وجاء عن إبراهيم النخعي: أنه يكره: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان.
ــ
قوله: (عن إبراهيم النخعي) . من فقهاء التابعين، لكنه قليل البضاعة في الحديث، كما ذكر ذلك حماد بن زيد.
قوله: (يكره أعوذ بالله وبك) . العياذ الاعتصام بالمستعاذ به عن المكروه، واللياذ بالشخص: هو اللجوء إليه لطلب المحبوب، قال الشاعر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره
وهذان البيتان يخاطب بهما رجلا، لكن كما قال بعضهم: هذا القول لا ينبغي أن يكون إلا لله.
وقوله: (أعوذ بالله وبك) . هذا محرم؛ لأنه جمع بين الله والمخلوق بحرف يقتضي التسوية وهو الواو.
ويجوز بالله ثم بك؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب والتراخي.
فإن قيل: سبق أن من الشرك الاستعاذة بغير الله، وعلى هذا يكون قوله: أعوذ بالله ثم بك محرما.
أجيب: أن الاستعاذة بمن يقدر على أن يعيذك جائزة؛ لقوله ﷺ في (صحيح مسلم) وغيره: «من وجد ملجأ فليعذ به» ، لكن لو قال: أعوذ بالله
стр. 3642
ثم بفلان، وهو ميت، فهذا شرك أكبر؛ لأنه لا يقدر على أن يعيذك، وأما استدلال الإمام أحمد على أن القرآن غير مخلوق بقوله ﷺ : «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» . ثم قال ﵀: والاستعاذة لا تكون بمخلوق، فيحمل كلامه على أن الاستعاذة بكلام لا تكون بكلام مخلوق، بل بكلام غير مخلوق، وهو كلام الله، والكلام تابع للمتكلم به، إن كان مخلوقا فهو مخلوق، وإن كان غير مخلوق فهو غير مخلوق.
فيه مسائل:
стр. 3643
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد.
الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا، فهو أكبر من اليمين الغموس.
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ.
ــ
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد. وقد سبق.
الثانية: أن الصحابة يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ نازلة في الأكبر؛ لأن المخاطب بها هم المشركون، وابن عباس فسرها بما يقتضي الشرك الأصغر؛ لأن الند يشمل النظير المساوي على سبيل الإطلاق أو في بعض الأمور.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك؛ لحديث ابن عمر ﵄.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا، فهو أكبر من اليمين الغموس. واليمين الغموس عند الحنابلة أن يحلف بالله كاذبا، وقال بعض العلماء - وهو الصحيح -: أن يحلف بالله كاذبا ليقتطع بها مال امرئ مسلم.
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ. لأن الواو تقتضي المساواة، فتكون شركا، وثم تقتضي الترتيب والتراخي، فلا تكون شركا.
стр. 3644
باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
ــ
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد:
أن الاقتناع بالحلف بالله من تعظيم الله؛ لأن الحالف أكد ما حلف عليه بالتعظيم باليمين وهو تعظيم المحلوف به، فيكون من تعظيم المحلوف به أن يصدق ذلك الحالف، وعلى هذا يكون عدم الاقتناع بالحلف بالله فيه شيء من نقص تعظيم الله، وهذا ينافي كمال التوحيد، والاقتناع بالحلف بالله لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون ذلك من الناحية الشرعية، فإنه يجب الرضا بالحلف بالله فيما إذا توجهت اليمين على المدعى عليه فحلف، فيجب الرضا بهذا اليمين بمقتضى الحكم الشرعي.
الثاني: أن يكون ذلك من الناحية الحسية، فإن كان الحالف موضع صدق وثقة، فإنك ترضى بيمينه، وإن كان غير ذلك فلك أن ترفض الرضا بيمينه، ولهذا «قال النبي ﷺ لحويصة ومحيصة: " تبرئكم يهود بخمسين يمينا ". قالوا: كيف نرضى يا رسول الله بأيمان اليهود؟ . فأقرهم النبي ﷺ على ذلك.»
стр. 3645
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله» . رواه ابن ماجه بسند حسن. (١)
ــ
قوله في الحديث: " لا تحلفوا ". (لا) : ناهية، ولهذا جزم الفعل بعدها بحذف النون، و (آباؤكم) : جمع أب، ويشمل الأب والجد، وإن علا، فلا يجوز الحلف بهم؛ لأنه شرك، وقد سبق بيانه.
قوله ﷺ : «من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض» هنا أمران:
الأمر الأول: للحالف، فقد أمر أن يكون صادقا، والصدق: هو الإخبار بما يطابق الواقع، وضده الكذب، وهو: الإخبار بما يخالف الواقع، فقوله: «من حلف بالله فليصدق» ، أي: فليكن صادقا في يمينه، وهل يشترط أن يكون مطابقا للواقع أو يكفي الظن؟
الجواب: يكفي الظن، فله أن يحلف على ما يغلب على ظنه، «كقول الرجل للنبي ﷺ : والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني. فأقره النبي ﷺ » .
الثاني: للمحلوف له، فقد أمر أن يرضى بيمين الحالف له.
فإذا قرنت هذين الأمرين بعضهما ببعض، فإن الأمر الثاني ينزل على إذا كان الحالف صادقا؛ لأن الحديث جمع أمرين: أمرا موجها للحالف، وأمرا
стр. 3646
موجها للمحلوف له، فإذا كان الحالف صادقا، وجب على المحلوف له الرضا.
فإن قيل: إن كان صادقا فإننا نصدقه وإن لم يحلف؟
أجيب: أن اليمين تزيده توكيدا.
قوله: «ومن لم يرض فليس من الله» أي: من لم يرض بالحلف بالله إذا حلف له، فليس من الله، وهذا تبرؤ منه يدل على أن عدم الرضا من كبائر الذنوب، ولكن لا بد من ملاحظة ما سبق، وقد أشرنا أن في حديث القسامة دليلا على أنه إذا كان الحالف غير ثقة، فلك أن ترفض الرضا به؛ لأنه غير ثقة، فلو أن أحدا حلف لك وقال: والله إن هذه الحقيبة من خشب. وهي من جلد، فيجوز أن لا ترضى به؛ لأنك قاطع بكذبه، والشرع لا يأمر بشيء يخالف الحس والواقع، بل لا يأمر إلا بشيء يستحسنه العقل ويشهد له بالصحة والحسن، وإن كان العقل لا يدرك أحيانا مدى حسن هذا الشيء الذي أمر به الشرع، ولكن ليعلم علم اليقين أن الشرع لا يأمر إلا بما هو حسن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ، فإذا اشتبه عليك حسن شيء من أحكام الشرع، فاتهم نفسك بالقصور أو بالتقصير، أما أن تتهم الشرع، فهذا لا يمكن، وما صح عن الله ورسوله، فهو حق وهو من أحسن الأحكام.
стр. 3647
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء.
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى.
الثالثة: وعيد من لم يرض.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء. لقوله: «لا تحلفوا بآبائكم» ، والنهي للتحريم.
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى. لقوله: «ومن حلف له بالله، فليرض» ، وسبق التفصيل في ذلك.
الثالثة: وعيد من لم يرض. لقوله: «ومن لم يرض، فليس من الله» .
الرابعة: ولم يذكرها المؤلف: أمر الحالف أن يصدق؛ لأن الصدق واجب في غير اليمين، فكيف باليمين؟
وقد سبق أن من حلف على يمين كاذبة أنه آثم، وقال بعض العلماء: إنها اليمين الغموس.
وأما بالنسبة للمحلوف له، فهل يلزمه أن يصدق أم لا؟
المسألة لا تخلو من أحوال خمس:
الأولى: أن يعلم كذبه، فلا أحد يقول: إنه يلزم تصديقه.
الثانية: أن يترجح كذبه، فكذلك لا يلزم تصديقه.
الثالثة: أن يتساوى الأمران، فهذا يجب تصديقه.
الرابعة: أن يترجح صدقه، فيجب أن يصدق.
الخامسة: أن يعلم صدقه، فيجب أن يصدقه.
وهذا في الأمور الحسية، أما الأمور الشرعية في باب التحاكم، فيجب أن يرضى باليمين ويلتزم بمقتضاها؛ لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي، وهو واجب.
стр. 3648
باب قول: ما شاء الله وشئت
«عن قتيلة: أن يهوديا أتى للنبي ﷺ فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت» . رواه النسائي وصححه. (١)
ــ
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن قول: «ما شاء الله وشئت» من الشرك الأكبر أو الأصغر؛ لأنه إن اعتقد أن المعطوف مساو لله، فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه دونه لكن أشرك به في اللفظ فهو أصغر، وقد ذكر بعض أهل العلم: أن من جملة ضوابط الشرك الصغر أن ما كان وسيلة للأكبر فهو أصغر.
قوله: (أن يهوديا) . اليهودي: هو المنتسب إلى شريعة موسى ﵇، وسموا بذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ ، أي: رجعنا، أو لأن
стр. 3649
جدهم اسمه يهوذا بن يعقوب، فتكون التسمية من أجل النسب، وفي الأول تكون التسمية من أجل العمل، ولا يبعد أن تكون من الاثنين جميعا.
قوله: (إنكم تشركون) . أي: تقعون في الشرك أيها المسلمون.
قوله: «ما شاء الله وشئت» . الشرك هنا أنه جعل المعطوف مساويا للمعطوف عليه، وهو الله ، حيث كان العطف بالواو المفيدة للتسوية.
قوله: (والكعبة) . الشرك هنا أنه حلف بغير الله، ولم ينكر النبي ﷺ ما قاله اليهودي، بل أمر بتصحيح هذا الكلام، فأمرهم إذا حلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، فيكون القسم بالله.
وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله، ثم شئت، فيكون الترتيب بثم بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق، وبذلك يكون الترتيب صحيحا، أما الأول فلأن الحلف صار بالله، وأما الثاني فلأنه جعل بلفظ يتبين به تأخر مشيئة العبد عن مشيئة الله، وأنه لا مساواة بينهما.
ويستفاد من الحديث:
١ - أن النبي ﷺ لم ينكر على اليهودي، مع أن ظاهر قصده الذم واللوم للنبي ﷺ وأصحابه؛ لأن ما قاله حق.
٢ - مشروعية الرجوع إلى الحق وإن كان من نبه عليه ليس من أهل الحق.
٣ - أنه ينبغي عند تغيير الشيء أن يغير إلى شيء قريب منه؛ لأن النبي ﷺ أمرهم أن يقولوا: (ورب الكعبة) ، ولم يقل: احلفوا بالله، وأمرهم أن يقولوا: «ما شاء الله ثم شئت» .
стр. 3650
وله أيضا عن ابن عباس «أن رجلا قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده»
ــ
إشكال وجوابه:
وهو أن يقال: كيف لم ينبه على هذا العمل إلا هذا اليهودي؟
جوابه: أنه يمكن أن الرسول ﷺ لم يسمعه ولم يعلم به.
ولكن يقال بأن الله يعلم، فكيف يقرهم؟
فيبقى الإشكال، ولكن يجاب: إن هذا من الشرك الأصغر دون الأكبر، فتكون الحكمة هي ابتلاء هؤلاء اليهود الذين انتقدوا المسلمين بهذه اللفظة مع أنهم يشركون شركا أكبر ولا يرون عيبهم.
قوله في حديث ابن عباس ﵄: أن رجلا قال للنبي ﷺ . الظاهر أنه قال للنبي ﷺ تعظيما، وأنه جعل الأمر مفوضا لمشيئة الله ومشيئة رسوله.
قوله: «أجعلتني لله ندا؟!» . الاستفهام للإنكار، وقد ضمن معنى التعجب، ومن جعل للخالق ندا فقد أتى شيئا عجابا.
والند: هو النظير والمساوي، أي جعلتني لله مساويا في هذا الأمر؟ !
قوله: «بل ما شاء الله وحده» . أرشده النبي ﷺ إلى ما يقطع عنه الشرك،
стр. 3651
ولم يرشده إلى أن يقول: ما شاء الله ثم شئت حتى يقطع عنه كل ذريعة عن الشرك وإن بعدت.
يستفاد من الحديث:
١ - أن تعظيم النبي ﷺ بلفظ مساواته للخالق شرك، فإن كان يعتقد المساواة، فهو شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنه دون ذلك، فهو أصغر، وإذا كان هذا شركا، فكيف بمن يجعل حق الخالق للرسول ﷺ ؟
هذا أعظم؛ لأنه ﷺ ليس له شيء من خصائص الربوبية، بل يلبس الدرع، ويحمل السلاح، ويجوع، ويتألم، ويمرض، ويعطش كبقية الناس، ولكن الله فضله على البشر بما أوحي إليه من هذا الشرع العظيم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ، فهو بشر، وأكد هذه البشرية بقوله: مثلكم، ثم جاء التمييز بينه وبين بقية البشر بقوله تعالى: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] ، ولا شك أن الله أعطاه من الأخلاق الفاضلة التي بها الكمالات من كل وجه: أعطاه من الصبر العظيم، وأعطاه من الكرم ومن الجود، لكنها كلها في حدود البشرية، أما أن تصل إلى خصائص الربوبية، فهذا أمر لا يمكن، ومن ادعى ذلك فقد كفر بمحمد ﷺ وكفر بمن أرسله.
فالمهم أننا لا نغلو في الرسول ﵊ فننزله في منزلة هو ينكرها، ولا نهضم حقه الذي يجب علينا فنعطيه ما يجب له، ونسأل الله أن يعيننا على القيام بحقه، ولكننا لا ننزله منزلة الرب .
٢. إنكار المنكر وإن كان في أمر يتعلق بالمنكر؛ لقوله ﷺ : «أجعلتني لله ندا؟ !» ، مع أنه فعل ذلك تعظيما للنبي ﷺ ، وعلى هذا إذا انحنى
стр. 3652
ولابن ماجه «عن الطفيل -أخي عائشة لأمها- قال: رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزيز ابن الله. قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم»
ــ
لك شخص عند السلام، فالواجب عليك الإنكار.
٣ - أن من حسن الدعوة إلى الله أن نذكر ما يباح إذا ذكرت ما يحرم؛ لأنه ﷺ لما منعه من قول: «ما شاء الله وشئت» أرشده إلى الجائز وهو قوله: «بل ما شاء الله وحده» .
قوله في حديث الطفيل: (رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود) . أي رؤيا في المنام.
قوله: (كأن) : اسمها الياء، وجملة (أتيت) خبرها.
وقوله: (على نفر) من الثلاثة إلى التسعة، واليهود أتباع موسى.
قوله: (لأنتم القوم) . كلمة مدح، كقولك: هؤلاء هم الرجال.
وقوله: (عزير) هو رجل صالح ادعى اليهود أنه ابن الله، وهذا من كذبهم، وهو كفر صريح، واليهود لهم مثالب كثيرة، لكن خصت هذه لأنها من أعظمها وأشهرها عندهم.
стр. 3653
«تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، قال: " هل أخبرت بها أحدا؟ " قلت: نعم. قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده "» . (١)
ــ
قوله: «ما شاء الله وشاء محمد» هذا شرك أصغر؛ لأن الصحابة الذين قالوا هذا ولا شك أنهم لا يعتقدون أن مشيئة الرسول ﷺ مساوية لمشيئة الله، فانتقدوا عليهم تسوية مشيئة الرسول ﷺ بمشيئة الله باللفظ مع عظم ما قاله هؤلاء اليهود في حق الله جل وعلا.
قوله: (تقولون: المسيح ابن الله) : هو عيسى ابن مريم، وسمي مسيحا بمعنى ماسح، وهو فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برى بإذن الله، كالأكمه والأبرص.
والشيطان لعب بالنصارى فقالوا: هو ابن الله؛ لأنه أتى بدون أب، كما في القرآن: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] ، قالوا: هو جزء من الله؛ لأن الله أضافه إليه، والجزء هو الابن.
стр. 3654
والروح على الراجح عند أهل السنة: ذات لطيفة تدخل الجسم وتحل فيه كما يحل الماء في الطين اليابس، ولهذا يقبضها الملك عند الموت وتكفن ويصعد بها ويراها الإنسان عند موته، فالصحيح أنها ذات وإن كان بعض الناس يقول: إنها صفة، ولكنه ليس كذلك، والحياة صحيح أنها صفة لكن الروح ذات، إذا نقول لهؤلاء النصارى: إن الله أضاف روح عيسى إليه كما أضاف البيت والمساجد والناقة وما أشبه ذلك على سبيل التشريف والتعظيم، ولا شك أن المضاف إلى الله يكتسب شرفا وعظمة، حتى إن بعض الشعراء يقول في معشوقته:
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
قوله: (فما أصبحت أخبرت بها من أخبرت) المقصود بهذه العبارة الإبهام؛ كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] ، والإبهام قد يكون للتعظيم كما في الآية المذكورة، وقد يكون للتحقير حسب السياق، وقد يراد به معنى آخر.
قوله: (هل أخبرت بها أحدا؟) . سأل النبي ﷺ هذا السؤال؛ لأنه لو قال: لم أخبر أحدا، فالمتوقع أن الرسول ﵊ سيقول له: لا تخبر أحدا، هذا هو الظاهر، ثم بين له الحكم ﵊، لكن لما قال: إنه أخبر بها، صار لا بد من بيانها للناس عموما؛ لأن الشيء إذا انتشر يجب أن يعلن عنه، بخلاف إذا كان خاصا، فهذا يخبر به من وصله الخبر.
قوله: (فحمد الله) . الحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
قوله: (وأثنى عليه) . أي: كرر ذلك الوصف.
قوله: (أما بعد) . سبق أنها بمعنى مهما يكن من شيء بعد، أي: بعدما
стр. 3655
ذكرت، فكذا وكذا.
قوله: (يمنعني كذا وكذا) . أي: يمنعه الحياء كما في رواية أخرى، ولكن ليس الحياء من إنكار الباطل، ولكن من أن ينهى عنها دون أن يأمره الله بذلك، هذا الذي يجب أن تحمل عليه هذه اللفظة إن كانت محفوظة: أن الحياء الذي يمنعه ليس الحياء من الإنكار؛ لأن الرسول ﷺ لا يستحي من الحق، ولكن الحياء من أن ينكر شيئا قد درج على الألسنة وألفه الناس قبل أن يؤمر بالإنكار، مثل الخمر بقي الناس يشربونها حتى حرمت في سورة المائدة، فالرسول ﷺ لما لم يؤمر بالنهي عنها سكت، ولما حصل التنبيه على ذلك بإنكار هؤلاء اليهود والنصارى رأى ﷺ أنه لا بد من إنكارها لدخول اللوم على المسلمين بالنطق بها.
قوله: «قولوا ما شاء الله وحده» . نهاهم عن الممنوع، وبين لهم الجائز.
стр. 3656
فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر. لقوله: (إنكم لتشركون) .
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى. أي: إذا كان له هوى فهم شيئا، وإن كان هو يرتكب مثله أو أشد منه، فاليهود مثلا أنكروا على المسلمين قولهم: «ما شاء الله وشئت» ، وهم يقولون أعظم من هذا، يقولون: عزير ابن الله، ويصفون الله تعالى بالنقائص والعيوب.
ومن ذلك بعض المقلدين يفهم النصوص على ما يوافق هواه، فتجده يحمل النصوص من الدلالات ما لا تحتمل، كذلك أيضا بعض العصريين يحملون النصوص ما لا تحتمله حتى توافق ما اكتشفه العلم الحديث في الطب والفلك وغير ذلك، كل هذا من الأمور التي لا يحمد الإنسان عليها، فالإنسان يجب أن يفهم النصوص على ما هي عليه، ثم يكون فهمه تابعا لها، لا أن يخضع النصوص لفهمه أو لما يعتقده، ولهذا يقولون: استدل ثم اعتقد، ولا تعتقد ثم تستدل؛ لأنك إذا اعتقدت ثم استدللت ربما يحملك اعتقادك على أن تحرف النصوص إلى ما تعتقده كما هو ظاهر في جميع الملل والمذاهب المخالفة لما جاء به الرسول ﵊، تجدهم يحرفون هذه النصوص لتوافق ما هم عليه، والحاصل أن الإنسان إذا كان له هوى، فإنه يحمل النصوص ما لا تحتمله من أجل أن توافق هواه.
стр. 3657
الثالثة: قوله ﷺ : «أجعلتني لله ندا؟!» ، فكيف بمن قال: ما لي من ألوذ به سواك. والبيتين بعده؟
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر؛ لقوله: (يمنعني كذا وكذا) .
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.
ــ
الثالثة: قوله ﷺ : «أجعلتني لله ندا؟!» هو قوله: «ما شاء وشئت» . وقوله: (فكيف بمن قال: ما لي ألوذ به سواك. . .) يشير ﵀ إلى أبيات للبوصيري في البردة - القصيدة المشهورة - يقول فيها:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي ... عفوا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا غاية الكفر والغلو، فلم يجعل لله شيئا، والنبي ﷺ شرفه بكونه عبد الله ورسوله، لا لمجرد كونه محمد بن عبد الله.
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر؛ لقوله: (يمنعني كذا وكذا) ؛ لأنه لو كان من الشرك الأكبر ما منعه شيء من إنكاره.
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي. تؤخذ من حديث الطفيل، ولقوله ﷺ : «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» ؛ لأن أول
стр. 3658
السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع الأحكام.
ــ
الوحي كان بالرؤيا الصالحة من ربيع الأول إلى رمضان، وهذا ستة أشهر، فإذا نسبت هذا إلى بقية زمن الوحي، كان جزءا من ستة وأربعين جزءا؛ لأن الوحي كان ثلاثا وعشرين سنة وستة أشهر مقدمة له.
والرؤيا الصالحة: هي التي تتضمن الصلاح، وتأتي منظمة وليست بأضغاث أحلام.
أما أضغاث الأحلام، فإنها مشوشة غير منظمة، وذلك مثل «التي قصها رجل على النبي ﷺ قال: إني رأيت رأسي قد قطع، وإني جعلت أشتد وراءه سعيا. فقال النبي ﷺ : " لا تحدث الناس بتلاعب الشيطان بك في منامك» ، والغالب أن المرائي المكروهة من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠] ولذلك «أرشد النبي ﷺ لمن رأى ما يكره أن يتفل عن يساره، أو ينفث ثلاث مرات، وأن يقول: " أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت. وأن يتحول إلى الجانب الآخر، وأن لا يخبر أحدا» ، وفي رواية: «أمره أن يتوضأ وأن يصلي» .
السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام، من ذلك رؤيا إبراهيم ﵊ أنه يذبح ابنه، وهذا الحديث، وكذلك «أثبت النبي»
стр. 3659
« ﷺ رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان، وقال النبي ﷺ : " إنها رؤيا حق "» (١) ، وأبو بكر ﵁ أثبت رؤيا من رأي ثابت بن قيس بن شماس، فقال للذي رآه: إنكم ستجدون درعي تحت برمة، وعنده فرس يستن. فلما أصبح الرجل ذهب إلى خالد بن الوليد وأخبره، فذهبوا إلى المكان ورأوا الدرع تحت البرمة عندها الفرس (٢) ، فنفذ أبو بكر وصيته؛ لوجود القرائن التي تدل على صدقها، لكن لو دلت على ما يخالف الشريعة؛ فلا عبرة بها، ولا يلتفت إليها؛ لأنها ليست رؤيا صالحة.
стр. 3660
باب من سب الدهر فقد آذى الله
ــ
السب: الشتم، والتقبيح، والذم، وما أشبه ذلك.
الدهر: هو الزمان والوقت.
وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، وما أشبه ذلك؛ لأن الأعمال بالنيات، ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط ﵊: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] .
الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر؛ فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقا؛ لأنه نسب الحوادث إلى غير الله، وكل من اعتقد أن مع الله خالقا فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلها يستحق أن يعبد فإنه كافر.
الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده؛ فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين؛ لأن حقيقة سبه تعود إلى الله سبحانه؛ لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر ويكون فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر فاعلا، وليس هذا السبب يكفر؛ لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة.
قوله: (فقد آذى الله) . لا يلزم من الأذية الضرر؛ فالإنسان يتأذى بسماع
стр. 3661
وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] الآية.
ــ
القبيح أو مشاهدته، ولكنه لا يتضرر بذلك، ويتأذى بالرائحة الكريهة كالبصل والثوم ولا يتضرر بذلك، ولهذا أثبت الله الأذية في القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ، وفي الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار» ، ونفى عن نفسه أن يضره شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] ، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي , إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني» . رواه مسلم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ . المراد بذلك المشركون الموافقون للدهرية - بضم الدال على الصحيح عند النسبة؛ لأنه مما تغير فيه الحركة - والمعنى وما الحياة والوجود إلا هذا؛ فليس هناك آخرة، بل يموت بعض ويحيا آخرون، هذا يموت فيدفن وهذا يولد فيحيا، ويقولون: إنها أرحام تدفع وأرض تبلع ولا شيء سوى هذا.
قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ أي: ليس هلاكنا بأمر الله وقدره، بل
стр. 3662
بطول السنين لمن طالت مدته، والأمراض والهموم والغموم لمن قصرت مدته؛ فالمهلك لهم هو الدهر.
قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ . (ما) : نافية، و (علم) : مبتدأ خبره مقدم (لهم) ، وأكد بـ (من) ؛ فيكون للعموم: أي ما لهم علم لا قليل ولا كثير، بل العلم واليقين بخلاف قولهم.
قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ . (إن) : هنا نافية لوقوع (إلا) بعدها؛ أي: ما هم إلا يظنون.
الظن هنا بمعنى الوهم؛ فليس ظنهم مبنيا على دليل يجعل الشيء مظنونا، بل هو مجرد وهم لا حقيقة له، فلا حجة لهم إطلاقا، وفي هذا دليل على أن الظن يستعمل بمعنى الوهم، وأيضا يستعمل بمعنى العلم واليقين؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] .
والرد على قولهم بما يلي:
أولا: قولهم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ .
وهذا يرده المنقول والمعقول.
أما المنقول؛ فالكتاب والسنة تدل على ثبوت الآخرة ووجوب الإيمان باليوم الآخر، وأن للعباد حياة أخرى سوى هذه الحياة الدنيا، والكتب السماوية الأخرى تقرر ذلك وتؤكده.
وأما المعقول، فإن الله فرض على الناس الإسلام والدعوة إليه والجهاد لإعلاء كلمة الله، مع ما في ذلك من استباحة الدماء والأموال والنساء والذرية، فمن غير المعقول أن يكون الناس بعد ذلك ترابا لا بعث ولا حياة ولا ثواب ولا
стр. 3663
وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار»
ــ
عقاب، وحكمة الله تأبى هذا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] ؛ أي: الذي أنزل عليك القرآن وفرض العمل به والدعوة إليه لا بد أن يردك إلى معاد تجازى فيه ويجازى فيه كل من بلغته الدعوة.
ثانيا: قولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ؛ أي: إلا مرور الزمن.
وهذا يرده المنقول والمحسوس:
فأما المنقول؛ فالكتاب والسنة تدل على أن الإحياء والإماتة بيد الله ، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦] ، وقال عن عيسى ﵊: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] .
وأما المحسوس فإننا نعلم من يبقى سنين طويلة على قيد الحياة؛ كنوح ﵇ وغيره ولم يهلكه الدهر، ونشاهد أطفالا يموتون في الشهر الأول من ولادتهم، وشبابا يموتون في قوة شبابهم؛ فليس الدهر هو الذي يميتهم.
مناسبة الآية للباب:
أن في الآية نسب الحوادث إلى الدهر، ومن نسبها إلى الدهر؛ فسوف يسب الدهر إذا وقع فيه ما يكرهه.
стр. 3664
قوله: (وفي الصحيح عن أبي هريرة. . .) إلى آخره. هذا الحديث يسمى الحديث القدسي أو الإلهي أو الرباني، وهو كل ما يرويه النبي ﷺ عن ربه ، وسبق الكلام عليه في باب فضل التوحيد وما يكفر الذنوب.
قوله: (قال الله تعالى) . تعالى من العلو، وجاءت بهذه الصيغة للدلالة على ترفعه جل وعلا، عن كل نقص وسفل؛ لأنها تحمل معنى الترفع والتنزه عما يقوله المعتدون علوا كبيرا. قوله: (يؤذيني ابن آدم) . أي: يلحق بي الأذى، فالأذية لله ثابتة ويجب علينا إثباتها؛ لأن الله أثبتها لنفسه، فلسنا أعلم من الله بالله، ولكنها ليست كأذية المخلوق؛ بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وقدم النفي في هذه الآية على الإثبات، لأجل أن يرد الإثبات على قلب خال من توهم المماثلة، ويكون الإثبات حينئذ على الوجه اللائق به تعالى، وأنه لا يماثل في صفاته كما لا يماثل في ذاته، وكل ما وصف الله به نفسه؛ فليس فيه احتمال للتمثيل؛ إذ لو كان احتمال التمثيل جائزا في كلامه سبحانه وكلام رسوله فيما وصف به نفسه، لكان احتمال الكفر جائزا في كلامه سبحانه وكلام رسوله.
قوله: (ابن آدم) . شامل للذكور والإناث، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله تعالى من طين وسواه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء كلها.
واعلم أنه من المؤسف أنه يوجد فكرة مضلة كافرة، وهي أن الآدميين نشئوا من قرد لا من طين، ثم تطور الأمر بهم حتى صاروا على هذا الوصف،
стр. 3665
ويمكن على مر السنين أن يتطوروا حتى يصيروا ملائكة، وهذا القول لا شك أنه كفر وتكذيب صريح للقرآن؛ فيجب علينا أن ننكره إنكارا بالغا، وأن لا نقره في كتب المدارس، فمن زعم هذه الفكرة يقال له: بل أنت قرد في صورة إنسان، ومثلك كما قال الشاعر:
إذا ما ذكرنا آدما وفعاله ... وتزويجه بنتيه بابنيه في الخنا
علمنا بأن الخلق من نسل فاجر ... وأن جميع الناس من عنصر الزنا
وأجابه بعض العلماء بجواب؛ فقال: أنت الآن أقررت أنك ولد زنا، وإقرارك على نفسك مقبول وعلى غيرك غير مقبول، ومثلك كما قال الشاعر:
كذلك إقرار الفتى لازم له ... وفي غيره لغو كما جاء شرعنا
ولكن أنا في الحقيقة يؤلمني أن يوجد هذا بين أيدي شبابنا؛ فبعض الناس أخذوا به على أنه أمر محتمل، والواقع أنه لا يحتمل سوى البطلان والكذب والدس على المسلمين بالتشكيك بما أخبرهم الله به عن خلق آدم وبنيه.
وأيضا مما يحذر عنه كلمة (فكر إسلامي) ؛ إذ معنى هذا أننا جعلنا الإسلام عبارة عن أفكار قابلة للأخذ والرد، وهذا خطر عظيم أدخله علينا أعداء الإسلام من حيث لا نشعر، والإسلام شرع من عند الله وليس فكرا لمخلوق.
قوله: (يسب الدهر) . الجملة تعليل للأذية أو تفسير لها؛ أي: بكونه يسب الدهر؛ أي: يشتمه ويقبحه ويلومه وربما يلعنه - والعياذ بالله - يؤذي الله، والدهر: هو الزمن والوقت، وقد سبق بيان أقسام سب الدهر.
قوله: (وأنا الدهر) . أي: مدبر الدهر ومصرفه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ،
стр. 3666
ولقوله في الحديث: «أقلب الليل والنهار» ، والليل والنهار هما الدهر.
ولا يقال بأن الله هو الدهر نفسه، ومن قال ذلك، فقد جعل الخالق مخلوقا، والمقلب بكسر اللام مقلبا بفتح اللام.
فإن قيل: أليس المجاز ممنوعا في كلام الله وكلام رسوله وفي اللغة؟
أجيب: إن الكلمة حقيقة في معناها الذي دل عليه السياق والقرائن، وهنا في الكلام المحذوف تقديره: وأنا مقلب الدهر؛ لأنه فسره بقوله: «أقلب الليل والنهار» ، والليل والنهار هما الدهر، ولأن العقل لا يمكن أن يجعل الخالق الفاعل هو المخلوق المفعول، المقلب هو المقلب، وبهذا عرف خطأ من قال: إن الدهر من أسماء الله، كابن حزم ﵀؛ فإنه قال: (إن الدهر من أسماء الله) ، وهذا غفلة عن مدلول هذا الحديث، وغفلة عن الأصل في أسماء الله، فأما مدلول الحديث فإن السابين للدهر لم يريدوا سب الله، وإنما أرادوا سب الزمن؛ فالدهر هو الزمن في مرادهم، وأما الأصل في أسماء الله أن تكون حسنى؛ أي: بالغة في الحسن أكمله، فلا بد أن تشتمل على وصف ومعنى هو أحسن ما يكون من الأوصاف والمعاني في دلالة هذه الكلمة، ولهذا لا تجد في أسماء الله تعالى اسما جامدا أبدا؛ لأن الاسم الجامد ليس فيه معنى أحسن أو غير أحسن، لكن أسماء الله كلها حسنى؛ فيلزم من ذلك أن تكون دالة على معان، والدهر اسم من أسماء الزمن ليس فيه معنى إلا أنه اسم زمن، وعلى هذا فينتفي أن يكون اسما لله تعالى لوجهين:
الأول: أن سياق الحديث يأباه غاية الإباء.
стр. 3667
وفي رواية: «لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر» .
ــ
الثاني: أن أسماء الله حسنى، والدهر اسم جامد لا يحمل معنى إلا أنه اسم للأوقات.
فلا يحمل المعنى الذي يوصف بأنه أحسن، وحينئذ فليس من أسماء الله تعالى، بل إنه الزمن، ولكن مقلب الزمن هو الله، ولهذا قال: «أقلب الليل والنهار» .
قوله: «أقلب الليل والنهار» . أي: ذواتهما وما يحدث فيهما؛ فالليل والنهار يقلبان من طول إلى قصر إلى تساو، والحوادث تتقلب فيه في الساعة وفي اليوم وفي الأسبوع وفي الشهر وفي السنة، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] ، وهذا أمر ظاهر، وهذا التقليب له حكمة قد تظهر لنا وقد لا تظهر؛ لأن حكمة الله أعظم من أن تحيط بها عقولنا، ومجرد ظهور سلطان الله ، وتمام قدرته هو من حكمة الله لأجل أن يخشى الإنسان صاحب هذا السلطان والقدرة، فيتضرع ويلجأ إليه.
قوله: (وفي رواية: «لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر» . وفائدة هذه الرواية أن فيها التصريح في النهي عن سب الدهر.
стр. 3668
قوله: «فإن الله هو الدهر» . وفي نسخة: «فإن الدهر هو الله» ، والصواب: «فإن الله هو الدهر» .
وقوله: «فإن الله هو الدهر» ؛ أي: فإن الله هو مدبر الدهر ومصرفه، وهذا تعليل للنهي، ومن بلاغة كلام الله ورسوله قرن الحكم بالعلة لبيان الحكمة وزيادة الطمأنينة، ولأجل أن تتعدى العلة إلى غيرها فيما إذا كان المعلل حكما؛ فهذه ثلاث فوائد في قرن العلة بالحكم.
стр. 3669
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الدهر.
الثانية: تسميته أذى لله.
الثالثة: التأمل في قوله: «فإن الله هو الدهر» .
الرابعة: أنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الدهر. لقوله: «لا تسبوا الدهر» .
الثانية: تسميته أذى لله. تؤخذ من قوله: " يؤذيني ابن آدم ".
الثالثة: التأمل في قوله: «فإن الله هو الدهر» . فإذا تأملنا فيه وجدنا أن معناه أن الله مقلب الدهر ومصرفه وليس معناه أن الله هو الدهر، وقد سبق بيان ذلك.
الرابعة: أنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه. تؤخذ من قوله: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر» ، ولم يذكر قصدا ولو عبر الشيخ بقوله: أنه قد يكون مؤذيا لله وإن لم يقصده؛ لكان أوضح وأصح؛ لأن الله صرح بقوله: " يسب الدهر "، والفعل لا يضاف إلا لمن قصده.
وقد فات على الشيخ ﵀ بعض المسائل، منها: تفسير آية الجاثية، وقد سبق ذلك.
стр. 3670
باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه
ــ
قوله: (باب التسمي بقاضي القضاة) . أي: وضع الشخص لنفسه هذا الاسم، أو رضاه به من غيره.
قوله: (قاضي القضاة) . قاضي: بمعنى حاكم، والقضاة أي: الحكام، و (أل) للعموم.
والمعنى: التسمي بحاكم الحكام ونحوه، مثل ملك الأملاك، وسلطان السلاطين، وما أشبه ذلك، مما يدل على النفوذ والسلطان؛ لأن القاضي جمع بين الإلزام والإفتاء، بخلاف المفتي؛ فهو لا يُلزم، ولهذا قالوا: القاضي جمع بين الشهادة والإلزام والإفتاء، فهو يشهد أن هذا الحكم حكم الله، وأن الحق للمحكوم له على المحكوم عليه، ويفتي؛ أي: يخبر عن حكم الله وشرعه، ويلزم الخصمين بما حكم به.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن من تسمى بهذا الاسم؛ فقد جعل نفسه شريكا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله؛ لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة أو حاكم الحكام أو ملك الأملاك إلا الله ؛ فالله هو القاضي فوق كل قاض، وهو الذي له الحكم، ويرجع إليه الأمر كله كما ذكر الله ذلك في القرآن.
وقد تقدم أن قضاء الله ينقسم إلى قسمين:
١ - قضاء كوني.
٢ - قضاء شرعي.
стр. 3671
والقضاء الكوني لا بد من وقوعه، ويكون فيما أحب الله وفيما كرهه، قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] ؛ فهذا قضاء كوني متعلق بما يكرهه الله؛ لأن الفساد في الأرض لا يحبه الله، والله لا يحب المفسدين، وهذا القضاء الكوني لا بد أن يقع ولا معارض له إطلاقا.
وأما النوع الثاني من القضاء، وهو القضاء الشرعي؛ فمثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ، والقضاء الشرعي لا يلزم منه وقوع المقضي، فقد يقع وقد لا يقع، ولكنه يتعلق فيما يحبه الله، وقد سبق الكلام عن ذلك.
فإن قلت: إذا أضفنا القضاة وحصرناها بطائفة معينة، أو ببلد معين، أو بزمان معين، مثل أن يقال: قاضي القضاة في الفقه، أو قاضي قضاة المملكة العربية السعودية، أو قاضي قضاة مصر أو الشام، أو ما أشبه ذلك؛ فهل يجوز هذا؟
فالجواب: أن هذا جائز؛ لأنه مقيد، ومعلوم أن قضاء الله لا يتقيد، فحينئذ لا يكون فيه مشاركة لله ، على أنه لا ينبغي أيضا أن يتسمى الإنسان بذلك أو يسمى به وإن كان جائزا؛ لأن النفس قد تصعب السيطرة عليها فيما إذا شعر الإنسان بأنه موصوف بقاضي قضاة الناحية الفلانية، فقد يأخذه الإعجاب بالنفس والغرور حتى لا يقبل الحق إذا خالف قوله، وهذه مسألة عظيمة لها خطرها إذا وصلت بالإنسان إلى الإعجاب بالرأي بحيث يرى أن رأيه مفروض على من سواه، فإن هذا خطر عظيم، فمع القول بأن ذلك جائز لا ينبغي أن يقبله اسما لنفسه أو وصفا له، ولا أن يتسمى به.
فإذا قيد بزمان أو مكان ونحوهما؛ قلنا: إنه جائز، ولكن الأفضل ألا
стр. 3672
يفعل، ولكن إذا قيد بفن من الفنون؛ هل يكون جائزا؟
مقتضى التقييد أن يكون جائزا، لكن إن قيد بالفقه بأن قيل: (عالم العلماء في الفقه) ، وقلنا: إن الفقه يشمل أصول الدين وفروعه على حد قول الرسول ﷺ : «من يرد الله به خيرا فليفقهه في الدين» صار فيه عموم واسع، ومعنى هذا أن مرجع الناس كلهم في الشرع إليه؛ فهذا في نفسي منه شيء، والأولى التنزه عنه.
وأما إن قيد بقبيلة فهو جائز، لكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف أن لا يغتر ويعجب بنفسه، ولهذا «قال النبي ﷺ للمادح: " قطعت عنق صاحبك» .
وأما التسمي بـ (شيخ الإسلام) ؛ مثل أن يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية، أو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أي أنه الشيخ المطلق الذي يرجع إليه الإسلام، فهذا لا يصح؛ إذ إن أبا بكر ﵁ أحق بهذا الوصف؛ لأنه أفضل الخلق بعد النبيين، ولكن إذا قصد بهذا الوصف أنه جدد في الإسلام وحصل له أثر طيب في الدفاع عنه، فلا بأس بإطلاقه.
وأما بالنسبة للتسمية بـ (الإمام) ، فهو أهون بكثير من التسمي بـ (شيخ الإسلام) ؛ لأن النبي ﷺ سمى إمام المسجد إماما ولو لم يكن عنده إلا اثنان.
لكن ينبغي أن ينبه أنه لا يتسامح في إطلاق كلمة إمام إلا على من كان
стр. 3673
في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله» .
ــ
قدوة وله أتباع؛ كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم ممن له أثر في الإسلام؛ لأن وصف الإنسان بما لا يستحق هضم للأمة؛ لأن الإنسان إذا تصور أن هذا إمام وهذا إمام هان الإمام الحق في عينه، قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
ومن ذلك أيضا: (آية الله، حجة الله، حجة الإسلام) ؛ فإنها ألقاب حادثة لا تنبغي لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل.
وأما آية الله، فإن أريد به المعنى الأعم؛ فلا مدح فيه لأن كل شيء آية لله، كما قيل:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وإن أريد المعنى الأخص؛ أي: أن هذا الرجل آية خارقة؛ فهذا في الغالب يكون مبالغا فيه، والعبارة السليمة أن يقال: عالم مفت، قاض، حاكم، إمام لم كان مستحقا لذلك.
قوله: (في الصحيح) انظر الكلام عليها (ص ١٤٦)
قوله: «إن أخنع اسم» . أي: أوضع اسم، والمراد بالاسم المسمى، فأوضع
стр. 3674
اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك؛ لأنه جعل نفسه في مرتبة عليا، فالملوك أعلى طبقات البشر من حيث السلطة؛ فجعل مرتبته فوق مرتبتهم، وهذا لا يكون إلا لله ، ولهذا عوقب بنقيض قصده؛ فصار أوضع اسم عند الله إذا قصده أن يتعاظم حتى على الملوك، فأهين، ولهذا كان أحب اسم عند الله ما دل على التذلل والخضوع، مثل: عبد الله وعبد الرحمن، وأبغض اسم عند الله ما دل على الجبروت والسلطة والتعظيم.
قوله: «لا مالك إلا الله» . أي لا مالك على الحقيقة الملك المطلق إلا الله تعالى.
وأيضا لا ملك إلا الله ، ولهذا جاءت آية الفاتحة بقراءتين: (ملك يوم الدين) و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] ؛ لكي يجمع بين الملك وتمام السلطان؛ فهو سبحانه ملك مالك، ملك ذو سلطان وعظمة وقول نافذ، ومالك متصرف مدبر لجميع مملكته.
فالله له الخلق والملك والتدبير؛ فلا خالق إلا الله، ولا مدبر إلا الله، ولا مالك إلا الله، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣] ؛ فالاستفهام بمعنى النفي، وقد أشرب معنى التحدي، أي إن وجدتموه فهاتوه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: ٨٦] فيها توكيد وحصر، وهذا دليل انفراده بالخلق، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] فـ (الذين) : اسم موصول يشمل كل من يدعى من دون الله ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ ، وهذا على سبيل المبالغة، وما كان على سبيل المبالغة فلا مفهوم له كثرة أو قلة.
وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] ، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] ، وهذا دليل انفراده بالملك، وقال تعالى:
стр. 3675
قال سفيان: مثل شاهان شاه. وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه» . .
قوله: (أخنع) يعني: أوضع.
ــ
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] .
قوله: (قال سفيان - هو ابن عيينة -: مثل شاهان شاه) . وهذا باللغة الفارسية؛ فشاهان: جمع بمعنى أملاك، وشاه مفرد بمعنى ملك، والتقدير أملاك ملك؛ أي: ملك الأملاك، لكنهم في اللغة الفارسية يقدمون المضاف إليه على المضاف.
قوله: وفي رواية: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه» .
أغيظ: من الغيظ وهو الغضب؛ أي: إن أغضب شيء عند الله ، وأخبثه هو هذا الاسم، وإذا كان سببا لغضب الله وخبيثا؛ فإن التسمي به من الكبائر.
وقوله: (أغيظ) . فيه إثبات الغيظ لله ؛ فهي صفة تليق بالله كغيرها من الصفات، والظاهر أنها أشد من الغضب.
стр. 3676
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك.
الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان.
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك. وتؤخذ من قول الرسول ﷺ : «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك» . والمؤلف يقول: النهي عن التسمي.. والنهي شرعا لا يستفاد من الصيغة المعينة المعروفة فحسب، بل إذا ورد الذم عليه، أو سب فاعله، أو ما أشبه ذلك، فإنه يفيد النهي، وصيغة النهي هي المضارع المقرون ب (لا) الناهية، مثل: لا تفعل، ولكن إذا كان هناك ذم أو وعيد أو ما أشبه ذلك، فهو متضمن للنهي وزيادة.
الثانية: أن ما في معناه مثله كما قال سفيان. والذي في معناه: قاضي القضاة، وحاكم الحكام، وشاهان شاه في الفارسية.
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه، أي لم يقصد أنه ملك الأملاك أو قاضي القضاة؛ لعلمه أن هناك من هو أبلغ ملكا وأحكم قضاء.
وإذا سمينا شخصا بقاضي القضاة أو حاكم الحكام وهو ليس كذلك، بل هو من أجهل القضاة ومن أضعف الحكام، جمعنا بين أمرين: بين الكذب والوقوع في اللفظ المنهي عنه، وأما إذا كان أعلم أهل زمانه، أو أعلم أهل مكانه، ويرجع القضاة إليه، فهذا وإن كان القول مطابقا للواقع لكنه منهي عنه، مع أن القلب لم يقصد معناه.
стр. 3677
الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه.
ــ
الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه. يؤخذ من قوله: «لا مالك إلا الله» ؛ فالرسول ﷺ أشار إلى العلة، وهي: «لا مالك إلا الله» ؛ فكيف تقول: ملك الأملاك وهو لا مالك إلا الله ؟!
* الفرق بين ملك ومالك:
ليس كل ملك مالكا، وليس كل مالك ملكا؛ فقد يكون الإنسان ملكا، ولكنه لا يكون بيده التدبير، وقد يكون الإنسان مالكا ويتصرف فيما يملكه فقط؛ فالملك من ملك السلطة المطلقة، لكن قد يملك التصرف فيكون ملكا مالكا، وقد لا يملك فيكون ملكا وليس بمالك، أما المالك فهو الذي له التصرف بشيء معين؛ كمالك البيت، ومالك السيارة وما أشبه ذلك؛ فهذا ليس بملك؛ يعني: ليس له سلطة عامة.
ويستفاد من الحديث أيضا:
١ - إثبات صفة الغيظ لله ، وأنه يتفاضل لقوله: (أغيظ) ، وهو اسم تفضيل.
٢ - حكمة الرسول ﷺ في التعليم؛ لأنه لما بين أن هذا أخنع اسم وأغيظه أشار إلى العلة، وهو: «لا مالك إلا الله» ، وهذا من أحسن التعليم والتعبير، ولهذا ينبغي لكل إنسان يعلم الناس أن يقرن الأحكام بما تطمئن إليه النفوس من أدلة شرعية أو علل مرعية، قال ابن القيم:
العلم معرفة الهدى بدليله ... ما ذاك والتقليد يستويان
فالعلم أن تربط الأحكام بأدلتها الأثرية أو النظرية؛ فالأثرية ما كان من كتاب أو سنة أو إجماع، والنظرية: العقلية؛ أي: العلل المرعية التي يعتبرها الشرع.
стр. 3678
باب احترام أسماء الله ... إلخ
ــ
أسماء الله هي: التي سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله ﷺ . وقد سبق لنا الكلام فيها في مباحث كثيرة، منها:
هل أسماء الله مترادفة أو متباينة؟
وقلنا باعتبار دلالتها على الذات مترادفة؛ لأنها تدل على ذات واحدة، وهو الله ، وباعتبار دلالتها على المعنى والصفة التي تحملها متباينة، وإن كان بعضها قد يدل على ما تضمنه الآخر من باب دلالة اللزوم؛ فمثلا: (الخلاق) يتضمن الدلالة على العلم المستفاد من اسم العليم، لكنه بالالتزام، وعلى القدرة المستفادة من اسم التقدير، لكن بالالتزام.
الثاني: هل أسماء الله مشتقة أو جامدة (يعني: هل المراد بها الدلالة على الذات فقط، أو على الذات والصفة) ؟
الجواب: على الذات والصفة، أما أسماؤنا نحن فيراد بها الدلالة على الذات فقط، فقد يسمى محمدا وهو من أشد الناس ذما، وقد يسمى عبد الله وهو من أفجر عباد الله.
أما أسماء الله ، وأسماء الرسول ﷺ ، وأسماء القرآن، وأسماء اليوم الآخر، وما أشبه ذلك؛ فإنها أسماء متضمنة للأوصاف.
الثالث: أسماء الله بعضها معلوم لنا وبعضها غير معلوم، بدليل قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح في دعاء الكرب: " «أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت»
стр. 3679
«به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي ... » . ومعلوم أن ما استأثر الله بعلمه لا يعلمه أحد.
الرابع: أسماء الله؛ هل هي محصورة بعدد معين؟
والجواب: غير محصورة، وقد سبق الكلام على ذلك، والجواب عن قوله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة» .
الخامس: أن هذه التسعة والتسعين غير معينة، بل موكولة لنا لنبحث حتى نحصل على التسعة والتسعين، وهذا من حكمة إبهامها لأجل البحث حتى نصل إلى هذه الغاية، ولهذا نظائر، منها: أن الله أخفى ليلة القدر، وساعة الإجابة يوم الجمعة، وساعة الإجابة في الليل؛ ليجتهد الناس في الطلب.
السادس: معنى إحصاء هذه التسعة والتسعين الذي يترتب عليه دخول الجنة، ليس معنى ذلك أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ فقط، ولكن معنى ذلك:
أولا: الإحاطة بها لفظا.
ثانيا: فهمها معنى.
ثالثا: التعبد لله بمقتضاها، ولذلك وجهان:
الوجه الأول: أن تدعو الله بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور، وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب اغفر لي، بل هذا يشبه الاستهزاء، بل تقول: أجرني
стр. 3680
من عقابك.
الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء؛ فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل العمل الصالح الذي يكون جالبا لرحمة الله، ومقتضى الغفور المغفرة، إذا افعل ما يكون سببا في مغفرة ذنوبك، هذا هو معنى إحصائها، فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون ثمنا لدخول الجنة، وهذا الثمن ليس على وجه المقابلة، ولكن على وجه السبب؛ لأن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة وليست بدلا، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قوله: «لن يدخل الجنة أحد بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمته» .
فلا تغتر يا أخي بعملك، ولا تعجب فتقول: أنا عملت كذا وكذا وسوف أدخل الجنة، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] ، هذا باعتبار ما نراه نحن نحو أعمالنا؛ فيجب أن نرى لله المنة والفضل علينا، لكن باعتبار الجزاء، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ؛ فتؤمن بأن الله تعالى يجزي الإحسان بالإحسان.
السابع: أسماء الله ودلالتها على الذات والصفة جميعا دلالة مطابقة، ودلالتها على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ودلالتها على أمر خارج دلالة التزام.