← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

مثال ذلك: حديث عائشة أنها سئلت بأي شئ كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (١) ، فليس في السواك عند دخول البيت إلا مجرد الفعل فيكون مندوباً. ومثال آخر: كان النبي ﷺ يخلل لحيته في الوضوء (٢) . فتخليل اللحية ليس داخلاً في غسل الوجه حتى يكون بياناً لمجمل وإنما هو فعل مجرد فيكون مندوباً. الخامس: ما فعله بياناً لمجمل من نصوص الكتاب أو السنة فواجب عليه حتى يحصل البيان لوجوب التبليغ عليه ثم يكون له حكم ذلك النص المبين في حقه وحقنا فإن كان واجباً كان ذلك الفعل واجباً وإن كان مندوباً كان ذلك الفعل مندوباً. مثال الواجب: أفعال الصلاة الواجبة التي فعلها النبي ﷺ بياناً لمجمل قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) (٣) . ومثال المندوب:صلاته ﷺ ، ركعتين خلف المقام بعد أن فرغ من الطواف بياناً لقوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) . (٤) حيث تقدم ﷺ إلى مقام إبراهيم وهو يتلو هذه الآية، والركعتان خلف المقام سنة. وأما تقريره ﷺ على الشيء فهو دليل على جوازه على الوجه الذي أقره قولاً كان أم فعلاً.

стр. 4027

مثال إقراره على القول: إقراره الجارية التي سألها أين الله؟ . قالت: في السماء (١) . ومثال إقراره على الفعل: إقراره صاحب السرية الذي كان يقرأ لأصحابه فيختم بقل هو الله أحد، فقال النبي ﷺ : " سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك". فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها فقال النبي ﷺ : " أخبروه أن الله يحبه " (٢) . ومثال آخر: إقراره الحبشة يلعبون في المسجد (٣) من أجل التأليف على الإسلام. فأما ما وقع ولم يعلم به فإنه لا ينسب إليه ولكنه حجة لإقرار الله له ولذلك استدل الصحابة ﵃ على جواز العزل بإقرار الله لهم عليه. قال جابر ﵁ " كنا نعزل والقرآن ينزل " متفق عليه. زاد مسلم قال سفيان: " ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن ". ويدل على أن إقرار الله حجة أن الأفعال المنكرة التي كان المنافقون يخفونها يبينها الله تعالى وينكرها عليهم فدل على أن ما سكت الله عنه فهو جائز. أقسام الخبر باعتبار من يضاف إليه: ينقسم الخبر باعتبار من يضاف إليه إلى ثلاثة أقسام: مرفوع، وموقوف، ومقطوع.

стр. 4028

١- فالمرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ حقيقة أو حكماً. فالمرفوع حقيقة: قول النبي ﷺ وفعله وإقراره. والمرفوع حكماً: ما أضيف إلى سنته أو عهده أو نحو ذلك مما لا يدل على مباشرته إياه. ومنه قول الصحابي أمرنا أو نهينا أو نحوهما كقول ابن عباس ﵄ " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض (١) . وقول أم عطية " نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا (٢) . ٢- والموقوف: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع. وهو حجة على القول الراجح إلا أن يخالف نصاً أو قول صحابي آخر فإن خالف نصَّاً أخذ بالنص وإن خالف قول صحابي آخر أخذ بالراجح منهما. والصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. ٣- والمقطوع: ما أضيف إلى التابعي فمن بعده. والتابعي:من اجتمع بالصحابي مؤمناً بالرسول ﷺ ومات على ذلك. أقسام الخبر باعتبار طرقه: ينقسم الخبر باعتبار طرقه متواترة وآحاد: ١- فالمتواتر: ما رواه جماعة كثيرون يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب وأسندوه إلى شئ محسوس.

стр. 4029

مثاله: قوله، ﷺ : " من كذب على ّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (١) . ٣- والآحاد: ما سوى المتواتر وهو من حيث الرتبة ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. فالصحيح: ما نقله عدل تام الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة. والحسن: ما نقله عدل خفيف الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة. ويصل إلى درجة الصحيح إذا تعددت طرقه ويسمى (صحيحاً لغيره) . والضعيف ما خلا من شرط الصحيح والحسن. ويصل إلى درجة الحسن إذا تعددت طرقه على وجه يجبر بعضها بعضاً ويسمى (حسناً لغيره) . وكل هذه الأقسام حجة سوى الضعيف فليس بحجة لكن لا بأس بذكره في الشواهد ونحوها. صيغ الأداء. للحديث تحمل وأداء فالتحمل: أخذ الحديث عن الغير. والأداء: إبلاغ الحديث إلى الغير.

стр. 4030

وللأداء صيغ منها: ١- حدثني: لمن قرأ عليه الشيخ. ٢- أخبرني: لمن قرأ عليه الشيخ أو قرأ هو على الشيخ. ٣- أخبرني: إجازة أو أجاز لي: لمن روى بالإجازة دون القراءة. والإجازة: إذنه للتلميذ أن يروي عنه ما رواه وإن لم يكن بطريق القراءة. ٤- العنعنة وهي: رواية الحديث بلفظ عن. وحكمها الاتصال إلا من معروف بالتدليس فلا يحكم فيها بالاتصال إلا أن يصرح بالتحديث. هذا وللبحث في الحديث ورواته أنواع كثيرة في علم المصطلح وفيماأشرنا إليه كفاية أن شاء الله تعالى.

стр. 4031

الإجماع تعريفه: الإجماع لغة: العزم والاتفاق. واصطلاحاً: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم شرعي. فخرج بقولنا: " اتفاق " وجود خلاف ولو من واحد فلا ينعقد معه الإجماع. وخرج بقولنا " مجتهدي " العوام والمقلدون فلا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم. وخرج بقولنا: " هذه الأمة " إجماع غيرها فلا يعتبر. وخرج بقولنا: " بعد النبي ﷺ "، إتفاقهم في عهد النبي ﷺ ، فلا يعتبر إجماعاً من حيث كونه دليلاً لأن الدليل حصل بسنة النبي ﷺ ، من قول أو فعل أو تقرير ولذلك إذا قال الصحابي كنا نفعل أو كانوا يفعلون كذا على عهد النبي ﷺ ، كان مرفوعاً حكماً لا نقلاً للإجماع. وخرج بقولنا: " على حكم شرعي " إتفاقهم على حكم عقلي أو عادي فلا مدخل له هنا إذ البحث في الإجماع كدليل من أدلة الشرع. ١ - قوله تعالى: (وكذلك جعالناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على

стр. 4032

الناس) (١) . فقوله: (شهداء على الناس) يشمل الشهادة على أعمالهم وعلى أحكام أعمالهم والشهيد قوله مقبول. قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء) (١) . دل على أن ما اتفقوا عليه حق. ٣- قوله ﷺ : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " (٢) . ٥- أن نقول: إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقّاً وإما أن يكون باطلاً، فإن كان حقّاً فهو حجة، وإن كان باطلاً فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله؟ ! هذا من أكبر المحال. أنواع الإجماع: الإجماع نوعان: قطعي، وظني. ١- فالقطعي: ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس، وتحريم الزنى، وهذا النوع لا أحد ينكر ثبوته ولا كونه حجة ويكفر مخالفة إذا كان ممن لا يجهله. ٢- والظني: ما لايعلم إلا بالتتبع والاستقراء وقد اختلف العلماء في إمكان ثبوته وأرجح الأقوال في ذلك رأي شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في العقيدة الواسطية: " والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة ". أهـ.

стр. 4033

واعلم أن الأمة أن تجمع على خلاف دليل صحيح صريح غير منسوخ فإنها لا تجمع إلا على حق وإذا رأيت إجماعاً تظنه مخالفاً لذلك فانظر فإما أن يكون الدليل غير صريح، أو غير صحيح، أو منسوخاً، أو في المسألة خلاف لم تعلمه. شروط الإجماع: للإجماع شروط منها: ١- أن يثبت بطريق صحيح بأن يكون إما مشهوراً بين العلماء أو ناقلة ثقة واسع الإطلاع. ٢- ألا يسبقه خلاف مستقر فإن سبقه ذلك فلا إجماع لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها. فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق وإنما يمنع من حدوث خلاف. هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه وقيل لا يشترط ذلك فيصح أن ينعقد في العصر الثاني على أحد الأقوال السابقة ويكون حجة على من بعده. ولا يشترط على رأي الجمهور انقراض عصر المجمعين فينعقد الإجماع من أهله بمجرد اتفاقهم ولايجوز لهم ولا لغيرهم مخالفته بعد لأن الأدلة على أن الإجماع حجة ليس فيها اشتراط انقراض العصر، ولأن الإجماع حصل ساعة اتفاقهم فما الذي يرفعه؟ وإذا قال بعض المجتهدين قولاً أو فعل فعلاً واشتهر ذلك بين أهل الاجتهاد ولم ينكروه مع قدرتهم على الإنكار فقيل: يكون إجماعاً. وقيل: يكون حجة لا إجماعاً. وقيل: ليس بإجماع ولا حجة. وقيل: إن انقرضوا قبل الإنكار فهو إجماع لأن استمرار سكوتهم إلى الانقراض مع قدرتهم على الإنكار دليل على موافقتهم وهذا أقرب الأقوال.

стр. 4034

القياس تعريفه: القياس لغة: التقدير والمساواة. واصطلاحاً: تسوية فرع بأصل في حكم لعله جامعه بينهما. فالفرع: المقيس. والأصل: المقيس عليه. والحكم: ما اقتضاه الدليل الشرعي من وجوب أو تحريم أو صحة أو فساد أو غيرها. والعلة: المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل، وهذه الأربعة أركان القياس، والقياس أحد الأدلة التي ثبت بها الأحكام الشرعية. وقد دل على اعتباره دليلاً شرعيّاً الكتاب والسنة وأقوال الصحابة. فمن أدلة الكتاب: ١- قوله تعالى: (الله الذي انزل الكتاب بالحق والميزان) (١) . والميزان ما توزن به الأمور ويقايس به بينها. ٢- قوله تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده) (٢) (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور) (٣) . فشبه الله تعالى إعادة الخلق بابتدائه.

стр. 4035

وشبه إحياء الأموات بإحياء الأرض وهذا هو القياس. ومن أدلة السنة: ١- قوله ﷺ لمن سألته عن الصيام عن أمها بعد موتها: "ارأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها " قالت: نعم. قال: " فصومي عن أمك " (١) . ٢- أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: " يا رسول الله، ولد لي غلام أسود، فقال هل لك من إبل؟ قال نعم. قال: ما ألوانها؟ قال حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق " (٢) . وهكذا جميع الأمثال الواردة في الكتاب والسنة دليل على القياس لما فيها من اعتبار الشيء بنظيره. ومن أقوال الصحابي: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كتابة إلى أبي موسى الأشعري في القضاء قال: ثم الفهم الفهم فيما أدلى عليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عندك واعرف الأمثال ثم أعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق. قال ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول. وحكى المزني أن الفقهاء في عصر الصحابة إلى يومه أجمعوا على أن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، واستعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام.

стр. 4036

شروط القياس: للقياس شروط منها: ١- أن لا يصادم دليلاً أقوى منه فلا اعتبار بقياس يصادم النص أو الإجماع أو أقوال الصحابة إذا قلنا قول الصحابي حجة ويسمى القياس المصادم لما ذكر (فاسد الاعتبار) . مثاله: أن يقال يصح أن تزوج المرأة الرشيدة لنفسها بغير ولي قياساً على صحة بيعها ما لها بغير ولي. فهذا قياس فاسد الاعتبار لمصادمته وهو قوله ﷺ : " لا نكاح إلى بولي " (١) . ٢- أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه، وإنما يقاس على الأصل الأول لأن الرجوع إليه أولى ولأن القياس على الفرع ثم الفرع على الأصل تطويل بلا فائدة. مثال ذلك: أن يقال يجري الربا في الذرة قياساً على الرز ويجري في الرز قياساً على البر، فالقياس هكذا غير صحيح ولكن يقال يجري الربا في الذرة قياساً على البر ليقاس على أصل ثابت بنص. ٣- أن يكون الحكم الأصل عله معلومة ليمكن الجمع بين الأصل والفرع فيها فإن كان حكم الأصل تعبديّاً محضاً لم يصح القياس عليه.

стр. 4037

مثال ذلك: أن يقال لحم النعامة ينقض الوضوء قياساً على لحم البعير لمشابهتها له، فيقال هذا القياس غير صحيح لأن حكم الأصل ليس له عله معلومة وإنما هو تعبدي محض على المشهور. ٤- أن تكون العلة مشتملة على معنى مناسب للحكم يعلم من قواعد الشرع باعتباره كالإسكار في الخمر. فإن كان المعنى وصفاً طردياً لا مناسبة فيه لم يصح التعليل به كالسواد والبياض مثلاً. مثال ذلك: حديث ابن عباس ﵄ أن بريرة خيرت على زوجها حين عتقت قال: وكان زوجها عبداً أسود (١) . فقوله"أسود " وصف طردي لا مناسبة فيه للحكم ولذلك يثبت الخيار للأمة إذا عتقت تحت عبد وإن كان أبيض ولايثبت لها إذا عتقت تحت حر وإن كان أسود. ٥- أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل كالإيذاء في ضرب الوالدين المقيس على التأفيف فإن لم تكن العلة موجودة في الفرع لم يصح القياس. مثال ذلك: أن يقال العلة في تحريم الربا في كونه مكيلاً ثم يقال يجري الربا في التفاح قياساً على البر فهذا القياس غير صحيح لأن العلة غير موجودة في الفرع إذ التفاح غير مكيل.

стр. 4038

أقسام القياس: ينقسم القياس إلى جلي ّ وخفي ّ. ١- فالجلي: ما ثبتت عليه بنص أو إجماع أو كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع. مثال ما ثبتت علته بالنص: قياس المنع من الاستجمار بالدم النجس الجاف على المنع من الاستجمار بالروثة فإن عله حكم الأصل ثابتة بالنص حيث أتى ابن مسعود ﵁ إلى النبي ﷺ بحجرين وروثة ليستنجي بهن فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال " هذا ركس " (١) ، والركس النجس. ومثال ما ثبتت علته بالإجماع: نهي النبي ﷺ أن يقضي القاضي هو غضبان (٢) ، فقياس منع الحاقن من القضاء على منع الغضبان منه من القياس الجلي لثبوت عله الأصل بالإجماع وهي تشويش الفكر وانشغال القلب. ومثال ما كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع: قياس تحريم إتلاف مال اليتيم باللبس على تحريم إتلافه بالأكل للقطع بنفي الفارق بينهما. ٢- والخفي: ما ثبتت علته باستنباط ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.

стр. 4039

مثاله: قياس الأشنان على البر في تحريم الربا بجامع الكيل فإن التعليل بالكيل لم يثبت بنص ولا إجماع ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع إذ من الجائز أن يفرق بينهما بأن البر مطعوم بخلاف الأشنان. قياس الشبه: ومن القياس ما يسمى: بـ (قياس الشبه) وهو أن يتردد فرع بين أصلين مختلفي الحكم وفيه شبه بكل منهما فيلحق بأكثرهما شبهاً به. مثال ذلك: العبد هل يملك بالتمليك قياساً على الحر أو لا يملك قياساً على البهيمة؟ . إذا نظرنا إلى هذين الأصلين الحر والبهيمة وجدنا أن العبد متردد بينهما فمن حيث أنه إنسان عاقل يثاب ويعاقب وينكح ويطلق يشبه الحر، ومن حيث أن يباع ويرهن ويوقف ويوهب ويورث ولا يودع ويضمن بالقيمة ويتصرف فيه يشبه البهيمة وقد وجدنا أنه من حيث التصرف المالي أكثر شبهاً بالبهيمة فيلحق بها. وهذا القسم من القياس ضعيف إذ ليس بينه وبين الأصل عله مناسبة سوى أنه يشبهه في أكثر الأحكام مع انه ينازعه أصل آخر. قياس العكس: ومن القياس ما يسمى بـ (قياس العكس) وهو: إثبات نقيض حكم الأصل للفرع لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه. ومثلوا لذلك بقوله ﷺ : " وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: (يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ ! قال أرايتم لو

стр. 4040

وضعها في حرام أكان له وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر (١) . فأثبت النبي ﷺ للفرع وهو الوطء الحلال نقيض حكم الأصل وهو الوطء الحرام لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه أثبت للفرع أجراً لأنه وطء حلال كما أن في الأصل وزراً لأنه وطء حرام.

стр. 4041

التعارض تعريفه: التعارض لغة: التقابل والتمانع. واصطلاحاً: تقابل الدليلين بحيث يخالف أحدهما الآخر. وأقسام التعارض أربعة: القسم الأول: أن يكون بين دليلين عامين وله أربع حالات: ١- أن يمكن الجمع بينهما بحيث يحمل كل منهما على حال لا يناقض الآخر فيها فيجب الجمع. مثال ذلك: قول تعالى لنبيه ﷺ ? وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) (١) ، وقوله: (إنك لا تهدي من أحببت) (٢) ، والجمع بينهما أن الآية الأولى يراد بها هداية الدلالة إلى الحق وهذه ثابتة للرسول ﷺ . والآية الثانية يراد بها هداية التوفيق للعمل وهذه بيد الله تعالى لا يملكها الرسول ﷺ ولا غيره. ٢- فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول.

стр. 4042

مثال ذلك: قوله تعالى في الصيام: (فمن تطوع خيراً فهو خير له وإن تصوموا خير لكم) (١) . فهذه الآية تفيد التخيير بين الإطعام والصيام مع ترجيح الصيام وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر) (٢) تفيد تعيين الصيام أداء في حق غير المريض والمسافر وقضاء في حقهما لكنها متأخرة عن الأولى فتكون ناسخة لها كما يدل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع الثابت في الصحيحين وغيرهما. ٣- فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح. مثال ذلك: قوله ﷺ : " من مس ذكره فليتوضأ " (٣) وسئل ﷺ عن الرجل يمس ذكره أعليه الوضوء؟ قال: " لا إنما هو بضعة منك " (٤) فيرجح الأول لأنه أحوط ولأنه أكثر طرقاً ومصححوه أكثر ولأنه ناقل عن الأصل ففيه زيادة علم. ٤- فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف ولا يوجد له مثال صحيح القسم الثاني: أن يكون التعارض بين خاصين فله أربع حالات أيضاً. ١- أن يمكن الجمع بينهما فيجب الجمع. مثاله: حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ

стр. 4043

أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم النحر بمكة (١) ، وحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ صلاها بمنى، فيجمع بينهما بأنه صلاها بمكة ولما خرج إلى منى أعادها بمن فيها من أصحابه (٢) . ٢- فإن لم يمكن الجمع فالثاني ناسخ إن علم التاريخ. مثاله: قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك) (٣) الآية. وقوله تعالى: (لا يحل لك النساء من بعد) (٤) . فالثانية ناسخة للأولى على أحد الأقوال. ٣- فإن لم يمكن عمل بالراجح إن كان هناك مرجح. مثاله: حديث ميمونة أن النبي ﷺ تزوجها هو حلال (٥) وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ تزوجها وهو محرم (٦) . فالراجح الأول لأن ميمونة صاحبة القصة فهي أدرى بها، ولأن حديثها مؤيد بحديث أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال قال: وكنت الرسول بينهما (٧)

стр. 4044

٤- فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف ولا يوجد له مثال صحيح. القسم الثالث: أن يكون التعارض بين عام وخاص فيخصص العام بالخاص. مثال قوله ﷺ : " فيما سقت السماء العشر (١) " وقوله: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ". فيخصص الأول بالثاني ولا تجب الزكاة إلا فيما بلغ خمسة أوسق. القسم الرابع: أن يكون التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه فله ثلاث حالات: ١- أن يقوم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به. مثاله: قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن) (٢) ٠ وقوله: (وأولات الأحمال) (٣) . فالأولى خاصة في المتوفي عنها عامة في الحامل وغيرها، والثانية خاصة في الحامل عامة في المتوفي عنها وغيرها لكن دل الدليل على تخصيص عموم الأولى بالثانية وذلك أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج (٤) .

стр. 4045

وعلى هذا فتكون عدة الحامل إلى وضع الحمل سواء كانت متوفى عنها أم غيرها. ٢- وإن لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر عمل بالراجح. مثال ذلك: قوله ﷺ :" إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " (١) وقوله ﷺ : " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " (٢) . فالأول خاص في تحية المسجد عام في الوقت، والثاني خاص في الوقت عام في الصلاة يشمل تحية المسجد وغيرها لكن الراجح تخصيص عموم الثاني بالأول فتجوز تحية المسجد في الأوقات المنهي عن عموم الصلاة فيها، وإنما رجحنا ذلك لأن تخصيص عموم الثاني قد ثبت بغير تحية المسجد كقضاء المفروضة وإعادة الجماعة فضعف عمومه. ٣- وإن لم يقم دليل ولا مرجح لتخصيص عموم أحدهما بالثاني وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها. لكن لا يمكن التعارض بين النصوص في نفس الأمر على وجه لا يمكن فيه الجمع ولا النسخ ولا الترجيح لأن النصوص لا تتناقض والرسول ﷺ قد بين وبلغ لكن قد يقع ذلك بحسب نظر المجتهد لقصوره والله أعلم.

стр. 4046

الترتيب بين الأدلة إذا اتفقت الأدلة السابقة (الكتاب والسنة والإجماع والقياس) على حكم أو انفرد أحدها من غير معارض وجب إثباته، وإن تعارضت وأمكن الجمع وجب الجمع وإن لم يكن الجمع عمل بالنسخ إن تمت شروطه. وإن لم يمكن النسخ وجب الترجيح. فيرجح من الكتاب والسنة: النص على الظاهر. والظاهر على المؤول. والمنطوق على المفهوم. والمثبت على النافي. والناقل عن الأصل على المبقي عليه لأنه مع الناقل زيادة علم والعام المحفوظ (وهو الذي لم يخصص) على غير المحفوظ. وما كانت صفات القبول فيه أكثر على ما دونه. وصاحب القصة على غيره. ويقدم من الإجماع: القطعي على الظني. ويقدم من القياس: الجلي على الخفي.

стр. 4047

المفتي والمستفتي المفتي: هو المخبر عن حكم شرعي والمستفتي: هو السائل عن حكم شرعي شروط الفتوى: يشترط لجواز الفتوى شروط منها: ١- أن يكون المفتي عارفاً بالحكم يقيناً أو ظنّاً أو راجحاً إلا وجب عليه التوقف. ٢- أن يتصور السؤال تصوّرا ًتاماً ليتمكن من الحكم عليه فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فإذا أشكل عليه معنى كلام المستفتي سأله عنه وإن كان يحتاج إلى تفصيل استفصله أو ذكر التفصيل في الجواب، فإذا سئل عن امرئ هلك عن بنت وأخ وعم وشقيق فليسأل عن الأخ هل هو لأم أو لا؟ أو يفصل في الجواب، فإن كان لأم فلا شيء له، والباقي بعد فرض البنت للعم وإن كان لغير أم فالباقي بعد فرض البنت له ولا شيء للعم. ٣- أن يكون هادئ البال ليتمكن من تصور المسألة وتطبيقها على الأدلة الشرعية فلا يفتي حال انشغال فكرة بغضب أو هم أو ملل أو غيرها. ويشترط لوجوب الفتوى شروط منها: ١- وقوع الحادثة المسؤول عنها فإن لم تكن واقعة لم تجب الفتوى لعدم الضرورة إلا أن يكون قصد السائل التعلم فإنه لا يجوز كتم العلم

стр. 4048

بل يجيب عنه متى سئل بكل حال. ٢- ألا يعلم من حال السائل أن قصده التعنت أو تتبع الرخص أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض أو غير ذلك من المقاصد السيئة فإن علم ذلك من حال السائل لم تجب الفتوى. ٣- ألا يترتب على الفتوى ما هو أكثر منها ضرراً فإن ترتب عليها ذلك وجب الإمساك عنها دفعاً لأشد المفسدتين بأخفهما. ما يلزم المستفتي: يلزم المستفتي أمران: الأول: أن يريد باستفتائه الحق والعمل به لا تتبع الرخص وإفحام المفتي وغير ذلك من المقاصد السيئة. الثاني: ألا يستفتي إلا من يعلم أو يغلب على ظنه أنه أهل للفتوى وينبغي أن يختار أوثق المفتين علماً وورعاً وقيل يجب ذلك.

стр. 4049

الاجتهاد تعريفه: الاجتهاد لغة: بذل الجهد لإدراك أمر شاق واصطلاحاً: بذل الجهد لإدراك حكم شرعي. والمجتهد: من بذل جهده لذلك. شروط الاجتهاد للاجتهاد شروط منها: ١- أن يعلم من الأدلة الشرعية ما يحتاج إليه في اجتهاده كآيات الأحكام وأحاديثها. ٢- أن يعرف ما يتعلق بصحة الحديث وضعفه كمعرفة الإسناد ورجاله وغير ذلك. ٣- أن يعرف الناسخ والمنسوخ ومواقع الإجماع حتى لا يحكم بمنسوخ أو مخالف للإجماع. ٤- أن يعرف من الأدلة ما يختلف به الحكم من تخصيص أو تقييد أو نحوه حتى لا يحكم بما يخالف ذلك. ٥- أن يعرف من اللغة وأصول الفقه ما يتعلق بدلالات الألفاظ كالعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين ونحو ذلك ليحكم بما تقتضيه تلك الدلالات. ٦- أن يكون عنده قدرة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها. والاجتهاد قد يتجزأ فيكون في باب واحد من أبواب العلم أو في مسألة من مسائله.

стр. 4050

ما يلزم المجتهد يلزم المجتهد أن يبذل جهده في معرفة الحق ثم يحكم بما ظهر له فإن أصاب فله أجران: أجر على اجتهاده وأجر على إصابة الحق لأن في إصابة الحق إظهاراً له وعملاً به، وإن أخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور له لقوله ﷺ : " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (١) . وإن لم يظهر له الحكم وجب عليه التوقف وجاز التقليد حينئذ لضرورة.

стр. 4051

التقليد تعريفه: التقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطاً به كالقلادة. واصطلاحاً: اتباع من ليس قوله حجة. فخرج بقولنا: " من ليس قوله حجة " اتباع النبي ﷺ ، واتباع أهل الإجماع، واتباع الصحابي إذا قلنا أن قوله حجة، فلا يسمى اتباع شيء من ذلك تقليداً لأنه اتباع للحجة لكن قد يسمى تقليداً على وجه المجاز والتوسع. مواضع التقليد: يكون التقليد في موضعين: الأول: أن يكون المقلد عاميّاً لا يستطيع معرفة الحكم بنفسه ففرضه التقليد لقوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون) (١) ، ويقلد أفضل من يجده علماً وورعاً فإن تساوى عنده اثنان خير بينهما. الثاني: أن يقع للمجتهد حادثة تقتضي الفورية ولا يتمكن من النظر فيها فيجوز له التقليد حينئذ، واشترط بعضهم لجواز التقليد ألا تكون المسألة من أصول الدين التي يجب اعتقادها لأن العقائد يجب الجزم فيها والتقليد إنما يفيد الظن فقط.

стр. 4052

والراجح أن ذلك ليس بشرط لعموم قوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون) (١) . والآية في سياق إثبات الرسالة وهو من أصول الدين ولأن العامي لا يتمكن من معرفة الحق بأدلته فإذا تعذر عليه معرفة الحق بنفسه لم يبق إلا التقليد لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٢) . أنواع التقليد: التقليد نوعان عام، وخاص: ١- فالعام: أن يلتزم مذهباً معيناً يأخذ برخصة وعزائمه في جميع الأمور دينه. وقد اختلف العلماء فيه فمنهم من حكى وجوبه لتعذر الاجتهاد في المتأخرين ومنهم من حكى تحريمه لما فيه من الالتزام المطلق لاتباع غير النبي ﷺ . وقال شيخ الإسلام ابن تيميه إن في القول بالوجوب طاعة غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه وهو خلاف الإجماع وجوازه فيه ما فيه. وقال: من التزم مذهباً معيناً ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك ولا عذر شرعي يقتضي حل ما فعله فهو متبع لهواه فاعل للمحرم بغير عذر شرعي وهذا منكر وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها وإما بأن يرى أحد الرجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو أتقى لله فيما يقوله فيرجع عن قول إلى قول لمثل هذا فهذا يجوز بل يجب وقد نص الإمام أحمد على ذلك.

стр. 4053

٢- والخاص: أن يأخذ بقول معين في قضية معينة فهذا جائز إذا عجز عن معرفة الحق بالاجتهاد سواء عجز عجزاً حقيقياً أو استطاع ذلك مع المشقة العظيمة. فتوى المقلد: قال الله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون) (١) ، وأهل الذكر هم أهل العلم والمقلد ليس من أهل العلم المتبوعين وإنما هو تابع لغيره. قال أبو عمر بن عبد البر وغيره " أجمع الناس على أن المقلد ليس معدوداً من أهل العلم وأن العلم معرفة الحق بدليله ". قال ابن القيم: وهذا كما قال أبو عمر فإن الناس لا يختلفون في أن العلم هو المعرفة الحاصل على دليل وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد ثم حكى ابن القيم بعد ذلك في جواز الفتوى ثلاثة أقوال: أحدهما: لا تجوز الفتوى بالتقليد لأن ليس بعلم والفتوى بغير علم حرام وهذا قول أكثر الأصحاب وجمهور الشافعية. الثاني: أن ذلك جائز فيما يتعلق بنفسه ولا يجوز أن يقلد فيما يفتي به غيره. الثالث: أن ذلك جائز عند الحاجة وعدم العالم المجتهد وهو أصح الأقوال وعليه العمل. انتهى كلامه. وبه يتم ما أردنا كتابته في هذه المذكرة الوجيزة، نسأل الله أن يلهمنا الرشد في القول والعمل وأن يكلل أعمالنا بالنجاح إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.

стр. 4054

فتاوى الفقه كتاب الطهارة

стр. 4055

كتاب الطهارة باب المياه ١) سُئل فضيلة الشيخ: عن أقسام المياه ؟ فأجاب حفظه الله تعالى قائلاً: الراجح أن الماء قسمان: طهور ونجس، فما تغير بالنجاسة، فهو نجس، وما لم يتغير بنجاسة، فهو طَهُورٌ. أما إثبات قسم ثالث، وهو الطاهر، فلا أصل لذلك في الشريعة، والدليل على هذا هو عدم الدليل، إذ لو كان القسم الطاهر ثابتاً بالشرع، لكان أمراً معلوماً مفهوماً، تأتي به الأحاديث البينة الواضحة، لأن الحاجة تدعو إلى بيانه، وليس بالأمر الهين، إذ يترتب عليه: إما أن يتطهر بماء أو يتيمم. ٢) وسُئل فضيلته: ما الأصل في الطهارة من الحدث والخبث ؟ فأجاب بقوله: الأصل في الطهارة من الحدث الماء، ولا طهارة إلا بالماء، سواء كان الماء نقيّاً، أم متغيِّراً بشيء طاهر، لأن القول الراجح: أن الماء إذا تغيّر بشيء طاهر، وهو باقٍ على اسم الماء، أنه لا تزول طهور يته، بل طهور طاهر في نفسه، مطهر لغيره، فإن لم يوجد الماء أو خيف الضرر باستعماله، فإنه يُعدَل عنه إلى التيمم، بضرب الأرض بالكفين، ثم مسح الوجه بهما، ومسح بعضهما ببعض. هذا بالنسبة

стр. 4056

للطهارة من الحدث. أما الطهارة من الخبث، فإن أي مزيل يُزيل ذلك الخبث، من ماء أو غيره تحصل به الطهارة، وذلك لأن الطهارة من الخبث يُقصَد بها إزالة تلك العين الخبيثة بأي مزيل، فإذا زالت هذه العين الخبيثة بماء أو بنزين أو غيره من السائلات أو الجامدات على وجه تام، فإن هذا يكون تطهيراً لها، لكن لابد من سبع غسلات إحداهن بالتراب في نجاسة الكلب، وبهذا نعرف الفرق بين ما يحصل به التطهير في باب الخبث، وبين ما يحصل به التطهير في باب الحدث. ٣) وسئل رعاه الله بمنه وكرمه: هل تطهر النجاسة بغير الماء؟ وهل البخار الذي تغسل به الأكوات مطهر لها ؟ فأجاب قائلاً: إزالة النجاسة ليست مما يُتعبد به قصداً، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة، وزالت وزال أثرها، فإنه يكون ذلك الشيء مطهِّراً لها، سواء كان بالماء أو بالبنزين، أو أي مزيل يكون، فمتى زالت عين النجاسة بأي شيء يكون، فإنه يُعتبر ذلك تطهيراً لها، حتى إنه على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، لو زالت بالشمس والريح فإنه يطهر المحل، لأنها كما قلت: هي عين نجسة خبيثة، متى وجدت صار المحل متنجِّساً بها، ومتى زالت عاد المكان إلى أصلة، أي إلى طهارته، فكل ما تزول به عين النجاسة وأثرها، إلا إنه يُعفى عن اللون المعجوز عنه، فإنه يكون مطهِّراً لها، وبناءً على ذلك نقول: إن البخار الذي تُغسل به الأكوات إذا زالت به النجاسة فإنه يكون مطهِّراً.

стр. 4057

٤) وسئل: هل يصح الوضوء بالماء المالح بطبيعته أو المستخرج من الأرض بواسطة المكائن ؟ فأجاب فضيلته: نعم يصح الوضوء بالماء المالح بطبيعته أو بوضع ملح فيه لأن النبي ﷺ سُئل عن الوضوء بماء البحر فقال: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ". ومن المعلوم أن مياه البحر مالحة فيجوز للإنسان أن يتوضأ بالماء المالح سواء كان الملح طارئاً أو كان مالحاً من أصله. وكذلك يجوز الوضوء بالماء الذي أخرج بالمكائن وغيرها من الآلات الحديثة لأن هذا داخل في قوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ?. إلى قوله: ? وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ? (١) . ٥) وسُئل الشيخ - أعلى الله مكانه ومكانته - عن حكم الماء المتغير ّ بطول مُكثه؟ فأجاب بقوله: هذا الماء طهور وإن تغير، لأنه لم يتغير بمازج خارج وإنما تغير بطول مُكثه في هذا المكان، وهذا لا بأس به يُتوضأ منه والوضوء صحيح. ٦) وسئل: عن حكم الوضوء من بركة يبقى الماء فيها مدة طويلة فيتغير لونه وطعمه ؟ فأجاب بقوله: لا بأس بالوضوء من تلك البركة ما داموا

стр. 4058

يتوضأون خارجها، ولا يغتسلون في داخلها، لأنه لا يضرّ تغير الماء بمكثه، إنما يضرّ لو تغير بنجاسة، وكذلك لو كانوا يغتسلون من الجنابة بداخلها، لِنَهي النبي ﷺ عن الاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري، أما ما داموا يغتسلون ويتوضأون خارجها فلا حرج في ذلك والباقي طهور يتوضأون منه إلى أن ينفذ. ٧) وسئل: إذا مشى الإنسان في ماء متخلف من ماء الوضوء فهل يعتبر نجساً ؟ فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الماء لم يَتغيَّر بالنَّجاسة فهو طاهر، فإن تغيَّر بالنجاسة فهو نجس ٌ وعلى من تلوَّثت رجله به أن يغسلها، وكذلك من تلوثت نعاله به أن يغسل ما تلوث إلا ما يباشر الأرض فإن الأرض تُطَهّره. ٨) سئل فضيلة الشيخ: عن تكرير الماء المتلوث بالنجاسات حتى يعود الماء نقيّاً سليماً من الروائح الخبيثة ومن تأثيرها في طعمه ولونه؟ وعن حكم استعمال هذا الماء في سقي المزارع والحدائق وطهارة الإنسان وشربه ؟ فأجاب بقوله: في حال تكرير الماء التكرير المتقدم، الذي يُزيل تلوثه بالنجاسة حتى يعود نقيّاً سليماً من الروائح الخبيثة ومن تأثيرها في طعمه ولونه، مأمون العاقبة من الناحية الصحية، في هذه الحال لا شّك في طهارة الماء، وأنه يجوز استعماله في طهارة الإنسان وشربه وأكله وغير ذلك، لأنه صار طهوراً لزوال أثر النجاسة طعماً ورائحة ً ولوناً، وفي الحديث عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه ". وفي

стр. 4059

رواية: " أن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه ". وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً من حيث السند وأكثر أهل العلم لا يثبتونه مرفوعاً إلى النبي ﷺ بل قال النووي: اتفق المحدِّثون على تضعيفه، لكنه في الحقيقة صحيح من حيث المعنى، لتأيده بالأحاديث الدالة على إزالة النجاسة بالغسل، فإنها تدل على أنه إذا زال أثر النجاسة بالغسل، فإنها تدل على أنه إذا زال أثر النجاسة طهر ما أصابته، ولأن أهل العلم مجمعون على أن الماء إذا أصابته النجاسة فغّيرت ريحه أو طعمه أو لونه صار نجساً، وإن لم تغيره فهو باق على طهوريته، إلا إذا كان دون القلتين، فإن بعضهم يرى أن ينجس وإن لم يتغير والصحيح أنه لا ينجس إلا بالتغير، لأن النظر والقياس يقتضي ذلك، فإنه إذا تغير بالنجاسة فقد أثرت فيه خبثاً، فإذا لم يتغير بها فكيف يجعل له حكمها؟ إذا تبين ذلك وأن مدار نجاسة الماء على تغيره، فإنه إذا زال تغيره بأي وسيلة عاد حكم الطهورية إليه، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، وقد نصّ الفقهاء ﵏ على أن الماء الكثير وهو الذي يبلغ القُلّتين عندهم إذا زال تغيره ولو بنفسه بدون محاولة فإنه يطهر. وفي حال تكرير الماء التكرير الأولي والثانوي، الذي لا يزيل أثر النجاسة لا يجوز استعماله في طهارة الإنسان وشربه، لأن أثر النجاسة فيه باقٍ، إلا إذا قدر أن هذا الأثر الباقي لا يتغير به ريح الماء ولا طعمه ولا لونه، لا تغيراً قليلاً ولا كثيراً، فحينئذٍ يعود إلى طهوريته، ويستعمل في طهارة الإنسان وشربه، كالمكرر تكريراً متقدماً. وأما استعماله أعني الذي بقي فيه أثر النجاسة في ريحه أو طعمه أو لونه، إذا استعمل في سقي الحدائق والمزارع والمنتزهات الشعبية، فالمشهور عند الحنابلة أنه يحرم ثمر وزرع سقي بنجس أو سمّد به

стр. 4060

لنجاسته بذلك، حتى يسقى بطاهر، وتزول عين النجاسة، وعلى هذا يحرم السقي والسماد وقت الثمار، لأنه يفضي إلى تنجيسه وتحريمه. وذهب أكثر أهل العلم إلا أنه لا يحرم ولا ينجس بذلك إلا أن يظهر أثر النجاسة في الحب والثمر، وهذا هو الصحيح، والغالب أن النجاسة تستحيل فلا يظهر لها أثر في الحبّ والثمر لكن ينبغي أن يلاحظ أن المنتزهات والجالسين فيها، أو تحرمهم الجلوس والتنزه وهذا لا يجوز لأن النبي ﷺ نهى عن البراز في الموارد وقارعة الطريق، وظل الناس، لأن ذلك يقذرهم، فعليه يجب أن لا تسقى المنتزهات والحدائق العامة بالمياه النجسة، أو تسمّد بالأسمدة النجسة، والله الموفق.

стр. 4061

باب الآنية ٩) سُئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى: - عن حكم استعمال آنية الذهب والفضة ؟ فأجاب بقوله: الصحيح أن الاتخاذ والاستعمال في غير الأكل والشرب ليس بحرام وذلك لأن النبي ﷺ ، إنما نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل والشرب، والنبي ﷺ أبلغُ الناس وأفصحهم وأبينهم في الكلام لا يخصّ شيئاً دون شيء إلا لسبب، ولو أراد النهي العام لقال: " لا تستعملوها "، فتخصيصه الأكل والشرب بالنهي دليل على أن ما عداهما جائز، لأن الناس ينتفعون بهما في غير ذلك ولو كانت الآنية من الذهب والفضة محرّمة مطلقاً لأمر النبي ﷺ بتكسيرها، كما كان ﷺ لا يدع شيئاً فيه تصاوير إلا كسّره، فلو كانت محرّمة مطلقاً لكسرها، لأنه إذا كانت محرمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة، ويدلّ لذلك أن أم سلمة وهي راوية حديث: " والذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " كان عندها جلجل من فضة جعلت فيه شعرات من شعر النبي ﷺ فكان الناس يستشفُون بها، فيُشفَوْنَ - بإذن الله - وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري، وفيه استعمال لآنية الفضة لكن في غير الأكل والشرب، فالصحيح أنه لا يحرم إلا ما حرّمه الرسول ﷺ في الأوني وهو الأكل والشرب. فإن قال قائل: حرمها الرسول ﷺ في الأكل والشرب لأنه هو الأغلب استعمالاً، وما علق به الحكم لكونه أغلب، فإنه لا يقتضي

стр. 4062

تخصيصه به كما في قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ) (١) . فقيد تحريم الربيبة بكونها الحجر، وهي تَّحرُم ولو لم تكن في حجره على قول اكثر أهل العلم. قلنا: هذا صحيح لكن كون الرسول ﷺ يُعلِّق الحكم بالأكل والشرب، لأن مظهر الأمة بالترّف في الأكل والشرب أبلغ منه في مظهرها في غير ذلك، وهذه علّة تقتضي تخصيص الحكم بالأكل والشرب، لأنه لا شك أن الإنسان الذي أوانيه في الأكل والشرب ذهب وفضة ليس كمثل إنسان يستعملها في حاجات أخرى تخفي على كثير من الناس، ولا يكون مظهر الأمة التفاخر في الأكل والشرب. ١٠) وسئل فضيلة الشيخ: قلتم في الفتوى السابقة: " إن النهي خاص بالأكل والشرب ولو أراد النبي ﷺ النهي العام لقال: " لا تستعملوها " وهذا غير مسلم لأنه ﷺ ذكر العلة وهي قوله: فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ". ويلزم من قولكم ألا يكون لتعليل النبي ﷺ فائدة، وإذا كانت العلة منصوصة وهي عدم الاستمتاع بذلك في الدنيا كفعل الكفار صار ذكر الأكل والشرب لا يمنع قياس غيرهما عليهما، وأيضا قولكم: " هلا قال لا تستعملوها " يستلزم إبطال القياس وهو مجمع عليه إذا ظهرت العلة ولم يصادم نصَّا، وحديث أم سلمة الوارد في الفتوى لا يعارض الحديث لأنه موقوف عليها. وقال الشنقيطي رحمة الله تعالى في أضواء

стр. 4063

البيان ج٣ ص ٢٢٤: " فإن قيل الحديث وارد في الشرب في إناء الفضة.. فالجواب: أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب " ا. هـ. وكلام الشوكاني في هذا غير مقنع، فنرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح ذلك والله يحفظكم ويرعاكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فأجاب فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد فقد فهمت ما كتبت بارك الله فيك، والعلة التي علل بها النبي ﷺ النهي عن الأكل في آنية الذهب والفضة لا يقصد بها إحلال ذلك للكفار ولكن يقصد بها والله أعلم أنكم أيها المؤمنون إن منعتم عنها في الدنيا لم تمنعوا عنها في الآخرة فيكون كالتسلية للمؤمنين. وأما قولكم عن قولنا " لقال لا تستعملوها " غير مسلم، فلا يلزم من كونه غير مسلم لديكم أن يكون غير مقبول عند غيركم لأن الحق غير محجور على عقل أحد من الناس أو تسليمه إلا من وجب اتباعه وهو الرسول ﷺ . وأما قولكم " إنه يلزم من قولنا إلا يكون لتعليل النبي ﷺ فائدة " فإن الفائدة منه ما أشرنا إليه من قبل وهي حاصلة حتى على قولنا بما دل عليه الحديث من تخصيص النهي بالأكل والشرب. وأما قولكم " إذا كانت العلة منصوصة " إلخ. فإن من المعلوم أننا لو أخذنا بما فهمتم من عموم العلة لكنا نحرم كل ما يستمتع به الكفار وهذا لا يقوله أحد، وإنما المقياس في ذلك ما دلت عليه النصوص فإذا كان الشيء الذي يستمعون به لا يحرم علينا كان حلالاً قال الله

стр. 4064

تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) (١) فإذا كانوا يطبخون اللحم المباح لنا على الصفة التي يتمتعون بها كان اللحم حلالاً لنا، أما إذا كان ما يتمتعون به حراماً علينا كالخنزير كان حراما علينا فليس كل ما كان للكفار يكون حراما علينا. وقولكم " إن قولنا يستلزم إبطال القياس وهو مجمع عليه إذا ظهرت العلة ولم يصادم نصا ". فأرجو منكم أن تراجعوا كتب أصول الفقه وتحققوا هل القياس مجمع عليه كما ذكرتم أو أن فيه خلافا ليتبين لكم مدى دعوى الإجماع. ثم إن القياس عندنا دليل قائم لكن بشرط تساوي الأصل والفرع في علة الحكم، وهنا لا يتساوى الفرع والأصل في علة الحكم إذ في الأصل من ظهور الفخر والخيلاء وكثرة الملابسة والاستعمال ما ليس في الفرع. واما احتجاجنا بفعل أم سلمة ﵂ فإنا لا نقصد به معارضة الحديث، لأن الحديث وارد في شيء غير ما فعلته أم سلمة، فالحديث في الأكل والشرب وفعل أم سلمة في غيرهما لكن فعلها كالتفسير للحديث، لأنها قد روت الوعيد على من شرب في إناء الفضة واتخذت الجلجل منها كما في صحيح البخاري، والصحابي أقرب منا إلى فهم مراد النبي ﷺ ، وفعلها يدل على أنها فهمت أن التحريم بل الوعيد خاص في الشرب وما فهمته ﵂ هو الصواب عندنا ويدل لذلك أنه لو كان استعمال إناء الذهب والفضة محرماً على كل حال لأمر النبي ﷺ بكسره لأنه لا يجوز إقراره المنكر، وقد كان النبي ﷺ ينقض ما فيه الصليب أو يقضبه.

стр. 4065

وأما إحالتكم على ص ٢٢٤جـ ٣ من أضواء البيان فإننا لم نجده في هذه الصفحة وإنما وجدناه في ص ٢٣٨ منه، وأطال الكلام فيه إلى ص ٢٥٠ وليس فيما قال حرف واحد يدل على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، والذي ذكره تحريم الشراب في آنية الذهب والفضة مطلقاً، وجواز لبس الذهب والحرير للنساء ومنعه عن النبي ﷺ ، ثم ذكر الأدلة في ذلك وقال في ص ٢٤١: فتحصل أنه لا شك في تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، ثم ذكر إباحة لبس الرجال لخواتم الفضة، وقال: أما لبس الرجال لغير الخاتم من الفضة ففيه خلاف بين العلماء، ثم ذكر نقولاً عن كتب المذاهب من جملتها ما نقله عن مذهب مالك في مختصر خليل: وحرم استعمال ذكر محلى ولو منطقة وآله حرب إلا لسيف والأنف وربط سن مطلقاً وخاتم فضة لا ما بعضه ذهب ولو قل وإناء نقد واقتناؤه وإن لا مرأة.إلخ. فذكر صاحب المختصر إناء النقد واقتناؤه ولكن الشيخ الشنقيطي لم يسقه لبيان هذا بل لبيان ليس الرجل لغير الخاتم من الفضة ولهذا قال في ص ٢٤٢: " فقد ظهر من هذه النقول أن الأئمة الأربعة في الجملة متفقون على منع استعمال المحلى بالذهب أو الفضة من ثوب أو آلة أو غير ذلك في أشياء استثنوها على اختلاف بينهم في بعضها ". لا يقال إن قوله أو غير ذلك يشمل الأواني لأن سياق كلامه في غيرها ولأنه عقد لحم الأواني كلاماً في أول هذه المسألة فكلامه الأخير في اللباس وما يتصل به، وأما قوله ﵀ ص ٢٤٥: قال مقيده عفا الله عنه إلى ص ٢٥٠ ففيه ما يحتاج إلى تحرير كما يظهر للمتأمل. وغرضنا من سياق ما ذكرناه من كلام الشيخ الشنقيطي تحقيق ما
следующие страницы →