← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة وهو ما يسمى في علم البيان بالقرينة. ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي ليصح التعبير عنه وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة، والعلاقة إما أن تكون المشابهة أو غيرها. فإن كانت المشابهة سمي التجوز (استعارة) كالتجوز بلفظ أسد عن الرجل الشجاع. وإن كانت غير المشابهة سمي التجوز (مجازاً مرسلاً) إن كان التجوز في الكلمات و (مجازاً عقلّياً) إن كان التجوز في الإسناد. مثال ذلك في المجاز المرسل: أن تقول رعينا المطر فكلمة المطر مجاز عن العشب فالتجوز بالكلمة. ومثال ذلك في المجاز العقلي: أن تقول أنبت المطر العشب فالكلمات كلها يراد بها حقيقة معناها لكن إسناد الإنبات إلى المطر مجاز لأن المنبت حقيقة هو الله تعالى فالتجوز في الإسناد. ومن المجاز المرسل: التجوز بالزيادة والتجوز بالحذف. مثلوا للمجاز بالزيادة بقولة تعالى: " ليس كمثله شيء" (١) . ومثال المجاز بالحذف: قوله تعالى: " واسأل القرية " أي واسأل أهل القرية فحذفت أهل مجازاً وللمجاز أنواع كثيرة مذكورة في علم البيان.

стр. 3992

وإنما ذكر طرف من الحقيقة والمجاز في أصول الفقه لأن دلالة الألفاظ إما حقيقة وإما مجاز فاحتيج إلى معرفة كل منهما وحكمه والله أعلم. تنبيه: تقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز هو المشهور عند أكثر المتأخرين في القرآن وغيره، وقال بعض أهل العلم لا مجاز في القرآن، وقال آخرون لا مجاز في القرآن ولا في غيره وبه قال أبو إسحاق الاسفرائني ومن المتأخرين محمد الأمين الشنقيطي، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم أنه اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة، ونصره بأدلة قوية كثيرة تبين لمن اطلع عليها أن هذا القول هو الصواب (١) .

стр. 3993

الأمر تعريفه: الأمر: قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء مثل " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ". فخرج بقولنا: " قول " الإشارة فلا تسمى أمراً وإن أفادت معناه. وخرج بقولنا: " طلب الفعل " النهي لأنه طلب ترك والمراد بالفعل الإيجاد فيشمل القول المأمور به. وخرج بقولنا: " على وجه الاستعلاء " الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من صيغة الأمر بالقرائن. صيغ الأمر: صيغ الأمر أربع: ١- فعل الأمر مثل: " اتل ما أوحي من الكتاب ". ٢- اسم فعل مثل: حي على الصلاة. ٣- المصدر النائب عن فعل الأمر مثل: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ". ٤- المضارع المقرون بلام الأمر مثل: " لتؤمنوا بالله ورسوله ". وقد يستفاد طلب الفعل من غير صيغة الأمر مثل أن يوصف بأنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو طاعة، أو يمدح فاعله، أو يذم تاركه أو يترتب على فعله ثواب، أو عرى تركه عقاب.

стр. 3994

ما تقتضيه صيغة الأمر: صيغة الأمر عند الإطلاق تقتضي وجوب المأمور به والمبادرة بفعله فوراً. فمن الأدلة على أنها تقتضي الوجوب قوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " (١) . وجه الدلالة أن الله حذر المخالفين عن أمر الرسول صلي الله عليه وسلم أن تصيبهم فتنة وهي الزيغ أو يصيبهم عذاب أليم والتحذير بمثل ذلك لا يكون إلا على ترك الواجب فدل على أن أمر الرسول صلي الله عليه وسلم المطلق يقتضي وجوب فعل المأمور. ومن الأدلة على أنه للفور قوله تعالى:" فاستبقوا الخيرات " (٢) . والمأمورات الشرعية خير والأمر بالاستباق إليها دليل على وجب المبادرة. ولأن النبي ﷺ كره تأخير الناس ما أمرهم به من النحر والحلق يوم الحديبية حتى دخل على أم سلمة ﵂ فذكر لها ما لقي من الناس (٣) . ولأن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ، والتأخير له آفات ويقتضي تراكم الواجبات حتى يعجز عنها.

стр. 3995

وقد يخرج الأمر عن الوجوب والفورية لدليل يقتضي ذلك فيخرج عن الوجوب إلى معان منها: ١- الندب كقوله تعالى: " وأشهدوا إذا تبايعتم " (١) فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، بدليل أن النبي صلي الله عليه وسلم اشترى فرساً من أعرابي ولم يشهد (٢) . ٢- الإباحة وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أو جواباً لما يتوهم أنه محظور. مثاله بعد الحظر قوله تعالى: " وإذا حللتم فاصطادوا " (٣) . فالأمر بالاصطياد للإباحة لوقوعه بعد الحظر المستفاد من قوله تعالى: " غير محلي الصيد وأنتم حرم " (٤) . ومثاله جواباً لما يتوهم أنه محظور قوله ﷺ : " أفعل ولا حرج " (٥) . في جواب من سألوه في حجة الوداع عن تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض. ٣- التهديد كقوله تعالى:" اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " (٦) " َمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً " (٧) . فذكر الوعيد بعد الأمر المذكور دليل على أنه للتهديد. ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي.

стр. 3996

مثاله: قضاء رمضان فإنه مأمور به لكن دل الدليل على أنه للتراخي فعن عائشة ﵂ قالت: " كان يكون علىّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان وذلك لمكان رسول الله، صلي الله عليه وسلم (١) . ولو كان التأخير محرماً ما أُقِرّت عليه عائشة ﵂. مالا يتم المأمور إلا به: إذا توقف فعل المأمور به على شئ كان ذلك الشيء مأموراً به فإن كان المأمور به واجباً كان ذلك الشيء واجباً، وإن كان المأمور به مندوباً كان ذلك الشيء مندوباً. مثال الواجب: ستر العورة فإذا توقف على شراء ثوب كان ذلك الشراء مندوباً. وهذه القاعدة في ضمن قاعدة أعم منها وهي: " الوسائل لها أحكام المقاصد " فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها.

стр. 3997

النهي تعريفه: النهي: قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة هي المضارع المقرون بلا الناهية مثل قوله تعالى: " ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة " (١) . فخرج بقولنا: " قول " الإشارة فلا تسمى نهياً وإن أفادت معناه. وخرج بقولنا: " طلب الكف " الأمر لأنه طلب فعل. وخرج بقولنا: " على وجه الاستعلاء " الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من النهي بالقرائن. وخرج بقولنا: " بصيغة مخصوصة هي المضارع " إلخ.. ما دل على طلب الكف بصيغة الأمر مثل دع، اترك، كف ونحوها فإن هذه وإن تضمنت طلب الكف لكنها بصيغة الأمر فتكون أمراً لا نهياً. وقد يستفاد طلب الكف بغير صيغة النهي مثل أن يوصف الفعل بالتحريم، أو الحظر، أو القبح، أو يذم فاعله، أو يرتب على فعله عقاب أو نحو ذلك. ما تقتضيه صيغة النهي: صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهي عنه وفساده. فمن الأدلة على أنها تقتضي التحريم قوله تعالى: " وما آتاكم

стр. 3998

الرسول فخذوه ما نهاكم عنه فانتهوا " (١) . فالأمر بالانتهاء عما نهى عنه يقتضي وجوب الانتهاء ومن لازم ذلك تحريم الفعل. ومن الأدلة على أنه يقتضي الفساد في قوله صلي الله عليه وسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٢) . أي مردود وما نهي عنه فليس عليه أمر النبي صلي الله عليه وسلم فيكون مردوداً. هذا وقاعدة المذهب في المنهي عنه هل يكون باطلاً أو صحيحاً مع التحريم كما يلي: ١- أن يكون النهي عائداً إلى ذات المنهي عنه أو شرطه فيكون باطلاً. ٢- أن يكون النهي عائداً إلى أمر خارج لا يتعلق بذات المنهي عنه ولا شرطه فلا يكون باطلاً. مثال العائد إلى ذات المنهي عنه في العبادة: النهي عن صوم يوم العيدين. ... ومثال العائد إلى ذاته في المعاملة: النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة. ومثال العائد إلى شرطه في العبادة: النهي عن لبس الرجل ثوب الحرير فستر العورة شرط لصحة الصلاة فإذا سترها بثوب منهي عنه لم تصح الصلاة لعود النهي إلى شرطها. ... ومثال العائد إلى شرطه في المعاملة: النهي عن بيع الحمل فالعلم بالمبيع شرط لصحة البيع فإذا باع الحمل لم يصح البيع لعود النهي إلى شرطه. ومثال النهي العائد إلى أمر خارج في العبادة: النهي عن لبس الرجل عمامة الحرير فلو صلى وعليه عمامة حرير لم تبطل صلاته لأن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة ولا شرطها. ومثال العائد إلى أمر خارج في المعاملة: النهي عن الغش فلو باع شيئاً مع الغش لم يبطل البيع لأن النهي لا يعود إلى ذات البيع ولا شرطه.

стр. 3999

.. وقد يخرج النهي عن التحريم إلى معان أخرى لدليل يقتضي ذلك فمنها: ١- الكراهة ومثلوا لذلك بقوله ﷺ : " لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول " (١) . فقد قال الجمهور إن النهي هنا للكراهة لأن الذكر بضعة من الإنسان والحكمة من النهي تنزيه اليمين. ٢- الإرشاد مثل قوله ﷺ لمعاذ: " لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " (٢) . من يدخل في الخطاب بالأمر والنهي ؟ الذي يدخل في الخطاب بالأمر والنهي المكلف وهو: البالغ العاقل. فخرج بقولنا: " البالغ " الصغير فلا يكلف بالأمر والنهي تكليفاً مساوياً لتكليف البالغ، ولكنه يؤمر بالعبادات بعد التمييز تمريناً له على الطاعة ويمنع من المعاصي ليعتاد الكف عنها.

стр. 4000

وخرج بقولنا: " العاقل " المجنون فلا يكلف بالأمر والنهي، ولكنه يمنع مما يكون فيه تعد على غيره أو إفساد ولو فعل المأمور به لم يصح منه الفعل لعدم قصد الامتثال منه. ... ولا يرد على هذا إيجاب الزكاة والحقوق المالية في مال الصغير والمجنون لأن إيجاب هذه مربوط بأسباب معينة متى وجدت ثبت الحكم فهي منظور فيها إلى السبب لا إلا الفاعل. ... والتكليف بالأمر والنهي شامل للمسلمين والكفار لكن الكافر لا يصح منه فعل المأمور به حال كفره لقوله تعالى: " وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله " (١) . ولا يؤمر بقضائه إذا أسلم لقوله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " (٢) . وقوله صلي الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: " أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله " (٣) . وإنما يعاقب على تركه إذا مات على الكفر لقوله تعالى عن جواب المجرمين إذا سئلوا: " مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين " (٤) . موانع التكليف: للتكليف موانع منها: الجهل والنسيان والإكراه لقول النبي ﷺ : " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٥) .

стр. 4001

رواه ابن ماجه والبيهقي وله شواهد من الكتاب والسنة تدل على صحته. فالجهل: عدم العلم فمتى فعل المكلف محرماً جاهلاً بتحريمه فلا شيء عليه كمن تكلم في الصلاة جاهلاً بتحريم الكلام ومتى ترك واجباً جاهلاً بوجوبه لم يلزمه قضاؤه إذا كان قد فات وقته بدليل أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يأمر المسيء في صلاته وكان لا يطمئن فيها لم يأمره بقضاء ما فات من الصلوات وإنما أمره بفعل الصلاة الحاضرة على الوجه المشروع. والنسيان: ذهول القلب عن شئ معلوم فمن فعل محرماً ناسياً فلا شيء عليه كمن أكل في الصيام ناسياً، ومن ترك واجباً ناسياً فلا شيء عليه حال نسيانه ولكن عليه فعله إذا ذكره لقول النبي، صلي الله عليه وسلم: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " (١) . والإكراه: إلزام الشخص بما لا يريد فمن أكره على شيء محرم فلا شيء عليه كمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه وعليه قضاؤه إذا زال كمن أكره على ترك الصلاة حتى خرج وقتها فإنه يلزمه قضاؤها إذا زال الإكراه. وتلك الموانع إنما هي في حق الله لأنه مبني على العفو والرحمة أما في حقوق المخلوقين فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه والله أعلم.

стр. 4002

العام تعريفه: العام لغة: الشامل واصطلاحاً: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر مثل " إن الأبرار لفي نعيم ". فخرج بقولنا: " المستغرق لجميع أفراده " مالا يتناول إلا واحداً كالعلم، والنكرة في سياق الإثبات كقوله تعالى: " فتحرير رقبة " لأنها تتناول جميع الأفراد على وجه الشمول وإنما تتناول واحداً غير معين. وخرج بقولنا: " بلا حصر " ما يتناول جميع أفراده مع الحصر كأسماء العدد مئة وألف ونحوهما. صيغ العموم: صيغ العموم سبع: ١- مادل على العموم بمادته مثل: كل، وجميع، وكافة، وقاطبة، وعامة كقوله تعالى: " إنا كلَّ شيء خلقناه بقدر " (١) . ٢- أسماء الشرط كقوله تعالى: " من عمل صالحاً فلنفسه " (٢) " فأينما تولوا فثم وجه الله " (٣) .

стр. 4003

٣- أسماء الاستفهام كقوله تعالى:" فمن يأتيكم بماء معين " (١) . " ماذا أجبتم المرسلين " (٢) . " فأين تذهبون " (٣) . ٤- الأسماء الموصولة كقوله تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " (٤) . " والذين جاهدوا فينا لندهينهم سبلنا" (٥) . " إن في ذلك لعبرة لمن يخشى " (٦) ." ولله ما في السموات وما في الأرض " (٧) . ٥- النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله تعالى: " وما من إله إلا الله " (٨) . " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً " (٩) ." إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً " (١٠) ."منْ إله غير الله يأتيكم بضياء" (١١) ٦- المعرف بالإضافة مفرداً كان أم مجموعاً كقوله تعالى: " واذكروا

стр. 4004

نعمة الله عليكم " (١) . " فاذكروا الآ الله " (٢) . ٧- المعرف بأل الاستغراقية مفرداً كان أم مجموعاً كقوله تعالى: "وخلق الإنسان ضعيفاً " (٣) . " وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم " (٤) . وأما المعرف بأل العهدية فإنه بحسب المعهود فإن كان عامّاً فالمعرف عام وإن كان خاصّاً فالمعرف خاص، مثال العام قوله تعالى: " إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون " (٥) . ومثال الخاص قوله تعالى: " كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول " (٦) . وأما المعرف بأل التي لبيان الجنس فلا يعم الأفراد فإذا قلت الرجل خير من المرأة أو الرجال خير من النساء، فليس المراد أن كل فرد من الرجال خير من كل فرد من النساء وإنما المراد أن هذا الجنس خير من هذا الجنس وإن كان قد يوجد من أفراد النساء من هو خير من بعض الرجال.

стр. 4005

العمل بالعام: يجب العمل بعموم اللفظ العام حتى يثبت تخصيصه لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقتضيه دلالتها حتى يقوم دليل على خلاف ذلك. وإذا ورد العام على سبب خاص وجب العمل بعمومه لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن يدل دليل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب الذي ورد من أجله فيختص بما يشبهها. مثال ما لا دليل على تخصيصه: آيات الظهار فإن سبب نزولها ظهار أوس بن الصامت والحكم فيه عام فيه وفي غيره. ومثال ماد دل الدليل على تخصيصه قوله صلي الله عليه وسلم: " ليس من البر الصيام في السفر " (١) فإن سببه أن النبي ﷺ كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: " ما هذا؟ قالوا صائم. فقال: " ليس من البر الصيام في السفر " فهذا العموم خاص بمن يشبه حال هذا الرجل وهو من يشق عليه الصيام في السفر والدليل على تخصيصه بذلك أن النبي ﷺ كان يصوم في السفر حيث كان لا يشق عليه ولا يفعل ﷺ ما ليس ببر.

стр. 4006

الخاص تعريفه: الخاص لغة: ضد العام واصطلاحاً: اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد كأسماء الأعلام والإشارة والعدد. فخرج بقولنا: " على محصور " العام. والتخصيص لغة: ضد التعميم. واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام. والمخصِّص - بكسر الصاد - فاعل التخصيص وهو الشارع ويطلق على الدليل الذي حصل به التخصيص. ودليل التخصيص نوعان: متصل ومنفصل. فالمتصل: ما لا يستقل بنفسه. والمنفصل: ما يستقل بنفسه. فمن المخصص المتصل: أولاً: الاستثناء وهو لغة: من الثني وهو رد بعض الشيء إلى بعضه كثني الحبل. واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها كقوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (١) .

стр. 4007

فخرج بقولنا: " بإلا أو إحدى أخواتها " التخصيص بالشرط وغيره. شروط الاستثناء: يشترط لصحة الاستثناء شروط منها: ١- اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكماً. فالمتصل حقيقة: المباشر للمستثنى منه بحيث لا يفصل بينهما فاصل. والمتصل حكماً:ما فصل بينه وبين المستثنى منه فاصل لا يمكن دفعه كالسعال والعطاس. فإن فصل بينهما فاصل أو سكوت لم يصح الاستثناء مثل أن يقول: عبيدي أحرار ثم يسكت أو يتكلم بكلام آخر ثم يقول إلا سعيداً فلا يصح الاستثناء ويعتق الجميع. وقيل يصح الاستثناء مع السكوت أو الفاصل إذا كان الكلام واحداً، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض لا يعضد شوكه ولا يختلى خلاه ".فقال ابن عباس يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوهم فقال: " إلا الإذخر " (١) . وهذا القول الراجح لدلالة هذا الحديث عليه. ٢- ألا يكون المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه فلو قال: له عليَّ عشرة دراهم إلا ستة لم يصح الاستثناء ولزمته العشرة كلها.

стр. 4008

وقيل لا يشترط ذلك فيصح الاستثناء وإن كان المستثنى أكثر من النصف فلا يلزمه في المثال المذكور إلا أربعة. أما إن استثنى الكل فلا يصح على القولين فلو قال: له عليّ عشرة إلا عشرة لزمته العشرة كلها. وهذا الشرط فيما إذا كان الاستثناء من عدد، أما إن كان من صفة فيصح وإن خرج الكل أو الأكثر، مثاله قوله تعالى لإبليس: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) (١) . واتباع إبليس من بني آدم أكثر من النصف ولو قلت: أعط من البيت إلا الأغنياء، فتبين أن جميع من في البيت أغنياء صح الاستثناء ولم يعطوا شيئاً. ثانياً: من المخصص المتصل: الشرط وهو لغة: العلامة. والمراد به هنا: تعليق شيء بشيء وجوداً أو عدماً بإن الشرطية أو إحدى أخواتها. والشرط مخصص سواء تقدم أم تأخر. مثال المتقدم قوله تعالى في المشركين: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) (٢) . ومثال المتأخر قوله تعالى: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) (٣) .

стр. 4009

ثالثاً: الصفة وهي: ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام من نعت أو بدل أو حال. مثال النعت: قوله تعلى: (فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) (١) . ومثال البدل: قوله تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين) (٢) . ومثال الحال: قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيما) (٣) . الآية المخصص المنفصل: المخصص المنفصل: ما يستقل بنفسه وهو ثلاثة أشياء: الحس، والعقل، والشرع. مثال التخصيص بالحس: قوله تعالى عن ريح عاد: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (٤) . فإن الحس دل على أنها لم تدمر السماء والأرض. ومثال التخصيص بالعقل: قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (٥) . فإن العقل دل على أن ذاته تعالى غير مخلوقة. ومن العلماء من يرى أن ما خص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص وإنما هو من العام الذي أريد به الخصوص إذ المخصوص لم

стр. 4010

يكن مراداً عند المتكلم ولا المخاطب من أول الأمر وهذه حقيقة العام الذي أريد به الخصوص. وأما التخصيص بالشرع فإن الكتاب والسنة يخصص كل منهما بمثلهما وبالإجماع والقياس. مثال تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (١) . خص بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) (٢) . ومثال تخصيص الكتاب بالسنة: آيات المواريث كقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) (٣) . ونحوها خص بقوله ﷺ : " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (٤) . ومثال تخصيص الكتاب بالإجماع: قوله تعالى: (والذين وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) (٥) . خص بالإجماع على أن الرقيق القاذف يجلد هكذا مثل كثير من الأصوليين وفيه نظر لثبوت الخلاف في ذلك ولم أجد له مثالاً سليماً. ومثال تخصيص الكتاب بالقياس: قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (٦) .

стр. 4011

خص بقياس العبد الزاني على الأمة في تنصيف العذاب والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور. ومثال تخصيص السنة بالكتاب: قوله ﷺ :"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (١) . خص بقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (٢) . ومثال تخصيص السنة بالسنة: قوله ﷺ : " فيما سقت السماء العشر " (٣) . خص بقوله ﷺ : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " (٤) . ولم أجد مثالاً لتخصيص السنة بالإجماع. ومثال تخصيص السنة بالقياس: قوله ﷺ " البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام " (٥) . خص بقياس العبد على الأمة في تنصيف العذاب والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور.

стр. 4012

المطلق والمقيد تعريف المطلق: المطلق لغة: ضد المقيد. واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بلا قيد كقوله تعالى: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) (١) . فخرج بقولنا: " ما دل على الحقيقة " العام لأنه يدل على العموم لا على مطلق الحقيقة فقط. وخرج بقولنا: " بلا قيد " المقيد. تعريف المقيد: المقيد لغة: ما جعل فيه قيد من بعير ونحوه. واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بقيد كقوله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة) (٢) . فخرج بقولنا: " قيد " المطلق. العمل بالمطلق: يجب العمل بالمطلق على إطلاقه إلا بدليل يدل على تقييده لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقتضيه دلالتها حتى يقوم دليل على خلاف ذلك.

стр. 4013

وإذا ورد نص مطلق ونص مقيد وجب تقييد المطلق به إن كان الحكم واحداً وإلا عمل بكل واحد على ما ورد عليه من إطلاق أو تقييد. مثال ما كان الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى في كفارة الظهار: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) (١) . وقوله في كفارة القتل: (فتحرير رقبة مؤمنة) (٢) . فالحكم واحد هو تحرير الرقبة فيجب تقييد المطلق في كفارة الظهار بالمقيد في كفارة القتل ويشترط الإيمان في الرقبة في كل منهما. ومثال ما ليس الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ? (٣) . وقوله في آية الوضوء: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) (٤) . فالحكم مختلف ففي الأولى قطع في الثانية غسل فلا تقيد الأولى بالثانية بل تبقى على إطلاقها ويكون القطع من الكوع مفصل الكف، والغسل إلى المرافق.

стр. 4014

المجمل والمبين تعريف المجمل: المجمل لغة: المبهم والمجموع واصطلاحاً: ما يتوقف فهم المراد منه على غيره إما في تعيينه أو بيان صفته أو مقداره. مثال ما يحتاج إلى غيره في تعيينه: قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن) (١) فإن القرء لفظ مشترك بين الحيض والطهر فيحتاج في تعيين أحدهما إلى دليل. ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان صفته: قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) (٢) . فإن كيفية إقامة الصلاة مجهولة تحتاج إلى بيان. ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان مقداره: قوله تعالى: (وآتو الزكاة? (٣) . فإن مقدار الزكاة الواجبة مجهول يحتاج إلى بيان. تعريف المبين: المبين لغة: المظهر والموضح. واصطلاحاً: ما يفهم المراد منه إما بأصل الوضع أو بعد التبيين. مثال ما يفهم المراد منه بأصل الوضع: لفظ، سماء، أرض،

стр. 4015

جبل، عدل، ظلم، صدق، فهذه الكلمات ونحوها مفهومة بأصل الوضع ولا تحتاج إلى غيرها في بيان معناها. ومثال ما يفهم المراد منه بعد التبيين قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (١) . فإن الإقامة والإيتاء كل منهما مجمل ولكن الشارع بينهما فصار لفظهما بينا بعد التبيين. العمل بالمجمل: يجب على المكلف عقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه. والنبي ﷺ قد بين لأمته جميع شريعته أصولها وفروعها حتى ترك الأمة على شريعة بيضاء نقية ليلها كنهارها ولم يترك البيان عند الحاجة إليه أبداً. وبيانه ﷺ إما بالقول، أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعاً. مثال بيانه بالقول: إخباره عن أنصبة الزكاة ومقاديرها كما في قوله ﷺ : " فيما سقت السماء العشر" (٢) . بياناً لمجمل قوله تعالى: (وآتوا الزكاة) (٣) . ومثال بيانه بالفعل: قيامه بأفعال المناسك أمام الأمة بياناً لمجمل قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) (٤) .

стр. 4016

وكذلك صلاة الكسوف على صفتها هي في الواقع بيان لمجمل قوله ﷺ : " فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا ". (١) ومثال بيانه بالقول والفعل: بيانه كيفية الصلاة فإنه كان بالقول كما في حديث المسيء في صلاته حيث قال ﷺ : " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر " الحديث (٢) . وكان بالفعل أيضاً كما في حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قام على المنبر فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر. الحديث، وفيه ثم أقبل على الناس وقال: " إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي " (٣) .

стр. 4017

الظاهر والمؤول تعريف الظاهر: الظاهر لغة: الواضح والبين. واصطلاحاً: ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره مثاله قوله ﷺ : " توضئوا من لحوم الإبل " (١) . فإن الظاهر من المراد بالوضوء غسل الأعضاء الأربعة على الصفة الشرعية دون الوضوء الذي هو النظافة. فخرج بقولنا: " ما دل بنفسه على معنى " المجمل لأنه لا يدل على المعنى بنفسه. وخرج بقولنا: " راجح " المؤول لأنه يدل على معنى مرجوح لولا القرينه. وخرج بقولنا: " مع احتمال غيره " النص الصريح لأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً. العمل بالظاهر العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره لأن هذه طريقة السلف ولأنه أحوط وأبرأ للذمة وأقوى في التعبد والانقياد. تعريف المؤول: المؤول لغة: من الأول وهو الرجوع.

стр. 4018

واصطلاحاً: ما حمل لفظه على المعنى المرجوح. فخرج بقولنا: " على المعنى المرجوح " النص والظاهر. أما النص فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً، وأما الظاهر فلأنه محمول على المعنى الراجح. والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود. ١- ١- فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح كتأويل قوله تعالى: (واسأل القرية? (١) . إلى معنى واسأل أهل القرية لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها. ٢- ٢- والفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح كتأويل المعطلة قوله تعالى: ? الرحمن على العرش استوى) (٢) إلى معنى استولى. والصواب أن معناه العلو والاستقرار من غير تكييف ولا تمثيل.

стр. 4019

النسخ تعريفه: النسخ لغة: الإزالة والنقل واصطلاحاً: رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة. فالمراد بقولنا: " رفع حكم " أي تغييره من إيجاب إلى إباحة، أو من إباحة إلى تحريم مثلاً. فخرج بذلك تخلف الحكم لفوات شرط أو وجود مانع مثل أن يرتفع وجوب الزكاة لنقص النصاب أو وجوب الصلاة لوجود الحيض فلا يسمى ذلك نسخاً. والمراد بقولنا: " أو لفظة " لفظ الدليل الشرعي لأن النسخ إما أن يكون للحكم دون اللفظ، أو بالعكس، أو لهما جميعاً كما سيأتي. وخرج بقولنا: " بدليل من الكتاب والسنة " ما عداهما من الأدلة كالإجماع والقياس فلا ينسخ بهما. والنسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً. أما جوازه عقلاً: فلأن الله بيده الأمر وله الحكم لأنه الرب المالك فله أن شرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد؟ ! ثم إن مقتضى حكمة الله ورحمته بعبادة أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان فقد يكون الحكم في وقت أو حال

стр. 4020

أصلح للعباد ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح والله عليم حكيم. وأما وقوعه شرعاً فلأدلة منها: ١- قوله تعالى: (ماننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) (١) . ٢- قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم) (٢) . (فالآن باشروهن) (٣) فإن هذا النص في تغيير الحكم السابق. ٣- قوله ﷺ : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها" (٤) فهذا نص في نسخ النهي عن زيارة القبور. ما يمتنع نسخة: ١- الأخبار لأن النسخ محله الحكم ولان نسخ أحد الخبرين يستلزم أن يكون أحدهما كذباً والكذب مستحيل في أخبار الله ورسوله اللهم إلا أن يكون الحكم أتى بصورة الخبر فلا يمتنع نسخة كقوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) (٥) . الآية، فإن هذا خبر معناه الأمر ولذا جاء نسخه في الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين) (٦) . الآية.

стр. 4021

٢- الأحكام التي تكون مصلحة في كل زمان ومكان كالتوحيد وأصول الإيمان وأصول العبادات ومكارم الأخلاق من الصدق والعفاف والكرم والشجاعة ونحو ذلك فلا يمكن نسخ الأمر بها وكذلك لا يمكن نسخ النهي عما هو قبيح في كل زمان ومكان كالشرك والكفر ومساوئ الأخلاق من الكذب والفجور والبخل والجبن ونحو ذلك، إذ الشرائع كلها لمصالح العباد ودفع المفاسد عنهم. شروط النسخ: يشترط للنسخ فيما يمكن نسخه شروط منها: تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع فلا نسخ لإمكان العمل بكل منهما. العلم بتأخر الناسخ ويعلم ذلك إما بالنص أو بخبر الصحابي، أو بالتاريخ. مثال ما علم تأخره بالنص: قوله ﷺ : " كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وأن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة " (١) . ومثال ماعلم بخبر الصحابي: قول عائشة ﵂ " كان فيما أنزل القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات" (٢) . ومثال ما علم بالتاريخ قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم) (٣) . الآية، فقوله (الآن) يدل على تأخر هذا الحكم وكذا لو

стр. 4022

ذكر أن النبي، ﷺ ، حكم بشيء قبل الهجرة ثم حكم بعدها بما يخالفه فالثاني ناسخ. ١- ثبوت الناسخ واشتراط الجمهور أن يكون أقوى من المنسوخ فلا ينسخ المتواتر عندهما بالآحاد وإن كان ثابتاً، والأرجح أنه لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى لأن محل النسخ الحكم ولايشترط في ثبوته التواتر. أقسام النسخ: ينقسم النسخ باعتبار النص المنسوخ إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه وهذا هو الكثير من القرآن. مثاله: آيتا المصابرة وهما قوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) (١) .الآية، نسخ حكمها بقوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم) (٢) . وحكمه نسخ الحكم دون اللفظ بقاء ثواب التلاوة وتذكير الأمة بحكمة النسخ. الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه كأية الرجم فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " كان فيما أنزل الله آية الرجم فقرأناها

стр. 4023

وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء وقامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ". وحكمه نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بمالا يجدون لفظه في القرآن وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى عكس حال اليهود الذين حاولوا كتم نص الرجم في التوراة. الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه: كنسخ عشر الرضعات السابق في حديث عائشة ﵂. وينقسم النسخ باعتبار الناسخ أربعة أقسام: الأول: نسخ القرآن بالقرآن: ومثاله آيتا المصابرة. الثاني: نسخ القرآن بالسنة: ولم أجد له مثالاً سليماً. الثالث: نسخ السنة بالقرآن: ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) (١) . الرابع: نسخ السنة بالسنة، ومثاله قوله ﷺ : " كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية فاشربوا فيما شئتم ولا تشربوا مسكراً " (٢) . حكمة النسخ: للنسخ حكم متعددة منها: ١- مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم وديناهم.

стр. 4024

٢- التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال. ٣- اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك. ٤- اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل.

стр. 4025

الاخبار تعريف الخبر: الخبر لغة: النبأ. والمراد به هنا: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو ووصف. وقد سبق الكلام على أحكام كثيرة من القول. وأما الفعل فإن فعله ﷺ أنواع: الأول: ما فعله بمقتضى الجبلة كالأكل والشرب والنوم فلا حكم له في ذاته، ولكن قد يكون مأموراً به أو منهياً عنه لسبب، وقد يكون له صفة مطلوبة كالأكل باليمين أو منهي عنها كالأكل بالشمال. الثاني: ما فعله بحسب العادة كصفة اللباس فمباح في حد ذاته وقد يكون مأموراً به أو منهّياً عنه لسبب. الثالث: ما فعله على وجه الخصوصية فيكون مختصاً به كالوصال في الصوم والنكاح بالهبة. ولا يحكم بالخصوصية إلا بدليل لأن الأصل التأسي به. الرابع: ما فعله تعبداً فواجب عليه حتى يحصل البلاغ لوجوب التبليغ عليه ثم يكون مندوباً في حقه وحقنا على أصح الأقوال وذلك لأن فعله تعبداً يدل على مشروعيته والأصل عدم العقاب على الترك فيكون مشروعاً لا عقاب في تركه وهذا حقيقة المندوب.

стр. 4026

مثال ذلك: حديث عائشة أنها سئلت بأي شئ كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (١) ، فليس في السواك عند دخول البيت إلا مجرد الفعل فيكون مندوباً. ومثال آخر: كان النبي ﷺ يخلل لحيته في الوضوء (٢) . فتخليل اللحية ليس داخلاً في غسل الوجه حتى يكون بياناً لمجمل وإنما هو فعل مجرد فيكون مندوباً. الخامس: ما فعله بياناً لمجمل من نصوص الكتاب أو السنة فواجب عليه حتى يحصل البيان لوجوب التبليغ عليه ثم يكون له حكم ذلك النص المبين في حقه وحقنا فإن كان واجباً كان ذلك الفعل واجباً وإن كان مندوباً كان ذلك الفعل مندوباً. مثال الواجب: أفعال الصلاة الواجبة التي فعلها النبي ﷺ بياناً لمجمل قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) (٣) . ومثال المندوب:صلاته ﷺ ، ركعتين خلف المقام بعد أن فرغ من الطواف بياناً لقوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) . (٤) حيث تقدم ﷺ إلى مقام إبراهيم وهو يتلو هذه الآية، والركعتان خلف المقام سنة. وأما تقريره ﷺ على الشيء فهو دليل على جوازه على الوجه الذي أقره قولاً كان أم فعلاً.

стр. 4027

مثال إقراره على القول: إقراره الجارية التي سألها أين الله؟ . قالت: في السماء (١) . ومثال إقراره على الفعل: إقراره صاحب السرية الذي كان يقرأ لأصحابه فيختم بقل هو الله أحد، فقال النبي ﷺ : " سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك". فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها فقال النبي ﷺ : " أخبروه أن الله يحبه " (٢) . ومثال آخر: إقراره الحبشة يلعبون في المسجد (٣) من أجل التأليف على الإسلام. فأما ما وقع ولم يعلم به فإنه لا ينسب إليه ولكنه حجة لإقرار الله له ولذلك استدل الصحابة ﵃ على جواز العزل بإقرار الله لهم عليه. قال جابر ﵁ " كنا نعزل والقرآن ينزل " متفق عليه. زاد مسلم قال سفيان: " ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن ". ويدل على أن إقرار الله حجة أن الأفعال المنكرة التي كان المنافقون يخفونها يبينها الله تعالى وينكرها عليهم فدل على أن ما سكت الله عنه فهو جائز. أقسام الخبر باعتبار من يضاف إليه: ينقسم الخبر باعتبار من يضاف إليه إلى ثلاثة أقسام: مرفوع، وموقوف، ومقطوع.

стр. 4028

١- فالمرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ حقيقة أو حكماً. فالمرفوع حقيقة: قول النبي ﷺ وفعله وإقراره. والمرفوع حكماً: ما أضيف إلى سنته أو عهده أو نحو ذلك مما لا يدل على مباشرته إياه. ومنه قول الصحابي أمرنا أو نهينا أو نحوهما كقول ابن عباس ﵄ " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض (١) . وقول أم عطية " نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا (٢) . ٢- والموقوف: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع. وهو حجة على القول الراجح إلا أن يخالف نصاً أو قول صحابي آخر فإن خالف نصَّاً أخذ بالنص وإن خالف قول صحابي آخر أخذ بالراجح منهما. والصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. ٣- والمقطوع: ما أضيف إلى التابعي فمن بعده. والتابعي:من اجتمع بالصحابي مؤمناً بالرسول ﷺ ومات على ذلك. أقسام الخبر باعتبار طرقه: ينقسم الخبر باعتبار طرقه متواترة وآحاد: ١- فالمتواتر: ما رواه جماعة كثيرون يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب وأسندوه إلى شئ محسوس.

стр. 4029

مثاله: قوله، ﷺ : " من كذب على ّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (١) . ٣- والآحاد: ما سوى المتواتر وهو من حيث الرتبة ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. فالصحيح: ما نقله عدل تام الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة. والحسن: ما نقله عدل خفيف الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة. ويصل إلى درجة الصحيح إذا تعددت طرقه ويسمى (صحيحاً لغيره) . والضعيف ما خلا من شرط الصحيح والحسن. ويصل إلى درجة الحسن إذا تعددت طرقه على وجه يجبر بعضها بعضاً ويسمى (حسناً لغيره) . وكل هذه الأقسام حجة سوى الضعيف فليس بحجة لكن لا بأس بذكره في الشواهد ونحوها. صيغ الأداء. للحديث تحمل وأداء فالتحمل: أخذ الحديث عن الغير. والأداء: إبلاغ الحديث إلى الغير.

стр. 4030

وللأداء صيغ منها: ١- حدثني: لمن قرأ عليه الشيخ. ٢- أخبرني: لمن قرأ عليه الشيخ أو قرأ هو على الشيخ. ٣- أخبرني: إجازة أو أجاز لي: لمن روى بالإجازة دون القراءة. والإجازة: إذنه للتلميذ أن يروي عنه ما رواه وإن لم يكن بطريق القراءة. ٤- العنعنة وهي: رواية الحديث بلفظ عن. وحكمها الاتصال إلا من معروف بالتدليس فلا يحكم فيها بالاتصال إلا أن يصرح بالتحديث. هذا وللبحث في الحديث ورواته أنواع كثيرة في علم المصطلح وفيماأشرنا إليه كفاية أن شاء الله تعالى.
следующие страницы →