← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

على نفسه، وأنت لم تجتمع به في بيتك حتى تقول: إن هذا إكرام له، ولم تجتمع في بيته أيضاً حتى تقول: إن هذه إجابة دعوة له، وإنما اجتمعت به في مكان عام له ولغيره، ولكنني أحثك على أن تواصل نصيحته فلعل الله أن يهديه فتكون سبباً في هدايته، وقد قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: " لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " (١) . - ٧٧) وسئل فضيلة الشيخ: عن واجب الأسرة نحو الأبناء تاركي الصلاة ؟ فأجاب بقوله: إذا كان عندهم أولاد لا يصلون، فالواجب عليهم أن يلزموهم بالصلاة؛ إما بالقول والأمر، وإما بالضرب لقوله ﷺ : "واضربوهم عليها لعشر " (٢) . فإن لم يفد معهم الضرب فإنه يرفع بهم إلى الجهات المسئولة في الدولة - وفقها الله - من أجل إلزامهم بأدائها، ولا يحل السكوت عنهم، فإن ذلك من باب الإقرار على المنكر؛ لأن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، فتارك الصلاة كافر مخلد في النار، فلا يجوز إذا مات على ذلك أن يغسل، أو يصلى عليه، أو يدفن في مقابر المسلمين. نسأل الله السلامة. -

стр. 4412

رسالة في حكم تارك الصلاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن كثيراً من المسلمين اليوم تهاونوا بالصلاة وأضاعوها حتى تركها بعضهم تركاً مطلقاً تهاوناً، ولنا كانت هذه المسألة من المسائل العظيمة الكبرى التي أبتلي بها الناس اليوم واختلف فيها علماء الأمة وأئمتها قديماً وحديثاً أحببت أن أكتب فيها ما تيسر. ويتلخص في تحرير ثلاث مقامات: المقام الأول: في حكم تارك الصلاة. المقام الثاني: في حكم تزويجه بمسلمة. المقام الثالث: في حكم أولاده منها. فأما المقام الأول: فإن هذه المسألة من مسائل العلم الكبرى وقد تنازع فيها أهل العلم سلفاً وخلفاً فقال الإمام أحمد بن حنبل: تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة يقتل إذا لم يتب ويصلِ. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: فاسق ولا يكفر، ثم اختلفوا فقال مالك والشافعي يقتل حداً. وقال أبو حنيفة: يعزر ولا يقتل.

стр. 4413

وإذا كانت هذه المسألة من مسائل النزاع فالواجب ردها إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ لقوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (١) . وقوله (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (٢) . ولأن كل واحد من المختلفين لا يكون قوله حجة على الآخر؛ لأن كل واحد يرى أن الصواب معه، وليس أحدهما أولى بالقبول من الآخر، فوجب الرجوع في ذلك إلى حكم بينهما وهو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . وإذا رددنا هذا النزاع إلى الكتاب والسنة وجدنا أن الكتاب والسنة كلاهما يدل على كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر المخرج عن الملة. أما الكتاب: فقوله تعالى في سورة التوبة: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (٣) . وقوله في سورة مريم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (٤) . فوجه الدلالة من الآية الثانية آية سورة مريم أن الله قال في المضيعين للصلاة المتبعين للشهوات (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَن) َ. فدل على أنهم حين إضاعتهم للصلاة واتباع الشهوات غير مؤمنين. ووجه الدلالة من الآية الأولى أية سورة التوبة أن الله تعالى اشترط

стр. 4414

لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين ثلاثة شروط: أن يتوبوا من الشرك وأن يقيموا الصلاة، وأن يؤتوا الزكاة، فإن تابوا من الشرك ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا بإخوة لنا، وإن أقاموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا بإخوة لنا، والأخوة في الدين لا تنتفي إلا حيث يخرج المرء من الدين بالكلية فلا تنتفي بالفسوق والكفر دون الكفر. ألا ترى إلى قوله تعالى في آية القصاص من القتل: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (١) . فجعل الله القاتل عمداً أخاً للمقتول، مع أن القتل عمداً من أكبر الكبائر لقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (٢) . ثم ألا ترى إلى قوله تعالى في الطائفتين من المؤمنين إذا اقتتلوا: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) إلى قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم ْ) (٣) . فأثبت الله تعالى الأخوة بين الطائفة المصلحة والطائفتين المقتتلتين مع أن قتال المؤمن من الكفر كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن بن مسعود – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (٤) . لكنه كفر لا يخرج من الملة إذ لو كان مخرجاً من الملة ما بقيت الأخوة الإيمانية معه، والآية الكريمة قد دلت على بقاء الأخوة

стр. 4415

الإيمانية مع الاقتتال. وبهذا علم أن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة إذ لو كان فسقاً أو كفراً دون كفر ما انتفت الأخوة الدينية به كما لم تنتف بقتل المؤمن وقتاله. فإن قال قائل: هل ترون كفر تارك إيتاء الزكاة كما دل عليه مفهوم آية التوبة؟ قلنا: كفر تارك إيتاء الزكاة قال به بعض أهل العلم وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – ولكن الراجح عندنا أنه لا يكفر، لكنه يعاقب بعقوبة عظيمة ذكرها الله تعالى في كتابه، وذكرها النبي ﷺ في سنته، ومنها ما في حديث أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ ذكر عقوبة مانع الزكاة وفي آخره: " ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " (١) ، وقد رواه مسلم بطوله في باب إثم مانع الزكاة وهو دليل على أنه لا يكفر إذ لو كان كافراً ما كان له سبيل إلى الجنة، فيكون منطوق هذا الحديث مقدماً على مفهوم آية التوبة لأن المنطوق مقدم على المفهوم كما هو معلوم في أصول الفقه. وأما دلالة السنة على كفر تارك الصلاة فقوله ﷺ : " إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (٢) . رواه مسلم في كتاب الإيمان عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ . وعن بريدة بن الحصيب – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 4416

يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (١) . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. والمراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة؛ لأن النبي ﷺ جعل الصلاة فصلاً بين المؤمنين والكافرين، ومن المعلوم أن ملة الكفر غير ملة الإسلام فمن لم يأت بهذا العهد فهو من الكافرين. وفي صحيح مسلم عن أم سلمة – ﵂ – أن النبي ﷺ قال: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف بريء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع ". قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا ما أقاموا فيكم الصلاة " (٢) . وفيه من حديث عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار ائمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ". قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: " لا ما أقاموا فيكم الصلاة " (٣) . ففي هذين الحديثين دليل على منابذة الولاة وقتالهم بالسيف إذا لم يقيموا الصلاة، ولا تجوز منازعة الولاة وقتالهم إلا إذا أتوا كفراً صريحاً عندنا فيه برهان من الله تعالى لقول عبادة بن الصامت – ﵁: دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا،

стр. 4417

وأن لا ننازع الأمر أهله. قال: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان " (١) . وعلى هذا فيكون تركهم للصلاة الذي علق عليه النبي ﷺ منابذتهم وقتالهم بالسيف كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان. ولم يرد في الكتاب والسنة أن تارك الصلاة ليس بكافر، أو أنه مؤمن، وغاية ما ورد في ذلك نصوص تدل على فضل التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وثواب ذلك، وهي إما مقيدة بقيود في نفس النص يمتنع معها أن يترك الصلاة، وإما واردة في أحوال معينة يعذر الإنسان فيها بترك الصلاة، وإما عامة فتحمل على أدلة كفر تارك الصلاة؛ لأن أدلة كفر تارك الصلاة خاصة والخاص مقدم على العام. فإن قال قائل: ألا يجوز أن تحمل النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة على من تركها جاحداً لوجوبها؟ قلنا: لا يجوز ذلك لأن فيه محذورين: الأول: إلغاء الوصف الذي اعتبره الشارع وعلق الحكم به، فإن الشارع علق الحكم بالكفر على الترك دون الجحود، ورتب الأخوة في الدين على إقام الصلاة دون الإقرار بوجوبها لم يقل الله تعالى: (فإن تابوا وأقروا بوجوب الصلاة) ولم يقل النبي ﷺ (بين الرجل وبين الشرك والكفر جحد وجوب الصلاة) . (أو العهد الذي بيننا وبينهم الإقرار بوجوب الصلاة فمن جحد وجوبها فقد كفر) . ولو كان هذا مراد الله تعالى ورسوله لكان العدول عنه خلاف البيان الذي جاء به القرآن قال الله تعالى: (ِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء) (٢) . وقال تعالى

стр. 4418

مخاطباً نبيه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (١) . المحذور الثاني: اعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطاً للحكم فإن جحود وجوب الصلوات الخمس موجب لكفر من لا يعذر بجهله فيه سواء صلى أم ترك، فلو صلى شخص الصلوات الخمس وأتى بكل ما يعتبر لها من شروط وأركان وواجبات ومستحبات لكنه جاحد لوجوبها بدون عذر له فيه لكان كافراً مع أنه لم يتركها. فتبين بذلك أن حمل النصوص على من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها غير صحيح، وأن الحق أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة كما جاء ذلك صريحاً فيما رواه بن أبي حاتم في سننه عن عبادة بن الصامت – ﵁ – قال أوصانا رسول الله ﷺ : " لا تشركوا بالله شيئاً ولا تتركوا الصلاة عمداً فمن تركها عمداً متعمداً فقد خرج من الملة " (٢) . وكما أن هذا مقتضى الدليل السمعي الأثري فهو مقتضى الدليل العقلي النظري فكيف يكون عند الشخص إيمان مع تركه للصلاة التي هي عمود الدين وجاء من الترغيب في فعلها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يحذر من تركها وإضاعتها؟! فتركها مع قيام هذا المقتضى لا يبقى إيماناً مع التارك. فإن قال قائل: ألا يحتمل أن يراد بالكفر في تارك الصلاة كفر النعمة لا كفر الملة؟ أو أن المراد به كفر دون الكفر الأكبر؟ فيكون كقوله ﷺ :" اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في النسب، والنياحة على

стр. 4419

الميت " (١) . وقوله: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (٢) . ونحو ذلك. قلنا: هذا الاحتمال والتنظير له لا يصح لوجوه: الأول: أن النبي ﷺ جعل الصلاة حداً فاصلاً بين الكفر والإيمان، وبين المؤمنين والكفار، والحد يميز المحدود ويخرجه عن غيره، فالمحدودان متغايران لا يدخل أحدهما في الآخر. الثاني: أن الصلاة ركن من أركان الإسلام فوصف تاركها بالكفر يقتضي أنه الكفر المخرج من الإسلام؛ لأنه هدم ركناً من أركان الإسلام بخلاف إطلاق الكفر على من فعل فعلاً من أفعال الكفر. الثالث: أن هناك نصوصاً أخرى دلت على كفر تارك الصلاة كفراً مخرجاً عن الملة فيجب حمل الكفر على ما دلت عليه لتتلاءم النصوص وتتفق. الرابع: أن التعبير بالكفر مختلف ففي ترك الصلاة قال: " بين الرجل وبين الشرك والكفر " فعبر ب (ال) الدالة على أن المراد بالكفر حقيقة الكفر بخلاف كلمة – كفر – منكراً، أو كلمة – كفر – بلفظ الفعل فإنه دال على أن هذا من الكفر أو أنه كفر في هذه الفعلة، وليس هو الكفر المطلق المخرج عن الإسلام. قال شيخ الإسلام بن تيمية في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ص٧٠ ط السنة المحمدية على قوله ﷺ :" اثنتان في الناس هما بهم

стр. 4420

كفر " (١) . قال: فقوله: " هما بهم كفر " أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس، فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافراً الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمناً حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته، وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله ﷺ : " ليس بين العبد وبين الكفر والشرك إلا ترك الصلاة " (٢) . وبين كفر منكر في الإثبات اهـ كلامه. فإذا تبين أن تارك الصلاة بلا عذر كافر كفراً مخرجاً عن الملة بمقتضى هذه الأدلة كان الصواب فيما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل وهو أحد قولي الشافعي ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) (٣) . وذكر بن القيم في كتاب الصلاة أنه أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأن الطحاوي نقله عن الشافعي نفسه. وعلى هذا القول جمهور الصحابة بل حكى غير واحد إجماعهم عليه، قال عبد الله بن شقيق: " كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (٤) ، رواه الترمذي والخمسة وصححه على شرطهما. وقال إسحاق بن راهويه الإمام المعروف " صح عن

стр. 4421

النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر "، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يخرج وقتها كافر، وذكر بن حزم أنه قد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة قال: " ولا نعلم لهؤلاء مخالفاً من الصحابة " نقله عنه المنذري في الترغيب والترهيب وزاد من الصحابة: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبا الدرداء – ﵃ – قال: ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وابو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وغيرهم اهـ. فإن قال قائل: ما الجواب عن الأدلة التي استدل بها من لا يرى كفر تارك الصلاة؟ قلنا: الجواب أن هذه الأدلة لم يأت فيها أن تارك الصلاة لا يكفر، أو أنه مؤمن، أو أنه لا يدخل النار، أو أنه في الجنة ونحو ذلك، ومن تأملها وجدها لا تخرج عن أربعة أقسام كلها لا تعارض أدلة القائلين بأنه كافر. القسم الأول: ما لا دليل فيه أصلاً للمسألة مثل استدلال بعضهم بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (١) . فإن معنى قوله (مَا دُونَ ذَلِكَ) ما هو أقل من ذلك، وليس معناه ما سوى ذلك بدليل أن من كذب بما أخبر الله به ورسوله فهو كافر كفراً لا يغفر وليس ذنبه من الشرك ولو سلمنا أن معنى (مَا دُونَ ذَلِكَ)

стр. 4422

ما سوى ذلك لكان هذا من باب العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر بما سوى الشرك، والكفر المخرج عن الملة من الذنب الذي لا يغفر وإن لم يكن شركاً. القسم الثاني: عام مخصوص بالأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة مثل قوله ﷺ في حديث معاذ بن جبل: " ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار " (١) . وهذا أحد ألفاظه وورد نحوه من حديث أبي هريرة، وعبادة بن الصامت، وعتبان بن مالك – ﵃. القسم الثالث: عام مقيد بما لا يمكن معه ترك الصلاة مثل قوله ﷺ في حديث عتبان بن مالك: " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " (٢) . كما رواه البخاري. وقوله ﷺ في حديث معاذ: " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار " (٣) . كما رواه البخاري، فتقييد الإتيان بالشهادتين بإخلاص القصد وصدق القلب يمنع من ترك الصلاة، إذ ما من شخص يصدق في ذلك ويخلص إلا حمله صدقه وإخلاصه على فعل الصلاة ولابد، فإن الصلاة عمود الإسلام، وهي الصلة بين العبد وربه، فإذا كان صادقاً في ابتغاء وجه الله فلابد أن يفعل ما يوصله إلى ذلك، ويتجنب ما يحول بينه وبينه، وكذلك من شهد أن لا إله إلا الله،

стр. 4423

وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه فلابد أن يحمله ذلك الصدق على أداء الصلاة مخلصاً بها لله تعالى، متبعاً فيها رسول الله ﷺ ؛ لأن ذلك من مستلزمات تلك الشهادة الصادقة. القسم الرابع: ما ورد مقيداً بحال يعذر فيها بترك الصلاة كالحديث الذي رواه ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ". الحديث، وفيه: " وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها " فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: " يا صلة تنجيهم من النار " ثلاثاً (١) . فإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام، لأنهم لا يدرون عنها فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه، وحالهم تشبه حال من ماتوا قبل فرض الشرائع، أو قبل أن يتمكنوا من فعلها كمن مات عقب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع، أو أسلم في دار الكفر قبل أن يتمكن من العلم بالشرائع. والحاصل أن ما استدل به من لا يرى كفر تارك الصلاة لا يقاوم كفر ما استدل به من يرى كفره؛ لأن ما استدل به أولئك إما أن لا يكون فيه دلالة أصلاً، وإما أن يكون مقيداً بوصف لا يتأتى معه ترك الصلاة، أو مقيداً بحال يعذر فيها بترك الصلاة، أو عاماً مخصوصاً بأدلة تكفيره. ...

стр. 4424

فإذا تبين كفره بالدليل السالم عن المعارض المقاوم وجب أن تترتب أحكام الكفر عليه، ضرورة أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً وبهذا يتبين: المقام الثاني: وهو أن تارك الصلاة لا يحل أن يعقد له على امرأة مسلمة؛ لأنه كافر والكافر لا تحل له المرأة المسلمة بالنص والإجماع قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارلا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (١) . وقال في المغني ٥٩٢/٦: " وسائر الكفار غير أهل الكتاب لا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم " قال: " والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت؛ لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين الذي إنتقلت إليه في إقرارها عليه ففي حلها أولى"، وقال في باب المرتد: " وإن تزوج لم يصح تزوجه لأنه لا يقر على النكاح، وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة ". وفي مجمع الأنهر للحنفية آخر باب نكاح الكافر ص٣٠٢/ج١: " ولايصح تزوج المرتد ولا المرتدة أحداً لإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ". فأنت ترى أنه صرح بتحريم نكاح المرتدة، وأن نكاح المرتد غير صحيح فماذا يكون لو حصلت الردة بعد العقد؟ قال في المغني ٢٩٨/٦: " إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، ولم يرث أحدهما الآخر، وإن كانت ردته بعد الدخول ففيه روايتان: إحداهما تتعجل الفرقة، والثاني: تقف على انقضاء العدة "، وفي ص٦٣٩ منه أن انفساخ النكاح بالردة قبل الدخول قول عامة أهل العلم واستدل له،

стр. 4425

وأن انفساخه في الحال إذا كان بعد الدخول قول مالك وأبي حنيفة، وتوقفه على انقضاء العدة قول الشافعي، وهذا يقتضي أن الأئمة الأربعة متفقون على انفساخ النكاح بردة أحد الزوجين، لكن إن كانت الردة قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، وإن كانت بعد الدخول فمذهب مالك وأبي حنيفة الانفساخ في الحال، ومذهب الشافعي الانتظار إلى انقضاء العدة، وعن أحمد روايتان كالمذهبين وفي ص٦٤٠ منه: " وإن ارتد الزوجان معاً فحكمهما حكم ما لو ارتد أحدهما إن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة، وإن كان بعده فهل تتعجل أو تقف على انقضاء العدة؟ على روايتين، وهذا مذهب الشافعي، ثم نقل عن أبي حنيفة أن النكاح لا ينفسخ استحساناً لأنه لم يختلف بهما الدين فأشبه ما لو أسلما، ثم نقض قياساً طرداً وعكساً. وإذا تبين أن نكاح المرتد لا يصح من مسلم سواء كان أنثى أم رجلاً وأن هذا مقتضى دلالة الكتاب والسنة، وتبين أن تارك الصلاة كافر بمقتضى دلالة الكتاب، والسنة، وقول عامة الصحابة تبين أن الرجل إذا كان لا يصلي وتزوج امرأة مسلمة فإن زواجه غير صحيح، ولا تحل له المرأة بهذا العقد، وأنه إذا تاب إلى الله تعالى ورجع إلى الإسلام وجب عليه تجديد العقد. وهذا بخلاف أنكحة الكفار حال كفرهم مثل أن يتزوج كافر بكافرة ثم تسلم الزوجة فهذا إن كان إسلامها قبل الدخول إنفسخ النكاح، وإن كان إسلامها بعده لم ينفسخ النكاح ولكن ينتظر فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته، وإن انقضت العدة قبل إسلامه فلا حق له فيها لأنه تبين أن النكاح قد انفسخ منذ أن أسلمت.

стр. 4426

وقد كان الكفار في عهد النبي ﷺ يسلمون مع زوجاتهم ويقرهم النبي ﷺ على أنكحتهم إلا أن يكون سبب التحريم قائماً مثل أن يكون الزوجان مجوسيين وبينهما رحم محرم فإذا أسلما حينئذ فرق بينهما لقيام سبب التحريم.وهذه المسألة ليست كمسألة المسلم الذي كفر بترك الصلاة ثم تزوج مسلمة، فإن المسلمة لا تحل للكافر بالنص والإجماع كما سبق ولو كان الكافر أصلياً غير مرتد، ولهذا لو تزوج كافر مسلمة فالنكاح باطل ويجب التفريق بينهما فلو أسلم وأراد أن يتزوجها لم يكن له ذلك إلا بعقد جديد. المقام الثالث: في حكم أولاد تارك الصلاة من مسلمة تزوج بها فأما بالنسبة للأم فهم أولاد لها بكل حال، وأما بالنسبة للمتزوج فعلى قول من لا يرى كفر تارك الصلاة فهم أولاد يلحقون به بكل حال؛ لأن نكاحه صحيح، وأما على قول من يرى كفر تارك الصلاة وهو الصواب على ما سبق تحقيقه في – المقام الأول – فإننا ننظر: فإن كان الزوج لا يعلم أن نكاحه باطل، أو لا يعتقد ذلك فالأولاد أولاده يلحقون به؛ لأن وطئه في هذه الحال مباح في اعتقاده فيكون وطء شبهة، ووطء الشبهة يلحق به النسب. وإن كان الزوج يعلم أن نكاحه باطل ويعتقده فإن أولاده لا يلحقون به؛ لأنهم خلقوا من ماء من يرى أن جماعه محرم لوقوعه في امرأة لا تحل له. هذا هو تحرير القول في هذه المسألة العظيمة التي ابتلي بها كثير من الناس اليوم.

стр. 4427

والله نسأل أن يهيىء لنا من أمرنا رشدا، وأن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تم تحريره في الثالث عشر من شهر رجب سنة ١٤٠٥ هـ بقلم محمد الصالح العثيمين. -

стр. 4428

فصل (١) قال فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: الركن الثاني من أركان الإسلام إقام الصلاة وينبغي أيها المسلمون أن تعلموا أن الصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأن الله تعالى اعتنى بها اعتناءً عظيماً لم يعتن بأي ركن من أركان الإسلام العملية اعتناءه بها، حتى إنه ﵎ فرضها على رسول الله ﷺ دون واسطة، كلمه بها وبفرضيتها بدون واسطة، لم يرسل بها جبريل إلى محمد ﷺ ولكنه فرضها عليه منه تعالى إليه ﷺ وفرضها في أعظم ليلة كانت لرسول الله ﷺ وهي ليلة المعراج التي هي أعظم ليلة كانت للنبي ﷺ ، وفرضها أيضاًَ في أعلى مكان وصل إليه بشر، فرضها على الرسول ﷺ وهو في السماء السابعة، يكلمه من فوق العرش يفرض عليه الصلاة. إذاً هذه الصلاة متأكدة من حيث مكان فرضيتها، وزمان فرضيتها، وكيفية وحي الله بها إلى رسوله ﷺ ، ثم إنها مؤكدة بأن الله فرضها على رسوله ﷺ خمسين صلاة في اليوم والليلة، وهذا دليل على محبة الله لها، وأنها جديرة بأن يفني الإنسان معظم وقته فيها؛ لأن خمسين صلاة في اليوم والليلة تستوعب منا وقتاً كبيراً، وهذا دليل على أنها من أهم العبادات بل هي أهم العبادات بعد الشهادتين.

стр. 4429

أيها الاخوة المسلمون: هذه الصلاة العظيمة التي فيها هذا الفضل والقدر وفيها هذه العناية من ربنا جل ذكره أضاعها كثير من المسلمين اليوم فصدق عليهم قول الله : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (١) . أضاعوها فلم يقوموا بواجبها، ولم يربوا أولادهم وأهلهم عليها، مع أن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (٢) . ومع أن الرسول ﷺ قال: " مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر " (٣) . ترى الواحد يخرج من بيته للمسجد وأولاده يلعبون في السوق لا يأمرهم بالصلاة وهم لسبع، ولا يضربهم عليها إذا بلغوا عشراً مع أهميتها وعظمها، حتى إن الصلاة لا تسقط عن الإنسان أبداً ما دام عاقلاً تجب عليه إذا كان قادراً أن يقيمها بأركانها وشروطها وواجباتها، وبما قدر عليه منها إن عجز حتى إنها لا تسقط عن المريض ما دام عقله ثابتاً. أيها الاخوة المسلمون: يقول الرسول ﷺ : " وتقيم الصلاة " (٤) ، ولم يقل (وتصلي) وفرق بين قوله " تقيم الصلاة " وبين قوله: (وتصلي) لأنه لابد من إقامة الصلاة بأن يكون الإنسان مقيماً لها إقامة كاملة يأتي بها بشروطها وأركانها وواجباتها غير ناقص منها شيئاً، ونحن نتكلم هنا عن أوقات الصلاة فنقول: إن أوقات الصلاة مذكورة في كتاب الله

стр. 4430

مجملة، وفي سنة الرسول ﷺ مفصلة، أما إجمالها في القرآن ففي آيتين من كتاب الله يقول الله : (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ *وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ) (١) .ويقول : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (٢) يقول الله : (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) ، دلوك الشمس هو زوال الشمس (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) ، غسق الليل منتهى ظلمته وغاية ظلمته وذلك منتصف الليل، وعلى هذا فالصلاة من انتصاف النهار إلى انتصاف الليل كلها أوقات ممتدة يلي بعضها بعضاً لا يفصل بينها بشيء، ولذلك كان وقت صلاة الظهر كما جاء مبيناً مفصلاً في سنة رسول الله ﷺ من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، بإسقاط فيء الزوال، وصلاة العصر من أن يصيرظل كل شيء مثله إلى أن تصفر الشمس، والضرورة إلى غروبها، وصلاة المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، وصلاة العشاء من مغيب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل، ثم ينقطع وقت صلاة الفريضة، وما بين نصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتاً لصلاة مفروضة، وما ذهب إليه كثير من الفقهاء من أن وقت العشاء يمتد إلى الفجر لا دليل عليه من القرآن ولا من السنة، فالقول الصواب أن وقت العشاء ينتهي بمنتصف الليل، وأن ما بعد منتصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتاً لصلاة مفروضة، وإنما هو وقت لصلاة الليل، ثم بعد ذلك يدخل وقت صلاة الفجر ويبدأ من طلوع الفجر إلى شروق

стр. 4431

الشمس ولهذا فصل الله بينه وبين ما قبله فقال: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (١) . ففصل قراءت الفجر عن ما قبله، وذلك لأن بينه وبين العشاء وقت – من منتصف الليل إلى طلوع الفجر – وبينه وبين الظهر وقت – من طلوع الشمس إلى زوالها – هذه الأوقات الخمسة، لا يجوز لأحد أن يصلي الصلاة قبل وقتها، ومن صلى الصلاة قبل وقتها فلا صلاة له، فإذا علم أنه صلاها قبل الوقت فإن الواجب أن يعيدها عند حضور وقتها. ومثال ذلك: صليت الفجر قبل وقته وظننت أنه دخل وقته ثم تبين لك أن وقت الفجر لم يطلع فالواجب أن تعيد الصلاة في وقتها؛ لأن من صلى الصلاة قبل وقتها صارت نافلة لا تسقط بها الفريضة، إذا كان جاهلاً، أما إذا كان متعمداً فإنه آثم ولا تسقط بها الفريضة ولا يثبت بها أجر النافلة، كذلك أيضاً من أخر الصلاة عن وقتها حتى خرج وقتها فإنه لا صلاة له ولا تقبل منه إلا إذا كان معذوراً، ولهذا قال النبي ﵊: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة له إلا ذلك " (٢) . هذا في حق المعذور، أما الإنسان المتهاون الذي تهاون حتى خرج وقت الصلاة فإنه وإن صلاها لا تقبل منه الصلاة أبداً؛ لأنه أخرجها عن وقتها المحدد فيكون قد عملها على غير الوجه الذي أمر الله به ورسوله. وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٣) . إلا أنه يجوز للإنسان المعذور أن يجمع بين الصلاتين فيجمع بين صلاة الظهر وصلاة العصر جمع تقديم أو تأخير حسب ما هو أيسر له إذا

стр. 4432

كان معذوراً، وكذلك يجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير إذا كان معذوراً، والأفضل له أن يفعل ما هو أيسر. فإذا كان الأيسر عليه جمع التقديم فإنه يجمع جمع تقديم، وإذا كان أيسر جمع جمع تأخير، ونضرب لذلك مثلاً: رجل مريض يشق عليه أن يتوضأ لكل صلاة فنقول له: لا بأس أن تجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم أو تأخير، ولا بأس أن تجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير، وكان رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس وهو في مكان صلى الظهر والعصر ثم ارتحل، وإذا كان مرتحلاً قبل زوال الشمس فإنه يؤخر الظهر ويصليها مع العصر (١) . وها هنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي: أن بعض الناس يظنون أنه إذا جاز الجمع للمريض أو المسافر فإنه لابد أن يجمع بين الصلاتين في وسطهما أي في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر وهذا ليس بشيء وليس بصحيح، بل أن الإنسان إذا جاز له أن يجمع بين الصلاتين فإنه إن شاء جمع في وقت الأولى، أو في أول وقت الثانية، أو في أخر وقت الثانية، أو في ما بينهما، والمهم أنه إذا جاز الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً، ومن المعلوم أن الجمع إنما يجوز بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، وأنه لا يمكن أن يجمع الإنسان بين الصلوات الأربع الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء جميعاً. ومما يتعلق بالوقت وأحكامه: أن المرأة إذا طهرت في آخر

стр. 4433

الوقت فإنه يجب عليها أن تصلي هذا الوقت الذي طهرت فيه مثال ذلك: امرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس فإنه يجب عليها أن تصلي صلاة العصر، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه إذا طهرت قبل غروب الشمس وجب عليها صلاة العصر وصلاة الظهر أيضاً فإذا فعلت ذلك وصلت الظهر قبل العصر فإن ذلك خير، وإن لم تفعل واقتصرت على صلاة العصر فلا حرج عليها في ذلك لأنها لم تدرك إلا وقت العصر. ولو أن امرأة أتاها الحيض بعد دخول الوقت فإنه يجب عليها أيضاً أن تقضي ذلك الفرض الذي دخل وقته عليها وهي طاهرة. مثال آخر: امرأة حاضت بعد غروب الشمس بدقيقة واحدة قيل يجب عليها إذا طهرت أن تصلي صلاة المغرب؛ لأنها أدركت وقتها ولكن الصواب أنه لا تجب عليها الصلاة إلا إذا أدركت من وقتها مقدار ركعة، وأنها إذا أدركت أقل من ركعة لم تجب عليها، لأن النبي ﵊ قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (١) . فعلى هذا إذا حاضت المرأة بعد غروب الشمس بنحو دقيقة فإنه لا يجب عليها صلاة المغرب لأنها لم تدرك من وقتها مقدار ركعة. ومن شروط الصلاة: استقبال القبلة لأن الله تعالى قال للرسول ﵊: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه) (٢) . فالواجب في استقبال القبلة إذا كان الإنسان هنا في

стр. 4434

المسجد الحرام، أو في مكان يشرف على الكعبة الواجب عليه أن يستقبل نفس بناية الكعبة بجميع بدنه، وهنا نشاهد من المصلين اناساً كثيرين لا يستقبلون القبلة تجدهم يكون الصف ممتداً ويكون اتجاهه إلى غير الكعبة وهذا خطأ عظيم، الإنسان الذي في المسجد الحرام يجب أن يتجه بجميع بدنه إلى بناية الكعبة لا يخرج بشيء من بدنه عن بناية الكعبة؛ لأنه أمكنه مشاهدتها، ومن أمكنه مشاهدتها وجب عليه استقبال عينها، أما إذا كان لا يمكنه مشاهدتها فإنه يكفي أن يستقبل جهتها لقول النبي ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي أيوب ﵁: " إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا " (١) . فأمر النبي ﵊ أهل المدينة أن يشرقوا أو يغربوا عند قضاء الحاجة لأجل ألا يستقبلوا القبلة أو يستدبروها، فدل هذا على أن قبلة أهل المدينة الجنوب كل الجنوب من طرفه إلى طرفه فيكون فرضهم استقبال الجهة، وهكذا أيضاً من لم تمكنه مشاهدة الكعبة فإنه يجب عليه استقبال جهتها، ولهذا قال بعض أهل العلم من كان في المسجد استقبل عين الكعبة، ومن كان خارج المسجد استقبل المسجد، ومن كان بعيداً استقبل مكة، ومن كان أبعد استقبل الجهة، ولكن هذا التفصيل ليس عليه دليل، ولكن المهم أن من أمكنه أن يشاهد الكعبة وجب عليه استقبالها ومن لم يمكنه وجب عليه استقبال جهتها. وأنا أحذر كثيراً من المصلين الذين يصلون في المسجد الحرام

стр. 4435

من أنهم لا يستقبلون الكعبة عن يمينهم أو عن يسارهم ولا يستقبلون عينها وهذا خطأ عظيم لا تصح معه الصلاة. والله الموفق. -

стр. 4436

رسالة قال فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً: الصلاة: هي الركن الثاني من أركان الإسلام وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين. الصلاة: صلة بين العبد وبين ربه، قال النبي ﷺ : " إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه " (١) . وقال الله تعالى في الحديث القدسي: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى أثني علي عبدي. وإذا قال مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل (٢) . الصلاة: روضة عبادات فيها من كل زوج بهيج، تكبير يفتتح به الصلاة، وقيام يتلو فيه المصلي كلام الله، وركوع يعظم فيه الرب، وقيام من الركوع يملؤه بالثناء على الله، وسجود يسبح الله تعالى فيه بعلوه ويبتهل إليه بالدعاء، وقعود للدعاء والتشهد، وختام بالتسليم. ...

стр. 4437

الصلاة: عون في المهمات ونهي عن الفحشاء والمنكرات، قال الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (١) . وقال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (٢) . الصلاة: نور المؤمنين في قلوبهم ومحشرهم، قال النبي ﷺ " الصلاة نور " (٣) . وقال: " من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة " (٤) . الصلاة: سرور نفوس المؤمنين وقرة أعينهم، قال النبي ﷺ : " جعلت قرة عيني في الصلاة " (٥) . ... الصلاة: تمحى بها الخطايا وتكفر السيئات، قال النبي ﷺ : " أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه (وسخه) شيء "؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: " فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا " (٦) . وقال ﷺ : " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر " (٧) . "

стр. 4438

صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ". رواه ابن عمر عن النبي (١) . وقال ابن مسعود ﵁: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف " (٢) . الخشوع في الصلاة (وهو حضور القلب) والمحافظة عليها من أسباب دخول الجنات، قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (٣) . الإخلاص لله تعالى في الصلاة وأدائها كما جاءت به السنة هما الشرطان الأساسيان لقبولها، قال النبي ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات،

стр. 4439

وإنما لكل امرىء ما نوى " (١) . وقال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (٢) . فتطهر من الحدث والنجاسة، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم استفتح، ثم اقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن ثم كبر حين تهوي للركوع واركع حتى تطمئن راكعاً، وقل سبحان ربي العظيم، ثم ارفع من الركوع قائلاً: سمع الله لمن حمده، وبعد القيام ربنا ولك الحمد، واطمئن قائماً، ثم كبر حين تهوي للسجود واسجد حتى تطمئن ساجداً على الأعضاء السبعة: الجبهة مع الأنف، والكفين والركبتين، وأطراف القدمين، وقل سبحان ربي الأعلى، ثم انهض مكبراً واجلس حتى تطمئن جالساً، وقل: رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني، ثم اسجد مكبراً حتى تطمئن ساجداً على الأعضاء السبعة وقل: سبحان ربي الأعلى، ثم ارفع مكبراً للركعة الثانية وافعل فيها كالأولى بدون استفتاح، ثم اجلس بعد انتهائها للتشهد ثم سلم. وإن كنت في ثلاثية أو رباعية فقم بعد التشهد الأول وأتمها مقتصراً على الفاتحة، وإذا انتهيت من الصلاة فاستغفر الله ثلاثاً واذكر الله كما جاءت به السنة. والله الموفق. كتبه محمد الصالح العثيمين في ١٣/٤/١٤٠٦ هـ

стр. 4440

رسالة الحمد لله، وبعد فقد اطلعت على ما نشر في جريدة (.) الأثنين ٢٢ من ذي القعدة عام ١٤١٧ هـ حول الفتوى الصادرة مني في امرأة تسأل عن زوجها الذي لا يصلي صلاة الجمعة ولا مع الجماعة مع أنه يصلي الأوقات التي تحضره وهو في البيت فإنه يأتي ويقول إني صليت، والله أعلم، فما الحكم هل تبقى معه الزوجة أم تطلب الطلاق؟ اهـ. وكانت الإجابة: هذا الزوج لا يخرج من الإسلام لأنه لم يترك الصلاة كلياً، لكنه - والعياذ بالله - من أفسق الناس، وفعله هذا أعظم من فعل الفواحش، فإن تمكنت من مفارقته فهو أولى إلا أن يهديه الله تعالى ويتوب، أما إن كان لا يصلي أبداً فإنه لا يجوز لها أن تبقى معه؛ لأنها حرام عليه حينئذ؛ لأن الذي لا يصلي يعتبر كافراً، والمؤمنة لا تحل لكافر. عليك أن تنصحيه وأن تهدديه بطلب الطلاق لعل الله يهديه. اهـ. وكان الخطأ الذي اقتضى ما نشر هو أن السؤال كتب هكذا: لا يصلي صلاة الجماعة ولا مع الجماعة. والصواب لا يصلي صلاة الجمعة. وحقيقة حال الزوج حسب السؤال: ١ - أنه لا يصلي الجمعة. ٢ - أنه لا يصلي مع الجماعة. ٣ - أنه يصلي الصلاة التي تحضره في البيت وأما خارجه فهو يقول إنه

стр. 4441

صلى، والمرأة شاكة فيه وليس ذنبه أنه لا يصلي مع الجماعة فقط. ومن المعلوم أن من علماء السلف من قال بأن من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى خرج وقتها فهو كافر مرتد نقله المنذري في الترغيب والترهيب عن أبي محمد ابن حزم قال -أي ابن حزم - وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ﵃ أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفاً (١) . اهـ. وثبت عن النبي ﷺ أن من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه (٢) . ومما لا شك فيه أن العمل الذي يكون به مرتداً أعظم من الفواحش الموجبة للفسق. وللبيان حرر بقلم محمد الصالح العثيمين في ٢٤/١١/١٤١٧ هـ.

стр. 4442

صلى، والمرأة شاكة فيه وليس ذنبه أنه لا يصلي مع الجماعة فقط. ومن المعلوم أن من علماء السلف من قال بأن من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى خرج وقتها فهو كافر مرتد نقله المنذري في الترغيب والترهيب عن أبي محمد ابن حزم قال -أي ابن حزم - وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ﵃ أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفاً (١) . اهـ. وثبت عن النبي ﷺ أن من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه (٢) . ومما لا شك فيه أن العمل الذي يكون به مرتداً أعظم من الفواحش الموجبة للفسق. وللبيان حرر بقلم محمد الصالح العثيمين في ٢٤/١١/١٤١٧ هـ.

стр. 4443

الأذان والإقامة

стр. 4444

٧٨) سئل فضيلة الشيخ: أيهما أفضل الأذان أم الإمامة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن الأذان أفضل من الإمامة، لورود الأحاديث الدالة على فضله، مثل قوله ﷺ : " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا " (١) . وكقوله ﷺ : " المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة " (٢) . فإن قال قائل: الإمامة ربطت بأوصاف شرعية مثل " يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله " ومعلوم أن الأقرأ أفضل، فقرنها بأقرأ يدل على أفضليتها؟ فالجواب: أننا لا نقول لا أفضلية في الإمامة بل الإمامة ولاية شرعية ذات فضل، ولكننا نقول: إن الأذان أفضل من الإمامة لما فيه من إعلان ذكر الله تعالى وتنبيه الناس على سبيل العموم، ولأن الأذان أشق من الإمامة، وإنما لم يؤذن رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون؛ لأنهم اشتغلوا بأهم من المهم، لأن الإمام يتعلق به جميع الناس فلو تفرغ لمراقبة الوقت لانشغل عن مهمات المسلمين. * * * ٧٩) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الإقامة للصلاة في حق المرأة ؟ ...

стр. 4445

فأجاب قائلاً: لا حرج على المرأة أن تقيم الصلاة إذا كانت تصلي في بيتها، وإن لم تقم الصلاة فلا حرج عليها أيضاً، لأن إقامة الصلاة إنما تجب على جماعة الرجال، حتى الرجل المنفرد إذا صلى منفرداً فإن الإقامة لا تجب عليه، وإن أقام فهو أفضل، وإن لم يقم فلا حرج عليه. * * * ٨٠) وسئل فضيلته: عن حكم الأذان في حق المسافرين ؟ فأجاب بقوله: هذه المسألة محل خلاف، والصواب وجوب الأذان على المسافرين، وذلك أن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث وصحبه: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (١) . وهم وافدون على رسول الله ﷺ مسافرون إلى أهليهم، ولأن النبي ﷺ لم يدع الأذان ولا الإقامة حضراً ولا سفراً، فكان يؤذن في أسفاره ويأمر بلالاً ﵁ أن يؤذن. * * * ٨١) وسئل حفظه الله: هل يلزم المسافر الأذان والإقامة ؟ فأجاب فضيلته بقوله: الأذان للصلاة والإقامة لها لا يلزمك إن لم يوجد غيرك بل هما سنة لك، أما إذا كان معك أحد فالأذان والإقامة واجبان عليكما ففي صحيح البخاري عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتى رجلان إلى النبي ﷺ يريدان السفر فقال النبي ﷺ : " إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما " (٢) . الحديث.

стр. 4446

٨٢) وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الأذان والإقامة للمنفرد ؟ فأجاب بقوله: الأذان والإقامة للمنفرد سنة، وليسا بواجب؛ لأنه ليس لديه من يناديه بالأذان، ولكن نظراً لأن الأذان ذكراً لله ، وتعظيماً، ودعوة لنفسه إلى الصلاة وإلى الفلاح، وكذلك الإقامة كان سنة، ويدل على استحباب الأذان ما جاء في حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يعجب ربك من راعي غنم على رأس الشظية للجبل يؤذن للصلاة، فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة " (١) . * * * ٨٣) وسئل: إذا جمع الإنسان الظهر والعصر فهل لكل واحدة منهما إقامة؟ وهل للنوافل إقامة ؟ فأجاب قائلاً: لكل واحدة إقامة، كما في حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ ، حيث ذكر جمعه في مزدلفة قال: " أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء ولم يسبح بينهما " (٢) . وأما النوافل فليس لها إقامة. * * * ٨٤) وسئل قضيلة الشيخ: هل الأذان واجب على المنفرد؟ وما

стр. 4447

صحة الاستدلال بحديث: " إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم " على وجوب الأذان والإقامة على المنفرد؟ فأجاب قائلاً: الأذان للمنفرد إذا كان في مكان ليس فيه مؤذنون مشروع، إما وجوباً، وإما استحباباً على قولين في ذلك هما روايتان عن الإمام أحمد. وأما الاستدلال بحديث: " فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم " فيحتمل أن المراد بالتشهد ما يقال بعد الوضوء، والله أعلم. * * * ٨٥) وسئل فضيلة الشيخ: عن مسجد في مزرعة قريبة من البلد ويسمعون أذان البلد فهل يؤذنون ؟ فأجاب بقوله: إذا كان للمسجد مؤذن معين من قبل الأوقاف فلا بأس به وإن كانوا يسمعون أذان البلد. * * * ٨٦) سئل فضيلة الشيخ: عن إمام دخل المسجد وقد أذن المؤذنون في البلد ولم يؤذن في مسجده فهل يؤذن أن يقيم مباشرة ؟ فأجاب قائلاً: إذا دخل الإمام مسجداً لم يؤذن فيه فلا حرج أن يقيم الصلاة بدون أذان، لأن الأذان فرض كفاية، وقد حصل بأذان الآخرين في المساجد المجاورة. أما إذا دخل الإمام مسجداً ليس حوله مؤذنون فإنه يؤذن، مثل رجل مسافر وكان حال الأذان في البر ولا يسمع النداء فدخل هو وأصحابه المسجد ليصلوا، ورأو الناس قد صلوا فإنه يحسن أن يؤذنوا ثم يقيموا، ولكن يكون الأذان بقدر ما يسمعون هم أنفسهم دون أن

стр. 4448

يكون فيه مكبر صوت أو بصوت عال، لئلا يشوش على الناس. * * * ٨٧) وسئل فضيلة الشيخ: هل يجب الأذان للصلاة المقضية ؟ فأجاب بقوله: إذا كان الإنسان في بلد قد أذن فيه للصلاة كما لو نام جماعة في البلد ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس فلا يجب عليهم الأذان اكتفاءً بالأذان العام في البلد؛ لأن الأذان العام في البلد حصل به الكفاية وسقطت به الفريضة. أما إذا كان في مكان لم يؤذن فيه فالأذان واجب؛ لأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر في سفره ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس أمر بلالاً أن يؤذن (١) وأن يقيم وهذا يدل على وجوبه، ولعموم قوله ﷺ : " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (٢) . فإنه يشمل حضورها بعد الوقت وفي الوقت. * * * ٨٨) وسئل فضيلته عن حكم أخذ الأجرة على الأذان ؟ فأجاب قائلاً: لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان لأنه قربة من القرب وعبادة من العبادات، والعبادات لا يجوز أخذ الأجرة عليها لقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٣) . ولأنه إذا أراد بالأذان

стр. 4449

الدنيا بطل عمله، فلم يكن أذانه صحيحاً، وقد قال النبي ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (١) إلا الرزق فلا يحرم أن يعطى المؤذن والمقيم عطاء من بيت المال وهو ما يعرف في وقتنا الحاضر بالراتب؛ لأن بيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين. * * * ٨٩) وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته -: عن حكم أخذ المال على فعل الطاعات ؟ فأجاب بقوله: العوض الذي يعطاه من قام بطاعة من الطاعات ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون ذلك بعقد أجرة مثل أن يتفق هذا العامل القائم بهذه الطاعة مع غيره على عقد إجازة ملزمة يكون فيها كل من العوضين مقصوداً، فالصحيح أن ذلك لا يصح كما لو قام أحد بالإمامة والأذان بأجرة، وذلك لأن عمل الآخرة لا يصح أن يكون وسيلة للدنيا؛ لأن عمل الآخرة أشرف وأعلى من أن يكون وسيلة لعمل الدنيا الذي هو أدنى، قال تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى *إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (٢) . القسم الثاني: أن يأخذ عوضاً على هذا العمل على سبيل الجعالة مثل أن يقول قائل: من قام بالأذان في هذا المسجد فله كذا وكذا، أو من قام بالإمامة في هذا المسجد فله كذا وكذا فالصحيح من أقوال أهل

стр. 4450

العلم في هذه المسألة أن ذلك جائزاً؛ لأن هذا العمل ليس أجرة وليس ملزماً. القسم الثالث: أن يكون العوض من بيت المال تبذله الدولة لمن قام بهذا العمل فهذا جائز ولا شك فيه؛ لأنه من المصارف الشرعية لبيت المال، وأنت مستحق له بمقتضى هذا العمل فإذا أخذته فلا حرج عليك، ولكن ينبغي أن يعلم أن هذه الأموال التي تباح لمن قام بهذه الوظائف لا ينبغي أن تكون هي مقصود العبد، فإنه إذا كانت مقصودة حرم الأجر، وأما إذا أخذها ليستعين بها على طاعة الله، وعلى القيام بهذا العمل فإنها لا تضره. * * * ٩٠) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن ؟ فأجاب بقوله: قراءة القرآن بالأجرة حرام، لأن قراءة القرآن عمل صالح، والعمل الصالح لا يجوز أن يتخذ وسيلة للدنيا، فإن اتخذ وسيلة لها بطل ثوابه لقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (١) . وقال النبي ﷺ : " من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (٢) . فقاريء القرآن لأخذ الأجرة ليس له ثواب عند الله
следующие страницы →