← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وفي رواية لمسلم: « (والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله) » . ــ فكما أننا لا نعلم ذاته المقدسة، فكذلك لا نعلم كيفية صلاته، بل نكل علمها إلى الله . قوله (ثم يهزهن) . أي: هزا حقيقيا، ليبين للعباد في ذلك الموقف العظيم عظمته وقدرته، «وكان الرسول ﷺ يقرأ هذه الآية ويقبض أصابعه ويبسطها، فصار المنبر يتحرك ويهتز» لأنه ﷺ كان يتكلم بهذا الكلام وقلبه مملوء بتعظيم الله تعالى. فإن قلت: هل نفعل أيدينا كما فعل النبي ﷺ ؟ . فالجواب: إن هذا يختلف بحسب ما يترتب عليه؛ فليس كل من شاهد أو سمع يتقبل ذهنه ذلك بغير أن يشعر بالتمثيل، فينبغي أن نكف لأن هذا ليس بواجب حتى نقول: يجب علينا أن نبلغ كما بلغ الرسول ﷺ بالقول والفعل، أما إذا كنا نتكلم مع طلبة علم أو مع إنسان مكابر ينفي هذا ويريد أن يحول المعنى إلى غير الحقيقة، فحينئذ نفعل كما فعل الرسول ﷺ . فلو قال قائل: إن الله سميع بصير، لكن قال: سميع بلا سمع وبصير بلا بصر، مع أن الرسول ﵊ حين قرأ قوله تعالى:

стр. 3957

وفي رواية للبخاري: «يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع» أخرجاه. ــ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] وضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه وأبو هريرة حين حدث به كذلك (١) ؛ فهذا الإنسان الذي يقول: إن الله سميع بلا سمع بصير بلا بصر نقول له هكذا. وكذلك الذي ينكر حقيقة اليد ويقول: إن الله لا يقبض السماوات بيمينه، وأن معنى قبضته؛ أي: في تصرفه؛ فهذا نقول له كما فعل الرسول ﷺ . فالمقام ليس بالأمر السهل، بل هو أمر صعب ودقيق للغاية؛ فإنه يخشى من أن يقع أحد في محذور كان بإمكانك أن تمسك عنه، وهذا هو فعل الرسول ﷺ في جميع تصرفاته إذا تأملتها، حتى الأمور العملية قد يؤجلها إذا خاف من فتنة أو من شيء أشد ضررا؛ كما أخر بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خوفا من أن يكون فتنة لقريش الذين أسلموا حديثا قوله: « (والماء والثرى على إصبع) » . هذا لا ينافي قوله: (الأرضين على إصبع) ؛ لأنه يقال: (الماء والثرى على إصبع) ؛ أي: الأرض كلها على إصبع، ويراد بالإصبع الجنس، وإلا لتناقض مع معنى الحديث الذي قبله: « (الشجر على»

стр. 3958

ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: « (يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) » ــ «إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع) » ؛ إذ النكرة إذا كررت بلفظ النكرة؛ فالثاني غير الأول غالبا، وإذا كررت بلفظ المعرفة، فالثاني هو الأول غالبا، فيقال: الماء والثرى كناية عن الأرض كلها، أو إن الماء والثرى على إصبع وسكت عن الباقي، إما اختصارا أو اقتصارا. قوله: (ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: (يطوي الله السماوات. . .) سبق معنى هذا الحديث، وأن المراد بالطي الطي الحقيقي. قوله: (ثم يقول: أنا الملك) . يقول ذلك ثناء على نفسه - سبحانه -، وتنبيها على عظمته الكاملة وعلى ملكه الكامل، وهو السلطان، فهو مالك ذو سلطان، وهذه الجملة كلا جزأيها معرفة، وإذا كان المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، فإن ذلك من طرق الحصر؛ أي: أنا الذي لي الملكية المطلقة والسلطان التام لا ينازعني فيهما أحد.

стр. 3959

ــ قوله: (أين الجبارون؟) . الاستفهام للتحدي، فيقول: أين الملوك الذين كانوا في الدنيا لهم السلطة والتجبر والتكبر على عباد الله؟ وفي ذلك الوقت يحشرون أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم. قوله: «يطوي الأرضين السبع» . أشار الله في القرآن إلى أن الأرضين سبع، ولم يرد العدد صريحا في القرآن، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ، والمماثلة هنا لا تصح إلا في العدد؛ لأن الكيفية تتعذر المماثلة فيها، وأما السنة، فقد صرحت بعدة أحاديث بأنه سبع. قوله: (ثم يأخذهن بشماله) . كلمة (شمال) اختلف فيها الرواة، فمنهم من أثبتها، ومنهم من أسقطها، وقد حكموا على من أثبتها بالشذوذ؛ لأنه خالف ثقتين في روايتها عن ابن عمر. ومنهم من قال: إن ناقلها ثقة، ولكنه قالها من تصرفه. وأصل هذه التخطئة هو ما ثبت في (صحيح مسلم) : أن الرسول ﷺ قال: « (المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين) » ، وهذا يقتضي أنه ليس هناك يد يمين ويد شمال. ولكن إذا كانت لفظة (شمال) محفوظة؛ فهي عندي لا تنافي (كلتا يديه يمين) ؛ لأن المعنى أن اليد الأخرى ليست كيد الشمال بالنسبة للمخلوق ناقصة عن اليد اليمنى، فقال: (كلتا يديه يمين) أي: ليس فيه نقص، ويؤيد هذا قوله في حديث آدم: « (اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة) » (١) ، فلما كان

стр. 3960

وروي عن ابن عباس؛ قال: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم» . (١) ــ الوهم يذهب إلى أن إثبات الشمال؛ يعني: النقص في هذه اليد دون الأخرى؛ قال: (كلتا يديه يمين) ، ويؤيده أيضا قوله: «المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن» ، فإن المقصود بيان فضلهم ومرتبتهم، وأنهم على يمين الرحمن - سبحانه -. وعلى كل؛ فإن يديه - سبحانه - اثنتان بلا شك، وكل واحدة غير الأخرى، وإذا وصفنا اليد الأخرى بالشمال؛ فليس المراد أنها أقل قوة من اليد اليمنى، بل كلتا يديه يمين. والواجب علينا أن نقول: إن ثبتت عن رسول ﷺ ؛ فنحن نؤمن بها، ولا منافاة بينها وبين قوله: (كلتا يديه يمين) كما سبق، وإن لم تثبت، فلن نقول بها. قوله: (في كف الرحمن) هكذا ساقه المؤلف، والذي في ابن جرير (في يد الله) ، ففيما ساقه المؤلف لإثبات الكف لله تعالى، إن كان السياق محفوظا وإلا ففيه إثبات اليد. أما الكف فقد ثبت في أحاديث أخرى صحيحة. قوله: (إلا كخردلة) . هي حبة نبات صغيرة جدا، يضرب بها المثل في

стр. 3961

وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب: قال: قال ابن زيد: حدثني أبي؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» . قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: « (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض) » (١) ــ الصغر والقلة، وهذا يدل على عظمته - سبحانه -، وأنه - سبحانه - لا يحيط به شيء، والأمر أعظم من هذا التمثيل التقريبي؛ لأنه تعالى لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأفهام. قوله: (قال ابن جرير) . هو المفسر المشهور ﵀، وله تفسير أثري يعتمد فيه على الآثار، لكن آفته أنه لم يمحص هذه الآثار، وأتى بالصحيح والضعيف وما دون الضعيف أيضا، وكأنه ﵀ أراد أن يقيد هذا وجعل الحكم بالصحة والضعف موكولا إلى القارئ، وربما كان يريد أن يرجع إليه مرة ثانية ويمحصه، ولكن لم يتيسر ذلك. قوله: « (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في»

стр. 3962

وعن ابن مسعود قال: « (بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم) » . أخرجه ابن مهدي ــ «ترس) » . الكرسي: موضع قدمي الله تعالى، هكذا قال ابن عباس ﵄، والدراهم: جمع درهم، وهو النقد من الفضة، والترس: شيء من جلد أو خشب يحمل عند القتال يتقى به السيف والرمح ونحوهما. قوله: (ما الكرسي في العرش) . أي: بالنسبة إليه، والعرش هو المخلوق العظيم الذي استوى عليه الرحمن، ولا يقدر قدره إلا الله ، والمراد بالحلقة حلقة الدرع، وهي صغيرة وليست بشيء بالنسبة إلى فلاة الأرض. وهذا الحديث يدل على عظمته ؛ فيكون مناسبا لتفسير الآية التي جعلها المؤلف ترجمة للباب. قوله: (وعن ابن مسعود) . هذا الحديث موقوف على ابن مسعود، لكنه من الأشياء التي لا مجال للرأي فيها، فيكون له حكم الرفع، لأن ابن مسعود ﵁ لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات. قوله «بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام» . وعلى هذا تكون المسافة بين السماء الدنيا والماء أربعة آلاف سنة، وفي حديث آخر: «إن كثف كل»

стр. 3963

عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله. ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله. قاله الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى؛ قال: (وله طرق) . ــ «سماء خمسمائة عام» ، وعلى هذا يكون بين السماء الدنيا والماء سبعة آلاف وخمسمائة، وإن صح الحديث، فمعناه أن علو الله بعيد جدا. فإن قيل: يرد على هذا ما ذكره المعاصرون اليوم من أن بيننا وبين بعض النجوم والمجرات مسافات عظيمة؟ . يقال في الجواب: إنه إذا صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، فإنا نضرب بما عارضها عرض الحائط، لكن إذا قدر أننا رأينا الشيء بأعيننا، وأدركنا بأبصارنا وحواسنا، ففي هذه الحال يجب أن نسلك أحد الأمرين: الأول: محاولة الجمع بين النص والواقع إن أمكن الجمع بينهما بأي طريق من طرق الجمع. الثاني: إن لم يمكن الجمع تبين ضعف الحديث؛ لأنه لا يمكن للأحاديث الصحيحة أن تخالف شيئا حسيا واقعا أبدا؛ كما قال شيخ الإسلام في كتابه (العقل والنقل) : (لا يمكن للدليلين القطعيين أن يتعارضا أبدا؛ لأن تعارضهما

стр. 3964

يقتضي إما رفع النقيضين أو جمع النقيضين، وهذا مستحيل، فإن ظن التعارض بينهما، فإما أن لا يكون تعارض ويكون الخطأ من الفهم، وأما أن يكون أحدهما ظنيا والآخر قطعيا) . فإذا جاء الأمر الواقع الذي لا إشكال فيه مخالفا لظاهر شيء من الكتاب أو السنة؛ فإن ظاهر الكتاب يؤول حتى يكون مطابقا للواقع، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان:٦١] ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] ، أي: في السماوات. والآية الثانية أشد إشكالا من الآية الأولى؛ لأن الآية الأولى يمكن أن نقول: المراد بالسماء العلو، ولكن الآية الثانية هي المشكلة جدا، والمعلوم بالحس المشاهد أن القمر ليس في السماء نفسها، بل هو في فلك بين السماء والأرض. والجواب أن يقال: إن كان القرآن يدل على أن القمر مرصع في السماء كما يرصع المسمار في الخشبة دلالة قطعية؛ فإن قولهم: إننا وصلنا القمر ليس صحيحا، بل وصلوا جرما في الجو ظنوه القمر. لكن القرآن ليس صريحا في ذلك، وليست دلالته قطعية في أن القمر مرصع في السماء؛ فآية الفرقان قال الله فيها: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ ؛ فيمكن أن يكون المراد بالسماء العلو؛ كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الرعد: ١٧] ، والماء ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ، وهذا التأويل للآية قريب. وأما قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ ؛ فيمكن فيها التأويل أيضا بأن يقال: المراد لقوله: فيهن: في جهتهن، وجهة السماوات العلو، وحينئذ

стр. 3965

يمكن الجمع بين الآيات والواقع. قوله: «والله فوق العرش» . هذا نص صريح بإثبات علو الله تعالى علوا ذاتيا، وعلو الله ينقسم إلى قسمين: أ - علو الصفة، وهذا لا ينكره أحد ينتسب للإسلام، والمراد به كمال صفات الله؛ كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل:٦٠] . ب - علو الذات، وهذا أنكره بعض المنتسبين للإسلام فيقولون: كل العلو الوارد المضاف إلى الله المراد به علو الصفة، فيقولون في قوله ﷺ : (والله فوق العرش) ؛ أي: في القوة والسيطرة والسلطان وليس فوقه بذاته. ولا شك أن هذا تحريف في النصوص وتعطيل في الصفات. والذين أنكروا علو الله بذاته انقسموا إلى قسمين: أ - من قال: إن الله بذاته في كل مكان، وهذا لا شك ضلال مقتض للكفر. ب - من قال: إنه لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا متصل بالخلق ولا منفصل عن الخلق، وهذا إنكار محض لوجود الله والعياذ بالله، ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل لنا: صفوا العدم؛ ما وجدنا أبلغ من هذا الوصف. ففروا من شيء دلت عليه النصوص والعقول والفطر إلى شيء تنكره النصوص والعقول والفطر. قوله: «لا يخفى عليه شيء من أعمالكم» . يشمل أعمال القلوب وأعمال الجوارح المرئي منه والمسموع؛ وذلك لعموم علمه وسعته، وإنما أتى بذلك بعد

стр. 3966

وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « (هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ . قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة» ــ ذكر علوه ليبين أن علوه لا يمنع علمه بأعمالنا، وهو إشارة واضحة إلى علو ذاته ﵎. قوله: (العباس) . يقال العباس، وعباس، و (أل) هنا لا تفيد التعريف، لأن عباس معرفة لكونه علما، لكنها للمح الأصل، كما يقال: الفضل لفضله، والعباس لعبوسه على الأعداء، قال ابن مالك: وبعض الأعلام عليه دخلا ... للمح ما قد كان عنده نُقلا قوله: (هل تدرون) . (هل) : استفهامية يراد بها أمران: أ - التشويق لما سيذكر. ب - التنبيه إلى ما سيلقيه عليهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] ، هذا تنبيه وتشويق إلى شيء من آيات الله الكونية. وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] ، هذا تنبيه وتشويق على شيء من آيات الله الشرعية وهو الإيمان والعمل الصالح. وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] تنبيه وتحذير. وقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٦] تنبيه وتحذير. واختلاف هذه المعاني بحسب القرائن والسياق، وإلا فالأصل في الاستفهام أنه طلب العلم بالشيء.

стр. 3967

«خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة» ــ قوله: (كم) . استفهامية. قوله: «قلنا: الله ورسوله أعلم» . جاء العطف بالواو؛ لأن علم الرسول من علم الله، فهو الذي يعلمه بما لا يدركه البشر. وكذلك في المسائل الشرعية يقال: الله ورسوله أعلم؛ لأنه ﷺ أعلم الخلق بشرع الله، وعلمه به من علم الله، وما قاله ﷺ في الشرع فهو كقول الله وليس هذا كقوله: «ما شاء الله وشئت» ؛ لأن هذا في باب القدر والمشيئة، ولا يمكن أن يجعل الرسول ﷺ مشاركا لله في ذلك، بل يقال: ما شاء الله، ثم يعطف بـ (ثم) ، والضابط في ذلك أن الأمور الشرعية يصح فيها العطف بالواو، وأما الكونية فلا. ومن هنا نعرف خطأ وجهل من يكتب على بعض الأعمال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥] بعد موت الرسول ﷺ وتعذر رؤيته، فالله يرى، ولكن رسوله لا يرى؛ فلا تجوز كتابته لأنه كذب عليه ﷺ . قوله: (خمسمائة سنة) . الميم الثانية في خمسمائة مكسورة والألف لا ينطق بها. قوله: «وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض» ، وذلك خمسمائة سنة. قوله: (والله تعالى فوق ذلك) . هذا دليل على العلو العظيم لله - عز

стр. 3968

«والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم) » . أخرجه أبو داود وغيره. ــ وجل - وأنه - سبحانه - فوق كل شيء ولا يحيط به شيء من مخلوقاته، لا السماوات ولا غيرها، وعليه فإنه - سبحانه - لا يوصف بأنه في جهة تحيط به؛ لأن ما فوق السماوات والعرش عدم، ليس هناك شيء حتى يقال: إن الله أحاط به شيء من مخلوقاته. ولهذا جاء في بعض كتب أهل الكلام يقولون: لا يجوز أن يوصف الله بأنه في جهة مطلقا، وينكرون العلو ظنا منهم أن إثبات الجهة يستلزم الحصر. وليس كذلك، لأننا نعلم أن ما فوق العرش عدم لا مخلوقات فيه، ما ثم إلا الله، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته أبدا. فالجهة إثباتها لله فيه تفصيل، أما إطلاق لفظها نفيا وإثباتا فلا نقول به؛ لأنه لم يرد أن الله في جهة، ولا أنه ليس في جهة، ولكن نفصل، فنقول: إن الله في جهة العلو؛ لأن الرسول ﷺ «قال للجارية: (أين الله؟) » وأين يستفهم بها عن المكان؛ فقالت: في السماء.

стр. 3969

فأثبتت ذلك، فأقرها النبي ﷺ ، وقال: «اعتقها، فإنها مؤمنة» . وأهل التحريف يقولون: (أين) بمعنى (من) ، أي: من الله؟ قالت: في السماء، أي: هو من في السماء، وينكرون العلو. وقد رد عليهم ابن القيم ﵀ في كتبه ومنها (النونية) ، وقال لهم: اللغة العربية لا تأتي فيها (أين) بمعنى (من) ، وفرق بين (أين) و (من) . فالجهة لله ليست جهة سفل، وذلك لوجوب العلو له فطرة وعقلا وسمعا، وليست جهة علو تحيط به؛ لأنه تعالى وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو موضع قدميه؛ فكيف يحيط به تعالى شيء من مخلوقاته؟! . فهو في جهة علو لا تحيط به، ولا يمكن أن يقال: إن شيئا يحيط به، لأننا نقول: إن ما فوق العرش عدم ليس ثم إلا الله - سبحانه -، ولهذا قال: «والله تعالى فوق ذلك» . قوله: «وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم» . وقوله: (أعمال) إن قرنت بالأقوال صار المراد بها: أعمال الجوارح، والأقوال للسان، وإن أفردت شملت أعمال الجوارح وأقوال اللسان وأعمال القلوب، وهي هنا مفردة؛ فتشمل كل ما يتعلق باللسان أو القلب أو الجوارح، بل أبلغ من ذلك أنه لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم في المستقبل، فهو يعلم ما يكون فضلا عما كان، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [طه:١١٠] ، أي: ما يستقبلونه وما مضى عليهم، ولما قال فرعون لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ ، أي: ما شأنها؟ قال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ ، أي: محفوظة،

стр. 3970

﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ : لا يجهل، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥١،٥٢] : لا يذهل عما مضى . والنبي ﷺ صدر هذا الأمر بـ هل الدالة على التشويق والتنبيه من أجل أن يثبت عقيدة عظيمة، وهو أنه تعالى فوق كل شيء بذاته، وأنه محيط بكل شيء علما؛ لقوله: «وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم» ، فإذا علمنا ذلك؛ أوجب لنا تعظيمه والحذر من مخالفته؛ لأنه فوقنا، فهو عال علينا، وأمره محيط بنا. وفي الحديث صفتان لله: ثبوتية، وهي العلو المستفاد من قوله: (والله فوق ذلك) . وسلبية المستفادة من قوله: «ليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم» ، ولا يوجد في صفات الله صفة سلبية محضة، بل صفاته السلبية التي هي النفي متضمنة لثبوت ضدها على وجه الكمال، فينفى عنه الخفاء لكمال علمه، وينفى عنه اللغوب لكمال قوته، وينفى عنه العجز لكمال قدرته، وما أشبه ذلك. فإذا نفى الله عن نفسه شيئا من الصفات؛ فالمراد انتفاء تلك الصفة عنه لكمال ضدها، كما قال تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، السنة: النعاس. والنوم: الإغفاء العميق، وذلك لكمال حياته وقيوميته؛ إذ لو كان ناقص الحياة لاحتاج إلى النوم، ولو نام ما كان قيوما على خلقه؛ لأنه حين ينام لا يكون هناك من يقوم عليهم، ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون لكمال حياتهم، ولأن النوم في الجنة يذهب عليهم وقتا بلا فرح ولا سرور ولا لذة؛ لأن السرور فيها دائم، ولأن النوم هو الوفاة الصغرى، والجنة لا موت فيها.

стр. 3971

وليس في صفات الله نفي محض؛ لأن النفي المحض عدم لا ثناء فيه ولا كمال، بل هو لا شيء، ولأن النفي أحيانا يرد لكون المحل غير قابل له، مثل قولك: الجدار لا يظلم. وقد يكون نفي الذم ذما، كما في قول: قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل فنفي الغدر عنهم والظلم ليس مدحا، بل ذم ينبئ عن عجزهم وضعفهم. وقال آخر: لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا فليت لي بهمو قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارة ركبانا وفرسانا فنفى أن يكون يد في الشر، وبين أن ذلك لعجزهم عن الانتصار لأنفسهم، وتمنى أن يكون له قوم خير منهم وأقوى.

стр. 3972

فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ﷺ ولم ينكروها ولم يتأولوها. الثالثة: أن الحبر لما ذكر للنبي ﷺ صدقه ونزل القرآن بتقرير ذلك. الرابعة: وقوع الضحك من الرسول ﷺ لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم. ــ فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . وقد تقدم من حديث ابن مسعود، حيث أقر النبي ﷺ الحبر على أن الله يجعل السماوات على إصبع. . . إلخ. الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ﷺ لم ينكروها ولم يتأولوها. كأنه يقول: إن اليهود خير من أولئك المحرفين لها؛ لأنهم لم يكذبوها ولم يتأولوها، وجاء قوم من هذه الأمة فقالوا: ليس لله أصابع، وإن المراد بها القدرة؛ فكأنه يقول: اليهود خير منهم في هذا وأعرف بالله. الثالثة: أن الحبر لما ذكر للنبي ﷺ صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك. ظاهر كلام المؤلف بقوله: (ونزل القرآن) أنه بعد كلام الحبر، وليس كذلك؛ لأنه في حديث ابن مسعود قال: ثم قرأ قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ، وهذا يدل على أن الآية نزلت من قبل، لكن مراد المؤلف أن القرآن قد نزل بتقرير ذلك. الرابعة: وقوع الضحك من الرسول ﷺ لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم. ففيه

стр. 3973

الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السماوات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى. السادسة: التصريح بتسميتها الشمال. السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك. الثامنة: قوله: (كخردلة في كف أحدكم) . التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء. ــ دليل على جواز الضحك في تقرير الأشياء؛ لأن الضحك يدل على الرضا وعدم الكراهة. الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السماوات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى. وقد ثبتت اليدان لله تعالى بالكتاب والسنة وإجماع السلف. وقوله: (في الأخرى) لا يعني أنه ينفي ذكر الشمال لما ذكره في المسألة التالية، وهي: السادسة: التصريح بتسميتها الشمال. وقد سبق الكلام على ذلك. السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك. ووجه ذكرهم أنه إذا كان لهم تجبر وتكبر الآن؛ فليقوموا بذلك. الثامنة: قوله: (كخردلة في كف أحدكم) . يعني بذلك قوله في الحديث: «ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في كف أحدكم» ، هكذا قال المؤلف ﵀ (في كف أحدكم) ، وقد ساق الأثر بقوله: (كخردلة في يد أحدكم) ، وانظر (ص ٣٧٦) وكلامنا على الأثر هناك التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء. حيث ذكر أنها بالنسبة للكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس.

стр. 3974

العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي. الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء. الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء. الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي. الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء. ــ العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي. لأنه جعل الكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض بالنسبة للعرش. الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء. ولم أر من قال: (إن العرش هو الماء، لكن هناك من قال: إن العرش هو الكرسي؛ لحديث: (إن الله يضع كرسيه يوم القيامة) (١) ، وظنوا أن هذا الكرسي هو العرش. وكذلك زعم بعض الناس أن الكرسي هو العلم، فقالوا في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ، أي: علمه. والصواب: أن الكرسي موضع القدمين، والعرش هو الذي استوى عليه الرحمن - سبحانه -، والعلم صفة في العالم يدرك بها المعلوم. الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء. وهو خمسمائة عام. الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي. وهو خمسمائة عام. الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء. وهو خمسمائة عام.

стр. 3975

الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء. السادسة عشرة: أن الله فوق العرش. السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض. الثامنة عشرة: كثف كل سماء خمسمائة سنة. التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السماوات بين أسفله وأعلاه خمسمائة سنة. والله أعلم. ــ الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء. وهي ظاهرة. السادسة عشرة: أن الله فوق العرش. وهي ظاهرة. السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض. وهو خمسمائة عام. الثامنة عشرة: كثف كل سماء خمسمائة سنة. التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السماوات بين أسفله وأعلاه خمسمائة سنة. وقد سبق الكلام على جميع هذه المسائل بأدلتها. ويستفاد من أحاديث الباب: ١ - أن الله لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم. ٢ - التحذير من مخالفة الله . والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وأسأل الله أن يختم لنا ولكم بالتوحيد، آمين.

стр. 3976

رسالة الأصول من علم الأصول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً: الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا. أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في أصول الفقه كتبناها على وفق المنهج المقرر للسَّنَة الثالثة الثانوية في المعاهد وسميناها: (الأصول من علم الأصول) أسأل الله أن يجعل عملنا خالصاً لله نافعاً لعباد الله إنه قريب مجيب.

стр. 3977

أصول الفقه تعريفه: أصول الفقه يعرف باعتبارين: الأول: باعتبار مفرديه أي باعتبار كلمة " أصول " وكلمة " فقه ". فالأصول: جمع أصل وهو ما يبني عليه غيره ومن ذلك أصل الجدار وهو أساسه وأصل الشجرة الذي يتفرغ منه أغصانها قال تعالى: " ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء " (١) . الفقه لغة: الفهم ومنه قوله تعالى: " واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي " (٢) . واصطلاحاً: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية. فالمراد بقولنا " معرفة " العلم والظن لأن إدراك الأحكام الفقيه قد يكون يقينَّيا وقد يكون ظنيًّا كما في كثير من مسائل الفقه. والمراد بقولنا:" الأحكام الشرعية " الأحكام المتلقاة من الشرع كالوجوب والتحريم، فخرج به الأحكام العقلية كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء والأحكام العادية كمعرفة نزول الظل في الليلية الشاتية إذا كان الجو صحواً.

стр. 3978

والمراد بقولنا: " العملية " ما لا يتعلق بالاعتقاد كالصلاة والزكاة فخرج به ما يتعلق بالاعتقاد كتوحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته فلا يسمى ذلك فقهًا في الاصطلاح. والمراد بقولنا: بأدلتها التفصيلية " أدلة الفقه المقرونة بمسائل الفقه التفصيلية فخرج به أصول الفقه لأ ... ن البحث فيه إنما يكون في أدلة الفقه الإجمالية. الثاني: باعتبار كونه لقباً لهذا الفن المعين، فيعرف بأنه: " علم يبحث عن أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد ". ... فالمراد بقولنا: " الإجمالية " القواعد العامة مثل قولهم: الأمر للوجوب والنهي للتحريم والصحة تقتضي النفوذ، فخرج به الأدلة التفصيلية فلا تذكر في أصول الفقه إلا على سبيل التمثيل للقاعدة. ... والمراد بقولنا: " وكيفية الاستفادة منها " معرفة كيف يستفيد الأحكام من أدلتها بدراسة أحكام الألفاظ ودلالاتها من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد وناسخ ومنسوخ وغير ذلك فإنه بإدراكه يستفيد من أدلة الفقه أحكامها. ... والمراد بقولنا: " وحال المستفيد " معرفة حال المستفيد وهو المجتهد سمى مستفيداً لأنه يستفيد بنفسه الأحكام من أدلتها لبلوغه مرتبة الاجتهاد فمعرفة المجتهد وشروط الاجتهاد وحكمه ونحو ذلك يبحث في أصول الفقه.

стр. 3979

فائدة أصول الفقه: إن أصول الفقه علم جليل القدر بالغ الأهمية غزير الفائدة فائدته: التمكن من حصول قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على أسس سليمة. ... وأول من جمعه كفن مستقل الإمام الشافعي محمد بن إدريس ﵀ ثم تابعه العلماء في ذلك فألفوا في التأليف المتنوعة ما بين منثور ومنظوم ومختصر ومبسوط حتى صار فنّاً مستقلاً له كيانه ومميزاته.

стр. 3980

الأحكام الأحكام: جمع حكم وهو لغة القضاء. واصطلاحاً: ما اقتضاه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع. ... فالمراد بقولنا: " خطاب الشرع " الكتاب والسنة. ... والمراد بقولنا: " المتعلق بأفعال المكلفين " ما تعلق بأعمالهم سواء كانت قولاً أم فعلاً إيجاداً أم تركاً. ... فخرج به ما تعلق بالاعتقاد فلا يسمى حكماً بهذا الاصطلاح. ... والمراد بقولنا " المكلفين" ما من شأنهم التكليف فيشمل الصغير والمجنون. ... والمراد بقولنا: " من طلب " الأمر والنهي سواء على سبيل الإلزام أو الأفضلية. ... والمراد بقولنا: " أو تخيير " المباح. ... والمراد بقولنا: " أو وضع " الصحيح والفاسد ونحوهما مما وضعه الشارع من علامات وأوصاف للنفوذ والإلغاء. أقسام الأحكام الشرعية: ... تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: تكليفية ووضعية. فالتكليفية خمسة: الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح. ١- فالواجب لغة: الساقط واللازم.

стр. 3981

واصطلاحاً: ما أمر به الشارع على وجه الإلزام كالصلوات الخمس. ... فخرج بقولنا " ما أمر به الشارع " المحرم والمكروه والمباح. وخرج بقولنا: " على وجه الإلزام " المندوب. والواجب يثاب فاعله امتثالاً ويستحق العقاب تاركه. ويسمى. فرضاً، وفريضة، وحتماً، ولازماً. ٢- والمندوب لغة: المدعو. ... واصطلاحاً: ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام كالرواتب. فخرج بقولنا: " ما أمر به الشارع " المحرم والمكروه والمباح. وخرج بقولنا: " لا على وجه الإلزام " الواجب. والمندوب: يثاب فاعله امتثالاً ولا يعاقب تاركه. ويسمى: سنة، ومسنوناً، ومستحبّاً، ونفلاً. ٣- والمحرم لغة: الممنوع. ... واصطلاحاً: ما نهى عنه الشارع على وجه الإلزام بالترك كعقوق الوالدين. فخرج بقولنا: " ما نهى عنه الشارع " الواجب والمندوب والمباح. وخرج بقولنا: " على وجه الإلزام بالترك " المكروه. والمحرم: يثاب تاركه امتثالاً ويستحق العقاب فاعله. ويسمى: محظوراً أو ممنوعاً. ٤- والمكروه لغة: المبغض واصطلاحاً: ما نهى عنه الشارع لا على وجه الإلزام بالترك كالأخذ بالشمال والإعطاء بها.

стр. 3982

فخرج بقولنا: ما نهى عنه الشارع " الواجب، والمندوب، والمباح. وخرج بقولنا: " لا على وجه الإلزام بالترك " المحرم. والمكروه: يثاب تاركه امتثالاً ولا يعاقب فاعله. ٥- والمباح لغة: المعلن والمأذون به. واصطلاحاً: ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته كالأكل في رمضان ليلاً. فخرج بقولنا " ما لا يتعلق به أمر " الواجب والمندوب. وخرج بقولنا " ولا نهي " المحرم والمكروه. وخرج بقولنا: لذاته " مالو تعلق به أمر لكونه وسيلة لمأمور به، أو نهي لكونه وسيلة منهي عنه فإن له حكم ما كان وسيلة له من مأمور، أو منهي ولا يخرجه ذلك عن كونه مباحاً في الأصل. المباح مادام على وصف الإباحة فإنه لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب. ويسمى: حلالاً، وجائزاً. الأحكام الوضعية: ... الأحكام الوضعية: ما وضعه الشارع من أمارات لثبوت أو انتفاء أو نفوذ أو إلغاء. ومنها الصحة والفساد. ١- فالصحيح لغة: السليم من المرض. واصطلاحاً: ما ترتبت آثار فعله عليه عبادة كان أم عقداً. فالصحيح من العبادات: ما برئت به الذمة وسقط به الطلب.

стр. 3983

والصحيح من العقود: ما ترتب آثاره على وجود كترتب الملك على عقد البيع مثلاً. ... ولا يكون الشيء صحيحاً إلا بتمام شروطه وانتفاء موانعه. ... مثال ذلك في العبادات: أن يأتي بالصلاة في وقتها تامة شروطها وأركانها وواجباتها. ... ومثال ذلك في العقود: أن يعقد بيعاً تامأً شروطه المعروفة مع انتفاء موانعه. فإن فقد شرط من الشروط أو وجد مانع من الموانع امتنعت الصحة. ... مثال فقد الشرط في العبادة: أن يصلي بلا طهارة. ومثال فقد الشرط في العقد: أن يبيع مالا يملك. ومثال وجود المانع في العبادة: أن يتطوع بنفل مطلق في وقت النهي. ومثال وجود المانع في العقد: أن يبيع من تلزمه الجمعة شيئاً بعد ندائها الثاني على وجه لا يباح. والفاسد لغة: الذاهب ضياعاً وخسراً. واصطلاحاً: مالا تترتب آثار فعله عليه عبادة كان أم عقداً. فالفاسد من العبادات: ما لاتبرأ به الذمة ولا يسقط به الطلب كالصلاة قبل وقتها. والفاسد من العقود: ما لا تترتب آثاره عليه كبيع المجهول. وكل فاسد من العبادات والعقود والشروط فإنه محرم لأن ذلك من تعدي حدود الله واتخاذ آياته هزؤاً ولأن النبي، صلي الله عليه وسلم، أنكر على من اشترطوا شروطاً ليست في كتاب الله.

стр. 3984

.. والفاسد والباطل بمعنى واحد إلا في موضعين: الأول: في الإحرام فرقوا بينهما بأن الفاسد ما وطئ فيه المحرم قبل التحلل الأول، والباطل ما ارتد فيه عن الإسلام. الثاني: في النكاح فرقوا بينهما بأن الفاسد ما اختلف العلماء في فساده كالنكاح بلا ولي، والباطل ما أجمعوا على بطلانه كنكاح المعتدة.

стр. 3985

العلم تعريفه: ... العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً كإدراك أن الكل أكبر من الجزء وأن النية شرط في العبادة. ... فخرج بقولنا: " إدراك الشيء " عدم الإدراك بالكلية ويسمى " الجهل البسيط " مثل أن يُسأل متى كانت غزوة بدر؟ فيقول: لا أدري. ... وخرج بقولنا: " على ما هو عليه " إدراكه على وجه يخالف ما هو عليه ويسمى (الجهل المركب) مثل أن يُسأل متى كانت غزوة بدر؟ فيقول: في السنة الثالثة من الهجرة. ... وخرج بقولنا: " إدراكاً جازماً " إدراك الشيء إدراكاً غير جازم بحيث يحتمل عنده أن يكون على غير الوجه الذي أدركه فلا يسمى ذلك علماً ثم أن ترجح عنده أحد الاحتمالين فالراجح ظن والمرجوح وهم، وإن تساوى الأمران فهو شك. ... وبهذا تبين أن تعلق الإدراك بالأشياء كالآتي: ١- علم وهو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. ٢- جهل بسيط: وهو عدم الإدراك بالكلية. ٣- جهل مركب وهو: إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه. ٤- ظن وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. ٥- وهم وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح. ٦- شك وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو.

стр. 3986

أقسام العلم: ينقسم العلم إلى قسمين ضروري ونظري: ١- فالضروري: ما يكون إدراك المعلوم فيه ضروريّاً بحيث يضطر إليه من غير نظر ولا استدلال، كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء وأن النار حارة، وأن محمداً رسول الله، صلي الله عليه وسلم. ٢- والنظري: ما يحتاج إلى نظر واستدلال كالعلم بوجوب النية في الصلاة.

стр. 3987

الكلام تعريفه: الكلام لغة: اللفظ الموضوع لمعنى. واصطلاحاً: اللفظ المفيد مثل: الله ربنا، ومحمد نبينا. وأقل ما يتألف منه الكلام اسمان أو فعل واسم مثال الأول: محمد رسول الله. ومثال الثاني: استقام محمد. ... واحد الكلام كلمة وهي: اللفظ الموضوع لمعنى مفرد وهي: إما اسم أو فعل أو حرف. (أ) فالاسم: ما دل على معني في نفسه من غير إشعار بزمن وهو ثلاثة أنواع: الأول: ما يفيد العموم كالأسماء الموصولة. الثاني: ما يفيد الإطلاق كالنكرة في سياق الإثبات. الثالث: ما يفيد الخصوص كالأعلام. (ب) والفعل: ما دل على معنى في نفسه وأشعر بهيئته بأحد الأزمنة الثلاثة: وهو إما ماض: كفَهِمَ، أو مضارع: كَيَفَهَم، أو أمر: كإفهم. والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق فلا عموم له. (ج) والحرف: ما دل على معنى في غيره، ومنه: ١ - الواو: وتأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، ولا تقتضي الترتيب ولا تقتضي الترتيب ولا تنافيه إلا بدليل.

стр. 3988

٢- الفاء: وتأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم مع الترتيب والتعقيب، وتأتي سببية فتفيد التعليل. ٣- اللام الجارَّة: ولها معان منها التعليل، والتمليك والإباحة. ٤- على الجارة، ولها معان منها الوجوب. أقسام الكلام: ينقسم الكلام باعتبار إمكان وصفه بالصدق وعدمه إلى قسمين: خبر، وإنشاء. ١- فالخبر: ما يمكن أن يوصف بالصدق أو الكذب لذاته. فخرج بقولنا: " ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب " الإنشاء لأنه لا يمكن فيه ذلك فإن مدلوله ليس مخبراً عنه حتى يمكن أن يقال إنه صدق أو كذب. ... وخرج بقولنا: " لذاته " الخبر الذي لا يحتمل الصدق أو لا يحتمل الكذب باعتبار المخبر به وذلك أن الخبر من حيث المخبر به ثلاثة أقسام: الأول: ما لا يمكن وصفه بالكذب كخبر الله ورسوله الثابت عنه. الثاني: ما لا يمكن وصفه بالصدق كالخبر عن المستحيل شرعاً أو عقلاً فالأول كخبر مدعي الرسالة بعد النبي، صلي الله عليه وسلم، والثاني كالخبر عن اجتماع النقيضين كالحركة والسكون في عين واحدة في زمن واحد. الثالث: ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب إما على السواء أو مع رجحان أحدهما كإخبار شخص عن قدوم غائب ونحوه. ٢- والإنشاء: ما لا يمكن أن يوصف بالصدق والكذب ومنه

стр. 3989

الأمر والنهي كقوله تعالى: " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً " (١) . وقد يكون الكلام خبر وإنشاء باعتبارين كصيغ العقود اللفظية مثل: بعث وقبلت فإنها باعتبار دلالها على ما في نفس العاقد خبر وباعتبار ترتب العقد عليها إنشاء. وقد يأتي الكلام بصورة الخبر والمراد به الإنشاء وبالعكس لفائدة. مثال الأول: قول تعالى:" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" (٢) . فقوله: " يتربصن " بصورة الخبر والمراد به الأمر وفائدة ذلك تأكيد فعل المأمور به حتى كأنه أمر واقع يتحدث عنه كصفة من صفات المأمور. ومثال العكس: قوله تعالى:" وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم " (٣) .فقوله: " ولنحمل " بصورة الأمر والمراد بها الخبر أي ونحن نحمل وفائدة ذلك تنزيل الشيء المخبر عنه منزل المفروض الملزم به. الحقيقة والمجاز: وينقسم الكلام من حيث الاستعمال إلى حقيقة ومجاز. ١- فالحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له مثل أسد للحيوان المفترس. فخرج بقولنا: " المستعمل " المهمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً. وخرج بقولنا: " فيما وضع له " المجاز.

стр. 3990

وتنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: لغوية، وشرعية، وعرفية. فاللغوية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة. فخرج بقولنا: " في اللغة " الحقيقة الشرعية، والعرفية. مثال ذلك الصلاة في حقيقتها اللغوية الدعاء فتحمل عليه في كلام أهل اللغة. والحقيقة الشرعية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في الشرع. فخرج بقولنا: " في الشرع " الحقيقة اللغوية، والعرفية. مثال ذلك: الصلاة فإن حقيقتها الشرعية الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم فتحمل في كلام أهل الشرع على ذلك. والحقيقة العرفية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف. فخرج بقولنا: " في العرف " الحقيقة اللغوية، والشرعية. مثال ذلك: الدابة فإن حقيقتها العرفية ذات الأربع من الحيوان فتحمل عليه في كلام أهل العرف. وفائدة معرفة تقسيم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام أن نحمل كل لفظ على معناه الحقيقي في موضع استعماله فيحمل في استعمال أهل اللغة على الحقيقة اللغوية، وفي استعمال الشرع على الحقيقة الشرعية، وفي استعمال أهل العرف على الحقيقة العرفية. ٢- والمجاز هو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له مثل أسد للرجل الشجاع. فخرج بقولنا: " المستعمل " المهمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً. وخرج بقولنا: " في غير ما وضع له " الحقيقة.

стр. 3991

ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة وهو ما يسمى في علم البيان بالقرينة. ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي ليصح التعبير عنه وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة، والعلاقة إما أن تكون المشابهة أو غيرها. فإن كانت المشابهة سمي التجوز (استعارة) كالتجوز بلفظ أسد عن الرجل الشجاع. وإن كانت غير المشابهة سمي التجوز (مجازاً مرسلاً) إن كان التجوز في الكلمات و (مجازاً عقلّياً) إن كان التجوز في الإسناد. مثال ذلك في المجاز المرسل: أن تقول رعينا المطر فكلمة المطر مجاز عن العشب فالتجوز بالكلمة. ومثال ذلك في المجاز العقلي: أن تقول أنبت المطر العشب فالكلمات كلها يراد بها حقيقة معناها لكن إسناد الإنبات إلى المطر مجاز لأن المنبت حقيقة هو الله تعالى فالتجوز في الإسناد. ومن المجاز المرسل: التجوز بالزيادة والتجوز بالحذف. مثلوا للمجاز بالزيادة بقولة تعالى: " ليس كمثله شيء" (١) . ومثال المجاز بالحذف: قوله تعالى: " واسأل القرية " أي واسأل أهل القرية فحذفت أهل مجازاً وللمجاز أنواع كثيرة مذكورة في علم البيان.

стр. 3992

وإنما ذكر طرف من الحقيقة والمجاز في أصول الفقه لأن دلالة الألفاظ إما حقيقة وإما مجاز فاحتيج إلى معرفة كل منهما وحكمه والله أعلم. تنبيه: تقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز هو المشهور عند أكثر المتأخرين في القرآن وغيره، وقال بعض أهل العلم لا مجاز في القرآن، وقال آخرون لا مجاز في القرآن ولا في غيره وبه قال أبو إسحاق الاسفرائني ومن المتأخرين محمد الأمين الشنقيطي، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم أنه اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة، ونصره بأدلة قوية كثيرة تبين لمن اطلع عليها أن هذا القول هو الصواب (١) .

стр. 3993

الأمر تعريفه: الأمر: قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء مثل " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ". فخرج بقولنا: " قول " الإشارة فلا تسمى أمراً وإن أفادت معناه. وخرج بقولنا: " طلب الفعل " النهي لأنه طلب ترك والمراد بالفعل الإيجاد فيشمل القول المأمور به. وخرج بقولنا: " على وجه الاستعلاء " الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من صيغة الأمر بالقرائن. صيغ الأمر: صيغ الأمر أربع: ١- فعل الأمر مثل: " اتل ما أوحي من الكتاب ". ٢- اسم فعل مثل: حي على الصلاة. ٣- المصدر النائب عن فعل الأمر مثل: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ". ٤- المضارع المقرون بلام الأمر مثل: " لتؤمنوا بالله ورسوله ". وقد يستفاد طلب الفعل من غير صيغة الأمر مثل أن يوصف بأنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو طاعة، أو يمدح فاعله، أو يذم تاركه أو يترتب على فعله ثواب، أو عرى تركه عقاب.

стр. 3994

ما تقتضيه صيغة الأمر: صيغة الأمر عند الإطلاق تقتضي وجوب المأمور به والمبادرة بفعله فوراً. فمن الأدلة على أنها تقتضي الوجوب قوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " (١) . وجه الدلالة أن الله حذر المخالفين عن أمر الرسول صلي الله عليه وسلم أن تصيبهم فتنة وهي الزيغ أو يصيبهم عذاب أليم والتحذير بمثل ذلك لا يكون إلا على ترك الواجب فدل على أن أمر الرسول صلي الله عليه وسلم المطلق يقتضي وجوب فعل المأمور. ومن الأدلة على أنه للفور قوله تعالى:" فاستبقوا الخيرات " (٢) . والمأمورات الشرعية خير والأمر بالاستباق إليها دليل على وجب المبادرة. ولأن النبي ﷺ كره تأخير الناس ما أمرهم به من النحر والحلق يوم الحديبية حتى دخل على أم سلمة ﵂ فذكر لها ما لقي من الناس (٣) . ولأن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ، والتأخير له آفات ويقتضي تراكم الواجبات حتى يعجز عنها.

стр. 3995

وقد يخرج الأمر عن الوجوب والفورية لدليل يقتضي ذلك فيخرج عن الوجوب إلى معان منها: ١- الندب كقوله تعالى: " وأشهدوا إذا تبايعتم " (١) فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، بدليل أن النبي صلي الله عليه وسلم اشترى فرساً من أعرابي ولم يشهد (٢) . ٢- الإباحة وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أو جواباً لما يتوهم أنه محظور. مثاله بعد الحظر قوله تعالى: " وإذا حللتم فاصطادوا " (٣) . فالأمر بالاصطياد للإباحة لوقوعه بعد الحظر المستفاد من قوله تعالى: " غير محلي الصيد وأنتم حرم " (٤) . ومثاله جواباً لما يتوهم أنه محظور قوله ﷺ : " أفعل ولا حرج " (٥) . في جواب من سألوه في حجة الوداع عن تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض. ٣- التهديد كقوله تعالى:" اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " (٦) " َمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً " (٧) . فذكر الوعيد بعد الأمر المذكور دليل على أنه للتهديد. ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي.
следующие страницы →