وقال أحمد بن حنبل: " عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ".
ــ
وفي الأثر التحذير عن التقليد الأعمى والتعصب المذهبي الذي ليس مبنيا على أساس سليم.
وبعض الناس يرتكب خطأ فاحشا إذا قيل له: قال رسول الله - صلى الله عيه وسلم -، قال: لكن في الكتاب الفلاني كذا وكذا؛ فعليه أن يتقي الله الذي قال في كتابه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] ، ولم يقل ماذا أجبتم فلانا وفلانا، أما صاحب الكتاب، فإنه إن علم أنه يحب الخير، ويريد الحق، فإنه يدعى له بالمغفرة والرحمة إذا أخطأ، ولا يقال: إنه معصوم، يعارض بقوله قول الرسول ﷺ .
قول أحمد ﵀: " عجبت " العجب نوعان:
الأول: عجب استحسان؛ كما في حديث عائشة ﵂: «كان الرسول ﷺ يعجبه التيمن في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله» .
стр. 3572
الثاني: عجب إنكار؛ كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] ، والعجب في كلام الإمام أحمد هنا عجب إنكار.
قوله: " الإسناد ". المراد به هنا رجال السند لا نسبة الحديث إلى راويه؛ أي: عرفوا صحة الحديث بمعرفة رجاله.
قوله: " يذهبون إلى رأي سفيان ". أي: سفيان الثوري؛ لأنه صاحب المذهب المشهور، وله أتباع لكنهم انقرضوا، فهم يذهبون إلى رأي سفيان، وهو من الفقهاء ويتركون ما جاء به الحديث!
قوله: " والله يقول: (فليحذر) ". الفاء عاطفة، واللام للأمر؛ ولهذا سكنت، وجزم الفعل بها، لكن حرك بالكسر، لالتقاء الساكن.
قوله: (عن أمره) . الضمير يعود للرسول ﷺ ؛ بدليل أول الآية قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] .
فإن قيل: لماذا عدي الفعل بـ: (عن) مع أن (يخالف) يتعدى بنفسه؟ .
أجيب: أن الفعل ضمن معنى الإعراض، أي: يعرضون عن أمره زهدا فيه، وعدم مبالاة به.
و (أمره) : واحد الأوامر، وليس واحد الأمور؛ لأن الأمر هو الذي يخالف فيه، وهو مفرد مضاف، فيعم جميع الأوامر.
(فتنة) . الفتنة: فسرها الإمام أحمد بالشرك، وعلى هذا يكون الوعد بأحد أمرين: إما الشرك، وإما العذاب الأليم.
стр. 3573
وعن عدي بن حاتم: أنه «سمع النبي - صلي الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] ، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ " فقلت: بلى، قال: " فتلك عبادتهم» . (١) رواه أحمد والترمذي وحسنه
ــ
قوله في حديث عدي بن حاتم: (اتخذوا) . الضمير يعود للنصارى؛ لأن اليهود لم يتخذوا المسيح ابن مريم إلها، بل ادعوا أنه ابن زانية، وحاولوا قتله، وادعوا أنهم قتلوه، ويحتمل أن يعود الضمير لليهود والنصارى جميعا، ويختص النصارى باتخاذ المسيح ابن مريم، وهذا هو المتبادر من السياق مع الآية التي قبلها.
قوله: ( ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ . الأحبار: جمع حبر، وحبر بفتح الحاء وكسرها، وهو العالم الواسع العلم، والرهبان: جمع راهب، وهو العابد الزاهد.
قوله: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . أي: مشاركين لله في التشريع؛ لأنهم يحلون ما حرم الله، فيحله هؤلاء الأتباع، ويحرمون ما أحل الله فيحرمه الأتباع.
قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ . أي: اتخذوه إلها مع الله، بدليل قوله
стр. 3574
تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ، والعبادة: التذلل والخضوع، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي.
قوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ . هو الله ، وإله؛ أي: مألوه معبود مطاع، وليس بمعنى آله؛ أي: قادر على الاختراع، فإن هذا المعنى فاسد، ذهب إليه المتكلمون أو عامتهم، فيكون معنى (لا إله إلا الله) على هذا القول: لا رب إلا الله، وهذا ليس بالتوحيد المطلوب بهذه الكلمة؛ إذ لو كان كذلك لكان المشركون الذين قاتلهم رسول الله ﷺ موحدين؛ لأنهم يقولون: لا رب إلا الله، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] . وهذه إحدى القراءتين، وهي سبعيه.
قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . " سبحان ": اسم مصدر، وهي معمول، أو مفعول لفعل محذوف وجوبا تقديره يسبح سبحانا، أي: تسبيحا؛ لأن اسم المصدر بمعنى المصدر، فسبحان: مفعول مطلق عاملها محذوف وجوبا، وهي ملازمة للإضافة: إما إلى مضمر، كما في الآية: (سبحانه) ، أو إلى مظهر، كما في ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ .
والتسبيح: التنزيه؛ أي: تنزيه الله عن كل نقص، ولا يحتاج أن نقول: ومماثلة المخلوقين؛ لأن المماثلة نقص، ولكن إذا قلناها، فذلك من باب زيادة الإيضاح حتى لا يظن أن تمثيل الخالق بالمخلوق في الكمال من باب الكمال، فيكون المعنى: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به من نقص، أو مماثلة المخلوقين.
وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: مما سواه من المسيح ابن مريم، والأحبار والرهبان، فهو متنزه عن كل شرك وعن كل مشرك به.
قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . هذا من البلاغة في القرآن؛ لأنها جاءت محتملة
стр. 3575
أن تكون " ما " مصدرية، فيكون المعنى عن شركهم، أو موصولة، ويكون المعنى: سبحان الله عن الذين يشركون به، وهي صالحة للأمرين؛ فتكون شاملة لهما؛ لأن الصحيح جواز استعمال المشترك في معنييه إذا لم يكن بينهما تعارض، فيكون التنزيه عن الشرك وعن المشرك به.
قوله: " إنا لسنا نعبدهم ". أي: لا نعبد الأحبار والرهبان، ولا نسجد لهم، ولا نركع، ولا نذبح، ولا ننذر لهم، وهذا صحيح بالنسبة للأحبار والرهبان، بدليل قوله: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ !» .
فإن هذا الوصف لا ينطبق على عيسى أبدا؛ لأنه رسول الله، فما أحله فقد أحله الله، وما حرمه فقد حرمه الله، وقد حاول بعض الناس أن يعل الحديث لهذا المعنى مع ضعف سنده، والحديث حسنه الترمذي، والألباني، وآخرون، وضعفه آخرون.
ويجاب على التعليل المذكور بأن قول عدي: «لسنا نعبدهم» . يعود على الأحبار والرهبان، أما عيسى ابن مريم، فالمعروف أنهم يعبدونه.
وبدأ بتحريم الحلال؛ لأنه أعظم من تحليل الحرام، وكلاهما محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] .
قوله: " فتلك عبادتهم ". ووجه كونها عبادة: أن من معنى العبادة الطاعة، وطاعة غير الله عبادة للمطاع، ولكن بشرط أن تكون في غير طاعة الله، أما إذا كانت في طاعة الله فهي عبادة لله؛ لأنك أطعت غير الله في طاعة الله، كما لو أمرك أبوك بالصلاة فصليت، فلا تكون قد أباك أبوك بطاعتك له، ولكن عبدت الله؛ لأنك أطعت غير الله في طاعة الله؛ ولأن أمر غير الله بطاعة الله
стр. 3576
وامتثال أمره هو امتثال لأمر الله.
ويستفاد من هذا الحديث:
١ - أن الطاعة بمعنى العبادة عبودية مقيدة.
٢ - أن الطاعة في مخالفة شرع الله من عبادة المطاع، أما في عبادة الله، فهي عبادة لله.
٣ - أن اتباع العلماء والعباد في مخالفة شرع الله من اتخاذهم أربابا.
واعلم أن اتباع العلماء، أو الأمراء في تحليل ما حرم الله، أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يتابعهم في ذلك راضيا بقولهم، مقدما له، ساخطا لحكم الله فهو كافر؛ لأنه كره ما أنزل الله، فأحبط الله عمله، ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر، فكل من كره ما أنزل الله، فهو كافر.
الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضيا بحكم الله، وعالما بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوى في نفسه اختاره، كأن يريد مثلا وظيفة؛ فهذا لا يكفر، ولكنه فاسق وله حكم غيره من العصاة.
الثالث: أن يتابعهم جاهلا، فيظن أن ذلك حكم الله، فينقسم إلى قسمين:
أ - أن يمكنه أن يعرف الحق بنفسه، فهو مفرط أو مقصر، فهو آثم؛ لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم.
ب - أن لا يكون عالما ولا يمكنه التعلم، فيتابعهم تقليدا، ويظن أن هذا هو الحق، فهذا لا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أمر به، وكان معذور بذلك، ولذلك ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أفتي بغير علم، فإنما»
стр. 3577
«إثمه على من أفتاه» ، لو قلنا: بإثمه بخطأ غيره، لزم من ذلك الحرج والمشقة، ولم يثق الناس بأحد لاحتمال خطئه.
فإن قيل: لماذا لا يكفر أهل القسم الثاني؟
أجيب: إننا لو قلنا بكفرهم لزم من ذلك تكفير كل صاحب معصية يعرف أنه عاص لله، ويعلم أنه حكم الله.
فائدة:
وصف الله الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاث أوصاف:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
٢ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] .
٣ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] .
واختلف أهل العلم في ذلك:
فقيل: إن هذه الأوصاف لموصوف واحد؛ لأن الكافر ظالم، لقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وفاسق؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠] ، أي: كفروا.
وقيل: إنها لموصفين متعددين، وإنها على حسب الحكم، وهذا هو الراجح.
فيكون كافرا في ثلاثة أحوال:
أ - إذا اعتقد جواز الحكم بغير الله ما أنزل الله، بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ،
стр. 3578
فكل ما خالف حكم الله، فهو من حكم الجاهلية، بدليل الإجماع القطعي على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، فالمحل والمبيح للحكم بغير ما أنزل الله مخالف لإجماع المسلمين القطعي، وهذا كافر مرتد، وذلك كمن اعتقد حل الزنا، أو الخمر، أو تحريم الخبز، أو اللبن.
ب - إذا اعتقد أن حكم غير الله مثل حكم الله.
ج - إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله.
بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ، فتضمنت الآية أن حكم الله أحسن الأحكام، بدليل قوله تعالى مقررا ذلك: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] . فإذا كان الله أحسن الحاكمين أحكاما، وهو أحكم الحاكمين، فمن ادعى أن حكم غير الله مثل حكم الله، أو أحسن فهو كافر؛ لأنه مكذب للقرآن.
ويكون ظالما: إذا اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن الأحكام، وأنه أنفع للعباد والبلاد، وأنه الواجب تطبيقه، ولكن حمله البغض والحقد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله، فهو ظالم.
ويكون فاسقا: إذا كان حكمه بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، لكن حكم بغيره لهوى في نفسه؛ أي محبة لما حكم به لا كراهة لحكم الله، ولا ليضر أحدا به، مثل: أن يحكم لشخص لرشوة رشي إياها، أو لكونه قريبا أو صديقا، أو يطلب من ورائه حاجة، وما أشبه ذلك مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل والواجب اتباعه؛ فهذا فاسق، وإن كان أيضا ظالما، لكن وصف الفسق في حقه أولى من وصف الظلم.
стр. 3579
أما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله، فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين، فهو كافر؛ لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه الخير للعباد والبلاد من شريعة الله، وعندما نقول بأنه كافر؛ فنعني بذلك أن هذا الفعل يوصل إلى الكفر.
ولكن قد يكون الواضع له معذورا، مثل أن يغرر به، كأن يقال: إن هذا لا يخالف الإسلام، أو هذا من المصالح المرسلة، أو هذا مما رده الإسلام إلى الناس.
فيوجد بعض العلماء - وإن كانوا مخطئين - يقولون: إن مسألة المعاملات لا تعلق لها بالشرع، بل ترجع إلى ما يصلح الاقتصاد في كل زمان بحسبه، فإذا اقتضى الحال أن نضع بنوكا للربا، أو ضرائب على الناس، فهذا لا شيء فيه.
وهذا لا شك في خطئه؛ فإن كانوا مجتهدين غفر الله لهم، وإلا؛ فهم على خطر عظيم، واللائق بهؤلاء أن يلقبوا بأنهم من علماء الدولة لا علماء الملة.
ومما لا شك فيه أن الشرع جاء بتنظيم العبادات التي بين الإنسان وربه والمعاملات التي بين الإنسان مع الخلق في العقود والأنكحة والمواريث وغيرها؛ فالشرع كامل من جميع الوجوه، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] .
وكيف يقال: إن المعاملات لا تعلق لها بالشرع وأطول آية في القرآن نزلت في المعاملات، ولولا نظام الشرع في المعاملات لفسد الناس؟ !
وأنا لا أقول: نأخذ بكل ما قاله الفقهاء؛ لأنهم قد يصيبون وقد يخطئون، بل يجب أن نأخذ بكل ما قاله الله ورسوله ﷺ ، ولا يوجد حال
стр. 3580
من الأحوال تقع بين الناس إلا في كتاب الله وسنة رسوله ما يزيل إشكالها ويحلها، ولكن الخطأ إما من نقص العلم أو الفهم، وهذا قصور، أو نقص التدبر، وهذا تقصير.
أما إذا وفق الإنسان بالعلم، والفهم، وبذل الجهد في الوصول إلى الحق، فلا بد أن يصل إليه حتى في المعاملات، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] . وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] . وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] . وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] . فكل شيء يحتاجه الإنسان في دينه أو دنياه؛ فإن القرآن بينه بيانا شافيا.
ومن سن قوانين تخالف الشريعة، وادعى أنها من المصالح المرسلة، فهو كاذب في دعواه؛ لأن المصالح المرسلة والمقيدة إن اعتبرها الشرع، ودل عليها فهي حق ومن الشرع، وإن لم يعتبرها؛ فليست مصالح، ولا يمكن أن تكون كذلك، ولهذا كان الصواب أنه ليس هناك دليل يسمى بالمصالح المرسلة، بل ما اعتبره الشرع، فهو مصلحة، وما نفاه، ليس بمصلحة، وما سكت عنه فهو عفو.
والمصالح المرسلة توسع فيها كثير من الناس، فأدخل فيها بعض المسائل المنكرة من البدع وغيرها؛ كعيد ميلاد الرسول، فزعموا أن فيه شحذا للهمم، وتنشيطا للناس؛ لأنهم نسوا ذكر رسول الله ﷺ ، وهذا باطل؛ لأن جميع المسلمين في كل صلاة يشهدون أن محمدا عبده ورسوله ويصلون عليه، والذي لا يحيى قلبه بهذا، وهو يصلي بين يدي ربه كيف يحيى قلبه بساعة يؤتى فيها بالقصائد الباطلة، التي فيها من الغلو ما ينكره رسول الله ﷺ ؟ ! فهذه مفسدة
стр. 3581
وليست بمصلحة.
فالمصالح المرسلة وإن وضعها بعض أهل العلم المجتهدين الكبار؛ فلا شك أن مرادهم نصر الله ورسوله، ولكن استخدمت هذه المصالح في غير ما أراده أولئك العلماء وتوسع فيها، وعليه؛ فإنها تقاس بالمعيار الصحيح، فإن اعتبرها الشرع قبلت، وإلا؛ فكما قال الإمام مالك: " كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر " وهنالك قواعد كليات تطبق عليه الجزئيات.
وليعلم أنه يجب أن يجب على الإنسان أن يتقي ربه في جميع الأحكام؛ فلا يتسرع في البت بها خصوصا في التكفير الذي صار بعض أهل الغيرة والعاطفة يطلقونه بدون تفكير ولا روية، مع أن الإنسان إذا كفر شخصا ولم يكن الشخص أهلا له؛ عاد ذلك إلى قائله، وتكفير الشخص يترتب عليه أحكام كثيرة؛ فيكون مباح الدم والمال، ويترتب عليه جميع أحكام الكفر، وكما لا يجوز أن نطلق الكفر على شخص معين حتى يتبين شروط التكفير في حقه يجب أن لا نجبن عن تكفير من كفره الله ورسوله، ولكن يجب أن نفرق بين المعين وغير المعين؛ فالمعين يحتاج الحكم بتكفيره إلى أمرين:
١ - ثبوت أن هذه الخصلة التي قام بها مما يقتضي الكفر.
٢ - انطباق شروط التكفير عليه، وأهمها بأن هذا مكفر، فإن كان جاهلا، فإنه لا يكفر، ولهذا ذكر العلماء أن من شروط إقامة الحد أن يكون عالما بالتحريم، هذا وهو إقامة حد وليس بتكفير، والتحرز من التكفير أولى وأحرى.
قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .
стр. 3582
[الإسراء: ١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] . ولا بد من توفر الشروط من عدم الموانع، فلو قام الشخص بما يقتضي الكفر إكراها، أو ذهولا لم يكفر، لقوله تعالى: ﴿كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . ولقول الرجل الذي وجد دابته في مهلكة: «اللهم! أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» فلم يؤاخذ على بذلك.
стр. 3583
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور. الثانية: تفسير آية براءة. الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي. الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور. وهي قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وسبق تفسيرها.
الثانية: تفسير آية براءة. وهي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ... ) . الآية، وقد سبق ذلك.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي؛ لأن العبادة هي التعبد لهم بالطاعة، والتذلل لهم بالركوع والسجود والنذر وما أشبهه، لكن بين ﷺ المراد من عبادتهم بأنها طاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان. أي: إذا كان أبو بكر وعمر لا يمكن أن يعارض قول النبي ﷺ بقولهما، فما بالك بمن عارض قول النبي ﷺ بقول من دونهما؟ ! فهو أشد وأقبح، وكذلك مثل الإمام أحمد بسفيان الثوري، وأنكر على من أخذ برأيه، وترك ما صح به الإسناد عن رسول الله ﷺ ، واستدل بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ . الآية.
стр. 3584
الخامسة: تحول الأحوال إلي هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
ــ
الخامسة: تحول الأحوال إلي هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال. . . إلخ.
يقول المؤلف - رحمه الله تعالى -: تغيرت الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال. . . وهذا لا شك أنه أشد من معارضة قول الرسول ﷺ بقول أبي بكر وعمر.
ثم قال: " ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين "؛ أي: يركع ويسجد له، ويعظم تعظيم الرب، ويوصف بما لا يستحق، وهذا يوجد عند كثير من الشعراء الذين يمدحون الملوك والوزراء، وهم لا يستحقون أن يكونوا بمنزلة أبي بكر وعمر.
ثم قال: " وعبد بالمعنى الثاني ": وهو الطاعة والاتباع من هو من الجاهلين، فأطيع الجاهل في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، كما يوجد في بعض النظم والقوانين المخالفة للشريعة الإسلامية؛ فإن واضعيها جهال لا يعرفون من الشريعة ولا الأديان شيئا، فصاروا يعبدون بهذا المعنى، فيطاعون في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله.
وهذا في زمان المؤلف، فكيف بزماننا؟ ! وقد قال النبي ﷺ فيما رواه
стр. 3585
البخاري، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «لا يأتي زمان على الناس إلا وما بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم» ، وقال النبي ﷺ للصحابة: «ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا» ، وعصر الصحابة أقرب إلى الهدى من عصر من بعدهم.
والناس لا يحسون بالتغير؛ لأن الأمور تأتي رويدا رويدا، ولو غاب أحد مدة طويلة ثم جاء، لوجد التغير الكثير المزعج - نسأل الله السلامة -، فعلينا الحذر، وأن نعلم أن شرع الله يجب أن يحمى وأن يصان، ولا يطاع أحد في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله أبدا مهما كانت منزلته، وأن الواجب أن نكون عبادا لله تذللا وتعبدا وطاعة.
стр. 3586
باب قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠] الآيات.
ــ
هذا الباب له صلة قوية بما قبله؛ لأن ما قبله فيه حكم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، وهذا فيه الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله، وقد ذكر الشيخ ﵀ فيه أربع آيات:
الآية الأولى: ما جعلها ترجمة للباب، وهي قوله تعالى: (ألم تر) .
الاستفهام يراد به التقرير والتعجب من حالهم، والخطاب للنبي ﷺ .
قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ . هذا يعين أن يكون الخطاب للنبي ﷺ هنا، ولم يقل الذين آمنوا؛ لأنهم لم يؤمنوا، بل يزعمون ذلك وهم كاذبون.
والذي أنزل على النبي ﷺ الكتاب والحكمة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] قال المفسرون: الحكمة السنة، وهم يزعمون أنهم آمنوا بذلك، لكن أفعالهم تكذب أقوالهم، حيث يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت لا إلى الله ورسوله.
قوله: ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ . صيغة مبالغة من الطغيان، ففيه اعتداء وبغي،
стр. 3587
والمراد به هنا كل حكم خالف حكم الله ورسوله، وكل حاكم يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله، أما الطاغوت بالمعنى الأعم فقد حده ابن القيم بأنه: " كل ما تجاوز العبد به حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع "، وقد تقدم الكلام عليه في أول كتاب التوحيد.
قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا﴾ أي: أمرهم الله بالكفر بالطاغوت أمرا ليس فيه لبس ولا خفاء، فمن أراد التحاكم إليه، فهذه الإرادة على بصيرة، إذ الأمر بين لهم.
قوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ . جنس يشمل شياطين الإنس والجن.
قوله: ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: يوقعهم في الضلال البعيد عن الحق، ولكن لا يلزم من ذلك أن ينقلهم إلى الباطل مرة واحدة، ولكن بالتدريج.
فقوله: (بعيدا) . أي: ليس قريبا، لكن بالتدريج شيئا فشيئا حتى يوقعهم في الضلال البعيد.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي: قال لهم الناس: أقبلوا ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القرآن ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ نفسه في حياته، وسنته بعد وفاته، والمراد هنا الرسول ﷺ -نفسه في حياته.
قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ . الرؤية هنا رؤية حال لا رؤية بصر، بدليل قوله: (تعالوا) ، فهي تدل على أنهم ليسوا حاضرين عنده. والمعنى: كأنما تشاهدهم.
قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ . إظهار في موضع الإضمار لثلاث فوائد:
الأولى: أن هؤلاء الذين يزعمون الإيمان كانوا منافقين.
стр. 3588
الثانية: أن هذا لا يصدر إلا من منافق؛ لأن المؤمن حقا لا بد أن ينقاد لأمر الله ورسوله بدون صدود.
الثالثة: التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد قد يغفل الإنسان عنه، فإذا تغير، حصل له انتباه.
قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ جواب " إذا "، وكلمة " صد " تستعمل لازمة؛ أي: يوصف به الشخص ولا يتعداه إلى غيره، ومصدرها صدود؛ كما في هذه الآية، ومتعدية، أي: صد غيره، ومصدرها صد، كما في قوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] .
وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ . الاستفهام هنا يراد به التعجب، أي: كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة، والمصيبة هنا تشمل المصيبة الشرعية والدنيوية؛ لعدم تضاد المعنيين.
فالدنيوية مثل: الفقر، والجدب، وما أشبه ذلك، فيأتون يشكون إلى النبي ﷺ ، فيقولون: أصابتنا هذه المصائب ونحن ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق.
والشرعية: إذا أظهر الله رسوله على أمرهم، خافوا وقالوا: يا رسول الله، ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق.
قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ . الباء: هنا للسببية، و (ما) اسم موصول، و (قدمت) صلته، والعائد محذوف، تقديره بما قدمته أيديهم، وفي اللغة العربية يطلق هذا التعبير باليد، ويراد به نفس الفاعل، أي: بما قدموه من الأعمال السيئة.
وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ . (إن) بمعني: " ما "؛ أي: ما
стр. 3589
أردنا إلا إحسانا بكوننا نسلم من الفضيحة والعار، وتوفيقا بين المؤمنين والكافرين، أو بين طريق الكفر وطريق الإيمان، أي: نمشي معكم ونمشي مع الكفار، وهذه حال المنافقين؛ فهم قالوا: أردنا أن نحسن المنهج والمسلك مع هؤلاء وهؤلاء، ونوفق بين الطرفين.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ . توعدهم الله بأنه يعلم ما في قلوبهم من النفاق والمكر والخداع، فالله علام الغيوب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] ، بل الله أعلم منك بما فيك، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] ، وهذا من أعظم ما يكون من العلم والخبرة أن الله يحول بين المرء وقلبه، ولهذا قيل لأعرابي: " بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم، وصرف الهمم ".
فالإنسان يعزم على الشيء، ثم لا يدري إلا وعزيمته منتقضة بدون سبب ظاهر.
قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ . وهذا من أبلغ ما يكون من الإهانة والاحتقار.
قوله: (وعظهم) . أي: ذكرهم وخوفهم، لكن لا تجعلهم أكبر همك؛ فلا تخافهم، وقم بما يجب عليك من الموعظة لتقوم عليهم الحجة.
قوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ . اختلف المفسرون فيها على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الجار والمجرور في أنفسهم متعلق ببليغ؛ أي: قل لهم قولا بليغا في أنفسهم؛ أي: يبلغ في أنفسهم مبلغا مؤثرا.
الثاني: أن المعنى: انصحهم سرا في أنفسهم.
الثالث: أن المعنى: قل لهم في أنفسهم (أي: في شأنهم وحالهم) قولا
стр. 3590
بليغا في قلوبهم يؤثر عليها.
والصحيح: أن الآية تشمل المعاني الثلاثة؛ لأن اللفظ صالح لها جميعا، ولا منافاة بينها، وهذه قاعدة في التفسير، ينبغي التنبيه لها، وهي أن المعاني المحتملة للآية، والتي قال بها أهل العلم إذا كانت الآية تحتملها وليس بينها تعارض: فإنه يؤخذ بجميع المعاني.
وبلاغة القول تكون في أمور:
الأول: هيئة المتكلم بأن يكون إلقاؤه على وجه مؤثر. وكان النبي ﷺ إذا خطب، احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيشا، يقول: صبحكم ومساكم.
الثاني: أن تكون ألفاظه جزلة مترابطة محددة الموضوع.
الثالث: أن يبلغ من الفصاحة غايتها بحسب الإمكان، بأن يكون كلامه: سليم التركيب، موافقا للغة العربية، مطابقا لمقتضى الحال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إن هذه الآيات تنطبق تماما على أهل التحريف والتأويل في صفات الله؛ لأن هؤلاء يقولون: إنهم يؤمنون بالله ورسوله، وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول؛ يعرضون، ويصدون، ويقولون: نذهب إلى فلان وفلان، وإذا اعترض عليهم؛ قالوا: نريد الإحسان والتوفيق، وأن نجمع بين دلالة العقل ودلالة السمع ". ذكره ﵀ في " الفتوى الحموية ".
стр. 3591
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] .
ــ
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ .
الإفساد في الأرض نوعان:
الأول: إفساد حسي مادي، وذلك مثل هدم البيوت، وإفساد الطرق، وما أشبه ذلك.
الثاني: إفساد معنوي، وذلك بالمعاصي؛ فهي من أكبر الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٥ -٦٦] .
قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ . وهذه دعوى من أبطل الدعاوى، حيث قالوا: ما حالنا وما شأننا إلا الإصلاح.
ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ . (ألا) : أداة استفتاح، والجملة مؤكدة بأربع مؤكدات، وهي: (ألا) ، و (إن) ، وضمير الفصل (هم) ، والجملة الاسمية؛ فالله قابل حصرهم بأعظم منه؛ فهؤلاء الذين
стр. 3592
وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] .
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]
ــ
يفسدون في الأرض، ويدعون الإصلاح هم المفسدون حقيقة لا غيرهم.
ومناسبة الآية للباب ظاهرة، وذلك أن التحاكم إلى غير ما أنزل الله من أكبر أسباب الفساد في الأرض.
الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ . يشمل الفساد المادي والمعنوي كما سبق.
قوله: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ . من قبل المصلحين، ومن ذلك الوقوف ضد دعوة أهل العلم، والوقوف ضد دعوة السلف، والوقوف ضد من ينادي بأن يكون الحكم بما في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
وقوله: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ من باب تأكيد اللوم والتوبيخ، إذ كيف يفسد الصالح، وهذا غاية ما يكون من الوقاحة والخبث والشر؟ فالإفساد بعد الإصلاح أعظم وأشد من أن يمضي الإنسان في فساده قبل الإصلاح، وإن كان المطلوب هو الإصلاح بعد الفساد.
ومناسبة الآية للباب: أن التحاكم إلى ما أنزل الله هو الإصلاح، وأن التحاكم إلى غيره هو الإفساد.
الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ . الاستفهام للتوبيخ، و (حكم) : مفعول مقدم لـ (يبغون) ، وقدم لإفادة الحصر، والمعنى: أفلا يبغون إلا حكم الجاهلية.
стр. 3593
و ﴿يَبْغُونَ﴾ : يطلبون، والإضافة في قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ تحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون المعنى: أفحكم أهل الجاهلية الذين سبقوا الرسالة يبغون، فيريدون أن يعيدوا هذه الأمة إلى طريق الجاهلية التي أحكامها معروفة، ومنها: البحائر، والسوائب، وقتل الأولاد.
ثانيهما: أن يكون المعنى: أفحكم الجهل الذي لا يبنى على العلم يبغون، سواء كانت عليه الجاهلية السابقة أم لم تكن، وهذا أعم.
والإضافة للجاهلية تقتضي التقبيح والتنفير.
وكل حكم يخالف حكم الله، فهو جهل وجهالة.
فإن كان مع العلم بالشرع؛ فهو جهالة، وإن كان مع خفاء الشرع، فهو جهل، والجهالة هي العمل بالخطأ سفها لا جهلا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] ، وأما من يعمل السوء بجهل فلا ذنب عليه، لكن عليه أن يتعلم.
قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ . (من) : اسم استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد أحسن من الله حكما، وهذا النفي مشرب معنى التحدي؛ فهو أبلغ من قول: " لا أحسن من الله حكما "؛ لأنه متضمن للنفي وزيادة.
وقوله: (حكما) . تمييز؛ لأنه بعد اسم التفضيل، وهو مبهم؛ فبين هذا التمييز المبهم وميزه.
والحكم هنا يشمل الكوني والشرعي. فإن قيل: يوجد في الأحكام الكونية ما هو ضار، مثل الزلازل، والفيضانات وغيرها، فأين الحسن في ذلك؟
أجيب أن الغايات المحمودة في هذا الأمور تجعله حسنة، كما يضرب
стр. 3594
وعن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم»
ــ
الإنسان ولده؛ تربية له، فيعد هذا الضرب فعلا حسنا، فكذلك الله يصيب بعض الناس بهذه المصائب لتربيتهم، قال تعالى في القرية التي قلب الله أهلها قردة خاسئين: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] ، وهذا الحسن في حكم الله ليس بينا لكل أحد، كما قال تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، وكلما ازداد العبد يقينا وإيمانا ازداد معرفة بحسن أحكام الله، وكلما نقص إيمانه ويقينه ازداد جهلا بحسن أحكام الله، ولذلك تجد أهل العلم الراسخين فيه إذا جاءت الآيات المتشابهات بينوا وجه ذلك بأكمل بيان، ولا يرون في ذلك تناقضا، وعلى هذا؛ فإنه يتبين قوة الإيمان واليقين بحسب ما حصل للإنسان من معرفته بحسن أحكام الله الكونية والشرعية.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . خبر لا يدخله الكذب ولا النسخ إطلاقا، ولذلك هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فجمعوا بين المتشابهات والمختلفات من النصوص، وقالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] ، وعرفوا حسن أحكام الله تعالى، وأنها أحسن الأحكام وأنفعها للعباد، وأقومها لمصالح الخلق في المعاش والمعاد؛ فلم يرضوا عنها بديلا.
قوله في حديث عبد الله بن عمر: " لا يؤمن أحدكم ". أي: إيمانا كاملا إلا إذا كان لا يهوى ما جاء به النبي ﷺ بالكلية، فإنه ينتفي عنه الإيمان بالكلية؛ لأنه إذا كره ما أنزل الله؛ فقد حبط عمله لكفره، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]
стр. 3595
«حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» . قال النووي: " حديث صحيح، رويناه في كتاب " الحجة " بإسناد صحيح ". .
ــ
قوله: «حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» . الهوى بالقصر: هو الميل، وبالمد هو: الريح، والمراد الأول.
و" حتى ": للغاية، والذي جاء به النبي ﷺ هو القرآن والسنة.
وإذا كان هواه تبعا لما جاء به النبي ﷺ ، لزم من ذلك أن يوافقه تصديقا بالأخبار، وامتثالا للأوامر، واجتنابا للنواهي.
واعلم أن أكثر ما يطلق الهوى على هوى الضلال لا على هوى الإيمان، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤] ، وغيرها من الآيات الدالة على ذم من اتبع هواه، ولكن إذا كان الهوى تبعا لما جاء به النبي ﷺ ، كان محمودا، وهو من كمال الإيمان.
وقد سبق بيان أن من اعتقد أن حكم غير الله مساو لحكم الله، أو أحسن، أو أنه يجوز التحاكم إلى غير الله؛ فهو كافر.
وأما من لم يكن هواه تبعا لما جاء به النبي ﷺ ، فإن كان كارها له؛ فهو
стр. 3596
وقال الشعبي: «كان بين رجل من المنافقين، ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة، فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ .» [النساء: ٦٠] . الآية ". (١)
ــ
كافر، وإن لم يكن كارها، ولكن آثر محبة الدنيا على ذلك؛ فليس كافر، ولكن يكون ناقص الإيمان.
قوله: " قال النووي: حديث صحيح ". صححه النووي وغيره، وضعفه جماعة من أهل العلم، منهم ابن رجب في كتابه " جامع العلوم والحكم "، ولكن معناه صحيح.
قوله في أثر الشعبي: " وقال الشعبي " أي: في تفسير الآية.
قوله: " رجل من المنافقين ". هو من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وسمي منافقا من النّافقاء، وهي جحر اليربوع، واليربوع له جحر له باب، وله نافقاء - أي يحفر في الأرض خندقا حتى يصل منتهى جحره، ثم يحفر إلى أعلى،
стр. 3597
فإذا بقي شيء قليل بحيث يتمكن من دفعه برأسه توقف -، فإذا حجر عليه من الباب خرج من النافقاء.
قوله: " ورجل من اليهود ". اليهود: هم المنتسبون إلى دين موسى ﵇، وسموا بذلك إما من قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ ، أي: رجعنا، أو نسبة إلى أبيهم يهوذا، ولكن بعد التعريب صار بالدال.
قوله: " إلى محمد ". أي: النبي ﷺ ، ولم يذكره بوصف الرسالة؛ لأنهم لا يؤمنون برسالته، ويزعمون أن النبي الموعود به سيأتي.
قوله: " عرف أنه لا يأخذ الرشوة ". تعليل لطلب التحاكم إلى النبي ﷺ .
والرشوة: مثلثة الراء، فيجوز الرِّشوة، الرَّشوة، والرُّشوة، وهي: المال المدفوع للتوصل إلى شيء.
قال أهل العلم: " لا تكون محرمة إلا إذا أراد الإنسان أن يتوصل بها إلى باطل، أو دفع حق، أما من بذلها ليتوصل بها إلى حق له منع منه، أو ليدفع بها باطلا عن نفسه؛ فليست حراما على الباذل، أما على آخذها؛ فحرام ".
قوله: " فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة " كأنه صار بينهما خلاف، وأبى المنافق أن يتحاكما إلى النبي ﷺ .
والكاهن: من يدعي علم الغيب في المستقبل، وكان للعرب كهان تنزل عليهم الشياطين بخبر السماء، فيقولون: سيحدث كذا وكذا، فربما أصابوا مرة من المرات، وربما أخطئوا، فإذا أصابوا ادعوا علم الغيب، فكان العرب يتحاكمون إليهم؛ فنزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ . الآية.
стр. 3598
وقيل: " نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ : أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله ". (١)
ــ
قوله: " وقيل ". ذكر هذه القصة بصيغة التمريض، لكن ذكر في " تيسير العزيز الحميد ": أنها رويت من طرق متعددة، وأنها مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولا يغني عن الإسناد، ولها طرق كثيرة، ولا يضرها ضعف إسنادها. ا. هـ.
قوله: " رجلين ". هما مبهمان، فيحتمل أن يكونا من المسلمين المؤمنين، ويحتمل أن يكونا من المنافقين، ويحتمل غير ذلك.
قوله: " إلى كعب بن الأشرف ". وهو رجل من زعماء بني النضير.
قوله: " أكذلك "؟ . خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أكذلك الأمر؟ .
قوله: " فضربه بالسيف ". الضارب عمر.
وهذه القصة، والتي قبلها تدل على أن من لم يرض بحكم رسول الله ﷺ كافر يجب قتله، ولهذا قتله عمر ﵁.
стр. 3599
فإن قيل: كيف يقتله عمر ﵁ والأمر إلى الإمام، وهو النبي ﷺ ؟
أجيب: أن الظاهر أن عمر لم يملك نفسه لقوة غيرته فقتله؛ لأنه عرف أن هذا ردة عن الإسلام، وقد قال النبي ﷺ : «من بدل دينه فأقتلوه» .
стр. 3600
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت. الثانية: تفسير آية البقرة. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ . الآية. الثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ . الرابعة: تفسير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ .
ــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾
وقوله: " وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت ". أي: أن الطاغوت مشتق من الطغيان، وإذا كان كذلك؛ فيشمل كل ما تجاوز به العبد حده من متبوع، أو معبود، أو مطاع، فالأصنام والأمراء والحكام الذين يحلون الحرام، ويحرمون الحلال طواغيت.
الثانية: تفسير آية البقرة. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ . ففيها دليل على أن النفاق فساد في الأرض؛ لأنها في سياق المنافقين، والفساد يشمل جميع المعاصي.
الثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ . وقد سبق.
الرابعة: تفسير: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ . وقد سبق ذلك، وقد بينا أن المراد بحكم الجاهلية كل ما خالف الشرع، وأضيف للجاهلية للتنفير منه، وبيان
стр. 3601
الخامسة: ما قاله الشعبي في سبب نزول الآية الأولى. السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب. السابعة: قصة عمر مع المنافق. الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول ﷺ .
ــ
قبحه، وأنه مبني على الجهل والضلال.
الخامسة: ما قاله الشعبي في سبب نزول الآية الأولى. وقد سبق.
السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب. فالإيمان الصادق يستلزم الإذعان التام، والقبول، والتسليم لحكم الله ورسوله، والإيمان الكاذب بخلاف ذلك.
السابعة: قصة عمر مع المنافق. حيث جعل عدوله عن الترافع إلى النبي ﷺ مبيحا لقتله؛ لردته، وأقدم على قتله لقوة غيرته، فلم يملك نفسه.
الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول ﷺ . وهذا واضح من الحديث.
стр. 3602
باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات .
ــ
الجحد: الإنكار، والإنكار نوعان:
الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدا أنكر اسما من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، أو أن الله لم يستو على عرشه، أو ليس له عين؛ فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة بالإجماع.
الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا ينكرها ولكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، وهذا نوعان:
١ - أن يكون للتأويل مسوغ في اللغة العربية، فهذا لا يوجب الكفر.
٢ - أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية، فهذا حكمه الكفر؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار في الحقيقة تكذيبا، مثل أن يقول: المراد بقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] : تجري بأراضينا، فهذا كافر؛ لأنه نفاها نفيا مطلقا، فهو مكذب.
ولو قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، المراد بيديه: السماوات والأرض، فهو كفر أيضا؛ لأنه لا مسوغ في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية، فهو منكر ومكذب، لكن إن قال: المراد باليد النعمة، أو القوة، فلا يكفر؛ لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة، قال الشاعر:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تحدث أنّ المانويّة تكذب
стр. 3603
فقوله: من يد؛ أي: من نعمة؛ لأن المانوية يقولون: إن الظلمة لا تخلق الخير، وإنما تخلق الشر.
قوله: " من الأسماء ". جمع اسم، واختلف في اشتقاقه، فقيل: من السمو، وهو الارتفاع، ووجه هذا أن المسمى يرتفع باسمه، ويتبين ويظهر.
وقيل: من السمة وهى العلامة، ووجهه: أنه علامة على مسماه، والراجح أنه مشتق من كليهما. والمراد بالأسماء هنا أسماء الله والفرق بين الاسم والصفة: أن الاسم ما تسمى به الله، والصفة ما اتصف بها.
البحث في أسماء الله:
المبحث الأول:
أن أسماء الله أعلام وأوصاف، وليست أعلاما محضة؛ فهي من حيث دلالتها على ذات الله تعالى أعلام، ومن حيث دلالتها على الصفة التي يتضمنها هذا الاسم أوصاف، بخلاف أسمائنا؛ فالإنسان يسمي ابنه محمدا، وعليا دون أن يلحظ معنى الصفة، فقد يكون اسمه عليا، وهو من أوضع الناس، أو عبد الله وهو من أكفر الناس، بخلاف أسماء الله؛ لأنها متضمنة للمعاني، فالله هو العلي لعلو ذاته وصفاته، والعزيز يدل على العزة، والحكيم يدل على الحكمة، وهكذا.
ودلالة الاسم على الصفة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: دلالة مطابقة، وهي دلالته على جميع معناه المحيط به.
стр. 3604
الثاني: دلالة تضمن، وهي دلالته على جزء معناه.
الثالث: دلالة التزام، وهي دلالته على أمر خارج لازم. مثال ذلك: الخالق يدل على ذات الله وحده، وعلى صفة الخلق وحدها دلالة تضمن، ويدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق فيه دلالة مطابقة، ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام.
كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] ؛ فعلمنا القدرة من كونه خالق السماوات والأرض، وعلمنا العلم من ذلك أيضا؛ لأن الخلق لا بد فيه من علم، فمن لا يعلم لا يخلق، وكيف يخلق شيئا لا يعلمه؟ !
المبحث الثاني:
أن أسماء الله مترادفة متباينة، المترادف: ما اختلف لفظه واتفق معناه، والمتباين: ما اختلف لفظه ومعناه، فأسماء الله مترادفة باعتبار دلالتها على ذات الله ؛ لأنها تدل على مسمى واحد، فالسميع، البصير، العزيز، الحكيم؛ كلها تدل على شيء واحد هو الله، ومتباينة باعتبار معانيها؛ لأن معنى الحكيم غير معنى السميع، وغير معنى البصير، وهكذا.
المبحث الثالث:
أسماء الله ليست محصورة بعدد معين، والدليل على ذلك قوله ﷺ في حديث ابن مسعود، الحديث الصحيح المشهور: «اللهم! إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك» ... - إلى أن قال-: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته»
стр. 3605
«في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» ، وما استأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أن يعلم به، وما ليس بمعلوم فليس بمحصور.
وأما قوله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» ، فليس معناه أنه ليس له إلا هذه الأسماء، لكن معناه أن من أحصى من أسمائه هذه التسعة والتسعين فإنه يدخل الجنة، فنقول: " من أحصاها " تكميل للجملة الأولى، وليست استئنافية منفصلة، ونظير هذا قول القائل: عندي مائة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله، فليس معناه أنه ليس عنده إلا هذه المائة، بل معناه أن هذه المائة معدة لهذا الشيء.
المبحث الرابع:
الاسم من أسماء الله يدل على الذات، وعلى المعنى، كما سبق، فيجب علينا أن نؤمن به اسما من الأسماء، ونؤمن بما تضمنه من الصفة، ونؤمن بما تدل عليه الصفة من الأثر والحكم إن كان متعديا؛ فمثلا: السميع نؤمن بأن من أسمائه تعالى السميع، وأنه دال على صفة السمع، وأن لهذا
стр. 3606
السمع حكما، وأثرا وهو أنه يسمع به؛ كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] ، أما إن كان الاسم غير متعد، كالعظيم، والحي، والجليل، فتثبت الاسم والصفة، ولا حكم يتعدى إليه.
المبحث الخامس:
هل أسماء الله تعالى غيره، أو أسماء الله هي الله؟
إن أريد بالاسم اللفظ الدال على المسمى؛ فهي غير الله وإن أريد بالاسم مدلول ذلك اللفظ؛ فهي المسمى. فمثلا: الذي خلق السماوات والأرض هو الله، فالاسم هنا هو المسمى، فليست " اللام - والهاء " هي التي خلقت السماوات والأرض، وإذا قيل: اكتب باسم الله. فكتبت بسم الله، فالمراد به هو الاسم دون المسمى، وإذا قيل: اضرب زيدا، فضربت زيدا المكتوب في الورقة لم تكن ممتثلا؛ لأن المقصود المسمى، وإذا قيل: اكتب زيد قائم. فالمراد الذي هو غير المسمى.
البحث في صفات الله:
المبحث الأول:
تنقسم صفات الله إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ذاتية ويقال معنوية.
الثاني: فعلية.
الثالث: خبرية.
فالصفات الذاتية: هي الملازمة لذات الله، والتي لم يزل ولا يزال متصفا
стр. 3607
بها مثل: السمع والبصر وهي معنوية؛ لأن هذه الصفات معان.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته إن شاء فعلها، وإن لم يشأ لم يفعلها، مثل: النزول إلى سماء الدنيا، والاستواء على العرش، والكلام من حيث آحاده، والخلق من حيث آحاده، لا من حيث الأصل؛ فأصل الكلام صفة ذاتية، وكذلك الخلق.
والخبرية: هي أبعاض وأجزاء بالنسبة لنا، أما بالنسبة إلى لله، فلا يقال هكذا، بل يقال: صفات خبرية ثبت بها الخبر من الكتاب والسنة، وهي ليست معنى ولا فعلا مثل: الوجه، والعين، والساق، واليد.
المبحث الثاني:
الصفات أوسع من الأسماء؛ لأن كل اسم متضمن لصفة، وليس كل صفة تكون اسما، وهناك صفات كثيرة تطلق على الله، وليست من أسمائه؛ فيوصف الله بالكلام والإرادة، ولا يسمى بالمتكلم، أو المريد.
المبحث الثالث:
إن كل ما وصف الله به نفسه، فهو حق على حقيقته، لكنه ينزه عن التمثيل والتكييف، أما التمثيل؛ فلقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ، والتعبير بنفي التمثيل أحسن من التعبير بنفي التشبيه؛ لوجوه ثلاثة:
أحدهما: أن التمثيل هو الذي جاء به القرآن، وهو منفي مطلقا، بخلاف التشبيه، فلم يأت القرآن بنفيه.
الثاني: أن نفي التشبيه على الإطلاق لا يصح؛ لأن كل موجودين فلا بد
стр. 3608
أن يكون بينهما قدر مشترك يشتبهان فيه، ويتميز كل واحد بما يختص به، فـ: " الحياة " مثلا وصف ثابت في الخالق والمخلوق، فبينهما قدر مشترك، ولكن حياة الخالق تليق به، وحياة المخلوق تليق به.
الثالث: أن الناس اختلفوا في مسمى التشبيه، حتى جعل بعضهم إثبات الصفات التي أثبتها الله لنفسه تشبيها، فإذا قيل من غير تشبيه؛ فَهمَ هذا البعض من هذا القول نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه.
وأما التكييف؛ فلا يجوز أن نكيف صفات الله، فمن كيف صفة من الصفات، فهو كاذب عاص: كاذب؛ لأنه قال بما لا علم عنده فيه، عاص؛ لأنه واقع فيما نهى الله عنه، وحرَّمه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، بعد قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الآية؛ ولأنه لا يمكن إدراك الكيفية، لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ، وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] .
وسواء كان التكييف باللسان تعبيرا، أو بالجنان تقديرا، أو بالبيان تحريرا، ولهذا قال مالك ﵀ حين سئل عن كيفية الاستواء: " الكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة "، وليس معنى هذا أن لا نعتقد أن لها كيفية، بل لها كيفية، ولكنها ليست معلومة لنا؛ لأن ما ليس له كيفية ليس بموجود، فالاستواء، والنزول، واليد، والوجه، والعين لها كيفية، لكننا لا نعلمها؛ ففرق بين أن نثبت كيفية معينة، ولو تقديرا وبين أن نؤمن بأن لها كيفية غير معلومة، وهذا هو الواجب، فنقول: لها كيفية، لكن غير معلومة.
стр. 3609
وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ... ) [الرعد: ٣٠] . الآية.
ــ
فإن قيل: كيف يتصور أن نعتقد للشيء كيفية، ونحن لا نعلمها؟
أجيب: إنه متصور؛ فالواحد منا يعتقد أن لهذا القصر كيفية من داخله، ولكن لا يعلم هذه الكيفية إلا إذا شاهدها، أو شاهد نظيرها، أو أخبره شخص صادق عنها.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ . الآية.
(وهم) . أي: كفار قريش.
﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ . المراد: أنهم يكفرون بهذا الاسم لا بالمسمى، فهم يقرون به، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، وفي حديث سهيل بن عمر: " «لما أراد النبي ﷺ أن يكتب الصلح في غزوة الحديبية، قال للكاتب: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم "، قال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب باسمك اللهم» ، وهذا من الأمثلة التي يراد بها الاسم دون المسمى.
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] ، أي: بأي اسم من أسمائه تدعونه، فإن له الأسماء الحسنى، فكل أسمائه حسنى، فادعوا بما شئتم من الأسماء، ويراد بهذه الآية الإنكار على قريش.
стр. 3610
وفي الآية دليل على أن من أنكر اسما من أسمائه تعالى فإنه يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] ؛ ولأنه مكذب لله ولرسوله، وهذا كفر، وهذا وجه استشهاد المؤلف بهذه الآية.
قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ . خبر" لا " النافية للجنس محذوف، والتقدير: لا إله حق إلا هو، وأما الإله الباطل؛ فكثير، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠] .
قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: عليه وحده؛ لأن تقديم المعمول يدل على الحصر، فإذا قلت مثلا: " ضربت زيدا "، فإنه يدل على أنك ضربته، ولكن لا يدل على أنك لم تضرب غيره، وإذا قلت: " زيدا ضربت " دلت على أنك ضربت زيدا، ولم تضرب غيره، وسبق معنى التوكل وأحكامه.
قوله: ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: إلى الله. و (متاب) . أصلها متابي، فحذفت الياء تخفيفا، والمتاب بمعنى التوبة، فهي مصدر ميمي؛ أي: وإليه توبتي.
والتوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى من المعصية إلى الطاعة، ولها شروط خمسة:
١ - الإخلاص لله تعالى بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة أحد، أو محاباته، أو شيء من الدنيا.
٢ - أن تكون في وقت قبول التوبة، وذلك قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت.
٣ - الندم على ما مضى من فعله، وذلك بأن يشعر بالتحسر على ما سبق، ويتمنى أنه لم يكن.
٤ - الإقلاع عن الذنب، وعلى هذا، فإذا كانت التوبة من مظالم