السمع حكما، وأثرا وهو أنه يسمع به؛ كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] ، أما إن كان الاسم غير متعد، كالعظيم، والحي، والجليل، فتثبت الاسم والصفة، ولا حكم يتعدى إليه.
المبحث الخامس:
هل أسماء الله تعالى غيره، أو أسماء الله هي الله؟
إن أريد بالاسم اللفظ الدال على المسمى؛ فهي غير الله وإن أريد بالاسم مدلول ذلك اللفظ؛ فهي المسمى. فمثلا: الذي خلق السماوات والأرض هو الله، فالاسم هنا هو المسمى، فليست " اللام - والهاء " هي التي خلقت السماوات والأرض، وإذا قيل: اكتب باسم الله. فكتبت بسم الله، فالمراد به هو الاسم دون المسمى، وإذا قيل: اضرب زيدا، فضربت زيدا المكتوب في الورقة لم تكن ممتثلا؛ لأن المقصود المسمى، وإذا قيل: اكتب زيد قائم. فالمراد الذي هو غير المسمى.
البحث في صفات الله:
المبحث الأول:
تنقسم صفات الله إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ذاتية ويقال معنوية.
الثاني: فعلية.
الثالث: خبرية.
فالصفات الذاتية: هي الملازمة لذات الله، والتي لم يزل ولا يزال متصفا
стр. 3607
بها مثل: السمع والبصر وهي معنوية؛ لأن هذه الصفات معان.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته إن شاء فعلها، وإن لم يشأ لم يفعلها، مثل: النزول إلى سماء الدنيا، والاستواء على العرش، والكلام من حيث آحاده، والخلق من حيث آحاده، لا من حيث الأصل؛ فأصل الكلام صفة ذاتية، وكذلك الخلق.
والخبرية: هي أبعاض وأجزاء بالنسبة لنا، أما بالنسبة إلى لله، فلا يقال هكذا، بل يقال: صفات خبرية ثبت بها الخبر من الكتاب والسنة، وهي ليست معنى ولا فعلا مثل: الوجه، والعين، والساق، واليد.
المبحث الثاني:
الصفات أوسع من الأسماء؛ لأن كل اسم متضمن لصفة، وليس كل صفة تكون اسما، وهناك صفات كثيرة تطلق على الله، وليست من أسمائه؛ فيوصف الله بالكلام والإرادة، ولا يسمى بالمتكلم، أو المريد.
المبحث الثالث:
إن كل ما وصف الله به نفسه، فهو حق على حقيقته، لكنه ينزه عن التمثيل والتكييف، أما التمثيل؛ فلقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٧٤] ، والتعبير بنفي التمثيل أحسن من التعبير بنفي التشبيه؛ لوجوه ثلاثة:
أحدهما: أن التمثيل هو الذي جاء به القرآن، وهو منفي مطلقا، بخلاف التشبيه، فلم يأت القرآن بنفيه.
الثاني: أن نفي التشبيه على الإطلاق لا يصح؛ لأن كل موجودين فلا بد
стр. 3608
أن يكون بينهما قدر مشترك يشتبهان فيه، ويتميز كل واحد بما يختص به، فـ: " الحياة " مثلا وصف ثابت في الخالق والمخلوق، فبينهما قدر مشترك، ولكن حياة الخالق تليق به، وحياة المخلوق تليق به.
الثالث: أن الناس اختلفوا في مسمى التشبيه، حتى جعل بعضهم إثبات الصفات التي أثبتها الله لنفسه تشبيها، فإذا قيل من غير تشبيه؛ فَهمَ هذا البعض من هذا القول نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه.
وأما التكييف؛ فلا يجوز أن نكيف صفات الله، فمن كيف صفة من الصفات، فهو كاذب عاص: كاذب؛ لأنه قال بما لا علم عنده فيه، عاص؛ لأنه واقع فيما نهى الله عنه، وحرَّمه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، بعد قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الآية؛ ولأنه لا يمكن إدراك الكيفية، لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] ، وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] .
وسواء كان التكييف باللسان تعبيرا، أو بالجنان تقديرا، أو بالبيان تحريرا، ولهذا قال مالك ﵀ حين سئل عن كيفية الاستواء: " الكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة "، وليس معنى هذا أن لا نعتقد أن لها كيفية، بل لها كيفية، ولكنها ليست معلومة لنا؛ لأن ما ليس له كيفية ليس بموجود، فالاستواء، والنزول، واليد، والوجه، والعين لها كيفية، لكننا لا نعلمها؛ ففرق بين أن نثبت كيفية معينة، ولو تقديرا وبين أن نؤمن بأن لها كيفية غير معلومة، وهذا هو الواجب، فنقول: لها كيفية، لكن غير معلومة.
стр. 3609
وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ... ) [الرعد: ٣٠] . الآية.
ــ
فإن قيل: كيف يتصور أن نعتقد للشيء كيفية، ونحن لا نعلمها؟
أجيب: إنه متصور؛ فالواحد منا يعتقد أن لهذا القصر كيفية من داخله، ولكن لا يعلم هذه الكيفية إلا إذا شاهدها، أو شاهد نظيرها، أو أخبره شخص صادق عنها.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ . الآية.
(وهم) . أي: كفار قريش.
﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ . المراد: أنهم يكفرون بهذا الاسم لا بالمسمى، فهم يقرون به، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، وفي حديث سهيل بن عمر: " «لما أراد النبي ﷺ أن يكتب الصلح في غزوة الحديبية، قال للكاتب: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم "، قال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب باسمك اللهم» ، وهذا من الأمثلة التي يراد بها الاسم دون المسمى.
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] ، أي: بأي اسم من أسمائه تدعونه، فإن له الأسماء الحسنى، فكل أسمائه حسنى، فادعوا بما شئتم من الأسماء، ويراد بهذه الآية الإنكار على قريش.
стр. 3610
وفي الآية دليل على أن من أنكر اسما من أسمائه تعالى فإنه يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد:٣٠] ؛ ولأنه مكذب لله ولرسوله، وهذا كفر، وهذا وجه استشهاد المؤلف بهذه الآية.
قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ . خبر" لا " النافية للجنس محذوف، والتقدير: لا إله حق إلا هو، وأما الإله الباطل؛ فكثير، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠] .
قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: عليه وحده؛ لأن تقديم المعمول يدل على الحصر، فإذا قلت مثلا: " ضربت زيدا "، فإنه يدل على أنك ضربته، ولكن لا يدل على أنك لم تضرب غيره، وإذا قلت: " زيدا ضربت " دلت على أنك ضربت زيدا، ولم تضرب غيره، وسبق معنى التوكل وأحكامه.
قوله: ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: إلى الله. و (متاب) . أصلها متابي، فحذفت الياء تخفيفا، والمتاب بمعنى التوبة، فهي مصدر ميمي؛ أي: وإليه توبتي.
والتوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى من المعصية إلى الطاعة، ولها شروط خمسة:
١ - الإخلاص لله تعالى بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة أحد، أو محاباته، أو شيء من الدنيا.
٢ - أن تكون في وقت قبول التوبة، وذلك قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت.
٣ - الندم على ما مضى من فعله، وذلك بأن يشعر بالتحسر على ما سبق، ويتمنى أنه لم يكن.
٤ - الإقلاع عن الذنب، وعلى هذا، فإذا كانت التوبة من مظالم
стр. 3611
وفي " صحيح البخاري ": قال علي: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله "؟ !
ــ
الخلق فلا بد من رد المظالم إلى أهلها، أو استحلالهم منها.
٥ - العزم على عدم العودة، والتوبة التي لا تكون إلا لله، هي توبة العبادة، كما في الآية السابقة، وأما التوبة التي بمعنى الرجوع، فإنها تكون له ولغيره، ومنه قول عائشة «حين جاء النبي ﷺ فوجد نمرقة فيها صور، فوقف بالباب ولم يدخل، وقالت: " أتوب إلى الله ورسوله، ماذا أذنبت؟» ، فليس المراد بالتوبة هنا توبة العبادة؛ لأن توبة العبادة لا تكون للرسول ﷺ ولا لغيره من الخلق، بل لله وحده، ولكن هذه توبة رجوع، ومن ذلك أيضا حين يضرب الإنسان ابنه لسوء أدبه؛ يقول الابن: أتوب.
قوله في أثر علي ﵁: " حدثوا الناس ". أي: كلموهم بالمواعظ وغير المواعظ.
قوله: " بما يعرفون ". أي: بما يمكن أن يعرفوه، وتبلغه عقولهم حتى لا يفتنوا، ولهذا جاء عن ابن مسعود ﵁، قال: " إنك لن تحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة "، ولهذا كان من الحكمة في
стр. 3612
الدعوة ألا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه، بل تدعوهم رويدا رويدا، حتى تستقر عقولهم، وليس معنى " بما يعرفون "؛ أي: بما يعرفون من قبل؛ لأن الذي يعرفونه من قبل، يكون التحديث به من تحصيل الحاصل.
قوله: " أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟! ". الاستفهام للإنكار؛ أي: أتريدون إذا حدثتم الناس بما لا يعرفون أن يكذب الله ورسوله؛ لأنك إذا قلت: قال الله، وقال رسوله كذا وكذا، قالوا: هذا كذب إذا كانت عقولهم لا تبلغه، وهم لا يكذبون الله ورسوله، ولكن يكذبونك بحديث تنسبه إلى الله ورسوله؛ فيكونون مكذبين لله ورسوله، لا مباشرة ولكن بواسطة الناقل.
فإن قيل: هل ندع الحديث بما لا تبلغه عقول الناس، وإن كانوا محتاجين لذلك؟
أجيب: لا ندعه، ولكن نحدثهم بطريقة تبلغه عقولهم، وذلك بأن ننقلهم رويدا رويدا حتى يتقبلوا هذا الحديث، ويطمئنوا إليه، ولا ندع ما لا تبلغه عقولهم، ونقول: هذا شيء مستنكر لا نتكلم به.
ومثل ذلك العمل بالسنة التي لا يعتادها الناس ويستنكرونها؛ فإننا نعمل بها، ولكن بعد أن نخبرهم بها، حتى تقبلها نفوسهم، ويطمئنوا إليها.
ويستفاد من هذا الأثر أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوين، وينزل كل إنسان منزلته.
مناسبة هذا الأثر لباب الصفات:
مناسبته ظاهرة؛ لأن بعض الصفات لا تحتملها أفهام العامة، فيمكن إذا حدثتهم بها كان لذلك أثر سيئ عليهم؛ كحديث النزول إلى السماء الدنيا مع
стр. 3613
وروى عبد الرازق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: " أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي ﷺ
ــ
ثبوت العلو، فلو حدثت العامي بأنه نفسه ينزل إلى السماء الدنيا، مع علوه على عرشه، فقد يفهم أنه إذا نزل، صارت السماوات فوقه، وصار العرش خاليا منه، وحينئذ لا بد في هذا من حديث تبلغه عقولهم، فتبين لهم أن الله ينزل نزولا لا يماثل نزول المخلوقين مع علوه على عرشه، وأنه لكمال فضله ورحمته، يقول: «من يدعوني فأستجيب له» ... " الحديث.
والعامي يكفيه أن يتصور مطلق المعنى، وأن المراد بذلك بيان فضل الله في هذه الساعة من الليل.
قوله في أثر ابن عباس: " انتفض ". أي: اهتز جسمه، والرجل مبهم، والصفة التي حُدث بها لم تُبين، وبيان ذلك ليس مهما، وهذا الرجل انتفض استنكار لهذه الصفة لا تعظيما لله، وهذا أمر عظيم صعب؛ لأن الواجب على المرء إذا صح عنده شيء عن الله ورسوله أن يقر به، ويصدق ليكون طريقه طريق الراسخين في العلم حتى وإن لم يسمعه من قبل، أو يتصوره.
стр. 3614
في الصفات؛ استنكارا لذلك، فقال: ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟ !) . انتهى. (١)
ــ
قوله: " ما فرق ". فيها: ثلاث روايات:
١ - " فَرَقُ "؛ بفتح الراء، وضم القاف.
٢ - " فرَّقَ "؛ بفتح الراء مشددة، وفتح القاف.
٣ - " فَرَقَ "؛ بفتح الراء مخففة، وفتح القاف.
فعلى رواية: " فَرَقُ " تكون " ما " استفهامية مبتدأ، و" فرق " خبر المبتدأ؛ أي: ما خوف هؤلاء من إثبات الصفة تليت عليهم وبلغتهم، لماذا لا يثبتونها لله كما أثبتها الله لنفسه، وأثبتها له رسوله؟ وهذا ينصب تماما على أهل التعطيل والتحريف، الذين ينكرون الصفات، فما الذي يخوفهم من إثباتها، والله تعالى قد أثبتها لنفسه؟
وعلى رواية: " فرّق " أو " فَرَقَ " تكون فعلا ماضيا، بمعنى ما فرقهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ . [الإسراء: ١٠٦] ؛ أي: فرقناه: و" ما " يحتمل أن تكون نافية، والمعنى: ما فرق هؤلاء بين الحق والباطل، فجعلوا هذا من المتشابه وأنكروه، ولم يحملوه على المحكم، ويحتمل أن تكون استفهامية، والمعنى: أي شيء فرقهم، فجعلهم يؤمنون بالمحكم، ويهلكون عند المتشابه؟
قوله: " يجدون رقة عند محكمه ". الرقة: اللين والقبول، و" محكمه "؛ أي: محكم القرآن.
стр. 3615
قوله: " ويهلكون عند متشابهه ". أي: متشابه القرآن.
والمحكم: الذي اتضح معناه وتبين، والمتشابه: هو الذي يخفى معناه، فلا يعلمه الناس، وهذا إذا جمع بين المحكم والمتشابه. وأما إذا ذكر المحكم مفردا دون المتشابه، فمعناه: المتقن الذي ليس فيه خلل: لا كذب في أخباره، ولا جور في أحكامه، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] ، وقد ذكر الله الإحكام في القرآن دون المتشابه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [سورة يونس: ١] ، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] .
وإذا ذكر المتشابه دون المحكم صار المعنى أنه يشبه بعضه بعضا في جودته وكماله، ويصدق بعضه بعضا، ولا يتناقض، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] . والتشابه نوعان: تشابه نسبي، وتشابه مطلق.
والفرق بينهما: أن المطلق يخفى على كل أحد، والنسبي يخفى على أحد دون أحد، وبناء على هذا التقسيم ينبني الوقف في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] ؛ فعلى الوقوف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ يكون المراد بالمتشابه المطلق، وعلى الوصل: ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يكون المراد بالمتشابه المتشابه النسبي، وللسلف قولان:
القول الأول: الوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ ، وعليه أكثر السلف، وعلى هذا؛ فالمراد بالمتشابه المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، وذلك مثل كيفية وحقائق صفات الله، وحقائق ما أخبر الله به من نعيم الجنة وعذاب النار، وقال الله تعالى في نعيم الجنة: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] ؛ أي: لا تعلم حقائق ذلك، ولذلك قال ابن عباس: " ليس في الجنة شيء مما في
стр. 3616
الدنيا إلا الأسماء " (١)
والقول الثاني: الوصل؛ فيقرأ: ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، وعلى هذا فالمراد بالمتشابه المتشابه النسبي، وهذا يعلمه الراسخون في العلم، ويكون عند غيرهم متشابها، ولهذا يروى عن ابن عباس، أنه قال: " أنا من الراسخين في العلم الذي يعلمون تأويله " (٢) ، ولم يقل هذا مدحا لنفسه، أو ثناء عليها، ولكن ليعلم الناس أنه ليس في كتاب الله شيء لا يعرف معناه، فالقرآن معانيه بينة، ولكن بعض القرآن يشتبه على ناس دون آخرين حتى العلماء الراسخون في العلم يختلفون في معنى القرآن، وهذا يدل على أنه خفي على بعضهم، والصواب بلا شك مع أحدهم إذا كان اختلافهم اختلاف تضاد لا تنوع، أما إذا كانت الآية تحتمل المعنيين جميعا بلا منافاة، ولا مرجح لأحدهما؛ فإنها تحمل عليها جميعا.
وبعض أهل العلم يظنون أن في القرآن ما لا يمكن الوصول إلى معناه، فيكون من المتشابه المطلق، ويحملون آيات الصفات على ذلك، وهذا من الخطأ العظيم؛ إذ ليس من المعقول أن يقول تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] ، ثم تستثنى الصفات، وهي أعظم وأشرف موضوعا، وأكثر من آيات الأحكام، ولو قلنا بهذا القول؛ لكان مقتضاه أن أشرف ما في القرآن موضوعا يكون خفيا، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ، أي: آيات الأحكام
стр. 3617
«ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن؛ أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ .» [الرعد: ٣٠] (١)
ــ
فقط، وهذا غير معقول، بل جميع القرآن يفهم معناه؛ إذ لا يمكن أن تكون هذه الأمة من رسول الله ﷺ إلى آخرها لا تفهم معنى القرآن، وعلى رأيهم يكون الرسول ﷺ وأبو بكر، وعمر، وجميع الصحابة يقرءون آيات الصفات، وهم لا يفهمون معناها، بل هي عندهم بمنزلة الحروف الهجائية: أ، ب، ت. .
والصواب: أنه ليس في القرآن شيء متشابه على جميع الناس من حيث المعنى، ولكن الخطأ في الفهم. فقد يقصر الفهم عن إدراك المعنى، أو يفهمه على معنى خطأ، وأما بالنسبة للحقائق، فما أخبر الله به من أمر الغيب؛ فمتشابه على جميع الناس.
قوله: " ولما سمعت قريش رسول الله يذكر الرحمن ". أصل ذلك «أن سهيل بن عمرو؛ أحد الذين أرسلتهم قريش لمفاوضة النبي ﷺ في صلح الحديبية، وأمر النبي ﷺ أن يكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم "، فقال: " أما الرحمن، فلا والله ما أدري ما هي؟ وقالوا: إننا لا نعرف رحمانا إلا رحمن اليمامة، فأنكروا الاسم دون المسمى؛ فأنزل الله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ » ؛ أي: بهذا الاسم من أسماء الله.
стр. 3618
وفي الآية دليل على أن من أنكر اسما من أسماء الله الثابتة في الكتاب أو السنة، فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ .
وقوله: " ولما سمعت قريش ". الظاهر - والله أعلم - أنه من باب العام الذي أريد به الخاص، وليس كل قريش تنكر ذلك، بل طائفة منهم، ولكن إذا أقرت الأمة الطائفة على ذلك ولم تنكر، صح أن ينسب لهم جميعا، بل إن الله نسب إلى اليهود في زمن النبي ﷺ ما فعله أسلافهم في زمن موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] ، وهذا لم يكن في عهد المخاطَبين.
стр. 3619
فيه مسائل:
الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات. الثانية: تفسير آية الرعد. الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع. الرابعة: ذكر العلة: أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر.
ــ
قوله: فيه مسائل:
الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات. عدم بمعنى انتفاء، أي: انتفاء الإيمان بسبب جحد شيء من الأسماء والصفات، وسبق التفصيل في ذلك. الثانية: تفسير آية الرعد. وهي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ وسبق تفسيرها. الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع. وهذا ليس على إطلاقه، وقد سبق التفصيل عند شرح الأثر. الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر. وهي أن الذي لا يبلغ عقله ما حدث به يفضي به التحديث إلى تكذيب الله ورسوله، فيُكذِّب ويقول: هذا غير ممكن، وهذا يوجد من بعض الناس في أشياء كثيرة مما أخبر به النبي ﷺ مما يكون يوم القيامة، كما أخبر النبي ﷺ : «إن الأرض يوم القيامة تكون خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته» ، وما
стр. 3620
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك، وأنه أهلكه.
ــ
أشبه ذلك، وكما أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعرة وغير هذه الأمور، لو حدثنا بها إنسانا عاميا لأوشك أن ينكر، لكن يجب أن تبين له بالتدريج حتى يتمكن من عقلها مثل ما نعلم الصبي شيئا فشيئا. قوله: " ولو لم يتعمد المنكر " أي: ولو لم يقصد المنكر تكذيب الله ورسوله، ولمن كذب نسبة هذا الشيء إلى الله ورسوله، وهذا يعود بالتالي إلى رد خبر الله ورسوله. الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك وأنه أهلكه. وذلك قوله: " ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة - أي لينا - عند محكمه فيقبلونه، ويهلكون عند متشابهه فينكرونه؟ ".
стр. 3621
باب قول الله تعالى:
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [ النحل: ٨٣] الآية.
ــ
قوله تعالى: يعرفون. أي: يدركون بحواسهم أن النعمة من عند الله.
قوله تعالى: نعمة الله واحدة، والمراد بها الجمع، فهي ليست واحدة، بل هي لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، والقاعدة الأصولية: أن المفرد المضاف يعم، والنعمة تكون بجلب المحبوبات، وتطلق أحيانا على رفع المكروهات.
قوله: ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أي: ينكرون إضافتها إلى الله لكونهم يضيفونها إلى السبب متناسين المسبب الذي هو الله سبحانه، وليس المعنى أنهم ينكرون هذه النعمة، مثل أن يقولوا: ما جاءنا مطر أو ولد أو صحة، ولكن ينكرونها بإضافتها إلى غير الله، متناسين الذي خلق السبب فوجد به المسبب.
قوله: " الآية " أي: إلى آخر الآية، وهي منصوبة بفعل محذوف تقديره أكمل الآية.
قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي أكثر العارفين بأن النعمة من الله الكافرون، أي الجاحدون كونها من الله، أو الكافرون بالله .
وقوله: أكثرهم بعد قوله: يعرفون الجملة الأولى أضافها إلى الكل، والثانية أضافها إلى الأكثر؛ وذلك لأن منهم من هو عامي لا يعرف ولا يفهم، ولكن أكثرهم يعرفون ثم يكفرون.
стр. 3622
قال مجاهد ما معناه: " هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي ".
ــ
مناسبة هذا الباب للتوحيد:
أن من أضاف نعمة الخالق إلى غيره، فقد جعل معه شريكا في الربوبية؛ لأنه أضافها إلى السبب على أنه فاعل، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أنه لم يقم بالشكر الذي هو عبادة من العبادات، وترك الشكر مناف للتوحيد؛ لأن الواجب أن يشكر الخالق المنعم ، فصارت لها صلة بتوحيد الربوبية وبتوحيد العبادة، فمن حيث إضافتها إلى السبب على أنه فاعل هذا إخلال بتوحيد الربوبية، ومن حيث ترك القيام بالشكر الذي هو العبادة هذا إخلال بتوحيد الألوهية.
قوله: " قال مجاهد " هو إمام المفسرين في التابعين، عرض المصحف على ابن عباس ﵄ يوقفه عند كل آية ويسأله عن تفسيرها، وقال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. أي: كافيك، ومع هذا فليس معصوما عن الخطأ.
قوله: " ما معناه ". أي: كلاما معناه، وعلى هذا فـ " ما " نكرة موصوفة، وفيه أن الشيخ ﵀ لم ينقله بلفظه.
قوله: " هو قول الرجل ". هذا من باب التغليب والتشريف؛ لأن الرجل أشرف من المرأة وأحق بتوجيه الخطاب إليه منها، وإلا فالحكم واحد.
قوله: " هذا مالي ورثته عن آبائي ". ظاهر هذه الكلمة أنه لا شيء فيها،
стр. 3623
وقال عون بن عبد الله: " يقولون: لولا فلان لم يكن كذا ".
ــ
فلو قال لك واحد: من أين لك هذا البيت؟ قلت: ورثته عن آبائي، فليس فيه شيء لأنه خبر محض.
لكن مراد مجاهد أن يضيف القائل تملكه للمال إلى السبب الذي هو الإرث، متناسيا المسبب الذي هو الله، فبتقدير الله أنعم على آبائك وملكوا هذا البيت، وبشرع الله انتقل هذا البيت إلى ملكك عن طريق الإرث، فكيف تتناسى المسبب للأسباب القدرية والشرعية فتضيف الأمر إلى ملك آبائك وإرثك إياه بعدهم؟! فمن هنا صار هذا القول نوعا من كفر النعمة.
أما إذا كان قصد الإنسان مجرد الخبر كما سبق، فلا شيء في ذلك، ولهذا «ثبت أن النبي ﷺ قيل له يوم الفتح: أتنزل في دارك غدا؟ فقال:: وهل ترك لنا عقيل من دار أو رباع؟» ، فبين ﷺ أن هذه الدور انتقلت إلى عقيل بالإرث.
فتبين أن هناك فرقا بين إضافة الملك إلى الإنسان على سبيل الخبر، وبين إضافته إلى سببه متناسيا أن المسبب وهو الله .
قوله: " وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا ".
стр. 3624
وهذا القول من قائله فيه تفصيل إن أراد به الخبر، وكان الخبر صدقا مطابقا للواقع، فهذا لا بأس به، وإن أراد بها السبب، فلذلك ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون سببا خفيا لا تأثير له إطلاقا، كأن يقول: لولا الولي الفلاني ما حصل كذا وكذا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا الولي تصرفا في الكون مع أنه ميت، فهو تصرف سري خفي.
الثانية: أن يضيفه إلى سبب صحيح ثابت شرعا أو حسا، فهذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه، وأن لا يتناسى المنعم بذلك.
الثالثة: أن يضيفه إلى سبب ظاهر، لكن لم يثبت كونه سببا لا شرعا ولا حسا، فهذا نوع من الشرك الأصغر، وذلك مثل: التولة، والقلائد التي يقال: إنها تمنع العين، وما أشبه ذلك؛ لأنه أثبت سببا لم يجعله الله سببا، فكان مشاركا لله في إثبات الأسباب.
ويدل لهذا التفصيل أنه ثبت إضافة (لولا) إلى السبب وحده بقول النبي ﷺ في عمه أبي طالب: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» ولا شك أن النبي ﷺ أبعد الناس عن الشرك، وأخلص الناس توحيدا لله تعالى، فأضاف النبي ﷺ الشيء إلى سببه، لكنه شرعي حقيقي، فإنه أذن له بالشفاعة لعمه بأن يخفف عنه، فكان في ضحضاح من النار، عليه نعلان يغلي منهما دماغه لا يرى أن أحدا أشد عذابا؛ لأنه لو يرى أن أحدا أشد منه عذابا أو مثله هان عليه بالتسلي، كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
стр. 3625
وقال ابن قتيبة: " يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا ".
ــ
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي
وابن القيم ﵀ وإن كان قول العالم ليس بحجة لكن يستأنس به - قال في القصيدة الميمية يمدح الصحابة:
أولئك أتباع النبي وحزبه ... ولولا همو ما كان في الأرض مسلم
ولولا همو كادت تميد بأهلها ... ولكن رواسيها وأوتادها هم
ولولا همو كانت ظلاما بأهلها ... ولكن همو فيها بدور وأنجم
فأضاف (لولا) إلى سبب صحيح.
قوله: " وقال ابن قتيبة: هذا بشفاعة آلهتنا ". هؤلاء أخبث ممن سبقهم، لأنهم مشركون يعبدون غير الله، ثم يقولون: إن هذه النعم حصلت بشفاعة آلهتهم، فالعزى مثلا شفعت عند الله أن ينزل المطر، فهؤلاء أثبتوا سببا من أبطل الأسباب؛ لأن الله لا يقبل شفاعة آلهتهم؛ لأن الشفاعة لا تنفع إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا، والله لا يأذن لهذه الأصنام بالشفاعة، فهذا أبطل من الذي قبله لأن فيه محذورين:
١. الشرك بهذه الأصنام.
٢. إثبات سبب غير صحيح.
стр. 3626
وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: أن الله تعالى قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» . . . " الحديث، وقد تقدم: " وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به ".
ــ
قوله: " وقال أبو العباس ". وهو شيخ الإسلام أحمد بن تيمية.
قوله: " وهذا كثير من الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره. . . ". وذلك مثل الاستسقاء بالأنواء، وإنما كان مذموما، لأنه لو أتى إليك عبد فلان بهدية من سيده فشكرت العبد دون السيد، كان هذا سوء أدب مع السيد وكفرانا لنعمته، وأقبح من هذا لو أضفت النعمة إلى السبب دون الخالق، لما يأتي:
١. أن الخالق لهذه الأسباب هو الله، فكان الواجب أن يشكر وتضاف النعمة إليه.
٢. أن السبب لا يؤثر، كما ثبت في (صحيح مسلم) أنه ﷺ قال: «ليس السَّنة أن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئا» .
٣. أن السبب قد يكون له مانع يمنع من تأثيره، وبهذا عرف بطلان إضافة
стр. 3627
قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا. ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثيرة.
ــ
الشيء إلى سببه دون الالتفات إلى المسبب جل وعلا.
قوله: " كانت الريح طيبة ". هذا في السفن الشراعية التي تجري بالريح، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢] . فكانوا إذا طاب سير السفينة قالوا: كانت الريح طيبة، وكان الملاح - هو قائد السفينة - حاذقا، أي: مجيدا للقيادة، فيضيفون الشيء إلى سببه وينسون الخالق جل وعلا.
стр. 3628
فيه مسائل:
الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.
الثانية: معرفة أن هذا جارٍ على ألسنة كثيرة.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها. وسبق ذلك.
الثانية: معرفة أن هذا جار على ألسنة كثيرة. وذلك مثل قول بعضهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا، وما أشبه ذلك.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة. يعني: إنكارا لتفضل الله تعالى بها وليس إنكارا لوجودها؛ لأنهم يعرفونها ويحسون بوجودها.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب. وهذا من قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ، فجمع بين المعرفة والإنكار، وهذا كما يجتمع في الشخص الواحد خصلة إيمان وخصلة كفر، وخصلة فسوق وخصلة عدالة.
стр. 3629
باب قول الله تعالى:
﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: ٢٢] .
ــ
قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
لما ذكر سبحانه ما يقر به هؤلاء من أفعاله التي لم يفعلها غيره: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] . فكل من أقر بذلك لزمه أن لا يعبد إلا المقر له؛ لأنه لا يستحق العبادة من لا يفعل ذلك، ولا ينبغي أن يعبد إلا من فعل ذلك، ولذلك أتى بالفاء الدالة على التفريع والسببية، أي: فبسبب ذلك لا تجعلوا لله أندادا.
و (لا) هذه ناهية، أي: فلا تجعلوا له أندادا في العبادة، كما أنكم لم تجعلوا له أندادا في الربوبية، وأيضا لا تجعلوا له أندادا في أسمائه وصفاته؛ لأنهم قد يصفون غير الله بأوصاف الله ، كاشتقاق العزى من العزيز، وتسميتهم رحمن اليمامة.
قوله: أندادا. جمع ند، وهو الشبيه والنظير، والمراد هنا: أندادا في العبادة.
قوله: وأنتم تعلمون. الجملة في موضع نصب حال من فاعل تجعلوا، أي: والحال أنكم تعلمون، والمعنى: وأنتم تعلمون أنه لا أنداد له. يعني في الربوبية؛ لأن هذا محط التقبيح من هؤلاء أنهم يجعلون له أندادا
стр. 3630
وقال ابن عباس في الآية: " الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا
ــ
وهم يعلمون أنه لا أنداد له في الربوبية، أما الألوهية، فيجعلون له أندادا، قالوا للنبي ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] ، ويقولون في تلبيتهم: " لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك "، وهذا من سفههم؛ فإنه إذا صار مملوكا، فكيف يكون شريكا، ولهذا أنكر الله عليهم في قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، إذ الأنداد بالمعنى العام - بقطع النظر عن كونه يخاطب أقواما يقرون بالربوبية - يشمل الأنداد في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
قوله: " وقال ابن عباس في الآية ". أي: في تفسيرها.
قوله: " هو الشرك ". هذا تفسير بالمراد؛ لأن التفسير تفسيران:
١ - تفسير بالمراد، وهو المقصود بسياق الجملة بقطع النظر عن مفرداتها.
٢ - تفسير بالمعنى، وهو الذي يسمى تفسير الكلمات، فعندنا الآن وجهان للتفسير:
أحدهما: التفسير اللفظي، وهو تفسير الكلمات، هذا يقال فيه: معناه كذا وكذا.
والثاني: التفسير بالمراد، فيقال: المراد بكذا وكذا، والأخير هنا هو المراد.
فإذا قلنا: الأنداد الأشباه والنظراء، فهو تفسير بالمعنى، وإذا قلنا: الأنداد الشركاء أو الشرك، فهو تفسير بالمراد، يقول ﵁: " الأنداد هو الشرك "، فإذا الند الشريك المشارك لله فيما يختص به.
стр. 3631
فلان، وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتي اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك ". رواه ابن أبي حاتم.
ــ
وقوله: " دبيب ". أي: أثر دبيب النمل وليس فعل النمل.
وقوله: " على صفاة " هي الصخرة الملساء.
وقوله: " سوداء ". وليس على بيضاء؛ إذ لو كان على بيضاء؛ لبان أثر السير أكثر.
وقوله: " في ظلمة الليل ". وهذا أبلغ ما يكون في الخفاء.
فإذا كان الشرك في قلوب بني آدم أخفى من هذا، فنسأل الله أن يعين على التخلص منه، ولهذا قال بعض السلف: " ما عالجت نفسي معالجتها على الإخلاص ". ويروى «عن النبي ﷺ أنه لما قال مثل هذا، قيل له: كيف نتخلص منه؟ قال: " قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم» . (١)
وقوله: " والله وحياتك ". فيها نوعان من الشرك:
الأول: الحلف بغير الله.
стр. 3632
الثاني: الإشراك مع الله بقوله: والله، وحياتك، فضمها إلى الله بالواو المقتضية للتسوية فيها نوع من الشرك، والقسم بغير الله إن اعتقد الحالف أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة، فهو شرك أكبر، وإلا فهو شرك أصغر.
وقوله: " وحياتي " فيه حلف بغير الله، فهو شرك.
وقوله: " لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص "، كليبة تصغير كلب، والكلب ينتفع به للصيد وحراسة الماشية والحرث.
وقوله: " لولا كليبة هذا " يكون فيه شرك إذا نظر إلى السبب دون المسبب، وهو الله ، أما الاعتماد على السبب الشرعي أو الحسي المعلوم، فقد تقدم أنه لا بأس به، وأن النبي ﷺ قال: «لولا أنا، لكان في الدرك السفل من النار» ، لكن قد يقع في قلب الإنسان إذا قال: لولا كذا لحصل كذا أو ما كان كذا وكذا، قد يقع في قلبه شيء من الشرك بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبب، وهو الله .
وقوله: " لولا البط في الدار لأتى اللصوص ". البط طائر معروف، وإذا دخل اللص البيت وفيه بط، فإنه يصرخ، فينتبه أهل البيت ثم يجتنبه اللصوص.
وقوله: " وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت " فيه شرك؛ لأنه شرك غير الله مع الله بالواو، فإن اعتقد أنه يساوي الله في التدبير والمشيئة، فهو شرك أكبر، وإن لم يعتقد ذلك، واعتقد أن الله فوق كل شيء، فهو شرك أصغر، وكذلك قوله: " لولا الله وفلان ".
وقوله: " هذا كله به شرك ". المشار إليه ما سبق، وهو شرك أكبر أو أصغر
стр. 3633
وعن عمر بن الخطاب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم (١)
ــ
حسب ما يكون في قلب الشخص من نوع هذا التشريك
قوله: " وعن عمر ". صوابه عن ابن عمر، نبه عليه الشارح في " تيسير العزيز الحميد ".
قوله في حديث ابن عمر ﵄: " من حلف بغير الله ". " من " شرطية، فتكون للعموم.
قوله: " أو أشرك ". شك من الراوي، والظاهر أن صواب الحديث " أشرك "
قوله: " من حلف بغير الله ". يشمل كل محلوف به سوى الله، سواء بالكعبة أو الرسول ﷺ أو السماء أو غير ذلك، ولا يشمل الحلف بصفات الله؛ لأن الصفة تابعة للموصوف، وعلى هذا فيجوز أن تقول: وعزة الله لأفعلن كذا.
وقوله: " بغير الله ". ليس المراد بغير هذا الاسم، بل المراد بغير المسمى بهذا الاسم، فإذا حلف بالله أو بالرحمن أو بالسميع، فهو حلف بالله.
والحلف: تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة بالباء أو التاء أو الواو. وحروف القسم ثلاثة: الباء، والتاء، والواو.
стр. 3634
والباء أعمها؛ لأنها تدخل على الظاهر والمضمر، وعلى اسم الله وغيره، ويذكر معها فعل القسم ويحذف، فيذكر معها فعل القسم؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ، ويحذف مثل قولك: بالله لأفعلن، وتدخل على المضمر مثل قولك: الله عظيم أحلف به لأفعلن، وعلى الظاهر كما في الآية وعلى غير لفظ الجلالة، مثل قولك: بالسميع لأفعلن، وأما الواو فإنه لا يذكر معها فعل القسم، ولا تدخل على الضمير، ويحلف بها مع كل اسم، وأما التاء فإنه لا يذكر معها فعل القسم، وتختص بالله ورب، قال ابن مالك: " والتاء لله ورب ".
والحلف بغير الله شرك أكبر إن اعتقد أن المحلوف به مساو لله تعالى في التعظيم والعظمة، وإلا فهو شرك أصغر.
وهل يغفر الله الشرك الأصغر؟
قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] ، أي: الشرك الأكبر ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ ، يعني: الشرك الأصغر والكبائر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر؛ لأن قوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ مصدر مؤول، فهو نكرة في سياق النفي، فيعم الأصغر والأكبر،والتقدير: لا يغفر شركا به أو إشراكا به.
وأما قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] ، وقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] ، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] وما أشبه ذلك من المخلوقات التي أقسم الله بها، فالجواب على وجهين:
الأول: أن هذا من فعل الله، والله لا يسأل عما يفعل، وله أن يقسم
стр. 3635
سبحانه بما شاء من خلقه، وهو سائل غير مسئول، وحاكم غير محكوم عليه.
الثاني: أن قسم الله بهذه الآيات دليل على عظمته وكمال قدرته وحكمته، فيكون القسم به الدال على تعظيمها ورفع شأنها متضمنا للثناء على الله ، بما تقتضيه من الدلالة على عظمته.
وأما نحن، فلا نقسم بغير الله أو صفاته؛ لأننا منهيون عن ذلك.
وأما ما ثبت في " صحيح مسلم " من قوله ﷺ : " «أفلح وأبيه إن صدق» .
فالجواب عنه من وجوه:
الأول: أن بعض العلماء أنكر هذه اللفظة، وقال: إنها لم تثبت في الحديث؛ لأنها مناقضة للتوحيد، وما كان كذلك فلا تصح نسبته إلى رسول الله ﷺ ، فيكون باطلا.
الثاني: أنها تصحيف من الرواة، والأصل: " أفلح والله إن صدق ".
وكانوا في السابق لا يشكلون الكلمات، و (أبيه) تشبه (الله) إذا حذفت النقط السفلى.
الثالث: أن هذا مما يجري على الألسنة بغير قصد، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وهذا لم ينو فلا يؤاخذ.
الرابع: أنه وقع من النبي ﷺ وهو أبعد الناس عن الشرك، فيكون من خصائصه، وأما غيره فهم منهيون عنه؛ لأنهم لا يساوون النبي ﷺ في
стр. 3636
ــ
الإخلاص والتوحيد.
الخامس: أنه على حذف مضاف، والتقدير: (أفلح ورب أبيه) .
السادس: أن هذا على منسوخ، وأن النهي هو الناقل من الأصل، وهذا أقرب الوجوه.
ولو قال قائل: نحن نقلب عليكم الأمر، ونقول: إن المنسوخ هو النهي؛ لأنهم لما كانوا حديثي عهد بشرك نهوا أن يشركوا به كما نهي الناس حين كانوا حديثي عهد بشرك عن زيارة القبور ثم أذن لهم فيها؟
فالجواب عنه: أن هذا اليمين كان جاريا على ألسنتهم، فتركوا حتى استقر الإيمان في نفوسهم ثم نهوا عنه، ونظيره إقرارهم على شرب الخمر أولا ثم أمروا باجتنابه.
أما بالنسبة للوجه الأول فضعيف؛ لأن الحديث ثابت، وما دام يمكن حمله على وجه صحيح، فإنه يجوز إنكاره.
وأما الوجه الثاني فبعيد، وإن أمكن فلا يمكن في «قوله ﷺ لما سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: " أما وأبيك لتنبأنه» .
وأما الوجه الثالث فغير صحيح؛ لأن النهي وارد مع أنه كان يجري على ألسنتهم كما جرى على لسان سعد، فنهاه النبي ﷺ (١) ، ولو صح هذا لصح أن
стр. 3637
وقال ابن مسعود: " لأن أحلف بلله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا ".
ــ
يقال لمن فعل شركا اعتاده لا ينهى؛ لأن هذا من عادته، وهذا باطل.
وأما الرابع، فدعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، وإلا فالأصل التأسي به.
وأما الخامس فضعيف؛ لأن الأصل عدم الحذف، ولأن الحذف هنا يستلزم فهما باطلا، ولا يمكن أن يتكلم الرسول ﷺ بما يستلزم ذلك بدون بيان المراد، وعلى هذا يكون أقربها الوجه السادس أنه منسوخ، ولا نجزم بذلك لعدم العلم بالتاريخ، ولهذا قلنا: أقربها والله أعلم، وإن كان النووي ﵀ ارتضى أن هذا مما يجري على اللسان بدون قصد، لكن هذا ضعيف لا يمكن القول به، ثم رأيت بعضهم جزم بشذوذها لانفراد مسلم بها عن البخاري مع مخالفة راويها للثقات، فالله أعلم.
قوله في أثر ابن مسعود: (لأن أحلف بالله كاذبا) . اللام: لام الابتداء، و (أن) مصدرية، فيكون قوله: (أن أحلف) مؤولا بمصدر مبتدأ تقديره لحلفي بالله.
قوله: (أحب إلي) . خبر مبتدأ، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] .
стр. 3638
قوله: (كاذبا) حال من فاعل أحلف.
قوله: (أحب إلي) . هذا من باب التفضيل الذي ليس فيه شيء من الجانبين، وهذا نادر في الكلام؛ لأن التفضيل في الأصل يكون فيه المعنى ثابتا في المفضل وفي المفضل عليه، وأحيانا في المفضل دون المفضل عليه، وأحيانا لا يوجد في الجانبين، فابن مسعود ﵁ لا يحب لا هذا ولا هذا، ولكن الحلف بالله كاذبا أهون عليه من الحلف بغيره صادقا، فالحلف كاذبا محرم من وجهين:
١. أنه كذب، والكذب محرم لذاته.
٢. أن هذا الكذب قرن باليمين، واليمين تعظيم لله ، فإذا كان على كذب صار فيه شيء من تنقص لله ، حيث جعل اسمه مؤكدا لأمر كذب، ولذلك كان الحلف بالله كاذبا عند بعض أهل العلم من اليمين المغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.
وأما الحلف بغير الله صادقا، فهو محرم من وجه واحد وهو الشرك، لكن سيئه الشرك أعظم من سيئة الكذب، وأعظم من سيئة الحلف بالله كاذبا، وأعظم من اليمين الغموس إذا قلنا: إن الحلف بالله كاذبا من اليمين الغموس؛ لأن الشرك لا يغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] وما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب إلا لإبطال الشرك، فهو أعظم الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ، «وسئل النبي ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك» ، والشرك متضمن للكذب، فإن الذي جعل غير الله شريكا لله كاذب، بل من أكذب الكاذبين؛ لأن الله لا شريك له.
стр. 3639
وعن حذيفة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» . رواه أبو داود بسند صحيح (١) .
ــ
قوله في حديث حذيفة ﵁: (لا تقولوا) . (لا) ناهية، ولهذا جزم الفعل بعدها بحذف النون.
قوله: «ما شاء الله وما شاء فلان» . والعلة في ذلك أن الواو تقتضي تسوية المعطوف بالمعطوف عليه، فيكون القائل: ما شاء الله وشئت مسويا مشيئة الله بمشيئة المخلوق، وهذا شرك، ثم إن اعتقد أن المخلوق أعظم من الخالق، أو أنه مساو له، فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه أقل، فهو شرك أصغر.
قوله: «ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» . لما نهى عن اللفظ المحرم بين اللفظ المباح؛ لأن (ثم) للترتيب والتراخي، فنفيد أن المعطوف أقل مرتبة من المعطوف عليه.
أما بالنسبة لقوله: «ما شاء الله فشاء فلان» ، فالحكم فيها أنها مرتبة بين مرتبة (الواو) ومرتبة (ثم) فهي تختلف عن (ثم) بأن (ثم) للتراخي والفاء للتعقيب، وتوافق (ثم) بأنها للترتيب، فالظاهر أنها جائزة، ولكن التعبير بـ (ثم) أولى؛ لأنه اللفظ الذي أرشد إليه النبي ﷺ ، ولأنه أبين في إظهار الفرق؟
стр. 3640
بين الخالق والمخلوق.
ويستفاد من هذا الحديث:
١. إثبات المشيئة للعبد، لقوله: " ثم شاء فلان "، فيكون فيه رد على الجبرية حيث قالوا: إن العبد لا مشيئة له ولا اختيار.
٢. أنه ينبغي لمن سد على الناس بابا محرما أن يفتح لهم الباب المباح؛ لقوله: «ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» ، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، وكذلك «النبي ﷺ لما جيء له بتمر جيد وأخبره الآتي به أنه أخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: " لا تفعل، ولكن بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبا» ، أي: تمرا جيدا، فأرشده إلى الطريق المباح حين نهاه عن الطريق المحرم.
وفي هذا فائدتان عظيمتان:
الأولى: بيان كمال الشريعة وشمولها، حيث لم تسد على الناس بابا إلا فتحت لهم ما هو خير منه.
والثانية: التسهيل على الناس ورفع الحرج عنهم، فعامل الناس بهذا ما استطعت، كلما سددت عليهم بابا ممنوعا، فافتح لهم من المباح ما يغني عنه ما استطعت إلى ذلك سبيلا حتى لا يقعوا في الحرج.
стр. 3641
وجاء عن إبراهيم النخعي: أنه يكره: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان.
ــ
قوله: (عن إبراهيم النخعي) . من فقهاء التابعين، لكنه قليل البضاعة في الحديث، كما ذكر ذلك حماد بن زيد.
قوله: (يكره أعوذ بالله وبك) . العياذ الاعتصام بالمستعاذ به عن المكروه، واللياذ بالشخص: هو اللجوء إليه لطلب المحبوب، قال الشاعر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره
وهذان البيتان يخاطب بهما رجلا، لكن كما قال بعضهم: هذا القول لا ينبغي أن يكون إلا لله.
وقوله: (أعوذ بالله وبك) . هذا محرم؛ لأنه جمع بين الله والمخلوق بحرف يقتضي التسوية وهو الواو.
ويجوز بالله ثم بك؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب والتراخي.
فإن قيل: سبق أن من الشرك الاستعاذة بغير الله، وعلى هذا يكون قوله: أعوذ بالله ثم بك محرما.
أجيب: أن الاستعاذة بمن يقدر على أن يعيذك جائزة؛ لقوله ﷺ في (صحيح مسلم) وغيره: «من وجد ملجأ فليعذ به» ، لكن لو قال: أعوذ بالله
стр. 3642
ثم بفلان، وهو ميت، فهذا شرك أكبر؛ لأنه لا يقدر على أن يعيذك، وأما استدلال الإمام أحمد على أن القرآن غير مخلوق بقوله ﷺ : «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» . ثم قال ﵀: والاستعاذة لا تكون بمخلوق، فيحمل كلامه على أن الاستعاذة بكلام لا تكون بكلام مخلوق، بل بكلام غير مخلوق، وهو كلام الله، والكلام تابع للمتكلم به، إن كان مخلوقا فهو مخلوق، وإن كان غير مخلوق فهو غير مخلوق.
فيه مسائل:
стр. 3643
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد.
الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا، فهو أكبر من اليمين الغموس.
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ.
ــ
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد. وقد سبق.
الثانية: أن الصحابة يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ نازلة في الأكبر؛ لأن المخاطب بها هم المشركون، وابن عباس فسرها بما يقتضي الشرك الأصغر؛ لأن الند يشمل النظير المساوي على سبيل الإطلاق أو في بعض الأمور.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك؛ لحديث ابن عمر ﵄.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا، فهو أكبر من اليمين الغموس. واليمين الغموس عند الحنابلة أن يحلف بالله كاذبا، وقال بعض العلماء - وهو الصحيح -: أن يحلف بالله كاذبا ليقتطع بها مال امرئ مسلم.
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ. لأن الواو تقتضي المساواة، فتكون شركا، وثم تقتضي الترتيب والتراخي، فلا تكون شركا.
стр. 3644
باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد:
أن الاقتناع بالحلف بالله من تعظيم الله؛ لأن الحالف أكد ما حلف عليه بالتعظيم باليمين وهو تعظيم المحلوف به، فيكون من تعظيم المحلوف به أن يصدق ذلك الحالف، وعلى هذا يكون عدم الاقتناع بالحلف بالله فيه شيء من نقص تعظيم الله، وهذا ينافي كمال التوحيد، والاقتناع بالحلف بالله لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون ذلك من الناحية الشرعية، فإنه يجب الرضا بالحلف بالله فيما إذا توجهت اليمين على المدعى عليه فحلف، فيجب الرضا بهذا اليمين بمقتضى الحكم الشرعي.
الثاني: أن يكون ذلك من الناحية الحسية، فإن كان الحالف موضع صدق وثقة، فإنك ترضى بيمينه، وإن كان غير ذلك فلك أن ترفض الرضا بيمينه، ولهذا «قال النبي ﷺ لحويصة ومحيصة: " تبرئكم يهود بخمسين يمينا ". قالوا: كيف نرضى يا رسول الله بأيمان اليهود؟ . فأقرهم النبي ﷺ على ذلك.»
стр. 3645
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله» . رواه ابن ماجه بسند حسن. (١)
ــ
قوله في الحديث: " لا تحلفوا ". (لا) : ناهية، ولهذا جزم الفعل بعدها بحذف النون، و (آباؤكم) : جمع أب، ويشمل الأب والجد، وإن علا، فلا يجوز الحلف بهم؛ لأنه شرك، وقد سبق بيانه.
قوله ﷺ : «من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض» هنا أمران:
الأمر الأول: للحالف، فقد أمر أن يكون صادقا، والصدق: هو الإخبار بما يطابق الواقع، وضده الكذب، وهو: الإخبار بما يخالف الواقع، فقوله: «من حلف بالله فليصدق» ، أي: فليكن صادقا في يمينه، وهل يشترط أن يكون مطابقا للواقع أو يكفي الظن؟
الجواب: يكفي الظن، فله أن يحلف على ما يغلب على ظنه، «كقول الرجل للنبي ﷺ : والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني. فأقره النبي ﷺ » .
الثاني: للمحلوف له، فقد أمر أن يرضى بيمين الحالف له.
فإذا قرنت هذين الأمرين بعضهما ببعض، فإن الأمر الثاني ينزل على إذا كان الحالف صادقا؛ لأن الحديث جمع أمرين: أمرا موجها للحالف، وأمرا