمنين الذين يقضي الله تعالى عليهم بالعذاب؛ فهؤلاء قد يدوم عذابهم وقد لا يدوم، وقد يطول وقد لا يطول؛ حسب الذنوب، وحسب عفو الله .
والعذاب في القبر أهون من عذاب يوم القيامة؛ لأن العذاب في القبر ليس خزي وعار، لكن في الآخرة فيه الخزي والعار؛ لأن الأشهاد موجودون: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] .
* فإن قال قائل: لو أن هذا الرجل تمزق أوصالا، وأكلته السباع، وذرته الرياح؛ فكيف يكون عذابه، وكيف يكون سؤاله؟ !
فالجواب: أن الله على كل شيء قدير، وهذا أمر غيبي؛ فالله قادر على أن يجمع هذه الأشياء في عالم الغيب، وإن كنا نشاهدها في الدنيا متمزقة متباعدة، لكن في عالم الغيب ربما يجمعها الله.
стр. 2634
فأنظر إلى الملائكة تنزل لقبض روح الإنسان في المكان نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] ، ومع ذلك لا نبصرهم.
وملك الموت يكلم الروح، ونحن لا نسمع.
وجبريل يتمثل أحيانا للرسول ﵊، ويكلمه بالوحي في نفس المكان، والناس لا ينظرون ولا يسمعون.
فعالم الغيب لا يمكن أبدا أن يقاس بعالم الشهادة، وهذه من حكمة الله ؛ فنفسك التي في جوفك ما تدري كيف تتعلق ببدنك؟! كيف هي موزعة على البدن؟! وكيف تخرج منك عند النوم؟! هل تحس بها عند استيقاظك بأنها ترجع؟! ومن أين تدخل لجسمك؟ !
فعالم الغيب ليس فيه إلا التسليم، ولا يمكن فيه القياس إطلاقا؛ فالله قادر على أن يجمع هذه المتفرقات من البدن المتمزق الذي ذرته الرياح، ثم يحصل عليه المساءلة والعذاب أو النعيم؛ لأن الله سبحانه على كل شيء قدير.
* فإن قال قائل: الميت يدفن في قبر ضيق؛ فكيف يوسع له مد البصر؟ !
فالجواب: أن عالم الغيب لا يقاس بعالم الشهادة، بل إننا لو فرض أن أحدا حفر حفرة مد البصر، ودفن فيه الميت، وأطبق عليه التراب؛ فالذي لا يعلم بهذه الحفرة؛ هل يراها أو لا يراها؟ ! لا شك أنه لا يراها؛ مع أن هذا في عالم الحس، ومع ذلك لا يرى هذه السعة، ولا يعلم بها؛ إلا من شاهدها.
стр. 2635
فإذا قال قائل: نحن نرى الميت الكافر إذا حفرنا قبره بعد يوم أو يومين؛ نرى أضلاعه لم تختلف وتتداخل من الضيق؟ !
فالجواب كما سبق: أن هذا من عالم الغيب، ومن الجائز أن تكون مختلفة؛ فإذا كشف عنها؛ أعادها الله، ورد كل شيء إلى مكانه؛ امتحانا للعباد؛ لأنها لو بقيت مختلفة ونحن قد دفناه وأضلاعه مستقيمة؛ صار الإيمان بذلك إيمان شهادة.
* فإن قال قائل كما قال الفلاسفة: نحن نضع الزئبق على الميت، وهو أسرع الأشياء تحركا ومروقا، وإذا جئنا من الغد؛ وجدنا الزئبق على ما هو عليه، وأنتم تقولون: إن الملائكة يأتون ويجلسون هذا الرجل، والذي يجلس؛ كيف يبقى عليه الزئبق؟ !
فنقول أيضا كما قلنا سابقا: هذه من عالم الغيب، وعلينا الإيمان والتصديق، ومن الجائز أيضا أن الله يرد هذا الزئبق إلى مكانه بعد أن تحول بالجلوس.
ونقول أيضا: انظروا إلى الرجل في المنام؛ يرى أشياء لو كان على حسب رؤيته إياها؛ ما بقي في فراشه على السرير، وأحيانا تكون رؤيا حق من الله ، فتقع كما كان يراها في منامه، ومع ذلك؛ نحن نؤمن بهذا الشيء.
والإنسان إذا رأى في منامه ما يكره؛ أصبح وهو متكدر، وإذا رأى ما يسره؛ أصبح وهو مستبشر؛ كل هذا يدل على أن أمور الروح ليست من الأمور المشاهدة، ولا تقاس أمور الغيب بالمشاهد، ولا ترد النصوص الصحيحة؛ لاستبعادنا ما تدل عليه حسب المشاهد.
стр. 2636
فصل
إلى أن تقوم القيامة الكبرى فتعاد الأرواح إلى الأجساد
ــ
فصل
في القيامة الكبرى
القيامة الكبرى هي التي يقوم فيها الناس من قبورهم لرب العالمين.
* وأفادنا المؤلف ﵀ بقوله: " القيامة الكبرى ": أن هناك قيامة صغرى، وهي قيامة كل إنسان بعينه؛ فإن كل إنسان له قيامة؛ فمن مات؛ قامت قيامته.
* وسكت المؤلف ﵀ عن أشراط الساعة؛ فلم يذكرها؛ لأن المؤلف إنما يريد أن يتكلم عن اليوم الآخر، وما أشراط الساعة إلا مجرد علامات وإنذارات لقرب قيام الساعة؛ ليستعد لها من يستعد.
وبعض أهل العلم الذين صنفوا في العقائد ذكروا أشراط الساعة هنا، والحقيقة أنه لا تعلق لها في الإيمان باليوم الآخر، وإن كانت هي من الأمور الغيبية التي أشار الله إليها في القرآن وفصلها النبي ﷺ في السنة.
الأمر الأول: مما يكون في القيامة:
ما أشار إليه المؤلف بقوله: " فتعاد الأرواح إلى الأجساد ".
هذا أول الأمور: ويكون بعد النفخة الثانية في الصور، وذلك بعد أن فارقتها بالموت، وهذه غير الإعادة التي تكون في البرزخ حين سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه، وذلك أن الله يأمر إسرافيل فينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات والأرض؛ إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه مرة أخرى فتتطاير الأرواح من الصور إلى أجسادها، وتحل فيها.
* وفي قول المؤلف: " إلى الأجساد ": إشارة أن الأرواح لا تخرج من
стр. 2637
الصور؛ إلا بعد أن تتكامل الأجساد مخلوقة؛ فإذا كملت خلقتها؛ نفخ في الصور، فأعيدت الأرواح إلى أجسادها.
* وفي قوله: " تعاد الأرواح إلى الأجساد ": دليل على أن البعث إعادة وليس تجديدًا، بل هو إعادة لما زال وتحول؛ فإن الجسد يتحول إلى تراب، والعظام تكون رميما؛ يجمع الله تعالى هذا المتفرق، حتى يتكون الجسد، فتعاد الأرواح إلى أجسادها، وأما من زعم بأن الأجساد تخلق من جديد؛ فإن هذا زعم باطل يرده الكتاب والسنة والعقل:
- أما الكتاب؛ فإن الله يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] ؛ أي: يعيد ذلك الخلق الذي ابتدأه.
وفي الحديث القدسي: «يقول الله تعالى: ليس أول الخلق بأهون علي من إعادته» فالكل على الله هين.
وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] .
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦] .
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] .
- وأما السنة؛ فهي كثيرة جدًا في هذا؛ حيث بين النبي ﷺ : " «أن الناس يحشرون فيها حفاة عراة غرلا» ؛ فالناس هم الذين يحشرون، وليس سواهم.
стр. 2638
وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون
ــ
فالمهم؛ أن البعث إعادة للأجساد السابقة.
* فإذا قلت: ربما يؤكل الإنسان من قبل السباع، ويتحول جسمه الذي أكله السبع إلى تغذية لهذا الآكل تختلط بدمه ولحمه وعظمه وتخرج في روثه وبوله؛ فما الجواب على ذلك؟
فالجواب: أن الأمر هين على الله؛ يقول: كن! فيكون، ويتخلص هذا الجسم الذي سيبعث من كل هذه الأشياء التي اختلط بها، وقدرة الله فوق ما نتصوره؛ فالله على كل شيء قدير.
هذه ثلاثة أنواع من الأدلة: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع المسلمين:
- فأما كتاب الله تعالى؛ فقد أكد الله تعالى في كتابه هذه القيامة، وذكرها الله بأوصاف عظيمة، توجب الخوف والاستعداد لها:
فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١- ٢] .
وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣] .
وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ١ - ٥] .
стр. 2639
والأوصاف لها في القرآن كثيرة؛ كلها مروعة مخوفة؛ لأنها عظيمة، وإذا لم نؤمن بها؛ فلن نعمل لها؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يعمل لهذا اليوم حتى يؤمن به وحتى يذكر له أوصافه التي توجب العمل لهذا اليوم.
- وأما السنة؛ فالأحاديث في ذكر القيامة كثيرة، بين الرسول ﵊ بها ما يكون فيها؛ كما سيأتي إن شاء الله في ذكر الحوض والصراط والكتاب وغير ذلك مما بينه الرسول ﷺ .
- وأما الإجماع - وهو النوع الثالث -؛ فقد أجمع المسلمون إجماعا قطعيا على الإيمان بيوم القيامة، ولهذا كان من أنكره؛ فهو كافر؛ إلا إذا كان غريبا عن الإسلام وجاهلا؛ فإنه يعرف؛ فإن أصر على الإنكار بعد ذلك؛ فهو كافر.
- وهناك نوع رابع من الأدلة، وهو الكتب السماوية؛ حيث اتفقت على إثبات اليوم الآخر، ولهذا كان اليهود والنصارى يؤمنون بذلك، وحتى الآن يؤمنون به، ولهذا تسمعونهم يقولون: فلان المرحوم، أو: ﵀، أو: ما أشبه ذلك؛ مما يدل على أنهم يؤمنون باليوم الآخر إلى يومنا هذا.
- وثم نوع خامس، وهو العقل، ووجه ذلك أنه لو لم يكن هذا اليوم؛ لكان إيجاد الخلائق عبثًا، والله منزه عن العبث؛ فما الحكمة من قوم يُخلقون ويؤمرون ويُنهون ويُلزمون بما يلزمون به ويُندبون إلى ما يُندبون إليه، ثم يموتون، ولا حساب، ولا عقاب؟ !
ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] .
стр. 2640
فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا
ــ
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥] .
كيف يفرض القرآن ويفرض العمل به؛ ثم لا يكون هناك معاد؛ نحاسب على ما نفذنا من القرآن الذي فرض علينا؟ ! فصارت أنواع الأدلة على ثبوت اليوم الآخر خمسة.
الأمر الثاني مما يكون في القيامة:
ما أشار إليه بقوله: " فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا ".
قوله: " من قبورهم ": هذا بناء على الأغلب وإلا؛ فقد يكون الإنسان غير مدفون.
قوله: " لرب العالمين "؛ يعنى: لأن الله يناديهم.
قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤١ - ٤٢] ؛ فيقومون لهذا النداء العظيم من قبورهم لربهم .
قال الله ﵎: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦] .
قوله: " حفاة عراة غرلا ": " حفاة ": ليس عليهم نعال ولا خفاف؛ يعني: أنه ليس عليهم للرجل.
" عراة ": ليس عليهم لباس للجسد.
стр. 2641
وتدنو منهم الشمس
ــ
" غرلا ": لم ينقص من خلقهم شيء، والغرل: جمع أغرل، وهو الذي لم يختن؛ أي أن القلفة التي قطعت منه في الدنيا تعود يوم القيامة؛ لأن الله يقول: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] ؛ فيعاد كاملا، لم ينقص منه شيء؛ يعودون على هذا الوصف مختلطين رجالا ونساء.
ولما «حدث النبي ﵊ بذلك؛ قالت عائشة: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال: " الأمر أشد من أن يهمهم ذلك " (وفي رواية: من أن ينظر بعضهم إلى بعض) » .
فكل إنسان له شأن يغنيه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] .
لا رجل ينظر إلى امرأة، ولا امرأة تنظر إلى رجل، حتى إن ابنه أو أباه يفر منه؛ خوفًا من أن يطالبه بحقوق له، وإذا كان هذا هو الواقع؛ فإنه لا يمكن أن تنظر المرأة إلى الرجل، ولا الرجل إلى المرأة؛ الأمر أشد وأعظم.
ولكن؛ مع ذلك؛ يكسون بعد هذا، وأول من يكسى إبراهيم ﵊؛ كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ .
الأمر الثالث مما يكون يوم القيامة:
ما أشار إليه بقوله: " وتدنو منهم الشمس ".
* " تدنو ": أي تقرب منهم الشمس، وتقرب منهم مقدار ميل.
стр. 2642
وهذا الميل سواء كان المسافة أو ميل المكحلة؛ فإنها قريبة، وإذا كانت هذه حرارتها في الدنيا، وبيننا وبينها من البعد شيء عظيم؛ فكيف إذا كانت عن الرؤوس بمقدار ميل؟!
* قد يقول قائل: المعروف الآن أن الشمس لو تدنو بمقدار شعرة عن مستوى خطها؛ لأحرقت الأرض؛ فكيف يمكن أن تكون في ذلك اليوم بهذا المقدار من البعد، ثم لا تحرق الخلق؟
فالجواب على ذلك: أن الناس يحشرون يوم القيامة؛ ليسوا على القوة التي هم عليها الآن، بل هم أقوى وأعظم وأشد تحملا.
ولو أن الناس الآن وقفوا خمسين يوما في شمس لا ظل ولا أكل ولا شرب؛ فلا يمكنهم ذلك، بل يموتون! لكن يوم القيامة يبقون خمسين ألف سنة؛ لا أكل ولا شرب ولا ظل؛ إلا من أظله الله ، ومع ذلك؛ يشاهدون أهوالا عظيمة؛ فيتحملون.
واعتبر بأهل النار؛ كيف يتحملون هذا التحمل العظيم؛ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] .
وبأهل الجنة؛ ينظر الإنسان إلى ملكه مسيرة ألف عام إلى أقصاه؛ كما ينظر إلى أدناه؛ كما روي ذلك عن النبي ﷺ .
* فإن قيل: هل أحد يسلم من الشمس؟
فالجواب: نعم هناك «أناس يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ كما»
стр. 2643
ويلجمهم العرق
ــ
«أخبر بذلك النبي ﷺ : " إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا؛ ففاضت عيناه» .
وهناك أيضا أصناف أخرى يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
* وقوله: " لا ظل إلا ظله "؛ يعني: إلا الظل الذي يخلقه، وليس كما توهم بعض الناس أنه ظل ذات الرب ؛ فإن هذا باطل؛ لأنه يستلزم أن تكون الشمس حينئذ فوق الله .
ففي الدنيا؛ نحن نبني الظل لنا، لكن يوم القيامة؛ لا ظل إلا الظل الذي يخلقه ليستظل به من شاء من عباده.
الأمر الرابع مما يكون يوم القيامة:
ما ذكره المؤلف ﵀ بقوله: " ويلجمهم العرق ".
" يلجمهم "؛ أي يصل منهم إلى موضع اللجام من الفرس، وهو الفم، ولكن هذه غاية ما يصل إليه العرق، وإلا؛ فبعضهم يصل العرق إلي كعبيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، ومنهم من يلجمه؛ فهم يختلفون في هذا العرق، ويعرقون من شدة الحر؛ لأن المقام مقام زحام. وشدة ودنو شمس؛ فيعرق الإنسان مما يحصل في ذلك اليوم؛ لكنهم على حسب أعمالهم.
стр. 2644
فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد
ــ
* فإن قلت: كيف يكون ذلك وهم في مكان واحد؟
* فالجواب: أننا أصلنا قاعدة يجب الرجوع إليها، وهي: أن الأمور الغيبية يجب علينا أن نؤمن بها ونصدق دون أن نقول: كيف؟ ! ولم؟ ! لأنها شيء وراء عقولنا، ولا يمكن أن ندركها أو نحيط بها.
أرأيت لو أن رجلين دفنا في قبر واحد: أحدهما مؤمن، والثاني كافر، فإنه ينال المؤمن من النعيم ما يستحق، وينال الكافر من العذاب ما يستحق، وهما في قبر واحد، وهكذا نقول في العرق يوم القيامة.
* فإن قلت: هل تقول: إن الله يجمع من يلجمهم العرق في مكان ومن يصل إلى كعبيه في مكان، وإلى ركبتيه في مكان، وإلى حقويه في مكان؟
فالجواب: لا نجزم بهذا، والله أعلم، بل نقول: من الجائز أن يكون الذي يصل العرق إلى كعبه إلى جانب الذي يلجمه العرق، والله على كل شيء قدير، وهذا نظير النور الذي يكون للمؤمنين؛ يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، والكفار في ظلمة؛ فيوم القيامة يجب علينا أن نؤمن به وبما يكون فيه، أما كيف؟ ! ولم؟ ! فهذا ليس إلينا.
الأمر الخامس مما يكون يوم القيامة:
ما ذكره بقوله: " فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد ".
والمؤلف يقول: " الموازين ": بالجمع، وقد وردت النصوص بالجمع والإفراد:
فمثال الجمع: قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
стр. 2645
[الأنبياء:٤٧] ، وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩] .
- وأما الإفراد؛ فقال النبي ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» .
فقال: " في الميزان "؛ فأفرد؛
فكيف نجمع بين الآيات القرآنية وبين هذا الحديث؟ !
فالجواب أن نقول:
إنها جمعت باعتبار الموزون؛ حيث إنه متعدد، وأفردت باعتبار أن الميزان واحد، أو ميزان كل أمة، أو أن المراد بالميزان في قوله ﵊: " ثقيلتان في الميزان "؛ أي: في الوزن.
ولكن الذي يظهر - والله أعلم - أن الميزان واحد، وأنه جمع باعتبار الموزون؛ بدليل قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف:٨] .
لكن يتوقف الإنسان: هل يكون ميزانا واحدا لجميع الأمم أو لكل أمة ميزان؛ لأن الأمم كما دلت عليه النصوص تختلف باعتبار أجرها؟ !
وقوله: " تنصب الموازين ": ظاهره أنها موازين حسية، وأن الوزن يكون على حسب المعهود بالراجح والمرجوح، وذلك لأن الأصل في
стр. 2646
الكلمات الواردة في الكتاب والسنة حملها على المعهود المعروف؛ إلا إذا قام دليل على أنها خلاف ذلك، والمعهود المعروف عند المخاطبين منذ نزول القرآن الكريم إلى اليوم أن الميزان حسي، وأن هناك راجح ومرجوح.
وخالف في ذلك جماعة:
فالمعتزلة قالوا: إنه ليس هناك ميزان حسي، ولا حاجة له؛ لأن الله تعالى قد علم أعمال العباد وأحصاها، ولكن المراد بالميزان: الميزان المعنوي الذي هو العدل.
ولا شك أن قول المعتزلة باطل؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، ولأننا إذا قلنا: إن المراد بالميزان: العدل؛ فلا حاجة إلى أن نعبر بالميزان، بل نعبر بالعدل؛ لأنه أحب إلى النفس من كلمة (ميزان) ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [ (النحل:٩٠] .
وقال بعض العلماء: إن الرجحان للعالي؛ لأنه يحصل فيه العلو، لكن الصواب أن نجري الوزن على ظاهره، ونقول: إن الراجح هو الذي ينزل، ويدل لذلك حديث صاحب البطاقة؛ فإن فيه أن السجلات تطيش وتثقل البطاقة، وهذا واضح؛ بأن الرجحان يكون بالنزول.
* وقوله: " فتوزن بها أعمال العباد ": كلام المؤلف ﵀ صريح بأن الذي يوزن: العمل.
* وهنا مبحثان:
المبحث الأول: كيف يوزن العمل؛ والعمل وصف قائم بالعامل، وليس جسما فيوزن؟ !
стр. 2647
والجواب على ذلك: أن يقال: إن الله يجعل هذه الأعمال أجساما، وليس هذا بغريب على قدرة الله ، وله نظير، وهو الموت؛ فإنه يجعل على صورة كبش، ويذبح بين الجنة والنار، مع أن الموت معنى، وليس بجسم، وليس الذي يذبح ملك الموت، ولكنه نفس الموت حيث يجعله الله تعالى جسما يشاهد ويرى، كذلك الأعمال يجعلها الله أجساما توزن بهذا الميزان الحسي.
المبحث الثاني: صريح كلام المؤلف أن الذي يوزن العمل؛ سواء كان خيرا أم شرا:
وهذا هو ظاهر القرآن؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨] ؛ فهذا واضح أن الذي يوزن العمل؛ سواء كان خيرا أم شرا.
وقال النبي ﵊: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان» ، وهذا ظاهر أيضا، بل صريح، في أن الذي يوزن العمل، والنصوص في هذا كثيرة.
ولكن هناك نصوص قد يخالف ظاهرها هذا الحديث:
منها حديث صاحب البطاقة؛ «رجل يؤتى به على رؤوس الخلائق، وتعرض عليه أعماله في سجلات تبلغ تسعة وتسعين سجلا؛ كل سجل»
стр. 2648
«منها يبلغ مد البصر، فيقر بها، فيقال له: ألك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا؛ يا رب! فيقول الله: بلى؛ إن لك عندنا حسنة. فيؤتى ببطاقة صغيرة، فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ ! فيقال: إنك لا تظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة. .» الحديث.
وظاهر هذا أن الذي يوزن صحائف الأعمال.
وهناك نصوص أخرى تدل على أن الذي يوزن العامل؛ مثل: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] ؛ مع أنه قد ينازع في الاستدلال بهذه الآية؛ فيقال: إن معنى قوله: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ؛ يعني: قدرا.
ومثل ما «ثبت من حديث ابن مسعود ﵁؛ أنه كان يجتني سواكا من الأراك، وكان ﵁ دقيق الساقين، جعلت الريح تحركه، فضحك الصحابة ﵃، فقال النبي ﷺ : " مم تضحكون؟ " قالوا: من دقة ساقيه. قال: " والذي نفسي بيده؛ لهما في الميزان أثقل من أحد ".»
فصار هاهنا ثلاثة أشياء: العمل، والعامل، والصحائف.
فقال بعض العلماء: إن الجمع بينها أن يقال: إن من الناس من يوزن
стр. 2649
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
ــ
عمله، ومن الناس من يوزن صحائف عمله، ومن الناس من يوزن هو بنفسه.
وقال بعض العلماء: الجمع بينها أن يقال: إن المراد بوزن العمل أن العمل يوزن وهو في الصحائف، ويبقى وزن صاحب العمل، فيكون لبعض الناس.
ولكن عند التأمل نجد أن أكثر النصوص تدل على أن الذي يوزن هو العمل، ويخص بعض الناس، فتوزن صحائف أعماله، أو يوزن هو نفسه.
وأما ما ورد في حديث ابن مسعود وحديث صاحب البطاقة؛ فقد يكون هذا أمرا يخص الله به من يشاء من عباده.
فَمَنْ: شرطية. وجواب الشرط جملة: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وأتت الجملة الجزائية جملة اسمية بصفة الحصر ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
وجاءت باسم الإشارة الدال على البعد فَأُولَئِكَ، ولم يقل: فهم المفلحون: إشارة إلى علو مرتبتهم.
وجاءت بصفة الحصر في قوله: (هُمُ) ، وهو ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد، والفصل بين الخبر والصفة.
стр. 2650
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾
ــ
* والمفلح: هو الذي فاز بمطلوبه ونجا من مرهوبه؛ فحصل له السلامة مما يكره، وحصل له ما يحب.
* والمراد بثقل الموازين رجحان الحسنات على السيئات.
* وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ : فيه إشكال من جهة العربية؛ فإن مَوَازِينُهُ الضمير فيه مفرد، و ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الضمير فيه جمع.
وجوابه: أن (من) الشرطية صالحة للإفراد والجمع؛ فباعتبار اللفظ يعود الضمير إليها مفردا، وباعتبار المعنى يعود الضمير إليها جمعًا.
وكلما جاءت (من) ؛ فإنه يجوز أن تعيد الضمير إليها بالإفراد أو بالجمع، وهذا كثير في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق:١١] ؛ فتجد الآية الكريمة فيها مراعاة اللفظ ثم المعنى ثم اللفظ.
الإشارة هنا للبعد؛ لانحطاط مرتبتهم، لا لعلو مرتبتهم.
قوله: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ : الكافر قد خسر نفسه وأهله وماله: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥] ، بينما المؤمن العامل للصالحات قد ربح نفسه وأهله وماله وانتفع به.
فهؤلاء الكفار خسروا أنفسهم؛ لأنهم لم يستفيدوا من وجودهم في
стр. 2651
وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال.
ــ
الدنيا شيئا، بل ما استفادوا إلا الضرر، وخسروا أموالهم؛ لأنهم لم ينتفعوا بها، حتى ما أعطوه للخلق لينتفع به؛ فإنه لا ينفعهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٥٤] ، وخسروا أهليهم؛ لأنهم في النار؛ فصاحب النار لا يأنس بأهله، بل إنه مغلق عليه في تابوت، ولا يرى أن أحدا أشد منه عذابا.
* والمراد بخفة الموازين: رجحان السيئات على الحسنات، أو فقدان الحسنات بالكلية، إن قلنا بأن الكفار توزن أعمالهم؛ كما هو ظاهر هذه الآية الكريمة وأمثالها وهو أحد القولين لأهل العلم.
* والقول الثاني: أن الكفار لا توزن أعمالهم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] . والله أعلم.
الأمر السادس مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكره المؤلف بقوله: " وتنشر الدواوين ".
* " وتنشر "؛ أي: تفرق وتفتح لقارئها.
* و" الدواوين ": جمع ديوان، وهو السجل الذي تكتب فيه الأعمال، ومنه دواوين بيت المال، وما أشبه ذلك.
يعني: التي كتبتها الملائكة الموكلون بأعمال بني آدم؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢] .
стр. 2652
فيكتب هذا العمل، ويكون لازما للإنسان في عنقه؛ فإذا كان يوم القيامة؛ أخرج الله هذا الكتاب.
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤] .
قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيبا على نفسك.
* والكتابة في صحائف الأعمال: إما للحسنات، وإما للسيئات، والذي يكتب من الحسنات ما عمله الإنسان، وما نواه، وما هم به؛ فهذه ثلاثة أشياء:
فأما ما عمله؛ فظاهر أنه يكتب.
وأما ما نواه؛ فإنه يكتب له، لكن يكتب له أجر النية فقط كاملا؛ كما في الحديث الصحيح في قصة «الرجل الذي كان له مال ينفقه في سبيل الخير، فقال الرجل الفقير: لو أن عندي مالا؛ لعملت فيه بعمل فلان؛ قال النبي ﷺ : " فهو بنيته؛ فأجرهما سواء ".»
ويدل على أنهما ليسا سواء في الأجر من حيث العمل: «أن فقراء المهاجرين لما أتوا إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! إن أهل الدثور سبقونا. فقال لهم ﷺ : " تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ". فلما سمع الأغنياء بذلك؛ فعلوا مثله، فرجع الفقراء يشكون»
стр. 2653
«إلى النبي ﵊، فقال لهم: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» ، ولم يقل: إنكم بنيتكم أدركتم عملهم.
ولأن هذا هو العدل؛ فرجل لم يعمل لا يكون كالذي عمل، لكن يكون مثله في أجر النية فقط.
-وأما الهم؛ فينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يهم بالشيء ويفعل ما يقدر عليه، منه، ثم يحال بينه وبين إكماله.
فهذا يكتب له الأجر كاملا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] .
وهذه بشرى لطلبة العلم: إذا نوى الإنسان أنه يطلب العلم وهو يريد أن ينفع الناس بعلمه ويذب عن سنة الرسول ﷺ وينشر دين الله في الأرض، ثم لم يقدر له ذلك؛ بأن مات مثلا، وهو في طلبه؛ فإنه يكتب له أجر ما نواه وسعى إليه.
بل إن الإنسان إذا كان من عادته العمل، وحيل بينه وبينه لسبب؛ فإنه يكتب له أجره، قال النبي ﵊: «إذا مرض العبد أو سافر؛ كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا» .
стр. 2654
القسم الثاني: أن يهم بالشيء ويتركه مع القدرة عليه؛ فيكتب له به حسنة كاملة؛ لنيته.
وأما السيئات؛ فإنه يكتب على الإنسان ما عمله، ويكتب عليه ما أراده وسعى فيه ولكن عجز عنه، ويكتب عليه ما نواه وتمناه.
فالأول: واضح.
والثاني: يكتب عليه كاملا؛ لقول النبي ﵊: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار ". قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟! قال: " لأنه كان حريصا على قتل صاحبه» ، ومثله من هم أن يشرب الخمر، ولكن حصل له مانع؛ فهذا يكتب عليه الوزر كاملا؛ لأنه سعى فيه.
والثالث: الذي نواه وتمناه يكتب عليه، لكن بالنية، ومنه الحديث الذي أخبر النبي ﵊ عن رجل أعطاه الله مالا؛ فكان يتخبط فيه، فقال رجل فقير: لو أن لي مالا؛ لعملت فيه بعمل فلان. قال النبي ﵊: «فهو بنيته؛ فوزرهما سواء» .
ولو هم بالسيئة، ولكن تركها؛ فهذا على ثلاثة أقسام:
١ - إن تركها عجزًا؛ فهو كالعامل إذا سعى فيها.
стр. 2655
فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره
ــ
٢ - وإن تركها لله؛ كان مأجورا.
٣ - وإن تركها لأن نفسه عزفت عنها، أو لم تطرأ على باله؛ فهذا لا إثم عليه ولا أجر.
والله يجزي بالحسنات أكثر من العمل، ولا يجزي بالسيئات إلا مثل العمل؛ قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، وهذا من كرمه ومن كون رحمته سبقت غضبه.
* قوله: " فآخذ كتابه بيمينه ": " آخذ ": مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: فمنهم آخذ.
وجاز الابتداء به وهو نكرة؛ لأنه في مقام التفصيل؛ أي أن الناس ينقسمون؛ فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه، وهم المؤمنون، وهذه إشارة إلى أن لليمنى الإكرام، ولذلك يأخذ المؤمن كتابه بها، والكافر يأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره؛ كما قال المؤلف: " وآخذ كتابه بشماله ".
* وقوله: " أو من وراء ظهره ": "أو" للتنويع، وليست للشك.
فظاهر كلام المؤلف أن الناس يأخذون كتبهم على ثلاثة أوجه: باليمين، وبالشمال، ومن وراء الظهر.
ولكن الظاهر أن هذا الاختلاف اختلاف صفات؛ فالذي يأخذ كتابه من وراء ظهره هو الذي يأخذ كتابه بشماله؛ فيأخذ بالشمال، وتجعل يده من الخلف؛ فكونه يأخذه بالشمال؛ لأنه من أهل الشمال، وكونه من وراء
стр. 2656
كما قال : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾
ــ
ظهره؛ لأنه لما استدبر كتاب الله، وولى ظهره إياه في الدنيا؛ صار من العدل أن يجعل كتاب أعماله يوم القيامة خلف ظهره؛ فعلى هذا؛ تخلع اليد الشمال حتى تكون من الخلف. والله أعلم.
﴿طَائِرَهُ﴾ : أي عمله؛ لأن الإنسان يتشاءم به أو يتفاءل به، ولأن الإنسان يطير به فيعلو أو يطير به فينزل.
* ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ ؛ أي: رقبته، وهذا أقوى ما يكون تعلقا بالإنسان؛ حيث يربط في العنق؛ لأنه لا يمكن أن ينفصل إلا إذا هلك الإنسان؛ فهذا يلزم عمله.
* وإذا كان يوم القيامة؛ كان الأمر كما قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ ؛ أي: مفتوحا؛ لا يحتاج إلى تعب ولا إلى مشقة في فتحه.
* ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ وانظر ما كتب عليك فيه.
* ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ : وهذا من تمام العدل والإنصاف: أن يوكل الحساب إلى الإنسان نفسه.
والإنسان العاقل لا بد أن ينظر ماذا كتب في هذا الكتاب الذي سوف يجده يوم القيامة مكتوبا.
ولكن؛ نحن أمامنا باب يمكن أن يقضي على كل السيئات، وهو التوبة، وإذا تاب العبد إلى الله مهما عظم ذنبه؛ فإن الله يتوب عليه،
стр. 2657
ويحاسب الله الخلائق
ــ
وحتى لو تكرر الذنب منه، وهو يتوب؛ فإن الله يتوب عليه، فما دام الأمر بأيدينا الآن، فعلينا أن نحرص على أن لا يكتب في هذا الكتاب إلا العمل الصالح.
الأمر السابع مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكره المؤلف بقوله: " ويحاسب الله الخلائق ":
* المحاسبة: إطلاع العباد على أعمالهم يوم القيامة.
وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل:
-أما الكتاب؛ فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨] ، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢] .
-وأما السنة؛ فقد ثبت عن النبي ﵊ بعدة أحاديث أن الله تعالى يحاسب الخلائق.
-وأما الإجماع؛ فإنه متفق عليه بين الأمة: أن الله تعالى يحاسب الخلائق.
-وأما العقل؛ فواضح؛ لأننا كلفنا بعمل فعلا وتركا وتصديقا، والعقل والحكمة تقتضيان أن من كلف بعمل؛ فإنه يحاسب عليه ويناقش فيه.
* وقول المؤلف: " الخلائق ": جمع خليقة؛ يشمل كل مخلوق.
إلا أنه يستثنى من ذلك من يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ كما
стр. 2658
ثبت ذلك في " الصحيحين ": «أن النبي ﷺ رأى أمته ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» .
وقد روى الإمام أحمد بسند جيد: أن مع كل واحد سبعين ألفا.
فتضرب سبعين ألفا بسبعين ألفا، ويزاد سبعون ألفا. هؤلاء فتضرب سبعين ألفا بسبعين ألفا، ويزداد سبعون ألفا، هؤلاء كلهم يدخلون الجنة لا حساب ولا عذاب.
* وقوله: " الخلائق ": يشمل أيضا الجن؛ لأنهم مكلفون، ولهذا يدخل كافرهم النار بالنص والإجماع؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] ، ويدخل مؤمنهم الجنة على قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح؛ كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٥٦] .
* وهل تشمل المحاسبة البهائم؟
أما القصاص؛ فيشمل البهائم؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ «أنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» ، وهذا قصاص، لأنها لا تحاسب حساب تكليف وإلزام؛ لأن البهائم ليس لها ثواب ولا عقاب.
стр. 2659
ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة وأما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويخزون بها.
ــ
/ قوله: " ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه ":
* هذا صفة حساب المؤمن:
يخلو به الله دون أن يطلع عليه أحد، ويقرره بذنوبه؛ أي: يقول له: عملت كذا، وعملت كذا. . . حتى يقر ويعترف، ثم يقول: «سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» .
ومع ذلك؛ فإنه يضع عليه ستره؛ بحيث لا يراه أحد، ولا يسمعه أحد، وهذا من فضل الله على المؤمن؛ فإن الإنسان إذا قررك بجناياتك أما الناس وإن سمح عنك؛ ففيه شيء من الفضيحة، لكن إذا كان ذلك وحدك؛ فإن ذلك ستر منه عليك.
"ذلك": المشار إليه الحساب؛ يعنى: كما وصف الحساب في الكتاب والسنة، لأن هذا من الأمور الغيبية المتوقفة على الخبر المحض، فوجب الرجوع فيه إلى ما وصف في الكتاب والسنة.
هكذا جاء معناه في حديث ابن عمر ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما ذكر حساب الله تعالى لعبده المؤمن، وأنه يخلو به، ويقرره بذنوبه. قال: «وأما الكفار والمنافقون؛ فينادى بهم»
стр. 2660
«على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» . متفق عليه.
وفي " صحيح مسلم "، عن أبي هريرة ﵁، في حديث طويل عن النبي ﷺ قال: «فيلقى العبد، أي: يلقى الله العبد، يعني: المنافق، فيقول: يا فل، أي: يا فلان، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى، قال: فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيسأله فيجيب كما أجاب الأول، فيقول الله، فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذن، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه» .
تنبيه:
في قول المؤلف ﵀ محاسبة من توزن حسناته وسيئاته. . إلخ، إشارة إلى أن المراد بالمحاسبة المنفية عنهم هي محاسبة الموازنة بين الحسنات والسيئات، وأما محاسبة التقرير والتقريع فثابتة كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 2661
وفي عرصات القيامة: الحوض المورود لمحمد ﷺ ، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.
ــ
فائدة:
أول ما يحاسب عليه العبد من الأعمال الصلاة، وأول ما يقضي فيه بين الناس الدماء؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، والدماء أعظم ما يعتدى به في حقوق الآدميين.
الأمر الثامن مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكر المؤلف بقوله: " وفي عرصات القيامة الحوض المورود لمحمد ﷺ ".
* العرصات: جمع عرصة، وهي المكان المتسع بين البنيان، والمراد به هنا مواقف القيامة.
* والحوض في الأصل: مجمع الماء، والمراد به هنا: حوض النبي ﷺ .
* والكلام على الحوض من عدة وجوه:
أولا: هذا الحوض موجود الآن؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه خطب ذات يوم في أصحابه، وقال: «وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن» .
وأيضا؛ ثبت عن النبي ﵊؛ أنه قال: «ومنبري على حوضي» .
стр. 2662
وهذا يحتمل أنه في هذا المكان، لكن لا نشاهده؛ لأنه غيبي، ويحتمل أن المنبر يوضع يوم القيامة على الحوض.
ثانيا: هذا الحوض يصب فيه ميزابان من الكوثر، وهو النهر العظيم، الذي أعطيه النبي ﷺ في الجنة؛ ينزلان إلى هذا الحوض.
ثالثا: زمن الحوض قبل العبور على الصراط؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ حيث إن الناس في حاجة إلى الشرب في عرصات القيامة قبل عبور الصراط.
رابعا: يرد هذا الحوض المؤمنون بالله ورسوله ﷺ ، المتبعون لشريعته، وأما من استنكف واستكبر عن اتباع الشريعة؛ فإنه يطرد منه.
خامسًا: في كيفية مائه: فيقول المؤلف ﵀: " ماؤه أشد بياضا من اللبن ": هذا في اللون، أما في الطعم؛ فقال: " وأحلى من العسل "، وفي الرائحة أطيب من ريح المسك؛ كما ثبت به الحديث عن النبي ﷺ .
سادسا: في آنيته: يقول المؤلف: " آنيته عدد نجوم السماء ".
هذا كما ورد في بعض ألفاظ الحديث، وفي بعضها: «آنيته كنجوم السماء» ، وهذا اللفظ أشمل؛ لأنه يكون كالنجوم في العدد وفي الوصف بالنور واللمعان؛ فآنيته كنجوم السماء كثرة وإضاءة.
سابعا: آثار هذا الحوض: قال المؤلف: " من يشرب منه شربة؛ لا يظمأ بعدها أبدا ": حتى على الصراط وبعده.
وهذه من حكمة الله ؛ لأن الذي يشرب من الشريعة في الدنيا
стр. 2663
والصراط منصوب على متن جهنم وهو الجسر الذي بين الجنة والنار
ــ
لا يخسر أبدا كذلك.
ثامنا: مساحة هذا الحوض: يقول المؤلف: " طوله شهر وعرضه شهر ": هذا إذًا يقتضي أن يكون مدورا؛ لأنه لا يكون بهذه المساحة من كل جانب؛ إلا إذا كان مدورًا، وهذه المسافة باعتبار ما هو معلوم في عهد النبي ﷺ من سير الإبل المعتاد.
تاسعا: يصب في الحوض ميزابان من الكوثر الذي أعطاه الله تعالى محمدا ﷺ .
عاشرا: هل للأنبياء الآخرين أحواض؟
فالجواب: نعم؛ فإنه جاء في حديث رواه الترمذي - وإن كان فيه مقال: «إن لكل نبي حوضا» .
لكن هذا يؤيده المعنى، وهو أن الله بحكمته وعدله كما جعل للنبي محمد ﷺ حوضا يرده المؤمنون من أمته؛ كذلك يجعل لكل نبي حوضا، حتى ينتفع المؤمنون بالأنبياء السابقين، ولكن الحوض الأعظم هو حوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الأمر التاسع مما يكون يوم القيامة: الصراط:
وقد ذكره المؤلف بقوله: " والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار ".
وقد اختلف العلماء في كيفيته:
стр. 2664
يمر الناس عليه على قدر أعمالهم: فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم يمر كالبرق، ومنهم يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشى مشيا، ومنهم من يزحف زحفا.
ــ
فمنهم من قال: طريق واسع يمر الناس على قدر أعمالهم؛ لأن كلمة الصراط مدلولها اللغوي هو هذا؛ ولأن رسول الله ﷺ أخبر بأنه دحض ومزلة، والدحض والمزلة لا يكونان إلا في طريق واسع، أما الضيق؛ فلا يكون دحضا ومزلة.
ومن العلماء من قال: بل هو صراط دقيق جدا؛ كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم بلاغا، أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف.
* على هذا يرد سؤال: وهو كيف يمكن العبور على طريق كهذا؟
والجواب: أن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا؛ فالله تعالى على كل شيء قدير، ولا ندري؛ كيف يعبرون؟ ! هل يجتمعون جميعا في هذا الطريق أو واحد بعد واحد؟
وهذه المسألة لا يكاد الإنسان يجزم بأحد القولين؛ لأن كليهما له وجهة قوية.
* وقوله: " منصوب على متن جهنم "؛ يعنى: على نفس النار.
قوله: " يمر الناس ": المراد بـ (الناس) هنا: المؤمنون؛ لأن الكفار
стр. 2665
ومنهم من يخطف خطفا فيلقى في جهنم فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم
ــ
قد ذهب بهم إلى النار.
فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ولمح البصر أسرع من البرق، ومنهم من يمر كالريح؛ أي: الهواء، ولا شك أن الهواء سريع، لا سيما قبل أن يعرف الناس الطائرات، والهواء المعروف يصل أحيانا إلى مئة وأربعين ميلاً في الساعة، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم ممن يمر كركاب الإبل، وهي دون الفرس الجواد بكثير، ومنهم من يعدو عدوا؛ أي: يسرع، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا؛ أي: يمشي على مقعدته، وكل منهم يريد العبور.
وهذا بغير اختيار الإنسان، ولو كان باختياره؛ لكان يحب أن يكون بسرعة، ولكن السير على حسب سرعته في قبول الشريعة في هذه الدنيا، فمن كان سريعا في قبول ما جاءت به الرسل؛ كان سريعا في عبور الصراط، ومن كان بطيئا في ذلك؛ كان بطيئا في عبور الصراط؛ جزاء وفقا، والجزاء من جنس العمل.
وقوله: " ومنهم من يخطف "؛ أي: يؤخذ بسرعة، وذلك بالكلاليب التي على الجسر؛ تخطف الناس بأعمالهم.
" فيلقى في جهنم ": يفهم منه أن النار يلقى فيها العصاة هي النار التي يلقى فيها الكفار، ولكنها لا تكون بالعذاب كعذاب الكفار، بل قال بعض العلماء: إنها تكون بردًا وسلاما عليهم كما كانت النار بردا وسلاما على إبراهيم، ولكن الظاهر خلاف ذلك، وأنها تكون حارة مؤلمة لكنها ليست كحرارتها بالنسبة للكافرين.
следующие страницы →