← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك. الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان. الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه. ــ فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك. وتؤخذ من قول الرسول ﷺ : «إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك» . والمؤلف يقول: النهي عن التسمي.. والنهي شرعا لا يستفاد من الصيغة المعينة المعروفة فحسب، بل إذا ورد الذم عليه، أو سب فاعله، أو ما أشبه ذلك، فإنه يفيد النهي، وصيغة النهي هي المضارع المقرون ب (لا) الناهية، مثل: لا تفعل، ولكن إذا كان هناك ذم أو وعيد أو ما أشبه ذلك، فهو متضمن للنهي وزيادة. الثانية: أن ما في معناه مثله كما قال سفيان. والذي في معناه: قاضي القضاة، وحاكم الحكام، وشاهان شاه في الفارسية. الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه، أي لم يقصد أنه ملك الأملاك أو قاضي القضاة؛ لعلمه أن هناك من هو أبلغ ملكا وأحكم قضاء. وإذا سمينا شخصا بقاضي القضاة أو حاكم الحكام وهو ليس كذلك، بل هو من أجهل القضاة ومن أضعف الحكام، جمعنا بين أمرين: بين الكذب والوقوع في اللفظ المنهي عنه، وأما إذا كان أعلم أهل زمانه، أو أعلم أهل مكانه، ويرجع القضاة إليه، فهذا وإن كان القول مطابقا للواقع لكنه منهي عنه، مع أن القلب لم يقصد معناه.

стр. 3677

الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه. ــ الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه. يؤخذ من قوله: «لا مالك إلا الله» ؛ فالرسول ﷺ أشار إلى العلة، وهي: «لا مالك إلا الله» ؛ فكيف تقول: ملك الأملاك وهو لا مالك إلا الله ؟! * الفرق بين ملك ومالك: ليس كل ملك مالكا، وليس كل مالك ملكا؛ فقد يكون الإنسان ملكا، ولكنه لا يكون بيده التدبير، وقد يكون الإنسان مالكا ويتصرف فيما يملكه فقط؛ فالملك من ملك السلطة المطلقة، لكن قد يملك التصرف فيكون ملكا مالكا، وقد لا يملك فيكون ملكا وليس بمالك، أما المالك فهو الذي له التصرف بشيء معين؛ كمالك البيت، ومالك السيارة وما أشبه ذلك؛ فهذا ليس بملك؛ يعني: ليس له سلطة عامة. ويستفاد من الحديث أيضا: ١ - إثبات صفة الغيظ لله ، وأنه يتفاضل لقوله: (أغيظ) ، وهو اسم تفضيل. ٢ - حكمة الرسول ﷺ في التعليم؛ لأنه لما بين أن هذا أخنع اسم وأغيظه أشار إلى العلة، وهو: «لا مالك إلا الله» ، وهذا من أحسن التعليم والتعبير، ولهذا ينبغي لكل إنسان يعلم الناس أن يقرن الأحكام بما تطمئن إليه النفوس من أدلة شرعية أو علل مرعية، قال ابن القيم: العلم معرفة الهدى بدليله ... ما ذاك والتقليد يستويان فالعلم أن تربط الأحكام بأدلتها الأثرية أو النظرية؛ فالأثرية ما كان من كتاب أو سنة أو إجماع، والنظرية: العقلية؛ أي: العلل المرعية التي يعتبرها الشرع.

стр. 3678

باب احترام أسماء الله ... إلخ ــ أسماء الله هي: التي سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله ﷺ . وقد سبق لنا الكلام فيها في مباحث كثيرة، منها: هل أسماء الله مترادفة أو متباينة؟ وقلنا باعتبار دلالتها على الذات مترادفة؛ لأنها تدل على ذات واحدة، وهو الله ، وباعتبار دلالتها على المعنى والصفة التي تحملها متباينة، وإن كان بعضها قد يدل على ما تضمنه الآخر من باب دلالة اللزوم؛ فمثلا: (الخلاق) يتضمن الدلالة على العلم المستفاد من اسم العليم، لكنه بالالتزام، وعلى القدرة المستفادة من اسم التقدير، لكن بالالتزام. الثاني: هل أسماء الله مشتقة أو جامدة (يعني: هل المراد بها الدلالة على الذات فقط، أو على الذات والصفة) ؟ الجواب: على الذات والصفة، أما أسماؤنا نحن فيراد بها الدلالة على الذات فقط، فقد يسمى محمدا وهو من أشد الناس ذما، وقد يسمى عبد الله وهو من أفجر عباد الله. أما أسماء الله ، وأسماء الرسول ﷺ ، وأسماء القرآن، وأسماء اليوم الآخر، وما أشبه ذلك؛ فإنها أسماء متضمنة للأوصاف. الثالث: أسماء الله بعضها معلوم لنا وبعضها غير معلوم، بدليل قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح في دعاء الكرب: " «أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت»

стр. 3679

«به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي ... » . ومعلوم أن ما استأثر الله بعلمه لا يعلمه أحد. الرابع: أسماء الله؛ هل هي محصورة بعدد معين؟ والجواب: غير محصورة، وقد سبق الكلام على ذلك، والجواب عن قوله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة» . الخامس: أن هذه التسعة والتسعين غير معينة، بل موكولة لنا لنبحث حتى نحصل على التسعة والتسعين، وهذا من حكمة إبهامها لأجل البحث حتى نصل إلى هذه الغاية، ولهذا نظائر، منها: أن الله أخفى ليلة القدر، وساعة الإجابة يوم الجمعة، وساعة الإجابة في الليل؛ ليجتهد الناس في الطلب. السادس: معنى إحصاء هذه التسعة والتسعين الذي يترتب عليه دخول الجنة، ليس معنى ذلك أن تكتب في رقاع ثم تكرر حتى تحفظ فقط، ولكن معنى ذلك: أولا: الإحاطة بها لفظا. ثانيا: فهمها معنى. ثالثا: التعبد لله بمقتضاها، ولذلك وجهان: الوجه الأول: أن تدعو الله بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور، وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب اغفر لي، بل هذا يشبه الاستهزاء، بل تقول: أجرني

стр. 3680

من عقابك. الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء؛ فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل العمل الصالح الذي يكون جالبا لرحمة الله، ومقتضى الغفور المغفرة، إذا افعل ما يكون سببا في مغفرة ذنوبك، هذا هو معنى إحصائها، فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون ثمنا لدخول الجنة، وهذا الثمن ليس على وجه المقابلة، ولكن على وجه السبب؛ لأن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة وليست بدلا، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قوله: «لن يدخل الجنة أحد بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمته» . فلا تغتر يا أخي بعملك، ولا تعجب فتقول: أنا عملت كذا وكذا وسوف أدخل الجنة، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] ، هذا باعتبار ما نراه نحن نحو أعمالنا؛ فيجب أن نرى لله المنة والفضل علينا، لكن باعتبار الجزاء، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ؛ فتؤمن بأن الله تعالى يجزي الإحسان بالإحسان. السابع: أسماء الله ودلالتها على الذات والصفة جميعا دلالة مطابقة، ودلالتها على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ودلالتها على أمر خارج دلالة التزام.

стр. 3681

مثال ذلك: (الخلاق) دل على الذات، وهو الرب ، وعلى الصفة وهي الخلق جميعا دلالة مطابقة، ودل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ودل على القدرة والعلم دلالة التزام. الثامن: أسماء الله لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور إذا كان الاسم متعديا: الإيمان بالاسم اسما لله، والإيمان بما تضمنه من صفة، وما تضمنه من أثر وحكم؛ فالعليم مثلا لا يتم الإيمان به حتى نؤمن بأن العليم من أسماء الله، ونؤمن بما تضمنه من صفة العلم، ونؤمن بالحكم المرتب على ذلك، وهو أنه يعلم كل شيء، وإذا كان الاسم غير متعد؛ فنؤمن بأنه من أسماء الله وبما يتضمنه من صفة. التاسع: أن من أسماء الله ما يختص به؛ مثل الله، الرحمن، رب العالمين، وما أشبه ذلك، ومنها ما لا يختص به، مثل: الرحيم، السميع، العليم، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] ، وقال تعالى عن النبي ﷺ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . (١) قوله: (باب احترام أسماء الله) . أي: وجوب احترام أسماء الله؛ لأن احترامها احترام لله ، ومن تعظيم الله ؛ فلا يسمى أحد باسم مختص بالله، وأسماء الله تنقسم إلى قسمين: الأول: ما لا يصح إلا لله، فهذا لا يسمى به غيره، وإن سمي وجب تغييره؛ مثل: الله، الرحمن، رب العالمين، وما أشبه ذلك.

стр. 3682

عن أبي شريح «أنه كان يكني أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ : " إن الله هو الحكم وإليه الحكم " فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال: " ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ " قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: " فمن أكبرهم؟ ". قلت: شريح. قال: " فأنت أبو شريح» . رواه أبو داود وغيره (١) ــ الثاني: ما يصح أن يوصف به غير الله؛ مثل: الرحيم، والسميع، والبصير، فإن لوحظت الصفة منع من التسمي به، وإن لم تلاحظ الصفة جاز التسمي به على أنه علم محض. قوله: (عن أبي شريح) هو هانئ بن يزيد الكندي، جاء وافدا إلى النبي ﷺ مع قومه. وقوله: يكنى أبا الحكم. أي ينادى به. والكنية ما صدر بأب أو أم أو أخ أو عم أو خال، وتكون للمدح كما في هذا الحديث، وتكون للذم كأبي جهل، وقد تكون لمصاحبة الشيء مثل: أبي هريرة، وقد تكون لمجرد العلمية كأبي بكر ﵁، وأبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأنه ليس له ولد.

стр. 3683

قوله: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم» . (هو الحكم) ؛ أي: المستحق أن يكون حاكما على عباده، حاكما بالفعل، يدل له قوله: ( «وإليه الحكم» . وقوله: «وإليه الحكم» . الخبر فيه جار ومجرور مقدم، وتقديم الخبر يفيد الحصر، وعلى هذا يكون الحكم راجعا إلى الله وحده. وحكم الله ينقسم إلى قسمين: الأول: كوني، وهذا لا راد له؛ فلا يستطيع أحد أن يرده، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] . الثاني: شرعي، وينقسم الناس فيه إلى قسمين: مؤمن وكافر؛ فمن رضيه وحكم به فهو مؤمن، ومن لم يرض به ولم يحكم به فهو كافر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] وأما قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ؛ فهو يشمل الكوني والشرعي، وإن كان ظاهر الآية الثانية أن المراد الحكم الشرعي؛ لأنه في سياق الحكم الشرعي، والشرعي يكون تابعا للمحبة والرضا والكراهة والسخط، والكوني عام في كل شيء. وفي الحديث دليل على أن من أسمائه تعالى: (الحكم) . وأما بالنسبة للعدل؛ فقد ورد عن بعض الصحابة أنه قال: (إن الله حكم عدل) ولا أعرف فيه حديثا مرفوعا، ولكن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠] لا شك أنه متضمن للعدل، بل هو متضمن للعدل وزيادة. قوله: «فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني» . هذا بيان لسبب

стр. 3684

تسميته بأبي الحكم. قوله: «ما أحسن هذا» . الإشارة تعود إلى إصلاحه بين قومه لا إلى تسميته بهذا الاسم؛ لأن النبي ﷺ غيره. قوله: «شريح ومسلم وعبد الله» . الظاهر: أنه ليس له إلا الثلاثة؛ لأن الولد في اللغة العربية يشمل الذكر والأنثى، فلو كان عنده بنات لعدهن. قوله: «فأنت أبو شريح» . غيره النبي ﷺ ؛ لأمرين: الأول: أن الحكم هو الله، فإذا قيل: يا أبا الحكم، كأنه قيل: يا أبا الله. الثاني: إن هذا الاسم الذي جعل كنية لهذا الرجل لوحظ فيه معنى الصفة وهي الحكم، فصار بذلك مطابقا لاسم الله، وليس لمجرد العلمية المحضة، بل للعلمية المتضمنة للمعنى، وبهذا يكون مشاركا لله في ذلك، ولهذا كناه النبي ﷺ بما ينبغي أن يكنى به.

стр. 3685

فيه مسائل: الأولى: احترام أسماء الله وصفاته ولو لم يقصد معناه. الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية. ــ فيه مسائل: الأولى: احترام أسماء الله وصفاته ولو لم يقصد معناه. قوله: (ولو لم يقصد معناه) هذا في النفس منه شيء، لأنه لم يقصد معناه فهو جائز، إلا إذا سمي بما لا يصح إلا لله، مثل: الله، الرحمن، رب العالمين، وما أشبهه، فهذه لا تطلق إلا على الله مهما كان، وأما ما لا يختص بالله، فإنه يسمى به غير الله إذا لم يلاحظ معنى الصفة، بل كان المقصود مجرد العلمية فقط؛ لأنه لا يكون مطابقا لاسم الله، ولذلك كان في الصحابة من اسمه (الحكم) (١) ولم يغيره النبي ﷺ ؛ لأنه لم يقصد إلا العلمية، وفي الصحابة من اسمه (حكيم) (٢) وأقره النبي ﷺ . فالذي يحترم من أسمائه تعالى ما يختص به، أو ما يقصد به ملاحظة الصفة. الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. وقد سبق الكلام عليه. الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية. تؤخذ من سؤال النبي ﷺ : «فمن أكبرهم؟ " قال: شريح. قال: " فأنت أبو شريح» . ولا يؤخذ من الحديث استحباب التكني؛ لأن النبي ﷺ أراد أن يغير

стр. 3686

كنيته إلى كنية مباحة، ولم يأمره النبي ﷺ أن يكنى ابتداء. ويستفاد من الحديث ما يلي: ١ - أنه ينبغي لأهل الوعظ والإرشاد والنصح إذا أغلقوا بابا محرما أن يبينوا للناس المباح، وقد سبق تقرير ذلك. ٢ - أن الحكم لله وحده؛ لقوله ﷺ : «وإليه الحكم» ، أما الكوني فلا نزاع فيه؛ إذ لا يعارض الله أحد في أحكامه الكونية. وأما الشرعي فهو محك الفتنة والامتحان والاختبار، فمن شرع للناس شرعا سوى شرع الله ورأى أنه أحسن من شرع الله وأنفع للعباد، أو أنه مساو لشرع الله، أو أنه يجوز ترك شرع الله إليه، فإنه كافر لأنه جعل نفسه ندا لله ، سواء في العبادات أو المعاملات، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فدلت الآية على أنه لا أحد أحسن من حكم الله ولا مساو لحكم الله؛ لأن أحسن اسم تفضيل معناه لا يوجد شيء في درجته، ومن زعم ذلك فقد كذب الله . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ، وهذا دليل على أنه لا يجوز العدول عن شرع الله إلى غيره، وأنه كفر. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] . قلنا: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠-٦١] .

стр. 3687

وهذا دليل على كفرهم؛ لأنه قال: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ ، وهذا إنكار لإيمانهم، فظاهر الآية أنهم يزعمون بلا صدق ولا حق. فقوله ﷺ : «وإليه الحكم» يدل على أن من جعل الحكم لغير الله، فقد أشرك. فائدة: يجب على طالب العلم أن يعرف الفرق بين التشريع الذي يجعل نظاما يمشي عليه ويستبدل به القرآن، وبين أن يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله، فهذا قد يكون كفرا أو فسقا أو ظلما. فيكون كفرا إذا اعتقد أنه أحسن من حكم الشرع أو مماثل له. ويكون فسقا إذا كان لهوى في نفس الحاكم. ويكون ظلما إذا أراد مضرة المحكوم عليه، وظهور الظلم في هذه أبين من ظهوره في الثانية أبين من ظهوره في الثالثة. ٣ - تغيير الاسم إلى ما هو مباح أحسن إذا تضمن أمرا لا ينبغي، كما غير النبي ﷺ بعض الأسماء المباحة، ولا يحتاج ذلك إلى إعادة العقيقة كما يتوهمه بعض العامة.

стр. 3688

باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ــ هذه الترجمة فيها شيء من الغموض، والظاهر أن المراد من هزل بشيء فيكون فيه ذكر الله مثل الأحكام الشرعية، أو هزل بالقرآن أو هزل بالرسول ﷺ ، فيكون معطوفا على قوله بشيء. والمراد بالرسول هنا: اسم الجنس، فيشمل جميع الرسل، وليس المراد محمدا ﷺ ، فـ (أل) للجنس وليس للعهد. قوله: (من هزل) . سخر واستهزأ ورآه لعبا ليس جدا. ومن هزل بالله أو بآياته الكونية أو الشرعية أو برسله، فهو كافر؛ لأن منافاة الاستهزاء للإيمان منافاة عظيمة. كيف يسخر ويستهزئ بأمر يؤمن به؟ فالمؤمن بالشيء لا بد أن يعظمه وأن يكون في قلبه من تعظيمه ما يليق به. والكفر كفران: كفر إعراض، وكفر معارضة، والمستهزئ كافر كفر معارضة، فهو أعظم ممن يسجد لصنم فقط، وهذه المسألة خطيرة جدا، ورب كلمة أوقعت بصاحبها البلاء بل والهلاك وهو لا يشعر، فقد يتكلم الإنسان بالكلمة من سخط الله ، لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار. فمن استهزأ بالصلاة - ولو نافلة - أو بالزكاة، أو الصوم، أو الحج، فهو كافر بإجماع المسلمين، كذلك من استهزأ بالآيات الكونية بأن قال مثلا: إن وجود الحر في أيام الشتاء سفه، أو قال: إن وجود البرد في أيام الصيف سفه،

стр. 3689

فهذا كفر مخرج عن الملة؛ لأن الرب كل أفعاله مبنية على الحكمة، وقد لا نستطيع بلوغها بل لا نستطيع بلوغها. ثم اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن سب الله أو رسوله أو كتابه: هل تقبل توبته؟ على قولين: القول الأول: أنها لا تقبل، وهو المشهور عن الحنابلة، بل يقتل كافرا، ولا يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ويدفن في محل بعيد عن قبور المسلمين، ولو قال: إنه تاب أو إنه أخطأ؛ لأنهم يقولون: إن هذه الردة أمرها عظيم وكبير لا تنفع فيها التوبة. وقال بعض أهل العلم: إنها تقبل إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ، ووصف الله تعالى بما يستحق من صفات التعظيم، وذلك لعموم الأدلة الدالة على قبول التوبة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] ومن الكفار من يسبون الله، ومع ذلك تقبل توبتهم. وهذا هو الصحيح، إلا أن ساب الرسول ﷺ تقبل توبته ويجب قتله، بخلاف من سب الله، فإنه تقبل توبته ولا يقتل، لا لأن حق الله دون حق الرسول ﷺ ، بل لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد إليه بأنه يغفر الذنوب جميعا، أما ساب الرسول ﷺ فإنه يتعلق به أمران: الأول: أمر شرعي لكونه رسول الله ﷺ ، ومن هذا الوجه تقبل توبته إذا تاب. الثاني: أمر شخصي لكونه من المرسلين، ومن هذا يجب قتله لحقه ﷺ ويقتل بعد توبته على أنه مسلم، فإذا قتل غسلناه وكفناه وصلينا عليه

стр. 3690

ودفناه مع المسلمين. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ألف كتابا في ذلك اسمه (الصارم المسلول في حكم قتل ساب الرسول) أو: (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ؛ وذلك لأنه استهان بحق الرسول ﷺ ، وكذا لو قذفه فإنه يقتل ولا يجلد. فإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول ﷺ وقبل منه وأطلقه؟ أجيب: بلى، هذا صحيح، لكن هذا في حياته ﷺ ، وقد أسقط حقه، أما بعد موته فلا ندري، فننفذ ما نراه واجبا في حق من سبه ﷺ . فإن قيل: احتمال كونه يعفو عنه أو لا يعفو موجب للتوقف؟ أجيب: إنه لا يوجب التوقف، لأن المفسدة حصلت بالسب، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم، والأصل بقاؤه. فإن قيل: أليس الله الغالب أن الرسول ﷺ عفا عمن سبه؟ أجيب: بلى، وربما كان في حياة الرسول ﷺ إذا عفا قد تحصل المصلحة ويكون في ذلك تأليف، كما أنه ﷺ يعلم أعيان المنافقين، ولم يقتلهم، لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لكن الآن لو علمنا أحدا بعينه من المنافقين لقتلناه، قال ابن القيم: إن عدم قتل المنافق المعلوم إنما هو في حياة الرسول ﷺ فقط.

стр. 3691

وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] الآية. ــ قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ . الخطاب للنبي ﷺ ، أي سألت هؤلاء الذين يخوضون ويلعبون بالاستهزاء بالله وكتابه ورسوله والصحابة. قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ . جواب القسم، قال ابن مالك: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم ولهذا جاءت اللام التي تقترن بجواب القسم دون الفاء التي تقع في جواب الشرط. قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ، أي: المسئولون. قوله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ أي: ما لنا قصد، ولكننا نخوض ونلعب، واللعب يقصد به الهزء، وأما الخوض فهو كلام عائم لا زمام له. هذا إذا وصف بذلك القول، وأما إذا لم يوصف به القول، فإنه يكون الخوض في الكلام واللعب في الجوارح. وقوله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ : (إنما) : أداة حصر،أي: ما شأننا وحالنا إلا أننا نخوض ونلعب. قوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ . الاستفهام للإنكار والتعجب، فينكر عليهم أن يستهزئوا بهذه الأمور العظيمة، ويتعجب كيف يكون الحق محلا للسخرية؟ قوله: ﴿أَبِاللَّهِ﴾ أي: بذاته وصفاته. قوله: ﴿وَآيَاتِهِ﴾ : جمع آية، ويشمل:

стр. 3692

الآيات الشرعية، كالاستهزاء بالقرآن، بل يقال: هذا أساطير الأولين- والعياذ بالله - أو يستهزأ بشيء من الشرائع، كالصلاة والزكاة والصوم والحج. والآيات الكونية، كأن يسخر بما قدره الله تعالى، كيف يأتي هذا في هذا الوقت؟ كيف يخرج هذا الثمر من هذا الشيء؟ كيف يخلق هذا الذي يضر الناس ويقتلهم؟ استهزاء وسخرية. قوله: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ . المراد هنا محمد ﷺ . قوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ . المراد بالنهي التيئيس، أي: انههم عن الاعتذار تيئيسا لهم بقبول اعتذارهم. قوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: بالاستهزاء وهم لم يكونوا منافقين خالصين بل مؤمنين، ولكن إيمانهم ضعيف، ولهذا لم يمنعهم من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله. قوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ . ﴿نَعْفُ﴾ : ضمير الجمع للتعظيم، أي: الله . قوله: ﴿عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ قال بعض أهل العلم: هؤلاء حضروا وصار عندهم كراهية لهذا الشيء، لكنهم داهنوا فصاروا في حكمهم لجلوسهم إليه، لكنهم أخف لما في قلوبهم من الكراهة، ولهذا عفا الله عنهم وهداهم إلى الإيمان وتابوا. قوله: ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ . هذا جواب الشرط، أي: لا يمكن أن نعفو عن الجميع، بل إن عفونا عن طائفة، فلا بد أن نعذب الآخرين. قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ . الباء للسببية، أي: بسبب كونهم مجرمين بالاستهزاء وعندهم جرم والعياذ بالله، فلا يمكن أن يوفقوا للتوبة حتى يعفى عنهم.

стр. 3693

ويستفاد من الآيتين: ١ - بيان علم الله بما سيكون، لقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ ، وهذا مستقبل، فالله عالم ما كان وما سيكون، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] . ٢ - أن الرسول ﷺ يحكم بما أنزل الله إليه حيث أمره أن يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾ . ٣ - أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله من أعظم الكفر، بدليل الاستفهام والتوبيخ. ٤ - أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله أعظم استهزاء وقبحا، لقوله: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾ ، وتقديم المتعلق يدل على الحصر كأنه ما بقي إلا أن تستهزئوا بهؤلاء الذين ليسوا محلا للاستهزاء، بل أحق الحق هؤلاء الثلاثة. ٥ - أن المستهزئ بالله يكفر؛ لقوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . ٦ - استعمال الغلظة في محلها، وإلا فالأصل أن من جاء يعتذر يرحم، لكنه ليس أهلا للرحمة. ٧ - قبول توبة المستهزئ بالله؛ لقوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ ، وهذا أمر قد وقع، فإن من هؤلاء من عفي عنه وهدي للإسلام تاب وتاب الله عليه، وهذا دليل للقول الراجح أن المستهزئ بالله تقبل توبته، لكن لا بد من دليل بين على صدق توبته؛ لأنه كفره من أشد الكفر أو هو أشد الكفر، فليس مثل كفر الإعراض أو الجحد.

стр. 3694

عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة، دخل حديث بعضهم في بعض: «أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء. يعني» ــ وهؤلاء الذين حضروا السب مثل الذين سبوا، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤] . وهم يستطيعون المفارقة، والنبي ﷺ امتثل أمر الله بتبليغهم، حتى إن الرجل الذي جاء يعتذر صار يقول له: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ، ولا يزيد على هذا أبدا مع إمكان أن يزيده توبيخا وتقريعا. قوله: (عن ابن عمر) . هو عبد الله. (ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة) . والثلاثة تابعيون، فالرواية عن ابن عمر مرفوعة، وعن الثلاثة الآخرين مرسلة. قوله: (دخل حديثهم بعضهم في بعض) . أي: إن هذا الحديث مجموع من كلامهم، وهذا يفعله بعض أئمة الرواة كالزهري وغيره، فيحدثه جماعة بشأن قصة من القصص كحديث الإفك مثلا، فيجمعون هذا ويجعلون في حديث واحد، ويشيرون إلى هذا، فيقولون مثلا: دخل حديث بعضهم في بعض، أو يقول: حدثني بعضهم بكذا وبعضهم بكذا، وما أشبه ذلك. قوله: (في غزوة تبوك) . تبوك في أطراف الشام، وكانت هذه الغزوة في

стр. 3695

رجب حين طابت الثمار، وكان مع الرسول ﷺ في هذه الغزوة نحو ثلاثين ألفا، ولما خرجوا رجع عبد الله بن أبي بنحو نصف المعسكر، حتى قيل له: إنه لا يدري أي الجيشين أكثر: الذين رجعوا، أو الذين ذهبوا؟ مما يدل على وفرة النفاق في تلك السنة، وكانت في السنة التاسعة، وسببها أنه قيل للنبي ﷺ : إن قوما من الروم ومن متنصرة العرب يجمعون له، فأراد أن يغزوهم ﷺ إظهارا للقوة وإيمانا بنصر الله . قوله: (ما رأينا) تحتمل أن تكون بصرية، وتحتمل أن تكون علمية قلبية. قوله: «مثل قرائنا» المفعول الأول، والمراد بهم الرسول ﷺ وأصحابه. قوله: «أرغب بطونا» . المفعول به الثاني، أي: أوسع، وإنما كانت الرغبة هنا بمعنى السعة؛ لأنه كلما اتسع البطن رغب الإنسان في الأكل. قوله: «ولا أكذب ألسنا» . الكذب: هو الإخبار بخلاف الواقع، والألسن: جمع لسان، والمراد: ولا أكذب قولا، واللسان يطلق على القول كثيرا في اللغة العربية، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] أي: بلغتهم. قوله: «ولا أجبن عند اللقاء» . الجبن: هو خور في النفس يمنع المرء من الإقدام على ما يكره، فهو خلق نفسي ذميم، ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ منه لما يحصل فيه من الإحجام عما ينبغي الإقدام إليه، فلهذا كان صفة ذميمة، وهذه الأوصاف تنطبق على المنافقين لا على المؤمنين، فالمؤمن يأكل بمعى واحد: ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه، والكافر يأكل بسبعة

стр. 3696

«رسول الله ﷺ وأصحابه القراء» . «فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ . فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب» ــ أمعاء، والمؤمن أصدق الناس لسانا، ولا سيما النبي ﷺ وأصحابه، فإن الله وصفهم بالصدق في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] . والمنافقون أكذب الناس، كما قال الله فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١] ، وجعل النبي ﷺ الكذب من علامات النفاق، والمنافقون من أجبن الناس، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] فلو سمعوا أحدا ينشد ضالته لقالوا: عدو، عدو، وهم أحب الناس للدنيا؛ إذ أصل نفاقهم من أجل الدنيا ومن أجل أن تحمى دماؤهم وأموالهم وأعراضهم. قوله: (ولكنك منافق) . لأنه لا يطلق هذه الأوصاف على رسول الله ﷺ وأصحابه رجل تسمى بالإسلام إلا منافق، وبهذا يعرف أن من يسب أصحاب

стр. 3697

«نقطع به عنا الطريق.» «قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ ، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] ؛ ما يلتفت إليه وما يزيده عليه» . ــ رسول الله ﷺ أنه كافر؛ لأن الطعن فيهم طعن في الله ورسوله وشريعته. فيكون طعنا في الله؛ لأنه طعن في حكمته، حيث اختار لأفضل خلقه أسوأ خلقه. وطعنا في الرسول ﷺ ؛ لأنهم أصحابه، والمرء على دين خليله، والإنسان يستدل على صلاحه أو فساده أو سوء أخلاقه أو صلاحها بالقرين. وطعنا في الشريعة: لأنهم الواسطة بيننا وبين الرسول ﷺ في نقل الشريعة، وإذا كانوا بهذه المثابة، فلا يوثق بهذه الشريعة. قوله: «فوجد القرآن قد سبقه» . أي: بالوحي من الله تعالى، والله عليم بما يفعلون، وبما يريدون وبما يبيتون، قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . قوله: «وقد ارتحل وركب ناقته» . الظاهر أن هذا من باب عطف التفسير؛ لأن ركوب الناقة هو الارتحال. قوله: «كأني أنظر إليه» . كأن إذا دخلت على مشتق، فهي للتوقع، وإذا

стр. 3698

دخلت على جامد فهي للتشبيه، وهنا دخلت على جامد، والمعنى: كأنه الآن أمامي من شدة يقيني به. قوله (بنسعة) . هي الحزام الذي يربط به الرحل. قوله: «والحجارة تنكب رجليه» . أي: يمشي والحجارة تضرب وكأنه - والله أعلم - يمشي بسرعة، ولكنه لا يحس في تلك الحال؛ لأنه يريد أن يعتذر. قوله: «وما يزيده عليه» .أي: لا يزيده على ما ذكر من توبيخ امتثالا لأمر الله ، وكفي بالقول الذي أرشد الله إليه نكاية وتوبيخا.

стр. 3699

فيه مسائل: الأولى: وهي العظيمة أن من هزل بهذا كافر. الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان. الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله. ــ فيه مسائل: الأولى وهي العظيمة: أن من هزل بهذا كافر. أي من هزل: بالله وآياته ورسوله. الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان. أي سواء كان منافقا أو غير منافق ثم استهزأ، فإنه يكفر كائنا من كان. الثالثة: الفرق بين النميمة والنصيحة لله ولرسوله. النميمة: من نم الحديث، أي: نقله ونسبه إلى غيره، وهي نقل كلام للغير بقصد الإفساد، وهي من أكبر الذنوب، قال ﷺ : «لا يدخل الجنة نمام» ، وأخبر عن رجل يعذب في قبره؛ لأنه كان يمشي بالنميمة، وأما النصيحة لله ورسوله، فلا يقصد بها ذلك، وإنما يقصد بها احترام شعائر الله ، وإقامة حدوده

стр. 3700

الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله. ــ وحفظ شريعته. وعوف بن مالك نقل كلام هذا الرجل لأجل أن يقام عليه الحد أو ما يجب أن يقام عليه وليس قصده مجرد النميمة. ومن ذلك لو أن رجلا اعتمد على شخص ووثق به، وهذا الشخص يكشف سره ويستهزئ به في المجالس، فإنك إذا أخبرت هذا الرجل بذلك، فليس هذا من النميمة، بل من النصيحة. الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله. العفو الذي يحبه الله: هو الذي فيه إصلاح؛ لأن الله اشترط ذلك في العفو فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] أي: كان عفوه مشتملا على الإصلاح، وقال بعضهم: أي أصلح الود بينه وبين من أساء إليه، وهذا تفسير قاصر والصواب أن المراد به أصلح من عفوه، أي: كان في عفوه إصلاح. فمن كان عفوه إفسادا لا إصلاحا، فإنه آثم بهذا العفو، ووجه ذلك من الآية ظاهر؛ لأن الله قال: ﴿عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ ، ولأن العفو إحسان والفساد إساءة، ودفع الإساءة أولى، بل العفو حينئذ محرم. والنبي ﷺ غلظ على هذا الرجل لكونه ﷺ لم يلتفت إليه، ولا يزيد على هذا الكلام الذي أمره الله به مع أن الحجارة تنكب رجل الرجل، ولم يرحمه النبي ﷺ ولم يرق له، ولكل مقام مقال، فينبغي أن يكون الإنسان شديدا في موضع الشدة، لينا في موضع اللين، لكن أعداء الله الأصل في معاملتهم الشدة، قال تعالى في وصف الرسول ﷺ وأصحابه

стр. 3701

الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل. ــ ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] ذكرها الله في سورتين من القرآن مما يدل على أنها من أهم ما يكون، لكن استعمال اللين أحيانا للدعوة والتأليف قد يكون مستحسنا. الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل. فالأصل في الاعتذار أن يقبل لا سيما إذا كان المعتذر محسنا، لكن حصلت منه هفوة، فإن علم أنه اعتذار باطل، فإنه لا يقبل.

стр. 3702

باب قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [ فصلت: ٥٠] . ــ مناسبة الباب لـ (كتاب التوحيد) : أن الإنسان إذا أضاف النعمة إلى عمله وكسبه، ففيه نوع من الإشراك بالربوبية، وإذا أضافها إلى الله لكنه زعم أنه مستحق لذلك، وأن ما أعطاه الله ليس محض تفضيل، لكن لأنه أهل، ففيه نوع من التعلي والترفع في جانب العبودية. وقد ذكر الشيخ في آيتين: الآية الأولى ما ترجم به المؤلف، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ . الضمير يعود على الإنسان، والمراد به الجنس. وقيل: المراد به الكافر. والظاهر أن المراد به الجنس، إلا أنه يمنع من هذه الحال الإيمان، فلا يقول ذلك المؤمن، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٧-٤٩] هذه حال الإنسان من حيث هو إنسان، لكن الإيمان يمنع الخصال السيئة المذكورة. قوله: ﴿مِنَّا﴾ أضافه الله إليه، لوضوح كونها من الله، ولتمام منته بها. قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ أي: أنه لم يذق الرحمة من أول أمره، بل أصيب بضراء، كالفقر وفقد الأولاد وغير ذلك، ثم أذاقه بعد ذلك الرحمة

стр. 3703

قال مجاهد: هذا بعملي، وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد: من عندي. ــ حتى يحس بها وتكون لذتها والسرور به أعظم مثل الذائق للطعام بعد الجوع. قوله: ﴿مَسَّتْهُ﴾ أي: أصابته وأثرت فيه. قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ . هذا كفر بنعمة الله وإعجاب بالنفس، واللام في قوله ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم المقدر قبل اللام في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ . قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ . بعد أن انغمس في الدنيا نسي الآخرة، بخلاف المؤمن إذا أصابته الضراء لجأ إلى الله، ثم كشفها، ثم وجد بعد ذلك لذة وسرورا يشكر الله على ذلك، أما هذا فقد نسي الآخرة وكفر بها. قوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ . (إن) : شرطية وتأتي فيما يمكن وقوعه وفيما لا يمكن وقوعه؛ كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، والمعنى: على فرض أن أرجع إلى الله إن لي عنده للحسنى. والحسنى: اسم تفضيل، أي: الذي هو أحسن من هذا، واللام للتوكيد. قوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: فلننبئن هذا الإنسان، وأظهر في مقام الإضمار من أجل الحكم على هذا القائل بالكفر ولأجل أن يشمله الوعيد وغيره. قول مجاهد: هذا بعملي، وأنا محقوق به. أي هذا بكسبي وأنا مستحق له. قول ابن عباس: يريد من عندي. أي من حذقي وتصرفي وليس من عند الله.

стр. 3704

وقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ . قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل. وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف. ــ الآية الثانية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ . في القرآن آيتان: آية قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ، والثانية: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ، والظاهر من تفسير المؤلف أنه يريد الآية الثانية. قوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ . في معناه أقوال: الأول: قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب، فيكون العلم عائدا على الإنسان، أي: عالم بوجوه المكاسب، ولا فضل لأحد علي فيما أوتيته، وإنما الفضل لي، وعليه يكون هذا كفرا بنعمة الله وإعجابا بالنفس. الثاني: قال آخرون: على علم من الله أني له أهل، فيكون بذلك مدلا على الله، وأنه أهل ومستحق لأن ينعم الله عليه، والعلم هنا عائد على الله، أي: أوتيت هذا الشيء على علم من الله أني مستحق له وأهل له. الثالث: قول مجاهد: (أوتيته على شرف) ، وهو معنى القول الثاني، فصار معنى الآية يدور على وجهين:

стр. 3705

الوجه الأول: أن هذا إنكار أن يكون ما أصابه من النعمة من فضل الله، بل زعم أنها من كسب يده وعلمه ومهارته. الوجه الثاني: أنه أنكر أن يكون لله الفضل عليه، وكأنه هو الذي له الفضل على الله؛ لأن الله أعطاه ذلك لكونه أهلا لهذه النعمة. فيكون على كلا الأمرين غير شاكر لله ، والحقيقة أن كل ما نؤتاه من النعم فهو من الله، فهو الذي يسرها حتى حصلنا عليها، بل كان ما نحصل عليه من علم أو قدرة أو إرادة فمن الله، فالواجب علينا أن نضيف هذه النعم إلى الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] حتى ولو حصلت لك هذه النعمة بعلمك أو مهارتك، فالذي أعطاك هذا العلم أو المهارة هو الله ، ثم إن المهارة أو العلم قد لا يكون سببا لحصول الرزق، فكم من إنسان عالم أو ماهر حاذق ومع ذلك لا يوفق بل يكون عاطلا؟! وشكر النعمة يكون له ثلاثة أركان: ١ - الاعتراف بها في القلب. ٢ - الثناء على الله باللسان. ٣ - العمل بالجوارح بما يرضي المنعم. فمن كان عنده شعور في داخل نفسه أنه هو السبب لمهارته وجودته وحذقه، فهذا لم يشكر النعمة، وكذلك لو أضاف النعمة بلسانه إلى غير الله أو عمل بمعصية الله في جوارحه، فليس بشاكر لله تعالى.

стр. 3706

وعن أبي هريرة ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «أن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن» ــ قوله: (وعن أبي هريرة ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: أن ثلاثة من بني إسرائيل) . جميع القصص الواردة في القرآن وصحيح السنة ليس المقصود بها مجرد الخبر، بل يقصد منها العبرة والعظة مع ما تكسب النفس من الراحة والسرور، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] . قوله: (من بني إسرائيل) في محل نصب نعت لـ (لثلاثة) ، وبنو إسرائيل هم ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. قوله: (أبرص) . أي: في جلده برص، والبرص داء معروف، وهو من الأمراض المستعصية التي لا يمكن علاجها بالكلية، وربما توصلوا أخيرا إلى عدم انتشارها وتوسعها في الجلد، لكن رفعها لا يمكن، ولهذا جعلها الله آية لعيسى، قال تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] . قوله: (أقرع) . من ليس على رأسه شعر. قوله: (أعمى) . من فقد البصر. قوله: (فأراد الله) وفي بعض النسخ: (أراد الله) . فعلى إثبات الفاء يكون خبر (إن) محذوفا دل على السياق تقديره: إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أنعم الله عليهم فأراد الله أن يبتليهم. ولا يمكن أن يكون (أبرص وأقرع وأعمى) خبرا؛ لأنها بدل، وعلى حذف الفاء يكون الخبر جملة: (أراد الله) ، والإرادة هنا كونية.

стр. 3707

«وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به " قال: " فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل - أو البقر. شك إسحاق - فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها» . ــ قوله: (يبتليهم) . أي: يختبرهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] ، وقال تعالى: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] . قوله: (ملكا) . أحد الملائكة: هم عالم غيبي خلقهم الله من نور وجعلهم قائمين بطاعة الله، لا يأكلون، ولا يشربون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لهم أشكال وأعمال ووظائف مذكورة في الكتاب والسنة، ويجب الإيمان بهم، وهو أحد أركان الإيمان الستة. قال أهل اللغة: وأصل الـ (ملك) مأخوذ من الألوكة، وهي الرسالة، وعلى هذا يكون أصله مألك، فصار فيه إعلال قلبي، فصار ملأك، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام الساكنة وحذفت الهمزة تخفيفا، فصار ملك، ولهذا في الجمع تأتي الهمزة: ملائكة. قوله: (ويذهب) . يجوز فيه الرفع والنصب، والرفع أولى. قوله: (قذرني) . أي: استقذرني وكرهوا مخالطتي من أجله. وقوله: (به) . الباء للسببية، أي: بسببه. قوله: (فمسحه) . ليتبين أن لكل شيء سببا وبرئ بإذن الله ، (فذهب عنه قذره) : بدأ بذهاب القذر قبل اللون الحسن والجلد الحسن؛ لأنه يبدأ بزوال المكروه قبل حصول المطلوب، كما يقال: التخلية قبل التحلية.

стр. 3708

«قال: " فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به. فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطي شعرا حسنا. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل. فأعطي بقرة حاملا، قال: بارك الله لك فيها» . ــ قوله: (قال: الإبل، أو البقر، شك إسحاق) . والظاهر: أنه الإبل كما يفيده السياق، وإسحاق أحد رواة الحديث. قوله: (عشراء) . قيل: هي الحامل مطلقا، وقال في (القاموس) : هي التي بلغ حملها عشرة أشهر أو ثمانية، سخرها الله وذللها، ولعلها كانت قريبة من الملك فأعطاه إياها. قوله: (بارك الله لك فيها) . فيحتمل أن لفظه الخبر ومعناه الدعاء، وهو الأقرب؛ لأنه أسلم من التقدير، ويحتمل أنه خبر محض، كأنه قال: هذه ناقة عشراء مبارك لك فيها، ويكون المعنى على تقدير (قد) ، أي: قد بارك الله لك فيها. قوله: «فأتى الأقرع» . وهو الرجل الثاني في الحديث. قوله: «فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن» . ولم يكتف بمجرد الشعر الحسن، بل طلب شعرا حسنا. قوله: «الذي قذرني الناس به» . أي: القرع؛ لأنه كان أقرع كرهه الناس واستقذروه، وهذا يدل على أنهم لا يغطون رءوسهم بالعمائم ونحوها، وقد يقال: يمكن أن يكون عليه عمامة يبدو بعض الرأس من جوانبها فيكرهه الناس مما بدا منها.

стр. 3709

«فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس. فمسحه، فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدا» . ــ قوله: «فذهب عنه قذره» . يقال في تقديم ذهاب القذر ما سبق، وهذه نعمة من الله أن يستجاب للإنسان. قوله: (البقر أو الإبل) . الشك في إسحاق، وسياق الحديث يدل على أنه أعطي البقر. قوله: «فأتى الأعمى» . هذا هو الرجل الثالث في هذه القصة. قوله: «فأبصر به الناس» . لم يطلب بصرا حسنا كما طلبه صاحباه، وإنما طلب بصرا يبصر به الناس فقط، مما يدل على قناعته بالكفاية. قوله: «فرد الله إليه بصره» الظاهر أن بصره الذي كان معه من قبل هو ما يبصر به الناس فقط. قوله: (قال: الغنم) . هذا يدل على زهده كما يدل على أنه صاحب سكينة وتواضع؛ لأن السكينة في أصحاب الغنم. قوله: (شاة والدا) . قيل: إن المعنى قريبة الولادة، ويؤيده أن صاحبيه أعطيا أنثى حاملا، ولما يأتي من قوله: «فأنتج هذان وولد هذا» ، والشيء قد يسمى بالاسم القريب، فقد يعبر عن الشيء حاصلا وهو لم يحصل، لكنه قريب الحصول. قوله: «فأنتج هذان» . بالضم، وفيه رواية بالفتح: (فأنتج) ، وفي رواية: (فنتج هذان) . والأصل في اللغة في مادة (نتج) : أنها مبنية للمفعول، والإشارة إلى

стр. 3710

«فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم» . ــ صاحب الإبل والبقر، و (أنتج) ، أي: حصل لهما نتاج الإبل والبقر. قوله: (وولد هذا) . أي: صار لشاته أولاد، قالوا: والمنتج من أنتج، والناتج من نتج، والمولد من ولد، ومن تولى توليد النساء يقال له: القابلة، ومن تولى توليد غير النساء يقال له: منتج أو ناتج أو مولد. قوله: «فكان لهذا واد من الإبل» . مقتضى السياق أن يقول: فكان لذلك؛ لأنه أبعد المذكورين، لكنه استعمل الإشارة للقريب في مكان البعيد، وهذا جائز، وكذا العكس. قوله: (في صورته وهيئته) . الصورة في الجسم، والهيئة في الشكل واللباس، وهذا الفرق بينهما. قوله: (رجل مسكين) . خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أنا رجل مسكين، والمسكين: الفقير، وسمي الفقير مسكينا؛ لأن الفقر أسكنه وأذله، والغني في الغالب يكون عنده قوة وحركة. قوله: (وابن السبيل) . أي: مسافر سمي بذلك لملازمته للطريق، ولهذا سمي طير الماء ابن الماء لملازمته له غالبا، فكل شيء يلازم شيئا فإنه يصح أن يضاف إليه بلفظ البنوة. قوله: «انقطعت بي الحبال في سفري» . الحبال الأسباب، فالحبل يطلق على السبب وبالعكس، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥] ، ولأن الحبل سبب يتوصل به الإنسان إلى مقصوده كالرشاء يتوصل به الإنسان إلى الماء الذي في البئر.

стр. 3711

«قال: " ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، وقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا، فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر. فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت» . ــ قوله: «فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» . (لا) نافية للجنس، والبلاغ بمعنى الوصول، ومنه تبليغ الرسالة، أي: إيصالها إلى المرسل إليه، والمعنى: لا شيء يوصلني إلى أهلي إلا بالله ثم بك، فالمسألة فيها ضرورة. قوله: «أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن» . السؤال هنا ليس سؤال استخبار بل سؤال استجداء؛ لأن (سأل) تأتي بمعنى استجدى وبمعنى استخبر، تقول: سألته عن فلان، أي: استخبرته وسألته مالا، أي: استجديته واستعطيته، وإنما قال: «أسألك بالذي أعطاك» ، ولم يقل: أسألك بالله؛ لأجل أن يذكره بنعمة الله عليه، ففيه إغراء له على الإعانة لهذا المسكين؛ لأنه جمع بين أمرين: كونه مسكينا، وكونه ابن سبيل، ففيه سببان يقتضيان الإعطاء. قوله: (بعيرا) . يدل على أن الأبرص أعطي الإبل، وتعبير إسحاق (الإبل أو البقر) من باب ورعه. قوله: «أتبلغ به في سفري» . أي: ليس أطيب الإبل وإنما يوصلني إلى أهلي فقط.

стр. 3712

قوله: «الحقوق كثيرة» . أي: هذا المال الذي عندي متعلق به حقوق كثيرة، ليس من حقك أنت فقط، وتناسى - والعياذ بالله - أن الله هو الذي من عليه بالجلد الحسن واللون الحسن والمال. قوله: «كأني أعرفك» . كأن هناك للتحقيق لا للتشبيه؛ لأنها إذا دخلت على جامد فهي للتشبيه، وإذا دخلت على مشتق فهي للتحقيق أو للظن والحسبان، والمعنى: أني أعرفك معرفة تامة. قوله: «ألم تكن أبرص يقذرك الناس» ذكره الملك بنعمة الله عليه، وعرفه بما فيه من العيب السابق حتى يعرف قدر النعمة، والاستفهام للتقرير لدخوله على (لم) ، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . قوله: (كابرا عن كابر) . أنكر أن المال من الله، لكنه لم يستطع أن ينكر البرص. و (كابرا) منصوبة على نزع الخافض، أي: من كابر، أي: ممن يكبرني وهو الأب، عن كابر له وهو الجد، وقيل: المراد الكبر المعنوي، أي: إننا شرفاء وسادة وفي نعمة من الأصل، وليس هذا المال مما تجدد، واللفظ يحتمل المعنيين جميعا. قوله: «إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت» . (إن) : شرطية ولها مقابل، يعني: وإن كنت صادقا فأبقى الله عليك النعمة. فإن قيل: كيف يأتي بـ (إن) الشرطية الدالة على الاحتمال مع أنه يعرف أنه كاذب؟ أجيب: إن هذا من باب التنزل مع الخصم، والمعنى: إن كنت كما ذكرت عن نفسك، فأبقى الله عليك هذه النعمة، وإن كنت كاذبا وأنك لم ترثه كابرا عن كابر، فصيرك الله إلى ما كنت من البرص والفقر، ولم يقل: (إلى ما أقول) ؛ لأنه كان على ذلك بلا شك. والتنزل مع الخصم يرد كثيرا في الأمور المتيقنة، كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]

стр. 3713

قال: «وأتى الأقرع في صورته، وقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت» . ــ ومعلوم أنه لا نسبة، وأن الله خير مما يشركون، ولكن هذا من باب محاجة الخصم لإدحاض حجته. قوله: «وأتى الأقرع في صورته» . الفاعل الملك، وهنا قال: (في صورته) فقط، وفي الأول قال: (في صورته وهيئته) ، فالظاهر أنه تصرف من الرواة، وإلا فالغالب أن الصورة قريبة من الهيئة، وإن كانت الصورة تكون خلقة، والهيئة تكون تصنعا في اللباس ونحوه، وقد جاء في رواية البخاري: " في صورته وهيئته ". قوله: (فقال له مثل ما قال لهذا) المشار إليه الأبرص. قوله: (فرد عليه) . أي: الأقرع. قوله: «مثل ما رد عليه هذا» . أي: الأبرص. فكلا الرجلين - والعياذ بالله - غير شاكر لنعمة الله ولا معترف بها ولا راحم لهذا المسكين الذي انقطع به السفر. قوله: «فصيرك الله إلى ما كنت عليه» . أي: ردك الله إلى ما كنت عليه من القرع الذي يقذرك الناس به والفقر. قوله: «فرد الله علي بصري» . اعترف بنعمة الله، وهذا أحد أركان الشكر، والركن الثاني: العمل بالجوارح في طاعة المنعم، والركن الثالث: الاعتراف بالنعمة في القلب، قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا قوله: «فوالله، لا أجهدك بشيء أخذته لله» . الجهد: المشقة، والمعنى: لا

стр. 3714

قال: «وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاةً أتبلغ به في سفري. قال: قد كنت أعمى فرد الله عليَّ بصري. فخذ ما شئت فوالله؛ لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله فقال: أمسك مالك؛ فإنما ابتليتم؛ فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك» أخرجاه ــ أشق عليكم بمنع ولا منة، واعترافه بلسانه مطابق لما في قلبه، فيكون دالا على الشكر بالقلب بالتضمن. قوله: «خذ ما شئت ودع ما شئت» . هذا من باب الشكر بالجوارح، فيكون هذا الأعمى قد أتم أركان الشكر. قوله: " لله ". اللام للاختصاص، والمعنى لأجل الله، وهذا ظاهر في إخلاصه لله، فكل ما تأخذه لله فأنا لا أمنعك منه ولا أردك. قوله: " إنما ابتليتم ". أي: اختبرتم، والذي ابتلاهم هو الله - تعالى - وظاهر الحديث أن قصتهم مشهورة معلومة بين الناس؛ لأن قوله: " إنما ابتليتم " يدل على أن عنده علما بما جرى لصاحبيه وغالبا أن مثل هذه القصة تكون مشهورة بين الناس. قوله: «فقد رضي الله عنك» . يعني: لأنك شكرت نعمة الله بالقلب

стр. 3715

واللسان والجوارح. قوله: «وسخط على صاحبيك» . لأنهما كفرا نعمة الله - سبحانه، وأنكرا أن يكون الله منَّ عليهما بالشفاء والمال. وفي هذا الحديث من العبر شيء كثير، منها: ١. أن الرسول ﷺ يقص علينا أنباء بني إسرائيل لأجل الاعتبار والاتعاظ بما جرى وهو أحد الأدلة لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ولا شك أن هذه قاعدة صحيحة. ٢. بيان قدرة الله بإبراء الأبرص والأقرع والأعمى من هذه العيوب التي فيهم بمجرد مسح الملك لهم. ٣. أن الملائكة يتشكلون حتى يكونوا على صورة البشر، لقوله: «فأتى الأبرص في صورته» ، وكذلك الأقرع والأعمى لكن هذا - والله أعلم - ليس إليهم وإنما يتشكلون بأمر الله تعالى. ٤. أن الملائكة أجسام وليسوا أرواحا أو معاني أو قوى فقط. ٥. حرص الرواة على نقل الحديث بلفظه. ٦. أن الإنسان لا يلزمه الرضاء بقضاء الله - أي بالمقضِيِّ - لأن هؤلاء الذين أصيبوا قالوا: أحب إلينا كذا وكذا، وهذا يدل على عدم الرضا. وللإنسان عند المصائب أربع مقامات: - جزع، وهو محرم. - صبر، وهو واجب. - رضا، وهو مستحب. - شكر، وهو أحسن وأطيب. وهنا إشكال وهو: كيف يشكر الإنسان ربه على المصيبة وهي لا تلائمه؟
следующие страницы →