السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟ .
ــ
فائدة:
لا ينبغي أن يقال لمفت: ما حكم الإسلام في كذا، أو ما رأي الإسلام في كذا، فإنه قد يخطئ فلا يصيب حكم الإسلام، ولا يقول مفت: حكم الإسلام كذا؛ لأنه قد يخطئ، ولكن يقيد، فيقول: حكم الإسلام فيما أرى كذا وكذا إلا فيما هو نص واضح وصريح؛ فلا بأس، مثل أن يقال: ما حكم الإسلام في أكل الميتة؟ فيقول: حكم الإسلام في أكل الميتة أنه حرام.
السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟ وهذا ليس خاصا بالصحابة، بل حتى من بعدهم، فإن له أن يحكم بما يرى أنه حكم الله عند الحاجة.
стр. 3922
باب ما جاء في الإقسام على الله
ــ
الإقسام: مصدر أقسم يُقسم إذا حلف.
والحلف له عدة أسماء، هي: يمين، وألية، وحلف، وقسم، وكلها بمعنى واحد، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] ، وقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ، أي: يحلفون، وقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ، وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة:٦٢] وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور:٥٣] .
واختلف أهل العلم في لا في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ .
فقيل: إنها نافية على الأصل، وإن معنى الكلام: لا أقسم بهذا الشيء على المُقسم به؛ لأن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، وهذا فيه تكلف، لأن من قرأ الآية عرف أن مدلولها الإثبات لا النفي.
وقيل: إن لا زائدة، والتقدير أقسم.
وقيل: إن لا للتنبيه، وهذا بمعنى الثاني؛ لأنها من حيث الإعراب زائدة.
وقيل: إنها نافية لشيء مقدر، أي: لا صحة لما تزعمون من انتفاء البعث، وهذا في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيه شيء من التكلف، والصواب أنها زائدة للتنبيه.
والإقسام على الله: أن تحلف على الله أن يفعل، أو تحلف عليه أن لا يفعل، مثل: والله، ليفعلن الله كذا، أو والله، لا يفعل الله كذا.
والقسم على الله ينقسم إلى أقسام:
стр. 3923
الأول: أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به رسوله، مثل: والله، ليشفعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل: والله، لا يغفر الله لمن أشرك به.
الثاني: أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه؛ فهذا جائز لإقرار النبي ﷺ ذلك في قصة الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك ﵄، « (حينما كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح، فأبوا، فقام أنس بن النضر، فقال: أتكسر ثنية الربيع؟ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع. وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي، فقال الرسول ﷺ : (يا أنس! كتاب الله القصاص) ؛ يعني: السن بالسن. قال: والله، لا تكسر ثنية الربيع) ،» وغرضه بذلك أنه لقوة ما عنده من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك.
فلما عرفوا أنه مصمم ألقى الله في قلوب الأنصار العفو فعفوا، فقال النبي ﷺ : « (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) » ، فهو لقوة رجائه بالله وحسن ظنه أقسم على الله أن لا تكسر ثنية الربيع؛ فألقى الله العفو في قلوب هؤلاء الذين صمموا أمام الرسول ﷺ على القصاص، فعفوا وأخذوا الأرش.
فثناء الرسول ﷺ شهادة بأن الرجل من عباد الله، وأن الله أبر قسمه ولين له هذه القلوب، وكيف لا وهو الذي قال: بأنه يجد ريح الجنة دون أحد،
стр. 3924
عن جندب بن عبد الله ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان؛ فقال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك» . رواه مسلم.
ــ
ولما استشهد وجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح، ولم يعرفه إلا أخته ببنانه، وهي الربيع هذه، رضي الله عن الجميع وعنا معهم.
ويدل أيضا لهذا القسم قوله ﷺ : « (رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) » .
القسم الثالث: أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس، وتحجر فضل الله وسوء الظن به تعالى، فهذا محرم، وهو وشيك بأن يحبط الله عمل هذا المُقسم، وهذا القسم هو الذي ساق المؤلف الحديث من أجله.
مناسبة الترجمة لكتاب التوحيد: أن من تألى على الله فقد أساء الأدب معه وتحجر فضله وأساء الظن به، وكل هذا ينافي كمال التوحيد، وربما ينافي أصل التوحيد،، فالتألي على من هو عظيم يعتبر تنقصا في حقه.
قوله: (قال رجل) . يحتمل أن يكون الرجل الذي ذكر في حديث أبي
стр. 3925
هريرة الآتي أو غيره.
قوله: (والله لا يغفر الله لفلان) . هذا يدل على اليأس من روح الله، واحتقار عباد الله عند هذا القائل، وإعجابه بنفسه.
والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من المغفر الذي يغطى به الرأس عند الحرب، وفيه وقاية وستر.
قوله: (من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان) . (من) : اسم استفهام مبتدأ، (ذا) ملغاة، (الذي) : اسم موصول خبر مبتدأ، (يتألى) : يحلف؛ أي: من ذا الذي يتحجر فضلي ونعمتي أن لا أغفر لمن أساء من عبادي، والاستفهام للإنكار.
والحديث ورد مبسوطا في حديث أبي هريرة أن هذا الرجل كان عابدا وله صاحب مسرف على نفسه، وكان يراه على المعصية، فيقول: أقصر. فوجده يوما على ذنب، فقال: أقصر. فقال: خلني وربي، أبُعثت علي رقيبا؟ فقال: والله، لا يغفر الله لك.
وهذا يدل على أن المسرف عنده حسن ظن بالله ورجاء له، ولعله كان يفعل الذنب ويتوب فيما بينه وبين ربه؛ لأنه قال: خلني وربي، والإنسان إذا فعل الذنب ثم تاب توبة نصوحا ثم غلبته عليه نفسه مرة أخرى، فإن توبته الأولى صحيحة، فإذا تاب ثانية فتوبته صحيحة؛ لأن من شروط التوبة أن يعزم أن لا يعود، وليس من شروط التوبة أن لا يعود.
وهذا الرجل الذي قد غفر الله له إما أن يكون قد وجدت منه أسباب المغفرة بالتوبة، أو أن ذنبه هذا كان دون الشرك فتفضل الله عليه فغفر له، أما لو
стр. 3926
كان شركا ومات بدون توبة، فإنه لا يغفر له؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:١١٦] .
قوله: (وأحبطت عملك) . ظاهر الإضافة في الحديث: أن الله أحبط عمله كله؛ لأن المفرد المضاف الأصل فيه أن يكون عاما.
ووجه إحباط الله عمله على سبيل العموم - حسب فهمنا والعلم عند الله -: أن هذا الرجل كان يتعبد لله وفي نفسه إعجاب بعمله، وإدلال بما عمل على الله، كأنه يمن على الله بعمله، وحينئذ يفتقد ركنا عظيما من أركان العبادة؛ لأن العبادة مبنية على الذل والخضوع، فلا بد أن تكون عبدا لله بما تَعَبَّدَكَ به وبما بلغك من كلامه، وكثير من الذين يتعبدون لله بما تعبدهم به قد لا يتعبدون بوحيه، قد يصعب عليهم أن يرجعوا على رأيهم إذا تبين لهم الخطأ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويحرفون النصوص من أجله، والواجب أن تكون لله عبدا فيما بلغك من وحيه، بحيث تخضع له خضوعا كاملا حتى تحقق العبودية.
ويحتمل معنى: (أحبطت عملك) ؛ أي: عملك الذي كنت تفتخر به على هذا الرجل، وهذا أهون؛ لأن العمل إذا حصلت فيه إساءة بطل وحده دون غيره، لكن ظاهر حديث أبي هريرة يمنع هذا الاحتمال، حيث جاء فيه أن الله تعالى قال: اذهبوا به إلى النار.
ونظير هذا مما يحتمل العموم والخصوص قوله ﷺ في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده فيمن منع الزكاة: «فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا» . (١)
стр. 3927
وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد. قال أبو هريرة: «تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته» (١)
ــ
فقوله: (وشطر ماله) ؛ هل المراد جميع ماله، أو ماله الذي منع زكاته؟ .
يحتمل الأمرين، فمثلا: إذا كان عنده عشرون من الإبل، فزكاتهما أربع شياه، فمنع الزكاة، فهل نأخذ عشرا من الإبل فقط من الزكاة، أو إذا كان عنده أموال أخرى من بقر وغنم ونقود نأخذ نصف جميع ذلك مع الزكاة؟ .
اختلف في ذلك:
فقيل: نأخذ نصف ماله الذي وقعت فيه المخالفة.
وقيل: نأخذ نصف جميع المال.
والراجح أنه راجع إلى رأي الإمام حسب المصلحة، فإن كان أخذُ نصف المال كله أبلغ في الردع، أخذ نصف المال كله، وإلا أخذ نصف المال الذي حصلت فيه المخالفة.
قوله: (تكلم بكلمة) . يعني قوله: والله؛ لا يغفر الله لك.
قوله: (أوبقت) . أي: أهلكت، ومنه حديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» ، أي: المهلكات.
стр. 3928
ــ
قوله: (دنياه وآخرته) . لأن من حبط عمله؛ فقد خسر الدنيا والآخرة.
أما كونها أوبقت آخرته، فالأمر ظاهر؛ لأنه من أهل النار والعياذ بالله، وأما كونها أوبقت دنياه؛، فلأن دنيا الإنسان حقيقة هي ما اكتسب فيها عملا صالحا، وإلا، فهي خسارة، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١-٣] ، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] ، فمن لم يوفق للإيمان والعمل الصالح فقد خسر دنياه حقيقة، لأن مآلها للفناء، وكل شيء فان فكأنه لم يوجد، واعتبر هذا بما حصل لك مما سبق من عمرك تجده مر عليك وكأنه لم يكن، وهذا من حكمة الله لئلا يركن إلى الدنيا.
وقوله: (قال أبو هريرة) . يعني في الحديث الذي أشار إليه المؤلف ﵀.
стр. 3929
فيه مسائل:
الأولى: التحذير من التألي على الله. الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
الثالثة: أن الجنة مثل ذلك. الرابعة: فيه شاهد لقوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة. . .» إلى آخره.
ــ
فيه مسائل:
الأولى: التحذير من التألي على الله. لقوله: «من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان» ، وكونه أحبط عمله بذلك.
الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
الثالثة: أن الجنة مثل ذلك.
هاتان المسألتان اللتان ذكرهما المؤلف تؤخذان من حبوط عمل المتألي والمغفرة للمسرف على نفسه، ثم أشار إلى حديث رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» ، ويقصد بهما تقريب الجنة أو النار، والشراك: سير النعل الذي يكون بين الإبهام والأصابع.
الرابعة: فيه شاهد لقوله: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» . . .) إلى آخره. يشير المؤلف إلى حديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يرى أن تبلغ حيث بلغت يهوي بها في النار سبعين خريفا» ، أو «أبعد مما بين المشرق»
стр. 3930
الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.
ــ
«والمغرب» ، وهذا فيه الحذر من مزلة اللسان؛ فقد يسبب الهلاك، ولهذا قال النبي ﷺ : «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة» ، وقال لمعاذ: «كف عليك هذا - يعني لسانه -، قلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟!) » . (١)
ولا سيما إذا كانت هذه الزلة ممن يقتدى به، كما يحدث من دعاة الضلال والعياذ بالله، فإن عليه وزره ووزر من تبعه إلى يوم القيامة.
الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه. فإنه قد غفر له بسبب هذا التأنيب، وهذه لم تظهر لي من الحديث ولعلها تؤخذ من قوله: (قد غفرت له) .
ولا شك أن الإنسان قد يغفر له بشيء هو من أكره الأمور إليه، مثل الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
стр. 3931
باب لا يستشفع بالله على خلقه
عن جبير بن مطعم ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت»
ــ
استشفع بالشيء؛ أي: جعله شافعا له، والشفاعة في الأصل: جعل الفرد شفعا، وهي التوسط للغير بجلب منفعة له أو دفع مضرة عنه.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن الاستشفاع بالله على خلقه تنقص لله ؛ لأنه جعل مرتبة الله أدنى من مرتبة المشفوع إليه؛ إذ لو كان أعلى مرتبة ما احتاج أن يشفع عنده، بل يأمره أمرا والله لا يشفع لأحد من خلقه إلى أحد؛ لأنه أجل وأعظم من أن يكون شافعا، ولهذا أنكر النبي ﷺ ذلك على الأعرابي، وهذا وجه وضع هذا الباب في كتاب التوحيد.
قوله: (أعرابي) . واحد الأعراب، وهم سكان البادية، والغالب على الأعراب الجفاء؛ لأنهم أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله.
قوله: (نهكت الأنفس) . (نهكت) ، أي: ضعفت.
قوله: (جاع العيال، وهلكت الأموال) ؛ أي: من قلة المطر والخصب، فضعف الأنفس بسبب ضعف القوة النفسية والمعنوية التي تحصل فيما إذا لم يكن هناك خصب، وجاع العيال لقلة العيش، وهلكت الأموال، لأنها لم تجد ما ترعاه.
стр. 3932
«الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله، فقال النبي ﷺ : (سبحان الله! سبحان الله!) فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: (ويحك! أتدري ما الله؟! ، إن شان الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه. . .» وذكر الحديث. رواه أبو داود (١)
ــ
قوله: (فاستسق لنا ربك) . أي: اطلب من الله أن يسقينا، وهذا لا بأس به؛ لأن طلب الدعاء ممن ترجى إجابته من وسائل إجابة الدعاء.
قوله: (نستشفع بالله عليك) . أي: نجعله واسطة بيننا وبينك لتدعو الله لنا، وهذا يقتضي أنه جعل مرتبة الله في مرتبة أدنى من مرتبة الرسول ﷺ .
قوله: (ونستشفع بك على الله) أي: نطلب منك أن تكون شافعا لنا عند الله، فتدعو الله لنا، وهذا صحيح.
قوله: (سبحان الله، سبحان الله) . قاله ﷺ استعظاما لهذا القول، وإنكارا له، وتنزيها لله عما لا يليق به من جعله شافعا بين الخلق وبين الرسول ﷺ .
و (سبحان) : اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق من سبح يسبح تسبيحا، وإذا جاءت الكلمة بمعنى المصدر وليس فيها حروفه؛ فهي اسم
стр. 3933
مصدر، مثل: كلام اسم مصدر كلم والمصدر تكليم، ومثل: سلام اسم المصدر سلم والمصدر تسليم.
و (سبحان) : مفعول مطلق، وهو لازم النصب وحذف العامل أيضا، فلا يأتي مع الفعل، فلا تقول: سبحت الله سبحانا إلا نادرا في الشعر ونحوه.
والتسبيح: تنزيه الله عما لا يليق به من نقص، أو عيب، أو مماثلة للمخلوق، أو ما أشبه ذلك.
وإن شئت أدخل مماثلة المخلوق مع النقص والعيب، لأن مماثلة الناقص نقص، بل مقارنة الكامل بالناقص تجعله ناقصا، كما قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
قوله: (فما زال) . إذا دخلت (ما) على زال الذي مضارعها يزال، صار النفي إثباتا مفيدا للاستمرار؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ الآية [الأنبياء: ١٥] ، وكقوله تعالى في المضارع: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] .
وجملة (يسبح) : خبر زال.
قوله: (حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه) . أي: عرف أثره في وجوه أصحابه، وأنهم تأثروا بذلك؛ لأنهم عرفوا أنه ﷺ لا يسبح في مثل هذا الموضع ولا يكرره إلا لأمر عظيم، ووجه التسبيح هنا أن الرجل ذكر جملة فيها شيء من التنقص لله تعالى؛ فسبح النبي ﷺ ربه تنزيها له عما توهمه هذه الكلمة، ولهذا كان الرسول ﵊ وأصحابه في السفر إذا هبطوا واديا سبحوا، تنزيها لله تعالى عن السفول الذي كان من صفاتهم، وإذا علوا
стр. 3934
نشزا كبروا، تعظيما لله وأن الله تعالى هو الذي له الكبرياء في السماوات والأرض.
قوله: (ويحك) . ويح: منصوب بعامل محذوف تقديره: ألزمك الله ويحك.
وتارة تضاف، فيقال: ويحك، وتارة تقطع عن الإضافة، فيقال: ويحا لك، وتارة ترفع على أنه مبتدأ، فيقال: ويحه أو ويح له.
وهي وويل وويس كلها متقاربة في المعنى.
ولكن بعض علماء اللغة قال: إن ويح كلمة ترحم، وويل كلمة وعيد.
فمعنى ويحك: إني أترحم لك وأحن عليك.
ومنهم من قال: كل هذه الكلمات تدل على التحذير.
فعلى معنى أن ويح بمعنى الترحم يكون قوله ﷺ لهذا الرجل ترحما لهذا الرجل الذي تكلم بهذا الكلام، كأنه لم يعرف قدر الله.
قوله: (أتدري ما الله) . المراد بالاستفهام التعظيم، أي: شأن الله عظيم، ويحتمل أن المعنى: لا تدري ما الله، بل أنت جاهل به، فيكون المراد بالاستفهام النفي.
وقوله: (ما الله) . جملة استفهامية معلقة لـ (تدري) عن العمل؛ لأن درى تنصب مفعولين، لكنها تعلق بالاستفهام عن العمل وتكون الجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي تدري.
قوله: (إن شأن الله أعظم من ذلك) . أي: إن أمر الله وعظمته أعظم مما تصورت حيث جئت بهذا اللفظ.
стр. 3935
قوله: (إنه لا يستشفع بالله على أحد) أي: لا يطلب منه أن يكون شفيعا إلى أحد، وذلك لكمال عظمته وكبريائه، وهذا الحديث فيه ضعف، ولكن معناه صحيح، وأنه لا يجوز لأحد أن يقول: نستشفع بالله عليك.
فإن قيل: أليس قد قال النبي ﷺ : (من سأل بالله فأعطوه) ، وهذا دليل على جواز السؤال بالله، إذ لو لم يكن السؤال بالله جائزا لم يكن إعطاء السائل واجبا؟.
والجواب أن يقال: إن السؤال بالله لا يقتضي أن تكون مرتبة المسئول به أدنى من مرتبة المسئول بخلاف الاستشفاع، بل يدل على أن مرتبة المسئول به عظيمة، بحيث إذا سئل به أعطي.
على أن بعض العلماء قال: (من سألكم بالله) ، أي: من سألكم سؤالا بمقتضى شريعة الله فأعطوه، وليس المعنى من قال: أسألك بالله.
والمعنى الأول أصح، وقد ورد مثله في قول الملك: (أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن) .
стр. 3936
فيه مسائل:
الأولى: إنكاره على من قال: (نستشفع بالله عليك) . الثانية: تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة. الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: (نستشفع بك على الله) .
ــ
فيه مسائل:
الأولى: إنكاره على من قال: (نستشفع بالله عليك) . تؤخذ من قوله: «سبحان الله! أتدري ما الله» ، وقوله: «إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه» .
الثانية: تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة. تؤخذ من قوله: «فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه» ، وكونه يكرر سبحان الله، هذا يدل على أنه تغير حتى عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة، وهذا دليل على أن هذه الكلمة كلمة عظيمة منكرة.
الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: (نستشفع بك على الله) . لأنه قال: لا يستشفع بالله على أحد؛ فأنكر عليه ذلك، وسكت عن قوله: (نستشفع بك على الله) ، وهذا يدل على جواز ذلك، وهنا قاعدة وهي: إذا جاء في النصوص ذكر أشياء، فأنكر بعضها وسكت عن بعض؛ دل على أن ما لم ينكر فهو حق، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] ، فأنكر قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ ، وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ ؛ فدل على أنها حق، ومثلها عدد أصحاب الكهف، حيث قال عن قول:
стр. 3937
الرابعة: التنبيه على تفسير (سبحان الله!) . الخامسة: أن المسلمين يسألونه ﷺ الاستسقاء.
ــ
﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ ، وسكت عن قول: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] .
الرابعة: التنبيه على تفسير (سبحان الله!) . لأن قوله: (إن شأن الله أعظم) دليل على أنه منزه عما ينافي تلك العظمة.
الخامسة: أن المسلمين يسألونه الاستسقاء. وهذا في حال حياته، أما بعد وفاته فلم يكونوا يفعلونه؛ لأنه ﷺ انقطع عمله بنفسه وعبادته، ولهذا لما حصل الجدب في عهد عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، فقال: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) . وتوسلهم بالنبي ﷺ كان بطلبهم الدعاء منه، ولهذا جاء في بعض الروايات: أن عمر كان يأمر العباس فيقوم فيدعو.
وبهذا نعرف أن القصة المروية عن الرجل العتبي الذي كان جالسا عند قبر النبي ﷺ ، فجاء أعرابي، فقال: السلام عليكم يا رسول الله! سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] ، وإني قد جئت مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكمُ
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف، قال العتبي: فغلبتني عيني، فرأيت النبي ﷺ في النوم،
стр. 3938
فقال: يا عتبي! بشر الأعرابي أن الله قد غفر له.
فهذه الرواية باطلة لا صحة لها، لأن صاحبها مجهول، وكذلك من رواها عنه مجهولون، ولا يمكن أن تصح، لأن الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾ ولم يقل: إذا ظلموا، و (إذ) لما مضى بخلاف (إذا) والصحابة ﵃ لما لحقهم الجدب في زمن عمر لم يستسقوا بالرسول ﷺ ، وإنما استسقوا بالعباس بن عبد المطلب بدعائه وهو حاضر فيهم.
ومن فوائد الحديث:
١ - أنه ينبغي أن يقدم الإنسان عند الطلب الأوصاف التي تستلزم العطف عليه؛ لقوله: (نهكت الأنفس) .
٢ - الترحم على المذنب إذا قلنا: إن (ويح) للترحم.
стр. 3939
باب ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد
وسده طرق الشرك
عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: (السيد الله ﵎ قلنا: وأفضلنا فضلا؛ وأعظمنا طولا. فقال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» . رواه أبو داود بسند جيد.
ــ
مناسبة الباب للتوحيد:
لما تكلم المؤلف ﵀ فيما مضى من كتابه على إثبات التوحيد، وعلى ذكر ما ينافيه أو ينافي كماله، ذكر ما يحمي هذا التوحيد، وأن الواجب سد طرق الشرك.
قوله: (انطلقت في وفد بني عامر) . الظاهر أن هذا الوفد قدم على النبي ﷺ في العام التاسع، لأن الوفود كثرت في ذلك العام، ولذلك يسمى عام الوفود.
قوله: (أنت سيدنا) . السيد: ذو السؤدد والشرف، والسؤدد معناه: العظمة وما أشبهه.
стр. 3940
وسيد: صفة مشبهة على وزن فيعل، لأن الياء الأولى زائدة.
قوله: (السيد الله) . لم يقل ﷺ : سيدكم كما هو المتوقع، حيث إنه رد على قولهم سيدنا لوجهين:
الوجه الأول: إرادة العموم المستفاد من (أل) ؛ لأن (أل) للعموم، والمعنى: أن الذي له السيادة المطلقة هو الله ، ولكن السيد المضاف يكون سيدا باعتبار المضاف إليه، مثل: سيد بني فلان، سيد البشر، وما أشبه ذلك.
الوجه الثاني: لئلا يتوهم أنه من جنس المضاف إليه؛ لأن سيد كل شيء من جنسه.
والسيد من أسماء الله تعالى، وهي من معاني الصمد؛ كما فسر ابن عباس الصمد بأنه الكامل في علمه وحلمه وسؤدده (١) وما أشبه ذلك.
ولم ينههم ﷺ عن قولهم: (أنت سيدنا) ، بل أذن لهم بذلك؛ فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، لكن نهاهم أن يستجريهم الشيطان فيترقوا من السيادة الخاصة إلى السيادة العامة المطلقة؛ لأن سيدنا سيادة خاصة مضافة، و (السيد) سيادة عامة مطلقة غير مضافة.
قوله: (تبارك) . قال العلماء: معنى تبارك؛ أي: كثرت بركاته وخيراته، ولهذا يقولون: إن هذا الفعل لا يوصف به إلا الله؛ فلا يقال: تبارك فلان؛ لأن هذا الوصف خاص بالله.
وقول العامة: (أنت تباركت علينا) لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله ، وإنما يريدون أصابنا بركة من مجيئك، والبركة يصح
стр. 3941
إضافتها إلى الإنسان إذا كان أهلا لذلك، قال أسيد بن حضير حين نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها: «ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر» .
قوله: (وأفضلنا) . أي: فضلك أفضل من فضلنا.
قوله: (وأعظمنا طولا) . أي: أعظمنا شرفا وغنى، والطول: الغنى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] ويكون بمعنى العظمة، قال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] ؛ أي: ذي العظمة والغنى.
قوله: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم) . الأمر للإباحة والإذن كما سبق.
وقوله: (قولوا بقولكم) : يعني: قولهم: أنت سيدنا، أو أنت أفضلنا، وما أشبه ذلك.
وقوله: (أو بعض قولكم) . يحتمل أن يكون شكا من الراوي، وأن يكون من لفظ الحديث؛ أي: اقتصروا على بعضه.
قوله: (ولا يستجرينكم الشيطان) . استجراه بمعنى: جذبه وجعله يجري معه؛ أي: لا يستميلنكم الشيطان ويجذبنكم إلى أن تقولوا قولا منكرا؛ فأرشدهم ﷺ إلى ما ينبغي أن يفعل، ونهاهم عن الأمر الذي لا ينبغي أن يفعل حماية للتوحيد من النقص أو النقض.
وقال في النهاية: (لا يستجرينكم الشيطان) ؛ أي: لا يستغلبنكم فيتخذكم جريا؛ أي: رسولا ووكيلا.
стр. 3942
وعلى التفسيرين؛ فمراد النبي ﷺ حماية التوحيد وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، والحماية من المنكر تعظم كلما كان المنكر أعظم وأكبر أو كان الداعي إليه في النفوس أشد.
ولهذا تجد أن باب الشرك حماه النبي ﵊ حماية بالغة حتى سد كل طريق يمكن أن يكون ذريعة إليه؛ لأنه أعظم الذنوب، وأيضا باب الزنا حمي حماية عظيمة، حتى منعت المرأة من التبرج وكشف الوجه وخلوتها بالرجل بلا محرم وما أشبه ذلك؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى الزنا، لأن النفوس تطلبه، وفي باب الربا أيضا حمي الربا بحماية عظيمة، حتى إن الرجل ليعطي الرجل صاعا طيبا من البر بصاعين قيمتهما واحدة، ويكون ذلك ربا محرما، مع أنه ليس فيه ظلم.
فالشرك قد يكون من الأمور التي لا تدعو إليه النفوس كثيرا لكنه أعظم الظلم؛ فالشيطان يحرص على أن يوصل ابن آدم إلى الشرك بكل وسيلة؛ فحماه النبي ﷺ حماية تامة محكمة حتى لا يدخل الإنسان فيه من حيث لا يشعر، وهذا هو معنى الباب الذي ذكره المؤلف.
تنبيه:
جرى شراح هذا الحديث على أن النبي ﷺ نهاهم عن قول سيدنا: فحاولوا الجمع بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم» ، وقوله: «قوموا إلى سيدكم» ، وقوله في الرقيق: و «ليقل سيدي»
стр. 3943
«ومولاي» بواحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن النهي على سبيل الكراهة والأدب، والإباحة على سبيل الجواز.
الثاني: أن النهي حيث يخشى منه المفسدة، وهي التدرج إلى الغلو والإباحة إذا لم يكن هناك محذور.
الثالث: أن النهي بالخطاب؛ أي: أن تخاطب الغير بقولك: أنت سيدي أو سيدنا، بخلاف الغائب، لأن المخاطب ربما يكون في نفسه عجب وغلو وترفع، ثم إن فيه شيئا آخر، وهو خضوع هذا المتسيد له وإذلال نفسه له بخلاف ما إذا جاء من الغير، مثل: (قوموا إلى سيدكم) ، أو على سبيل الغيبة، كقول العبد: قال سيدي ونحو ذلك، لكن هذا يرد عليه إباحته ﷺ للرقيق أن يقول لمالكه: سيدي.
والذي يظهر لي أن لا تعارض أصلا؛ لأن النبي ﷺ أذن لهم أن يقولوا بقولهم، لكن نهاهم أن يستجريهم الشطان بالغلو مثل (السيد) ؛ لأن السيد المطلق هو الله تعالى، وعلى هذا فيجوز أن يقال: سيدنا وسيد بني فلان ونحوه، ولكن بشرط أن يكون الموجه إليه السيادة أهلا لذلك، أما إذا لم يكن أهلا كما لو كان فاسقا أو زنديقا، فلا يقال له ذلك حتى ولو فرض أنه أعلى منه مرتبة أو جاها، وقد جاء في الحديث: «ولا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم ربكم » ، فإذا كان أهلا لذلك وليس هناك
стр. 3944
وعن أنس ﵁: «أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا! وسيدنا وابن سيدنا! فقال: (يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » . رواه النسائي بسند جيد.
ــ
محذور فلا بأس به، وأما إن خشي المحذور أو كان غير أهل، فلا يجوز.
والمحذور: هو الخشية من الغلو فيه.
قوله: (قالوا: يا رسول الله) هذا النداء موافق لقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ [النور: ٦٣] أي: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا، فتقولوا: يا محمد! ولكن قولوا: يا رسول الله! أو يا نبي الله! .
وفي الآية معنى آخر: أي إذا دعاكم الرسول، فلا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم بعضا إن شئتم أجبتم وإن شئتم أبيتم؛ فهو كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ، وعلى المعنى الأول تكون (دعاء) مضافة إلى المفعول، وعلى الثاني تكون مضافة إلى الفاعل.
قوله: (يا خيرنا) . هذا صحيح، فهو خيرهم نسبا، ومقاما، وحالا.
قوله: (وابن خيرنا) . أي: في النسب لا في المقام والحال.
стр. 3945
وكذلك يقال في قوله: (وابن سيدنا) .
قوله: (قولوا بقولكم) . سبق القول فيه.
قوله: «ولا يستهوينكم الشيطان» . أي: لا يستميلنكم الشيطان فتهووه وتتبعوا طرقه حتى تبلغوا الغلو، ونظيره قوله تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام:٧١] .
قوله: «أنا محمد عبد الله ورسوله» . محمد اسمه العلم، وعبد الله ورسوله وصفان له.
وهذان الوصفان أحسن وأبلغ وصف يتصف به الرسول ﷺ ، ولذلك وصفه الله تعالى بالعبودية في أعظم المقامات؛ فوصفه بها في مقام إنزال القرآن عليه، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] ، ووصفه بها في مقام الإسراء، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] ، ووصفه بها في مقام المعراج، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] ، ووصفه في مقام الدفاع عنه والتحدي، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] .
وكذلك بالنسبة للأنبياء، كقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣] ، وهذه العبودية خاصة، وهي أعلى أنواع الخاصة.
والعبودية لله من أجل أوصاف الإنسان؛ لأن الإنسان إما أن يعبد الله أو الشيطان، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ -٦١] قال ابن القيم:
هربوا من الرق الذي خلقوا له ... فبلوا برق النفس والشيطان
وقال الشاعر:
стр. 3946
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
قوله: (ورسوله) . أي: المرسل من عنده إلى جميع الناس؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] .
ورسول الله ﷺ في قمة الطبقات الصالحة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ، والنبيون فيهم الرسول ﷺ ، بل هو أفضلهم، ومن عبارة المؤلف ﵀ في الرسول ﷺ : (عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب) .
وقد تطرف في الرسول ﷺ طائفتان:
- طائفة غلت فيه حتى عبدته، وأعدته للسراء والضراء، وصارت تعبده وتدعوه من دون الله.
- وطائفة كذبته، وزعمت أنه كذاب، ساحر، شاعر، مجنون، كاهن، ونحو ذلك.
وفي قوله: (عبد الله ورسوله) رد على الطائفتين.
قوله: «ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي» . (ما) نافية و (إن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول أحب، أي: ما أحب رفعتكم إياي فوق منزلتي، لا في الألفاظ، ولا في الألقاب، ولا في الأحوال.
قوله: (التي أنزلني الله) . يستفاد منه أن الله تعالى هو الذي يجعل الفضل في عباده، وينزلهم منازلهم.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن التوحيد يجب أن يحمى من كل وجه حتى في الألفاظ، ليكون خالصا من كل شائبة.
стр. 3947
فيه مسائل:
الأولى: تحذير الناس من الغلو. الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: «أنت سيدنا» . الثالثة: قوله: ( «لا يستجرينكم الشيطان» مع أنهم لم يقولوا إلا الحق. الرابعة: « (ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي) » .
ــ
فيه مسائل:
الأولى: تحذير الناس من الغلو. تؤخذ من قوله: «ولا يستجرينكم الشيطان» ووجهه: أن الرسول ﷺ جعل هذا من استجراء الشيطان، والإنسان يجب عليه أن يحذر كل ما كان من طرق الشيطان.
الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: «أنت سيدنا» . وتؤخذ من قوله: «السيد الله» ؛ فينبغي أن يقول من قيل له ذلك: «السيد الله» .
الثالثة: قوله: (لا يستجرينكم الشيطان) مع أنهم لم يقولوا إلا الحق. ظاهر كلام المؤلف أن هذا من استجراء الشيطان؛ فهذه الكلمة يحتمل أن معناها أن ما قلتم من استجراء الشيطان.
ويحتمل أن المعنى: قولوا بهذا القول، ولكن إياكم أن تغلوا، فإن هذا من استجراء الشيطان، وهذا ظاهر الحديث كما سبق.
الرابعة: قوله: «ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي» . أي: إني أكره أن ترفعوني فوق منزلتي، وهي العبودية والرسالة؛ ففيها تواضعه ﷺ .
стр. 3948
باب ما جاء في قول الله تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [الزمر: ٦٧] .
ــ
قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾ . الضمير يعود على المشركين، وقدروا: عظموا، أي: ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أشركوا به ما كان من مخلوقاته.
قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . يحتمل أن تكون الواو للحال، أي: ما قدروا الله حق قدره في هذه الحال.
ويحتمل أن تكون للاستئناف، لبيان عظمة الله ، وهذا أقوى؛ لأنه يعم هذه الحال وغيرها.
والقبضة: هي ما يقبض باليد، وليس المراد بها الملك كما قيل، نعم، لو قال: والأرض في قبضته، لكان تفسيرها بالملك محتملا.
قوله جميعا. حال من الأرض، فيشمل بحارها وأنهارها وأشجارها وكل ما فيها، الأرض كلها جميعا قبضته يوم القيامة، والسماوات على عظمها وسعتها مطويات بيمينه، قال الله : ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
قوله: ﴿ ﴾ . هذا تنزيه له عن كل نقص وعيب، ومما ينزه عنه هذه الأنداد، ولهذا قال: وتعالى، أي: ترفع.
قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . أي: عن كل شرك يشركونه به، سواء جعلوا الخالق كالمخلوق أو العكس.
стр. 3949
عن ابن مسعود ﵁؛ قال: « (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع،»
ــ
قوله (حبر) . الحبر هو العالم الكثير العلم، والحبر يشابه البحر في اشتقاق الحروف، ولهذا كان العالم أحيانا يسمى بالحبر وأحيانا بالبحر.
قوله: (إنا نجد) أي: في التوراة.
قوله: (فضحك النبي ﷺ . ولولا ما بعدها لاحتملت أن تكون إنكارا؛ لأن من حدثك بحديث لا تطمئن إليه ضحكت منه، لكنه قال: «تصديقا لقول الحبر» ؛ فكانت إقرارا لا غير، ويدل لذلك قوله: ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية؛ فهذا يدل على أنه ﷺ أقره واستشهد لقوله بآية من كتاب الله، فضحكه واستشهاده تقرير لقول الحبر، وسبب الضحك هو سروره، حيث جاء في القرآن ما يصدق ما وجده هذا الحبر في كتبه؛ لأنه لا شك أنه إذا جاء ما يصدق القرآن؛ فإن الرسول ﷺ سوف يسر به، وإن كان الرسول ﷺ يعلم علم اليقين أن القرآن من عند الله، لكن تضافر البينات مما يقوي الشيء، أرأيت أسامة بن زيد وأبوه زيد بن حارثة؟ هل كان عند النبي ﷺ شك في أن أسامة ابن لزيد؟ .
الجواب: ليس عنده شك في ذلك، ولما مر بهما مجزز المدلجي - وهو من أهل القيافة - وقد تغطيا بقطيفة لم يبد منهما إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر النبي ﷺ سرورا
стр. 3950
«وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه؛ تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية) » متفق عليه
ــ
عظيما حتى «دخل على عائشة مسرورا تبرق أسارير وجهه، وقال: (ألم تري أن مجززا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة، قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض) » ، فالمهم أن الرسول ﷺ دخل تبرق أسارير وجهه؛ لأن في ذلك تأييدا للحق، وكان المشركون يقدحون في أسامة بن زيد وأبيه لاختلاف ألوانهما، فكان أسامة أسود شديد السواد وأبوه زيد شديد البياض، لكن الأمر ليس كما قالوا، بل هم كاذبون في ذلك، واختلاف اللون لا يوجب شبهة إلا لذي هوى، فلعل المخالف في اللون نزعة عرق.
قوله: (أصبع) . واحدة الأصابع، وهي مثلثة الأول والثالث، ففيها تسع لغات، والعاشر أصبوع، وفي هذا يقول الناظم:
وهمز أنملة ثلث وثالثة ... التسع في أصبع واختم بأصبوع
قوله: (أنا الملك) . هذه الجملة تفيد الحصر؛ لأنها اسمية معرفة الجزأين،
стр. 3951
ففي ذلك اليوم لا ملك لأحد، قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ، وكل الناس الملوك منهم والمملوكون على حد سواء يحشرون حفاة عراة غرلا، وبهذا يظهر ملكوت الله في ذلك اليوم ظهورا بينا؛ لأنه سبحانه ينادي: لمن الملك اليوم، فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ .
وقوله: الملك. أي: ذو السلطان، وليس مجرد المتصرف، بل هو المتصرف فيما يملك على وجه السلطة والعلو، وأما (المالك) فدون ذلك، ولهذا يمتدح نفسه تعالى بأنه الملك، وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فيها قراءتان: (ملك، ومالك) ؛ ليتبين بذلك أنه ملك مالك.
فملك الله تعالى متضمن لكمال السلطان والتدبير والملك، بخلاف غيره، فإن من ملوك الدنيا من يكون ملكا لا يملك التصرف، ومنهم المالك وليس بملك.
وقوله: «حتى بدت نواجذه» . أي: ظهرت، ونواجذ: جمع ناجذ، وهو أقصى الأضراس.
وهذا الضحك من النبي ﷺ تقرير لقول الحبر، ولهذا قال ابن مسعود: «تصديقا لقول الحبر» ولو كان منكرا ما ضحك الرسول ﷺ ولا استشهد بالآية، ولقال له: كذبت كما كذب الذين ادعوا أن الذي يزني لا يرجم، ولكنه ضحك تصديقا لقول الحبر سرورا بأن ما ذكره موافق لما جاء به القرآن الذي أوحي إلى محمد ﷺ .
قوله: ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ الآية. هذا معنى الآية التي لا تحتمل غيره، وأن السماوات مطويات كطي السجل للكتب
стр. 3952
بيمينه، أي: يده ﵎، لأن ذلك تفسيره ﷺ ، وتفسيره في الدرجة الثانية من حيث الترتيب، لكنه كالقرآن في الدرجة الأولى من حيث القبول والحجة.
وأما تفسير أهل التحريف، فيقول بعضهم: (قبضته) ؛ أي: في قبضته وملكه وتصرفه، وهو خطأ؛ لأن الملك والتصرف كائن يوم القيامة وقبله.
وقول بعضهم: السماوات مطويات، أي: تالفة وهالكة، كما تقول: انطوى ذكر فلان، أي: زال ذكره.
و (بيمينه) ، أي: بقسمه؛ لأنه قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٦-٢٧] ، فجعلوا المراد باليمين القسم. . . إلى غير ذلك من التحريفات التي يلجأ إليها أهل التحريف، وهذا لظنهم الفاسد بالله، حيث زعموا أن إثبات مثل هذه الصفات يستلزم التمثيل، فصاروا ينكرون ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته رسوله وسلف الأمة بشبهات يدعونها حججا.
فيقال لهم: هل أنتم أعلم بالله من الله؟ .
إن قالوا: نعم؛ كفروا، وإن قالوا: لا، قلنا: هل أنتم أفصح في التعبير عن المعاني من الله؟ .
إن قالوا: نعم؛ كفروا، وإن قالوا: لا؛ خُصموا، وقلنا لهم: إن الله بين ذلك أبلغ بيان بأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والرسول ﷺ أقر الحبر على ما ذكر فيما يطابق الآية، وهل أنتم أنصح من الرسول ﷺ لعباد الله؟ فسيقولون: لا.
فإذا كان كلامه تعالى أفصح الكلام، وأصدقه، وأبينه، وأعلم بما يقول؛ لزم علينا أن نقول مثل ما قال عن نفسه، ولسنا بمذنبين، بل الذنب على من
стр. 3953
صرف كلامه عن حقيقته التي أراده الله بها.
ومن فوائد الحديث:
إثبات الأصابع لله لإقراره ﷺ هذا الحبر على ما قال.
والإصبع إصبع حقيقي يليق بالله ؛ كاليد، وليس المراد بقوله: (على إصبع) سهولة التصرف في السماوات والأرض، كما يقوله أهل التحريف، بل هذا خطأ مخالف لظاهر اللفظ والتقسيم، ولأنه ﷺ أثبت ذلك بإقراره؛ ولقوله ﷺ : « (إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن) » .
وقوله: (بين أصبعين) لا يلزم من البينية المماسة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤] ، والسحاب لا يمس الأرض ولا السماء وهو بينهما، ونقول: عنيزة بين الزلفي والرس، ولا يلزم أن تكون متصلة بهما، وتقول: شعبان بين ذي القعدة وجمادى، ولا يلزم أن يكون مواليا له؛ فتبين أن البينية لا تستلزم الاتصال في الزمن أو المكان، وكما ثبت عنه ﷺ : إن الله يكون قبل وجه المصلي ولا يلزم من المقابلة أن يكون بينه وبين الجدار أو السترة التي يصلي عليها، فهو قبل وجهه وإن كان على عرشه، ومثال ذلك: الشمس حين تكون في الأفق عند الشروق أو الغروب؛ فإن من الممكن أن تكون قبل وجهك وهي في العلو.
فتبين بهذا أن هؤلاء المحرفين على ضلال، وأن من قال: إن طريقتهم أعلم وأحكم؛ فقد ضل.
стр. 3954
ومن المشهور عندهم قولهم: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذا القول على ما فيه من التناقض قد يوصل إلى الكفر؛ فهو:
أولا: فيه تناقض؛ لأنهم قالوا: طريق السلف أسلم، ولا يعقل أن تكون الطريقة أسلم وغيرها أعلم وأحكم؛ لأن الأسلم يستلزم أن يكون أعلم وأحكم، فلا سلامة إلا بعلم بأسباب السلامة وحكمة في سلوك هذه الأسباب.
ثانيا: أين العلم والحكمة من التحريف والتعطيل؟ .
ثالثا: يلزم منه أن يكون هؤلاء الخالفون أعلم بالله من رسوله ﷺ وأصحابه؛ لأن طريقة السلف هي طريقة النبي ﷺ وأصحابه.
رابعا: أنها قد تصل الكفر؛ لأنها تستلزم تجهيل النبي ﷺ وتسفيهه، فتجهيله ضد العلم، وتسفيهه ضد الحكمة، وهذا خطر عظيم.
فهذه العبارة باطلة حتى وإن أرادوا بها معنى صحيحا، لأن هؤلاء بحثوا وتعمقوا وخاضوا في أشياء كان السلف لم يتكلموا فيها، فإن خوضهم في هذه الأشياء هو الذي ضرهم وأوصلهم إلى الحيرة والشك، وصدق النبي ﷺ حين قال: « (هلك المتنطعون) » ، فلو أنهم بقوا على ما كان عليه السلف الصالح ولم يتنطعوا؛ لما وصلوا إلى هذا الشك والحيرة والتحريف، حتى إن بعض أئمة أهل الكلام كان يتمنى أن يموت على عقيدة أمه العجوز التي لا تعرف هذا الضلال، ويقول بعضهم: ها أنا أموت على عقيدة عجائز نيسابور.
وهذا من شدة ما وجدوا من الشك والقلق والحيرة، ولا تظن أن العقيدة الفاسدة يمكن أن يعيش الإنسان عليها أبدا، لا يمكن أن يعيش الإنسان إلا على
стр. 3955
عقيدة سليمة، وإلا ابتلي بالشك والقلق والحيرة، وقد قال بعضهم: أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام، وما بالك - والعياذ بالله - بالشك عند الموت، يختم للإنسان بضد الإيمان.
لكن لو أخذنا العقيدة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ بسهولة وبما جرى عليه السلف، ونقول كما قال الرازي وهو من علمائهم ورؤسائهم: رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ؛ يعني: فأثبت، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠] ، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي؛ لأنه أقر قبل هذا الكلام، فقال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تروي غليلا ولا تشفي عليلا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن.
والحاصل أن هؤلاء المنكرين لما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله اعتمادا على هذا الظن الفاسد أنها تقتضي التمثيل قد ضلوا ضلالا مبينا؛ فالصحابة ﵃ هل ناقشوا الرسول ﷺ في هذا؟ والذي نكاد نشهد به إن لم نشهد به أنه حين يمر عليهم مثل هذا الحديث يقبلونه على حقيقته، لكن يعلمون أن الله لا مثل له؛ فيجمعون بين الإثبات وبين النفي.
إذًا موقفنا من هذا الحديث الذي فيه إثبات الأصابع لله أن نقر به ونقبله، وأن لا نقتصر على مجرد إمراره بدون معنى فنكون بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، بل نقرؤه ونقول: المراد به أصبع حقيقي يجعل الله عليه هذه الأشياء الكبيرة، ولكن لا يجوز أبدا أن نتخيل بأفهامنا أو أن نقول بألسنتنا: إنه مثل أصابعنا، بل نقول: الله أعلم بكيفية هذه الأصابع؛
стр. 3956
وفي رواية لمسلم: « (والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله) » .
ــ
فكما أننا لا نعلم ذاته المقدسة، فكذلك لا نعلم كيفية صلاته، بل نكل علمها إلى الله .
قوله (ثم يهزهن) . أي: هزا حقيقيا، ليبين للعباد في ذلك الموقف العظيم عظمته وقدرته، «وكان الرسول ﷺ يقرأ هذه الآية ويقبض أصابعه ويبسطها، فصار المنبر يتحرك ويهتز» لأنه ﷺ كان يتكلم بهذا الكلام وقلبه مملوء بتعظيم الله تعالى.
فإن قلت: هل نفعل أيدينا كما فعل النبي ﷺ ؟ .
فالجواب: إن هذا يختلف بحسب ما يترتب عليه؛ فليس كل من شاهد أو سمع يتقبل ذهنه ذلك بغير أن يشعر بالتمثيل، فينبغي أن نكف لأن هذا ليس بواجب حتى نقول: يجب علينا أن نبلغ كما بلغ الرسول ﷺ بالقول والفعل، أما إذا كنا نتكلم مع طلبة علم أو مع إنسان مكابر ينفي هذا ويريد أن يحول المعنى إلى غير الحقيقة، فحينئذ نفعل كما فعل الرسول ﷺ .
فلو قال قائل: إن الله سميع بصير، لكن قال: سميع بلا سمع وبصير بلا بصر، مع أن الرسول ﵊ حين قرأ قوله تعالى:
стр. 3957
وفي رواية للبخاري: «يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع» أخرجاه.
ــ
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] وضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه وأبو هريرة حين حدث به كذلك (١) ؛ فهذا الإنسان الذي يقول: إن الله سميع بلا سمع بصير بلا بصر نقول له هكذا.
وكذلك الذي ينكر حقيقة اليد ويقول: إن الله لا يقبض السماوات بيمينه، وأن معنى قبضته؛ أي: في تصرفه؛ فهذا نقول له كما فعل الرسول ﷺ .
فالمقام ليس بالأمر السهل، بل هو أمر صعب ودقيق للغاية؛ فإنه يخشى من أن يقع أحد في محذور كان بإمكانك أن تمسك عنه، وهذا هو فعل الرسول ﷺ في جميع تصرفاته إذا تأملتها، حتى الأمور العملية قد يؤجلها إذا خاف من فتنة أو من شيء أشد ضررا؛ كما أخر بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خوفا من أن يكون فتنة لقريش الذين أسلموا حديثا
قوله: « (والماء والثرى على إصبع) » . هذا لا ينافي قوله: (الأرضين على إصبع) ؛ لأنه يقال: (الماء والثرى على إصبع) ؛ أي: الأرض كلها على إصبع، ويراد بالإصبع الجنس، وإلا لتناقض مع معنى الحديث الذي قبله: « (الشجر على»
стр. 3958
ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: « (يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) »
ــ
«إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع) » ؛ إذ النكرة إذا كررت بلفظ النكرة؛ فالثاني غير الأول غالبا، وإذا كررت بلفظ المعرفة، فالثاني هو الأول غالبا، فيقال: الماء والثرى كناية عن الأرض كلها، أو إن الماء والثرى على إصبع وسكت عن الباقي، إما اختصارا أو اقتصارا.
قوله: (ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: (يطوي الله السماوات. . .) سبق معنى هذا الحديث، وأن المراد بالطي الطي الحقيقي.
قوله: (ثم يقول: أنا الملك) . يقول ذلك ثناء على نفسه - سبحانه -، وتنبيها على عظمته الكاملة وعلى ملكه الكامل، وهو السلطان، فهو مالك ذو سلطان، وهذه الجملة كلا جزأيها معرفة، وإذا كان المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، فإن ذلك من طرق الحصر؛ أي: أنا الذي لي الملكية المطلقة والسلطان التام لا ينازعني فيهما أحد.
стр. 3959
ــ
قوله: (أين الجبارون؟) . الاستفهام للتحدي، فيقول: أين الملوك الذين كانوا في الدنيا لهم السلطة والتجبر والتكبر على عباد الله؟ وفي ذلك الوقت يحشرون أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم.
قوله: «يطوي الأرضين السبع» . أشار الله في القرآن إلى أن الأرضين سبع، ولم يرد العدد صريحا في القرآن، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ، والمماثلة هنا لا تصح إلا في العدد؛ لأن الكيفية تتعذر المماثلة فيها، وأما السنة، فقد صرحت بعدة أحاديث بأنه سبع.
قوله: (ثم يأخذهن بشماله) . كلمة (شمال) اختلف فيها الرواة، فمنهم من أثبتها، ومنهم من أسقطها، وقد حكموا على من أثبتها بالشذوذ؛ لأنه خالف ثقتين في روايتها عن ابن عمر.
ومنهم من قال: إن ناقلها ثقة، ولكنه قالها من تصرفه.
وأصل هذه التخطئة هو ما ثبت في (صحيح مسلم) : أن الرسول ﷺ قال: « (المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين) » ، وهذا يقتضي أنه ليس هناك يد يمين ويد شمال.
ولكن إذا كانت لفظة (شمال) محفوظة؛ فهي عندي لا تنافي (كلتا يديه يمين) ؛ لأن المعنى أن اليد الأخرى ليست كيد الشمال بالنسبة للمخلوق ناقصة عن اليد اليمنى، فقال: (كلتا يديه يمين) أي: ليس فيه نقص، ويؤيد هذا قوله في حديث آدم: « (اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة) » (١) ، فلما كان
стр. 3960
وروي عن ابن عباس؛ قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» . (١)
ــ
الوهم يذهب إلى أن إثبات الشمال؛ يعني: النقص في هذه اليد دون الأخرى؛ قال: (كلتا يديه يمين) ، ويؤيده أيضا قوله: «المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن» ، فإن المقصود بيان فضلهم ومرتبتهم، وأنهم على يمين الرحمن - سبحانه -.
وعلى كل؛ فإن يديه - سبحانه - اثنتان بلا شك، وكل واحدة غير الأخرى، وإذا وصفنا اليد الأخرى بالشمال؛ فليس المراد أنها أقل قوة من اليد اليمنى، بل كلتا يديه يمين.
والواجب علينا أن نقول: إن ثبتت عن رسول ﷺ ؛ فنحن نؤمن بها، ولا منافاة بينها وبين قوله: (كلتا يديه يمين) كما سبق، وإن لم تثبت، فلن نقول بها.
قوله: (في كف الرحمن) هكذا ساقه المؤلف، والذي في ابن جرير (في يد الله) ، ففيما ساقه المؤلف لإثبات الكف لله تعالى، إن كان السياق محفوظا وإلا ففيه إثبات اليد. أما الكف فقد ثبت في أحاديث أخرى صحيحة.
قوله: (إلا كخردلة) . هي حبة نبات صغيرة جدا، يضرب بها المثل في