باب الآنية
٩) سُئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى: - عن حكم استعمال آنية الذهب والفضة ؟
فأجاب بقوله: الصحيح أن الاتخاذ والاستعمال في غير الأكل والشرب ليس بحرام وذلك لأن النبي ﷺ ، إنما نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل والشرب، والنبي ﷺ أبلغُ الناس وأفصحهم وأبينهم في الكلام لا يخصّ شيئاً دون شيء إلا لسبب، ولو أراد النهي العام لقال: " لا تستعملوها "، فتخصيصه الأكل والشرب بالنهي دليل على أن ما عداهما جائز، لأن الناس ينتفعون بهما في غير ذلك ولو كانت الآنية من الذهب والفضة محرّمة مطلقاً لأمر النبي ﷺ بتكسيرها، كما كان ﷺ لا يدع شيئاً فيه تصاوير إلا كسّره، فلو كانت محرّمة مطلقاً لكسرها، لأنه إذا كانت محرمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة، ويدلّ لذلك أن أم سلمة وهي راوية حديث: " والذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " كان عندها جلجل من فضة جعلت فيه شعرات من شعر النبي ﷺ فكان الناس يستشفُون بها، فيُشفَوْنَ - بإذن الله - وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري، وفيه استعمال لآنية الفضة لكن في غير الأكل والشرب، فالصحيح أنه لا يحرم إلا ما حرّمه الرسول ﷺ في الأوني وهو الأكل والشرب.
فإن قال قائل: حرمها الرسول ﷺ في الأكل والشرب لأنه هو الأغلب استعمالاً، وما علق به الحكم لكونه أغلب، فإنه لا يقتضي
стр. 4062
تخصيصه به كما في قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ) (١) . فقيد تحريم الربيبة بكونها الحجر، وهي تَّحرُم ولو لم تكن في حجره على قول اكثر أهل العلم.
قلنا: هذا صحيح لكن كون الرسول ﷺ يُعلِّق الحكم بالأكل والشرب، لأن مظهر الأمة بالترّف في الأكل والشرب أبلغ منه في مظهرها في غير ذلك، وهذه علّة تقتضي تخصيص الحكم بالأكل والشرب، لأنه لا شك أن الإنسان الذي أوانيه في الأكل والشرب ذهب وفضة ليس كمثل إنسان يستعملها في حاجات أخرى تخفي على كثير من الناس، ولا يكون مظهر الأمة التفاخر في الأكل والشرب.
١٠) وسئل فضيلة الشيخ: قلتم في الفتوى السابقة: " إن النهي خاص بالأكل والشرب ولو أراد النبي ﷺ النهي العام لقال: " لا تستعملوها " وهذا غير مسلم لأنه ﷺ ذكر العلة وهي قوله: فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ".
ويلزم من قولكم ألا يكون لتعليل النبي ﷺ فائدة، وإذا كانت العلة منصوصة وهي عدم الاستمتاع بذلك في الدنيا كفعل الكفار صار ذكر الأكل والشرب لا يمنع قياس غيرهما عليهما، وأيضا قولكم: " هلا قال لا تستعملوها " يستلزم إبطال القياس وهو مجمع عليه إذا ظهرت العلة ولم يصادم نصَّا، وحديث أم سلمة الوارد في الفتوى لا يعارض الحديث لأنه موقوف عليها. وقال الشنقيطي رحمة الله تعالى في أضواء
стр. 4063
البيان ج٣ ص ٢٢٤: " فإن قيل الحديث وارد في الشرب في إناء الفضة.. فالجواب: أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب " ا. هـ. وكلام الشوكاني في هذا غير مقنع، فنرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح ذلك والله يحفظكم ويرعاكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد فقد فهمت ما كتبت بارك الله فيك، والعلة التي علل بها النبي ﷺ النهي عن الأكل في آنية الذهب والفضة لا يقصد بها إحلال ذلك للكفار ولكن يقصد بها والله أعلم أنكم أيها المؤمنون إن منعتم عنها في الدنيا لم تمنعوا عنها في الآخرة فيكون كالتسلية للمؤمنين.
وأما قولكم عن قولنا " لقال لا تستعملوها " غير مسلم، فلا يلزم من كونه غير مسلم لديكم أن يكون غير مقبول عند غيركم لأن الحق غير محجور على عقل أحد من الناس أو تسليمه إلا من وجب اتباعه وهو الرسول ﷺ .
وأما قولكم " إنه يلزم من قولنا إلا يكون لتعليل النبي ﷺ فائدة " فإن الفائدة منه ما أشرنا إليه من قبل وهي حاصلة حتى على قولنا بما دل عليه الحديث من تخصيص النهي بالأكل والشرب.
وأما قولكم " إذا كانت العلة منصوصة " إلخ. فإن من المعلوم أننا لو أخذنا بما فهمتم من عموم العلة لكنا نحرم كل ما يستمتع به الكفار وهذا لا يقوله أحد، وإنما المقياس في ذلك ما دلت عليه النصوص فإذا كان الشيء الذي يستمعون به لا يحرم علينا كان حلالاً قال الله
стр. 4064
تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) (١) فإذا كانوا يطبخون اللحم المباح لنا على الصفة التي يتمتعون بها كان اللحم حلالاً لنا، أما إذا كان ما يتمتعون به حراماً علينا كالخنزير كان حراما علينا فليس كل ما كان للكفار يكون حراما علينا.
وقولكم " إن قولنا يستلزم إبطال القياس وهو مجمع عليه إذا ظهرت العلة ولم يصادم نصا ".
فأرجو منكم أن تراجعوا كتب أصول الفقه وتحققوا هل القياس مجمع عليه كما ذكرتم أو أن فيه خلافا ليتبين لكم مدى دعوى الإجماع. ثم إن القياس عندنا دليل قائم لكن بشرط تساوي الأصل والفرع في علة الحكم، وهنا لا يتساوى الفرع والأصل في علة الحكم إذ في الأصل من ظهور الفخر والخيلاء وكثرة الملابسة والاستعمال ما ليس في الفرع.
واما احتجاجنا بفعل أم سلمة ﵂ فإنا لا نقصد به معارضة الحديث، لأن الحديث وارد في شيء غير ما فعلته أم سلمة، فالحديث في الأكل والشرب وفعل أم سلمة في غيرهما لكن فعلها كالتفسير للحديث، لأنها قد روت الوعيد على من شرب في إناء الفضة واتخذت الجلجل منها كما في صحيح البخاري، والصحابي أقرب منا إلى فهم مراد النبي ﷺ ، وفعلها يدل على أنها فهمت أن التحريم بل الوعيد خاص في الشرب وما فهمته ﵂ هو الصواب عندنا ويدل لذلك أنه لو كان استعمال إناء الذهب والفضة محرماً على كل حال لأمر النبي ﷺ بكسره لأنه لا يجوز إقراره المنكر، وقد كان النبي ﷺ ينقض ما فيه الصليب أو يقضبه.
стр. 4065
وأما إحالتكم على ص ٢٢٤جـ ٣ من أضواء البيان فإننا لم نجده في هذه الصفحة وإنما وجدناه في ص ٢٣٨ منه، وأطال الكلام فيه إلى ص ٢٥٠ وليس فيما قال حرف واحد يدل على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، والذي ذكره تحريم الشراب في آنية الذهب والفضة مطلقاً، وجواز لبس الذهب والحرير للنساء ومنعه عن النبي ﷺ ، ثم ذكر الأدلة في ذلك وقال في ص ٢٤١: فتحصل أنه لا شك في تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، ثم ذكر إباحة لبس الرجال لخواتم الفضة، وقال: أما لبس الرجال لغير الخاتم من الفضة ففيه خلاف بين العلماء، ثم ذكر نقولاً عن كتب المذاهب من جملتها ما نقله عن مذهب مالك في مختصر خليل: وحرم استعمال ذكر محلى ولو منطقة وآله حرب إلا لسيف والأنف وربط سن مطلقاً وخاتم فضة لا ما بعضه ذهب ولو قل وإناء نقد واقتناؤه وإن لا مرأة.إلخ. فذكر صاحب المختصر إناء النقد واقتناؤه ولكن الشيخ الشنقيطي لم يسقه لبيان هذا بل لبيان ليس الرجل لغير الخاتم من الفضة ولهذا قال في ص ٢٤٢: " فقد ظهر من هذه النقول أن الأئمة الأربعة في الجملة متفقون على منع استعمال المحلى بالذهب أو الفضة من ثوب أو آلة أو غير ذلك في أشياء استثنوها على اختلاف بينهم في بعضها ". لا يقال إن قوله أو غير ذلك يشمل الأواني لأن سياق كلامه في غيرها ولأنه عقد لحم الأواني كلاماً في أول هذه المسألة فكلامه الأخير في اللباس وما يتصل به، وأما قوله ﵀ ص ٢٤٥: قال مقيده عفا الله عنه إلى ص ٢٥٠ ففيه ما يحتاج إلى تحرير كما يظهر للمتأمل.
وغرضنا من سياق ما ذكرناه من كلام الشيخ الشنقيطي تحقيق ما
стр. 4066
طلبتم من مراجعته وقد تبين لنا أنه ليس فيه تصريح بمنع استمعال الأواني في غير الأكل والشرب، على أنه لو صرح به فليس قوله حجة على غيره، كما أن قول الشوكاني الذي ذكرتم أنه لم يخف عليكم وانكم لم تقتنعوا به ليس حجة عليكم كما أنه ليس حجة لنا والله المستعان.
ولقد أعجبني قولكم إنكم لم تقتنعوا به لأن هذا هو الواجب عليكم إذا اطلعتم على قول مخالف للأدلة في نظركم لأن لا تقتنعوا به ,أن تلتمسوا العذر لقائله إذا كانت حالة تُحتمل العذر، والمرء مكلف بما يستطيع علماً وعملاً ولا يجوز له العدول عما أداه إليه اجتهاده إذا كان قد بذل جهده، وعليه أن يعذر غيره فيما اجتهد فيه إذا لم يعلم منه سوء القصد كما أن على غيره أن يعذره إذا علم منه حسن القصد ولم يعلم منه سوء المراد.
وأسأل الله تعالى أن يتولى الجميع بعنايته ويلهمنا الرشد والسداد.
١١) وسُئل الشيخ: عن حكم لبس الرجل السلاسل ؟
فأجاب فضيلته بقوله: اتخاذ السلاسل للتجمل بها محرم، لأن ذلك من شيم النساء، وهو تشبه بالمرأة وقد لعن الرسول ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، ويزداد تحريماً وإثماً إذا كان من الذهب فإنه حرام على الرجل من الوجهين جميعاً، من جهة أنه ذهب، ومن جهة أنه تشبه بالمرأة، ويزداد قبحاً إذا كان فيه صورة حيوان أو ملك، وأعظم من ذلك وأخبث إذا كان فيه صليب، فإن هذا حرام حتى على المرأة أن تلبس حُليّاً فيه صورة سواءً كانت الصورة صورة إنسان أو حيوان طائر أو غير طائر أو كان فيه صورة صليب وهذا - أعني لبس ما فيه صور - حرام على الرجال والنساء فلا يجوز لأي منهما أن يلبس ما فيه صورة حيوان أو صورة صليب.
والله أعلم.
стр. 4067
١٢) وسُئل فضيلة الشيخ: عن الحكمة في تحريم لبس الذهب على الرجال ؟
فأجاب بقوله: أعلم أيها السائل، وليعلم كل من يطلع على هذا الجواب أن العلة في الأحكام الشرعية لكل مؤمن، هي قول الله ورسوله ﷺ . لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (١) . فأي واحد يسألنا عن أيجاب شيء أو تحريم شيء دل على حُكمه الكتابُ والسنة ُ فإننا نقول: العلة في ذلك قول الله تعالى أو قول رسوله ﷺ ، وهذه العلة كافية لكل مؤمن، ولهذا لما سُئلت عائشة ﵂ ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: " كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصلاة " لأن النص من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ موجبة لكل مؤمن، ولكن لا بأس أن يتطلب الإنسان العلة وأن يلتمس الحكمة في أحكام الله تعالى، لأن ذلك يزيده طمأنينة، ولأنه يتبين به سمو الشريعة الإسلامية حيث تقرن الأحكام بعللها، ولأنه يتمكن به من القياس إذا كانت علة هذا الحكم المنصوص عليه ثابتة في أمر آخر لم ينص عليه، فالعلم بالحكمة الشرعية له هذه الفوائد الثلاث.
ونقول - بعد ذلك - في الجواب على السؤال: إنه ثبت عن النبي ﷺ تحريم لباس الذهب على الذكور دون الإناث، ووجهُ ذلك أن الذهب من أغلى ما يتجمل به الإنسان ويتزين به فهو زينة وحلية، والرجل ليس مقصوداً لهذا الأمر، أي ليس إنساناً يتكمّل بغيره أو يكمل بغيره، بل الرجل كامل بنفسه لما فيه من الرجولة،ولأنه ليس بحاجة إلى
стр. 4068
أن يتزين لشخص آخر تتعلق به رغبته، بخلاف المرأة، فإن المرأة الناقصة تحتاج إلى تكميل بجمالها، ولأنها محتاجة إلى التجمل بأغلى أنواع الحلي، حتى يكون ذلك مدعاة للعشرة ببينها وبين زوجها، فلهذا أبيح للمرأة أن تتحلى بالذهب دون الرجل، قال الله تعالى في وصف المرأة: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين) (١) . وبهذا يتبين حكمة الشرع في تحريم لباس الذهب على الرجال.
وبهذه المناسبة أوجه نصيحة إلى هؤلاء الذين أبُتلوا من الرجال بالتحلي بالذهب، فإنهم بذلك عصوا الله ورسوله وألحقوا أنفسهم بمصاف الإناث، وصاروا يضعون في أيديهم جمرة من النار يتحلون بها، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، فعليهم أن يتوبوا إلى الله ، وإذا شاءوا أن يتحلوا بالفضة في الحدود الشرعية فلا حرج في ذلك، وكذلك بغير الذهب من المعادن لا حرج عليهم أن يلبسوا خواتم منه إذا لم يصل ذلك إلى حد السرَّف.
١٣) وسُئل الشيخ: عن حكم لبس الرجل الذهب ؟
فأجاب بقوله: لبس الذهب حرام على الرجال سواء كان خاتماً أو أزراراً أو سلسلة يضعها في عنقة أو غير ذلك، لأن مقتضى الرجولة أن يكون الرجل كاملاً برجولته لا بما يُنَشَّأ به من الحلي ولباس الحرير ونحو ذلك مما لا يليق إلا بالنساء، قال الله تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين) (٢) . فالمرأة هي التي تحتاج إلى لبس الذهب والحرير نحوهما لأنها في حاجة إلى التجمل لزوجها، أما الرجل فهو في
стр. 4069
غنى عن ذلك برجولته وبما ينبغي أن يكون عليه من البذاذة والاشتغال بشئون دينه ودنياه. والدليل على تحريم الذهب على الرجال:
أولاً: ما ثبت عن في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ رأي خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ". فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ خذ خاتمك انتفع به فقال:لا والله لا آخذه وقد طرحه رسول الله ﷺ .
ثانياً: عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ما كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريراً ولا ذهباً " رواه الإمام أحمد ورواته ثقات.
ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: " من مات من أمتي وهو يتحلى بالذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة ". رواه الطبراني ورواه الإمام أحمد ورواته ثقات.
رابعاً: عن أبي سعيد ﵁ أن رجلاً قدم من نجران إلى رسول الله ﷺ وعليه خاتم من ذهب فاعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: " إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار ". رواه النسائي.
خامساً: وعن البراء بن عازب ﵁ قال: نهانا رسول الله ﷺ عن سبع " نهى عن خاتم الذهب ". الحديث رواه البخاري.
سادساً وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، نهى عن خاتم الذهب.رواه البخاري أيضاً.
стр. 4070
سابعاً: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يلبس خاتماً من ذهب فنبذه، فقال: " لا ألبسه أبداً " فنبذ الناس خواتيمهم.رواه البخاري.
ثامناً: ما نقله في فتح الباري شرح صحيح البخاري، قال: وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم، عن علي بن بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ أخذ حريراً وذهباً فقال: " هذان حرامان على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثهم ".
فهذه الأحاديث صريحة وظاهرة في تحريم خاتم الذهب على الذكور لمجرد اللبس، فإن اقترن بذلك اعتقاد فاسد كان أشد وأقبح مثل الذين يلبسون ما يُسمى بـ (الدبلة) ويكتبون عليه اسم الزوجة، وتلبس الزوجة مثله مكتوباً عليه اسم الزوج، يزعمون أنه سبب للارتباط بين الزوجين، وهذه بلا شك عقيدة فاسدة وخيال لا حقيقة له، فأي ارتباط وأي صلة بين هذه الدبلة وبين بقاء الزوجية وحصول المودة بين الزوجين؟ وكم من شخص تبادل الدبلة بينه وبين زوجته، فانفصمت عرى الصلات بينهما وكم من شخص لا يعرف الدبلة وكان بينه وبين زوجته أقوى الصلات والروابط.
فعلى المرء أن يُحكِّم عقله وألا يكون منجرفاً تحت وطأة التقليد الأعمى الضار في دينه وعقله وتصرفه، فإن أظن أن أصل هذه الدبلة مأخوذ من الكفار فيكون فيه قبح ثالث، وهو قبح التشبه بالكافرين، وقد قال النبي ﷺ :" من تشبه بقوم فهو منهم " اسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الفتن، ما ظهر
منها وما بطن، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه جواد كريم.
стр. 4071
١٤) وسُئل: عن حكم لبس الساعة المطلية بالذهب الأبيض ؟
فأجاب جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً بقوله:الساعة المطلية بالذهب للنساء لا بأس بها، وأما للرجال فحرام، لأن النبي ﷺ حرم الذهب على ذكور أمته.
وأما قول السائل الذهب الأبيض فلا نعلم أن هناك ذهباً أبيض، الذهب كله أحمر، لكن إن كان قصده بالذهب الأبيض الفضة فإن الفضة ليست من الذهب ويجوز منها ما لا يجوز من الذهب كالخاتم ونحوه.
١٥) سُئل الشيخ: عن حكم تركيب الأسنان الذهبية ؟
فأجاب بقوله: الأسنان الذهبية لا يجوز تركيبها للرجال إلا لضرورة لأن الرجل يحرم عليه لبس الذهب والتحلي به، وأما للمرأة فإذا جرت عادة النساء أن تتحلى بأسنان الذهب فلا حرج عليها في ذلك فلها أن تكسوا أسنانها ذهباً إذا كان هذا مما جرت العادة بالتجمل به، ولم يكن إسرافاً، لقول النبي ﷺ : " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي ".
وإذا ماتت المرأة في هذه الحال أو مات الرجل وعليه سن ذهب قد لبسه للضرورة فإنه يخلع إلا إذا خُشي المثلة، يعني خشي أن تتمزق اللثة فإنه يبقى، وذلك أن الذهب يعتبر من المال، والمال يرثه الورثة من بعد الميت فإبقاؤه على الميت ودفنه إضاعة للمال.
стр. 4072
١٦) وسُئل رعاه الله بمنه وكرمه عن حكم طلاء الأسنان بالذهب لإزالة التسوس؟ وعن حكم ملء الفراغ بأسنان الذهب ؟
فأجاب بقوله:إذا لم يمكن إزالة الوس إلا بكسائها بالذهب فلا بأس بذلك وإن كان يمكن بدون الذهب فلا يجوز.
وأما ملء الفراغ بأسنان الذهب فلا يجوز إلا بشرطين:
الأول: أن لا يمكن ملؤها بشيء غير الذهب.
الثاني: أن يكون في الفراغ تشويه للفم.
١٧) وسُئل الشيخ: هل التختم للرجال سنة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: التختم ليس بسنة مطلوبة بحيث يطلب من كل أن إنسان أن يتختم، لوكان إذا احتاج إليه، فإن الرسول ﷺ لما قيل له إن الملوك الذين يريد أن يكتب إليهم لا يقبلون كتاباً إلى مختوماً اتخذ الخاتم من أجل أن تختم به الكتب التي يرسلها إليهم، فمن كان محتاجاً إلى ذلك كالأمير والقاضي ونحوهما كان اتخاذه اتباعاً لرسوله الله ﷺ ، ومن لم يكن محتاجاً إلى ذلك لم يكن لبسه في حقه سنة بل هو من الشيء المباح، فإن لم يكن في لبسه محذور فلا بأس به، وإن كان في لبسه محذور كان له حكم ذلك المحذور، وليعلم أنه لا يحل للذكور التختم بالذهب لأنه ثبت النهي عنه عن رسول الله ﷺ .
١٨) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يطهر جلد الميتة بالدباغ ؟
فأجاب قائلاً: هذا فيه خلاف بين أهل العلم.
فقال بعض العلماء: إن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وعللوا ذلك بأن الميتة نجسة العين، ونجس العين لا يمكن تطهيره كروث الحمار،
стр. 4073
ولحديث عبد الله بن عكيم قال: إن النبي ﷺ كتب إلينا قبل أن يموت بشهر أو شهرين " أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ". وقالوا: هذا الحديث ناسخ لحديث ميمونة ﵂ الذي جاء فيه أن النبي ﷺ مرَّ بشاة يجرونها، فقال: " هلا أخذتم إهابها؟ " قالوا: إنها ميتة، قال: " يطهرها الماء والقرض ". رواه مسلم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن جلد الميتة يطهر بالدباغ، واستدلوا بحديث ميمونة المتقدم، وهو حديث صحيح صريح في أن الجلد يطهر بالدبغ، وأجابوا عن دعوى النسخ بأجوبة منها:
أولاً: أن حديث عبد الله بن عكيم ضعيف، فلا يمكن أن يقابل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم.
ثانياً: أن من شروط القول بالنسخ، العلم بالتاريخ، ونحن لا ندري هل قضية الشاة في حديث ميمونة ﵂ قبل أن يموت بشهر أو بأقل، أو أكثر، فلا يتحقق النسخ.
ثالثاً: أنه لو ثبت أن حديث عبد الله متأخر، فهو لا يعارض حديث ميمونة، لأن قوله: " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ". يحمل على الإهاب قبل الدبغ، وبهذا يجمع بينه وبين حديث ميمونة ويتبين أن ادعاء النسخ لا يصح، فيبقى حديث ميمونة محكماً لا نسخ فيه.
فإن قال قائل: كيف يقال إن كبد الميتة لو دبغت ما طهرت، والجلد لو دبغ لطهر، ولكنها أجزاء ميتة، ونحن نعرف أن الشريعة الحكيمة لا يمكن أن تفرق بين متماثلين؟
قلنا: الجواب على هذا من وجهين:
الأول: أنه متى ثبت الفرق في الكتاب والسنة بين شيئين مشابهين، فاعلم أن هناك فرقاً في المعنى، ولكنك لم تتوصل إليه، لأن إحاطتك
стр. 4074
بحكمة الله غير ممكنة، فموقفك التسليم.
الثاني: أن نقول: هناك فرق بين اللحم والجلد، فإن حلول الحياة فيما كان داخل الجلد، أشد من حلولها في الجلد نفسه، لأن الجلد فيه نوع صلابة بخلاف اللحم، وما كان داخله فإنه ليس مثله، فلا يكون فيه الخبث الذي من أجله صارت الميتة نجسة حراماً.
ولهذا نقول: إنه يعطي حكماً بين حكمين:
الحكم الأول: أن ما كان داخل الجلد لا يطهر بالدباغ.
الحكم الثاني: أن ما كان خارج الجلد من الشعر والوبر فهو طاهر، والجلد بينهما، ولهذا أعطى حكماً بينهما، وبهذا نعرف سمو الشريعة، وأنها لا يمكن أن تفرق بين متماثلين، ولا أن تجمع بين مختلفين.
وعليه فكل حيوان مات وهو مما يؤكل، فإن جلده يطهر بالدباغ.
١٩) وسُئل الشيخ - حفظه الله تعالى: - عن حكم الانتفاع بجلد الميتة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت الميتة من حيوان يُباح بالذكاة، كبهيمة الأنعام، فإنه يجوز الانتفاع بجلدها، لكن بعد الدبغ، لأنه بالدبغ الذي يزول به النَّتن والرائحة الكريهة يكون طاهراً يُباح استعماله في كل شيء حتى في غير اليابسات على القول الراجح، لأنه يطهر بذلك كما قال النبي ﷺ : " يطهرها الماء والقرض " رواه مسلم.
وأما إذا كان الجلد من حيوان لا يحل بالذَّكاة، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم والله أعلم بالصواب.
٢٠) وسُئل الشيخ: هل جلد الميتة نجس ؟
فأجاب قائلاً:هذا فيه تفصيل:إن كانت الميتة طاهرة، فإن
стр. 4075
جلدها طاهر، وإن كانت نجسة، فجلدها نجس، ومن أمثلة الميتة الطاهرة: السمك، لقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ) (١) . قال ابن عباس ﵄ -صيده: ما أُخذ حيّاً. وطعامه ما أُخذَ ميتاً.
أما الذي ينجس بالموت، فإن جلده ينجس به - يعني ينجس بالموت - لأنه داخل في عموم الميتة فيكون داخلاً في قوله تعالى: (إلا أن يكونَ ميتة ً أو دماً مسفوحاً أو لحمَ خنزيرٍ فإنه رجس) (٢) . يعني نجساً.
فإن قال قائل: إن الميتة حرام، ولا يلزم من التحريم النجاسة، فهذا السم حرام وليس بنجس.
قلنا هذه قاعدة صحيحة، إلا إننا نجيب عن ذلك بأن الله علَّل لما قال: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (٣) . فهذا واضح أنه نجس، إذن الميتة نجسة وجلدها نجس.
стр. 4076
باب الاستنجاء
٢١) سُئل الشيخ: عن قول بعض العلماء إن مناسبة قول الإنسان " غفرانك " إذا خرج من الخلاء أنه لما انحبس عن ذكر الله ذلك الوقت ناسب أن يستغفر الله هل هذا صحيح ؟
فأجاب حفظه الله تعالى بقوله: هذا فيه نظر، لأن الإنسان إنما انحبس عن ذكر الله بأمر الله، وإذا كان بأمر الله فلم يعرض نفسه للعقوبة، بل عرض نفسه للمثوبة، ولهذا كانت المرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم، فهل يُسنُّ لها إذا طهرت أن تستغفر لله، لأنها تركت الصلاة والصيام في أيام الحيض؟ ! أبداً لم يقله أحد البتة. وبهذا يتبين أن المناسبة، أن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم فدعا الله أن يخفف أذية الإثم كما منَّ عليه بتخفيف أذية الجسم، وهذا معنى مناسب من باب تذكر الشيء بالشيء.
٢٢ وسُئل الشيخ - حفظه الله تعالى: - عمن يقضي حاجته في أماكن الوضوء مما يؤدي إلى كشف عورته ؟
فأجاب قائلاً: لا يجوز للإنسان أن يكشف عورته في الحمامات المعدة للوضوء، والتي يشاهدها الناس، فإنه يكون بذلك آثماً، وقد ذكر الفقهاء ﵏ أنه في هذه الحال يجب على المرء أن يستجمر بدل الاستنجاء. بمعنى أن يقضي حاجته بعيداً عن الناس، وأن يستجمر
стр. 4077
بالأحجار، أو بالمناديل، ونحوها مما يباح الاستجمار به، حتى ينقى محل الخارج بثلاث مسحات فأكثر.
قالوا: إنما يجب ذلك لأنه لو كشف عورته للاستنجاء، لظهرت للناس، وهذا أمر محرم. ما لايمكن تلافي المحرم إلا به، فإنه يكون واجباً.
وعلى هذا فنقول في الجواب: لا يجوز للمرء أن يتكشف أمام الناظرين للاستنجاء، بل يحاول أن يكون في مكان لا يراه أحد.
٢٣) سُئل الشيخ - حفظه الله تعالى: - عمن يتوضأ في مكان قضاء الحاجة ويحتمل تنجس ثيابة هل يجب عليه غسل ثيابة ؟
فأجاب بقوله: قبل أن أُجيب على هذا السؤال، أقول:
إن هذه الشريعة - ولله الحمد - كاملة من جميع الوجوه وملائمة لفطرة الإنسان التي فطر الله الخلق عليها، حيث إنها جاءت باليسر والسهولة بل جاءت بإبعاد الإنسان عن المتاهات في الوساوس والتخييلات التي لا أصل لها، وبناء على هذا فإن الإنسان بملابسه، الأصل أن يكون طاهراً فلا يتيقن ورود النجاسة على بدنه أو ثيابة، وهذا الأصل يشهد له قول النبي ﷺ حين شكى إليه رجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في صلاته - يعني الحدث - فقال ﷺ : " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ". فالأصل بقاء ما كان على ماكان.
فثيابهم التي دخلوا بها الحمامات التي يقضون بها الحاجة كما ذكره السائل إذا تلوثت بماء فمن الذي يقول إن هذه الرطوبة هي رطوبة النجاسة من بول أو ماء متغير بغائط أو نحو ذلك؟ وإذا كنا لا نجزم بهذا الأمر فإن الأصل الطهارة، صحيح أنه قد يغلب على الظن أنها
стр. 4078
تلوثت بشيء نجس، ولكن ما دمنا لم نتيقن فإن الأصل بقاء الطهارة.
فنقول في الجواب على هذا السؤال: إنهم إذا لم يتيقنوا أن ثيابهم أصيبت بشيء نجس فإن الأصل بقاء الطهارة ولا يجب عليهم غسل ثيابهم ولهم أن يصلوا بها ولا حرج والله اعلم.
٢٤ وسُئل فضيلة الشيخ: ما حكم البول قائماً ؟
فأجاب جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً بقوله: البول قائماً بجوز بشرطين:
أحدهما: أن يأمن من التلوث بالبول.
والثاني: أن يأمن من أن ينظر أحد إلى عورته.
٢٥) وسُئل: عن حكم الدخول بالمصحف إلى الحمام ؟
فأجاب قائلاً: المصحف، أهل العلم يقولون: لا يجوز للإنسان أن يدخل به إلى الحمام، لأن المصحف كما هو معلوم له من الكرامة والتعظيم ما لايليق أن يدخل به إلى هذا المكان والله الموفق.
٢٦) وسُئل الشيخ: ما حكم الدخول إلى الحمام بأوراق فيها اسم الله ؟
فأجاب بقوله: يجوز دخول الحمام بأوراق فيها اسم الله ما دامت في الجيب ليست ظاهرة، بل هي خفية ومستورة. ولا تخلو الأسماء غالباً من ذكر اسم الله كعبد الله وعبد العزيز وما أشبهها.
٢٧) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يجوز ذكر الله تعالى فى الحمام ؟
فأجاب بقوله: لا ينبغي للإنسان أن يذكر ربَّه في داخل الحمام، لأن المكان غير لائق لذلك، وإن ذَكَره بقلبه فلا حرج
стр. 4079
عليه بدون أن يلفظ بلسانه، وإلا فالأولى أن لا ينطق به بلسانه في هذا الموضع وينتظر حتى يخرج منه.
أما إذا كان مكان الوضوء خارج محل قضاء الحاجة فلا حرج أن يذكر الله فيه.
٢٨ ٢٨ وسئل الشيخ: إذا كان الإنسان في الحمام فكيف يسمي ؟
فأجاب بقوله: إذا كان الإنسان في الحمام فيسمي بقلبه لا بلسانه لأن وجوب التسمية في الوضوء والغسل ليس بالقول؛ حيث قال الإمام أحمد ﵀ (لا يصح عن النبي ﷺ في التسمية في الوضوء شيء) . ولذلك ذهب الموفق صاحب المغني وغيره إلى أن التسمية في الوضوء سنة لا واجبة.
٢٩ سُئل فضيلة الشيخ: عن حكم دخول الحمام مكشوف الرأس ؟
فأجاب بقوله: دخول الحمام مكشوف الرأس لا بأس به، لكن استحب الفقهاء تغطية الرأس عند دخول الخلاء.
٣٠ وسُئل: عن حكم الأكل أو الشرب في الحمام ؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلاً: الحمام موضع لقضاء الحاجة فقط، ولا ينبغي أن يبقى فيه إلا بقدر الحاجة، والتشاغل بالأكل وغيره فيه يستلزم طول المكث فيه فلا ينبغي ذلك.
٣١ وسُئل فضيلة الشيخ: ما حكم استقبال القبلة، أو استدبارها حال قضاء الحاجة ؟
فأجاب بقوله: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:
стр. 4080
فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير البنيان، واستدلوا لذلك بحديث أبي أيوب ﵁ أن النبي ﷺ قال:" لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا ". قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيب قبل الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله، وحملوا ذلك على غير البنيان، أم في البنيان: فيجوز الاستقبال والاستدبار، لحديث ابن عمر ﵄ قال: " رقيتُ يوماً علىبيت حفصة، فرأيت النبي صلىالله عليه وسلم يقضي حاجته مُستقبل الشام مُستدبر الكعبة ".
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز استقبال الكعبة ولا استدبارها بكل حال، سواء في البنيان أو غيره، واستدلوا بحديث أبي أيوب المتقدم، وأجابوا عن حديث ابن عمر ﵄ بأجوبة منها:
أولاً: أن حديث ابن عمر يُحمل على ما قبل النهي.
ثانياً: أن النهي يرجح، لأن النهي ناقل عن الأصل، وهو الجواز، والناقل عن الاصل ولي.
ثالثاً: أن حديث أبي أيوب قول، وحديث ابن عمر فعل، والفعل لا يمكن أن يعارض القول، لأن الفعل يحتمل الخصوصية ويحتمل النسيان، ويحتمل عذراً آخر.
والقول الراجح عندي في هذه المسألة:
أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء، ويجوز الاستدبار في البنيان دون الاستقبال، لأن النهي عن الاستقبال محفوظ ليس فيه تخصيص، والنهي عن الاستدبار مخصوص بالفعل، وأيضاً الاستدبار أهون من الاستقبال ولهذا - والله أعلم - جاء التخفيف فيه فيما إذا كان الإنسان في البنيان، والأفضل أن لا يستدبرها إن أمكن.
стр. 4081
٣٢) وسُئل الشيخ - جزاءه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً: - هل يجزيء في الاستجمار استعمال المناديل ؟
فأجاب بقوله: نعم يجزيء في الاستجمار استعمال المناديل ولا بأس به، لأن المقصود من الاستجمار هو إزالة النجاسة سواء كان ذلك بالمناديل، أو بالخرق، أو بالتراب، أو بالأحجار، إلا إنه لا يجوز أن يستجمر الإنسان بما نهى الشارع عنه، مثل العظام والرَّوث، لأن العظام طعام الجن إذا كانت من مذكاة، وإن كانت غير مذكاة فإنها نجسة، والنجس لا يطهّر، وأما الأرواث فإن كانت نجسة، فهي نجسة لا تُطهّر، وإن كانت طاهرة، فهي طعام بهائم الجن، لأن الجن الذين قدموا على النبي صلىالله عليه وسلم وأمنوا به، أعطاهم ضيافة لا تنقطع إلى يوم القيامة، قال: " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، تجدونه أوفر ما يكون لحماً ". وهذا من أمور الغيب التي لا تُشاهد، ولكن يجب علينا أن نؤمن بذلك. كذلك هذه الأرواث تكون علفاً لبهائمهم.
ويُوخذ من الحديث فضل الإنسان على الجن، ولأن الإنس من أدم الذي أُمر أبو الجن أن يسجد له، كما قال الله تعالى: (َسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه) (١) .
٣٣) وسُئل الشيخ: إذا خرج من الإنسان ريح، فهل يجب عليه الاستنجاء ؟
فأجاب فضيلته بقوله: خروج الريح من الدبر ناقض للوضوء لقول النبي ﷺ : " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ". لكنه لا
стр. 4082
يوجب الاستنجاء، أي لا يوجب غسل الفرج لأنه لم يخرج شيء يستلزم الغسل، وعلى هذا فإذا خرجت الريح انتقض الوضوء، وكفى الإنسان أن يتوضأ، أي أن يغسل وجهه مع المضمضة والاستنشاق، ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ويمسح أذنية، ويغسل قدميه إلى الكعبين.
وهنا أنبه على مسألة تخفى على كثير من الناس وهي: أن بعض الناس يبول أو يتغوَّط قبل حضور وقت الصلاة، ثم يستنجي، فإذا جاء وقت الصلاة، وأراد الوضوء، فإن بعض الناس يظن أنه لا بد من إعادة الاستنجاء وغسل الفرج مرة ثانية، وهذا ليس بصواب، فإن الإنسان إذا غسل فرجه بعد خروج ما يخرج منه، فقط طهر المحل، وإذا طهر فلا جاحة إلى إعادة غسلة، لأن المقصود من الاستنجاء أو الاستجمار الشرعي بشروطه المعروفة، المقصود به تطهير المحل، فإذا طهر فلن يعود إلى النجاسة إلا إذا تجدد الخارج مرة ثانية.
٣٤) وسُئل الشيخ - حفظه الله: - عمن غسل عورته وانتصف الوضوء ثم أحدث، فهل يعيد غسل عورته ؟
فأجاب فائلاً: إن الإنسان إذا غسل عورته وأنقى المحل، لا يجب عليه إعادة غسل العورة مرة ثانية إلا إذا خرج منه شيء، وعلى هذا إذا كان السائل أحدث في أثناء وضوئه، فإنه لا يعيد غسل فرجه إذا لم يخرج منه شيء، أي خارج محسوس إلا الريح، فالريح لا يجب غسل الفرج منها إذا لم يخرج معها بلل. فعليه إذا أحدث بريح في أثناء وضوئه فإنه لا يعيد غسل فرجه، وإنما يعيد الوضوء من جديد، بمعنى أنه يعود فيغسل كفيه ويتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه إلخ الوضوء، وبعض الناس يظن أن غسل الفرج من البول والغائط يكون مقارناً للوضوء،
стр. 4083
بحيث يُعاد عند الوضوء وإن لم يخرج شيء وليس كذلك لأن الله قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (١) . الآية. ولم يذكر غسل الفرج، فظهر بذلك أن غسل الفرج ليس من الوضوء، وإنما هو تطهير لما أصابه من البول والغائط، فمتى حصل، حصلت به الكفاية، ولا يعاد الغسل، أعني غسل الفرج إلا بعد خروج ما يجب التطهر منه.
стр. 4084
باب السواك وسنن الفطرة
٣٥) سُئل فضيلة الشيخ أعلى الله درجته: متى يتأكد استعمال السواك؟ وما حكم السواك لمنتظر السواك حال الخطبة ؟
فأجاب قائلاً: يتأكد السواك عند القيام من النوم، وأول ما يدخل البيت، وعند الوضوء في المضمضة، وإذا قام للصلاة.
ولا بأس به لمنتظر الصلاة، لكن في حالة الخطبة لا يتسوك، لأنه يشغله إلا أن يكون معه نعاس فيتسوك لطرد النعاس.
٣٦) وسئل الشيخ: هل يستاك الإنسان باليد اليمنى أو باليد اليسرى ؟
فأجاب بقوله: هذا محل خلاف، فذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان يستاك باليد اليمنى، لأن السواك سنة والسنة طاعة لله وقربة فلا تتناسب أن تكون باليد اليسرى لأن اليسرى تقدم للأذى.
وقال آخرون: بل باليد اليسرى أفضل، وذلك لأن السواك لإزالة الأذى، وإزالة الأذى تكون باليسرى كالاستنجاء والاستجمار فإنه يكون باليسرى لا باليمنى.
وفضَّل آخرون فقالوا: إن تسوَّك لتطهير الفم كما لو استيقظ من نوم أو لإزالة أذى، فيكون باليد اليسرى لأنه لإزالة الأذى، وأن تسوَّك لتحصيل السنة، فيكون باليمنى لأنه مجرد قربة كما لو كان قد توضأ قريباً
стр. 4085
واستاك، فإنه يستاك باليمنى، والأمر ولله الحمد في هذا واسع، فيستاك كما يريد لأنه ليس في المسالة نص واضح.
٣٧) وسُئل فضيلة الشيخ - رفع الله درجته وأعلى مكانته: - عن حكم استعمال الكحل ؟
فأجاب بقوله:: الاكتحال نوعان:
أحدهما: اكتحال لتقوية البصر وجلاء الغشاوة من العين وتنظيفها وتطهيرها بدون أن يكون له جمال، فهذا لا بأس به، بل إنه مما ينبغي فعله، لأن النبي ﷺ كان يكتحل في عينيه، ولا سيما إذا كان بالأثمد الأصلي.
النوع الثاني: ما يُقصد به الجمال والزينة، فهذا للنساء مطلوب، لأن المرأة مطلوب منها أن تتجمل لزوجها.
وأما الرجال فمحل نظر، وأنا أتوقف فيه، وقد يفرق فيه بين الشباب الذي يخشى من اكتحاله فتنة فيُمنع، وبين الكبير الذي لا يخشى ذلك من اكتحاله فلا يُمنع.
٣٨) وسُئل - أعلى الله درجته في المهديين: - هل التسمية في الوضوء واجبة ؟
فأجاب قائلاً: التسمية في الوضوء ليست بواجبة ولكنها سنة، وذلك لأن في ثبوت حديثها نظراً. فقد قال الإمام أحمد ﵀: " إنه لا يثبت في هذا الباب شيء " والإمام أحمد - كما هو معلوم لدى الجميع - من أئمة هذا الشأن ومن حفّاظ هذا الشأن، فإذا قال إنه لم يثبت في هذا الباب شيء، فإن حديثها يبقى في النفس منه شيء، وإذا كان في ثبوته نظر، فإن الإنسان لا يسوغ لنفسه أن يلزم عباد الله بما لم يثبت عن رسوله
стр. 4086
الله ﷺ ، ولذلك أرى أن التسمية في الوضوء سنة، لكن من ثبت عنده الحديث وجب عليه القول بموجبه، وهو أن التسمية واجبة، لأن قوله " لا وضوء " الصحيح أنه نفيٌ للصحة وليس نفياً للكمال.
٣٩) وسُئل الشيخ: عن حكم الختان في حق الرجال والنساء ؟
فأجاب بقوله:حكم الختان محل خلاف، وأقرب الأقوال أن الختان واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء، ووجه التفريق بينهما أن الختان في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهي الطهارة، لأنه إذا بقيت القلفة، فإن البول إذا خرج ثقب الحشفة بقي وتجمع في القلفة وصار سبباً إما لاحتراق أو التهاب، أو لكونه كلما تحرك خرج منه شيء فينتجس بذلك.
وأما المرأة فإن غاية ما فيه من الفائدة أنه يقلل من غُلمتها - أي شهوتها - وهذا طلبُ كمال، وليس من باب إزالة الأذى.
واشترط العلماء لوجوب الختان، ألا يخاف على نفسه فإن خاف على نفسه من الهلاك أو المرض، فإنه لا يجب، لأن الواجبات لا تجب مع العجز، أو مع خوف التلف، أو الضرر.
ودليل وجوب الختان في حق الرجال:
أولاً: أنه وردت أحاديث متعددة بأن النبي ﷺ أمر من أسلم أن يختتن، والأصل في الأمر الوجوب.
ثانياً: أن الختان ميزة بين المسلمين والنصارى، حتى كان المسلمون يعرفون قتلاهم في المعارك بالختان، فقالوا: الختان ميزة، وإذا كان ميزة فهو واجب لوجوب التمييز بين الكافر والمسلم، ولهذا حرم التشبه بالكفار لقول النبي ﷺ : " من تشبه بقوم فهو منهم ".
стр. 4087
ثالثاً: أن الختان قطع شيء من البدن وقطع شيء من البدن حرام، والحرام لا يُستباح إلا لشيء واجب، فعلى هذا يكون الختان واجباً.
رابعاً: أن الختان يقوم به ولي اليتيم وهو اعتداء عليه واعتداء على ماله، لأنه سيعطي الخاتن أجره، فلولا أنه واجب لم يجز الاعتداء على ماله وبدنه. وهذه الأدلة الأثرية والنظرية تدلّ على وجوب الختان في حق الرجال، أما المرأة ففي وجوبه عليها نظر، فأظهر الأقوال أنه واجب على الرجال دون النساء، وهناك حديث ضعيف هو: " الختان سنة في حق الرجال مكرمة في حق النساء ". فلو صح هذا الحديث لكان فاصلاً.
٤٠) سُئل الشيخ حفظه الله تعالى - عن حكم القزع ؟
فأجاب قائلاً: القزع هو حلق بعض الرأس وترك بعضه، وهو أنواع:
النوع الأول: أن يحلق بعضه غير مرتب، فيحلق مثلاً من الجانب الأيمن ومن الناصية ومن الجانب الأيسر.
النوع الثاني: أن يحلق وسطه ويدع جانبيه.
النوع الثالث: أن يحلق جوانبه ويدع وسطه، قال ابن القيم ﵀ كما يفعله السفل.
النوع الرابع: أن يحلق الناصية فقط ويدع الباقي.
والقزع كله مكروه، لأن النبي ﷺ رأي صبيّاً حلق بعض رأسه فأمر النبي ﷺ ، أن يحلق كله أو يترك كله، لكن إذا كان قزعاً مشبهاً للكفار فإنه يكون محرماً، لأن التشبه بالكفار محرم، قال النبي ﷺ : " من تشبه بقوم فهو منهم ".
стр. 4088
٤١) وسُئل الشيخ: عن قوم يطيلون شعورهم ؟
فأجاب قائلاً: التقليد في الأمور النافعة التي لم يرد الشرع بالنهي عنها أمر جائز، وأما التقليد في الأمور الضارة أو التي منع الشرع منها من العادات فهذا أمر لا يجوز، فهؤلاء الذين يطولون شعورهم نقول لهم هذا خلاف العادة المتبعة في زمننا هذا، واتخاذ شعر الرأس مختلف فيه هل هو من السنن المطلوب فعلها؟ أو هو من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما اعتاده الناس في وقته؟
والراجح عندي: أن هذا من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما جرى عليه الناس في وقته، فإذا كان من عادة الناس اتخاذ الشعر وتطويله - فإنه يفعل، وإذا كان من عادة الناس حلق الشعر أو تقصيره فإنه يفعل.
ولكن البلية كل البلية أن هؤلاء الذين يعفون شعور رؤوسهم لا يعفون شعور لحاهم ثم هم يزعمون أنهم يقتدون بالرسول ﷺ ، وهم في ذلك غير صادقين فهم يتبعون أهواءهم ويدل على عدم صدقهم في اتباع الرسول ﷺ ، إنك تجدهم قد أضاعوا شيئاً من دينهم هو من الواجبات كإعفاء اللحية مثلاً، فهم لا يعفون لحاهم وقد أمروا بإعفائها وكتهاونهم في الصلاة وغيرها من الواجبات الأخرى ممايدلك على أن صنيعهم في إعفاء شعورهم ليس المقصود به التقرب إلى الله ولا اتباع رسول الله ﷺ ، وإنما هي عادة استحسنوها فأرادوها ففعلوها.
٤٢) وسُئل الشيخ: هل يجوز صبغ الشعر باللون الأسود وخلطه مع حناء ؟
فأجاب بقوله: صبغ الشعر باللون الأسود الخالص حرام، لأن
стр. 4089
النبي ﷺ قال: " غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد ".
أما إذا خلط معه لون آخر حتى صار أدهم فإنه لا بأس به.
٤٣) وسُئل: عن حكم صبغ المرأة لشعر رأسها بغير الأسود مثل البني والأشعر ؟
فأجاب بقوله: الأصل في هذا الجواز إلا أن يصل إلى درجة تشبه رؤوس الكافرات والعاهرات والفاجرات فإن ذلك حرام.
٤٤) وسُئل فضيلته: هل يجوز صبغ أجزاء من الشعر كأطرافه مثلاُ أو أعلاه فقط ؟
فأجاب قائلاً: صبغ الشعر إذا كان بالسواد فإن النبي ﷺ ، نهى عنه حيث أمر بتغيير الشيب وتجنيبه السواد قال: غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد ". وورد في ذلك أيضا ً وعيد على من فعل هذا، وهو يدل على تحريم تغيير الشعر بالسواد، أما بغيره من الألوان فالأصل الجواز إلا أن يكون على شكل نساء الكافرات أو الفاجرات فيحرم من هذه الناحية لقول النبي ﷺ : " من تشبه بقوم فهو منهم ".
٤٥) وسُئل الشيخ: ما حكم تغيير الشيب؟ وبم يُغيَّر ؟
فاجاب فضيلته قائلاً: تغيير شعر الشيب سنة أمر به النبي ﷺ ، ويُغيَّره بكل لون ما عدا السواد، فإن النبي صلىالله عليه وسلم نهى أن يغير بالسواد فقال: " جنبوه السواد ". وورد في الحديث الوعيد على من صبغه بالسواد، فالواجب على المؤمن أن يتجنب صبغة بالسواد، لما فيه من النهي عنه والوعيد على فعله، ولأن الذي يصبغه بالسواد كأنما يعارض سنة الله ّ في خلقه، فإن الشعر في حال الشباب يكون أسود، فإذا أبيضَّ للكبر أو لسبب آخر فإنه يحاول أن يرد هذه السنة إلى ماكانت
стр. 4090
عليه من قبل، وهذا فيه شيء من تغيير خلق الله ، ومع ذلك فإن الذي يصبغ بالسواد لا بد أن يتبين أنه صابغ به لأن أصول الشعر ستكون بيضاء.
وقد قال الشاعر:
نسودُ أعلاها وتأبي أصولها ولا خير في فرع إذا خانه الأصل
٤٦) وسُئل الشيخ: ورد في بعض الأحاديث النهي عن تغيير الشعر بالسواد، فهل الحديث في ذلك صحيح؟ وما الحكمة من النهي؟ وما حكم إزالة العيوب من الجسم ؟
فأجاب قائلاً: الحديث صحيح، فإن الرسول ﷺ أمر بتغيير الشيب، وأمر بتجنيبه السواد، وتوعد من يخضبون لحاهم بالسواد بأنهم لا يريحون رائحة الجنة، وهذا يدل على أن الصبغ بالسواد من كبائر الذنوب، فعلى المرء أن يتقي الله ، وأن يتجنب ما نهى عنه الرسول ﷺ ، ليكون ممن أطاع الله ورسوله، وقد قال تعالى: (ومن يُطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) (١) . وقال: (ومن بعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً) (٢) . ولا فرق بين الرجال والنساء في هذا الحكم فهو عام.
ثم إن الحكمة في ذلك هو أن في صبغ الشعر بالسواد مضادة لحكمة الله تعالى التي خلق الخلق عليها، فإنه إذا حوَّل شعره الأبيض إلى السواد، فكأنه يريد أن يرجع بشخوخته إلى الشباب فيكون بذلك مضاداً للحكمة التي جعل الخلق عليها بكونهم إذا كبروا أبيضَّ
стр. 4091
شعرهم بعد السواد، ومن المعلوم أنَّ مضادة المخلوق للخالق أمر لا ينبغي، ولا يجوز للمرء أن يضاد الله تعالى في خلقة، كما لا يجوز له أن يضاد الله في شرعه، ونقول أيضاً: إنه بدلاً من كونه يصبغ بالأسود يصبغ بصبغ يجعل الشعر بين السواد والحُمرة، وبهذا يزول المحظور ويحصل المطلوب.
أما إزالة العيوب فهذه لا بأس بها، مثل أن يكون في الإنسان إصبع زائدة، فيجري لها عملية لقطعها إذا لم يكن هناك ضرر، وما أشبه ذلك فإنه لا بأس به، لأن هذا من باب إزالة العيوب الطارئه. والله الموفق.
٤٧) وسُئل الشيخ: نرى كثيراً من المسلمين يصبغون لحاهم بالسواد ويقولون: إن النهي عنه لم يصح عن النبي ﷺ ، وإنما هو مدرج من كلام بعض الرواة وإن صح فإنما المراد به ما قصد به التدليس أما ما قصد به الجمال فلا، فما مدى صحة ذلك ؟
فاجاب قائلاً: النهي عن صبغ الشيب بالسواد ثابت عن النبي ﷺ من حديث جابر بن عبد الله ﵄ رواه مسلم وأبو داود ودعوى الإدراج غير مقبولة إلا بدليل، لأن الأصل عدمه، وقد روى أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة ". قال ابن مفلح أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمه: إسناده جيد. وهذا الحديث يقتضي تحريم صبغ الشيب بالسواد، وأنه من كبائر الذنوب والحكمة في ذلك - والله أعلم - مافيه من مضادة
стр. 4092
الحكمة في خلق الله تعالى بتجميله على خلاف الطبيعة، فيكون كالوشم والوشر والنمص والوصل، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة ولعن المتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله تعالى.
وأما دعوى أن النهي عن الصبغ بالسواد من أجل التدليس، فغير مقبولة أيضاً، لأن النهي عام، والظاهر أن الحكمة ما أشرنا إليه.
وإذا كان هذا حكم الصبغ الأسود من أجل التدليس، فغير مقبولة أيضاً، لأن النهي عام، والظاهر أن الحكمة ما أشرنا إليه.
وإذا كان هذا حكم الصبغ الأسود، فإن في الحلال غني عنه، وذلك بأن يصبغ بالحناء والكتم أو بصبغ يكون بين الأسود والأحمر فيحصل المقصود بتغيير الشيب إلى صبغ حلال، وما أغلق باب يضر الناس إلا فتح لهم من الخير أبواب ولله الحمد.
وما روي عن بعض الصحابة من أنهم كانوا يخضّبون بالسواد، فإنه لا يدفع به ما صح عن النبي ﷺ ، لأن الحجة فيما صح عن النبي ﷺ ، ومن خالفه من الصحابة، فمن بعدهم فإنه يلتمس له العذر حيث يستحق ذلك، والله تعالى إنما يسأل الناس يوم القيامة عن إجابتهم الرسل، قال الله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) (١) .
٤٨) سُئل الشيخ: ماحكم نتف الشيب من الرأس واللحية ؟
فأجاب بقوله: أما من اللحية أو شعر الوجه فإنه حرام لأن هذا من النمص، فإن النمص نتف شعر الوجه واللحية منه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لعن النامصة والمتنمصة. ونقول لهذا الرجل إذا كنت
стр. 4093
ستتسلط على كل شعرة أبيضت فتنتفها فلن تبقى لك لحية، فدع ما خلقه الله على ما خلقه الله ولا تنتف شيئاً.
أما إذا كان النتف من شعر الرأس فلا يصل إلى درجة التحريم لأنه ليس من النمص.
٤٩) سُئل الشيخ: عن المراد باللحية ؟
فأجاب بقوله: حد اللحية من العظمين الناتئين بحذاء صماخي الأذنين إلى آخر الوجه، ومنها الشعر النابت على الخدين.
قال في القاموس المحيط ص ٣٨٧ جـ ٤: " اللحية بالكسر: شعر الخدين والذقن ". وعلى هذا فمن قال: إن الشعر الذي على الخدين ليس من اللحية فعليه أن يثبت ذلك.
٥٠) وسئل فضيلته: هل العارضان من اللحية ؟
فأجاب بقوله: نعم العارضان من اللحية لأن هذا هو مقتضى اللغة التي جاء بها الشرع، قال الله تعالى: (إنا أنزلناه قرآناً عربيّاً لعلكم تعقلون) (١) . وقال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) (٢) . وبهذا عُلم أن ما جاء في القرآن والسنة فالمراد به ما يدل عليه بمقتضى اللغة العربية، إلا أن يكون له مدلول شرعي فيحمل عليه، مثل: الصلاة هي في اللغة العربية الدعاء، لكنها في الشرع تلك العبادة المعلومة، فإذا ذكرت في الكتاب والسنة حُملتْ على مدلولها الشرعي إلا أن يمنع من ذلك مانع.
стр. 4094
وعلى هذا فإن اللحية لم يجعل لها الشرع مدلولاً شرعيّاً خاصّاً فتحمل على مدلولها اللغوي، وهي في اللغة اسم للشعر النابت على اللحيين والخدين من العظم الناتىء حذاء صماخ الأذن إلى العظم المحاذي له من الجانب الآخر.
قال في القاموس: " االِّلحية بالكسر: شعر الخدين والذقن ". وهكذا قال في فتح الباريء ص ٣٥ جـ ١٠ طـ السلفية: " هي اسم لما نبت على الخدين والذقن ".
وبهذا تبين أن العارضين من اللحية، فعلى المؤمن أن يصبر ويصابر على طاعة الله ورسولة، وإن كان غريباً في بني جنسه فطوبى للغرباء.
وليعلم أن الحق إنما يوزن بكتاب الله تعالى وسنه رسولة ﷺ ، لا يوزن بما كان عليه الناس مما خالف الكتاب والسنة، فنسأل الله تعالى أن يثبتنا وإخواننا المسلمين على الحق.
٥١) سُئل الشيخ - رعاه الله بمنه وكرمه: - عن حكم حلق اللحي ؟
فأجاب بقوله: حلق اللحية محرم، لأنه معصية لرسول الله ﷺ ، فإن النبي ﷺ قال: " أعفوا اللحى وحُفوا الشوارب ". ولأنه خروج عن هدي المرسلين إلى هدي المجوس والمشركين.
وحدّ اللحية - كما ذكره أهل اللغة - هي شعر الوجه واللحيين والخدين، بمعنى أن كل ما على الخدين وعلى اللحيين والذقن فهو من اللحية، وأخذ شيء منها داخل في المعصية أيضاً، لأن النبي ﷺ قال: " أعفوا اللحى.. " وأرخوا اللحى.." " ووفروا اللحى ... ". وأوفوا اللحى.. " وهذا يدل على أنه لا يجوز أخذ شيء منها، لكن المعاصي تتفاوت فالحلق أعظم من أخذ شيء منها، لأنه
стр. 4095
أعظم وأبين مخالفة من أخذ شيء منها، وهذا هو الحق، والحق أحق أن يُتَّبع، وتساءل مع نفسك ما المانع من قبول الحق والعمل به إرضاءً لله وطلباً لثوابه؟ فلا تقدم رضا نفسك وهواك والرفاق على رضا الله، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (١) .
٥٢) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم تقصير اللحية ؟
فأجاب حفظه الله تعالى بقوله: القص من اللحية خلاف ما أمر به النبي ﷺ في قوله: (وفروا اللحى) ، (أعفوا اللحى) ، (أرخوا اللحى) فمن أراد اتباع أمر الرسول ﷺ ، واتباع هديه ﷺ ، فلا يأخذن منها شيئاً، فإن هدي الرسول، ﵊، أن لا يأخذ من لحيته شيئاً، وكذلك كان هدي الأنبياء قبله، ولقد قرأنا جميعاً قول الله تعالى عن هارون لموسى: (يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) (٢) . وهذا دليل على أن لهارون لحية يمكن الإمساك بها، وهو كذلك هدي خاتم النبيين محمد ﷺ ، فإن لحيته كانت عظيمة وكانت كثَّة، فمن أراد أن يتبعه تمام الاتباع ويمتثل أمره تمام الامتثال، فلا يأخذن من شعر لحيته شيئاً، لا من طولها ولا من عرضها.
وبعض الناس عند ابتداء نبات لحيته تكون شعراتها متفرقة فيقول: أنا أحلقها لتنبت جميعاً، وهذا ليس بصواب، لأنه قد يحلقها فيعصي بذلك أمر النبي ﷺ ، ثم يموت قبل أن تنبت، ولكن عليه أن يبقيها كما كانت، وهي إذا تم نموها وخروجها كانت مجتمعة في شكل حسن. والله الموفق.
стр. 4096
٥٣) سُئل الشيخ: هل يجوز تقصير اللحية خصوصاً ما زاد على القبضة فقد سمعنا أنه يجوز ؟
فأجاب فضيلته بقوله: جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال " خالفوا المشركين ووفروا اللحى وأحفوا الشوارب ". هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: " خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى " وفي لفظ: " أعفوا " وله من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " جزوا الشوارب وأرخو االلحى خالفوا المجوس ". وله من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " عشرٌ من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية " وذكر بقية الحديث.
وهذه الأحاديث تدل على وجوب ترك اللحية على ما هي عليه وافية موفرة عافية مستوفية، وأن في ذلك فائدتين عظيمتين.:
إحداهما: مخالفة المشركين حيث كانوا يقصونها أو يحلقونها، ومخالفة المشركين فيما هو من خصائصهم أمر واجب، ليظهر التباين بين المؤمنين والكافرين في الظاهر كما هو حاصل في الباطن، فإن الموافقة في الظاهر ربما تجر إلى محبتهم وتعظيمهم والشعور بأنه لا فرق بينهم وبين المؤمنين، ولهذا قال النبي ﷺ : " من تشبه بقوم فهو منهم " قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " أقل أحوال هذا الحديث التحريم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم ".
ثم إن في موافقة الكفار تعزيزاً لما هم عليه، ووسيلة لافتخارهم وعلوهم على المسلمين حيث يرون المسلمين أتباعاً لهم، مقلدين لهم، ولهذا كان من المتقرر عند أهل الخبرة في التاريخ أن الأضعف دائماً يقلد الأقوى.
стр. 4097
الفائدة الثانية: أن في إعفاء اللحية موافقة للفطرة التي فطر الله الخلق على حسنها وقبح مخالفتها، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته. وبهذا علم أنه ليست العلة من إعفاء اللحية مخالفة المشركين فقط بل هناك علة أخرى وهي موافقة الفطرة.
ومن فوائد إعفاء اللحية: موافقة عباد الله الصالحين من المرسلين وأتباعهم كما ذكر الله تعالى عن هارون أنه قال لموسى صلى الله عليهما وسلم: (يا ابن أمّ لا تأخذ بلحيتي وولا برأسي) (١) . وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ في وصف النبي ﷺ ، قال: وكان كثير شعر اللحية.
أما ما سمعتم من بعض الناس أنه يجوز تقصير اللحية خصوصاً ما زاد على القبضة، فقد ذهب إليه بعض أهل العلم فيما زاد على القبضة، وقالوا: إنه يجوز أخذ ما زاد على القبضة استناداً إلى ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما زاد أخذه. ولكن الأولى الأخذ بما دل عليه العموم في الأحاديث السابقة فإن النبي ﷺ لم يستثن حالاً من حال.
٥٤) وسُئل فضيلته: هل الأفضل حلق الشارب أو قصة ؟
فأجاب قائلاً: الأفضل قص الشارب كما جاءت به السنة، إما حفّاً بأن يُقص أطرافه مما يلي الشفة حتى تبدو، وإما إخفاءً بحيث يقص جميعه حتى يفيه.
وأما حلقه فليس من السنة، وقياس بعضهم مشروعية حلقه على
стр. 4098
حلق الرأس في النسك قياس في مقابلة النص، فلا عبرة به، ولهذا قال مالك عن الحلق: (إنه بدعه ظهرت في الناس فلا ينبغي العدول عما جاءت به السنة، فإن اتباعها الهدي والصلاح والسعادة والفلاح) .
٥٥) وسُئل الشيخ: عن حكم نتف الشارب وما ينبت على الوجنة والخد من الشعر ؟
فأجاب بقوله: أما الشارب فإن الأفضل أن لا ينتفه الإنسان نتفاً بل الأفضل أن يقصه كما أمر النبي ﷺ بذلك.
وأما نتف ما على الوجنة أو على الخد من الشعر فإنه لا يجوز لأن هذا من اللحية كما نص على هذا أهل العلم باللغة، والنبي ﷺ أمر بإعفاء اللحى ونتف هذا أو قصه مخالف لما أمر النبي ﷺ بذلك.
٥٦) وسُئل الشيخ: عما يقوله بعض الناس من أن علة إعفاء اللحى مخالفة المجوس والنصارى كما في الحديث وهي علة ليست بقائمة الآن لأنهم يعفون لحاهم ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: جوابنا على هذا من وجوه:
الوجه الأول: أن إعفاء اللحية ليس من أجل المخالفة فحسب، بل هو من الفطرة كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، فإن إعفاء اللحي من الفطرة التي فطر الله الناس عليها وعلى استحسانها، واستقباح ما سواها.
الوجه الثاني: أن اليهود والنصارى والمجوس الآن ليسوا يعفون لحاهم كلهم ولا ربعهم بل أكثرهم يحلقون لحاهم كما هو مشاهد وواقع.
الوجه الثالث: أن الحكم إذا ثبت شرعاً من أجل معنى زال وكان هذا الحكم موافقاً للفطرة او لشعيرة من شعائر الإسلام فإنه يبقى ولو زال السبب، ألا ترى إلى الرَّمل في الطواف كان سببه أن يُظهر النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 4099
وأصحابه الجلد والقوة أمام المشركين الذين قالوا إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب ومع ذلك فقد زالت هذه العلة وبقى الحكم حيث رمل النبي ﷺ في حجة الوداع.
فالحاصل: أن الواجب أن المؤمن إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يقول سمعنا وأطعنا كما قال الله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون، ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) (١) . ولا يكونوا كالذين قالوا سمعنا وعصينا أو يلتمسوا العلل الواهية والأعذار التي لا اصل لها فإن هذا شأن من لم يكن مستسلماً العلل الواهية والأعذار التي لا أصل لها فإن هذا شأن من لم يكن مستسلما ًغاية الاستسلام لأمر الله ورسوله يقول الله : (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً) (٢) . ويقول تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) (٣) . ولا أدري عن الذي يقول مثل هذا الكلام هل يستطيع أن يواجه به ربه يوم القيامة، فعلينا أن نسمع ونطيع وأن نمتثل أمر الله ورسوله على كل حال.
٥٧) وسُئل - أعلى الله حجته: - عن حكم إزالة شعر الإبط وقص الأظافر، وقص الشارب، وحلق العانة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إزالة شعر الإبط من الفطرة التي فطر الله الخلق عليها، وجاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله ، وكذلك
стр. 4100
قص الأظافر والشارب، وحلق العانة، فهذه الأشياء كلها من الفطرة التي يرتضيها كلُّ عاقل لم تتغير فطرته، وأقرَّتها الشرائع المنزلة من عند الله .
وقد وقَّت النبي ﷺ في الشارب والعانة والإبط والأظافر، وقَّت لها أربعين يوماً، فلا تترك فوق أربعين يوماً، وعلى هذا فنقول:
إذا كان الرسول ﵊، قد وقت لأمته هذه المدة، فهي المدة القصوى، وإن حصل سبب يقتضي أن تزال قبل ذلك، فإنها تزال، كما لو طالت الأظافر أو كثرت الشعور في الإبط، أو الشارب طال قبل الأربعين فإنه يُزال، لكن الأربعين هي أقصى المدة وغايتها، ومن العجب أن بعض الجهال يُبقي أظافره مدة طويلة حتى تطول وتتراكم فيها الأوساخ، وهؤلاء قد تنكَّروا لفطرتهم وخالفوا السنة التي دعا إليها رسول الله ﷺ ووقتها لأمته، ولا أدري كيف يرضون لأنفسهم أن يفعلوا ذلك، مع ما فيه من الضرر الصحي مع المخالفة الشرعية. وبعض الناس يُبقي ظفراً واحداً من أظافره، إما الخنصر وإما السبابة وهذا أيضاً جهل وخطأ.
فالذي ينبغي للمسلمين أن يترسموا وأن يتمشوا على ما خطه النبي ﷺ لهم ورسمه، من فعل هذه السنن التي تقتضيها الفطرة، قص الأظافر والشارب وحلق العانة ونتف الأباط.
٥٨) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم تطويل الأظافر ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: تطويل الأظافر مكروه إن لم يكن محرماً، لأن النبي ﷺ وقت في تقليم الأظافر ألا تترك فوق أربعين يوماً.
ومن الغرائب أن هؤلاء الذين يدعون المدنية والحضارة يبقون هذه