٥٣) سُئل الشيخ: هل يجوز تقصير اللحية خصوصاً ما زاد على القبضة فقد سمعنا أنه يجوز ؟
فأجاب فضيلته بقوله: جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال " خالفوا المشركين ووفروا اللحى وأحفوا الشوارب ". هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: " خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى " وفي لفظ: " أعفوا " وله من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " جزوا الشوارب وأرخو االلحى خالفوا المجوس ". وله من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " عشرٌ من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية " وذكر بقية الحديث.
وهذه الأحاديث تدل على وجوب ترك اللحية على ما هي عليه وافية موفرة عافية مستوفية، وأن في ذلك فائدتين عظيمتين.:
إحداهما: مخالفة المشركين حيث كانوا يقصونها أو يحلقونها، ومخالفة المشركين فيما هو من خصائصهم أمر واجب، ليظهر التباين بين المؤمنين والكافرين في الظاهر كما هو حاصل في الباطن، فإن الموافقة في الظاهر ربما تجر إلى محبتهم وتعظيمهم والشعور بأنه لا فرق بينهم وبين المؤمنين، ولهذا قال النبي ﷺ : " من تشبه بقوم فهو منهم " قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " أقل أحوال هذا الحديث التحريم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم ".
ثم إن في موافقة الكفار تعزيزاً لما هم عليه، ووسيلة لافتخارهم وعلوهم على المسلمين حيث يرون المسلمين أتباعاً لهم، مقلدين لهم، ولهذا كان من المتقرر عند أهل الخبرة في التاريخ أن الأضعف دائماً يقلد الأقوى.
стр. 4097
الفائدة الثانية: أن في إعفاء اللحية موافقة للفطرة التي فطر الله الخلق على حسنها وقبح مخالفتها، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته. وبهذا علم أنه ليست العلة من إعفاء اللحية مخالفة المشركين فقط بل هناك علة أخرى وهي موافقة الفطرة.
ومن فوائد إعفاء اللحية: موافقة عباد الله الصالحين من المرسلين وأتباعهم كما ذكر الله تعالى عن هارون أنه قال لموسى صلى الله عليهما وسلم: (يا ابن أمّ لا تأخذ بلحيتي وولا برأسي) (١) . وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ في وصف النبي ﷺ ، قال: وكان كثير شعر اللحية.
أما ما سمعتم من بعض الناس أنه يجوز تقصير اللحية خصوصاً ما زاد على القبضة، فقد ذهب إليه بعض أهل العلم فيما زاد على القبضة، وقالوا: إنه يجوز أخذ ما زاد على القبضة استناداً إلى ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما زاد أخذه. ولكن الأولى الأخذ بما دل عليه العموم في الأحاديث السابقة فإن النبي ﷺ لم يستثن حالاً من حال.
٥٤) وسُئل فضيلته: هل الأفضل حلق الشارب أو قصة ؟
فأجاب قائلاً: الأفضل قص الشارب كما جاءت به السنة، إما حفّاً بأن يُقص أطرافه مما يلي الشفة حتى تبدو، وإما إخفاءً بحيث يقص جميعه حتى يفيه.
وأما حلقه فليس من السنة، وقياس بعضهم مشروعية حلقه على
стр. 4098
حلق الرأس في النسك قياس في مقابلة النص، فلا عبرة به، ولهذا قال مالك عن الحلق: (إنه بدعه ظهرت في الناس فلا ينبغي العدول عما جاءت به السنة، فإن اتباعها الهدي والصلاح والسعادة والفلاح) .
٥٥) وسُئل الشيخ: عن حكم نتف الشارب وما ينبت على الوجنة والخد من الشعر ؟
فأجاب بقوله: أما الشارب فإن الأفضل أن لا ينتفه الإنسان نتفاً بل الأفضل أن يقصه كما أمر النبي ﷺ بذلك.
وأما نتف ما على الوجنة أو على الخد من الشعر فإنه لا يجوز لأن هذا من اللحية كما نص على هذا أهل العلم باللغة، والنبي ﷺ أمر بإعفاء اللحى ونتف هذا أو قصه مخالف لما أمر النبي ﷺ بذلك.
٥٦) وسُئل الشيخ: عما يقوله بعض الناس من أن علة إعفاء اللحى مخالفة المجوس والنصارى كما في الحديث وهي علة ليست بقائمة الآن لأنهم يعفون لحاهم ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: جوابنا على هذا من وجوه:
الوجه الأول: أن إعفاء اللحية ليس من أجل المخالفة فحسب، بل هو من الفطرة كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، فإن إعفاء اللحي من الفطرة التي فطر الله الناس عليها وعلى استحسانها، واستقباح ما سواها.
الوجه الثاني: أن اليهود والنصارى والمجوس الآن ليسوا يعفون لحاهم كلهم ولا ربعهم بل أكثرهم يحلقون لحاهم كما هو مشاهد وواقع.
الوجه الثالث: أن الحكم إذا ثبت شرعاً من أجل معنى زال وكان هذا الحكم موافقاً للفطرة او لشعيرة من شعائر الإسلام فإنه يبقى ولو زال السبب، ألا ترى إلى الرَّمل في الطواف كان سببه أن يُظهر النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 4099
وأصحابه الجلد والقوة أمام المشركين الذين قالوا إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب ومع ذلك فقد زالت هذه العلة وبقى الحكم حيث رمل النبي ﷺ في حجة الوداع.
فالحاصل: أن الواجب أن المؤمن إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يقول سمعنا وأطعنا كما قال الله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون، ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) (١) . ولا يكونوا كالذين قالوا سمعنا وعصينا أو يلتمسوا العلل الواهية والأعذار التي لا اصل لها فإن هذا شأن من لم يكن مستسلماً العلل الواهية والأعذار التي لا أصل لها فإن هذا شأن من لم يكن مستسلما ًغاية الاستسلام لأمر الله ورسوله يقول الله : (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً) (٢) . ويقول تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) (٣) . ولا أدري عن الذي يقول مثل هذا الكلام هل يستطيع أن يواجه به ربه يوم القيامة، فعلينا أن نسمع ونطيع وأن نمتثل أمر الله ورسوله على كل حال.
٥٧) وسُئل - أعلى الله حجته: - عن حكم إزالة شعر الإبط وقص الأظافر، وقص الشارب، وحلق العانة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إزالة شعر الإبط من الفطرة التي فطر الله الخلق عليها، وجاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله ، وكذلك
стр. 4100
قص الأظافر والشارب، وحلق العانة، فهذه الأشياء كلها من الفطرة التي يرتضيها كلُّ عاقل لم تتغير فطرته، وأقرَّتها الشرائع المنزلة من عند الله .
وقد وقَّت النبي ﷺ في الشارب والعانة والإبط والأظافر، وقَّت لها أربعين يوماً، فلا تترك فوق أربعين يوماً، وعلى هذا فنقول:
إذا كان الرسول ﵊، قد وقت لأمته هذه المدة، فهي المدة القصوى، وإن حصل سبب يقتضي أن تزال قبل ذلك، فإنها تزال، كما لو طالت الأظافر أو كثرت الشعور في الإبط، أو الشارب طال قبل الأربعين فإنه يُزال، لكن الأربعين هي أقصى المدة وغايتها، ومن العجب أن بعض الجهال يُبقي أظافره مدة طويلة حتى تطول وتتراكم فيها الأوساخ، وهؤلاء قد تنكَّروا لفطرتهم وخالفوا السنة التي دعا إليها رسول الله ﷺ ووقتها لأمته، ولا أدري كيف يرضون لأنفسهم أن يفعلوا ذلك، مع ما فيه من الضرر الصحي مع المخالفة الشرعية. وبعض الناس يُبقي ظفراً واحداً من أظافره، إما الخنصر وإما السبابة وهذا أيضاً جهل وخطأ.
فالذي ينبغي للمسلمين أن يترسموا وأن يتمشوا على ما خطه النبي ﷺ لهم ورسمه، من فعل هذه السنن التي تقتضيها الفطرة، قص الأظافر والشارب وحلق العانة ونتف الأباط.
٥٨) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم تطويل الأظافر ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: تطويل الأظافر مكروه إن لم يكن محرماً، لأن النبي ﷺ وقت في تقليم الأظافر ألا تترك فوق أربعين يوماً.
ومن الغرائب أن هؤلاء الذين يدعون المدنية والحضارة يبقون هذه
стр. 4101
الأظافر مع أنها تحمل الأوساخ والأقذار وتوجب أن يكون الإنسان متشبهاً بالحيوان ولهذا قال الرسول ﷺ : " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل إلا السن والظفر، أما السن فعظم، وأما الظفر فمُدَى الحبشة ". يعني أنهم يتخذون الأظافر سكاكين يذبحون بها ويقطعون بها اللحم أو غير ذلك فهذا من هدي هؤلاء الذين أشبه ما يكونون بالبهائم.
٥٩) وسُئل: عن حكم إبقاء الأظافر أكثر من أربعين يوماً ؟
فأجاب بقوله جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً: هذا فيه تفصيل:
إذا كان الحامل له على ذلك الاقتداء بالكفار الذين انحرفت فطرهم عن السلامة، فإن ذلك حرام، لأن النبي ﷺ قال: " من تشبه بقوم فهو منهم ". قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمة الله: " أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهرة يقتضي كُفر المتشبه بهم ". اهـ.
٦٠) وسُئل فضيلته: عن حكم دفن الشعر والأظافر بعد قصها ؟
فأجاب قائلاً: ذكر أهل العلم أن دفن الشعر والأظافر أحسن وأولى، وقد أثر ذلك عن بعض الصحابة ﵃، وأما كون بقائه في العراء أو إلقائه في مكان يوجب إثماً فليس كذلك.
стр. 4102
٦١) وسُئل: عن قص الأظافر في الحمام وإرسالها مع القاذورات ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: الأولى ألا يفعل ذلك تكريماً لها، ولكن لو فعل فلا إثم عليه.
٦٢) سُئل الشيخ - حفظه الله ﵎ عن حكم تخفيف شعر الحاجب ؟
فأجاب فائلاً: تخفيف شعر الحاجب إذا كان بطريق النتف فهو حرام بل كبيرة من الكبائر، لأنه من النمص الذي لعن رسوله الله صلى الله عليه ووسلم مَنْ فَعله.
وإذا كان بطريق القص أو الحلق، فهذا كرهه بعض أهل العلم، ومنعه بعضهم، وجعله من النمص، وقال: إن النمص ليس خاصّاً بالنتف، بل هو عام لكل تغيير لشعر لم يأذن الله به إذا كان في الوجه.
ولكن الذي نرى أنه ينبغي للمرأة - حتى وإن قلنا بجواز أو كراهة تخفيفه بطريق القص أو الحلق - أن لا تفعل ذلك إلا إذا كان الشعر كثيراً على الحواجب، بحيث ينزل إلى العين، فيؤثر على النظر فلا بأس بإزالة ما يؤذي منه.
٦٣) وسُئل الشيخ: عن حكم جعل الشعر ضفيرة واحدة ؟
فأجاب قائلاً: جعل الشعر ضفيرة واحدة لا أعلم فيه بأساً. والأصل الحِلّ، ومن رأي شيئاً من السنة يمنع ذلك وجب اتباعه فيه والله ولي التوفيق.
стр. 4103
٦٤) وسُئل: عن حكم إزالة شعر اليدين والرجلين ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كان كثيراً فلا بأس من إزالته، لأنه مشوه، وإن كان عاديّاً فإن من أهل العلم من قال إنه لا يُزال لأن إزالته من تغيير خلق الله . ومنهم من قال: إنه تجوز إزالته لأنه مما سكت الله عنه، وقال قال النبي ﷺ : " ما سكت الله عنه فهو عفو ". أي ليس بلازم لكم ولا حرام عليكم، وقال هؤلاء: إن الشعور تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما نصَّ الشرع على تحريم أخذه.
القسم الثاني: ما نص الشرع على طلب أخذه.
القسم الثالث: ما سكت عنه.
فما نص الشرع على تحريم أخذه فلا يُؤخذ كلحية الرجل، ونمص الحاجب للمرأة والرجل.
وما نص الشرع على طلب أخذه فليؤخذ، مثل: الإبط والعانة والشارب للرجل.
وما سكت عنه فإنه عفو لأنه لو كان مما لا يريد الله تعالى وجوده، لأمر بإزالته، ولو كان مما يريد الله بقاءه، لأمر بإبقائه، فلما سكت عنه كان هذا راجعاً إلى اختيار الإنسان، إن شاء أزاله وإن شاء أبقاه. والله الموفق.
٦٥) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم قص المرأة شعر رأسها ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: المشروع أن تُبقي المرأة رأسها على ما كان عليه، ولا تخرج عن عادة أهل بلدها، وقد ذكر فقهاء الحنابلة
стр. 4104
- ﵏ أنه يُكره قص رأسها إلا في حج أو عمرة، وحرم بعض فقهاء الحنابلة قص المرأة شعر رأسها.
ولكن ليس في النصوص ما يدل على الكراهة أو على التحريم، والأصل عدم ذلك، فيجوز للمرأة أن تأخذ من شعررأسها من قدام أو من الخلف، على وجه لا تصل به إلى حد التشبه براس الرجل، لأن الأصل الإباحة، لكن مع ذلك أنا أكره للمرأة أن تفعل هذا الشيء، لأن نظر المرأة وتطلُّبها لما يجدُّ من العادات المتلقاة عن غير بلادها مما يفتح لها باب النظر إلى العادات المستوردة، وربما تقع في عادات محرمة وهي لا تشعر، فكل العادات الواردة إلى بلادنا في المظهر والملبس والمسكن - إذا لم تكن من الأمور المحمودة التي دلَّ الشرع علىطلبها - فإن الأولى البعد عنها وتنجبها، نظراً إلى أن النفوس تتطلب المزيد من تقليد الغير، لا سيما إذا شعر الإنسان بالنقص في نفسه وبكمال غيره، فإنه حينئذ يقلد غيره وربما يقع في شَرَك التقليد الآثم الذي لا تبيحه شريعته.
وهناك أشياء نتمسك بها يسميها بعضنا عادات وتقاليد، ونحن ننكر هذه التسمية ونقول:
لقد ضللتم وما أنتم بالمهتدين، فإن من عاداتنا ما هو من الأمور المشروعة التي لا تتحكم فيها العادات والتقاليد، كمثل الحجاب مثلاً، فلا يصح أن نسمي احتجاب المرأة عادة أو تقليداً وإذا سمينا ذلك عادة أو تقليداً، فهو جناية على الشريعة، وفتح باب لتركه والتحول عنه إلى عادات جديدة تخضع لتغير الزمن، وهو كذلك تحويل للشريعة إلى عادات وتقاليد تتحكم فيها الأعراف، ومن المعلوم أن الشريعة ثابتة لا تتحكم فيها الأعراف ولا العادات ولا التقاليد، بل يلزم المسلم أيَّا كان وفي أي مكان، يلزمه أن يلتزم بها وجوباً فيما يجب، واستحباباً فيما يُستحب. والله الموفق.
стр. 4105
٦٦) سُئل فضيلة الشيخ: عن حكم فرق المرأة شعرها على الجنب ؟
فأجاب بقوله: السنة في فرق الشعر أن يكون في الوسط، من الناصية وهي مقدم الرأس إلى أعلى الرأس، لأن الشعر له اتجاهات إلى الأمام وإلى الخلف وإلى اليمين وإلى الشمال، فالفرق المشروع يكون في وسط الرأس، أما الفرق على الجنب فليس بمشروع، وربما يكون فيه تشبه بغير المسلمين، وربما يكون أيضاً داخلاً في قول النبي ﷺ "صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ". فإن من العلماء من فسر المائلات المميلات بأنهن اللاتي يمشطن المشطة المائلة ويمشطن غيرهن تلك المشطة، ولكن الصواب إن المراد بالمائلات من كنّ مائلات عما يجب عليهن من الحياء والدين، مميلات لغيرهن عن ذلك. والله أعلم.
٦٧) سُئل الشيخ: عن حكم تصفيف المرأة شعرها بالطريقة العصرية دون التشبه بالكافرات ؟
فأجاب حفظه الله بقوله: الذي بلغني عن تصفيف الشعر أنه يكون بأجرة باهظة قد نصفها بأنها إضاعة مال، والذي أنصح به نساءنا أن يتجنبن هذا الترف، والمرأة تتجمل لزوجها لا على وجه يضيع به المال هذا الضياع، فإن النبي ﷺ نهي عن إضاعة المال، أما لو ذهبت إلى ماشطة تمشطها بأجرة سهلة يسيرة للتجمل لزوجها فإن هذا لا بأس به.
стр. 4106
٦٨) سُئل الشيخ: هل يجوز للمرأة أن تستعمل الباروكة " الشعر المستعار "؟
فأجاب فضيلته بقوله: الباروكة محرمة وهي داخله في الوصل، وإن لم تكن وصلاً فهي تظهر رأس المرأة على وجه أطول من حقيقته فتشبه الوصل وقد لعن النبي ﷺ الواصلة والمستوصلة، لكن إن لم يكن على رأس المرأة شعر اصلاً أو كانت قرعاء فلا حرج من استعمال الباروكة ليستر هذا العيب لإن إزالة العيوب جائزة، ولهذا أذن النبي ﷺ لمن قطعت أنفه في إحدى الغزوات أن يتخذ أنفاً من ذهب فالمسألة أوسع من ذلك، فتدخل فيها مسائل التجميل وعملياته، فما كان لإزالة عيب فلا بأس به مثل أن يكون في أنفه اعوجاج فيعدله أو إزالة بقعة سوداء مثلاً فهذا لا بأس به، أما إن كان لغير إزالة عيب كالوشم والنمص مثلاً فهذا هو الممنوع.
٦٩) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم ثقب اذن البنت أو أنفها من أجل الزينة ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: الصحيح أن ثقب الأذن لا بأس به، لأن هذا من المقاصد التي يتوصل بها إلى التحلي المباح، وقد ثبت أن نساء الصحابة كان لهن أخراص يلبسنها في آذانهن، وهذا التعذيب تعذيب بسيط، وإذا ثقب في حال الصغر صار برؤه سريعاً.
وأما ثقب الأنف: فإنني لا أذكر فيه لأهل العلم كلاماً، ولكنه فيه مُثلة وتشويه للخلقة فيما نرى، ولعل غيرنا لا يرى ذلك، فإذا كانت المرأة في بلد يعد تحلية الأنف فيها زينة وتجملاً فلا بأس بثقب الأنف لتعليق الحلية عليه.
стр. 4107
باب فروض الوضوء وصفته
٧٠) سُئل فضيلة الشيخ: عن معنى قول النبي ﷺ : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء "؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقولة: معنى هذا الحديث أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة، فإنهم يحلَّون فيها كما قال الله في سورة الكهف: (يحلَّوْن فيها من أساورَ من ذهب) (١) . وكما قال في سورة الحج وفاطر: (يُحلَّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً) (٢) . وكما قال (وحُلُّوا أساورَ من فضَّةٍ) (٣) . فالمؤمن يُحلى في الجنة - رجلاً كان أو أمرأة - بهذة الحلية، وتكون إلى حيث يبلغ الوضوء، فعلى هذا تبلغ الحلية في اليدين إلى المرفقين لأن الوضوء يبلغ إلى المرفقين، هذا معنى الحديث الذي أشار إليه السائل.
٧١) وسُئل: عن الفضل الذي يناله المسلم إذا استمر على الوضوء بعد كل حدث ؟
فأجاب قائلاً: الفضل الذي يناله المسلم إذا استمر على الوضوء بعد كل حدث، أنه يبقى طاهراً، والبقاء على الطهر من الأعمال الصالحة، ولأنه ربما يذكر الله في أحواله كلها، فيكون ذكر
стр. 4108
الله على طهر، ولانه قد تعرض له صلاة في مكان ليس فيه ماء، فيكون مستعداً لهذه الصلاة، والمهم أن بقاء الإنسان على وضوء فيه فوائد كثيرة.
٧٢) وسُئل الشيخ: إذا كان للإنسان أسنان صناعية فهل يجب عليه نزعها عند المضمضة ؟
فأجاب فضيلته بقولة: إذا كان على الإنسان أسنان مركبة، فالظاهر أنه لا يجب عليه أن يزيلها، وتشبه هذه الخاتم، والخاتم لا يجب نزعه عند الوضوء، بل الأفضل أن يحركه، لكن ليس على سبيل المثال الوجوب، لأن النبي صلىالله عليه وسلم كان يلبسه، ولم ينقل أنه كان ينزعه عند الوضوء، وهو أظهر من كونه مانعاً من وصول الماء من هذه الأسنان، لا سيما أن بعض الناس تكون هذه التركيبة شاقّاً عليه نزعها ثم ردُّها.
٧٣) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يجب على الإنسان أن يزيل بقايا الطعام من بين أسنانة قبل الوضوء أم لا ؟
فأجاب - جزاه الله خيراً - بقوله: الذي يظهر لي أنه لا يجب إزالته قبل الوضوء، لكن تنقية الأسنان منها لا شك أنه أكمل وأطهر وأبعد عن مرض الأسنان، لأن هذه الفضلات إذا بقيت، فقد يتولد منها عُفونة ويحصل منها مرض للأسنان واللثة، فالذي ينبغي للإنسان إذا فرغ من طعامه، أن يخلل أسنانة حتى يزول ما علق من أثر الطعام، وأن يتسوَّك أيضاً لأن الطعام يغير الفم، وقد قال النبي ﷺ في السواك: " إنه مطهرة للفم مرضاة للرب ". وهذا يدل على أنه كلما احتاج الفم إلى تطهير فإنه يطهر بالسواك، ولهذا قال العلماء يتأكد السواك عند تغير رائحة الفم بأكل أو غيره.
стр. 4109
٧٤) وسُئل حفظه الله تعالى: هل يلزم المتوضيء أن يأخذ ماءً جديداً لأذنيه ؟
فأجاب الشيخ بقوله: لا يلزم أخذ ماء جديد للأذنين، بل ولا يستحب على القول الصحيح، لأن جميع الواصفين لوضوء النبي ﷺ ، لم يذكروا أنه كان يأخذ ماءً جديداً لأذنيه، فالأفضل أن يمسح أذنيه ببقية البلل الذي بقي بعد مسح رأسه.
٧٥) وسُئل الشيخ: عن معنى الترتيب في الوضوء؟ وما المراد بالموالاة في الوضوء؟ وما حكمها؟ وهل يعذر الإنسان فيهما بالجهل والنسيان ؟
فأجاب قائلاً: الترتيب في الوضوء معناه أن تبدأ بما بدأ الله به، وقد بدأ الله بذكر غسل الوجه، ثم غسل اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، ولم يذكر الله تعالى غسل الكفين قبل غسل الوجه، لأن غسل الكفين قبل غسل الوجه ليس واجباً بل هو سنة، هذا هو الترتيب أن تبدأ بأعضاء الوضوء مرتبة كما رتبها الله ، لأن النبي ﷺ لما حج وخرج إلى المسعى بدأ بالصفا، فلما أقبل عليه قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (١) . أبدأ بما بدأ الله به، فبين أنه إنما اتى إلى الصفا قبل المروة ابتداء بما بدأ الله به.
وأما الموالاة، فمعناها: أن لا يفرق بين أعضاء الوضوء بزمن يفصل بعضها عن بعض، مثال ذلك لو غسل وجهه، ثم أراد أن يغسل يديه ولكن تأخر، فإن الموالاة قد فاتت وحينئذ يجب عليه أن يعيد الوضوء من أوله، لأن النبي ﷺ رأي رجلاً قد توضأ، وفي قدمه مثل الظفر
стр. 4110
لم يصبه الماء، فقال، " أرجع فأحسن وضوءك ". وفي رواية أبي داود " أمره أن يعيد الوضوء". وهذا يدل على اشتراط الموالاة، ولأن الوضوء عبادة واحدة والعبادة الواحدة لا ينبني بعضها على بعض مع تفرق أجزائها.
فالصحيح: أن الترتيب والمولاة فرضان من فروض الوضوء.
وأما عذر الإنسان فيهما بالنسيان أو بالجهل فمحل نظر، فالمشهور عند فقهاء الحنابلة ﵏ أن الإنسان لا يُعذر فيهما بالجهل ولا بالنسيان، وأن الإنسان لو بدأ بغسل يديه قبل غسل وجهه ناسياً، لم يصح غسل يديه ولزمه إعادة الوضوء مع طول الزمن، أو إعادة غسل اليدين وما بعدهما إن قصر الزمن، ولا شك أن هذا القول أحوط وأبرأ للذمة، وأن الإنسان إذا فاته الترتيب ولو نسياناً، فإنه يعيد الوضوء، وكذلك إذا فاتته الموالاة ولو نسياناً، فإنه يعيد الوضوء.
٧٦) سُئل الشيخ: عن حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء ؟
فأجاب بقوله: الترتيب من فروض الوضوء. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قُمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (١) . ووجه الدلالة من الآية:
أولاً: إدخال الممسوح بين المغسولات، وهذا خروج عن مقتضى البلاغة، والقرآن أبلغ ما يكون من الكلام، ولا نعلم لهذا الخروج عن قاعدة البلاغة فائدة إلا الترتيب.
ثانياً: أن هذه الجملة وقعت جواباً للشرط، وما كان جواباً للشرط فإنه يكون مرتباً حسب وقوع الجواب.
стр. 4111
ثالثاً: أن الله ذكرها مرتبة وقال النبي ﷺ : " أبدأ بما بدأ الله به " أما من السنة فإن جميع الواصفين لوضوء النبي ﷺ لم يذكروا إلا أنه كان يرتبها على حسب ما ذكر.
٧٧) وسُئل: هي يسقط الترتيب بالنسيان ؟
فأجاب قائلاً: هذا محل خلاف بين العلماء - رحمهم الله تعالى - على أقوال:
القول الأول: أنه يسقط بالنسيان والجهل، لأن ذلك عذر وإذا كان الترتيب بين الصلوات يقسط بالنسيان، فهذا مثله.
القول الثاني: أنه لا يسقط بالنسيان لأنه فرض، والفرض لا يسقط بالنسيان، وقياسه على قضاء الصلوات فيه نظر، لأن الصلوات كل صلاة عبادة مستقلة، ولكن الوضوء عبادة واحدة، ونظير اختلاف الترتيب في الوضوء اختلاف الترتيب في ركوع الصلاة وسجودها، فلو سجد الإنسان قبل الركوع ناسياً، فإننا نقول إن الصلاة لا تُجزئه، ولهذا فالقول بأن الترتيب يقسط بالنسيان، في النفس منه شيء، نعم لو فرض أن رجلاً جاهلاً في بادية وكان منذ نشأ وهو يتوضأ فيغسل الوجه واليدين والرجلين ثم يمسح الرأس، لو فُرض أن أحداً وقع له مثل هذه الحال، فقد يتوجه القول بأنه يُعذر بجهله، كما عذر النبي صلىالله عليه وسلم أناساً كثيراً بجهلهم في مثل هذه الأحوال، إذن فالترتيب فرض لا يسقط سهواً ولا جهلاً إلا في مثل هذه الصورة.
٧٨) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا توضأ الإنسان ونسي عضواً من الأعضاء فما الحكم ؟
فأجاب قائلاً: إذا توضأ الإنسان ونسي عضواً من الأعضاء، فإن ذكر ذلك قريباً، فإنه يغسله وما بعده، مثال ذلك: شخص توضأ ونسي
стр. 4112
أن يغسل يده اليسرى فغسل يده اليمنى، ثم مسح راسه وأذنيه، ثم غسل رجليه، ولما انتهى من غسل الرجلين، ذكر أنه لم يغسل اليد اليسرى، فنقول له: اغسل اليد اليسرى وامسح الرأس والأذنين وأغسل الرجلين، وإنما أوجبنا عليه إعادة مسح الرأس والأذنين وغسل الرجلين، لأجل الترتيب، فإن الوضوء يجب أن يكون مرتباً كما رتبه الله فقال: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (١) . وأما إن كان لم يذكر إلا بعدة مدة طويلة، فإنه يعيد الوضوء من أصلة، مثل أن يتوضأ شخص وينسى غسل يده اليسرى ثم ينتهي من وضوئه ويذهب حتي يمضي مدة طويلة، ثم ذكر أنه لم يغسل اليد اليسرى، فإنه يجب عليه أن يعيد الوضوء من أوله لفوات المولاة بين أعضاء الوضوء، شرط لصحته، ولكن ليعلم أنه لو كان ذلك شكّاً، يعني بعد أن انتهى من الوضوء شك هل غسل يده اليسرى أو اليمنى أو هل تمضمض أو استنشق فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك بل يستمر ويصلي ولا حرج عليه، وذلك لأن الشك في العبادات بعد الفراغ منها لا يعتبر، لأننا لو قلنا باعتباره لانفتح على الناس باب الوساوس وصار كل انسان يشك في عبادته، فمن رحمة الله أن ما كان من الشك بعد الفراغ من البعادة فإنه لا يلتفت إليه ولا يهتم به الإنسان إلا إذا تيقن الخلل فإنه يجب عليه تداركه. الله أعلم.
стр. 4113
٧٩) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا انقطع الماء أثناء الوضوء، ثم عاد وقد جفت الأعضاء فهل يبني الإنسان على ما تقدم أم يعيد الوضوء ؟
فأجاب بقوله: هذا ينبني على معنى الموالاة وعلى كونها شرطاً لصحة الوضوء، وللعلماء في أصل المسألة قولان:
أحدهما: أن الموالاة شرط وأنه لا يصح الوضوء إلا متوالياً فلو فصل بعضه عن بعض لم يصح، وهذا هو القول الراجح، لأن الوضوء عبادة واحدة يجب أن يكون بعضها متصلاً ببعض، وإذا قلنا بوجوب المولاة وأنها شرط لصحة الوضوء فبماذا تكون الموالاة؟ قال بعض العلماء: الموالاة أن لا يؤخر غسل عضو حتى يجف الذي قبله بزمن معتدل إلا إذا أخرها لأمر يتعلق بالطهارة كما لو كان في أحد أعضائه بوية وحاول أن يزيلها وتأخر في إزالة هذه البوية حتى جفت أعضاؤه فإنه يبني على ما مضى ويستمر ولو تأخر طويلاً لأنه تأخر بعمل يتعلق بطهارته، أما إذا تأخر لتحصيل ماء كما في هذا السؤال فإن بعض أهل العلم يقول: إن الموالاة تفوت وعلى هذا فيجب عليه إعادة الوضوء من جديد، وبعضهم يقول: لا تفوت الموالاة لأنه أمر بغير اختياره وهو لا زال منتظرا لتكميل الوضوء، وعلى هذا إذا عاد الماء فإنه يبني على ما مضى ولو جفت أعضاؤه، على أن بعض العلماء الذين يقولون بوجوب الموالاة واشتراطها يقولون: إن الموالاة لا تتقيد بجفاف العضو وإنما تتقيد بالعرف، فما جرى العرف بأنه فصل بينه فهو فاصل يقطع الموالاة، وما جرى العرف بأنه ليس بفاصل فليس بفاصل مثل الذين ينتظرون وجود الماء إذا انقطع، هم الآن يشتغلون بجلب الماء، عند الناس لا يعد هذا تقاطعاً بين أول الوضوء وآخره، فيبني على ما مضى، وهذا هو الأفضل، فإنه إذا جاء الماء
стр. 4114
يبنون على ما مضى اللهم إلا إذا طال الوقت مدة طويلة يخرجها عن العرف يبدأون من جديد والأمر في هذا سهل.
٨٠) وسُئل الشيخ: إذا اشتغل الإنسان بإزالة بوية من يدية عند الوضوء فهل تنقطع الموالاة ويلزمه إعادة الوضوء أو لا ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: لا تنقطع الموالاة بذلك ولا يضره، لأن هذا الأمر يتعلق بطهارته، ومثل ذلك ما لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر ونشفت أعضاؤه، أو انتقل من صنبور إلى صنبور لتحصيل الماء، فإن هذا لا يضر لأنه أمر يتعلق بطهارته.
أما إذا فاتت الموالاة بأمر لا يتعلق بطهارته، مثل أن يجد على ثوبه دماً في أثناء وضوئه فاشتغل بإزالة ذلك الدم حتى نشفت الأعضاء وفاتت الموالاة، فحينئذ يجب عليه أن يعيد الوضوء لأن هذا لا يتعلق بطهارته.
٨١) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا كان في اليد بوية أو صمغ فكيف يصنع الإنسان عند الوضوء ؟
فأجاب بقولة: إذا كان في أعضاء الطهارة شيء يمنع وصول الماء إلى الأعضاء التي يجب تطهيرها، فإن الواجب عليك أن تحسب الحساب، وأن تتقدم في إزالة هذا المانع حتى يأتي الوقت، وقد زال وتوضأت وضوءاً صحيحاً.
стр. 4115
٨٢) وسُئل - حفظه الله: إذا كان على يد الإنسان دهن فهل يصح وضوءه ؟
فأجاب فضيلته قائلاً: نعم يصح وضوءه بشرط أن لا يكون هذا الدهن متجمداً يمنع وصول الماء، فإذا كان متجمداً يمنع وصول الماء فلا بد من إزالته قبل الوضوء.
٨٣) وسُئل فضيلة الشيخ: عن المرأة إذا دهنت رأسها ومسحت عليه هل يصح وضوءها أم لا ؟
فأجاب قائلاً: قبل الإجابة على هذا السؤال، أود أن أبين بأن الله قال في كتابة المبين: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (١) . والأمر بغسل هذه الأعضاء ومسح ما يمسح منها يستلزم إزالة ما يمنع وصول الماء إليها، لأنه إذا وُجد ما يمنع وصول الماء إليها لم يكن غسلها ولا مسحها، وبناء على ذلك نقول: إن الإنسان إذا استعمل الدهن في أعضاء طهارته، فإما أن يبقى الدهن جامداً له جرم، فحينئذ لا بد أن يزيل ذلك قبل أن يُطِّهر أعضاؤه، فإن بقي الدهن هكذا جرماً، فإنه يمنع وصول الماء إلى البشرة وحينئذٍ لا تصح الطهارة. أما إذا كان الدهن ليس له جرم، وإنما أثره باقٍ على أعضاء الطهارة، فإنه لا يضر، ولكن في هذه الحالة يتأكد أن يمر الإنسان يده على الوضوء لأن العادة أن الدهن يتمايز معه الماء، فربما لا يصيب جميع العضو الذي يطهره.
стр. 4116
٨٤) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم وضوء من كان على أظافرها ما يسمى بـ (المناكير) ؟
فأجاب بقوله: ما يسمى (المناكير) وهو شيء يوضع على الأظفار تستعمله المرأة وله قشرة، لا يجوز استعماله للمرأة إذا كانت تصلي لأنه يمنع وصول الماء في الطهارة، وكل شيء يمنع وصول الماء فإنه لا يجوز استعماله للمتوضئ، أو المغتسل، لأن الله يقول: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) (١) . وهذه المرأة إذا كان على أظافرها مناكير فإنها تمنع وصول الماء فلا يصدق عليها أنها غسلت يدها فتكون قد تركت فريضة من فرائض الوضوء أو الغسل.
وأما من كانت لا تصلي كالحائض فلا حرج عليها إذا استعملته إلا أن يكون هذا الفعل من خصائص نساء الكفار فإنه لا يجوز لما فيه من التشبه بهم.
ولقد سمعت أن بعض الناس أفتى بأن هذا من جنس لبس الخفين وأنه يجوز أن تستعمله المرأة لمدة يوم وليلة إن كانت مقيمة ومدة ثلاثة أيام إن كانت مسافرة، ولكن هذه فتوى غلط، وليس كل ما ستر الناس به أبدانهم يلحق بالخفين، فإن الخفين جاءت الشريعة بالمسح عليهما للحاجة إلى ذلك غالباً، فإن القدم محتاجة إلى التدفئة ومحتاجة إلى الستر، لأنها تباشر الأرض، والحصى، والبرودة، وغير ذلك، فخصص الشارع المسح بهما، وقد يقيسون أيضاً على العمامة، وليس بصحيح لأن العمامة محلها الرأس، والرأس فرضه مخفف من أصله، فإن فريضة الرأس هي المسح بخلاف اليد، فإن فرضيتها الغسل، ولهذا لم يبح النبي
стр. 4117
صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تمسح القفازين مع أنهما يستران اليد، فدل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يقيس أي حائل يمنع وصول الماء على العمامة وعلى الخفين، والواجب على المسلم أن يبذل غاية جهده في معرفة الحق، وأن لا يقدم على فتوى إلا هو يشعر أن الله تعالى سائله عنها، لأنه يعبر عن شريعة الله . الله الموفق الهادي إلى الصراط المستقيم.
٨٥) سُئل الشيخ:هل يصح الوضوء إذا كان على يد الإنسان دهان يغطي البهاق " البرص " علماً بأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة ؟
فأجاب بقوله: لا يجوز استعمال هذا الدواء الذي يمنع وصول الماء إلى البشرة، لأن هذا الدواء ليس علاجاً يزيل البرص، أما إذا كان علاجاً يزيله فلا حرج في استعماله، لأنه مدته مؤقتة، أما إذا كان شيئاً يخفيه ويمنع وصول الماء، فإنه لا يجوز أن يتوضأ وهو عليه، والحمد لله هذا أمر يكون في كثير من الناس، والإنسان إذا اعتاد هذا الأمر هان عليه، فهو يكون شاقاً عليه أول ما يخرج به، ولكنه إذا اعتاده وصار الناس ينظرون إليه، فإنه لا شك أنه يزول عنه هذا الإحساس الذي يحسُّه.
٨٦) وسُئل: إذا توضأ الإنسان لرفع الحدث ولم ينو صلاة فهل يجوز أن يصلي بذلك الوضوء ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - قائلاً: إذا توضأ الإنسان بغير نية الصلاة، وإنما توضأ لرفع الحدث فقط، فله أن يصلي ما شاء من فروض ونوافل حتى تنتفض طهارته.
стр. 4118
٨٧) وسُئل: هل يجوز للإنسان أن يصلي فريضتين بوضوء واحد ؟
فأجاب بقوله: نعم يجوز ذلك، فإذا توضأ لصلاة الظهر مثلاً ثم حضرت صلاة العصر وهو على طهارة فله أن يصلي صلاة العصر بطهارة الظهر، وإن لم يكن قد نوى حين تطهره أن يصلي بها الفريضتين، لأن طهارته التي تطهرها لصلاة الظهر رفعت الحدث عنه، وإذا ارتفع حدثه فإنه لا يعود إلا بوجود سببه، وهو أحد نواقض الوضوء المعروفة.
٨٨) وسُئل فضيلة الشيخ: عن صفة الوضوء ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: صفة الوضوء الشرعي على وجهين:
صفة واجبة لا يصح الوضوء إلا بها، وهي المذكورة في قوله تعالى:
(أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (١)
وهي غسل الوجه مرة واحدة ومنه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرافق من أطراف الأصابع إلى المرافق مرة واحدة، ويجب أن يلاحظ المتوضىء كفيه عند غسل ذراعيه فيغسلهما مع الذراعين فإن بعض الناس يغفل عن ذلك ولا يغسل إلا ذراعيه وهو خطأ، ثم يمسح الرأس مرة واحدة ومنه أي من الرأس الأذنان، وغسل الرجلين إلى الكعبين مرة واحدة هذه هي الصفة الواجبة التي لا بد منها.
أما الوجة الثاني من صفة الوضوء، فهي الصفة المستحبة ونسوقها الآن بمعونة الله تعالى وهي: أن يُسمي الإنسان عند وضوئه، ويغسل كفيه ثلاث
стр. 4119
مرات، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات بثلاث غرفات، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، يبدأ باليمنى ثم اليسرى، ثم يمسح رأسه مرة واحدة، يبل يدية ثم يمرهما من مقدم رأسه إلى مؤخرة ثم يعود إلى مقدمه ثم يمسح أذنيه فيدخل سباحتيه في صماخيهما ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً يبدأ باليمنى ثم باليسرى، ثم يقول بعد ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فإنه إذا فعل ذلك، فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، هكذا صح الحديث عن الني ﷺ قاله عمر ﵁.
٨٩) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم غسل الأيدي والوجه بالصابون عند الوضوء ؟
فأجاب بقوله: غسل الأيدي والوجه بالصابون عند الوضوء ليس بمشروع، بل هو من التعنت والتنطع، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " هلك المتنطعون هلك المتنطعون ". قالها ثلاثاً. نعم لو فرض أن في اليدين وسخاً لا يزول إلا بهذا أي باستعمال الصابون أو غيره من المطهرات المنظفات فإنه لا حرج في استعماله حينئذ، وأما إذا كان الأمر عاديّاً فإن استعمال الصابون يعتبر من التنطع والبدعة فلا يفعل.
٩٠) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يسن للمرأة عند مسح رأسها في الوضوء أن تبدأ من مقدم الرأس إلى مؤخره ثم ترجع إلى مقدم الرأس كالرجل في ذلك ؟
فأجاب بقوله: نعم. لأن الأصل في الأحكام الشرعية أن ما ثبت
стр. 4120
في حق الرجال ثبت في حق النساء والعكس بالعكس، ما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلى بدليل، ولا أعلم دليلاً يخصص المرأة في هذا، وعلى هذا فتمسح من مقدم الرأس إلى مؤخره، وإن كان الشعر طويلاً فلن يتأثر بذلك، لأنه ليس المعنى أن تضغط بقوة على الشعر حتى يتبلل أو يصعد إلى قمة الرأس، إنما هو مسح بهدوء.
٩١) سُئل الشيخ: عن حكم مسح المرأة على لفة الرأس ؟
فأجاب بقوله: يجوز أن تمسح المرأة على رأسها سواءً كان ملفوفاً أو نازلاً، ولكن لا تلف شعر رأسها فوق وتبقيه على الهامة لأني أخشى أن يكون داخلاً في قول النبي ﷺ : " ونساء كاسيات عاريات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ".
٩٢) وسئل فضيلة الشيخ: عن فاقد العضو كيف يتوضأ؟ وإذا ركب له عضو صناعي فهل يغسله ؟
فأجاب بقوله - حفظه الله تعالى -: إذا فقد الإنسان عضواً من أعضاء الوضوء، فإنه يسقط عنه فرضه إلى غير تيمم، لأنه فقد محل الفرض فلم يجب عليه، حتى لو ركب له عضو صناعي، فإنه لا يلزمه غسله،ولا يقال إن هذا مثل الخفين يجب عليه مسحهما، لأن الخفين قد لبسهما على عضو موجود يجب غسله، أما هذا فإنه صنع له على غير عضو موجود، لكن أهل العلم يقولون: إنه إذا قُطع من المفصل، فإنه يجب عليه غسل رأس العضو، مثلاً لو قطع من المرفق، وجب عليه غسل رأس العَضُد، ولو قُطعت رجلُه من الكعب، وجب عليه غسل طرف الساق. والله أعلم.
стр. 4121
٩٣) سُئل فضيلة الشيخ: عن الملاحظات التي تلاحظ على الناس في أيام الشتاء في الوضوء ؟
فأجاب بقوله: الملاحظات التي تلاحظ على الناس في أيام الشتاء في الوضوء، أنهم لا يفسرون أكمامهم عند غسل اليدين فسراً كاملاً، وهذا يؤدي إلى أن يتركوا شيئاً من الذراع بلا غسل، وهو محرم، والوضوء معه غير صحيح، فالواجب أن يفسر كمه إلى ما وراء المرفق ويغسل المرفق مع اليد لأنه من فروض الوضوء.
٩٤) وسُئل: عن حكم تنشيف أعضاء الوضوء ؟
فأجاب فضيلته قائلاً: تنشيف الأعضاء لا باس به، لأن الأصل عدم المنع، والأصل في ما عدا العبادات من العقود والأفعال والأعيان الحل والإباحة حتى يقود دليل على المنع.
فإن قال قائل: كيف تجيب عن حديث ميمونة، ﵂، حينما ذكرت أن النبي ﷺ اغتسل، قالت: فأتيته بالمنديل فرده وجعل ينفض الماء بيده؟
فالجواب: أن هذا الفعل من النبي ﷺ قضية عَيْن تحتمل عدة أمور: إما لأنه لسبب في المنديل، أو لعدم نظافته، أو يخشى أن يبله بالماء، وبلله بالماء غير مناسب، فهناك احتمالات ولكن إتيانها بالمنديل قد يكون دليلاً على أن من عادته أن ينشف أعضاءه، وإلا لما أتت به.
стр. 4122
رسالة في كيفية طهارة المريض
قال فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن شيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضله له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بأحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة فيما يجب على المرضى في طهارتهم وصلاتهم (١) . فإن للمريض أحكاماً تخصه في ذلك لما هو عليه من الحال التي التقضت الشريعة الإسلامية مراعاتها فإن الله تعالى بعث نبيه محمداً، ﷺ ، بالحنيفية السمحة المبنية على اليسر والسهولة، قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٢) . وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (٣) وقال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا) (٤) . وقال النبي ﷺ : " أن الدين يسر ". وقال ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". وبناء على هذه القاعدة الأساسية
стр. 4123
خفف الله تعالى عن أهل الأعذار عباداتهم بحسب أعذارهم ليتمكنوا من عبادة الله تعالى بدون حرج ولا مشقة والحمد لله رب العالمين.
" كيف يتطهر المريض"؟
١- يجب على المريض أن يتطهر بالماء فيتوضأ من الحدث الأصغر، ويغتسل من الحدث الأكبر.
٢- فإن كان لا يستطيع الطهارة بالماء لعجزه أو خوف زيادة المرض أو تأخر برئه فإنه يتيمم.
٣- كيفية التيمم: أن يضرب الأرض الطاهرة بيدية ضربة واحده يمسح بهما جميع وجهه، ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض.
٤- فإن لم يستطع أن يتطهر بنفسه فإنه يوضئه أو ييممه شخص آخر فيضرب الشخص الأرض الطاهرة بيدية ويمسح بها وجه المريض وكفيه كما لو كان لا يستطيع أن يتوضأ بنفسه فيوضئه شخص آخر.
٥- إذا كان في بعض أعضاء الطهارة جرح فإنه يغسله بالماء، فإن كان الغسل بالماء يؤثر عليه مسحه مسحاً فيبل يده بالماء ويمرها عليه، فإن كان المسح يؤثر عليه أيضاً فإنه يتيمم عنه.
٦- إذا كان في بعض أعضائه كسر مشدود عليه خرقة أو جبس فإنه يمسح عليه بالماء بدلاً من غسله ولا يحتاج للتيمم لأن المسح بدل عن الغسل.
٧- يجوز أن يتيمم على الجدار، أو على شيء آخر طاهر له غبار، فإن كان الجدار ممسوحاً بشيء من غير جنس الأرض كالبوية فلا يتيمم عليه إلا أن يكون له غبار.
٨- إذا لم يمكن التيمم على الأرض أو الجدار أو شيء آخر له
стр. 4124
غبار فلا بأس أن يوضع تراب في إناء أو منديل يتيمم منه.
٩- إذا تيمم لصلاة وبقي على طهارته إلى وقت الصلاة الأخرى فإنه يصليها بالتيمم الأول، ولا يعيد التيمم للصلاة الثانية، لأنه لم يزل على طهارته، ولم يجد ما يبطلها.
١٠ يجب على المريض أن يُطهِّر بدنه من النجاسات فإن كان لا يستطيع صلى على حاله وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
يجب على المريض أن يصلي بثياب طاهرة فإن تنجست ثيابه وجب غسلها أو إبدالها بثياب طاهرة، فإن لم يمكن صلى على حاله وصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه.
١٢- يجب على المريض أن يصلي على شيء طاهر، فإن تنجس مكانه وجب غسله أو إبداله بشيء طاهر، أو يفرش عليه شيئاً طاهراً، فإن لم يمكن صلى على حاله وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
١٣- لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة، بل يتطهر بقدر ما يمكنه من ثم يُصلي الصلاة في وقتها، ولو كان على بدنه وثوبه أو مكانه نجاسة يعجز عنها.
стр. 4125
باب المسح على الخفين
٩٥) سُئل فضيلة الشيخ: ما المقصود بالخفاف والجوارب؟ ما حكم المسح عليهما ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: المقصود بالخفاف: " ما يلبس على الرجل من جلد ونحوه ". والمقصود بالجوارب: " ما يلبس على الرجل من قطن ونحوه، وهو ما يعرف بالشراب ".
والمسح عليهما هو السنة التي جاءت عن رسول الله ﷺ ، فمن كان لابساً لهما فالمسح عليهما أفضل من خلعهما لغسل الرجل. ودليل ذلك: حديث المغيرة بن شعبة ﵁، أن النبي ﷺ ، توضأ، قال المغيرة: فأهويت لأنزع خفيه فقال: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ". فمسح عليهما.
ومشروعية المسح على الخفين ثابتة في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ أما كتاب الله، ففي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (١) . فإن قوله تعالى (وأرجلكم) ، فيها قراءتان سبعيتان صحيحتان عن رسوله الله ﷺ .
إحداهما (وأرجلَكم) بالنصب عطفاً على قوله (وجوهكم) فتكون الرجلان مغسولتين.
стр. 4126
الثانية: (وأرجلِكم بالجر عطفاً على (رؤوسكم) فتكون الرجلان ممسوحتين. والذي بين أن الرجل تكون ممسوحة أو مغسولة هي السنة فكان الرسول ﷺ ، إذا كانت رجلاه مكشوفتين يغسلهما، وإذا كانتا مستورتين بالخفاف يمسح عليهما.
وأما دلالة السنة على ذلك: فالسنة متواترة في هذا عن رسول الله ﷺ ، قال الإمام ﵀: ليس في قلبي من المسح بشيء فيه أربعون حديثاً عن رسول الله ﷺ ، وأصحابه. ومما يذكر من النظم قول الناظم:
مما تواتر حديثُ من كذب ومن بنى الله بيتاً واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض
فهذا دليل على مسحهما من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
٩٦) وسُئل فضيلته: عن قول ابن عباس ﵄ " ما مسح رسول الله، ﷺ ، بعد المائدة " وقول علي ابن أبي طالب ﵁ " سبق الكتاب الخفين "؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: لا أدري هل يصح ذلك عنهما أو لا، وعلي ﵁ ممن روى أحاديث المسح عن رسول الله ﷺ ، وهذا يدل على أن الحكم ثابت عنده إلى ما بعد رسول الله ﷺ ، وبعد موت الرسول ﷺ لا يمكن النسخ.
٩٧) وسُئل: عن حكم خلع الجوربين عند كل وضوء احتياطاً للطهارة ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا خلاف السنة وفيه تشبه بالروافض
стр. 4127
الذين لا يجيزون المسح على الخفين، والنبي ﷺ ، قال للمغيرة حينما أراد نزع خفيه قال: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ". ومسح عليهما.
٩٨) وسُئل فضيلة الشيخ: عن تقدير الوقت في المسح على الخفين ؟
فأجاب - جزاه الله خيراً - قائلاً: هذه المسألة من أهم المسائل التي يحتاج الناس إلى بيانها، ولهذا سوف نجعل الجواب أوسع من السؤال، إن شاء الله تعالى.
فنقول: إن المسح على الخفين ثابت بدلالة الكتاب والسنة، أما الكتاب فهو من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (١) . بكسر اللام - أرجلِكم - فتكون أرجلكم معطوفة على قوله (برؤوسكم) فتدخل في ضمن الممسوح والقراءة التي يقرؤها الناس في المصاحف (وأرجلَكم) بفتح اللام، فهي معطوفة على قوله: (وجوهكم) . فتكون من ضمن المغسول، وحينئذ فالأرجل بناء على القرائتين إما أن تغسل وإما أن تمسح، وقد بيَّنت السنة متى يكون الغسل ومتى يكون المسح، فيكون الغسل حين تكون القدم مكشوفة، ويكون المسح حين تكون مستورة بالخفِّ ونحوه.
أما السنة، فقد تواترت عن النبي ﷺ ، المسح على الخفين وعدَّه أهل العلم من المتواتر، كما قال من نظم ذلك.
مما تواتر حديثُ من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض
стр. 4128
فمسح الخفين مما تواترت به الأحاديث عن النبي ﷺ ، والمسح على الخفين إذا كان الإنسان قد لبسهما على طهارة أفضل من خلعهما وغسل الرجل، ولهذا لما أراد المغيرة بن شعبة ﵁ أن ينزع خُفَيْ رسول الله ﷺ ، عند وضوئه قال له: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " ثم مسح عليهما. متفق عليه.
وللمسح على الخفين شروط:
الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة كاملة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر، فإن لبسهما على غير طهارة، فإنه لا يصح المسح عليهما.
الشرط الثاني: أن يكون المسح في مدة المسح، كما سيأتي بيان المدة إن شاء الله تعالى.
الشرط الثالث: أن يكون المسح في الطهارة الصغرى، أي في الوضوء، اما إذا صار على الإنسان غسل، فإنه يجب عليه أن يخلع الخفين ليغسل جميع بدنه، ولهذا لا مسح على الخفين في الجنابة، كما في حديث صفوان بن عسال ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ ، يأمرنا إذا كنّا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ". أخرجه النسائي والترمذي وابن خزيمة. هذه الشروط الثلاثة من شروط جواز المسح على الخفين.
أما المدة: فإنها يوم وليلة وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ولا عبرة بعدد الصلوات بل العبرة بالزمن، فالرسول ﵊ وقَّتها يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، واليوم والليلة أربع وعشرون ساعة وثلاثة الأيام بلياليها أثنتان وسبعون ساعة.
لكن متى تبتدئ هذه المدة؟ تبتدئ هذه المدة من أول مرة مسح، وليس من لُبس الخف ولا من الحدث بعد اللبس، لأن الشرع
стр. 4129
جاء بلفظ المسح، والمسح لا يتحقق إلا بوجوده فعلاً،"يمسح المقيم يوماً وليلة ويمسح المسافر ثلاثة أيام " فلا بد من تحقق المسح، وهذا لا يكون إلا بابتداء المسح في أول مرة، فإذا تمت أربع وعشرون ساعة من ابتداء المسح في أول مرة، فإذا تمت أربع وعشرون ساعة من ابتداء المسح، انتهى وقت المسح بالنسبة للمقيم، وإذا تمت اثنتان وسبعون ساعة انتهى المسح بالنسبة للمسافر، ونضرب لذلك مثلاً يتبين به الأمر:
رجل تطهر لصلاة الفجر، ثم لبي الخفين ثم بقي على طهارته حتى صلى الظهر وهو على طهارته، وصلى العصر وهو على طهارته، وبعد صلاة العصر في الساعة الخامسة تطهر لصلاة المغرب ثم مسح، فهذا الرجل له أن يمسح إلى الساعة الخامسة من اليوم الثاني، فإذا قدّر أنه مسح في اليوم الثاني في الساعة الخامسة إلا ربعاً، وبقي على طهارته حتى صلّى المغرب وصلى العشاء، فإنه حينئذٍ يكون صلى في هذه المدة صلاة الظهر أول يوم العصر والمغرب والعشاء، والفجر في اليوم الثاني والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه تسع صلوات صلاّها، وبهذا علمنا أنه لا عبرة بعدد الصلوات كما مفهوم عند كثير من العامة، حيث يقولون: إن المسح خمسة فروض هذا لا أصل له، وإنما الشرع وقَّته بيوم وليلة تبتديء هذه من أول مرة مسح. وفي هذا المثال الذي ذكرنا عرفت كم صلى من صلاة، وبهذا المثال الذي ذكرناه تبين أنه إذا تمت مدة المسح، فإنه لا يمسح بعد هذه المدة ولو مسح بعد تمام المدة، فمسحه باطل، لا يرتفع به الحدث. لكن لو مسح قبل أن تتم المدة ثم استمر على طهارته بعد تمام المدة، فإن وضوءه لا ينتقض، بل يبقى على طهارته حتى يوجد ناقض من نواقض الوضوء، وذلك لأن القول بأن الوضوء ينتقض بتمام المدة، قول لا دليل له، فإن َّ تمام المدة معناه أنه لا مسح بعد تمامها
стр. 4130
وليس معناه أن لا طهارة بعد تمامها، فإذا كان المؤقت هو المسح دون الطهارة، فإنه لا دليل على انتقاضها بتمام المدة، وحينئذ نقول في تقرير دليل ما ذهبنا إليه: هذا الرجل توضأ وضوءاً صحيحاً بمقتضى دليل شرعي صحيح، وإذا كان كذلك فإنه لا يمكن أن نقول بانتقاض هذا الوضوء إلا بدليل شرعي صحيح، ولا دليل على أنه ينتقض بتمام المدة، وحينئذ تبقى طهارتُه حتى يوجد ناقض من نواقض الوضوء التي ثبتت بالكتاب أو السنة أو الإجماع.
أما المسافر فله ثلاثة أيام بلياليها، أي اثنتان وسبعون ساعة، تبتدئ من أول مرة مسح، ولهذا ذكر فقهاء الحنابلة ﵏ أن الرجل لو لبي خُفيه وهو مقيم في بلده، ثم احدث في نفس البلد ثم سافر ولم يمسح إلا بعد أن سافر، قالوا فإنه يُتم مسح مسافر في هذه الحالة، وهذا مما يدل على ضعف القول بأن ابتداء المدة من أول حدث بعد اللبس.
والذي يبطل المسح على الخف: انتهاء المدة، وكذلك أيضاً خلع الخف، إذا خلع الخف بطل المسح لكن الطهارة باقية. ودليل كون خلع الخف يبطل المسح، حديث ُ صفوان بن عسال قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن لا ننزع خفافنا ". فدلَّ هذا على أن النزع يبطل المسح فإذا نزع الإنسان خفه بعد مسحه بطل المسح عليه، بمعنى أنه لا يعيد لبسه فيمسح عليه إلا بعد أن يتوضأ وضوءاً كاملاً يغسل فيه الرجلين.
وأما طهارته إذا خلعه، فإنها باقية، فالطهارة لا تنتقض بخلع الممسوح، وذلك لأن الماسح إذا مسح تمت طهارته بمقتضى الدليل الشرعي، فلا تنتقض هذه الطهارة إلا بمقتضى دليل شرعي، وليس هناك دليل شرعي على أنه إذا خلع الممسوح بطل الوضوء، وإنما الدليل
стр. 4131
على أنه إذا خلع الممسوح بطل المسح، أي لا يُعاد المسح مرة أخرى إلا بعد غسل الرجل في وضوء كامل، وعليه فنقول: إن الأصل بقاء هذه الطهارة الثابتة بمقتضى الدليل الشرعي حتى يوجد الدليل، وإذا لم يكن دليل فإن الوضوء يبقي غير منتقض، وهذا هو القول الراجح عندنا. والله الموفق.
٩٩) وسُئل فضيلته:يشتهر عند العامة أنهم يمسحون على الخفين خمس صلوات فقط فهل عملهم هذا صحيح ؟
فأجاب بقوله: نعم هذا مشهور عند العامة يظنون أن معنى كون المسح يوماً وليلة يعني أنه لا يمسح إلا خمس صلوات وهذا ليس بصحيح بل التوقيت بيوم وليلة يعني أن له أن يمسح يوماً وليلة سواء صلى خمس صلوات أو أكثر، وابتداء المدة كما سبق من المسح، فقد يصلي عشر صلوات أو أكثر ونضرب لذلك مثلاً: رجل لبس الخف لصلاة الفجر يوم الاثنين وبقي على طهارته حتى نام ليلة الثلاثاء، فلما استيقظ الساعة الخامسة (مثلاً) مسح عليهما لصلاة الفجر، فهنا له أن يمسح إلى ما قبل الساعة الخامسة بقليل من فجر الأربعاء، فيكون هنا صلى بالخف يوم الاثنين الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء وكل هذه المدة لا تحسب له لأنها قبل المسح، وصلى يوم الثلاثاء الفجر ومسح، والظهر ومسح، والعصر ومسح، والمغرب ومسح، والعشاء ومسح، وكذلك يمكن أن يمسح لصلاة يوم الأربعاء، إذا مسح قبل أن تنتهي المدة مثل أن يكون قد مسح يوم الثلاثاء لصلاة الفجر في الساعة الخامسة وفي يوم الأربعاء مسح في الساعة الخامسة إلا ربعاً وبقي على طهارته إلى أن صلى العشاء ليلة الخميس، فحينئذٍ يكون صلى بهذا الوضوء صلاة الفجر يوم الأربعاء
стр. 4132
والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيكون صلى خمس عشرة صلاة من حين لبس، لأنه لبسها لصلاة الفجر يوم الأثنين وبقي على طهارته ولم يمسح إلا لصلاة الفجر يوم الثلاثاء الساعة الخامسة ومسح لصلاة الفجر يوم الأربعاء الساعة الخامسة إلا ربعاً وبقي على طهارته حتى صلى العشاء فيكون صلى خمس عشرة صلاة من حين لبس.
١٠٠) وسُئل - حفظه الله تعالى - عن شروط المسح على الخفين ؟
فأجاب قائلاً: يُشترط للمسح على الخفين أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يكون لابساً لهما على طهارة. ودليل ذلك قول النبي ﷺ للمغيرة بن شعبة: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ".
الشرط الثاني: أن تكون الخفان أو الجوارب طاهرة،فإن كانت نجسة فإنه لا يجوز المسح عليها، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ ، صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعلان فخلعهما في أثناء صلاته، وأخبر أن جبريل أخبره بأن فيهما أذى أو قذرا ً، وهذا يدل على أنه لا تجوز الصلاة فيما فيه نجاسة، ولأن النجس إذا مُسح عليه بالماء تلوث الماسح بالنجاسة.
الشرط الثالث: أن يكون مسحهما في الحدث الأصغر لا في الجنابة أو ما يوجب الغسل، ودليل ذلك حديث صفوان بن عسال ﵁ _ قال: " أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم ". فيشترط أن يكون المسح في الحدث الأصغر، ولا يجوز المسح في الحدث الأكبر لهذا الحديث الذي ذكرناه.
الشرط الرابع: أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعاً، وهو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، لحديث علي بن أبي طالب - رضي
стр. 4133
الله عنه - قال: "جعل النبي ﷺ للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن". يعني في المسح على الخفين، أخرجه مسلم. فهذه هي الشروط التي تُشترط للمسح على الخفين، وهناك شروط أخرى ذكرها بعض أهل العلم، وفي بعضها نظر.
١٠١) وسُئل: هل يُشترط لجواز المسح على الخفين أن ينوي المسح عليهما وكذلك نية المدة ؟
فأجاب قائلاً: النية هنا غير واجبة لأن هذا عمل عُلّق الحكم على مجرد وجوده، فلا يحتاج إلى نية، كما لو لبس الثوب فإنه لا يشترط أن ينوي به ستر عورته في صلاته مثلاً، فلا يُشترط في لبس الخفين أن ينوي أنه سيمسح عليهما، ولا كذلك نية المدة، بل إن كان مسافراً فله ثلاثة أيام نواها أم لم ينوها، وإن كان مقيماً فله يوم وليلة نواها أم لم ينوها.
١٠٢) وسُئل فضيلة الشيخ: ما حكم المسح على الشراب الذي فيه صورة حيوان ؟
فأجاب بقوله: لا يجوز المسح عليه، لأن المسح على الخفين رخصة فلا تُباح بالمعصية، لأن القول بجواز المسح على ما كان محرماً مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس المحرم، والمحرم يجب إنكاره، ولا يقال هذا من باب ما يُمتهن فيجوز، لأن هذا من باب اللباس ولبس ما فيه صورة حرام بكل حال، فلو كان على الشراب مثلاً صورة أسد فإنه لا يجوز المسح عليهما.
١٠٣) وسُئل: عما اشترطه بعض العلماء من كون الجورب والخف ساترين لمحل الفرض ؟
فأجاب بقوله: هذا الشرط ليس بصحيح، لأنه لا دليل عليه،
стр. 4134
فإن اسم الخف أو الجورب ما دام باقياً فإنه يجوز المسح عليه، لأن السنة جاءت بالمسح على الخف على وجه مطلق، وما أطلقه الشارع فإنه ليس لأحد أن يقيده إلا إذا كان لديه نص من الشارع أو إجماع أو قياس صحيح، وبناء على ذلك فإنه يجوز المسح على الخف المخرق ويجوز المسح على الخف الخفيف، لأن كثيراً من الصحابة كانوا فقراء، وغالب الفقراء لا تخلوا خِفافهم من خروق، فإذا كان هذا غالباً أو كثيراً في قوم في عهد الرسول ﷺ ، ولم يُنبّه عليه الرسول ﷺ ، دلّ ذلك على أنه ليس بشرط، ولأنه ليس المقصود من الخف ستر البشرة، وإنما المقصود من الخف أن يكون مدفئاً للرجل، ونافعاً لها، وإنما أجيز المسح على الخف، لأن نزعه يشق، وهذا لا فرق فيه بين الجورب الخفيف والجورب الثقيل، ولا بين الجورب المخرق والجورب السليم، والمهم أنه ما دام اسم الخف باقياً، فإن المسح عليه جائز لما سبق من الدليل.
١٠٤) سُئل الشيخ - حفظه الله تعالى - عما ذهب إليه بعض العلماء من جواز المسح على كل ما لبس على الرجل ؟
فأجاب بقوله: هذا القول الذي أشار إليه السائل، وهو جواز المسح على كل ما لُبس على الرِّجل هو القول الصحيح، وذلك أن النصوص الواردة في المسح على الخفين كانت مطلقة غير مقيدة بشروط، وما ورد عن الشارع مطلقاً فإنه لا يجوز إلحاق شروط به، لأن إلحاق الشروط به تضييق لما وسعه ورسوله. والأصل بقاء المطلق على إطلاقه، والعام على عمومه، حتى يرد دليل على التقييد أو التخصيص. وقد حكى بعضُ أصحاب الشافعي عن عمر وعلي بن أبي طالب ﵄ جواز المسح على الجورب الرقيق، وهذا يعضُد القول بجواز المسح على الجوارب الخفيفة الرقيقة وعلى الجوارب المخرقة،
стр. 4135
وكذلك على القول الراجح المسح على اللفافة، بل إن جواز المسح على اللفافة أولى لمشقة حلها ولفها، وهذا هو الي يتمشى مع قوله حين ذكر آية الطهارة في الوضوء والغسل والتيمم، قال: ? مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ? (١) .
١٠٥) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم المسح على الجورب المخرق والخفيف ؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: القول الراجح أنه يجوز المسح على الجورب المخرق والجورب الخفيف الذي تُرى من ورائه البشرة، لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه ان يكون ساتراً، فإن الرِّجل ليست عورة يجب سترها، وإنما المقصود الرخصة على المُكلَّف والتسهيل عليه، بحيث لا نُلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء، بل نقول: يكفيك أن تمسح عليه، هذه هي العلة التي من أجلها شُرع المسح على الخفين، وهذه العلة - كما ترى - يستوي فيها الخف أو الجورب المخرق والسليم والخفيف والثقيل.
١٠٦) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يشترط لجواز المسح على الخف أن يثبت بنفسه أو لا ؟
فأجاب بقوله: الصحيح أنه لا يُشترط ذلك، وذلك أن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة، فما دام يمكن أن ينتفع بهذا، ويمشي به، فما المانع؟ فقد يكون الإنسان ليس عنده إلا هذا الخف، أو