Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
«قال: " ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، وقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا، فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر. فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت» .
ــ
قوله: «فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» . (لا) نافية للجنس، والبلاغ بمعنى الوصول، ومنه تبليغ الرسالة، أي: إيصالها إلى المرسل إليه، والمعنى: لا شيء يوصلني إلى أهلي إلا بالله ثم بك، فالمسألة فيها ضرورة.
قوله: «أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن» .
السؤال هنا ليس سؤال استخبار بل سؤال استجداء؛ لأن (سأل) تأتي بمعنى استجدى وبمعنى استخبر، تقول: سألته عن فلان، أي: استخبرته وسألته مالا، أي: استجديته واستعطيته، وإنما قال: «أسألك بالذي أعطاك» ، ولم يقل: أسألك بالله؛ لأجل أن يذكره بنعمة الله عليه، ففيه إغراء له على الإعانة لهذا المسكين؛ لأنه جمع بين أمرين: كونه مسكينا، وكونه ابن سبيل، ففيه سببان يقتضيان الإعطاء.
قوله: (بعيرا) . يدل على أن الأبرص أعطي الإبل، وتعبير إسحاق (الإبل أو البقر) من باب ورعه.
قوله: «أتبلغ به في سفري» . أي: ليس أطيب الإبل وإنما يوصلني إلى أهلي فقط.
стр. 3712
قوله: «الحقوق كثيرة» . أي: هذا المال الذي عندي متعلق به حقوق كثيرة، ليس من حقك أنت فقط، وتناسى - والعياذ بالله - أن الله هو الذي من عليه بالجلد الحسن واللون الحسن والمال.
قوله: «كأني أعرفك» . كأن هناك للتحقيق لا للتشبيه؛ لأنها إذا دخلت على جامد فهي للتشبيه، وإذا دخلت على مشتق فهي للتحقيق أو للظن والحسبان، والمعنى: أني أعرفك معرفة تامة.
قوله: «ألم تكن أبرص يقذرك الناس» ذكره الملك بنعمة الله عليه، وعرفه بما فيه من العيب السابق حتى يعرف قدر النعمة، والاستفهام للتقرير لدخوله على (لم) ، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .
قوله: (كابرا عن كابر) . أنكر أن المال من الله، لكنه لم يستطع أن ينكر البرص.
و (كابرا) منصوبة على نزع الخافض، أي: من كابر، أي: ممن يكبرني وهو الأب، عن كابر له وهو الجد، وقيل: المراد الكبر المعنوي، أي: إننا شرفاء وسادة وفي نعمة من الأصل، وليس هذا المال مما تجدد، واللفظ يحتمل المعنيين جميعا.
قوله: «إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت» . (إن) : شرطية ولها مقابل، يعني: وإن كنت صادقا فأبقى الله عليك النعمة.
فإن قيل: كيف يأتي بـ (إن) الشرطية الدالة على الاحتمال مع أنه يعرف أنه كاذب؟
أجيب: إن هذا من باب التنزل مع الخصم، والمعنى: إن كنت كما ذكرت عن نفسك، فأبقى الله عليك هذه النعمة، وإن كنت كاذبا وأنك لم ترثه كابرا عن كابر، فصيرك الله إلى ما كنت من البرص والفقر، ولم يقل: (إلى ما أقول) ؛ لأنه كان على ذلك بلا شك.
والتنزل مع الخصم يرد كثيرا في الأمور المتيقنة، كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]
стр. 3713
قال: «وأتى الأقرع في صورته، وقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت» .
ــ
ومعلوم أنه لا نسبة، وأن الله خير مما يشركون، ولكن هذا من باب محاجة الخصم لإدحاض حجته.
قوله: «وأتى الأقرع في صورته» . الفاعل الملك، وهنا قال: (في صورته) فقط، وفي الأول قال: (في صورته وهيئته) ، فالظاهر أنه تصرف من الرواة، وإلا فالغالب أن الصورة قريبة من الهيئة، وإن كانت الصورة تكون خلقة، والهيئة تكون تصنعا في اللباس ونحوه، وقد جاء في رواية البخاري: " في صورته وهيئته ".
قوله: (فقال له مثل ما قال لهذا) المشار إليه الأبرص.
قوله: (فرد عليه) . أي: الأقرع.
قوله: «مثل ما رد عليه هذا» . أي: الأبرص.
فكلا الرجلين - والعياذ بالله - غير شاكر لنعمة الله ولا معترف بها ولا راحم لهذا المسكين الذي انقطع به السفر.
قوله: «فصيرك الله إلى ما كنت عليه» . أي: ردك الله إلى ما كنت عليه من القرع الذي يقذرك الناس به والفقر.
قوله: «فرد الله علي بصري» . اعترف بنعمة الله، وهذا أحد أركان الشكر، والركن الثاني: العمل بالجوارح في طاعة المنعم، والركن الثالث: الاعتراف بالنعمة في القلب، قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
قوله: «فوالله، لا أجهدك بشيء أخذته لله» . الجهد: المشقة، والمعنى: لا
стр. 3714
قال: «وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاةً أتبلغ به في سفري. قال: قد كنت أعمى فرد الله عليَّ بصري. فخذ ما شئت فوالله؛ لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله فقال: أمسك مالك؛ فإنما ابتليتم؛ فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك» أخرجاه
ــ
أشق عليكم بمنع ولا منة، واعترافه بلسانه مطابق لما في قلبه، فيكون دالا على الشكر بالقلب بالتضمن.
قوله: «خذ ما شئت ودع ما شئت» . هذا من باب الشكر بالجوارح، فيكون هذا الأعمى قد أتم أركان الشكر.
قوله: " لله ". اللام للاختصاص، والمعنى لأجل الله، وهذا ظاهر في إخلاصه لله، فكل ما تأخذه لله فأنا لا أمنعك منه ولا أردك.
قوله: " إنما ابتليتم ". أي: اختبرتم، والذي ابتلاهم هو الله - تعالى - وظاهر الحديث أن قصتهم مشهورة معلومة بين الناس؛ لأن قوله: " إنما ابتليتم " يدل على أن عنده علما بما جرى لصاحبيه وغالبا أن مثل هذه القصة تكون مشهورة بين الناس.
قوله: «فقد رضي الله عنك» . يعني: لأنك شكرت نعمة الله بالقلب
стр. 3715
واللسان والجوارح.
قوله: «وسخط على صاحبيك» . لأنهما كفرا نعمة الله - سبحانه، وأنكرا أن يكون الله منَّ عليهما بالشفاء والمال.
وفي هذا الحديث من العبر شيء كثير، منها:
١. أن الرسول ﷺ يقص علينا أنباء بني إسرائيل لأجل الاعتبار والاتعاظ بما جرى وهو أحد الأدلة لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ولا شك أن هذه قاعدة صحيحة.
٢. بيان قدرة الله بإبراء الأبرص والأقرع والأعمى من هذه العيوب التي فيهم بمجرد مسح الملك لهم.
٣. أن الملائكة يتشكلون حتى يكونوا على صورة البشر، لقوله: «فأتى الأبرص في صورته» ، وكذلك الأقرع والأعمى لكن هذا - والله أعلم - ليس إليهم وإنما يتشكلون بأمر الله تعالى.
٤. أن الملائكة أجسام وليسوا أرواحا أو معاني أو قوى فقط.
٥. حرص الرواة على نقل الحديث بلفظه.
٦. أن الإنسان لا يلزمه الرضاء بقضاء الله - أي بالمقضِيِّ - لأن هؤلاء الذين أصيبوا قالوا: أحب إلينا كذا وكذا، وهذا يدل على عدم الرضا. وللإنسان عند المصائب أربع مقامات:
- جزع، وهو محرم.
- صبر، وهو واجب.
- رضا، وهو مستحب.
- شكر، وهو أحسن وأطيب.
وهنا إشكال وهو: كيف يشكر الإنسان ربه على المصيبة وهي لا تلائمه؟
стр. 3716
أجيب: أن الإنسان إذا آمن بما يترتب على هذه المصيبة من الأجر العظيم عرف أنها تكون بذلك نعمة، والنعمة تشكر.
وأما قوله ﷺ : «فمن رضي فله الرضا، ومن سخط، فعليه السخط» ، فالمراد بالرضا هنا الصبر، أو الرضا بأصل القضاء الذي هو فعل الله، فهذا يجب الرضا به لأن الله حكيم ففرق بين فعل الله والمقضي.
والمقضي ينقسم إلى مصائب لا يلزم الرضا بها، وإلى أحكام شرعية يجب الرضا بها.
٧ - جواز الدعاء المعلق، لقوله: «إن كنت كاذبا، فصيرك الله إلى ما كنت» ، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] ، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] وفي دعاء الاستخارة " اللهم إن كنت تعلم ... إلخ ".
٨ - جواز التنزل مع الخصم فيما لا يقر به الخصم المتنزل لأجل إفحام الخصم؛ لأن الملك يعلم أنه كاذب، ولكن بناء على قوله: إن هذا ما حصل، وإن المال ورثه كابرا عن كابر، وقد سبق بيان وروده في القرآن، ومنه أيضا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] ومعلوم أن الرسول ﷺ وأصحابه على هدى وأولئك على ضلال، ولكن هذا من باب التنزل معهم من باب العدل.
٩ - أن بركة الله لا نهاية لها، ولهذا كان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.
١٠ - هل يستفاد منه أن دعاء الملائكة مستجاب أو أن هذه قضية عين؟
стр. 3717
الظاهر أنه قضية عين، وإلا، لكان الرجل إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، وقال الملك: آمين ولك بمثله، علمنا أن الدعاء قد استجيب.
١١ - بيان أن شكر كل نعمة بحسبها، فشكر نعمة المال أن يبذل في سبيل الله، وشكر نعمة العلم أن يبذل لمن سأله بلسان الحال أو المقال، والشكر الأعم أن يقوم بطاعة المنعم في كل شيء. ونظير هذا ما مر أن التوبة من كل ذنب بحسبه، لكن لا يستحق الإنسان وصف التوبة المطلق إلا إذا تاب من جميع الذنوب. ١٢ - جواز التمثيل، وهو أن يتمثل الإنسان بحال ليس هو عليها في الحقيقة، مثل أن يأتي بصورة مسكين وهو غني وما أشبه ذلك إذا كان فيه مصلحة وأراد أن يختبر إنسانا بمثل هذا، فله ذلك.
١٣ - أن الابتلاء قد يكون عاما وظاهرا يؤخذ من قوله: «فإنما ابتليتم» ، وقصتهم مشهورة كما سبق.
١٤ - فضيلة الورع والزهد، وأنه قد يجر صاحبه إلى ما تحمد عقباه؛ لأن الأعمى كان زاهدا في الدنيا، فكان شاكرا لنعمة الله.
١٥ - ثبوت الإرث في الأمم السابقة، لقوله: «ورثته كابرا عن كابر» .
١٦ - أن من صفات الله الرضا والسخط والإرادة، وأهل السنة والجماعة يثبتونها على المعنى اللائق بالله على أنها حقيقة.
وإرادة الله نوعان: كونية، وشرعية.
والفرق بينهما أن الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبا لله، فإذا أراد الله شيئا قال له كن فيكون.
وأما الشرعية: فإنه لا يلزم فيه وقوع المراد ويلزم أن يكون محبوبا لله، ولهذا نقول: الإرادة الشرعية بمعنى المحبة والكونية بمعنى المشيئة، فإن قيل: هل
стр. 3718
الله يريد الخير والشر كونا أو شرعا؟
أجيب: إن الخير إذا وقع، فهو مراد لله كونا وشرعا، وإذا لم يقع، فهو مراد لله شرعا فقط، وأما الشر فإذا وقع، فهو مراد لله كونا لا شرعا وإذا لم يقع، فهو غير مراد كونا ولا شرعا، واعلم أن الشر لا ينسب إلى فعل الله - سبحانه - ولكن إلى مخلوقات الله، فكل فعل الله تعالى خير؛ لأنه صادر عن حكمة ورحمة، ولهذا قال النبي ﷺ : «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك» وأما مخلوقات الله، ففيها خير وشر.
وإثبات صفة الرضا لله - سبحانه - لا يقتضي انتفاء صفة الحكمة، بخلاف رضا المخلوق، فقد تنتفي معه الحكمة، فإن الإنسان إذا رضي عن شخص مثلا فإن عاطفته قد تحمله على أن يرضى عنه في كل شيء ولا يضبط نفسه في معاملته لشدة رضاه عنه، قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
لكن رضا الله مقرون بالحكمة، كما أن غضب الخالق ليس كغضب المخلوق، فلا تنتفي الحكمة مع غضب الخالق، بخلاف غضب المخلوق، فقد يخرجه عن الحكمة فيتصرف بما لا يليق لشدة غضبه.
ومن فسر الرضا بالثواب أو إرادته، فتفسيره مردود عليه، فإنه إذا قيل: إن معنى " رضي "، أي: أراد أن يثيب، فمقتضاه أنه لا يرضى، ولو قالوا: لا يرضى لكفروا، لأنهم نفوها نفي جحود، لكن أولوها تأويلا يستلزم جواز نفي الرضا؛ لأن المجاز معناه نفي الحقيقة، وهذا أمر خطير جدا.
ولهذا بين شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أنه لا مجاز في القرآن ولا
стр. 3719
ــ
في اللغة، خلافا لمن قال: كل شيء في اللغة مجاز.
١٧ - أن الصحابة تطلق على المشاكلة في شيء من الأشياء ولا يلزم منها المقارنة، لقوله: «وسخط على صاحبيك» ، فالصاحب هنا: من يشبه حاله في أن الله أنعم عليه بعد البؤس.
١٨ - اختبار الله بما أنعم عليهم به.
١٩ - أن التذكير قد يكون بالأقوال أو الأفعال أو الهيئات.
٢٠ - أنه يجوز للإنسان أن ينسب لنفسه شيئا لم يكن من أجل الاختبار، لقول الملك: إنه فقير وابن سبيل.
٢١ - أن هذه القصة كانت معروفة مشهورة، لقوله: «فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك» .
стр. 3720
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية. الثانية: معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ .
الثالثة: ما معنى قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ . الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية. وهي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ ، وقد سبق أن الضمير في قوله: ﴿أَذَقْنَاهُ﴾ يعود على الإنسان باعتبار الجنس.
الثانية: ما معنى ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ اللام للاستحقاق، والمعنى: إني حقيق به وجدير به.
الثالثة: ما معنى قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ . وقد سبق بيان ذلك.
الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة. وقد سبق ذكر عبر كثيرة منها، وهذا ليس استيعابا، ومن ذلك الفرق بين الأبرص والأقرع والأعمى، فإن الأبرص والأقرع جحدا نعمة الله .
والأعمى اعترف بنعمة الله، عندما طلب الملك من الأعمى المساعدة، قال: «خذ ما شئت» فدل هذا على جوده وإخلاصه؛ لأنه قال: " فوالله، لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله " بخلاف الأبرص والأقرع حيث كانوا أشحاء بخلاء منكرين نعمة الله .
стр. 3721
باب قول الله تعالى:
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [ الأعراف: ١٩٠] .
ــ
قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا﴾ . الضمير يعود على ما سبق من النفس وزوجها، ولهذا ينبغي أن يكون الشرح من قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ .
قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فيها قولان:
الأول: أن المراد بالنفس الواحدة: العين الواحدة، أي: من شخص معين، وهو آدم ﵇، وقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ، أي حواء؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم.
الثاني: أن المراد بالنفس الجنس، وجعل من هذا الجنس زوجه، ولم يجعل زوجه من جنس آخر، والنفس قد يراد بها الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] أي: من جنسهم.
قوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ سكون الرجل إلى زوجته ظاهر من أمرين:
أولهما: لأن بينهما من المودة والرحمة ما يقتضي الأنس والاطمئنان والاستقرار.
ثانيا: سكون من حيث الشهوة، وهذا سكون خاص لا يوجد له نظير حتى بين الأم وابنها.
وقوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ تعليل لكونها من جنسه أو من النفس المعينة.
قوله: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي: جامعها، وعبارة القرآن والسنة التكنية عن
стр. 3722
الجماع، قال تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] وقال: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وقال تعالى ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء٢١] كأن الاستحياء من ذكره بصريح اسمه أمر فطري، ولأن الطباع السليمة تكره أن تذكر هذا الشيء باسمه إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، فإنه قد يصرح به، كما في قول الرسول ﷺ لماعز وقد أقرَّ عنده بالزنى «أنكتها لا يكني» ؛ لأن الحاجة هنا داعية للتصريح حتى يتبين الأمر جليا، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وتشبيه علو الرجل المرأة بالغشيان أمر ظاهر، كما أن الليل يستر الأرض بظلامه، قال تعالى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] وعبر بقوله ﴿تَغَشَّاهَا﴾ ولم يقل: غشيها؛ لأن تغشى أبلغ، وفيه شيء من المعالجة، ولهذا جاء في الحديث: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها» ، والجلوس بين شعبها الأربع هذا غشيان، " جهدها " هذا تَغَشَّى.
قوله: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ . الحمل في أوله خفيف: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.
قوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ . المرور بالشيء تجاوزه من غير تعب ولا إعياء، والمعنى تجاوزت هذا الحمل الخفيف من غير تعب ولا إعياء.
قوله: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ . الإثقال في آخر الحمل.
قوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ﴾ ولم يقل: دعيا؛ لأن الفعل واوي، فعاد إلى أصله.
стр. 3723
قوله ﴿اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ أتى بالألوهية والربوبية؛ لأن الدعاء يتعلق به جانبان:
الأول: جانب الألوهية من جهة العبد أنه داع، والدعاء عبادة.
الثاني: جانب الربوبية؛ لأن في الدعاء تحصيلا للمطلوب، وهذا يكون متعلقا بالله من حيث الربوبية.
والظاهر أنهما قالا: اللهم ربنا، ويحتمل أن يكون بصيغة أخرى.
قوله ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي أعطيتنا.
وقوله: ﴿صَالِحًا﴾ هل المراد صلاح البدن أو المراد صلاح الدين، أي: لئن آتيتنا بشرا سويا ليس فيه عاهة لا نقص، أو صالحا بالدين، فيكون تقيا قائما بالواجبات؟
الجواب: يشمل الأمرين جميعا، وكثير من المفسرين لم يذكر إلا الأمر الأول، وهو الصلاح البدني، لكن لا مانع من أن يكون شاملا للأمرين جميعا.
قوله: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ، أي: من القائمين بشكرك على الولد الصالح.
والجملة هنا جواب قسم وشرط، قسم متقدم وشرط متأخر، والجواب فيه للقسم ولهذا جاء مقرونا باللام: لنكونن.
قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ هنا حصل المطلوب، لكن لم يحصل الشكر الذي وعد الله به، بل جعلا له شركاء فيما آتاهما.
وقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ هذا هو جواب " لما ".
والجواب متعقب للشرط وهذا يدل على أن الشرك منهما حصل حين إتيانه وهو صغير، ومثل هذا لا يعرف أيصلح في دينه في المستقبل أم لا يصلح؟ ولهذا كان أكثر المفسرين على أن المراد بالصلاح الصلاح البدني.
стр. 3724
فمعاهدة الإنسان ربه أن يفعل العبادة مقابل تفضل الله عليه بالنعمة الغالب أنه لا يفي بها؛ ففي سورة التوبة قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦] وفي هذه الآية قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ فكانا من المشركين لا من الشاكرين، وبهذا نعرف الحكمة من نهي - النبي ﷺ عن النذر وقال: «إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل» وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى تحريم النذر، وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يميل إلى تحريم النذر؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عنه ونفى أنه يأتي بخير.
إذًا ما الذي نستفيد من أمر نهى عنه الرسول ﷺ وقال: إنه لا يأتي بخير.
الجواب: لا نستفيد إلا المشقة على أنفسنا وإلزام أنفسنا بما نحن منه في عافية، ولهذا، فالقول بتحريم النذر قول قوي جدا، ولا يعرف مقدار وزن هذا القول إلا من عرف أسئلة الناس وكثرتها ورأى أنهم يذهبون إلى كل عالم لعلهم يجدون خلاصا مما نذروا.
فإن قيل: هذا الولد الذي آتاهما الله كان واحدا؛ فكيف جعلا في هذا الولد الواحد شركا بل شركاء؟
فالجواب أن نقول هذا على ثلاثة أوجه:
стр. 3725
الوجه الأول: أن يعتقد بأن هذا الذي أتى بهذا الولد هو الولي الفلاني والصالح الفلاني ونحو ذلك؛ فهذا شرك أكبر، لأنهما أضافا الخلق إلى غير الله.
ومن هذا ما يوجد أيضا عند بعض الأمم الإسلامية الآن، فتجد المرأة التي لا يأتيها الولد تأتي إلى قبر الولي الفلاني، كما يزعمون أنه ولي الله -والله أعلم بولايته - فتقول: يا سيدي فلان ارزقني ولدا.
الوجه الثاني: أن يضيف سلامة المولود ووقايته إلى الأطباء وإرشاداتهم وإلى القوابل وما أشبه ذلك فيقولون مثلا: سلم هذا الولد من الطلق؛ لأن القابلة امرأة متقنة جيدة، فهنا أضاف النعمة إلى غير الله، وهذا نوع من الشرك ولا يصل إلى حد الشرك الأكبر؛ لأنه أضاف النعمة إلى السبب ونسي المسبب وهو الله .
الوجه الثالث: أن لا يشرك من ناحية الربوبية بل يؤمن أن هذا الولد خرج سالما بفضل الله ورحمته، ولكن يشرك من ناحية العبودية، فيقدم محبته على محبة الله ورسوله ويلهيه عن طاعة الله ورسوله قال تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] فكيف تجعل هذا الولد ندا لله في المحبة وربما قدمت محبته على محبة الله، والله هو المتفضل عليك به؟ !
وفي قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا﴾ نقد لاذع أن يجعلا في هذا الولد شريكا مع الله، مع أن الله هو المتفضل به، ثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: ترفع وتقدس عما يشركون به من هذه الأصنام وغيرها.
ومن تأويل الآية وحدها دالة على أن قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: من جنس واحد، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه،
стр. 3726
ويكون السياق فيهما جاريا على الأسلوب العربي الفصيح الذي له نظير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: الآية١٦٤] أي: من جنسهم، وبهذا التفسير الواضح البين يسلم الإنسان من إشكالات كثيرة.
أما على القول الثاني بأن المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: آدم، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] حواء، فيكون معنى الآية خلقكم من آدم وحواء.
فلما جامع حواء حملت حملا خفيفا، فمرت به، فلما أثقلت دعوا -أي آدم وحواء - الله ربهما ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ فأشرك آدم وحواء بالله، لكن قالوا: إنه إشراك طاعة لا إشراك عبادة ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، وهذا التفسير منطبق على المروي عن ابن عباس ﵁، وسنبين إن شاء الله تعالى وجه ضعفه وبطلانه.
وهناك قول ثالث: أن المراد بقوله تعالى ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: آدم وحواء ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ انتقل من العين إلى النوع أي: من آدم إلى النوع الذي هم بنوه، أي: فلما تغشى الإنسان الذي تسلل من آدم وحواء زوجته ... إلخ، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالجمع ولم يقل عما يشركان، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] أي جعلنا الشهب الخارجة منها رجوما للشياطين وليست المصابيح نفسها، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣] أي جعلناه بالنوع،
стр. 3727
قال ابن حزم: " اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمرو وعبد الكعبة وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب ".
ــ
وعلى هذا فأول الآية في آدم وحواء، ثم صار الكلام من العين إلى النوع.
وهذا التفسير له وجه، وفيه تنزيه آدم وحواء من الشرك، لكن فيه شيء من الركاكة لتشتت الضمائر.
وأما قوله تعالى ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، فجمع لأن المراد بالمثنى اثنان من هذا الجنس، فصح أن يعود الضمير إليهما مجموعا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] ولم يقل: اقتتلتا؛ لأن الطائفتين جماعة.
قوله: " اتفقوا " أي: أجمعوا والإجماع أحد الأدلة الشرعية التي ثبتت بها الأحكام، والأدلة هي: الكتاب، والسنة والإجماع، والقياس.
قوله: " وما أشبه ذلك " مثل: عبد الحسين، وعبد الرسول، وعبد المسيح، وعبد علي.
وأما قوله ﷺ : «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم» ... " الحديث، فهذا وصف وليس علما، فشبه المنهمك بمحبة هذه الأشياء المقدم لها على ما يرضي الله بالعابد لها، كقولك: عابد الدينار، فهو وصف، فلا يعارض الإجماع.
стр. 3728
ــ
قوله: " حاشا عبد المطلب " حاشا الاستثنائية إذا دخلت عليها (ما) وجب نصب ما بعدها، وإلا جاز فيه النصب والجر.
وبالنسبة لعبد المطلب مستثنى من الإجماع على تحريمه، فهو مختلف فيه، فقال بعض أهل العلم: لا يمكن أن نقول بالتحريم والرسول ﷺ قال:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
فالنبي ﷺ لا يفعل حراما، فيجوز أن يعبد للمطلب إلا إذا وجد ناسخ، وهذا تقرير ابن حزم ﵀ ولكن الصواب تحريم التعبيد للمطلب، فلا يحوز لأحد أن يسمي ابنه عبد المطلب، وأما قوله ﷺ : «أنا ابن عبد المطلب» ، فهو من باب الإخبار وليس من باب الإنشاء، فالنبي ﷺ أخبر أن له جدا اسمه عبد المطلب، ولم يرد عنه ﷺ أنه سمَّى عبد المطلب، أو أنه أذن لأحد صحابته بذلك، ولا أنه أقر أحدا على تسميته عبد المطلب، والكلام في الحكم لا في الإخبار، وفرق بين الإخبار وبين الإنشاء والإقرار، ولهذا قال النبي ﷺ : «إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد» ، وقال ﷺ : «يا بني عبد مناف» ولا يجوز التسمي بعبد مناف.
وقد قال العلماء: إن حاكي الكفر ليس بكافر، فالرسول ﷺ يتكلم عن
стр. 3729
وعن ابن عباس في الآية، قال: لما تغشاها آدم، حملت، فأتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك، فيشقه، ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعانه، فخرج ميتا.
ــ
شيء قد وقع وانتهى ومضى فالصواب أنه لا يجوز أن يتعبد لغير الله مطلقا لا بعبد المطلب ولا غيره، وعليه، فيكون التعبد لغير الله من الشرك.
قوله: " إبليس ". على وزن إفعيل، فقيل: من إبليس إذا يئس؛ لأنه يئس من رحمة الله تعالى.
قوله: " لتطيعانني " جملة قسمية، أي: والله لتطيعاني.
قوله: (أيل) هو ذكر الأوعال.
قوله (سمياه عبد الحارث) اختار هذا الاسم؛ لأنه اسمه فأراد أن يعبداه لنفسه.
قوله: (فخرج ميتا) لم يحصل التهديد الأول، ويجوز أن يكون من جملة: (ولأفعلن) ، ولأنه قال: (ولأخرجنه ميتا) .
قوله: " شركاء في طاعته " أي: أطاعاه فيما أمرهما به، لا في العبادة لكن عبَّدا الولد لغير الله، وفرق بين الطاعة والعبادة، فلو أن أحدا أطاع شخصا في معصية لله لم يجعله شريكا مع الله في العبادة، لكن أطاعه في معصية الله.
قوله " أشفقا أن لا يكون إنسانا " أي: خاف آدم وحواء أن يكون حيوانا أو جنيا أو غير ذلك.
стр. 3730
ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم.
وله بسند صحيح عن قتادة، قال: (شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته) . .
ــ
قوله (وذكر معناه عن الحسن) ٠ لكن الصحيح أن الحسن ﵀ قال: إن المراد بالآية غير آدم وحواء، وإن المراد بها المشركون من بني آدم كما ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في " تفسيره " وقال: " أما نحن، فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته " اهـ.
وهذه القصة باطلة من وجوه:
الوجه الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي ﷺ ، وهذا من الأخبار التي لا تُتَلَقَّى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة.
الوجه الثاني: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء، لكان حالهما إما
стр. 3731
وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال " أشفقا أن لا يكون إنساناً " وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. .
ــ
أن يتوبا من الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه، كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة:
إذا ما ذكرنا آدما وفعاله ... وتزويجه بنتيه بابنيه بالخنا
علمنا بأن الخلق من نسل فاجر ... وأن جميع الناس من عنصر الزنا
فمن جوز موت أحد من الأنبياء على الشرك فقد أعظم الفرية، وإن كان تابا من الشرك، فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أن يذكر خطأهما ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ولم يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة وزوجه وتابا من ذلك.
الوجه الثالث: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء.
الوجه الرابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية، ولو وقع منه الشرك، لكان اعتذاره به أقوى وأولى وأحرى. /.
стр. 3732
ــ
الوجه الخامس: أن في هذه القصة أن الشيطان جاء إليهما وقال: " أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة "، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال: " أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة "، فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما، فلا يقبلان منه صرفا ولا عدلا.
الوجه السادس: أن في قوله في هذه القصة: " لأجعلن له قرني أيل ": إما أن يصدقا أن ذلك ممكن في حقه، فهذا شرك في الربوبية لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، أو لا يصدقا، فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه.
الوجه السابع: قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بضمير الجمع، ولو كان آدم وحواء، لقال عما يشركان فهذه الوجوه تدل على أن هذه القصة باطلة من أساسها، وأنه لا يجوز أن يعتقد في آدم وحواء أن يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال، والأنبياء منزهون عن الشرك مبرؤون منه باتفاق أهل العلم، وعلى هذا، فيكون تفسير الآية كما أسلفنا أنها عائدة إلى بني آدم الذي أشركوا شركا حقيقيا، فإن منهم مشركا ومنهم موحدا.
стр. 3733
فيه مسائل:
الأولى: تحريم كل اسم معبد لغير الله.
ــ
فيه مسائل:
الأولى تحريم كل اسم معبد لغير الله. تؤخذ من الإجماع على ذلك، والإجماع الأصل الثالث من الأصول التي يعتمد عليها في الدين، والصحيح أنه ممكن وأنه حجة إذا حصل لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٨] و" إن " هذه شرطية لا تدل على وقوع التنازع، بل إن فرض ووقع، فالمردُّ إلى الله ورسوله، فعلم منه أننا إذا أجمعنا فهو حجة.
لكن ادعاء الإجماع يحتاج إلى بينة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة، ولما قيل للإمام أحمد: إن فلانا يقول: أجمعوا على كذلك، أنكر ذلك وقال: وما يدريه لعلهم اختلفوا، فمن ادعى الإجماع، فهو كاذب.
ولعل الإمام أحمد قال ذلك؛ لأن المعتزلة وأهل التعطيل كانوا يتذرعون إلى إثبات تعطيلهم وشبههم بالإجماع، فيقولون: هذا إجماع المحققين، وما أشبه ذلك.
وقد سبق أن الصحيح أنه لا يجوز التعبيد للمطلب، وأن قول الرسول ﷺ : " أنا ابن عبد المطلب " أنه من قبيل الإخبار وليس إقرارًا ولا إنشاءً، والإنسان له أن ينتسب إلى أبيه وإن كان معبدًا لغير الله، وقد قال النبي ﷺ :
стр. 3734
الثانية: تفسير الآية. الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها. الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم.
ــ
«يا بني عبد مناف» ، وهذا تعبيد لغير الله لكنه من باب الإخبار.
الثانية: تفسير الآية.
يعني قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ الآية، وسبق تفسيرها.
الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها.
وهذا بناء على ما ذكر عن ابن عباس ﵄ في تفسير الآية، والصواب: أن هذا الشرك حق حقيقة، وأنه شرك من إشراك بني آدم من آدم وحواء، ولهذا قال تعالى في الآية نفسها: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ، فهذا الشرك الحقيقي الواقع من بني آدم.
الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم. هذا بناء على ثبوت القصة، وأن المراد بقوله: " صالحا "، أي: بشرا سويا، وأتى المؤلف بالبنت دون الولد؛ لأن بعض الناس يرون أن هبة البنت من النقم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] ، وإلا، فهبة الولد الذكر السوي من باب النعم أيضا، بل هو أكبر نعمة من هبة الأنثى وإن كانت هبة البنت بها أجر عظيم فيمن كفلها ورباها وقام عليها.
стр. 3735
الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة.
ــ
الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة.
وقبل ذلك نبين الفرق بين الطاعة وبين العبادة، فالطاعة إذا كانت منسوبة لله فلا فرق بينها وبين العبادة، فإن عبادة الله طاعته.
وأما الطاعة المنسوبة لغير الله، فإنها غير العبادة، فنحن نطيع الرسول ﷺ لكن لا نعبده، والإنسان قد يطيع ملكا من ملوك الدنيا وهو يكرهه.
فالشرك بالطاعة: أنني أطعته لا حبا وتعظيما وذلا كما أحب الله وأتذلل له وأعظمه، ولكن طاعته اتباع لأمره فقط، هذا هو الفرق.
وبناء على القصة، فإن آدم وحواء أطاعا الشيطان ولم يعبداه عبادة، وهذا مبني على صحة القصة.
стр. 3736
باب قول الله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الآية [الأعراف: ١٨٠] .
ــ
هذا الباب يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن هذا الكتاب جامع لأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد العبادة، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بما ثبت له من صفات الكمال على وجه الحقيقة بلا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل لأنك إذا عطلت لم تثبت، وإن مثلت لم توحد، والتوحيد مركب من إثبات ونفي، أي: إثبات الحكم للموحد ونفيه عما عداه، فمثلا إذا قلت: زيد قائم، لم توحده بالقيام، وإذا قلت: زيد غير قائم، لم تثبت له القيام، وإذا قلت: لا قائم إلا زيد، وحدته بالقيام.
وإذا قلت: لا إله إلا الله، وحدته بالألوهية، وإذا أثبت لله الأسماء والصفات دون أن يماثله أحد، فهذا هو توحيد الأسماء والصفات، وإن نفيتها عنه، فهذا تعطيل، وإن مثلت، فهذا إشراك.
قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ .
طريق التوحيد هنا تقديم الخبر لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، ففي الآية توحيد الأسماء لله.
وقوله: ﴿الْحُسْنَى﴾ مؤنث أحسن، فهي اسم تفضيل، ومعنى الحسنى؛
стр. 3737
أي: البالغة في الحسن أكمله؛ لأن اسم التفضيل يدل على هذا، والتفضيل هنا مطلق؛ لأن اسم التفضيل قد يكون مطلقا مثل: زيد الأفضل، وقد يكون مقيدا مثل: زيد أفضل من عمرو.
وهنا التفضيل مطلق؛ لأنه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ .
فأسماء الله تعالى بالغة في الحسن أكمله من كل وجه، ليس فيها نقص لا فرضا ولا احتمالا.
وما يخبر به عن الله أوسع مما يُسمَّى به الله؛ لأن الله يخبر عنه بالشيء ويخبر عنه بالمتكلم والمريد، مع أن الشيء لا يتضمن مدحا والمتكلم والمريد يتضمنان مدحا من وجه وغير مدح من وجه، ولا يسمى الله بذلك، فلا يسمى بالشيء ولا بالمتكلم ولا بالمريد، لكن يخبر بذلك عنه.
وقد سبق لنا مباحث قيمة في أسماء الله تعالى:
الأول: هل أسماء الله تعالى أعلام أو أوصاف؟
الثاني: هل أسماء الله مترادفة أو متباينة؟
الثالث: هل أسماء الله هي الله أو غيره؟
الرابع: أسماء الله توقيفية.
الخامس: أسماء الله غير محصورة بعدد معين.
السادس: أسماء الله إذا كانت متعدية، فإنه يجب أن تؤمن بالاسم والصفة وبالحكم الذي يسمى أحيانا بالأثر، وإن كانت غير متعدية، فإنه يجب أن تؤمن بالاسم والصفة.
السابع: إحصاء أسماء الله معناه:
١ - الإحاطة بها لفظا ومعنى.
стр. 3738
٢ - دعاء الله بها، لقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ، وذلك بأن تجعلها وسيلة لك عند الدعاء، فتقول: يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! وما أشبه ذلك.
٣ - أن تتعبد لله بمقتضاها، فإذا علمت أنه رحيم تتعرض لرحمته وإذا علمت أنه غفور تتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه سميع اتقيت القول الذي يغضبه، وإذا علمت أنه بصير اجتنبت الفعل الذي لا يرضاه.
قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . الدعاء هو السؤال، والدعاء قد يكون بلسان المقال، مثل: اللهم! اغفر لي يا غفور وهكذا، أو بلسان الحال وذلك بالتعبد له، ولهذا قال العلماء: إن الدعاء دعاء مسألة ودعاء عبادة؛ لأن حقيقة الأمر أن المتعبد يرجو بلسان حاله رحمة الله ويخاف عقابه.
والأمر بدعاء الله بها يتضمن الأمر بمعرفتها؛ لأنه لا يمكن دعاء الله بها إلا بعد معرفتها.
وهذا خلافا لما قاله بعض المداهنين في وقتنا الحاضر: إن البحث في الأسماء والصفات لا فائدة فيه ولا حاجة إليه.
أيريدون أن يعبدوا شيئا لا أسماء له ولا صفات؟ !
أم يريدون أن يداهنوا هؤلاء المحرفين حتى لا يحصل جدل ولا مناظرة معهم؟ !
وهذا مبدأ خطير أن يقال للناس لا تبحثوا في الأسماء والصفات، مع أن الله أمرنا بدعائه بها، والأمر للوجوب، ويقتضي وجوب علمنا بأسماء الله، ومعلوم أيضا أننا لا نعلمها أسماء مجردة عن المعاني، بل لا بد أن لها معاني فلا بد أن نبحث فيها؛ لأن علمها ألفاظا مجردة لا فائدة فيه، وإن قدر أن فيه فائدة بالتعبد باللفظ، فإنه لا يحصل به كمال الفائدة.
واعلم أن دعاء الله بأسمائه له معنيان:
стр. 3739
الأولى: دعاء العبادة، وذلك بأن تتعبد لله بما تقتضيه تلك الأسماء، ويطلق على الدعاء عبادة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] ، ولم يقل: عن دعائي، فدل على أن الدعاء عبادة.
فمثلا: الرحيم يدل على الرحمة، وحينئذ تتطلع إلى أسباب الرحمة وتفعلها.
والغفور يدل على المغفرة، وحينئذ تتعرض لمغفرة الله بكثرة التوبة والاستغفار كذلك وما أشبه ذلك.
والقريب: يقتضي أن تتعرض إلى القرب منه بالصلاة وغيرها، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
والسميع: يقتضي أن تتعبد لله بمقتضى السمع، بحيث لا تسمع الله قولا يغضبه ولا يرضاه منك.
والبصير: يقتضي أن تتعبد لله بمقتضى ذلك البصر بحيث لا يرى منك فعلا يكرهه منك.
الثاني: دعاء المسألة، وهو أن تقدمها بين يدي سؤالك متوسلا بها إلى الله تعالى.
مثلا: يا حي يا قيوم اغفر لي وارحمني، وقال ﷺ : «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» ، والإنسان إذا دعا وعلل، فقد أثنى على ربه بهذا الاسم طالبا أن يكون سببا للإجابة، والتوسل بصفة المدعو المحبوبة له سبب للإجابة، فالثناء على الله بأسمائه من أسباب الإجابة.
стр. 3740
قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ .
" ذروا ": اتركوا، " الذين ": مفعول به، وجملة يلحدون صلة الموصول.
ثم توعدهم بقوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، وهو الإلحاد، أي: سيجزون جزاءه المطابق للعمل تماما، ولهذا يعبر الله تعالى بالعمل عن الجزاء إشارة للعدل، وأنه لا يجزى الإنسان إلا بقدر عمله.
والمعنى ذروهم، أي: لا تسلكوا مسلكهم ولا طريقهم: فإنهم على ضلال وعدوان، وليس المعنى عدم مناصحتهم وبيان الحق لهم، إذ لا يترك الظالم على ظلمه، ويحتمل أن المراد بقوله: " ذروا " تهديدا للملحدين.
والإلحاد: مأخوذ من اللحد، وهو الميل، لحد وألحد بمعنى مال، ومنه سمي الحفر بالقبر لحدا؛ لأنه مائل إلى جهة القبلة.
والإلحاد في أسماء الله: الميل بها عما يجب فيها، وهو أنواع:
الأول: أن ينكر شيئا من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات أو الأحكام، ووجه كونه إلحادا أنه مال بها عما يجب لها، إذ الواجب إثباتها وإثبات ما تتضمنه من الصفات والأحكام.
الثاني: أن يثبت لله أسماء لم يُسَمِّ الله بها نفسه، كقول الفلاسفة في الله: إنه علة فاعلة في هذا الكون تفعل وهذا الكون معلول لها، وليس هناك إله وبعضهم يسميه العقل الفعال، فالذي يدير هذا الكون هو العقل الفعال، وكذلك النصارى يسمون الله أبا وهذا إلحاد.
الثالث: أن يجعلها دالة على التشبيه فيقول: الله سميع بصير قدير، والإنسان سميع بصير قدير، اتفقت هذه الأسماء، فيلزم أن تتفق المسميات، ويكون الله مماثلا للخلق، فيتدرج بتوافق الأسماء إلى
стр. 3741
ــ
التوافق بالصفات.
ووجه الإلحاد: أن أسماءه دالة على معانٍ لائقة بالله لا يمكن أن تكون مشابهة لما تدل عليه من المعاني في المخلوق.
الرابع: أن يشتق من هذه الأسماء للأصنام، كتسمية اللات من الإله أو من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان حتى يلقوا عليها شيئا من الألوهية ليبرروا ما هم عليه.
واعلم أن التعبير بنفي التمثيل أحسن من التعبير بنفي التشبيه، لوجوه ثلاثة:
١ - أنه هو الذي نفاه الله في القرآن، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
٢ - أنه ما من شيئين موجودين إلا وبينهما تشابه من بعض الوجوه واشتراك في المعنى من بعض الوجوه.
فمثلا: الخالق والمخلوق اشتركا في معنى الوجود، لكن وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، وكذلك العلم والسمع والبصر ونحوها اشترك فيها الخالق والمخلوق وفي أصل المعنى ويتميز كل واحد منهما بما يختص به.
٣ - أن الناس اختلفوا في معنى التشبيه حتى جعل بعضهم إثبات الصفات تشبيها، فيكون معنى بلا تشبيه، أي: بلا إثبات صفات على اصطلاحهم.
قوله تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لم يقل يجزون العقاب إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، وهذا وعيد، وهو كقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] ، وليس المعنى أن الله مشغول الآن وسيخلفه الفراغ فيما بعد.
قوله: (يعملون) العمل يطلق على القول والفعل، قال تعالى:
стр. 3742
ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ : " يشركون " ٠ وعنه " سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز ".
ــ
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] ، وهذا يكون في الأفعال والأقوال ٠.
قول ابن عباس: " يشركون " تفسير للإلحاد، ويتضمن الإشراك بها في جهتين:
١ - أن يجعلوها دالة على المماثلة.
٢ - أو يشتقوا منها أسماء للأصنام، كما في الرواية الثانية عن ابن عباس التي ذكرها المؤلف، فمن جعلها دالة على المماثلة، فقد أشرك لأنه جعل لله مثيلا، ومن أخذ منها أسماء لأصنامه، فقد أشرك لأنه جعل مسميات هذه الأسماء مشاركة لله .
وقوله: " وعنه " أي: ابن عباس.
قوله: " سموا اللات من الإله ... " وهذا أحد نوعي الإشراك بها أن يشتق منها أسماء للأصنام.
تنبيه:
فيه كلمة تقولها النساء عندنا وهي: " وعزَّالي "، فما هو المقصود بها؟
الجواب: المقصود أنها من التعزية، أي: أنها تطلب الصبر والتقوية وليست تندب العزى التي هي الصنم، لأنها قد لا تعرف أن هناك صنما اسمه العزى ولا يخطر ببالها هذا، وبعض الناس قال: يجب إنكارها؛ لأن ظاهر اللفظ أنها تندب العزى وهذا شرك، ولكن نقول: لو كان هذا هو المقصود
стр. 3743
وعن الأعمش: " يدخلون فيها ما ليس منها "
ــ
لوجب الإنكار، لكننا نعلم علم اليقين أن هذا غير مقصود، بل يقصد بهذا اللفظ التقَوِّي والصبر والثبات على هذه المصيبة.
قوله: " عن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها " هذا أحد أنواع الإلحاد، وهو أن يسمى الله بما لم يسم به نفسه، ومن زاد فيها فقد ألحد؛ لأن الواجب فيها الوقوف على ما جاء به السمع.
تتمة:
جاءت النصوص بالوعيد على الإلحاد في آيات الله تعالى كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠] ، فقوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فيها تهديد؛ لأن المعنى سنعاقبهم، والجملة مؤكدة بأن.
وآيات الله تنقسم إلى قسمين:
١ - آيات كونية، وهي كل المخلوقات من السماوات والأرض والنجوم والجبال والشجر والدواب وغير ذلك، قال الشاعر:
فوا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
والإلحاد في الآيات الكونية ثلاثة أنواع:
١ - اعتقاد أن أحدا سوى الله منفرد بها أو ببعضها.
٢ - اعتقاد أن أحدا مشارك لله فيها.
стр. 3744
ــ
٣ - اعتقاد أن لله فيها معينا في إيجادها وخلقها وتدبيرها.
والدليل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] ظهير، أي معين.
وكل ما يخل بتوحيد الربوبية، فإنه داخل في الإلحاد في الآيات الكونية.
٢ - آيات شرعية، وهو ما جاء به الرسل من الوحي كالقرآن، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] .
والإلحاد في الآيات الشرعية ثلاثة أنواع:
١ - تكذيبها فيما يتعلق بالأخبار.
٢ - مخالفتها فيما يتعلق بالأحكام.
٣ - التحريف في الأخبار والأحكام.
والإلحاد في الآيات الكونية والشرعية حرام.
ومنه ما يكون كفرا، كتكذيبها، فمن كذب شيئا مع اعتقاده أن الله ورسوله أخبرا به، فهو كافر.
ومنه ما يكون معصية من الكبائر، كقتل النفس والزنا.
ومنه ما يكون معصية من الصغائر، كالنظر لأجنبية لشهوة.
قال الله تعالى في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ، فسمى الله المعاصي والظلم إلحادا، لأنها ميل عما يجب أن يكون عليه الإنسان، إذ الواجب عليه السير على صراط الله تعالى ومن خالف، فقد ألحد.
стр. 3745
فيه مسائل:
الأولى: إثبات الأسماء. الثانية: كونها حسنى. الثالثة: الأمر بدعائه بها. الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين. الخامسة: تفسير الإلحاد فيها. السادسة: وعيد من ألحد.
ــ
الأولى: إثبات الأسماء يعني لله تعالى وتؤخذ من قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ﴾ ، وهذا خبر متضمن لمدلوله من ثبوت الأسماء لله، وفي الجملة حصر لتقديم الخبر، والحصر باعتبار كونها حسنى لا باعتبار الأسماء.
وأنكر الجهمية وغلاة المعتزلة ثبوت الأسماء لله تعالى.
الثانية: كونها حسنى أي: بلغت في الحسن أكمله؛ لأن " حسنى " مؤنث أحسن، وهي اسم تفضيل.
الثالثة: الأمر بدعائه بها والدعاء نوعان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، وكلاهما مأمور فيه أن يُدعى الله بهذه الأسماء الحسنى وسبق تفصيل ذلك.
الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين أي ترك سبيلهم، وليس المعنى أن لا ندعوهم ولا نبين لهم، والآية تتضمن أيضا التهديد.
الخامسة: تفسير الإلحاد فيها وقد سبق بيان أنواعه.
السادسة: وعيد من ألحد وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
стр. 3746
باب لا يقال: السلام على الله
ــ
هذه الترجمة أتى بها المؤلف بصيغة النفي، وهو محتمل للكراهة والتحريم، لكن استدلاله بالحديث يقتضي أنه للتحريم وهو كذلك.
والسلام له عدة معان:
١ - التحية؛ كما قال: سلم على فلان، أي: حياه بالسلام.
٢ - السلامة من النقص والآفات، كقولنا: " السلام عليك أيها النبي ﷺ ورحمة الله وبركاته ".
٣ - السلام: اسم من أسماء الله تعالى، قال تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] .
قوله: «لا يقال السلام على الله» أي: لا تقل: السلام عليكم يا رب؛ لما يلي:
أ - أن مثل هذا الدعاء يوهم النقص في حقه، فتدعو الله أن يسلم نفسه من ذلك، إذ لا يدعى لشيء بالسلام من شيء إلا إذا كان قابلا أن يتصف به، والله - سبحانه - منزه عن صفات النقص.
ب - إذا دعوت الله أن يسلم نفسه، فقد خالفت الحقيقة؛ لأن الله يدعى ولا يدعى له، فهو غني عنا، لكن يثنى عليه بصفات الكمال مثل غفور، سميع، عليم....
ومناسبة الباب لتوحيد الصفات ظاهرة؛ لأن صفاته عليا كاملة كما أن أسمائه حسنى والدليل على أن صفاته عليا قوله تعالى
стр. 3747
ــ
﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧] .
والمثل الأعلى الوصف الأكمل، فإذا قلنا: السلام على الله أوهم ذلك أن الله - سبحانه - قد يلحقه النقص، وهذا ينافي كمال صفاته.
ومناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة؛ لأن موضوع الباب الذي قبله إثبات الأسماء الحسنى لله المتضمنة لصفاته، وموضوع هذا الباب سلامة صفاته من كل نقص، وهذا يتضمن كمالها، إذ لا يتم الكمال إلا بإثبات صفات الكمال ونفي ما يضادها، فإنك لو قلت: زيد فاضل أثبت له الفضل، وجاز أن يلحقه نقص، وإذا قلت: زيد فاضل ولم يسلك شيئا من طرق السفول، فالآن أثبت له الفضل المطلق في هذه الصفة والرب يتصف بصفات الكمال، ولكنه إذا ذكر ما يضاد تلك الصفة صار ذلك أكمل، ولهذا أعقب المؤلف ﵀ الباب السابق بهذا الباب إشارة إلى أن الأسماء الحسنى والصفات العلى لا يلحقها نقص والسلام اسم ثبوتي سلبي، فسلبي: أي أنه يراد به نفي كل نقص أو عيب يتصوره الذهن أو يتخيله العقل، فلا يلحقه نقص في ذاته أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه.
وثبوتي: أي يراد به ثبوت هذا الاسم له، والصفة التي تضمنها وهي السلامة.
стр. 3748
في الصحيح «عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان فقال النبي ﷺ : " لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام»
ــ
قوله: " في الصحيح " هذا أعم من أن يكون ثابتا في " الصحيحين "، أو أحدهما، أو غيرهما، وانظر: (ص ١٤٦) باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، وهذا الحديث المذكور في " الصحيحين ".
قوله: «كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة» الغالب أن المعية مع النبي ﷺ في الصلاة لا تكون إلا في الفرائض، لأنها هي التي يشرع لها صلاة الجماعة، ومشروعية صلاة الجماعة في غير الفرائض قليلة، كالاستسقاء.
قوله: «قلنا السلام على الله من عباده» أي: يطلبون السلامة لله من الآفات، يسألون الله أن يسلم نفسه من الآفات، أو أن اسم السلام على الله من عباده؛ لأن قول الإنسان السلام عليكم خبر بمعنى الدعاء، وله معنيان:
١ - اسم السلام عليك، أي: عليك بركاته باسمه.
٢ - السلامة من الله عليك، فهو سلام بمعنى تسليم، ككلام بمعنى تكليم.
قوله: «السلام على فلان وفلان» أي: جبريل وميكائيل، وكلمة فلان
стр. 3749
ــ
يكنى بها عن الشخص، وهي مصروفة، لأنها ليست علما ولا صفة، كصفوان في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] .
وقد جاء في لفظ آخر: «السلام على جبريل وميكال» كانوا يقولون هكذا في السلام فقال النبي ﷺ «لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام» .
وهذا نهي تحريم، والسلام لا يحتاج إلى سلام، هو نفسه سلام سالم من كل نقص ومن كل عيب.
وفيه دليل على جواز السلام على الملائكة؛ لأن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولأنه ﵊ لما أخبر عائشة أن جبريل يسلم عليها قالت: " ﵇ ".
стр. 3750
فيه مسائل:
الأولى: تفسير السلام. الثانية: أنه تحية. الثالثة: أنها لا تصلح لله. الرابعة: العلة في ذلك. الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله.
ــ
فيه مسائل:
الأول تفسير السلام فبالنسبة لكونه اسما من أسماء الله معناه السالم من كل نقص وعيب، وبالنسبة لكونه تحية له معنيان:
الأول: تقدير مضاف، أي، اسم السلام عليكم، أي: اسم الله الذي هو السلام عليكم.
الثاني: أن السلام بمعنى التسليم اسم مصدر كالكلام بمعنى التكليم، أي: تخبر خبرا يراد به الدعاء، أي: أسأل الله أن يسلمك تسليما.
الثانية: أنه تحية وسبق ذلك.
الثالثة: أنها لا تصلح لله وإذا كانت لا تصلح له كانت حراما.
الرابعة: العلة في ذلك وهي أن الله هو السلام، وقد سبق بيانها.
الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله وتؤخذ من تكملة الحديث: «فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله» ... . "، وفيه حسن تعليم الرسول ﷺ من وجهين:
الأول: أنه حينما نهاهم علل النهي.
وفي ذلك فوائد:
١ - طمأنينة الإنسان إلى الحكم إذا قرن بالعلة.
٢ - بيان سمو الشريعة الإسلامية وأن أوامرها ونواهيها مقرونة
следующие страницы →